← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ أَبِي بَكْرٍ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " إِنَّمَا فُهِمَ مِنْهُ التَّعْمِيمُ لِمَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَعْظِيمِ قُرَيْشٍ وَمَيْزَتِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخُصُوصِ فِيهِمْ وَالِاسْتِغْرَاقِ لَمَا حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ. وَأَمَّا إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى إِجْرَاءِ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي كُلِّ سَارِقٍ وَزَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اقْتَرَنَ بِهَا مِنَ الْعِلَلِ الْمُومَى إِلَيْهَا الْمُوجِبَةِ لِلتَّعْمِيمِ، وَهِيَ السَّرِقَةُ وَالزِّنَى وَقَتْلُ الظَّالِمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُ تَعْمِيمِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ مُسْتَنِدًا إِلَى عُمُومِ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ فَلَا. وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنَ الْأُولَى الْمَعْنَوِيَّةِ فَالْجَوَابُ عَنْهَا أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ، وَأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى وَضْعِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ إِحَالَةَ الْإِخْلَالِ بِهِ عَلَى الْوَاضِعِينَ. وَلِهَذَا قَدْ أَخَلُّوا بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمَعَانِي الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَى تَعْرِيفِهَا بِوَضْعِ اللَّفْظِ عَلَيْهَا، وَذَلِكَ كَالْفِعْلِ الْحَالِيِّ وَرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَالْعُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ الْخَاصَّةِ بِمِحَالِّهَا. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ أَخَلَّوْا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَرَائِحَةُ الْعُودِ وَطَعْمُ الْعَسَلِ وَطَعْمُ السُّكَّرِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالْإِضَافَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْضَاعِ الْمُعَرَّفَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الْبَارِي تَعَالَى قَدْ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِالْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ وَ ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قُلْنَا: وَعَلَى هَذَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَرَبَ أَخَلَّتْ بِمَا يَعْرِفُ الْعُمُومُ، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ الْمَجَازِيَّةَ وَالْمُشْتَرَكَةَ أَيْضًا مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُعَرَّفَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَمَا وَقَعَ فِيهِ الْخِلَافُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ خَارِجَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنْ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ مَجَازًا فِيهِ وَحَقِيقَةً (١) فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَمَا خَلَا الْعُمُومُ فِي وَضْعِهِمْ عَنْ مُعَرَّفٍ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جِهَةِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ هَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ وَخَفَاءُ جِهَةِ الدَّلَالَةِ وَالْوُقُوفِ فِي تَعْيِينِهَا لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الْوَضْعِ وَالتَّعْرِيفِ.

стр. 492

وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: وَقَوْلُهُمْ إِنَّ (مَنْ) إِذَا كَانَتِ اسْتِفْهَامِيَّةً لَا تَخْلُو عَنِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ لِمَ قَالُوا بِوُجُوبِ تَعْيِينِ بَعْضِهَا مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ عَلَى ذَلِكَ؟ قَوْلُهُمْ: لَوْ كَانَتْ لِلْخُصُوصِ لَمَا حَسُنَ الْجَوَابُ بِكُلِّ الْعُقَلَاءِ. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَمَا حَسُنَ الْجَوَابُ بِالْبَعْضِ الْخَاصِّ لِمَا قَرَّرُوهُ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ كَيْفَ وَإِنَّ الْجَوَابَ بِالْكُلِّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْخُصُوصِ يَكُونُ جَوَابًا عَنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَزِيَادَةً؟ وَالْجَوَابُ بِالْخُصُوصِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ لَا يَكُونُ جَوَابًا عَنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْجَوَابُ بِالْكُلِّ مُسْتَحْسَنًا. ثُمَّ مَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ مُشْتَرَكَةً؟ قَوْلُهُمْ: لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ الْجَوَابُ إِلَّا بَعْدَ الِاسْتِفْهَامِ. قُلْنَا: إِذَا كَانَتْ مُشْتَرَكَةً وَهِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ فَالِاسْتِفْهَامُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ مَدْلُولِهَا، وَمَدْلُولُهَا عِنْدَ الِاسْتِفْهَامِ إِنَّمَا هُوَ أَحَدُ الْمَدْلُولَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، فَإِذَا أَجَابَ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أَجَابَ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، فَلَا حَاجَةَ بِالْمَسْئُولِ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ. قَوْلُهُمْ: فِي الشَّرْطِيَّةِ إِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأُكْرِمُهُ الْعُمُومُ لِمَا قَرَّرُوهُ. قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ مَفْهُومًا مِنْ نَفْسِ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ قَرِينَةِ إِكْرَامِ الزَّائِرِ حَتَّى أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّهُ لَا أَصْلًا، وَلَا تَحَقَّقَ لِمَا سِوَى اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ فَهْمَ الْعُمُومِ مِنْهُ وَلَا جَوَازَ التَّعْمِيمِ دُونَ الِاسْتِفْهَامِ أَوْ ظُهُورِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا بِالْوَقْفِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ الْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ قُدِّرَ، وَحُسْنُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّرْدِيدِ، وَلَوْلَا التَّرْدِيدُ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ مَا اسْتُثْنِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَثْنَى دَاخِلًا تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَا لَهُ عَلَيْهِ دَلَالَةٌ (١) . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ، وَالظَّنُّ دَاخِلٌ تَحْتَ لَفْظِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:

стр. 493

وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أُوَارِيٌّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيَ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ (١) فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ إِنَّمَا نَدَّعِي ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنَ الْجِنْسِ لَا فِي غَيْرِهِ. قُلْنَا: وَإِذَا كَانَ مِنَ الْجِنْسِ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ دُخُولِ مَا اسْتُثْنِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَوْ عَلَى صَلَاحِيَتِهِ لِلدُّخُولِ تَحْتَهُ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ صِحَّةُ اسْتِثْنَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِ الْجِنْسِ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ، وَهِيَ مَا يَتَنَاوَلُ الْعَشَرَةَ فَمَا دُونَهَا، وَهِيَ أَفْعَلَ نَحْوُ أَفْلَسَ، وَأَفْعَالٌ نَحْوُ أَصْنَامٌ، وَأَفْعِلَةٌ نَحْوٍ أَرْغِفَةٌ، وَفِعْلَةٍ نَحْوُ صِبْيَةٍ، مَعَ أَنَّ آحَادَ الْجِنْسِ غَيْرُ وَاجِبَةِ الدُّخُولِ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ جَمْعِ السَّلَامَةِ إِذَا لَمْ تَدْخُلْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمُوعِ الْقِلَّةِ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ إِنَّمَا نَدَّعِي ذَلِكَ فِيمَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ مِنْهُ، وَاسْتِثْنَاءُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ لَا يَصِحُّ مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ. قُلْنَا: فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ اسْتِثْنَاءُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ مِنَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ غَيْرَ وَاجِبِ الدُّخُولِ تَحْتَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، بَلْ مُمْكِنُ الدُّخُولِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ لِإِخْرَاجِ مَا يَصِحُّ دُخُولُهُ لَا مَا يَجِبُ دُخُولُهُ لَصَحَّ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: رَأَيْتُ رَجُلًا إِلَّا زَيْدًا، لِصَلَاحِيَّةِ دُخُولِهِ تَحْتَ لَفْظِ رَجُلٍ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدْخُلُ فِي الْأَعْدَادِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إِلَّا دِرْهَمًا وَهُوَ وَاجِبُ الدُّخُولِ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ جُزْءٍ مِنْ كُلٍّ، وَالْجُزْءُ وَاجِبُ الدُّخُولِ فِي كُلِّهِ. قُلْنَا: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَرُورَةَ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا عِنْدَ الْمُسْتَمِعِ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ إِجْمَاعًا. وَأَمَّا الثَّانِي فَبَعِيدٌ عَنِ التَّحْقِيقِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ وُجُوبَ دُخُولِ الْوَاحِدِ فِي الْعَشَرَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ دُخُولِهِ فِيهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ فِيهَا، وَمَا لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَعَمُّ مِنَ

стр. 494

الْوَاجِبِ وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ لِوُجُوبِ الدُّخُولِ، بَلْ لِصِحَّةِ الدُّخُولِ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ أَيْضًا. كَيْفَ وَإِنَّ اسْتِثْنَاءً وَاجِبَ الدُّخُولِ لَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ مُمْكِنِ الدُّخُولِ؟ وَعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي إِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى عُمُومِ (مَنْ) اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَجَزَائِيَّةٌ يَكُونُ بِعَيْنِهِ جَوَابًا عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي عُمُومِ (كُلٍّ) وَ (جَمِيعٍ) . قَوْلُهُمُ الْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْبَلَدِ يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ رُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ ذَلِكَ مُطْلَقًا. فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلَ: جَمَعَ السُّلْطَانُ كُلَّ التُّجَّارِ وَكُلَّ الصُّنَّاعِ وَجَاءَ كُلُّ الْعَسْكَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ تَخَلُّفِ آحَادِ النَّاسِ. وَالْعُرْفُ بِذَلِكَ شَائِعٌ ذَائِعٌ، وَلَيْسَ حَوَالَةُ ذَلِكَ عَلَى الْقَرِينَةِ أَوْلَى مِنْ حَوَالَةِ صُورَةِ التَّكْذِيبِ عَلَى الْقَرِينَةِ (١) . قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ: إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: كُلُّ النَّاسِ عُلَمَاءٌ يُكَذِّبُهُ قَوْلُ الْآخَرِ: كُلُّ النَّاسِ لَيْسَ عُلَمَاءً لَيْسَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ لَوْ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِالْغَالِبِ عِنْدَهُ كَانَ تَفْسِيرُهُ صَحِيحًا مَقْبُولًا. وَمَهْمَا أَمْكَنَ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تَكَاذُبَ (٢) . نَعَمْ إِنَّمَا يَصِحُّ التَّكَاذُبُ بِتَقْدِيرِ ظُهُورِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى إِرَادَةِ الْكُلِّ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُنْكَرُ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ بِمُطْلَقِهِ. قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ: إِنَّا نُدْرِكُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ (بَعْضٍ) وَ (كُلٍّ) مُسَلَّمٌ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضًا لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَكُلًّا صَالِحٌ لَهُ وَلِمَا دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ظُهُورُ (كُلٍّ) فِي الْعُمُومِ (٣) . قَوْلُهُمْ فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ: إِنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (كُلُّهُمْ) بَيَانًا لَا تَأْكِيدًا.

