Полный текст (1 203 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَالْوَجْهُ فِي إِبْطَالِهِمَا (١) أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِجْزَاءَ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ سُقُوطِ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ، بَلْ سُقُوطُ الْقَضَاءِ بِالْفِعْلِ فِي حَقِّ مَنْ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ (٢) .
وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ عِلَّةَ صِحَّةِ (٣) وُجُوبِ الْقَضَاءِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاكُ مَا فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ أَصْلِ الْعِبَادَةِ، أَوْ صِفَتِهَا، أَوْ مَصْلَحَةِ مَا انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ.
وَلَمْ يَجِبْ لِمَانِعٍ " لَا مَا قِيلَ " (٤) .
وَإِذَا تَنَقَّحَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَنَعُودُ إِلَى الْمَقْصُودِ، فَنَقُولُ: الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَتَى بِهِ الْمَأْمُورُ عَلَى نَحْوِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ وَلَا نَقْصٍ فِي صِفَتِهِ وَشَرْطِهِ، أَوْ أَتَى بِهِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: " أَنَّهُ " لَا نِزَاعَ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُجْزِئٍ وَلَا مُسْقِطٍ لِلْقَضَاءِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِيهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُرُودُ أَمْرٍ مُجَدَّدٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِفِعْلٍ مِثْلِ مَا أُمِرَ بِهِ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ مُتَّصِفًا بِصِفَةِ الْقَضَاءِ، وَالْحَقُّ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عِبَارَةٌ عَنِ اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْأَدَاءِ، أَوْ مَصْلَحَةِ صِفَتِهِ، أَوْ شَرْطِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ قَدْ فَعَلَ عَلَى جِهَةِ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ وَلَا خَلَلٍ فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا قَدْ حَصَلَ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَمَنْ يَنْفِي الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَنْفِيهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ مَعَ تَحْقِيقِهِ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُنْكِرُ إِمْكَانَ وُرُودِ الْأَمْرِ خَارِجَ الْوَقْتِ، بِمِثْلِ مَا فَعَلَ أَوَّلًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُسَمِّيهِ قَضَاءً، وَمَنْ سَمَّاهُ قَضَاءً فَحَاصِلُ النِّزَاعِ مَعَهُ آيِلٌ إِلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى. стр. 457
شُبَهُ الْخُصُومِ: الْأُولَى أَنَّ مَنْ صَلَّى وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ - وَلَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا - مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِهَا مَعَ الطَّهَارَةِ حَقِيقَةً فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ بِصَلَاتِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فَقَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا.
وَكَذَلِكَ الْمُفْسِدُ لِلْحَجِّ مَأْمُورٌ بِمُضِيِّهِ فِي حَجِّهِ الْفَاسِدِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ طَلَبِ الْفِعْلِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِمِثْلِ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَلَا يَكُونُ مُقْتَضِيًا لَهُ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْأَمْرَ مِثْلُ النَّهْيِ فِي الطَّلَبِ، وَالنَّهْيُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَالْأَمْرُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُجْزِئًا.
وَجَوَابُ الْأُولَى: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فِيمَا إِذَا صَلَّى عَلَى ظَنِّ الطَّهَارَةِ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عَلَى قَوْلٍ لَنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَكِنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَظْنُونِ طَهَارَتُهَا، وَلَا عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، وَإِنَّمَا الْقَضَاءُ اسْتِدْرَاكٌ لِمَصْلَحَةِ مَا أُمِرَ بِهِ أَوَّلًا مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الطَّهَارَةِ، وَالْحَجُّ الْعُرْيُ عَنِ الْفَسَادِ.
وَعَنِ الثَّانِيَةِ: أَنَّا لَا نَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ أَمْرٍ يَدُلُّ عَلَى مِثْلِ مَا فَعَلَ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا الْمُدَّعَى أَنَّهُ إِذَا أَتَى الْمَأْمُورُ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا أُمِرَ بِهِ امْتَنَعَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّفْسِيرِ (١)
وَعَنِ الثَّالِثَةِ: أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ وَإِنْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ، غَيْرَ أَنَّا لَا نَقُولُ بِأَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى الْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، بَلِ امْتِثَالُ الْأَمْرِ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ (٢) وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. стр. 458
[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ورود صِيغَةُ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ
إِذَا وَرَدَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " بَعْدَ الْحَظْرِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا لِلْوُجُوبِ قَبْلَ الْحَظْرِ اخْتَلَفُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِسَبْقِ الْحَظْرِ تَأْثِيرًا كَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا لِلْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَجْرِ لَا غَيْرُ وَهُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ، وَمَوْقُوفَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، إِلَّا أَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلْإِبَاحَةِ وَلِلْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا وَرَدَتْ بَعْدَ الْحَظْرِ احْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إِلَى الْإِبَاحَةِ وَرَفْعِ الْحَجْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ ، وَقَوْلِهِ ﷺ : " «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَادَّخِرُوا» " وَاحْتُمِلَ أَنْ تَكُونَ مَصْرُوفَةً إِلَى الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ قِيلَ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ: إِذَا زَالَ عَنْكِ الْحَيْضُ فَصَلِّي وَصُومِي.
وَعِنْدَ هَذَا فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِتَسَاوِي الِاحْتِمَالَيْنِ، أَوْ بِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
فَإِنْ قِيلَ بِالتَّسَاوِي امْتَنَعَ الْجَزْمُ بِأَحَدِهِمَا وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ.
وَإِنْ قِيلَ بِوُجُوبِ التَّرْجِيحِ وَامْتِنَاعِ التَّعَارُضِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَيْسَ اخْتِصَاصُ الْوُجُوبِ بِهِ أَوْلَى مِنَ الْإِبَاحَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَعَلَى هَذَا أَيْضًا فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ، كَيْفَ وَأَنَّ احْتِمَالَ الْحَمْلِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَرْجَحُ؟ نَظَرًا إِلَى غَلَبَةِ وُرُودِ مِثْلِ ذَلِكَ لِلْإِبَاحَةِ دُونَ الْوُجُوبِ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَمْتَنِعُ الصَّرْفُ إِلَى الْوُجُوبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ أَنَّ صِيغَةَ (افْعَلْ) إِذَا وَرَدَتْ مُطْلَقَةً هَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ أَوْ مَوْقُوفَةٌ؟
وَقَدْ تَقَرَّرَ مَأْخَذُ كُلِّ فَرِيقٍ وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِيهِ. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .
стр. 459
[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ فَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ]
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ
إِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ فَلَمْ تُفْعَلْ فِيهِ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ فُعِلَتْ فِيهِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ، اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ قَضَائِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ هَلْ هُوَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ؟
الْأَوَّلُ هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالثَّانِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةِ.
وَنُقِلَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ أَنَّهُ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقِيَاسِ الشَّرْعِ.
وَإِنْ وَرَدَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ فَمَنْ قَالَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْفَوْرِ.
اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْإِخْلَالُ بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ هَلْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَوْ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ؟
وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَهْمَا قُيِّدَ الْأَمْرُ بِوَقْتٍ فَالْقَضَاءُ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ.
وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ مُشْعِرًا بِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ " صُمْ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ أَوْ صَلِّ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ " فَإِنَّهُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ لُغَةً.
الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ الْفِعْلَ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمُكَلِّفِ إِذْ هُوَ الْأَصْلُ فِي شَرْعِ الْأَحْكَامِ.
وَسَوَاءٌ ظَهَرَتِ الْحِكْمَةُ أَمْ لَمْ تَظْهَرْ، وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَاصِلَةً مِنَ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ غَيْرَ حَاصِلَةٍ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ، وَالْأَصْلُ الْعَدَمُ.
الثَّانِي: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَاصِلَةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مِثْلًا لَهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَوْ أَزْيَدَ، لَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ أَزْيَدَ وَإِلَّا كَانَ الْحَثُّ عَلَى إِيجَادِ الْفِعْلِ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِهِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ فِي الْوَقْتِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلًا فَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ تَخْصِيصُ أَحَدِ الْوَقْتَيْنِ بِالذِّكْرِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ.
стр. 460
الثَّالِثُ: أَنَّ الْفِعْلَ فِي الْوَقْتِ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ أَدَاءً، وَقَدْ قَالَ ﵇ (١) : " «لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إِلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ» ".
وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَاصِلَةً فِي الْوَقْتِ الثَّانِي حَسَبَ حُصُولِهَا فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ لِلْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لَهُ فِيمَا بَعْدَهُ.
وَصَارَ هَذَا كَمَا لَوْ أَمَرَ الطَّبِيبُ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ فِي وَقْتٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَكَذَلِكَ إِذَا عَلَّقَ الْأَمْرَ بِشَرْطٍ مُعَيَّنٍ كَاسْتِقْبَالِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ كَالْأَمْرِ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْوُجُوهِ الْأُوَلِ: هُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ، فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مُقْتَضِيًا لِلْقَضَاءِ لَكَانَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ فِيمَا فُرِضَ مِنَ الصُّوَرِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ : " «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» " أَمَرَ بِالْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَتْ فَائِدَةُ الْخَبَرِ التَّأْكِيدَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ لَكَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسَ، وَهُوَ أَوْلَى لِعِظَمِ فَائِدَتِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ : " «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» " وَمَنْ فَاتَهُ الْوَقْتُ الْأَوَّلُ فَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لِلْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي.
الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مُقْتَضَاهُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَلَا يَكُونُ مَطْلُوبًا بِالْأَمْرِ إِذْ لَيْسَ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ، فَاخْتِلَالُهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي مُقْتَضَى الْأَمْرِ وَهُوَ الْفِعْلُ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ فِي الشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ الْقَضَاءُ بِتَقْدِيرِ فَوَاتِ أَوْقَاتِهَا الْمُعَيَّنَةِ، وَلَا بُدَّ لِذَلِكَ مِنْ مُقْتَضٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ كُلِّ مَا سِوَى الْأَمْرِ السَّابِقِ، فَكَانَ هُوَ الْمُقْتَضَى. стр. 461
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ لَكَانَ أَدَاءً كَمَا فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمَا كَانَ لِتَسْمِيَتِهِ قَضَاءً مَعْنًى.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْعِبَادَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْوَقْتُ الْمَفْرُوضُ كَالْأَجَلِ لَهَا، فَفَوَاتُ أَجَلِهَا لَا يُوجِبُ سُقُوطَهَا كَمَا فِي الدَّيْنِ لِلْآدَمِيِّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ وُجُوبُ الْفِعْلِ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ لَسَقَطَ الْمَأْثَمُ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ وُجُوبِ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوُجُوبِ، فَالْقَوْلُ بِالسُّقُوطِ بِفَوَاتِ الْأَجَلِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الْأَصْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى: أَنَّ الْخَبَرَ دَلِيلُ وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِمَا اسْتُطِيعَ مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنْ لَوْ كَانَ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي دَاخِلًا تَحْتَ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ اقْتَضَى مُطْلَقَ الْفِعْلِ أَوْ فِعْلًا مَخْصُوصًا بِصِفَةِ وُقُوعِهِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ.
وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ الْقَضَاءَ فِيمَا قِيلَ بِقَضَائِهِ إِنَّمَا كَانَ بِنَاءً عَلَى أَدِلَّةٍ أُخْرَى، لَا بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُمُ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، قُلْنَا: وَالْأَصْلُ عَدَمُ دَلَالَةِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، كَيْفَ وَقَدْ بَيَّنَّا عَدَمَ دَلَالَتِهِ؟
وَعَنِ الرَّابِعِ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ قَضَاءً لِكَوْنِهِ مُسْتَدْرِكًا لِمَا فَاتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوَّلًا، أَوْ مَصْلَحَةِ وَصْفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.
وَعَنِ الْخَامِسِ بِمَنْعِ كَوْنِ الْوَقْتِ أَجَلًا لِلْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِذِ الْأَجَلُ عِبَارَةٌ عَنْ وَقْتِ مُهْلَةٍ وَتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، كَمَا فِي الْحَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
وَلِذَلِكَ لَا يَأْثَمُ بِإِخْرَاجِ وَقْتِ الْأَجَلِ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَإِخْرَاجِ الْحَوْلِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْوَقْتُ الْمُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ، بَلْ هُوَ صِفَةُ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ.
وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلٌ بِصِفَةٍ لَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا لَهُ دُونَ تِلْكَ الصِّفَةِ.
وَعَلَى هَذَا فَلَا يَخْفَى الْكَلَامُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ إِذَا كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْفَوْرِ، وَلَمْ يُؤْتَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ.
стр. 462
[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَمْرِ الْمُكَلِّفِ لِغَيْرِهِ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ]
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ
الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَمْرِ الْمُكَلِّفِ لِغَيْرِهِ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ.
وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا لِذَلِكَ الْغَيْرِ لَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ لُغَةً، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ أَمْرُهُ ﷺ لِأَوْلِيَاءِ الصِّبْيَانِ بِقَوْلِهِ: " «مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ» " أَمْرًا لِلصِّبْيَانِ بِالصَّلَاةِ مِنَ الشَّارِعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ الْمُوَجَّهَ نَحْوَ الْأَوْلِيَاءِ أَمْرُ تَكْلِيفٍ، وَلِذَلِكَ يُذَمُّ الْوَلِيُّ بِتَرْكِهِ شَرْعًا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا أَمْرًا لِلصِّبْيَانِ لَكَانُوا مُكَلَّفِينَ بِأَمْرِ الشَّارِعِ، وَخَاصَّةً ذَلِكَ لِحُقُوقِ الذَّمِّ بِالْمُخَالَفَةِ شَرْعًا، وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي حَقِّ الصِّبْيَانِ، لِعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِخِطَابِ الشَّارِعِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : " «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ» " الْخَبَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: الْأَمْرُ لِلْوَلِيِّ وَالصَّبِيِّ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، غَيْرَ أَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَيْهِمَا مُخْتَلِفَةٌ فَلَا يَمْتَنِعُ اخْتِلَافُهُمَا فِي الذَّمِّ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَمْرًا لِلصَّبِيِّ لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لَفَهِمَ الشَّارِعِ، أَوْ لَا يَكُونَ أَهْلًا لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا حَاجَةَ إِلَى أَمْرِ الْوَلِيِّ لَهُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْكِيدًا، وَالْأَصْلُ فِي إِفَادَةِ الْأَلْفَاظِ لِمَعَانِيهَا إِنَّمَا هُوَ التَّأْسِيسُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لَهُ فَأَمْرُهُ وَخِطَابُهُ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمْرُ الْوَلِيِّ بِأَمْرِ الصِّبْيَانِ أَمْرًا لِلصِّبْيَانِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِذَلِكَ لُغَةً أَوْ لِمُعَارِضٍ، وَالْمُعَارَضَةُ يَلْزَمُ مِنْهَا تَعْطِيلُ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَنْ إِعْمَالِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لَهُ لُغَةً وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ: أَنَّهُ يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ سَالِمٍ: " مُرْ غَانِمًا بِكَذَا "، وَيَقُولُ لِغَانِمٍ: " لَا تُطِعْهُ "، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مُنَاقَضَةً فِي كَلَامِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَمْرًا لِغَانِمٍ لَكَانَ كَأَنَّهُ قَالَ: " أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ طَاعَتِي وَلَا تُطِعْنِي " وَهُوَ تَنَاقُضٌ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْجَبَ الْآمِرُ عَلَى الْمَأْمُورِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَيْرِهِ مَالًا لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِيجَابًا لِلْإِعْطَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِيجَابِ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُمَّةِ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْإِيجَابِ، بَلْ إِنْ
стр. 463
وَجَبَ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِدَلِيلٍ آخَرَ مُوجِبٍ لِطَاعَةِ الرَّسُولِ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَنَفْيًا لِمَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ مِنْ تَحْقِيرِهِ وَهَضْمِهِ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ، الْمُفْضِي إِلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الْبِعْثَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِأَحَدِ عَبْدَيْهِ: " أَوْجَبْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنَ الْعَبْدِ الْآخَرِ كَذَا " وَيَقُولُ لِلْآخَرِ: " حَرَّمْتُ عَلَيْكَ مُوَافَقَتَهُ " مِنْ غَيْرِ مُنَاقَضَةٍ فِيمَا أَوْجَبَهُ، وَلَوْ كَانَ إِيجَابُ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ إِيجَابًا عَلَى الْعَبْدِ الْآخَرِ لَكَانَ تَنَاقُضًا.
فَإِنْ قِيلَ وُجُوبُ الْأَخْذِ إِنَّمَا يَتِمُّ بِالْإِعْطَاءِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
قُلْنَا: إِنْ كَانَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى الْإِعْطَاءِ.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْأَخْذِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ دُونَ الْإِعْطَاءِ فَلَيْسَ كُلُّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ يَكُونُ وَاجِبًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْدُورًا لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ، وَإِعْطَاءُ الْغَيْرِ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا.
[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ فِي اللَّفْظِ بِقَيْدٍ خَاصٍّ]
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (١) إِذَا أَمَرَ بِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ فِي اللَّفْظِ بِقَيْدٍ خَاصٍّ
قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَمْرُ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا، وَذَلِكَ كَالْأَمْرِ بِالْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِالْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ وَلَا بِثَمَنِ الْمَثَلِ إِذْ هُمَا مُتَّفِقَانِ فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ وَمُخْتَلِفَانِ بِصِفَتِهِمَا.
وَالْأَمْرُ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِمَا تَخَصَّصَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَعَمِّ مُتَعَلِّقًا بِالْأَخَصِّ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى إِرَادَةِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ.
قَالَ: وَلِذَلِكَ قُلْنَا إِنَّ الْوَكِيلَ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْجُزْئِيَّاتِ مَعْنًى كُلِّيٌّ لَا تَصَوُّرَ لِوُجُودِهِ فِي الْأَعْيَانِ وَإِلَّا كَانَ مَوْجُودًا فِي جُزْئِيَّاتِهِ.
وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ انْحِصَارُ مَا يَصْلُحُ اشْتِرَاكُ كَثِيرِينَ فِيهِ فِيمَا لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَهُوَ مُحَالٌ. стр. 464
وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ مَعْنَى اشْتِرَاكِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ سِوَى أَنَّ الْحَدَّ الْمُطَابِقَ لِلطَّبِيعَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْكُلِّيَّةِ مُطَابِقٌ لِلطَّبِيعَةِ الْجُزْئِيَّةِ، بَلْ إِنْ تُصُوِّرَ وُجُودُهُ فَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْأَذْهَانِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْأَمْرُ طَلَبُ إِيقَاعِ الْفِعْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَطَلَبُ الشَّيْءِ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ مُتَصَوَّرًا فِي نَفْسِ الطَّالِبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
وَإِيقَاعُ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ فِي الْأَعْيَانِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا فِي نَفْسِ الطَّالِبِ فَلَا يَكُونُ آمِرًا بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَمَنْ أُمِرَ بِالْفِعْلِ مُطْلَقًا لَا يُقَالُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ، فَإِذًا الْأَمْرُ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْجُزْئِيَّاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَعْيَانِ لَا بِالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ، وَبَطَلَ مَا ذَكَرَهُ.
ثُمَّ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْبَيْعِ، فَإِذَا أَتَى الْمَأْمُورُ بِبَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ كَالْبَيْعِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ فَقَدْ أَتَى بِمَا هُوَ مُسَمَّى الْبَيْعِ الْمَأْمُورُ بِهِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ نَظَرًا إِلَى مُقْتَضَى صِيغَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ بِالْبَيْعِ.
وَإِنْ قِيلَ بِالْبُطْلَانِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِعَدَمِ دَلَالَةِ الْأَمْرِ بِهِ بَلْ لِدَلِيلٍ مُعَارِضٍ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ
الْأَمْرَانِ الْمُتَعَاقِبَانِ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ الثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ يَكُونَ مَعْطُوفًا (١) ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَوْ يَتَمَاثَلَ، فَإِنِ اخْتَلَفَ فَلَا خِلَافَ فِي اقْتِضَاءِ الْمَأْمُورِينَ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْوَقْفِ، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَالصَّلَاةِ مَعَ الصَّوْمِ أَمْ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ كَالصَّلَاةِ فِي مَكَانَيْنِ أَوِ الصَّلَاةِ مَعَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ تَمَاثَلَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ قَابِلًا لِلتَّكْرَارِ أَوْ لَا يَكُونُ قَابِلًا لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَابِلًا لَهُ كَقَوْلِهِ: " صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ " فَإِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ الْمَحْضِ، وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لِلتَّكْرَارِ فَإِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ مِمَّا تَمْنَعُ مِنْ تَكَرُّرِهِ كَقَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: " اسْقِنِي مَاءً اسْقِنِي مَاءً " أَوْ كَانَ الثَّانِي مِنْهُمَا стр. 465
مُعَرَّفًا كَقَوْلِهِ: " أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا أَعْطِ زَيْدًا الدِّرْهَمَ " فَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي كَوْنٍ الثَّانِي مُؤَكِّدًا لِلْأَوَّلِ.
وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا لَمْ تَكُنِ الْعَادَةُ مَانِعَةً مِنَ التَّكْرَارِ وَالثَّانِي غَيْرُ مُعَرَّفٍ كَقَوْلِهِ: " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ " " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ ".
فَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنَّ الثَّانِي يُفِيدُ غَيْرَ مَا أَفَادَهُ الْأَوَّلُ، وَيَلْزَمُ الْإِتْيَانُ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مَصِيرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ لَوِ انْفَرَدَ أَفَادَ اقْتِضَاءَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ إِذَا تَقَدَّمَهُ أَمْرٌ آخَرُ لَأَنَّ الِاقْتِضَاءَ لَا يَخْتَلِفُ.
وَخَالَفَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ بِالذَّهَابِ إِلَى الْوَقْفِ وَالتَّرَدُّدِ بَيْنَ حَمْلِ الْأَمْرِ الثَّانِي عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ التَّوْكِيدِ لِلْأَوَّلِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْعَادَةُ مَانِعَةً مِنَ التَّكْرَارِ؛ وَلَا الثَّانِي مُعَرَّفٌ أَنَّ مُقْتَضَى الثَّانِي غَيْرُ مُقْتَضَى الْأَوَّلِ.
