← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الِاكْتِفَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَ كَوْنِ الْأَفْرَادِ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْجُمْلَةِ فَلِأَنَّهَا لَا بُدَّ مِنْهَا لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكْتَفِي بِهَا. فَإِنْ قِيلَ: وَإِذَا كَانَتِ الْأَفْرَادُ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْجُمْلَةِ فَلَيْسَ لِلَّفْظِ عَلَيْهَا دَلَالَةً بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ وَلَا بِجِهَةِ التَّجَوُّزِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ الذِّهْنِيَّةِ، وَلَيْسَتْ دَلَالَةً لَفْظِيَّةً لِيَلْزَمَ مَا قِيلَ. قُلْنَا: لَا خَفَاءَ بِدُخُولِ الْأَفْرَادِ فِي الْجُمْلَةِ فَتَكُونُ مَفْهُومَةً مِنَ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْجُمْلَةِ، فَلَهُ عَلَيْهَا دَلَالَةٌ وَهِيَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ، أَوِ التَّجَوُّزُ لِمَا سَبَقَ. وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ الْأَوَّلِ عَلَى النُّصُوصِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَمَّى الصَّلَاةِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنَ الِاعْتِنَاءِ، وَمُسَمَّى السُّجُودِ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنَ الْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ لَاطَّرَدَ الِاسْمُ بِاطِّرَادِهِمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى كُلُّ اعْتِنَاءٍ بِأَمْرٍ صَلَاةً، وَلَا كُلُّ خُضُوعٍ وَانْقِيَادٍ سُجُودًا. وَإِنْ كَانَ الْمُسَمَّى بِاسْمِ الصَّلَاةِ اعْتِنَاءً خَاصًّا، وَبِالسُّجُودِ خُضُوعًا خَاصًّا فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْوِيرِهِ وَبَيَانِ الِاشْتِرَاكِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَجِبُ اعْتِقَادُهُ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ عَنِ اللَّفْظِ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ (١) عَلَى أَنَّ التَّجَوُّزَ وَالِاشْتِرَاكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ أَنْ لَوْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَعَنِ اعْتِرَاضِ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَحْقِيقِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ وَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضُوعَاتِهَا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (٢) . وَعَنِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُشْتَرَكٍ أَوْ مَجَازٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ بَيَانُ الْوُقُوعِ لَا غَيْرَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا انْفِكَاكَ فِي قَوْلِهِ: الْوَيْلُ لَكَ عَنِ الْخَبَرِ وَالدُّعَاءِ، وَاللَّفْظُ وَاحِدٌ، وَلَا مَعْنًى لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا سِوَى فَهْمِهِمَا مِنْهُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ.

стр. 527

[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ يَقْتَضِي نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا وَقَعَ التَّفَاوُتُ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَقَدْ وَفَّى بِالْعَمَلِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ. حُجَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَالنَّفْيُ دَاخِلٌ عَلَى مُسَمَّى الْمُسَاوَاةِ، فَلَوْ وُجِدَتِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ وَجْهٍ لَمَا كَانَ مُسَمَّى الْمُسَاوَاةِ مُنْتَفِيًا، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظُ. فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِوَاءُ يَنْقَسِمُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَإِلَى الِاسْتِوَاءِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلِهَذَا يَصْدُقُ قَوْلُ الْقَائِلِ: اسْتَوَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو عِنْدَ تَحَقُّقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ. وَالِاسْتِوَاءُ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَمِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَالنَّفْيُ إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى الِاسْتِوَاءِ الْأَعَمِّ فَلَا يَكُونُ مُشْعِرًا بِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ الْخَاصَّيْنِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ الِاسْتِوَاءُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَإِلَّا لَوَجَبَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا فِي أَمْرٍ مَا، وَلَوْ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا. وَلَوْ صَدَقَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُسَاوِي لِتَنَاقُضِهِمَا عُرْفًا. وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ: هَذَا مُسَاوٍ لِهَذَا فَمَنْ أَرَادَ تَكْذِيبَهُ قَالَ: لَا يُسَاوِيهِ وَالْمُتَنَاقِضَانِ لَا يَصْدُقَانِ مَعًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ عَلَى شَيْئَيْنِ أَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاوِيَيْنِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ مِنَ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكْفِي فِي نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ نَفْيُ الِاسْتِوَاءِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ فَثَبَتَ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا صَدَقَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ حَقِيقَةً عَلَى شَيْئَيْنِ أَصْلًا، لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَقَدِ اسْتَوَيَا فِي أَمْرٍ مَا كَمَا سَبَقَ. وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ إِذِ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ دُونَ الْمَجَازِ.