стр. 495

قُلْنَا: وَإِنْ بَيَّنَ بِهِ مُرَادَهُ مِنْ لَفْظِهِ لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ تَأْكِيدًا لِمَا أَرَادَهُ مِنَ الْعُمُومِ، فَإِنَّ لَفْظَهُ صَالِحٌ لَهُ (١) . قَوْلُهُمْ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ: إِنَّ كَثْرَةَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ تَزِيدُ عَلَى كَثْرَةِ الْمُنَكَّرِ، قُلْنَا: مَتَى إِذَا أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ أَوْ إِذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ ذَلِكَ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلِاسْتِغْرَاقِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَيَّنًا لَهُ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنَ الرِّجَالِ كَانَ ذَلِكَ قَرِينَةً صَارِفَةً لِلْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَصِحُّ تَأْكِيدُهُ بِمَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ، قُلْنَا: ذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَوْنَ الْمُؤَكَّدِ صَالِحًا لِلْعُمُومِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الْعُمُومِ عِنْدَ التَّأْكِيدِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مُتَعَيَّنًا بِوَضْعِهِ لِلْعُمُومِ (٢) . قَوْلُهُمْ فِي تَعْمِيمِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ: لَوْ قَالَ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ رُؤْيَتِهِ لِرَجُلٍ مَا، قُلْنَا: إِنَّمَا عُدَّ كَاذِبًا بِذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ إِنَّمَا يَنْفِي حَقِيقَةَ رَجُلٍ فِي الدَّارِ، فَإِذَا وُجِدَ رَجُلٌ فِي الدَّارِ كَانَ كَاذِبًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ إِذْ هُوَ نَفْيُ مَا لَيْسَ بِعَامٍّ (٣) . قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِثْنَاءُ سَبَقَ جَوَابُهُ (٤) . قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَصِحُّ تَكْذِيبُهُ بِأَنَّكَ رَأَيْتَ رَجُلًا، قُلْنَا: سَبَقَ جَوَابُهُ أَيْضًا (٥) .

стр. 496

قَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ لَمَا كَانَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا، قُلْنَا: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ فَلَا يَمْتَنِعُ إِرَادَةُ الْعُمُومِ بِهَا. وَعَلَى هَذَا فَمَهْمَا لَمْ يُرِدِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا الْعُمُومَ فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ تَوْحِيدًا، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ كَانَ تَوْحِيدًا، لَكِنْ لَا يَكُونُ الْعُمُومُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ، بَلْ مِنْ قَرِينَةِ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ الدَّالَّةِ عَلَى إِرَادَةِ التَّوْحِيدِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ أَيْضًا فِيمَا إِذَا قَالَ: مَا فِي الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ، وَقَوْلُ أَهْلِ الْأَدَبِ: إِنَّهَا لِلْعُمُومِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ الصَّلَاحِيَّةِ دُونَ الْوُجُوبِ (١) . قَوْلُهُمْ فِي الْإِضَافَةِ: إِذَا قَالَ: أَعْتَقْتُ عَبِيدِي وَإِمَائِي ثُمَّ مَاتَ جَازَ لِمَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُزَوِّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْعَبِيدِ دُونَ رِضَى الْوَرَثَةِ. قُلْنَا: وَلَوْ قَالَ: أَنْفَقْتُ دَرَاهِمِي، وَصَرَمْتُ نَخِيلِي، وَضَرَبْتُ عَبِيدِي، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ عَدَمِ إِنْفَاقِ بَعْضِ دَرَاهِمِهِ وَعَدَمِ صَرْمِ بَعْضِ نَخِيلِهِ وَعَدَمِ ضَرْبِ بَعْضِ عَبِيدِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِلْعُمُومِ لَكَانَ كَاذِبًا، وَلَيْسَ صَرْفُ ذَلِكَ إِلَى الْقَرِينَةِ (٢) أَوْلَى مِنْ صَرْفِ مَا ذَكَرُوهُ إِلَى الْقَرِينَةِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: الْعَبِيدُ الَّذِينَ فِي يَدِي لِفُلَانٍ. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَعْمِيمِ اسْمِ الْجِنْسِ إِذَا دَخَلَهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ. أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْهُ قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْ فَائِدَةٍ، قُلْنَا: يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهَا تَعْرِيفُ الْمَعْهُودِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَعْهُودٌ، فَالتَّرَدُّدُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عَلَى السَّوِيَّةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ دُخُولِهَا (٣) .

стр. 497

وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنَ النَّقْلِ الشَّاذِّ الَّذِي لَا اعْتِمَادَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مَجَازٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَمْ يَطَّرِدْ فِي كُلِّ اسْمٍ فَرْدٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: جَاءَنِي الرَّجُلُ الْعُلَمَاءُ وَالرَّجُلُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ وَإِنْ أَمْكَنَ نَعْتُهُ بِالْجَمْعِ، فَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّمَا هُوَ جِنْسُ الدِّينَارِ وَجِنْسُ الدِّرْهَمِ لَا جُمْلَةُ الدَّنَانِيرِ وَجُمْلَةُ الدَّرَاهِمِ. وَحَيْثُ كَانَ الْهَلَاكُ بِجِنْسِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ لِأَمْرٍ مُتَحَقِّقٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ جَازَ نَعْتُهُ بِالْجَمْعِ، نَظَرًا إِلَى اقْتِضَاءِ الْمَعْنَى لِلْجَمْعِ، لَا نَظَرًا إِلَى اقْتِضَاءِ لَفْظِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْآيَةِ فَهُوَ مَجَازٌ. وَلِهَذَا لَمْ يَطَّرِدْ، فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ الرَّجُلَ إِلَّا الْعُلَمَاءَ وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ. ثُمَّ لَوْ كَانَ ذَلِكَ صَالِحًا لِلِاسْتِغْرَاقِ لَأَمْكَنَ مَعَ اتِّحَادِهِ أَنْ يُؤَكَّدَ (بِكُلٍّ) وَ (جَمِيعٍ) كَمَا فِي (مَنْ) فِي قَوْلِكَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: جَاءَنِي الرَّجُلُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (١) ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ مِثْلَ هَذَا قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَدَفْعُهُ بِمَنْعِ الْحَصْرِ فِيمَا قِيلَ، بَلِ الْقَائِلُ ثَلَاثَةً، وَالثَّالِثُ هُوَ الْقَائِلُ بِالتَّفْصِيلِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فِي تَعْمِيمِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْهُ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: رِجَالٌ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ عَدَدٍ عَلَى خُصُوصِهِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمْعِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَعْدَادِ فَمُسَلَّمٌ. ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَى مَا هُوَ الْأَخَصُّ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا. وَعَلَى هَذَا فَقَدَ بَطَلَ الْقَوْلُ بِأَنَّا إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ كَانَ حَمْلًا لَهُ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ، ضَرُورَةَ اتِّحَادِ مَدْلُولِهِ. الثَّانِي: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ عَدَدٍ بِخُصُوصِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ مَعَ احْتِمَالِ عَدَمِ الْإِرَادَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْأَقَلِّ مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَيْقَنًا. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ بَيَانُ إِرَادَةِ الْبَعْضِ عَيْنًا أَنْ لَوْ كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ.

стр. 498

وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِبَعْضٍ مُطْلَقٍ فَلَا. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَقَدْ عُرِفَ جَوَابُهُ كَيْفَ وَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ نَكِرَةً؟ وَلَوْ كَانَ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَكَانَ مَعْرُوفًا كُلَّهُ، فَلَا يَكُونُ مُنَكَّرًا مُخْتَلِطًا بِغَيْرِهِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَرَبَ فَرَّقَتْ بَيْنَ تَأْكِيدِ الْوَاحِدِ وَالْعُمُومِ بِمَا ذَكَرُوهُ، إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ كَانَ (كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) تَأْكِيدًا لِلْعُمُومِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلَّفْظِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُمُومُ وَغَيْرُ الْعُمُومِ (١) . قَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ لَكَانَ التَّكْلِيفُ بِالْأُمُورِ الْعَامَّةِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَضْعِهَا دُونَ التَّكْلِيفِ بِالْمَحَالِّ مَعَ وُجُودِ صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ مَعَ الْقَرِينَةِ. وَأَمَّا شُبَهُ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ قَوْلُهُمْ فِي الْأُولَى: إِنَّ الْخُصُوصَ مُتَيَقَّنٌ، قُلْنَا: ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا فِي الزِّيَادَةِ، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ مُسْتَيْقَنَةٌ فِي الْعَشَرَةِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ لَفْظَ الْعَشَرَةِ حَقِيقَةً فِي الثَّلَاثَةِ مَجَازًا فِي الزِّيَادَةِ. ، فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْعَشَرَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَيْضًا مُسْتَيْقَنَةٌ، قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَمَا صَحَّ اسْتِثْنَاؤُهَا بِقَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً، كَيْفَ وَإِنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ مَعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ الْعُمُومَ، فَلَوْ حُمِلَ لَفْظُهُ عَلَى الْخُصُوصِ لَمْ يَحْصُلْ مُرَادُهُ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْخُصُوصَ لَا يَمْتَنِعُ حُصُولُ مَقْصُودِهِ مِنْهُ بِتَقْدِيرِ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ، بَلِ الْمَقْصُودُ حَاصِلٌ وَزِيَادَةٌ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. قَوْلُهُمْ فِي الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: إِنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الصِّيَغِ فِي الْخُصُوصِ لَا نُسَلِّمُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ، وَإِن سُلِّمَ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ الصِّيَغِ حَقِيقَةً فِي الْخُصُوصِ وَمَجَازًا فِي الْعُمُومِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْغَائِطِ وَالْعَذِرَةِ غَالِبٌ فِي الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ

стр. 499

مِنَ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فِيهِ وَحَقِيقَةً فِي الْمَوْضِعِ الْمُطَمْئِنِ مِنَ الْأَرْضِ وَفِنَاءِ الدَّارِ. وَكَذَلِكَ لَفْظُ الشُّجَاعِ حَقِيقَةً فِي الْحَيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الِاسْتِخْدَامِ فِي الرَّجُلِ الْمِقْدَامِ. قَوْلُهُمْ فِي الثَّالِثَةِ: إِنَّهُ لَا يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ إِرَادَةِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ. قُلْنَا: حُسْنُ الِاسْتِفْهَامِ عَنْ إِرَادَةِ الْعُمُومِ لَا يُخْرِجُ الصِّيغَةَ عَنْ كَوْنِهَا حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: دَخَلَ السُّلْطَانُ الْبَلَدَ وَلَقِيتُ بَحْرًا وَنَاطَحْتُ جَبَلًا وَرَأَيْتُ حِمَارًا، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ اسْتِفْهَامُهُ: هَلْ أَرَدْتَ بِالسُّلْطَانِ نَفْسَهُ أَوْ عَسْكَرَهُ؟ وَهَلْ أَرَدْتَ بِالْجَبَلِ الْجَبَلَ الْحَقِيقِيَّ أَوِ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ؟ وَهَلْ أَرْدَتْ بِالْحِمَارِ الْحِمَارَ الْحَقِيقِيَّ أَوِ الْبَلِيدَ؟ وَأَرَدْتَ بِالْبَحْرِ الْبَحْرَ الْحَقِيقِيَّ أَوْ رَجُلًا كَرِيمًا؟ وَعَدَمُ حُسْنِ الِاسْتِفْهَامِ عَنِ الْبَعْضِ لِتَيَقُّنِهِ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الصِّيغَةِ حَقِيقَةً فِيهِ (١) بِدَلِيلِ الثَّلَاثَةِ مِنَ الْعَشَرَةِ. قَوْلُهُمْ فِي الرَّابِعَةِ: لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: رَأَيْتُ الرِّجَالَ لِلْعُمُومِ لَكَانَ كَاذِبًا بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ الْخُصُوصِ، قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ كَاذِبًا مَعَ كَوْنِ لَفْظِهِ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُهُ صَالِحًا لِإِرَادَةِ الْبَعْضِ تَجَوُّزًا، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ أَسَدًا وَحِمَارًا أَوْ بَحْرًا، وَكَانَ قَدْ رَأَى إِنْسَانًا شُجَاعًا، وَإِنْسَانًا بَلِيدًا، وَإِنْسَانًا كَرِيمًا لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا، وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ حَقِيقَةً فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ رَأَيْتُ عَشَرَةَ رِجَالٍ وَلَمْ يَكُنْ خَمْسَةً، فَإِنَّ لَفْظَ الْعَشَرَةِ مِمَّا لَا يَصْلُحُ لِلْخَمْسَةِ لَا حَقِيقَةً وَلَا تَجَوُّزًا. قَوْلُهُمْ فِي الْخَامِسَةِ: إِنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّيَغُ لِلْعُمُومِ لَكَانَ تَأْكِيدُهَا عَبَثًا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ مُجَازَفَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَبْعَدَ عَنْ قَبُولِ التَّخْصِيصِ وَأَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ. كَيْفَ وَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ صِحَّةُ تَأْكِيدِ الْخَاصِّ (٢) بِقَوْلِهِمْ: جَاءَ زَيْدٌ عَيْنُهُ نَفْسُهُ، وَتَأْكِيدِ عُقُودِ الْأَعْدَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ ، وَمَا هُوَ الْجَوَابُ هَاهُنَا عَنِ التَّأْكِيدِ يَكُونُ جَوَابًا فِي الْعُمُومِ.