وَسَوَاءٌ قُلْنَا إِنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْوُجُوبُ أَمِ النَّدْبُ أَمْ هُوَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كَمَا سَبَقَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا عَيْنَ مَا اقْتَضَاهُ الْأَوَّلُ كَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْكِيدَ، وَلَوْ كَانَ مُقْتَضِيًا غَيْرَ مَا اقْتَضَاهُ الْأَوَّلُ لَكَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسَ، وَالتَّأْسِيسُ أَصْلٌ، وَالتَّأْكِيدُ فَرْعٌ، وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْفَائِدَةِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ النَّفْيِ الْأَصْلَ، وَدَلِيلُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ الْقَدْرِ الزَّائِدِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا يَلْزَمُ مِنَ التَّأْكِيدِ مِنْ مُخَالَفَةِ ظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، أَوْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ لَا خُرُوجَ لَهُ عَنْهُمَا عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ، وَحَمْلُهُ عَلَى التَّأْكِيدِ خِلَافُ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْأَمْرِ.
وَإِذَا تَعَارَضَ التَّرْجِيحَانِ سَلِمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا.
كَيْفَ وَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَفِي تَرْكِهِ مَحْذُورٌ فَوَاتُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْوَاجِبِ وَتَحْصِيلُ مَقْصُودِ التَّأْكِيدِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَفْوِيتَ مَقْصُودِ التَّأْكِيدِ وَتَحْصِيلَ مَقْصُودِ الْوَاجِبِ أَوْلَى.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ الثَّانِي مَعْطُوفًا عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ مُخْتَلِفًا فَلَا نِزَاعَ أَيْضًا فِي اقْتِضَائِهِمَا لِلْمَأْمُورِينَ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ يُمْكِنْ.
وَإِنْ تَمَاثَلَا فَالْمَأْمُورُ بِهِ إِنْ لَمْ يَقْبَلِ التَّكْرَارَ فَالْأَمْرُ الثَّانِي لِلتَّأْكِيدِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، كَقَوْلِهِ: " صُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَصُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "، وَإِنْ كَانَ قَابِلًا لِلتَّكْرَارِ فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعَادَةُ مَانِعَةً
стр. 466
مِنَ التَّكْرَارِ وَلَا الثَّانِي مُعَرَّفٌ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ عَطْفٍ، وَيَزِيدُ تَرْجِيحٌ آخَرُ وَهُوَ مُوَافَقَةُ الظَّاهِرِ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ".
وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْعَادَةُ تَمْنَعُ مِنَ التَّكْرَارِ أَوْ كَانَ الثَّانِي مُعَرَّفًا كَقَوْلِهِ: " اسْقِنِي مَاءً وَاسْقِنِي مَاءً " وَكَقَوْلِهِ: " صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ " فَقَدْ تَعَارَضَ الظَّاهِرُ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ مَعَ اللَّامِ الْمُعَرَّفِ، أَوْ مَعَ مَنْعِ الْعَادَةِ مِنَ التَّكْرَارِ، وَيَبْقَى الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ حَرْفَ عَطْفٍ، وَلَا ثَمَّ تَعْرِيفٌ وَلَا عَادَةٌ مَانِعَةٌ مِنَ التَّكْرَارِ. وَقَدْ عُرِفَ مَا فِيهِ.
وَأَمَّا إِنِ اجْتَمَعَ التَّعْرِيفُ وَالْعَادَةُ الْمَانِعَةُ مِنَ التَّكْرَارِ فِي مُعَارَضَةِ حَرْفِ الْعَطْفِ كَقَوْلِهِ: " اسْقِنِي مَاءً وَاسْقِنِي الْمَاءَ " فَالظَّاهِرُ الْوَقْفُ لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحِ السَّابِقِ الْمُوجِبِ لِحَمْلِ الْأَمْرِ الثَّانِي عَلَى التَّأْسِيسِ وَاقِعٌ فِي مُقَابَلَةِ الْعَادَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ التَّكْرَارِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ، وَلَا يَبْعُدُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِنْ تَرْجِيحَاتٍ أُخَرَ.
стр. 467
[الصِّنْفُ الثَّانِي فِي النَّهْيِ]
[الْمَسْأَلَةُ النَّهْيَ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ الْمُفِيدَةِ لِأَحْكَامِهَا هَلْ يَقْتَضِي فَسَادَهَا]
اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ النَّهْيُ مُقَابِلًا لِلْأَمْرِ فَكُلُّ مَا قِيلَ فِي حَدِّ الْأَمْرِ عَلَى أُصُولِنَا وَأُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ مِنَ الْمُزَيَّفِ وَالْمُخْتَارِ.
فَقَدْ قِيلَ مُقَابِلُهُ فِي حَدِّ النَّهْيِ وَلَا يَخْفَى وَجْهُ الْكَلَامِ فِيهِ.
وَالْكَلَامُ فِي النَّهْيَ " عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا " هَلْ لَهُ صِيغَةٌ تَخُصُّهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ؟ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ أَيْضًا، وَأَنَّ صِيغَةَ " لَا تَفْعَلْ " وَإِنْ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ سَبْعَةِ مَحَامِلَ: وَهِيَ التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْقِيرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ ، وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾ ، وَالدُّعَاءُ كَقَوْلِهِ: " لَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا "، وَالْيَأْسُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ ، وَالْإِرْشَادُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ .
فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِي طَلَبِ التَّرْكِ وَاقْتِضَائِهِ، وَمَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ.
وَأَنَّهَا هَلْ هِيَ حَقِّيَّةٌ (١) فِي التَّحْرِيمِ أَوِ الْكَرَاهَةِ أَوْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا أَوْ مَوْقُوفَةٌ؟ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ مِنَ الْمُزَيَّفِ، وَالْمُخْتَارِ، وَالْخِلَافُ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِهِ، فَعَلَى وَزَانِ الْخِلَافِ فِي مُقَابَلَاتِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْأَمْرِ وَمَأْخَذِهَا كَمَأْخَذِهَا فَعَلَى النَّاظِرِ بِالنَّقْلِ وَالِاعْتِبَارِ.
غَيْرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخَاصَّةِ بِالنَّهْيِ، لِاخْتِصَاصِهَا بِمَأْخَذٍ لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي مُقَابَلَاتِهَا مِنْ مَسَائِلِ الْأَمْرِ، وَهِيَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ. стр. 468
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (١)
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ الْمُفِيدَةِ لِأَحْكَامِهَا كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا هَلْ يَقْتَضِي فَسَادَهَا أَوْ لَا؟
فَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْحَنَابِلَةِ وَجَمِيعِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى فَسَادِهَا، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ الْفَسَادِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْفَسَادِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَالْقَفَّالِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْكَرْخِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِهِمْ.
وَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَفْسَدُ كَالنَّهْيِ عَنِ الْبَيْعِ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِعَيْنِهِ (٢) فَالنَّهْيُ لَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
أَمَّا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنًى لِكَوْنِ التَّصَرُّفُ فَاسِدًا سِوَى انْتِفَاءِ أَحْكَامِهِ وَثَمَرَاتِهِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا مُفِيدًا لَهَا، وَالنَّهْيُ هُوَ طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلِ وَلَا إِشْعَارَ لَهُ بِسَلْبِ أَحْكَامِهِ وَثَمَرَاتِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا مُفِيدًا لَهَا.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: نَهَيْتُكَ عَنْ ذَبْحِ شَاةِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ إِنْ فَعَلْتَ حُلَّتِ الذَّبِيحَةُ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْحِلِّ، وَنَهَيْتُكَ عَنِ اسْتِيلَادِ جَارِيَةِ الِابْنِ لِعَيْنِهِ وَإِنْ فَعَلْتَ مَلَكْتَهَا، وَنَهَيْتُكَ عَنْ بَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا لِعَيْنِهِ وَإِنْ فَعَلْتَ стр. 469
ثَبَتَ الْمِلْكُ، وَكَانَ الْبَيْعُ سَبَبًا لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَنَاقِضًا.
وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ عَنِ التَّصَرُّفِ لِعَيْنِهِ مُقْتَضِيًا لِفَسَادِهِ لَكَانَ ذَلِكَ مُتَنَاقِضًا (١) .
وَأَمَّا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلِ، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَقْصُودٍ دَعَا الشَّارِعُ إِلَى طَلَبِ تَرْكِ الْفِعْلِ (٢) أَوْ لَا لِمَقْصُودٍ لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَا لِمَقْصُودٍ.
أَمَّا عَلَى أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِأَنَّهُ عَبَثٌ وَالْعَبَثُ قَبِيحٌ وَالْقَبِيحُ لَا يَصْدُرُ مِنَ الشَّارِعِ.
وَأَمَّا عَلَى أُصُولِنَا (٣) فَإِنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا خُلُوَّ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْحِكَمِ وَالْمَقَاصِدِ غَيْرَ أَنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَشْرُوعَةَ لَا تَخْلُو عَنْ حِكْمَةٍ وَمَقْصُودٍ رَاجِعٍ إِلَى الْعَبْدِ، لَكِنْ لَا بِطْرِيقَ الْوُجُوبِ بَلْ بِحُكْمِ الْوُقُوعِ.
فَالْإِجْمَاعُ إِذًا مُنْعَقِدٌ عَلَى امْتِنَاعِ خُلُوِّ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ الْحُكْمِ، وَسَوَاءٌ ظَهَرَتْ لَنَا أَمْ لَمْ تَظْهَرْ.
وَبِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِ خُلُوِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ عَنِ الْحِكْمَةِ إِلَّا أَنَّهُ نَادِرٌ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الْخُلُوِّ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَإِدْرَاجُ مَا وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ تَحْتَ الْغَالِبِ يَكُونُ أَغْلَبَ.
وَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَا لِمَقْصُودٍ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِمَقْصُودٍ، وَإِذَا كَانَ لِمَقْصُودٍ فَلَوْ صَحَّ التَّصَرُّفُ وَكَانَ سَبَبًا لِحُكْمِهِ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ النَّهْيِ رَاجِحًا عَلَى مَقْصُودِ الصِّحَّةِ أَوْ مُسَاوِيًا أَوْ مَرْجُوحًا، لَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا إِذِ الْمَرْجُوحُ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا مَطْلُوبًا فِي نَظَرِ الْعُقَلَاءِ.
وَالْغَالِبُ مِنَ الشَّارِعِ إِنَّمَا هُوَ التَّقْرِيرُ لَا التَّغْيِيرُ.
وَمَا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا فَلَا يُرَدُّ طَلَبُ التَّرْكِ لِأَجْلِهِ، وَإِلَّا كَانَ الطَّلَبُ خَلِيًّا عَنِ الْحِكْمَةِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِمَا سَبَقَ. стр. 470
وَبِمِثْلِ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسَاوِيًا (١) فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى مَقْصُودِ الصِّحَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ الصِّحَّةِ وَامْتِنَاعُ انْعِقَادِ التَّصَرُّفِ لِإِفَادَةِ أَحْكَامِهِ، وَإِلَّا كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ خَلِيًّا عَنْ حِكْمَةٍ وَمَقْصُودٍ، ضَرُورَةَ كَوْنِ مَقْصُودِهَا مَرْجُوحًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ خَلِيًّا عَنِ الْحِكْمَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
فَإِنْ قِيلَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ كَوْنِ النَّهْيِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْنَى.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّصِّ فَقَوْلُهُ ﷺ : " «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» " وَالْمَرْدُودُ مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا مَقْبُولٍ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ وَلَا هُوَ مِنَ الدِّينِ فَكَانَ مَرْدُودًا.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ اسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ الْعُقُودِ بِالنَّهْيِ، فَمِنْ ذَلِكَ احْتِجَاجُ ابْنِ عُمَرَ عَلَى فَسَادِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا.