стр. 528

وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذِكْرَ الْأَعَمِّ مَتَى لَا يَكُونُ مُشْعِرًا بِالْأَخَصِّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلَ: مَا رَأَيْتُ حَيَوَانًا وَكَانَ قَدْ رَأَى إِنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَاذِبًا. وَعَنِ الثَّانِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ التَّسَاوِي مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ. قَوْلُهُمْ: لَوْ كَفَى ذَلِكَ لَوَجَبَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لِمَا قُرِّرَ، مُسَلَّمٌ. قَوْلُهُمْ: يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُسَاوِي، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا قُرِّرَ. فَهُوَ مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْفِي فِي إِطْلَاقِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَوَجَبَ إِطْلَاقُ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ عَلَى كُلِّ شَيْئَيْنِ لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَقَدْ تَفَاوَتَا مِنْ وَجْهٍ ضَرُورَةً تُعَيِّنُهُمَا، وَلَوْ صَدَقَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ الْمُسَاوِي لِتَنَاقُضِهِمَا عُرْفًا. وَلِهَذَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ: هَذَا غَيْرُ مُسَاوٍ لِهَذَا فَمَنْ أَرَادَ تَكْذِيبَهُ قَالَ: إِنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ، وَالْمُتَنَاقِضَانِ لَا يَصْدُقَانِ مَعًا. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُصَدَّقَ عَلَى شَيْئَيْنِ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا، وَلَوْ فِي نَفْيِ مَا سِوَاهُمَا عَنْهُمَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مِنْ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَكْفِي فِي إِثْبَاتِ الْمُسَاوَاةِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ السَّالِبِ جُزْئِيٌّ مُوجَبٌ. وَفِيهِ إِبْطَالُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ فِي إِطْلَاقِ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ بِالْمُسَاوَاةِ مِنْ وَجْهٍ. وَإِذَا تَقَابَلَ الْأَمْرَانِ سُلِّمَ لَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. وَعَنِ الثَّالِثِ لَا نُسَلِّمُ صِدْقَ نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ مُطْلَقًا عَلَى مَا وَقَعَ التَّسَاوِي بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهٍ. قَوْلُهُمُ: الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، قُلْنَا: إِلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ. وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَفِي مَعْنَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ .

стр. 529

[الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْمُقْتَضَى وَهُوَ مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ لَا عُمُومَ لَهُ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْمُقْتَضَى وَهُوَ مَا أُضْمِرَ ضَرُورَةَ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ لَا عُمُومَ لَهُ، وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» " فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ رَفْعِ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ، وَيَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْكَذِبِ فِي كَلَامِ الرَّسُولِ، ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ حُكْمٍ يُمْكِنُ نَفْيُهُ مِنَ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ أَوِ الْأُخْرَوِيَّةِ، ضَرُورَةَ صِدْقِهِ فِي كَلَامِهِ. وَإِذَا كَانَتْ أَحْكَامُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مُتَعَدِّدَةً فَيَمْتَنِعُ إِضْمَارُ الْجَمِيعِ إِذِ الْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ بِإِضْمَارِ الْبَعْضِ، فَوَجَبَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ ضَرُورَةَ تَقْلِيلِ مُخَالِفَةِ الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الرَّفْعِ دَالًّا عَلَى رَفْعِ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» " يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِمَا مُسْتَلْزِمًا لِرَفْعِ أَحْكَامِهَا (١) . فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْيِ الْحَقِيقَةِ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ فِي نَفْيِ الْأَحْكَامِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا وَضْعًا، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ؟ وَلِهَذَا يُقَالُ: لَيْسَ لِلْبَلَدِ سُلْطَانٌ، وَلَيْسَ لَهُ نَاظِرٌ وَلَا مُدَبِّرٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الصِّفَاتِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ غَيْرَ أَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ عَلَى رَفْعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَجَبَ إِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَجْعَلُ وُجُودَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ كَعَدَمِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِإِضْمَارِ الْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ أَوْ لَا بِإِضْمَارِ شَيْءٍ أَصْلًا. وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْإِضْمَارِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ، ضَرُورَةَ تَسَاوِي نِسْبَةِ اللَّفْظِ إِلَى الْكُلِّ، فَلَمْ يَبْقَ سِوَى إِضْمَارِ الْجَمِيعِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّفْظَ إِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَحْكَامِ بِوَاسِطَةِ نَفْيِ حَقِيقَةِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ مُنْتَفِيًا (٢) فَلَا يَكُونُ مُسْتَلْزِمًا لِنَفْيِ الْأَحْكَامِ.