стр. 500

قَوْلُهُمْ: وَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهَا نَقْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْأَعْدَادِ الْمُقَيَّدَةِ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا خَمْسَةً، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْعَشَرَةِ صَرِيحٌ فِيهَا، وَجَوَابُهُ فِي الْأَعْدَادِ جَوَابُهُ فِي الْعُمُومِ. قَوْلُهُمْ فِي السَّادِسَةِ: إِنَّ (مِنْ) لَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَمَا جُمِعَتْ، قُلْنَا: قَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَمْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِلْحَاقُ زِيَادَةِ الْوَاوِ وَإِشْبَاعُ الْحَرَكَةِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا فَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: إِنَّهُ لَا عَمَلَ عَلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ جَمْعِ (مَنْ) حَالَةَ الْوَصْلِ، وَإِنَّمَا تُجْمَعُ عِنْدَمَا إِذَا حُكَى بِهَا الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ حَالَةَ الْوَقْفِ. وَإِذ ذَاكَ فَلَا تَكُونُ لِلْعُمُومِ. وَأَمَّا شُبَهُ أَرْبَابِ الِاشْتِرَاكِ قَوْلُهُمْ فِي الْأُولَى: إِنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ قَدْ تُطْلَقُ تَارَةً لِلْعُمُومِ وَتَارَةً لِلْخُصُوصِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. قُلْنَا: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ بِصِفَةِ الِاشْتِرَاكِ أَوْ لَا بِصِفَةِ الِاشْتِرَاكِ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا افْتَقَرَ فِي فَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مَدْلُولَاتِهِ إِلَى قَرِينَةٍ تُعَيِّنُهُ ضَرُورَةَ تَسَاوِي نِسْبَةِ اللَّفْظِ فِيهِ إِلَى الْكُلِّ، وَالْقَرِينَةُ قَدْ تَظْهَرُ، وَقَدْ تَخْفَى. وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى الْإِخْلَالِ بِمَقْصُودِ الْوَضْعِ، وَهُوَ التَّفَاهُمُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي مَدْلُولٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إِلَى قَرِينَةٍ مُخِلَّةٍ بِالْفَهْمِ. قَوْلُهُمْ فِي الثَّانِيَةِ: إِنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ. قُلْنَا: ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مُشْتَرَكًا، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ مَعَ كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَّحِدَ الْمَدْلُولِ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: خَاصَمْتُ السُّلْطَانَ، فَيُقَالُ: أَخَصَمْتُهُ؟ مَعَ كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي شَيْءٍ وَمَجَازًا فِي غَيْرِهِ كَمَا سَبَقَ تَمْثِيلُهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَدَمْتُ جَبَلًا وَرَأَيْتُ بَحْرًا وَلَقِيتُ حِمَارًا، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ اسْتِفْهَامُهُ، إِنَّكَ أَرَدْتَ بِذَلِكَ الْمَدْلُولَاتِ الْحَقِيقِيَّةَ أَوِ الْمَجَازِيَّةَ مِنَ الرَّجُلِ الْعَظِيمِ وَالْكَرِيمِ وَالْبَلِيدِ. وَذَلِكَ لِفَائِدَةِ زِيَادَةِ الْأَمْنِ مِنَ الْمُجَازَفَةِ فِي الْكَلَامِ، وَزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَتَأَكُّدِهِ بِمَا اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَلِلْمُبَالَغَةِ فِي دَفْعِ الْمُعَارِضِ كَمَا سَبَقَ فِي التَّأْكِيدِ. وَأَمَّا طَرِيقُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ مِنَ الْوَاقِفِيَّةِ بَيْنَ الْأَوَامِرِ وَالْأَخْبَارِ، فَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا يَذْكُرُونَهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى وُجُوبِ التَّوَقُّفِ فِي الْأَخْبَارِ فَهُوَ بِعَيْنِهِ مُصْطَرِدٌ فِي الْأَوَامِرِ.

стр. 501

قَوْلُهُمْ: أَوَّلًا إِنَّ الْأَمْرَ تَكْلِيفٌ. قُلْنَا: وَمِنَ الْأَخْبَارِ الْعَامَّةِ مَا كُلِّفْنَا بِمَعْرِفَتِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وَكَذَلِكَ عُمُومَاتُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَإِنَّا مُكَلَّفُونَ بِمَعْرِفَتِهَا، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الِانْزِجَارُ عَنِ الْمَعَاصِي وَالِانْقِيَادُ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَمَعَ التَّسَاوِي فِي التَّكْلِيفِ فَلَا مَعْنًى لِلْوُقُوفِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لِيُفْضِيَ إِلَى التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ فَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عِنْدَنَا عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ (١) . قَوْلُهُمْ: ثَانِيًا إِنَّ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يَرِدُ بِالْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ بِخِلَافِ الْأَمْرِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْمَجْهُولِ (٢) كَيْفَ وَإِنَّ هَذَا الْفَرْقَ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ فِيمَا كَانَ مِنَ الْأَخْبَارِ لَمْ نُكَلَّفْ بِمَعْرِفَتِهَا إِلَى وَضْعِ اللَّفْظِ الْعَامِّ بِإِزَائِهِ فَغَيْرُ مُطَّرِدٍ فِيمَا كُلِّفْنَا بِمَعْرِفَتِهِ كَمَا سَبَقَ، وَهُمْ غَيْرُ قَائِلِينَ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ خَبَرٍ وَخَبَرٍ.

стр. 502

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَقَلِّ الْجُمَعِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَقَلِّ الْجُمَعِ هَلْ هُوَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ؟ وَلَيْسَ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْجَمْعِ لُغَةً، وَهُوَ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَمَا زَادَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ النِّزَاعِ فِي اللَّفْظِ الْمُسَمَّى بِالْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: رِجَالٌ وَمُسْلِمُونَ. وَإِذْ تُنُقِّحَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَنَقُولُ مَذْهَبُ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمَالِكٍ وَدَاوُدَ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ (١) وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ كَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ اثْنَانِ، وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ، وَذَهَبَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ (٢) إِلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ رَدُّ لَفْظِ الْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ. احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِحُجَجٍ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِشْعَارِ اللُّغَةِ وَالْإِطْلَاقِ. أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ، وَأَرَادَ بِهِ مُوسَى وَهَارُونَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ - إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ وَأَرَادَ بِهِ الْأَخَوَيْنِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ ، وَأَرَادَ بِهِ يُوسُفَ وَأَخَاهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ ، وَأَرَادَ بِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ .

стр. 503

وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» " (١) . وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْإِشْعَارِ اللُّغَوِيِّ فَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجَمَاعَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، وَهُوَ ضَمُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ، وَهُوَ مُتَحَقِّقٌ فِي الِاثْنَيْنِ حَسَبَ تَحَقُّقِهِ فِي الثَّلَاثَةِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا، وَلِذَلِكَ تَتَصَرَّفُ الْعَرَبُ وَتَقُولُ: جَمَعْتُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَاجْتَمَعَا وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ، كَمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ، فَكَانَ إِطْلَاقُ اسْمِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ حَقِيقَةً، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْإِطْلَاقِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاثْنَيْنِ يُخْبِرَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ، فَيَقُولَانِ: قُمْنَا وَقَعَدْنَا وَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا كَمَا تَقُولُ الثَّلَاثَةُ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ فِي مَخَافَةٍ: أَقْبَلَ الرِّجَالُ. وَذَلِكَ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ حَقِيقَةٌ فِي الِاثْنَيْنِ، إِذِ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ. قَالَ النَّافُونَ لِذَلِكَ: أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ، فَالْمُرَادُ بِهِ مُوسَى وَهَارُونُ وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَهُمْ جَمْعٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ فَكُلُّ طَائِفَةٍ جَمْعٌ. وَأَمَّا قِصَّةُ دَاوُدَ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا، فَإِنَّ الْخَصْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَيُقَالُ: هَذَا خَصْمِي وَهَؤُلَاءِ خَصْمِي، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ كَانَ وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ، فَالْمُرَادُ بِهِ الثَّلَاثَةُ، وَحَيْثُ وَرَّثْنَاهَا السُّدُسُ مَعَ الْأَخَوَيْنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَنْطُوقِ اللَّفْظِ، بَلْ لِمَفْهُومِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَهُوَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ (٢) . وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يُوسُفُ وَأَخُوهُ وَشَمْعُونُ الَّذِي قَالَ ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾

стр. 504

دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَالْمَحْكُومُ لَهُ وَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ فَهُوَ أَشْبَهُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ هَاهُنَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ مَعَ اثْنَيْنِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ سِوَى قَلْبٍ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْقُلُوبِ عَلَى مَا يُوجَدُ لِلْقَلْبِ الْوَاحِدِ مِنَ التَّرَدُّدَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ إِلَى الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مَجَازًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ لِمَنْ مَالَ قَلْبُهُ إِلَى جِهَتَيْنِ أَوْ تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا: إِنَّهُ ذُو قَلْبَيْنِ وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ عَلَى جِهَةِ التَّجَوُّزِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى امْتِنَاعِ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ حَقِيقَةً، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا قَالَ: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ تَجَوُّزًا حَذَرًا مِنِ اسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ تَثْنِيَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ ﷺ : " «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» " إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الْجَمَاعَةِ فِي انْعِقَادِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا وَإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ (١) ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَرِّفَنَا الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةِ لَا الْأُمُورَ اللُّغَوِيَّةِ، لِكَوْنِهَا مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ وَلِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِشْعَارِ اللُّغَوِيِّ فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ كَانَ مَا مِنْهُ اشْتِقَاقُ لَفْظِ الْجَمَاعَةِ فِي الثَّلَاثَةِ مَوْجُودًا فِي الِاثْنَيْنِ، فَلَا يَلْزَمُ إِطْلَاقُ اسْمِ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهِمَا إِذْ هُوَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ أَبْطَلْنَاهُ، وَلِهَذَا فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي صَحَّ مِنْهُ اشْتِقَاقُ اسْمِ الْقَارُورَةِ لِلزُّجَاجَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَهُوَ قَرَارُ الْمَائِعِ فِيهَا مُتَحَقِّقٌ فِي الْجَرَّةِ وَالْكُوزِ، وَلَا يَصِحُّ تَسْمِيَتُهُمَا قَارُورَةً. كَيْفَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّرِدُ فِي اسْمِ الرِّجَالِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ إِذْ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجَمْعِ، وَالْخِلَافُ وَاقِعٌ فِي إِطْلَاقِهِ عَلَى الِاثْنَيْنِ حَقِيقَةً.