وَمِنْهَا احْتِجَاجُ الصَّحَابَةِ عَلَى فَسَادِ عُقُودِ الرِّبَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ ، وَبِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ» " الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى حَمْلِ بَعْضِ الْمَنَاهِي عَلَى الْفَسَادِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْجُزْءِ الْمَجْهُولِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقْتَضَى النَّهْيِ لَكَانَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَكَانَ مُقْتَضَى النَّهْيِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْفَسَادُ حَيْثُ وُجِدَ، وَإِلَّا كَانَ فِيهِ نَفْيُ الْمَدْلُولِ مَعَ تَحَقُّقِ دَلِيلِهِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ.
الثَّانِي: النَّهْيُ مُشَارِكٌ لِلْأَمْرِ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ وَمُخَالِفٌ لَهُ فِي طَلَبِ التَّرْكِ، وَالْأَمْرُ دَلِيلُ الصِّحَّةِ فَلْيَكُنِ النَّهْيُ دَلِيلُ الْفَسَادِ الْمُقَابِلِ لِلصِّحَّةِ، ضَرُورَةَ كَوْنِ النَّهْيِ مُقَابِلًا لِلْأَمْرِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ مُقَابِلًا لِحُكْمِ الْآخَرِ. стр. 471
ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَنْقُوضٌ بِالنَّهْيِ عَنِ الْعِبَادَةِ لِعَيْنِهَا، فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَلَوْ صَرَّحَ النَّاهِي بِالصِّحَّةِ لَكَانَ مُتَنَاقِضًا.
وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النَّهْيَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ لُغَةً، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ دَلَالَتَهُ عَلَى الْفَسَادِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ وُجُوبِ تَرْجِيحِ مَقْصُودِ النَّهْيِ عَلَى مَقْصُودِ الصِّحَّةِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ يُنَاسِبُ نَفْيَ الصِّحَّةِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الصِّحَّةِ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ شَاهِدٌ بِالِاعْتِبَارِ.
وَلَوْ بَيَّنْتُمْ لَهُ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ كَانَ الْفَسَادُ لَازِمًا مِنَ الْقِيَاسِ، لَا مِنْ نَفْسِ النَّهْيِ وَلَا مِنْ مَعْنَاهُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» " مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَأْتِيَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَبَبٌ لِتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ لَيْسَ مِنَ الدِّينِ حَتَّى يَكُونَ مَرْدُودًا.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْفَاعِلَ وَتَقْدِيرُهُ: مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، فَالْفَاعِلُ رَدٌّ أَيْ مَرْدُودٌ وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَرْدُودًا أَنَّهُ غَيْرُ مُثَابٍ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى الْفِعْلِ أَوْلَى إِذْ هُوَ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ.
قُلْنَا: إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا عَادَ إِلَى نَفْسِ الْفَاعِلِ فَكَانَ عَوْدُهُ إِلَى الْفَاعِلِ أَوْلَى.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَإِنْ عَادَ إِلَى نَفْسِ الْفِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ رَدًّا أَنَّهُ مَرْدُودٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَمَا لَا يَكُونُ مَقْبُولًا هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُثَابًا عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُثَابٍ غَيْرُ مُثَابٍ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزَاعِ.
وَعَنِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُمَا عَلَى الْفَسَادِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النَّهْيِ، بَلْ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَهُوَ قَوْلُهُ: " «فَهُوَ رَدٌّ» " وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ ذَلِكَ (١) . стр. 472
وَعَنِ الْإِجْمَاعِ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ احْتِجَاجِهِمْ بِدَلَالَةِ النَّهْيِ لُغَةً عَلَى الْفَسَادِ، بَلْ إِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالنَّظَرِ إِلَى دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا (١) ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَعْنَى.
وَعَنِ الثَّانِي مِنَ الْمَعْنَى أَنَّ النَّهْيَ وَإِنْ كَانَ مُقَابِلًا لِلْأَمْرِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ مُقْتَضٍ لِلصِّحَّةِ، حَتَّى يَكُونَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا اقْتِضَاءَ الْأَمْرِ لِلصِّحَّةِ وَأَنَّ النَّهْيَ مُقَابِلٌ لَهُ فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ اخْتِلَافِ حُكْمَيْهِمَا لِجَوَازِ اشْتِرَاكِ الْمُتَقَابِلَاتِ فِي لَازِمٍ وَاحِدٍ.
وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَقَابُلُ حُكْمَيْهِمَا فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلصِّحَّةِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ فَلَا، وَأَمَّا النَّقْضُ بِالنَّهْيِ عَنِ الْعِبَادَةِ فَمُنْدَفِعٌ، لِأَنَّهُ مَهْمَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ لِعَيْنِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَأْمُورًا بِهَا، وَمَا لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً فَلَا يُتَصَوَّرُ صِحَّتُهُ عِبَادَةً، وَإِنْ قِيلَ بِفَسَادِهِ مِنْ جِهَةِ خُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِتَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ الْخَاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَخِيرِ أَنَّا لَا نَقْضِي بِالْفَسَادِ لِوُجُودِ مُنَاسِبِ الْفَسَادِ لِيَفْتَقِرَ إِلَى شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ، وَإِنَّمَا قَضَيْنَا بِالْفَسَادِ لِعَدَمِ الْمُنَاسِبِ الْمُعْتَبِرِ بِمَا بَيَّنَاهُ مِنِ اسْتِلْزَامِ النَّهْيِ لِذَلِكَ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ النَّهْيَ عَنِ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَنَقَلَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ (٢) وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَالْمُخْتَارُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّهْيَ لَوْ دَلَّ عَلَى الصِّحَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهَا بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَعْنَاهُ، إِذْ (٣) الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ.
وَبَيَانُ امْتِنَاعِ دَلَالَتِهِ عَلَى الصِّحَّةِ بِلَفْظِهِ أَنَّ صِحَّةَ الْفِعْلِ لَا مَعْنًى لَهَا سِوَى تَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ الْخَاصَّةِ بِهِ عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ لُغَةً لَا يَزِيدُ عَلَى طَلَبِ تَرْكِ الْفِعْلِ وَلَا إِشْعَارَ لَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. стр. 473
وَبَيَانُ امْتِنَاعِ دَلَالَتِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ بِمَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُفِيدًا لِنَقِيضِهِ وَهُوَ الصِّحَّةُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى وُجُودِ النَّهْيِ حَيْثُ لَا صِحَّةَ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» "، وَالنَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ مَا نَكَحَ الْآبَاءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ، وَلَوْ كَانَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلصِّحَّةِ لَكَانَ تَخَلُّفَ الصِّحَّةِ مَعَ وُجُودِ النَّهْيِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِمُعَارَضٍ أَوْ لَا لِمُعَارَضٍ.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الْمَكْرُوهَةِ وَعَنْ بَيْعِ الرِّبَا، فَالْأَصْلُ تَنْزِيلُ لَفْظِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْبَيْعِ عَلَى عُرْفِ الشَّارِعِ وَعُرْفِ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ الْمُعْتَبَرُ فِي حُكْمِهِ شَرْعًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّصَرُّفُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ هُوَ التَّصَرُّفُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
قُلْنَا: أَوَّلًا لَا نُسَلِّمُ وُجُودَ عُرْفِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لِمَا سَبَقَ، (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ لَهُ عُرْفًا لَكِنْ فِي طَرَفِ الْأَوَامِرِ أَوِ النَّوَاهِي؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ.
وَعَلَى هَذَا فَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنِ التَّصَرُّفِ اللُّغَوِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ وَإِنْ سَلَّمْنَا عُرْفَ الشَّارِعِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عُرْفَهُ فِيهَا مَا ذَكَرُوهُ، بَلْ مَا هُوَ بِحَالٍ يَصِحُّ وَيُمْكِنُ صِحَّتُهُ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ التَّصَرُّفِ مُمْكِنُ الصِّحَّةِ وُقُوعُ الصِّحَّةِ، كَيْفَ وَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَنَاهِي (٢) مَعَ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ عَنْ مَنْهِيَّاتِهَا. стр. 474
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ النَّهْيَ عَنِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي الِانْتِهَاءَ عَنْهُ دَائِمًا]
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْفِعْلِ يَقْتَضِي الِانْتِهَاءَ عَنْهُ دَائِمًا (١) خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّاذِّينَ.
وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: " لَا تَفْعَلْ كَذَا " وَقَدَّرْنَا نَهْيَهُ مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ الْقَرَائِنِ فَإِنَّ الْعَبْدَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي أَيِّ وَقْتٍ قَدَرَ يُعَدُّ مُخَالِفًا لَنَهْيِ سَيِّدِهِ وَمُسْتَحِقًّا لِلذَّمِّ فِي عُرْفِ الْعُقَلَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلتَّكْرَارِ وَالدَّوَامِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا خَفَاءَ بِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ يَرِدُ وَيُرَادُ بِهِ الدَّوَامُ كَمَا فِي النَّهْيِ عَنِ الرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ يَرِدُ وَلَا يُرَادُ بِهِ الدَّوَامُ كَمَا فِي نَهْيِ الْحَائِضِ عَنِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ، وَالصُّورَتَانِ مُشْتَرِكَتَانِ فِي طَلَبِ تَرْكِ الْفِعْلِ لَا غَيْرَ، وَمُفْتَرِقَتَانِ فِي دَوَامِهِ فِي إِحْدَى الصُّورَتَيْنِ وَعَدَمِ دَوَامِهِ فِي الْأُخْرَى.
وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ (٢) وَلَا تَجُوزُ، وَالدَّالُّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرِكِ لَا يَكُونُ دَالًّا عَلَى مَا اخْتُصَّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ النَّهْيُ مُقْتَضِيًا لِلدَّوَامِ لَكَانَ عَدَمُ الدَّوَامِ فِي بَعْضِ صُوَرِ النَّهْيِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
قُلْنَا: النَّهْيُ حَيْثُ وَرَدَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ الدَّوَامُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِقَرِينَةٍ نَظَرًا إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.
وَمَا قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ أَوِ التَّجَوُّزُ، قُلْنَا: وَإِنْ لَزَمَ مِنْهُ التَّجَوُّزُ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِافْتِقَارِهِ إِلَى الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ غَيْرَ أَنَّ جَعْلَهُ حَقِيقَةً فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مِمَّا يُوجِبُ جَعْلُهُ مَجَازًا فِي الدَّوَامِ وَالتَّكْرَارِ لِاخْتِلَافِ حَقِيقَتِهِمَا.
وَلَيْسَ الْقَوْلُ بِجَعْلِهِ مَجَازًا فِي التَّكْرَارِ وَحَقِيقَةً فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، بَلْ جَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي التَّكْرَارِ أَوْلَى لِإِمْكَانِ التَّجَوُّزِ بِهِ عَنِ الْبَعْضِ لِكَوْنِهِ مُسْتَلْزِمًا لَهُ.
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ لَمَا أَمْكَنَ التَّجَوُّزُ بِهِ عَنِ التَّكْرَارِ لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ لَهُ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي أَيْضًا. стр. 475
[الصِّنْفُ الثَّالِثُ فِي مَعْنَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ]
[مُقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَصِيَغِ الْعُمُومِ]
وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ مَعْنَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَصِيَغِ الْعُمُومِ.