стр. 505

وَجَوَابُ الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ قَوْلِ الْوَاحِدِ لِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَمَاعَةٍ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إِخْبَارُ غَيْرِهِمَا عَنْهُمَا بِذَلِكَ، فَلَا يُقَالُ: عَنِ الِاثْنَيْنِ قَامُوا وَقَعَدُوا، بَلْ قَامَا وَقَعَدَا. وَجَوَابُ الْإِطْلَاقِ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ قَوْلِهِ: جَاءَ الرِّجَالُ عِنْدَمَا إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ فِي حَالِ الْمَخَافَةِ، وَالْوَاحِدُ لَيْسَ بِجَمْعٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ فَسِتٌّ: الْأُولَى: مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِعُثْمَانَ حِينَ رَدَّ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ بِأَخَوَيْنِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ ، وَلَيْسَ الْأَخَوَانِ إِخْوَةٌ فِي لِسَانِ قَوْمِكَ. فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ (١) ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ لَمَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عُثْمَانَ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَفُصَحَاءِ الْعَرَبِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجَالٍ، فَإِطْلَاقُ اسْمِ الرِّجَالِ عَلَى الرَّجُلَيْنِ رَفْعٌ لِهَذَا الْفَرْقِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ إِطْلَاقُ الرِّجَالِ عَلَى الرَّجُلَيْنِ لَصَحَّ نَعْتُهُمَا بِمَا يُنْعَتُ بِهِ الرِّجَالُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ ثَلَاثَةٌ كَمَا يُقَالُ: جَاءَنِي رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَلَصَحَّ أَنْ يُقَالَ: رَأَيْتُ اثْنَيْنِ رِجَالًا كَمَا يُقَالُ: رَأَيْتُ ثَلَاثَةَ رِجَالٍ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ فَرَّقُوا بَيْنَ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ فَقَالُوا فِي الِاثْنَيْنِ: فَعَلَا، وَفِي الْجَمِيعِ: فَعَلُوا. الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَا رَأَيْتُ رِجَالًا، بَلْ رَجُلَيْنِ. وَلَوْ كَانَ اسْمُ الرِّجَالِ لِلرَّجُلَيْنِ حَقِيقَةً لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ.

стр. 506

السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. وَكَذَلِكَ فِي النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ. وَهَذِهِ الْحُجَجُ ضَعِيفَةٌ، أَمَّا الْحُجَّةُ الْأُولَى فَهِيَ مُعَارَضَةٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: الْأَخَوَانِ أُخْوَةٌ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَقَلُّ الْجُمَعِ اثْنَانِ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهُوَ أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالرِّجَالِ أَنَّ اسْمَ الرَّجُلَيْنِ جَمْعٌ خَاصٌّ بِالِاثْنَيْنِ، وَالرِّجَالُ جَمْعٌ عَامٌّ لِلِاثْنَيْنِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا. وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَهُوَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ نَعْتٌ لِلْجَمْعِ الْعَامِّ، وَهُوَ الرِّجَالُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْجَمْعِ الْخَاصِّ، وَهُوَ رَجُلَانِ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْجَوَابُ عَنِ امْتِنَاعِ قَوْلِهِمْ: رَأَيْتُ اثْنَيْنِ رِجَالًا مِنْ حَيْثُ إِنَّ رِجَالًا اسْمٌ لِلْجَمْعِ الْعَامِّ، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أُعْطِيَ لِمَا دُونَ ذَلِكَ، وَبِهِ يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَضَمِيرِ الْجَمْعِ، فَإِنَّ ضَمِيرَ (فَعَلَا) لِجَمْعٍ خَاصٍّ، وَهُوَ الِاثْنَانِ، وَ (فَعَلُوا) ضَمِيرُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الْخَامِسَةُ، فَإِنَّهُ إِذَا رَأَى رَجُلَيْنِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَصِحُّ قَوْلُهُ: مَا رَأَيْتُ رِجَالًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَيْنِ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَمَمْنُوعَةٌ عَلَى أَصْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ. وَإِذَا عُرِفَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَعَلَى النَّاظِرِ بِالِاجْتِهَادِ فِي التَّرْجِيحِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ لَازِمٌ (١) .

стр. 507

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي أَوْ مَجَازٌ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فِي الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي أَوْ مَجَازٌ؟ عَلَى ثَمَانِيَةِ مَذَاهِبَ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَبْقَى حَقِيقَةً مُطْلَقًا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ الْمُخَصَّصُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَبْقَى مَجَازًا كَيْفَمَا كَانَ الْمُخَصَّصُ، وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْغَزَالِيِّ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ كَعِيسَى بْنِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ. وَمِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ قَالَ: إِنْ كَانَ الْبَاقِي جَمْعًا فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَلَا. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ فَهُوَ حَقِيقَةٌ كَيْفَمَا كَانَ الْمُخَصَّصُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ مِنْ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي وَأَكْرَمَنِي أَكْرَمْتُهُ، أَوِ اسْتِثْنَاءٍ كَقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ سِوَى بَنِي تَمِيمٍ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (١) . وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنْ كَانَ مُخَصَّصَهُ شَرْطًا كَمَا سَبَقَ تَمْثِيلُهُ أَوْ تَقْيِيدًا بِصِفَةٍ كَقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي عَالِمًا أَكْرَمْتُهُ فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ حَتَّى فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْقَرِينَةُ الْمُخَصِّصَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَقْلِيَّةً كَالدَّلَالَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْقَادِرِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْخِطَابِ فِي الْعِبَادَاتِ، أَوْ لَفْظِيَّةً كَقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْعُمُومِ: أَرَدْتُ بِهِ الْبَعْضَ الْفُلَانِيَّ فَهُوَ مَجَازٌ وَإِلَّا فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْقَرِينَةُ شَرْطًا أَوْ صِفَةً مُقَيِّدَةً أَوِ اسْتِثْنَاءً. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي تَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُ، مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ.

стр. 508

وَالْمُخْتَارُ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ أَنَّهُ يَكُونُ مَجَازًا فِي الْمُسْتَبْقِي وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخَصَّصُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا عَقْلِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا بِاسْتِثْنَاءٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ تَقْيِيدٍ بِصِفَةٍ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي الِاسْتِغْرَاقِ وَالْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ كُلِّ الْجِنْسِ، فَصَرْفُهُ إِلَى الْبَعْضِ بِالْقَرِينَةِ كَيْفَمَا كَانَتِ الْقَرِينَةُ. أَمَّا أَنْ يَكُونَ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ، وَإِلَّا كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ، ضَرُورَةَ اخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا بِالْبَعْضِيَّةِ وَالْكُلِّيَّةِ، وَعَدَمِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي مَعْنًى جَامِعٍ يَكُونُ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ، (١) وَالْمُشْتَرَكِ لَا يَكُونُ ظَاهِرًا بِلَفْظِهِ فِي بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ (٢) ، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. فَإِنْ قِيلَ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْجِنْسِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا (٣) وَلَا مَجَازًا فِي أَحَدِهِمَا؟ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ الْمُسْتَبْقِي أَنَّ اللَّفْظَ كَانَ مُتَنَاوِلًا لَهُ حَقِيقَةً قَبْلَ التَّخْصِيصِ، فَخُرُوجُ غَيْرِهِ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِيهِ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْجِنْسِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِ اللَّفْظِ بِمُطْلَقِهِ حَقِيقَةً فِي الِاسْتِغْرَاقِ؟ وَمَعَ الْقَرِينَةِ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ، سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ بَقَائِهِ حَقِيقَةً فِيهِ، وَلَكِنْ مَتَى إِذَا كَانَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ لَفْظِيًّا مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ الْمُخَصَّصُ لَفْظِيًّا مُتَّصِلًا، وَسَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا أَوْ تَقْيِيدًا بِصِفَةٍ أَوِ اسْتِثْنَاءً، فَإِنَّ الْكَلَامَ يَصِيرُ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ كَلَامًا آخَرَ مُسْتَقِلًّا مَوْضُوعًا لِلْبَعْضِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ كَانَ لَهُ مَعْنًى، فَإِذَا زَادَ شَرْطًا أَوْ صِفَةً أَوِ اسْتِثْنَاءً كَقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي وَأَكْرَمَنِي أَكْرَمْتُهُ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِي عَالِمًا أَكْرَمْتُهُ، أَوْ مَنْ دَخَلَ دَارِي أَكْرَمْتُهُ

стр. 509

إِلَّا بَنِي تَمِيمٍ تَغَيَّرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَصَارَ مَعْنَى الشَّرْطِ الدَّاخِلَ الْمُكَرَّمَ، وَمَعْنَى الصِّفَةِ الدَّاخِلَ الْعَالِمَ، وَمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الدَّاخِلَ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَكَانَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اللَّفْظَيْنِ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنَاهُ، وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: مُسْلِمٌ فَإِنَّ لَهُ مَعْنًى، فَإِذَا زَادَ فِيهِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فَقَالَ الْمُسْلِمُ، أَوْ زَادَ فِيهِ الْوَاوَ وَالنُّونَ فَقَالَ مُسْلِمُونَ، فَإِنَّ اللَّفْظَ بِإِلْحَاقِ الزِّيَادَةِ فِيهِ صَارَ دَالًّا عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ، لَا بِجِهَةِ التَّجَوُّزِ، فَكَذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا نَقُولُ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ إِنَّ مَجْمُوعَ هَذَا الْقَوْلِ دَلَّ عَلَى الْمُسْتَبْقِي بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ قَوْلِهِ: فَلَبِثَ فِيهِمْ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ عَامًا، هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالْمُسْتَثْنَى فِي كَلَامِ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) فَقَالَ الرَّسُولُ عَقِيبَهُ: إِلَّا زَيْدًا فَهَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ أَنَّهُ كَالْمُتَّصِلِ الَّذِي لَا يَجْعَلُ لَفْظَ الْمُشْرِكِينَ مَجَازًا أَمْ لَا. فَمَنْ قَالَ بِكَوْنِهِ مُتَّصِلًا نَظَرَ إِلَى أَنَّ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَكُونُ فِي تَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ بِغَيْرِ الْوَحْيِ، فَكَانَ فِي الْبَيَانِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجْرَاهُ مَجْرَى الدَّلِيلِ الْمُنْفَصِلِ دُونَ الْمُتَّصِلِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْبَارِي تَعَالَى: زَيْدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَامَ لَا يَكُونُ خَبَرًا صَادِرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ نَظْمَ الْكَلَامِ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَكُونُ مَجَازًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إِلَّا فِي الشَّرْطِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: أُكْرِمُ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا دَارِي، فَإِنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِمَّا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ أَعْيَانِ الْأَشْخَاصِ، بَلْ هُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ. وَإِنَّمَا أَخْرَجَ حَالًا مِنَ الْأَحْوَالِ، وَهِيَ حَالَةُ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا. سَلَّمْنَا التَّجَوُّزَ مُطْلَقًا، لَكِنْ مَتَى إِذَا كَانَ الْمُسْتَبْقِي مُنْحَصِرٌ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِيَ مُسَلَّمٌ.

стр. 510

وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْبَعْضَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكُلِّ إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ حَقِيقَةٌ فِي اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ، لَا فِي الْجِنْسِ مُطْلَقًا وَلِهَذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ عَلَى الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجِنْسِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ، وَمَعْنَى مُتَحَقِّقٍ فِي الْمُسْتَبْقِي فَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ اللَّفْظَ كَانَ مُتَنَاوِلًا لَهُ حَقِيقَةً قَبْلَ التَّخْصِيصِ، قُلْنَا بِانْفِرَادِهِ أَوْ مَعَ الْمُخَصَّصِ (١) الْخَارِجِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مَعَ التَّخْصِيصِ أَنْ يَبْقَى حَقِيقَةً فِيهِ، كَيْفَ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْوَاحِدُ؟ فَإِنَّ اللَّفْظَ كَانَ مُتَنَاوِلًا لَهُ حَقِيقَةً قَبْلَ التَّخْصِيصِ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ، فَهُوَ مَجَازٌ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ. وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَرْفَعُ جَمِيعَ الْمَجَازَاتِ عَنِ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَجَازٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَعَ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةٌ فِي مَدْلُولِهِ، وَبِدُونِ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةٌ فِي غَيْرِهِ (٢) . الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ اللَّفْظِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ مَعَ اقْتِرَانِهِ بِالْقَرِينَةِ الْمُخَصِّصَةِ لَهُ بِالْبَعْضِ اسْتِعْمَالًا لَهُ فِي غَيْرِ الْحَقِيقَةِ، وَصَارِفًا لَهُ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ خِلَافُ إِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ. وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّالِثِ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عِنْدَ اقْتِرَانِهِ بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ الْمُتَّصِلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَصُورَتِهِ بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ كُلُّ مُقْتَرِنٍ بِشَيْءٍ خَارِجًا عَنْ حَقِيقَتِهِ. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خُرُوجُ الْجِسْمِ عَنْ حَقِيقَتِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ جِسْمٌ عِنْدَ اتِّصَافِهِ بِالْبَيَاضِ أَوِ السَّوَادِ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِذَا كَانَ بَاقِيًا عَلَى حَقِيقَتِهِ فَمَعْنَاهُ لَا يَكُونُ مُخْتَلِفًا، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَصِيرَ مَصْرُوفًا عَنْ مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهِ، وَهُوَ التَّجَوُّزُ بِعَيْنِهِ. وَعَلَى هَذَا فَأَلْفَاظُ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ الْأَلْفُ لِلْأَلْفِ وَالْخَمْسُونَ لِلْخَمْسِينَ، وَإِلَّا لِلرَّفْعِ، وَمَعْرِفَةِ مَا بَقِيَ حَاصِلَةٌ بِالْحِسَابِ. وَخَرَجَ عَنْ هَذَا زِيَادَةُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الْمُسْلِمِ، وَالْوَاوِ وَالنُّونِ فِي

стр. 511

الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهَا لَا مَعْنًى لَهَا فِي نَفْسِهَا دُونَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهَا. فَلِذَلِكَ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلتَّعْيِينِ فِي الْوَضْعِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ: لَا إِلَهَ، فَإِنَّهُ بِمُطْلَقِهِ يَكُونُ كُفْرًا، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِلَّا اللَّهُ كَانَ إِيمَانًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ كَانَ بِمُطْلَقِهِ تَنْجِيزًا لِلطَّلَاقِ، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِهِ الشَّرْطُ وَهُوَ قَوْلُهُ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ كَانَ تَعْلِيقًا مَعَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالشَّرْطَ لَهُ مَعْنًى، وَلَوْلَا تَغَيُّرُ الدَّلَالَةِ وَالْوَضْعِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ التَّغْيِيرَ فِي الْوَضْعِ، بَلْ غَايَتُهُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَمَّا اقْتَضَاهُ فِي جِهَةِ إِطْلَاقِهِ إِلَى غَيْرِهِ بِالْقَرِينَةِ كَيْفَ وَإِنَّهُ لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ؟ وَعَنِ السُّؤَالِ الرَّابِعِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَهْمَا أَخْرَجَ الشَّرْطُ بَعْضَ الْأَحْوَالِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْأَعْيَانِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا دَارِي فَقَدْ أَخْرَجَ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، الثَّانِي: أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا مِنَ الْأَعْيَانِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ انْحِصَارَ التَّجَوُّزِ فِي إِخْرَاجِ الْأَعْيَانِ، وَمَا الْمَانِعُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّجَوُّزِ فِي إِخْرَاجِ بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَعَ عُمُومِ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا؟ وَعَنِ السُّؤَالِ الْخَامِسِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُسْتَبْقِيَ وَإِنْ كَانَ جَمْعًا غَيْرَ مُنْحَصِرٍ أَنَّهُ يَكُونُ عَامًّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَغْرِقًا لِلْجِنْسِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا عُمُومَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ بَعْضُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ الْعَامِّ الْمُخَصَّصِ، وَإِذَا كَانَ بَعْضًا مِنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ صَرْفُ اللَّفْظِ إِلَيْهِ مَجَازًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ.

стр. 512

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الِاحْتِجَاجِ بِالعمومِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فِي مَا بَقِيَ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ فِي صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فِي مَا بَقِيَ فَأَثْبَتَهُ الْفُقَهَاءُ مُطْلَقًا، وَأَنْكَرَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَأَبُو ثَوْرٍ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالتَّفْصِيلِ، فَقَالَ الْبَلْخِيُّ (١) : إِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِنَّ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ قَدْ مَنَعَ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ، وَأَوْجَبَ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ الظَّاهِرُ لَمْ يَجُزِ التَّعَلُّقُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَإِنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ وَمِقْدَارِ الْمَسْرُوقِ مَانِعٌ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِعُمُومِ اسْمِ السَّارِقِ، وَمُوجِبٌ لِتَعَلُّقِهِ بِشَرْطٍ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ فَهُوَ حُجَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، فَإِنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِ الذِّمِّيِّ غَيْرِ مَانِعٍ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِاسْمِ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: إِنْ كَانَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، لَوْ تَرَكْنَا وَظَاهِرُهُ مِنْ دُونِ التَّخْصِيصِ كُنَّا نَمْتَثِلُ مَا أُرِيدَ مِنَّا، وَنَضُمُّ إِلَيْهِ مَا لَمْ يُرَدْ مِنَّا صَحَّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) الْمُخَصَّصُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامُّ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكْنَا وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصٌ لَمْ يُمْكِنَّا امْتِثَالُ مَا أُرِيدَ مِنَّا دُونَ بَيَانٍ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لَوْ تَرَكْنَا وَالْآيَةُ لَمْ يُمْكِنَّا امْتِثَالَ مَا أُرِيدَ مِنَّا مِنَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ قَبْلَ تَخْصِيصِهِ بِالْحَائِضِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ.

стр. 513

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَامَّ لَوْ خُصَّ تَخْصِيصًا مُجْمَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى حُجَّةً كَمَا لَوْ قَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ. وَالْمُخْتَارُ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِيمَا وَرَاءَ صُوَرِ التَّخْصِيصِ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: اللَّفْظُ الْعَامُّ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْكُلِّ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَوْنُهُ حُجَّةً فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْ أَقْسَامِ ذَلِكَ الْكُلِّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ، أَوْ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْكُلِّ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ كَوْنُهُ حُجَّةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ فَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ كَانَ كَوْنُهُ حُجَّةً فِي بَعْضِ الْأَقْسَامِ مَشْرُوطًا بِكَوْنِهِ حُجَّةً فِي قَسَمٍ آخَرَ وَلَا عَكْسَ، فَكَوْنُهُ حُجَّةً فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ الْآخَرِ يَبْقَى بِدُونِ كَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْقَسَمِ الْمَشْرُوطِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْأَقْسَامِ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ مَعَ تَسَاوِي نِسْبَةِ اللَّفْظِ الْعَامِّ إِلَى كُلِّ أَقْسَامِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةً فِي الْكُلِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَقْسَامِ، لِأَنَّ الْكُلَّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، وَذَلِكَ أَيْضًا دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ. وَإِذَا بَطَلَ الْقِسْمَانِ ثَبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ، وَلَا عَلَى الْكُلِّ ثَبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً فِي الْبَعْضِ الْمُسْتَبْقِي، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ حُجَّةً فِي غَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ مَعَ طُولِهَا ضَعِيفَةٌ جِدًّا إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا الْمَانِعُ مِنْ صِحَّةِ تَوَقُّفِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَقْسَامِ عَلَى الْآخَرِ، أَوْ عَلَى الْكُلِّ مَعَ التَّعَاكُسِ؟ قَوْلُهُ إِنَّهُ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا إِذَا كَانَ التَّوَقُّفُ تَوَقُّفَ مَعِيَّةٍ أَوْ تَوَقُّفَ تَقَدُّمٍ؟ (١) الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَلَكِنْ لِمَ قُلْتَ بِأَنَّ التَّوَقُّفَ هَاهُنَا بِجِهَةِ التَّقَدُّمِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَيَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ.

стр. 514

وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ احْتَجَّتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مِيرَاثِهَا مِنْ أَبِيهَا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الْآيَةَ مَعَ أَنَّهُ مُخَصَّصٌ بِالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ صِحَّةَ احْتِجَاجِهَا مَعَ ظُهُورِهِ وَشُهْرَتِهِ، بَلْ عَدَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي حِرْمَانِهَا إِلَى الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» ". وَأَيْضًا، فَإِنَّ عَلِيًّا (١) ﵇ احْتَجَّ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْمِلْكِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مُخَصَّصًا بِالْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ نَكِيرٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ احْتَجَّ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُرْضِعَةِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ ، وَقَالَ: قَضَاءُ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مَعَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ لِكَوْنِ الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ مُتَوَقِّفًا عَلَى شُرُوطٍ وَقُيُودٍ، فَلَيْسَ كُلٌّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ صِحَّةَ احْتِجَاجِهِ بِهِ فَكَانَ إِجْمَاعًا.