أَمَّا الْعَامُّ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَغْرِقُ لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَرَّفَ الْعَامَّ بِالْمُسْتَغْرِقِ، وَهُمَا لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ هَاهُنَا مِنَ التَّحْدِيدِ شَرْحَ اسْمِ الْعَامِّ حَتَّى يَكُونَ الْحَدُّ لَفْظِيًّا، بَلْ شَرْحَ الْمُسَمَّى إِمَّا بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ أَوِ الرَّسْمِيِّ (١) ، وَمَا ذَكَرَهُ خَارِجٌ عَنِ الْقِسْمَيْنِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُ الْقَائِلِ: " ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا " فَإِنَّهُ لَفْظٌ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ مَا هُوَ صَالِحٌ لَهُ وَلَيْسَ بِعَامٍّ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنَّهُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ، فَإِنَّ لَفْظَ الْمَعْدُومِ وَالْمُسْتَحِيلِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، إِذِ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَالْمُسْتَحِيلُ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ جَامِعًا إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ.
فَإِنَّ قَوْلَنَا: عَشَرَةٌ стр. 476
وَمِائَةٌ لَيْسَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ اتِّحَادِهِ دَالًّا عَلَى شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، وَهِيَ الْآحَادُ الدَّاخِلَةُ فِيهَا، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْعَامُّ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ فَصَاعِدًا مُطْلَقًا مَعًا.
فَقَوْلُنَا: (اللَّفْظُ) وَإِنْ كَانَ كَالْجِنْسِ لِلْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَفِيهِ فَائِدَةُ تَقْيِيدِ الْعُمُومِ بِالْأَلْفَاظِ، لِكَوْنِهِ مِنَ الْعَوَارِضِ الْحَقِيقِيَّةِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ كَمَا يَأْتِي تَعْرِيفُهُ (١) .
وَقَوْلُنَا: (الْوَاحِدُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِنَا: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وَقَوْلُنَا: (الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ) لِيَنْدَرِجَ فِيهِ الْمَوْجُودُ وَالْمَعْدُومُ، وَفِيهِ أَيْضًا احْتِرَازٌ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ كَقَوْلِنَا: رَجُلٌ وَدِرْهَمٌ وَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الرِّجَالِ وَآحَادِ الدَّرَاهِمِ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مَعًا، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ.
وَقَوْلُنَا: (فَصَاعِدًا) احْتِرَازٌ عَنْ لَفْظِ اثْنَيْنِ، وَقَوْلُنَا: (مُطْلَقًا) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِنَا: عَشَرَةٌ وَمِائَةٌ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَعْدَادِ الْمُقَيَّدَةِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى قَوْلِنَا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ احْتِرَازًا عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَجَازِيَّةِ.
أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ كَوْنَهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ (٢) فَالْحَدُّ لَا يَكُونُ مَعَ أَخْذِ هَذَا الْقَيْدِ جَامِعًا.
وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالتَّعْمِيمِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إِلَى هَذَا الْقَيْدِ أَيْضًا، إِذِ اللَّفْظُ دَالٌّ عَلَى مُسَمَّيَاتِهِ مَعًا، بَلْ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى جِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.
وَفِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ مَا يَدْرَأُ النَّقْصَ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُنَا: (الدَّالُّ عَلَى مُسَمَّيَيْنِ مَعًا) .
وَأَمَّا الْخَاصُّ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ: هُوَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِعَامٍّ، وَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ لِدُخُولِ الْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ فِيهِ، فَإِنَّهَا لِعَدَمِ دَلَالَتِهَا لَا تُوصَفُ بِعُمُومٍ وَلَا بِخُصُوصِ.
ثُمَّ فِيهِ تَعْرِيفُ الْخَاصِّ بِسَلْبِ الْعَامِّ عَنْهُ، وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَلْبِ الْعَامِّ تَعَيُّنُ الْخَاصِّ. стр. 477
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَيْسَ تَعْرِيفُ أَحَدِهِمَا بِسَلْبِ حَقِيقَةِ الْآخَرِ عَنْهُ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا كَلَفْظِ الْإِنْسَانِ، فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى لَفْظِ الْحَيَوَانِ وَمَا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُ.
وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ خَاصٌّ، فَفِيهِ تَعْرِيفُ الْخَاصِّ بِالْخَاصِّ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْخَاصُّ قَدْ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ، الْأَوَّلُ: وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ مَدْلُولُهُ لِاشْتِرَاكِ كَثِيرِينَ فِيهِ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَنَحْوِهِ، الثَّانِي: مَا خُصُوصِيَّتُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَحْدُّهُ أَنَّهُ اللَّفْظُ الَّذِي يُقَالُ عَلَى مَدْلُولِهِ وَعَلَى غَيْرِ مَدْلُولِهِ لَفْظٌ آخَرُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَلَفْظِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ، وَيُقَالُ عَلَى مَدْلُولِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ كَالْفَرَسِ وَالْحِمَارِ لَفْظُ الْحَيَوَانِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِذَا تَحَقَّقَ مَعْنَى الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ يَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ لَا أَعَمَّ مِنْهُ كَالْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ وَالْمَعْلُومَ وَالْمَجْهُولَ، وَإِلَى خَاصٍّ لَا أَخَصَّ مِنْهُ كَأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَإِلَى مَا هُوَ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ، وَخَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ كَلَفْظِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَحْتَهُ مِنَ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَخَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُ كَلَفْظِ الْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ.
وَأَمَّا صِيَغُ الْعُمُومِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا فَهِيَ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِيمَنْ يَعْقِلُ جَمْعًا وَأَفْرَادًا مِثْلَ (أَيْ) فِي الْجَزَاءِ وَالِاسْتِفْهَامِ، وَأَسْمَاءِ الْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ، سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ سَلَامَةٍ أَوْ جَمْعَ تَكْسِيرٍ (كَالْمُسْلِمِينَ وَالرِّجَالِ) ، وَالْمُنَكَّرَةِ (كَرِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ) وَالْأَسْمَاءِ الْمُؤَكِّدَةِ لَهَا مِثْلِ (كُلٍّ وَجَمِيعٍ) ، وَاسْمِ الْجِنْسِ إِذَا دَخَلَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنْ غَيْرِ عَهْدٍ (كَالرَّجُلِ وَالدِّرْهَمِ) ، وَالنَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ كَقَوْلِكَ (لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ) وَ (مَا فِي الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ) ، وَالْإِضَافَةِ كَقَوْلِكَ (ضَرَبْتُ عَبِيدِي) وَ (أَنَفَقْتُ دَرَاهِمِي) .
وَإِمَّا عَامَّةً فِيمَنْ يَعْقِلُ دُونَ غَيْرِهِ (كَمَنْ) فِي الْجَزَاءِ وَالِاسْتِفْهَامِ تَقُولُ: مَنْ عِنْدَكَ؟ وَمَنْ جَاءَنِي أَكْرَمْتُهُ.
стр. 478
وَإِمَّا عَامَّةً فِيمَا لَا يَعْقِلُ؛ إِمَّا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِجِنْسٍ مِثْلَ (مَا) فِي الْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ: عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ، وَالِاسْتِفْهَامِ تَقُولُ: مَاذَا صَنَعْتَ؟ ، وَإِمَّا لَا مُطْلَقًا، بَلْ مُخْتَصَّةً بِبَعْضِ أَجْنَاسِ مَا لَا يَعْقِلُ مِثْلَ (مَتَى) فِي الزَّمَانِ جَزَاءً وَاسْتِفْهَامًا، وَ (أَيْنَ) وَ (حَيْثُ) فِي الْمَكَانِ جَزَاءً وَاسْتِفْهَامًا تَقُولُ: مَتَى جَاءَ الْقَوْمُ؟ وَمَتَى جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ وَأَيْنَ كُنْتَ؟ وَأَيْنَمَا كُنْتَ أَكْرَمْتُكَ.
وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى مَا أَرَدْنَاهُ مِنْ بَيَانِ الْمُقَدِّمَةِ فَلْنَشْرَعِ الْآنَ فِي الْمَسَائِلِ وَهِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً.
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ]
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (١) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي عَرُوضِهِ حَقِيقَةً لِلْمَعَانِي فَنَفَاهُ الْجُمْهُورُ وَأَثْبَتَهُ الْأَقَلُّونَ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ بِقَوْلِهِمُ الْإِطْلَاقُ شَائِعٌ ذَائِعٌ فِي لِسَانِ أَهْلِ اللُّغَةِ بِقَوْلِهِمُ: عَمَّ الْمَلِكُ النَّاسَ بِالْعَطَاءِ وَالْإِنْعَامِ، وَعَمَّهُمُ الْمَطَرُ وَالْخِصْبُ وَالْخَيْرُ وَعَمَّهُمُ الْقَحْطُ.
وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنَ الْمَعَانِي لَا مِنَ الْأَلْفَاظِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ.
أَجَابَ النَّافُونَ بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَعَانِي مَجَازٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْمَعَانِي لَاطَّرَدَ فِي كُلِّ مَعْنًى إِذْ هُوَ لَازِمُ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ.
وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا يُوصَفُ شَيْءٌ مِنَ الْخَاصَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي امْتِدَادِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا كَزَيْدِ وَعَمْرٍو بِكَوْنِهِ عَامًّا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا.
الثَّانِي: أَنَّ مِنْ لَوَازِمِ الْعَامِّ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا وَمَعَ اتِّحَادِهِ مُتَنَاوِلًا لِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالْعَطَاءُ وَالْإِنْعَامُ الْخَاصُّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرُ الْخَاصِّ بِالْآخَرِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْمَطَرُ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ اخْتُصَّ مِنْهُ بِجُزْءٍ مِنَ الْأَرْضِ لَا وُجُودَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي الْخِصْبِ وَالْقَحْطِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ стр. 479
ذَلِكَ مَا هُوَ مَعَ اتِّحَادِهِ يَتَنَاوَلُ أَشْيَاءَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ عَامًّا حَقِيقَةً بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ كَلَفْظِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ.
أَجَابَ الْمُثْبِتُونَ عَنِ الْأَوَّلِ:
بِأَنَّ الْعُمُومَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا فِي كُلِّ مَعْنًى، فَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِي كُلِّ لَفْظٍ، فَإِنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْلَامِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَنَحْوِهِ لَا يُتَصَوَّرُ عَرُوضِ الْعُمُومِ لَهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، فَإِنْ كَانَ عَدَمُ اطِّرَادِهِ فِي الْمَعَانِي مِمَّا يُبْطِلُ عَرُوضُهُ لِلْمَعَانِي حَقِيقَةً فَكَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ فِي الْأَلْفَاظِ فَكَذَلِكَ فِي الْمَعَانِي، ضَرُورَةَ عَدَمِ الْفَرْقِ.
وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ عَرُوضُ الْعُمُومِ لِلْمَعَانِي الْجُزْئِيَّةِ الْوَاقِعَةِ فِي امْتِدَادِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا حَقِيقَةً، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ عَرُوضِهِ لِلْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ الْمُتَصَوَّرَةِ فِي الْأَذْهَانِ، كَالْمُتَصَوَّرَةِ مِنْ مَعْنَى الْإِنْسَانِ الْمُجَرِّدِ عَنِ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِتَشْخِيصِهِ وَتَعْيِينِهِ، فَإِنَّهُ مَعَ اتِّحَادِهِ فَمُطَابِقٌ لِمَعْنَاهُ وَطَبِيعَتِهِ لِمَعَانِي الْجُزْئِيَّاتِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمُطَابَقَةِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْعَامِّ لِمَدْلُولَاتِهِ.