стр. 515

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ إِجْمَاعًا. وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ بَعْدَهُ (١) إِلَّا أَنْ يُوجَدَ لَهُ مُعَارِضٌ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ حُجَّةً فِي الْبَاقِي بَعْدَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَخْلُ إِمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ تَجَوُّزًا، لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا (٢) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِغْرَاقِ، ضَرُورَةَ اتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الِاسْتِغْرَاقِ، وَالِاشْتِرَاكُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فَيَمْتَنِعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَجَازَ فِيمَا وَرَاءَ صُورَةِ التَّخْصِيصِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَقَلِّ الْجَمْعِ وَمَا عَدَا صُورَةَ التَّخْصِيصَ، وَيَمْتَنِعُ الْحَمْلُ عَلَى الْكُلِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِ جِهَاتِ التَّجَوُّزِ، وَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ الْمَجَازَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فَكَانَ مُجْمَلًا. الثَّانِي: أَنَّ الْمَجَازَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَمَا لَا يَكُونُ ظَاهِرًا لَا يَكُونُ حُجَّةً. الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ وَالْمُشَبَّهَ بِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَكَذَلِكَ الْمُشَبَّهُ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةً، لَكِنْ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ أَوْ فِيمَا عَدَا صُورَةَ التَّخْصِيصِ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ مُتَيَقَّنٌ بِخِلَافِ الْحَمْلِ عَلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَكَانَ حُجَّةً فِي الْمُتَيَقَّنِ. وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ، أَمَّا الْإِجْمَالُ فَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ حُجَّةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَقْسَامِهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ إِجْمَاعًا، وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَالًّا عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا ضَرُورَةً، وَكُلُّ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِشْكَالَاتِ تَكُونُ لَازِمَةً، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ حُجَّةٌ وَالْعُذْرُ يَكُونُ مُتَّحِدًا. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَنَقُولُ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا؟ قَوْلُهُمْ: الِاشْتِرَاكُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، قُلْنَا: إِنَّمَا يَكُونُ خِلَافَ الْأَصْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي عَنْ قُرْبٍ (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) . وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مُشْتَرَكًا فَمَا الْمَانِعُ مِنَ التَّجَوُّزِ؟

стр. 516

قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ جِهَاتِ التَّجَوُّزِ. قُلْنَا: يَجِبُ اعْتِقَادُ ظُهُورِهِ فِي بَعْضِهَا نَفْيًا لِلْإِجْمَالِ عَنِ الْكَلَامِ إِذْ هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، ثُمَّ مَتَى يَكُونُ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ حَمْلُهُ عَلَى مَا عَدَا صُورَةِ التَّخْصِيصِ مَشْهُورًا أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَبَيَانُ اشْتِهَارِهِ مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْ عِلْمِهِمْ بِالْعُمُومَاتِ الْمُخَصَّصَةِ فِيمَا وَرَاءَ صُورَةِ التَّخْصِيصِ، نَقْلًا شَائِعًا ذَائِعًا سَلَّمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِيهِ، وَلَكِنْ يَجِبُ حَمْلُ اللَّفْظِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا وَكَوْنِ أَقَلِّ الْجَمْعِ مُبْهَمًا فِي الْجِنْسِ. وَالثَّانِي: إِنَّ حَمْلَهُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّفْظِ أَقَلَّ الْجَمْعِ غَيْرَ مُخِلٍّ بِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، وَحَمْلَهُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمِيعِ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ اللَّفْظِ مَا عَدَا صُورَةَ التَّخْصِيصِ مُخِلٌّ بِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ، فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى. وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ فَكَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُمْ: الْمَجَازُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ إِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْحُجَّةُ مُنْحَصِرَةً فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً، فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْخَارِجَ عَنِ الْعُمُومِ إِذَا كَانَ مَجْهُولًا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِ فِي أَيِّ وَاحِدٍ قَدْرٌ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَثْنَى بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْخَارِجُ مُعَيَّنًا. وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ السَّابِقَةِ.

стр. 517

[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ دَاعٍ إِلَى الْجَوَابِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إِذَا وَرَدَ خِطَابٌ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ دَاعٍ إِلَى الْجَوَابِ فَالْجَوَابُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ دُونَ السُّؤَالِ أَوْ هُوَ مُسْتَقِلٌّ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَهُوَ تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ: أَمَّا فِي عُمُومِهِ خِلَافٌ، وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ: " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ فَلَا إِذًا» ". وَأَمَّا فِي خُصُوصِهِ فَكَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ وَقَالَ: تَوَضَّأْتُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ لَهُ: يُجْزِئُكَ، فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ، وَإِنْ تُرِكَ فِيهِ الِاسْتِفْصَالُ مَعَ تَعَارُضِ الْأَحْوَالِ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْمِيمِ فِي حَقِّ الْغَيْرِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ إِذِ اللَّفْظُ لَا عُمُومَ لَهُ. وَلَعَلَّ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ كَانَ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ (١) كَتَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ فِي الْأُضْحِيَّةِ بِجَدَعَةٍ مِنَ الْمَعْزِ، وَقَوْلِهِ لَهُ: تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ، وَتَخْصِيصِهِ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَبِتَقْدِيرِ تَعْمِيمِ الْمَعْنَى الْجَالِبِ لِلْحُكْمِ، فَالْحُكْمُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ إِنْ ثَبَتَ فَبِالْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ لَا بِالنَّصِّ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَوَابُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ دُونَ السُّؤَالِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلسُّؤَالِ أَوْ أَعَمَّ مِنْهُ أَوْ أَخَصَّ.

стр. 518

فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ فَالْحُكْمُ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ عِنْدَ كَوْنِ السُّؤَالِ عَامًّا أَوْ خَاصًّا، فَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا. وَمِثَالُهُ عِنْدَ كَوْنِ السُّؤَالِ خَاصًّا سُؤَالُ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ وَطْئِهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَقَوْلُهُ ﷺ : " «اعْتِقْ رَقَبَةً» " (١) ، وَمِثَالُهُ عِنْدَ كَوْنِ السُّؤَالِ عَامًّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: " إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ عَلَى أَرْمَاثٍ لَنَا، (٢) وَلَيْسَ مَعَنَا مِنَ الْمَاءِ الْعَذْبِ مَا يَكْفِينَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ ﷺ : " الْبَحْرُ هُوَ الطَّهُورُ» ". وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَوَابُ أَخَصَّ مِنَ السُّؤَالِ فَالْجَوَابُ يَكُونُ خَاصًّا، وَلَا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ الْحُكْمَ مِنْ مَحَلِّ التَّنْصِيصِ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ عَنِ اللَّفْظِ، إِذِ اللَّفْظُ لَا عُمُومَ لَهُ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، بَلْ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْحُكْمُ بِالْخُصُوصِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِهِ فِيمَا إِذَا كَانَ السُّؤَالُ خَاصًّا، وَالْجَوَابُ مُسَاوِيًا لَهُ حَيْثُ إِنَّهُ هَاهُنَا عَدَلَ عَنْ مُطَابَقَةِ سُؤَالِ السَّائِلِ بِالْجَوَابِ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، بِخِلَافِ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَإِنَّهُ طَابَقَ بِجَوَابِهِ سُؤَالَ السَّائِلِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجَوَابُ أَعَمَّ مِنَ السُّؤَالِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنَ السُّؤَالِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، كَسُؤَالِهِ ﷺ عَنْ مَاءِ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقَالَ: " «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ» " أَوْ أَنَّهُ (٣) أَعَمُّ مِنَ السُّؤَالِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَسُؤَالِهِ ﷺ عَنِ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: " «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» " (٤) .

стр. 519

فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ فِي حِلِّ مِيتَتِهِ لِأَنَّهُ عَامٌّ مُبْتَدَأٌ بِهِ لَا فِي مَعْرِضِ الْجَوَابِ، إِذْ هُوَ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْهُ، وَكُلُّ عَامٍّ وَرَدَ مُبْتَدَأً بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلَالِ فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْجَمُّ الْغَفِيرُ أَنَّهُ عَامٌّ، وَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عُمُومُهُ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَمَالِكٍ وَالْمُزَنِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ خِلَافُهُ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا وَرَدَ الْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالسُّؤَالِ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ مَرَّ بِشَاةٍ مَيْمُونَةٍ وَهِيَ مَيْتَةٌ، فَقَالَ ﷺ : " «أَيُّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " (١) . وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الْقَوْلُ بِالتَّعْمِيمِ إِلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْ عُرِّيَ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنِ السَّبَبِ كَانَ عَامًّا، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِاقْتِضَائِهِ لِلْعُمُومِ بِلَفْظِهِ لَا لِعَدَمِ السَّبَبِ، فَإِنَّ عَدَمَ السَّبَبِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، وَدَلَالَةُ الْعُمُومِ لَفْظِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعُمُومِ مُسْتَفَادَةً مِنْ لَفْظِهِ فَاللَّفْظُ وَارِدٌ مَعَ وُجُوبِ السَّبَبِ حَسَبَ وُرُودِهِ مَعَ عَدَمِ السَّبَبِ، فَكَانَ مُقْتَضِيًا لِلْعُمُومِ، وَوُجُودُ السَّبَبِ لَوْ كَانَ لَكَانَ مَانِعًا مِنِ اقْتِضَائِهِ لِلْعُمُومِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَانِعِيَّةِ، فَمُدَّعِيهَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَانِعًا مِنَ الِاقْتِضَاءِ لِلْعُمُومِ لَكَانَ تَصْرِيحُ الشَّارِعِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِعُمُومِهِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ إِمَّا إِثْبَاتَ حُكْمِ الْعُمُومِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعُمُومِ، أَوْ إِبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُخَصَّصِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ وَرَدَتْ عَلَى أَسْبَابٍ خَاصَّةٍ، فَآيَةُ السَّرِقَةِ نَزَلَتْ فِي سَرِقَةِ الْمِجَنِّ أَوْ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَآيَةُ الظِّهَارِ نَزَلَتْ فِي حَقِّ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، وَآيَةُ اللِّعَانِ نَزَلَتْ فِي حَقِّ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَالصَّحَابَةُ عَمَّمُوا أَحْكَامَ هَذِهِ

стр. 520

الْآيَاتِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ غَيْرُ مُسْقِطٍ لِلْعُمُومِ، وَلَوْ كَانَ مُسْقِطًا لِلْعُمُومِ لَكَانَ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى التَّعْمِيمِ خِلَافَ الدَّلِيلِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْعُمُومِ بِالسَّبَبِ، وَبَيَانُهُ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بَيَانَ حُكْمِ السَّبَبِ لَا غَيْرَ، بَلْ بَيَانَ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ لَمَا أُخِّرَ الْبَيَانُ إِلَى حَالَةِ وُقُوعِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ. وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ حُكْمِ السَّبَبِ الْخَاصِّ وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخِطَابُ عَامًّا لَكَانَ جَوَابًا وَابْتِدَاءً، وَقَصْدُ الْجَوَابِ وَالِابْتِدَاءِ مُتَنَافِيَانِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخِطَابُ مَعَ السَّبَبِ عَامًّا لَجَازَ إِخْرَاجُ السَّبَبِ عَنِ الْعُمُومِ بِالِاجْتِهَادِ كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الصُّوَرِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْعُمُومِ، ضَرُورَةَ تَسَاوِي نِسْبَةِ الْعُمُومِ إِلَى الْكُلِّ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّبَبِ مَدْخَلٌ فِي التَّأْثِيرِ لَمَا نَقَلَهُ الرَّاوِي لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: تَغَدَّى عِنْدِي، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا تَغَدَّيْتُ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَوَابًا عَامًّا فَمَقْصُورٌ عَلَى سَبَبِهِ حَتَّى إِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَدَائِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. السَّادِسُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ السُّؤَالُ خَاصًّا فَلَوْ كَانَ الْجَوَابُ عَامًّا لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَالْأَصْلُ الْمُطَابَقَةُ لِكَوْنِ الزِّيَادَةِ عَدِيمَةَ التَّأْثِيرِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ غَرَضُ السَّائِلِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْمُعَارَضَةِ الْأُولَى أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْغَرَضِ وَالْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ (١) ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسَلَّمًا، لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنِ اخْتِصَاصِ إِظْهَارِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ لِحِكْمَةٍ اسْتَأْثَرَ الرَّبُّ تَعَالَى بِالْعِلْمِ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ،

стр. 521

ثُمَّ يَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرُوهُ أَنْ تَكُونَ الْعُمُومَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْأَسْبَابِ الْخَاصَّةِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مُخْتَصَّةً بِأَسْبَابِهَا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَعَنِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالتَّنَافِي بَيْنَ الْجَوَابِ وَالِابْتِدَاءِ امْتِنَاعُ ذِكْرِهِ لِحُكْمِ السَّبَبِ مَعَ غَيْرِهِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَإِنْ أَرَادُوا غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ. وَعَنِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي كَوْنِ الْخِطَابِ وَرَدَ بَيَانًا لِحُكْمِ السَّبَبِ فَكَانَ مَقْطُوعًا بِهِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ تَخْصِيصُهُ بِالِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ تَنَاوُلَهُ لَهُ ظَنِّيٌّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ فَلِذَلِكَ جَازَ إِخْرَاجُهُ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ بِالِاجْتِهَادِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ إِخْرَاجُ السَّبَبِ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ بِالِاجْتِهَادِ، حَتَّى إِنَّهُ أَخْرَجَ الْأَمَةَ الْمُسْتَفْرَشَةَ عَنْ عُمُومِ قَوْلِهِ ﵇: " «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» " (١) وَلَمْ يَلْحَقْ وَلَدُهَا بِمَوْلَاهَا مَعَ وُرُودِهِ فِي وَلِيدِ زَمْعَةَ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمْعَةَ: هُوَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَلَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى وُرُودِ الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ. وَعَنِ الرَّابِعَةِ أَنَّ فَائِدَةَ نَقْلِ السَّبَبِ امْتِنَاعُ إِخْرَاجِهِ عَنِ الْعُمُومِ بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَمَعْرِفَةُ أَسْبَابِ التَّنْزِيلِ. وَعَنِ الْخَامِسَةِ أَنَّ الْمُوجِبَ لِلتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ فِي الصُّورَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا عَادَةُ أَهْلِ الْعُرْفِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْأَسْبَابِ الْخَاصَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خِطَابِ الشَّارِعِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَعَنِ السَّادِسَةِ إِنْ أَرَادُوا بِمُطَابَقَةِ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ الْكَشْفَ عَنْهُ وَبَيَانَ حُكْمِهِ فَقَدْ وُجِدَ، وَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيَانًا لِغَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ الْأَصْلُ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عَنِ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ: " «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» " تَعَرَّضَ لِحِلِّ الْمَيْتَةِ وَلَمْ يَكُنْ مَسْئُولًا عَنْهَا. وَلَوْ كَانَ الِاقْتِصَارُ عَلَى نَفْسِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ هُوَ الْأَصْلُ لَكَانَ بَيَانُ النَّبِيِّ ﷺ لِحِلِّ الْمَيْتَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ بَعِيدٌ.

стр. 522

[الْمَسْأَلَةُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ (١) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ مُشْتَرَكًا (٢) بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ كَالْقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ أَوْ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا مَجَازًا فِي الْآخَرِ كَالنِّكَاحِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ، وَلَمْ تَكُنِ الْفَائِدَةُ فِيهِمَا وَاحِدَةً، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَعًا أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْجُبَّائِيِّ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى جَوَازِهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمْتَنِعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ كَاسْتِعْمَالِ صِيغَةِ (افْعَلْ) فِي الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَهْمَا تَجَرَّدَ ذَلِكَ اللَّفْظُ عَنِ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لَهُ إِلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْهِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ، وَلَا كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ مِنْ مَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا إِلَى الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا. وَفَصَّلَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فَقَالَا: يَجُوزُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْإِرَادَةِ دُونَ اللُّغَةِ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الْخِلَافِ فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ اخْتَلَفُوا فِي جَمْعِهِ كَالْأَقْرَاءِ الَّتِي هِيَ جَمْعُ قُرْءٍ هَلْ يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَيْضِ وَالْأَطْهَارِ مَعًا؟ وَسَوَاءٌ كَانَ إِثْبَاتًا كَمَا لَوْ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: اعْتَدِّي بِالْأَقْرَاءِ، أَوْ نَفْيًا كَمَا لَوْ قِيلَ لَهَا: لَا تَعْتَدِّي بِالْأَقْرَاءِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمْعَ الِاسْمِ يُفِيدُ جَمْعَ مَا اقْتَضَاهُ الِاسْمُ، فَإِنْ كَانَ الِاسْمُ مُتَنَاوِلًا لِمَعْنَيَيْهِ كَانَ الْجَمْعُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفِيدُ سِوَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا جَمْعُهُ. وَالْحِجَاجُ فِيهِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْحِجَاجِ فِي الْمُفْرَدِ. وَرُبَّمَا قَالَ بِالتَّعْمِيمِ فِي طَرَفِ النَّفْيِ كَانَ فَرْدًا أَوْ جَمْعًا بَعْضُ مَنْ قَالَ بِنَفْيِهِ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: وَفِيهِ بَعْضُ الِاشْتِبَاهِ إِذْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: بِنَفْيِ الِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ وَالطُّهْرِ مَعًا. وَالْحَقُّ أَنَّ النَّفْيَ لِمَا اقْتَضَاهُ الْإِثْبَاتُ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْإِثْبَاتِ الْجَمْعَ فَكَذَلِكَ النَّفْيُ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَاهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَكَذَلِكَ النَّفْيُ. وَإِذْ أَتَيْنَا عَلَى بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ بِالتَّفْصِيلِ فَلْنَعُدْ إِلَى طَرَفِ الْحِجَاجِ. وَقَدِ احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّعْمِيمِ.

стр. 523

أَمَّا فِي إِمْكَانِ إِرَادَةِ الْأَمْرَيْنِ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ فَهُوَ أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا عَدَمَ التَّكَلُّمِ بِلَفْظِ الْقُرْءِ لَمْ يُمْنَعِ الْجَمْعُ بَيْنَ إِرَادَةِ الِاعْتِدَادِ بِالْحَيْضِ وَإِرَادَةِ الِاعْتِدَادِ بِالطُّهْرِ، فَوُجُودُ اللَّفْظِ لَا يُحِيلُ مَا كَانَ جَائِزًا، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي إِرَادَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. وَأَمَّا بِالنَّظَرِ عِنْدَ الْوُقُوعِ لُغَةً، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ، وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَقَدْ أُرِيدَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، وَسُجُودُ النَّاسِ غَيْرُ سُجُودِ غَيْرِ النَّاسِ، وَقَدْ أُرِيدَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ: الْوَيْلُ لَكَ خَبَرٌ وَدُعَاءٌ، فَقَدْ جَعَلَهُ مَعَ اتِّحَادِهِ مُفِيدًا لِكِلَا الْأَمْرَيْنِ. اعْتَرَضَ النَّافُونَ، أَمَّا عَلَى إِرَادَةِ إِنْكَارِ الْجَمْعِ (١) بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ فَهُوَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا مَعًا كَانَ مُرِيدًا لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لِلْكَلِمَةِ فِيمَا هِيَ مَجَازٌ فِيهِ لَا بُدَّ وَأَنْ يُضْمِرَ فِيهَا كَافَ التَّشْبِيهِ، وَالْمُسْتَعْمِلُ لَهَا فِي حَقِيقَتِهَا لَا بُدَّ وَأَنْ لَا يُضْمِرَ فِيهَا ذَلِكَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْإِضْمَارِ وَعَدَمِهِ فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مُحَالٌ. هَذَا مَا يَخُصُّ الِاسْمَ الْمَجَازِيَّ وَأَمَّا مَا يَخُصُّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ فَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُمَا عَلَى الْجَمْعِ، إِذِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمَجْمُوعِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ وَاقِعَةٌ بِالضَّرُورَةِ، وَالْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفْرَدَيْنِ مُسَمًّى بِاسْمِ تَسْمِيَةِ الْمَجْمُوعِ بِهِ وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالْوَاضِعُ إِذَا وَضَعَ لَفْظًا لِأَحَدِ مَفْهُومَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ وَضَعَهُ لِمَجْمُوعِهِمَا فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَجْمُوعِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَإِنْ كَانَ قَدْ وَضَعَهُ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ لِإِفَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَحْدَهُ، أَوْ لِإِفَادَتِهِ مَعَ إِفَادَةِ الْإِفْرَادِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ مُفِيدًا لِأَحَدِ مَفْهُومَاتِهِ، لِأَنَّ الْوَاضِعَ إِنْ كَانَ

стр. 524

قَدْ وَضَعَهُ بِإِزَاءِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ عَلَى الْبَدَلِ، وَاحِدُهَا ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ وَحْدَهُ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا لِلَّفْظِ فِي جَمِيعِ مَفْهُومَاتِهِ. وَإِنِ اسْتَعْمَلَهُ فِي إِفَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَالْإِفْرَادِ عَلَى الْجَمْعِ فَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ إِفَادَةَ الْجُمُوعِ مَعْنَاهَا أَنَّ الِاكْتِفَاءَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ، وَإِفَادَتُهُ لِلْمُفْرَدِ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ فَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُشْتَرَكٌ فِي إِفَادَةِ مَفْهُومَاتِهِ جُمْلَةً. وَأَمَّا عَلَى دَلِيلِ الْوُقُوعِ لُغَةً، أَمَّا النَّصُّ الْأَوَّلُ فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ: إِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ الْمُطْلَقَ عَلَى صَلَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي مَعْنَى الْعِنَايَةِ بِأَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ إِظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَحُرْمَتِهِ، فَهُوَ لَفْظٌ مُتَوَاطِئٌ لَا مُشْتَرَكٌ (١) ، وَكَذَلِكَ لَفَظُ السُّجُودِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّ مُسَمَّاهُ إِنَّمَا هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنْ مَعْنَى الْخُضُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالدُّخُولِ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ وَإِرَادَتِهِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ: وَإِنَّ سُلِّمَ اخْتِلَافُ الْمُسَمَّى وَإِرَادَتُهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ مَا نَقَلَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ إِلَى غَيْرِ مَعَانِيهَا فِي اللُّغَةِ. فَأَمَّا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ قَوْلَهُ: الْوَيْلُ لَكَ لِلْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ مَعًا فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ، أَوِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةٌ فِي شَيْءٍ وَمَجَازٌ فِي شَيْءٍ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ. كَيْفَ وَأَنَّ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْقَوْلِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ مَعًا، بَلْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلْخَبَرِ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الدُّعَاءِ مَجَازًا لَا مَعًا. أَجَابَ الْمُثْبِتُونَ عَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِمْكَانِ بِمَنْعِ أَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لِلَفْظَةٍ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا مُرِيدٌ لِاسْتِعْمَالِهَا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ، وَمُرِيدٌ لِلْعُدُولِ بِهَا عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ، بَلْ هُوَ مُرِيدٌ لِمَا وُضِعَتْ لَهُ حَقِيقَةً وَلِمَا لَمْ تُوضَعُ لَهُ حَقِيقَةً. وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ إِضْمَارَ التَّشْبِيهِ وَعَدَمَهُ فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ إِنَّمَا يَمْتَنِعُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْئَيْنِ فَلَا، كَيْفَ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَطَّرِدُ فِي كُلِّ مَجَازٍ؟ (٢)