وَإِذَا كَانَ عَرُوضُ الْعُمُومِ لِلَّفْظِ حَقِيقَةً إِنَّمَا كَانَ لِمُطَابَقَتِهِ مَعَ اتِّحَادِهِ لِلْمَعَانِي الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مُتَحَقِّقٌ فِي الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جُزْئِيَّاتِهَا، فَكَانَ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِهَا حَقِيقَةً.
стр. 480
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَعْنَى الْعُمُومِ وهَلْ لَهُ فِي اللُّغَةِ صِيغَةٌ أَمْ لَا]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ (١)
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ: هَلْ لَهُ فِي اللُّغَةِ صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لَهُ خَاصَّةٌ بِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَتِ الْمُرْجِئَةُ (٢) إِلَى أَنَّ الْعُمُومَ لَا صِيغَةَ لَهُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ الصِّيَغِ حَقِيقَةٌ فِي الْعُمُومِ مَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَالَفَ فِي الْجَمْعِ الْمُنْكَرِ وَالْمَعْرُوفِ وَاسْمِ الْجِنْسِ إِذَا دَخَلَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ كَمَا يَأْتِي تَعْرِيفُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي هَاشِمٍ (٣) .
وَذَهَبَ أَرْبَابُ الْخُصُوصَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ حَقِيقَةٌ فِي الْخُصُوصِ وَمَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ (٤) فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالْآخَرُ: الْوَقْفُ وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ بِشَيْءٍ مِمَّا قِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ (٥) فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ أَوِ الِاشْتِرَاكِ، وَوَافَقَهُ عَلَى الْوَقْفِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (٦) .
وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ. стр. 481
وَمِنَ الْوَاقِفِيَّةِ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَقَالَ بِالْوَقْفِ فِي الْإِخْبَارِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ دُونَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي الْخُصُوصِ لِكَوْنِهِ مُرَادًا مِنَ اللَّفْظِ يَقِينًا سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْكُلُّ أَوِ الْبَعْضُ، وَالْوَقْفُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ (١) وَمِنْهَاجِ الْكَلَامِ، فَعَلَى مَا عُرِفَ فِي التَّوَقُّفِ فِي الْأَمْرِ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ، فَعَلَيْكَ بِنَقْلِهِ إِلَى هَاهُنَا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ شُبَهِ الْمُخَالِفِينَ وَالِانْفِصَالِ عَنْهَا.
وَلْنَبْدَأْ مِنْ ذَلِكَ بِشُبَهِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ وَهِيَ نَصِّيَّةٌ وَإِجْمَاعِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ.
أَمَّا النَّصِّيَّةُ فَمِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ تَمَسُّكًا مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَهْلَكَ) وَأَقَرَّهُ الْبَارِي تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَأَجَابَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ إِضَافَةَ الْأَهْلِ إِلَى نُوحٍ لِلْعُمُومِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا «أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قَالَ ابْنُ الزِّبَعْرَى: " لَأَخْصِمَنَّ مُحَمَّدًا " ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: " وَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْمَسِيحُ أَفَتَرَاهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ؟» (٢) وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِ (مَا) وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، بَلْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى غَيْرَ مُنْكِرٍ لِقَوْلِهِ، بَلْ مُخَصِّصًا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٣) стр. 482
، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ - قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فَهِمْ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْعُمُومَ حَيْثُ ذَكَرَ لُوطًا، وَالْمَلَائِكَةُ أَقَرُّوهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَجَابُوهُ بِتَخْصِيصِ لُوطٍ وَأَهْلِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَاسْتِثْنَاءِ امْرَأَتِهِ مِنَ النَّاجِينَ.
وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعِيَّةُ فَمِنْهَا احْتِجَاجُ عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ بِقَوْلِهِ: كَيْفَ تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» " وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ احْتِجَاجَهُ بِذَلِكَ، بَلْ عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى التَّعْلِيقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ : " «إِلَّا بِحَقِّهَا» "، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ لِلْعُمُومِ.
وَمِنْهَا احْتِجَاجُ فَاطِمَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي تَوْرِيثِهَا مِنْ أَبِيهَا فَدَكَ وَالْعَوَالِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إِلَى مَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى دَلِيلِ التَّخْصِيصِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» " وَمِنْهَا احْتِجَاجُ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ ، وَاحْتِجَاجُ عَلِيٍّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمَا صِحَّةَ مَا احْتَجَّ بِهِ.
وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَتِ الْأَزْوَاجُ الْمُضَافَةَ، وَالْأُخْتَانِ عَلَى الْعُمُومِ.
وَمِنْهَا أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الشَّاعِرِ (١) :
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ
قَالَ لَهُ: كَذَبْتَ فَإِنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ، وَلَوْلَا أَنَّ (كُلُّ) لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. стр. 483
وَمِنْهَا احْتِجَاجُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْأَنْصَارِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " (١) وَوَافَقَهُ الْكُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِجَاجِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ (الْأَئِمَّةُ) عَامًّا لَمَا صَحَّ الِاحْتِجَاجُ.
وَمِنْهَا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إِجْرَاءِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ وَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وَ ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ وَ ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وَ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَ ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» "، " «وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا خَالَتِهَا» "، " «وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ» " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ.
وَأَمَّا الشُّبَهُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَمِنْهَا أَنَّ الْعُمُومَ مِنَ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّةِ وَالْحَاجَةُ مُشْتَدَّةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ فِي التَّخَاطُبِ، وَذَلِكَ مِمَّا تُحِيلُ الْعَادَةُ مَعَ تَوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَى أَهْلِ اللُّغَةِ إِهْمَالَهُ وَعَدَمَ تَوَاضُعِهِمْ عَلَى لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَقَاصَرُ فِي دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَسَائِرِ الْأَعْدَادِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ وَالتَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي وَالنِّدَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي لَهَا الْأَسْمَاءُ، وَرُبَّمَا وَضَعُوا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ قَبْلُ.
أَمَّا (مَنْ) الِاسْتِفْهَامِيَّةُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَنْ جَاءَكَ؟ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْخُصُوصِ أَوِ الْعُمُومِ أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا أَوْ مَوْقُوفَةً، أَوْ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا حَقِيقَةً وَلَا تَجَوُّزًا، وَالْأَوَّلُ مُحَالٌ وَإِلَّا لَمَا حَسُنَ أَنْ يُجَابَ بِجُمْلَةِ الْعُقَلَاءِ، لِكَوْنِهِ جَوَابًا مَا سَأَلَ عَنْهُ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً أَوْ مَوْقُوفَةً، وَإِلَّا لَمَا حَسُنَ الْجَوَابُ بِشَيْءٍ إِلَّا بَعْدَ стр. 484
الِاسْتِفْهَامِ عَنْ مُرَادِ السَّائِلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالْأَخِيرِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى إِبْطَالِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ.
وَأَمَّا الشَّرْطِيَّةُ وَهِيَ عِنْدَمَا إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأُكْرِمَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا أَكْرَمَ كُلَّ دَاخِلٍ لَا يَحْسُنُ مِنَ السَّيِّدِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخَلَّ بِإِكْرَامِ بَعْضِ الدَّاخِلِينَ فَإِنَّهُ يَحْسُنُ لَوْمُهُ وَتَوْبِيخُهُ فِي الْعُرْفِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَكَانَ دَاخِلًا فِيهِ، وَلَوْلَا أَنَّ (مَنْ) لِلْعُمُومِ لَمَا صَحَّ ذَلِكَ.
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِي جَمِيعِ الْحُرُوفِ الْمُسْتَعْمَلَةِ لِلشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ مِثْلَ مَا وَأَيُّ وَمَتَى وَأَيْنَ وَكَمْ وَكَيْفَ وَنَحْوِهِ وَمُؤَكِّدَاتُهَا مِثْلَ كُلٍّ وَجَمِيعٍ فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ.
وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِعَبْدِهِ: أَكْرِمْ كُلَّ مَنْ رَأَيْتَهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ اللَّوْمُ بِإِكْرَامِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَقْدِيرِ إِخْلَالِهِ بِإِكْرَامِ الْبَعْضِ، وَإِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إِلَّا الْفُسَّاقَ وَذَلِكَ دَلِيلُ الْعُمُومِ كَمَا سَبَقَ (١) .
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: " رَأَيْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْبَلَدِ " فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ لِبَعْضِهِمْ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلَ: " كُلُّ النَّاسِ عُلَمَاءٌ " كَذَّبَهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: " كُلُّ النَّاسِ لَيْسُوا عُلَمَاءً ".
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اسْمُ (كُلُّ) لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُكَذِّبًا لِلْآخَرِ، لِجَوَازِ أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا تَنَاوَلَهُ الْآخَرُ.
الرَّابِعُ: أَنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ (كَلُّ) وَ (بَعْضُ) وَلَوْ كَانَ مُفِيدًا لِلْعُمُومِ لَمَا تَحَقَّقَ الْفَرْقُ، لِكَوْنِهِ مُسَاوِيًا فِي الْإِفَادَةِ لِلْبَعْضِ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: كُلُّ النَّاسِ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَلَكِنَّهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ تَارَةً عَنِ الْبَعْضِ وَتَارَةً عَنِ الْعُمُومِ حَقِيقَةً لَكَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: كُلُّهُمْ بَيَانًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فِيمَا دَخَلَ عَلَيْهِ لَا تَأْكِيدًا لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ عَيْنًا بَاصِرَةً. стр. 485
وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ (١) فَهُوَ لِلْعُمُومِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ كَثْرَةَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ تَزِيدُ عَلَى كَثْرَةِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، وَلِهَذَا يُقَالُ رِجَالٌ مِنَ الرِّجَالِ وَلَا عَكْسَ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ لِلْعَدَدِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي، لِأَنَّ (٢) مَا مِنْ عَدَدٍ يُفْرَضُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَيَصِحُّ نِسْبَتُهُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّهُ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ تَأْكِيدُهُ بِمَا هُوَ مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالتَّأْكِيدُ إِنَّمَا يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الْمُؤَكَّدِ لَا أَمْرًا جَدِيدًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُؤَكَّدُ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ لَمَا كَانَ الْمُؤَكِّدُ مُفِيدًا لَهُ، أَوْ كَانَ مُفِيدًا لِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
وَأَمَّا النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ كَقَوْلِهِ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، أَوْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ: مَا فِي الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ فَإِنَّ الْقَائِلَ لِذَلِكَ يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ رُؤْيَتِهِ لِرَجُلٍ مَا، وَأَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إِلَّا زِيدٌ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ تَكْذِيبُهُ بِأَنَّكَ رَأَيْتَ رَجُلًا كَمَا وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ تَكْذِيبًا لِمَنْ قَالَ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا لِلْعُمُومِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ قَوْلُنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا، لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ كُلِّ إِلَهٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْإِضَافَةُ كَقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ عَبِيدِي وَإِمَائِي فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِدَلِيلِ لُزُومِ الْعِتْقِ فِي الْكُلِّ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مِنْ أَيِّ الْعَبِيدِ شَاءَ وَأَنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ الْإِمَاءِ مَنْ شَاءَ دُونَ رِضَى الْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: الْعَبِيدُ الَّذِينَ هُمْ فِي يَدِي لِفُلَانٍ صَحَّ الْإِقْرَارُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَمِيعِ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا الْجِنْسُ إِذَا دَخَلَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَلَا عَهْدَ فَإِنَّهُ لِلْعُمُومِ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلَ: رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَفَادَ رُؤْيَةَ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ مُفِيدَةً لِلِاسْتِغْرَاقِ لَكَانَتْ مُعَطَّلَةً، لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا دُونَهَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. стр. 486
الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ نَعْتُهُ بِالْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ لِلْعُمُومِ، فَكَذَلِكَ الْمَنْعُوتُ بِهِ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّينَارُ الصُّفْرُ وَالدِّرْهَمُ الْبِيضُ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وَهُوَ دَلِيلُ الْعُمُومِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ: قَائِلٌ يَقُولُ: إِنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الِاسْمِ الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ تُفِيدُ الْعُمُومَ، وَقَائِلٌ بِالنَّفْيِ مُطْلَقًا.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُفِيدَةٌ لِلْعُمُومِ فِي الْجَمْعِ، فَالتَّفْرِقَةُ تَكُونُ قَوْلًا بِتَفْصِيلٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ (١) .
الرَّابِعُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْمَعْهُودِ عَائِدَةً إِلَى جَمِيعِهِ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ عَوْدِهَا إِلَى الْبَعْضِ مِنْهُ دُونَ الْبَعْضِ فَكَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ.
وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلْعُمُومِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ رِجَالٌ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جَمْعٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، حَتَّى الْجَمْعُ الْمُسْتَغْرَقُ فَإِذَا حُمِلَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ كَانَ حَمْلًا لَهُ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ فَكَانَ أَوْلَى.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ الْبَعْضَ لِعَيْنِهِ، وَإِلَّا كَانَ مُرَادُهُ مُبْهَمًا فَحَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَصِحُّ دُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْجِنْسِ فَكَانَ لِلْعُمُومِ.
وَمِنْ شُبَهِهِمْ أَنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ تَأْكِيدِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، فَقَالُوا فِي الْخُصُوصِ: رَأَيْتُ زَيْدًا عَيْنَهُ نَفْسَهُ، وَلَا يَقُولُونَ كُلُّهُمْ: رَأَيْتُ زَيْدًا أَجْمَعِينَ، وَقَالُوا فِي الْعُمُومِ: رَأَيْتُ الرِّجَالَ كُلَّهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَقُولُونَ: رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَيْنَهُ نَفْسَهُ، وَاخْتِلَافُ التَّأْكِيدِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُؤَكَّدِ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ مُطَابِقٌ لِلْمُؤَكَّدِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُمْ قَالُوا: وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ كَلَّفَنَا أَحْكَامًا تَعُمُّ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ تُفِيدُهُ لَمَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِهِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ مُحَالٌ. стр. 487
وَأَمَّا شُبَهُ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ، فَأَوَّلُهَا: أَنَّ تَنَاوُلَ اللَّفْظِ لِلْخُصُوصِ مُتَيَقَّنٌ، وَتَنَاوُلَهُ لِلْعُمُومِ مُحْتَمَلٌ، فَجَعْلُهُ حَقِيقَةً فِي الْمُتَيَقَّنِ أَوْلَى.
وَثَانِيهُمَا: أَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيَغِ فِي الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: جَمَعَ السُّلْطَانُ التُّجَّارَ وَالصُّنَّاعَ وَكُلَّ صَاحِبِ حِرْفَةٍ، وَأَنْفَقْتُ دَرَاهِمِي، وَصَرَمْتُ نَخِيلِي وَنَحْوُهُ. فَكَانَ جَعْلُهَا حَقِيقَةً فِيمَا اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ أَغْلَبُ، أَوْلَى.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ إِذَا قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، وَمَتَى جَاءَكَ فَقِيرٌ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ، وَمَتَى جَاءَ زَيْدٌ فَأَكْرِمْهُ " وَأَيْنَ كَانَ، وَحَيْثُ حَلَّ، فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْسَارُ عَنْ إِرَادَةِ الْبَعْضِ وَيَحْسُنُ الِاسْتِفْسَارُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَكَانَ جَعْلُ هَذِهِ الصِّيَغِ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْسَارُ عَنْهُ دُونَ مَا يَحْسُنُ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ " رَأَيْتُ الرِّجَالَ " لِلْعُمُومِ لَكَانَ إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ كَانَ الْمُخْبِرُ كَاذِبًا، كَمَا لَوْ قَالَ: " رَأَيْتُ عِشْرِينَ وَلَمْ يَرَ غَيْرَ عَشَرَةٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتْ لِلْخُصُوصِ، وَأُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ.
وَخَامِسُهَا: لَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ، لَكَانَ تَأْكِيدُهَا غَيْرَ مُفِيدٍ لِغَيْرِ مَا أَفَادَتْهُ، فَكَانَ عَبَثًا، وَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا نَقْضًا.
وَسَادِسُهَا: (وَيَخُصُّ مَنْ) مِنْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَمَا أُجْمِعَتْ لَأَنَّ الْجَمْعَ لَا بُدَّ وَأَنْ يُفِيدَ مَا لَا يُفِيدُهُ الْمَجْمُوعُ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ كَثْرَةٌ، فَلَا يُجْمَعُ، وَقَدْ جُمِعَتْ فِي بَابِ حِكَايَةِ النَّكِرَاتِ عِنْدَ الِاسْتِفْهَامِ. فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: جَاءَنِي رِجَالٌ. قُلْتُ: مَنُونْ؟ فِي حَالَةِ الْوَقْفِ دُونَ الْوَصْلِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَتَوْا نَارِي، فَقُلْتُ: مَنُونُ أَنْتُمْ؟ ... فَقَالُوا: الْجِنُّ. قُلْتُ عَمُوا ظَلَامَا (١) فَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّهُ شَاذٌّ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ. стр. 488
وَأَمَّا شُبَهُ أَرْبَابِ الِاشْتِرَاكِ (١) : فَأَوَّلُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَالصِّيَغَ قَدْ تُطْلَقُ لِلْعُمُومِ تَارَةً وَلِلْخُصُوصِ تَارَةً، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَحَقِيقَةُ الْخُصُوصِ غَيْرُ حَقِيقَةِ الْعُمُومِ، فَكَانَ اللَّفْظُ الْمُتَّحِدُ الدَّالُّ عَلَيْهِمَا حَقِيقَةً مُشْتَرِكًا كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ يَحْسُنُ عِنْدَ إِطْلَاقِ هَذِهِ الصِّيَغِ الِاسْتِفْهَامُ مِنْ مُطْلَقِهَا أَنَّكَ أَرَدْتَ الْبَعْضَ أَوِ الْكُلَّ، وَحُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلُ الِاشْتِرَاكِ (٢) ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ.
وَأَمَّا شُبَهُ مَنْ قَالَ بِالتَّعْمِيمِ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي دُونَ الْأَخْبَارِ فَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى التَّكَالِيفِ بِأَوَامِرَ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ وَبِنَوَاهٍ عَامَّةٍ لَهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ التَّكْلِيفُ عَامًّا، أَوْ كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ مُحَالٌ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ، وَلِأَنَّ الْخَبَرَ يَجُوزُ وُرُودُهُ بِالْمَجْهُولِ، وَلَا بَيَانَ لَهُ أَصْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ ، ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرً﴾ بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَرَدَ بِالْمُجْمَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، وَقَوْلِهِ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بَيَانٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ مُتَأَخِّرٍ أَوْ مُقَارَنٍ.
وَالْجَوَابُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ عَنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الشُّبَهِ مَا أَسْلَفْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، فَعَلَيْكَ بِنَقْلِهِ إِلَى هَاهُنَا.
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّفْصِيلِ: أَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَرْبَابُ الْعُمُومِ مِنَ الْآيَاتِ، أَمَّا قِصَّةُ نُوحٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ إِضَافَةَ الْأَهْلِ قَدْ تُطْلَقُ تَارَةً لِلْعُمُومِ وَتَارَةً لِلْخُصُوصِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: جَمَعَ السُّلْطَانُ أَهْلَ الْبَلَدِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْمَعِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْمَرْضَى (٣) .
وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ (الْقَوْلُ) стр. 489
بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوصِ بِقَرِينَةٍ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْعُمُومِ بِقَرِينَةٍ.
وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ صِحَّةَ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ بِالْقَرِينَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَمْ لَا.
وَأَمَّا قِصَّةُ ابْنُ الزِّبَعْرَى فَلَا حُجَّةَ فِيهَا أَيْضًا، لِأَنَّ سُؤَالَهُ وَقَعَ فَاسِدًا حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ (مَا) عَامَّةٌ فِيمَنْ يَعْقِلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُنْكِرًا عَلَيْهِ: " «مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ» (١) وَهِيَ وَإِنْ أُطْلِقَتْ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا - وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا - وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ فَلَيْسَ حَقِيقَةً، بَلْ مَجَازًا.
وَيَجِبُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ : " «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ» " وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْمَنْقُولِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ فَجَوَابُهَا بِمَا سَبَقَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ (٢) .
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِقِصَّةِ عُمَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا فَهِمَ الْعِصْمَةَ مِنَ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لَهَا فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، وَهِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا مُنَاسِبَةٌ لِذَلِكَ، وَالْحُكْمُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهَا فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ ذَلِكَ إِيمَاءً إِلَيْهَا بِالتَّعْلِيلِ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَأْخُوذًا مِنْ عُمُومِ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَلَا.
وَمُعَارَضَةُ أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا كَانَتْ لِمَا فَهِمَهُ عُمَرُ مِنَ التَّعْلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ لَا لِغَيْرِهِ (٣) . стр. 490
وَأَمَّا قِصَّةُ فَاطِمَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَالْكَلَامُ فِي اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ مَا سَبَقَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ (١) ، وَهُوَ الْجَوَابُ أَيْضًا عَنِ احْتِجَاجِ عُثْمَانَ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، ثُمَّ قَدْ أَمْكَنَ أَنْ يُضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا فُهِمَ مِنَ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ وَهِيَ الزَّوْجِيَّةُ لَا إِلَى عُمُومِ اللَّفْظِ.
وَكَذَلِكَ احْتِجَاجُ عَلِيٍّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لَمْ يَكُنْ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، بَلْ بِمَا أَوْمَى إِلَيْهِ اللَّفْظُ مِنَ الْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْجَمْعِ وَهِيَ الْأُخُوَّةُ فَإِنَّهَا مُنَاسِبَةٌ لِذَلِكَ، دَفْعًا لِلْإِضْرَارِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنَ الْمُزَاحَمَةِ عَلَى الزَّوْجِ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِاللَّفْظِ بِمُجَرَّدِهِ أَنْ لَوْ كَانَ لِلْعُمُومِ (٢) وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
وَإِنَّ صَحَّ الِاحْتِجَاجُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْعِلَّةِ الرَّافِعَةِ لِلْحَرَجِ فِي احْتِجَاجِ عُثْمَانَ، وَالْعِلَّةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الْجَمْعِ فِي احْتِجَاجِ عَلِيِّ ﵁.
وَأَمَّا تَكْذِيبُ عُثْمَانَ لِلشَّاعِرِ فِي قَوْلِهِ: (
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلٌ
) فَإِنَّمَا كَانَ لِمَا فَهِمَهُ مِنْ حَالِ الشَّاعِرِ الدَّالَّةِ عَلَى قَصْدِ تَعْظِيمِ الرَّبِّ بِبَقَائِهِ، وَبُطْلَانِ كُلِّ مَا سِوَاهُ.
أَمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُسْتَفَادًا مِنْ مُجَرَّدِ قَوْلِهِ (كُلُّ) فَلَا (٣) . стр. 491
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ أَبِي بَكْرٍ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " إِنَّمَا فُهِمَ مِنْهُ التَّعْمِيمُ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَعْظِيمِ قُرَيْشٍ وَمَيْزَتِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ فِيهِمْ وَالِاسْتِغْرَاقِ لَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ.
وَأَمَّا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إِجْرَاءِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي كُلِّ سَارِقٍ وَزَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنَ الْعِلَلِ الْمُومَى إِلَيْهَا الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْمِيمِ، وَهِيَ السَّرِقَةُ وَالزِّنَى وَقَتْلُ الظَّالِمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُ تَعْمِيمِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ مُسْتَنِدًا إِلَى عُمُومِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ فَلَا.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنَ الْأُولَى الْمَعْنَوِيَّةِ فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى وَضْعِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ إِحَالَةَ الْإِخْلَالِ بِهِ عَلَى الْوَاضِعِينَ.
وَلِهَذَا قَدْ أَخَلُّوا بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَانِي الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى تَعْرِيفِهَا بِوَضْعِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ كَالْفِعْلِ الْحَالِيِّ وَرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَالْعُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ الْخَاصَّةِ بِمِحَالِّهَا.
فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ أَخَلَّوْا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَرَائِحَةُ الْعُودِ وَطَعْمُ الْعَسَلِ وَطَعْمُ السُّكَّرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْإِضَافَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْضَاعِ الْمُعَرَّفَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِالْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ وَ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْنَا: وَعَلَى هَذَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرَبَ أَخَلَّتْ بِمَا يَعْرِفُ الْعُمُومُ، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَجَازِيَّةَ وَالْمُشْتَرَكَةَ أَيْضًا مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرَّفَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
وَمَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ خَارِجَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنْ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ مَجَازًا فِيهِ وَحَقِيقَةً (١) فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَمَا خَلَا الْعُمُومُ فِي وَضْعِهِمْ عَنْ مُعَرَّفٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ هَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ وَخَفَاءُ جِهَةِ الدَّلَالَةِ وَالْوُقُوفِ فِي تَعْيِينِهَا لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الْوَضْعِ وَالتَّعْرِيفِ. стр. 492
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: وَقَوْلُهُمْ إِنَّ (مَنْ) إِذَا كَانَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً لَا تَخْلُو عَنِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُسَلَّمٌ.
وَلَكِنْ لِمَ قَالُوا بِوُجُوبِ تَعْيِينِ بَعْضِهَا مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى ذَلِكَ؟
قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ لِلْخُصُوصِ لَمَا حَسُنَ الْجَوَابُ بِكُلِّ الْعُقَلَاءِ.
قُلْنَا: وَلَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَمَا حَسُنَ الْجَوَابُ بِالْبَعْضِ الْخَاصِّ لِمَا قَرَّرُوهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ كَيْفَ وَإِنَّ الْجَوَابَ بِالْكُلِّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْخُصُوصِ يَكُونُ جَوَابًا عَنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَزِيَادَةً؟ وَالْجَوَابُ بِالْخُصُوصِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ لَا يَكُونُ جَوَابًا عَنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ.
وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَوَابُ بِالْكُلِّ مُسْتَحْسَنًا.
ثُمَّ مَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً؟
قَوْلُهُمْ: لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ الْجَوَابُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ.
قُلْنَا: إِذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً وَهِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ فَالِاسْتِفْهَامُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ مَدْلُولِهَا، وَمَدْلُولُهَا عِنْدَ الِاسْتِفْهَامِ إِنَّمَا هُوَ أَحَدُ الْمَدْلُولَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، فَإِذَا أَجَابَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أَجَابَ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، فَلَا حَاجَةَ بِالْمَسْئُولِ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ.
قَوْلُهُمْ: فِي الشَّرْطِيَّةِ إِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأُكْرِمُهُ الْعُمُومُ لِمَا قَرَّرُوهُ.
قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ قَرِينَةِ إِكْرَامِ الزَّائِرِ حَتَّى أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ لَا أَصْلًا، وَلَا تَحَقَّقَ لِمَا سِوَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ فَهْمَ الْعُمُومِ مِنْهُ وَلَا جَوَازَ التَّعْمِيمِ دُونَ الِاسْتِفْهَامِ أَوْ ظُهُورِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا بِالْوَقْفِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ الْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ قُدِّرَ، وَحُسْنُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّرْدِيدِ، وَلَوْلَا التَّرْدِيدُ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ مَا اسْتُثْنِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَا لَهُ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ (١) .
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ، وَالظَّنُّ دَاخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: стр. 493
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
إِلَّا أُوَارِيٌّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيَ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ (١)
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ إِنَّمَا نَدَّعِي ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنَ الْجِنْسِ لَا فِي غَيْرِهِ.
قُلْنَا: وَإِذَا كَانَ مِنَ الْجِنْسِ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ دُخُولِ مَا اسْتُثْنِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَوْ عَلَى صَلَاحِيَتِهِ لِلدُّخُولِ تَحْتَهُ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْجِنْسِ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ، وَهِيَ مَا يَتَنَاوَلُ الْعَشَرَةَ فَمَا دُونَهَا، وَهِيَ أَفْعَلَ نَحْوُ أَفْلَسَ، وَأَفْعَالٌ نَحْوُ أَصْنَامٌ، وَأَفْعِلَةٌ نَحْوٍ أَرْغِفَةٌ، وَفِعْلَةٍ نَحْوُ صِبْيَةٍ، مَعَ أَنَّ آحَادَ الْجِنْسِ غَيْرُ وَاجِبَةِ الدُّخُولِ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ جَمْعِ السَّلَامَةِ إِذَا لَمْ تَدْخُلْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ إِنَّمَا نَدَّعِي ذَلِكَ فِيمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ مِنْهُ، وَاسْتِثْنَاءُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ لَا يَصِحُّ مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ.
قُلْنَا: فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ مِنَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ غَيْرَ وَاجِبِ الدُّخُولِ تَحْتَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، بَلْ مُمْكِنُ الدُّخُولِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ لِإِخْرَاجِ مَا يَصِحُّ دُخُولُهُ لَا مَا يَجِبُ دُخُولُهُ لَصَحَّ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: رَأَيْتُ رَجُلًا إِلَّا زَيْدًا، لِصَلَاحِيَّةِ دُخُولِهِ تَحْتَ لَفْظِ رَجُلٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدْخُلُ فِي الْأَعْدَادِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إِلَّا دِرْهَمًا وَهُوَ وَاجِبُ الدُّخُولِ.
وَأَيْضًا، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ، وَالْجُزْءُ وَاجِبُ الدُّخُولِ فِي كُلِّهِ.
قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَرُورَةَ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا عِنْدَ الْمُسْتَمِعِ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَبَعِيدٌ عَنِ التَّحْقِيقِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ وُجُوبَ دُخُولِ الْوَاحِدِ فِي الْعَشَرَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ دُخُولِهِ فِيهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ فِيهَا، وَمَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَعَمُّ مِنَ стр. 494
الْوَاجِبِ وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ لِوُجُوبِ الدُّخُولِ، بَلْ لِصِحَّةِ الدُّخُولِ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَيْضًا.
كَيْفَ وَإِنَّ اسْتِثْنَاءً وَاجِبَ الدُّخُولِ لَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ مُمْكِنِ الدُّخُولِ؟ وَعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي إِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى عُمُومِ (مَنْ) اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَجَزَائِيَّةٌ يَكُونُ بِعَيْنِهِ جَوَابًا عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي عُمُومِ (كُلٍّ) وَ (جَمِيعٍ) .
قَوْلُهُمُ الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْبَلَدِ يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ ذَلِكَ مُطْلَقًا.
فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلَ: جَمَعَ السُّلْطَانُ كُلَّ التُّجَّارِ وَكُلَّ الصُّنَّاعِ وَجَاءَ كُلُّ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ تَخَلُّفِ آحَادِ النَّاسِ.
وَالْعُرْفُ بِذَلِكَ شَائِعٌ ذَائِعٌ، وَلَيْسَ حَوَالَةُ ذَلِكَ عَلَى الْقَرِينَةِ أَوْلَى مِنْ حَوَالَةِ صُورَةِ التَّكْذِيبِ عَلَى الْقَرِينَةِ (١) .
قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: كُلُّ النَّاسِ عُلَمَاءٌ يُكَذِّبُهُ قَوْلُ الْآخَرِ: كُلُّ النَّاسِ لَيْسَ عُلَمَاءً لَيْسَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ لَوْ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِالْغَالِبِ عِنْدَهُ كَانَ تَفْسِيرُهُ صَحِيحًا مَقْبُولًا.
وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَكَاذُبَ (٢) .
نَعَمْ إِنَّمَا يَصِحُّ التَّكَاذُبُ بِتَقْدِيرِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى إِرَادَةِ الْكُلِّ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ بِمُطْلَقِهِ.
قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ: إِنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ (بَعْضٍ) وَ (كُلٍّ) مُسَلَّمٌ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضًا لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَكُلًّا صَالِحٌ لَهُ وَلِمَا دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ظُهُورُ (كُلٍّ) فِي الْعُمُومِ (٣) .
قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ: إِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (كُلُّهُمْ) بَيَانًا لَا تَأْكِيدًا. стр. 495
قُلْنَا: وَإِنْ بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ مِنْ لَفْظِهِ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ تَأْكِيدًا لِمَا أَرَادَهُ مِنَ الْعُمُومِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ صَالِحٌ لَهُ (١) .
قَوْلُهُمْ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ: إِنَّ كَثْرَةَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ تَزِيدُ عَلَى كَثْرَةِ الْمُنَكَّرِ، قُلْنَا: مَتَى إِذَا أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ أَوْ إِذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ ذَلِكَ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلِاسْتِغْرَاقِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيَّنًا لَهُ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنَ الرِّجَالِ كَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً صَارِفَةً لِلْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَصِحُّ تَأْكِيدُهُ بِمَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ، قُلْنَا: ذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ الْمُؤَكَّدِ صَالِحًا لِلْعُمُومِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَ التَّأْكِيدِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُتَعَيَّنًا بِوَضْعِهِ لِلْعُمُومِ (٢) .
قَوْلُهُمْ فِي تَعْمِيمِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ: لَوْ قَالَ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ رُؤْيَتِهِ لِرَجُلٍ مَا، قُلْنَا: إِنَّمَا عُدَّ كَاذِبًا بِذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ إِنَّمَا يَنْفِي حَقِيقَةَ رَجُلٍ فِي الدَّارِ، فَإِذَا وُجِدَ رَجُلٌ فِي الدَّارِ كَانَ كَاذِبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ إِذْ هُوَ نَفْيُ مَا لَيْسَ بِعَامٍّ (٣) .
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ سَبَقَ جَوَابُهُ (٤) .
قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَصِحُّ تَكْذِيبُهُ بِأَنَّكَ رَأَيْتَ رَجُلًا، قُلْنَا: سَبَقَ جَوَابُهُ أَيْضًا (٥) . следующие страницы →