стр. 525

وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَرَكَ مَوْضُوعٌ لِأَحَدِ مُسَمَّيَاتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَجْمُوعِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ إِذَا تَجَرَّدَ عَنِ الْقَرِينَةِ عِنْدَهُمَا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا فَارَقَ بَاقِي الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ مِنْ جِهَةِ تَنَاوُلِهِ لِأَشْيَاءَ لَا تَشْتَرِكُ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولًا لِلَّفْظِ، بِخِلَافِ بَاقِي الْعُمُومَاتِ فَنِسْبَةُ (١) اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي دَلَالَتِهِ إِلَى جُمْلَةِ مَدْلُولَاتِهَا، وَإِلَى أَفْرَادِهَا كَنِسْبَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ إِلَى مَدْلُولَاتِهَا جُمْلَةً وَأَفْرَادًا. وَعَلَى هَذَا فَقَدْ بَطَلَ كُلُّ مَا قِيلَ مِنَ التَّقْسِيمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ مَوْضُوعٌ لِأَحَدِ مُسَمَّيَاتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ حَقِيقَةً، ضَرُورَةَ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ عَلَى مَشَايِخِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمُعْتَقِدِينَ كَوْنَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ مَوْضُوعًا لِأَحَدِ مُسَمَّيَاتِهِ حَقِيقَةً عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ. فَإِنْ قِيلَ: وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُشْتَرَكُ حَقِيقَةً فِي الْجَمْعِ فَلَا خَفَاءَ بِجَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي آحَادِ مَدْلُولَاتِهِ عِنْدَ ظُهُورِ الْقَرِينَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَفْرَادُ، فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي الْإِفْرَادِ فَاللَّفْظُ يَكُونُ مُشْتَرَكًا وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ جَمِيعُ مُسَمَّيَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا فَلَمْ تَدْخُلْ فِيهِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ مَعًا، وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِكُمْ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِفْرَادُ فَهُوَ مُحَالٌ لِأَنَّ إِفَادَتَهُ لِلْمَجْمُوعِ مَعْنَاهَا أَنَّ الِاكْتِفَاءَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهِ وَإِفَادَتَهُ لِلإِفْرَادِ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ كَمَا سَبَقَ. قُلْنَا: اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَفْرَادِ مَتَى يَكُونُ مَعْنَاهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا إِذَا كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ إِذَا لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِيهِ؟ وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، بَلْ مَعْنَى اسْتِعْمَالِهِ فِيهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا. وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّنَاقُضُ عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ، أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ فِي آحَادِ أَفْرَادِهِ مَعَ الِاقْتِصَارِ عِنْدَ ظُهُورِ الْقَرِينَةِ فَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ غَيْرُ مُشْتَرِطَةٍ فِي

стр. 526

الِاكْتِفَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَ كَوْنِ الْأَفْرَادِ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْجُمْلَةِ فَلِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: وَإِذَا كَانَتِ الْأَفْرَادُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ لِلَّفْظِ عَلَيْهَا دَلَالَةً بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَلَا بِجِهَةِ التَّجَوُّزِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ الذِّهْنِيَّةِ، وَلَيْسَتْ دَلَالَةً لَفْظِيَّةً لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ. قُلْنَا: لَا خَفَاءَ بِدُخُولِ الْأَفْرَادِ فِي الْجُمْلَةِ فَتَكُونُ مَفْهُومَةً مِنَ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَهُ عَلَيْهَا دَلَالَةٌ وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ، أَوِ التَّجَوُّزُ لِمَا سَبَقَ. وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ عَلَى النُّصُوصِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَمَّى الصَّلَاةِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ، وَمُسَمَّى السُّجُودِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ لَاطَّرَدَ الِاسْمُ بِاطِّرَادِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى كُلُّ اعْتِنَاءٍ بِأَمْرٍ صَلَاةً، وَلَا كُلُّ خُضُوعٍ وَانْقِيَادٍ سُجُودًا. وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى بِاسْمِ الصَّلَاةِ اعْتِنَاءً خَاصًّا، وَبِالسُّجُودِ خُضُوعًا خَاصًّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ وَبَيَانِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ اعْتِقَادُهُ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ (١) عَلَى أَنَّ التَّجَوُّزَ وَالِاشْتِرَاكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ أَنْ لَوْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَعَنِ اعْتِرَاضِ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْقِيقِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضُوعَاتِهَا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (٢) . وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ مَجَازٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الْوُقُوعِ لَا غَيْرَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا انْفِكَاكَ فِي قَوْلِهِ: الْوَيْلُ لَكَ عَنِ الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ، وَاللَّفْظُ وَاحِدٌ، وَلَا مَعْنًى لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا سِوَى فَهْمِهِمَا مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ.

стр. 527

[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا وَقَعَ التَّفَاوُتُ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَقَدْ وَفَّى بِالْعَمَلِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ. حُجَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَالنَّفْيُ دَاخِلٌ عَلَى مُسَمَّى الْمُسَاوَاةِ، فَلَوْ وُجِدَتِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ وَجْهٍ لَمَا كَانَ مُسَمَّى الْمُسَاوَاةِ مُنْتَفِيًا، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظُ. فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِوَاءُ يَنْقَسِمُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِلَى الِاسْتِوَاءِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلِهَذَا يَصْدُقُ قَوْلُ الْقَائِلِ: اسْتَوَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو عِنْدَ تَحَقُّقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ. وَالِاسْتِوَاءُ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَالنَّفْيُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى الِاسْتِوَاءِ الْأَعَمِّ فَلَا يَكُونُ مُشْعِرًا بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ الْخَاصَّيْنِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ الِاسْتِوَاءُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَإِلَّا لَوَجَبَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا فِي أَمْرٍ مَا، وَلَوْ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا. وَلَوْ صَدَقَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُسَاوِي لِتَنَاقُضِهِمَا عُرْفًا. وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ: هَذَا مُسَاوٍ لِهَذَا فَمَنْ أَرَادَ تَكْذِيبَهُ قَالَ: لَا يُسَاوِيهِ وَالْمُتَنَاقِضَانِ لَا يَصْدُقَانِ مَعًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ عَلَى شَيْئَيْنِ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ مِنَ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكْفِي فِي نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ نَفْيُ الِاسْتِوَاءِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ فَثَبَتَ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا صَدَقَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ حَقِيقَةً عَلَى شَيْئَيْنِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَقَدِ اسْتَوَيَا فِي أَمْرٍ مَا كَمَا سَبَقَ. وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ إِذِ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ دُونَ الْمَجَازِ.

стр. 528

وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذِكْرَ الْأَعَمِّ مَتَى لَا يَكُونُ مُشْعِرًا بِالْأَخَصِّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلَ: مَا رَأَيْتُ حَيَوَانًا وَكَانَ قَدْ رَأَى إِنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَاذِبًا. وَعَنِ الثَّانِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ التَّسَاوِي مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. قَوْلُهُمْ: لَوْ كَفَى ذَلِكَ لَوَجَبَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لِمَا قُرِّرَ، مُسَلَّمٌ. قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُسَاوِي، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا قُرِّرَ. فَهُوَ مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْفِي فِي إِطْلَاقِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ إِطْلَاقُ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى كُلِّ شَيْئَيْنِ لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَقَدْ تَفَاوَتَا مِنْ وَجْهٍ ضَرُورَةً تُعَيِّنُهُمَا، وَلَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ الْمُسَاوِي لِتَنَاقُضِهِمَا عُرْفًا. وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ: هَذَا غَيْرُ مُسَاوٍ لِهَذَا فَمَنْ أَرَادَ تَكْذِيبَهُ قَالَ: إِنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ، وَالْمُتَنَاقِضَانِ لَا يَصْدُقَانِ مَعًا. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ عَلَى شَيْئَيْنِ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا، وَلَوْ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مِنْ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكْفِي فِي إِثْبَاتِ الْمُسَاوَاةِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ السَّالِبِ جُزْئِيٌّ مُوجَبٌ. وَفِيهِ إِبْطَالُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ بِالْمُسَاوَاةِ مِنْ وَجْهٍ. وَإِذَا تَقَابَلَ الْأَمْرَانِ سُلِّمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. وَعَنِ الثَّالِثِ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مُطْلَقًا عَلَى مَا وَقَعَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهٍ. قَوْلُهُمُ: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، قُلْنَا: إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَفِي مَعْنَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ .

стр. 529

[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْمُقْتَضَى وَهُوَ مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ لَا عُمُومَ لَهُ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْمُقْتَضَى وَهُوَ مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ لَا عُمُومَ لَهُ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ رَفْعِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَيَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْكَذِبِ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ، ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ حُكْمٍ يُمْكِنُ نَفْيُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَوِ الْأُخْرَوِيَّةِ، ضَرُورَةَ صِدْقِهِ فِي كَلَامِهِ. وَإِذَا كَانَتْ أَحْكَامُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مُتَعَدِّدَةً فَيَمْتَنِعُ إِضْمَارُ الْجَمِيعِ إِذِ الْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِإِضْمَارِ الْبَعْضِ، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ ضَرُورَةَ تَقْلِيلِ مُخَالِفَةِ الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الرَّفْعِ دَالًّا عَلَى رَفْعِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» " يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِمَا مُسْتَلْزِمًا لِرَفْعِ أَحْكَامِهَا (١) . فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْيِ الْحَقِيقَةِ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْيِ الْأَحْكَامِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا وَضْعًا، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ؟ وَلِهَذَا يُقَالُ: لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ، وَلَيْسَ لَهُ نَاظِرٌ وَلَا مُدَبِّرٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ غَيْرَ أَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ عَلَى رَفْعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَجَبَ إِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجْعَلُ وُجُودَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ كَعَدَمِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِإِضْمَارِ الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ أَوْ لَا بِإِضْمَارِ شَيْءٍ أَصْلًا. وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِضْمَارِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ، ضَرُورَةَ تَسَاوِي نِسْبَةِ اللَّفْظِ إِلَى الْكُلِّ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى إِضْمَارِ الْجَمِيعِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَحْكَامِ بِوَاسِطَةِ نَفْيِ حَقِيقَةِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ مُنْتَفِيًا (٢) فَلَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِ الْأَحْكَامِ.

стр. 530

وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَعَدَمُ الْعُرْفِ الطَّارِئِ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالصُّوَرِ فَلَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ حَمْلِهَا عَلَى جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ السُّلْطَانُ مَوْجُودًا وَلَا عَالِمًا وَلَا قَادِرًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَعَنِ الثَّالِثِ قَوْلُهُمْ: إِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْ نَفْيِ الْحَقِيقَةِ. قُلْنَا: إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلْأَحْكَامِ، وَهُوَ وُجُودُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. قَوْلُهُمْ: لَيْسَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ قُلْنَا بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مَا، وَالتَّعْيِينُ إِلَى الشَّارِعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْإِجْمَالُ فِي مُرَادِ الشَّارِعِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قُلْنَا: لَوْ قِيلَ بِإِضْمَارِ الْكُلِّ لَزَمَ مِنْهُ زِيَادَةُ الْإِضْمَارِ، وَتَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ كَمَا سَبَقَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأُصُولِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ أَوْ مَرْجُوحَةً. فَإِنْ كَانَتْ رَاجِحَةً لَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا. وَإِنْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً فَهُوَ كَافٍ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي نَفْيِ زِيَادَةِ الْإِضْمَارِ، وَهُمَا تَقْدِيرَانِ، وَمَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ رَاجِحًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَتِمُّ التَّمَسُّكُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ أَرْجَحُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ.
следующие страницы →