стр. 530

وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ إِنَّمَا هُوَ الْعَمَلُ بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَعَدَمُ الْعُرْفِ الطَّارِئِ، فَمَنِ ادَّعَاهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالصُّوَرِ فَلَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ حَمْلِهَا عَلَى جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ السُّلْطَانُ مَوْجُودًا وَلَا عَالِمًا وَلَا قَادِرًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَعَنِ الثَّالِثِ قَوْلُهُمْ: إِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى الْمَقْصُودِ مِنْ نَفْيِ الْحَقِيقَةِ. قُلْنَا: إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي لِلْأَحْكَامِ، وَهُوَ وُجُودُ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ. قَوْلُهُمْ: لَيْسَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ قُلْنَا بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مَا، وَالتَّعْيِينُ إِلَى الشَّارِعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْإِجْمَالُ فِي مُرَادِ الشَّارِعِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قُلْنَا: لَوْ قِيلَ بِإِضْمَارِ الْكُلِّ لَزَمَ مِنْهُ زِيَادَةُ الْإِضْمَارِ، وَتَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ كَمَا سَبَقَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأُصُولِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً عَلَى مَا ذَكَرُوهُ، أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ أَوْ مَرْجُوحَةً. فَإِنْ كَانَتْ رَاجِحَةً لَزِمَ الْعَمَلُ بِهَا. وَإِنْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً فَهُوَ كَافٍ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي نَفْيِ زِيَادَةِ الْإِضْمَارِ، وَهُمَا تَقْدِيرَانِ، وَمَا ذَكَرُوهُ إِنَّمَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ رَاجِحًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَتِمُّ التَّمَسُّكُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ أَرْجَحُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ.

стр. 531

[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَفْعُولَاتِهِ أَمْ لَا] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا آكُلُ أَوْ إِنْ أَكَلْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَفْعُولَاتِهِ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَثْبَتَهُ أَصْحَابُنَا وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَنَفَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ لَوْ نَوَى بِهِ مَأْكُولًا مُعَيَّنًا قُبِلَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ لَهُ وَقَبُولِ الْعَامِّ لِلتَّخْصِيصِ بِبَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ، وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَخْصِيصُهُ بِهِ، لِأَنَّ التَّخْصِيصَ مِنْ تَوَابِعِ الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ. حُجَّةُ أَصْحَابِنَا، أَمَّا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ، أَنَّ قَوْلَهُ أَكَلْتُ فِعْلٌ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَأْكُولِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَضْعِهِ وَصِيغَتِهِ، فَإِذَا قَالَ: لَا أَكَلْتُ فَهُوَ نَافٍ لِحَقِيقَةِ الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَكْلٌ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ نَافِيًا لِحَقِيقَةِ الْأَكْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَكْلٌ، وَهُوَ خِلَافُ دَلَالَةِ لَفْظِهِ. وَإِذَا كَانَ لَفْظُهُ دَالًّا عَلَى نَفْيِ حَقِيقَةِ الْأَكْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ، فَقَدْ ثَبَتَ عُمُومُ لَفْظِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَأْكُولٍ، فَكَانَ قَابِلًا لِلتَّخْصِيصِ. وَأَمَّا فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ، وَهُوَ مَا إِذَا قَالَ: إِنْ أَكَلْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ الْأَكْلِ الْمُطْلَقِ يَسْتَدْعِي مَأْكُولًا مُطْلَقًا، لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا إِلَيْهِ، وَالْمُطْلَقُ مَا كَانَ شَائِعًا فِي جِنْسِ الْمُقَيَّدَاتِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ، فَكَانَ صَالِحًا لِتَفْسِيرِهِ وَتَقْيِيدِهِ بِأَيٍّ مِنْهَا كَانَ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: اعْتِقْ رَقَبَةً صَحَّ تَقْيِيدُهَا بِالرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ دَلَالَةٌ لَمَا صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْأَكْلِ لَا تَتِمُّ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ نَوَى بِلَفْظِهِ مَكَانًا مُعَيَّنًا أَوْ زَمَانًا مُعَيَّنًا، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ حَاصِلٌ. ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكَلْتُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إِلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، بَلْ هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْفِعْلِ فَلَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ

стр. 532

دَالًّا عَلَيْهِ بِوَضْعِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلُ تَخْصِيصُ لَفْظِهِ بِهِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ عِبَارَةٌ عَنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ، لَا عَلَى غَيْرِ مَدْلُولَاتِهِ بِخِلَافِ الْمَأْكُولِ عَلَى مَا سَبَقَ (١) . فَإِنْ قِيلَ: إِذَا قَالَ: إِنْ أَكَلْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالْأَكْلُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ لَفْظِهِ كُلِّيٌّ مُطْلَقٌ، وَالْمُطْلَقُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِالْمُخَصَّصِ فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِهِ. قُلْنَا: الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْأَكْلِ الْكُلِّيِّ الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ، وَإِلَّا لَمَا حَنِثَ بِالْأَكْلِ الْخَاصِّ إِذْ عَلَيْهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَكْلًا مُقَيَّدًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَكَلَاتِ الْمُقَيَّدَةِ الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُهَا فِي الْأَعْيَانِ أَيًّا مِنْهَا كَانَ، وَإِذَا كَانَ لَفْظُهُ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِغَيْرِ الْمُقَيَّدِ صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ، كَمَا إِذَا قَالَ: اعْتِقْ رَقَبَةً، وَفَسَّرَهُ بِالرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ كَمَا سَبَقَ. [الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْفِعْلُ وَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى أَقْسَامٍ وَجِهَاتٍ فَالْوَاقِعُ مِنْهُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ مِنْهَا] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ الْفِعْلُ وَإِنِ انْقَسَمَ إِلَى أَقْسَامٍ وَجِهَاتٍ فَالْوَاقِعُ مِنْهُ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، فَلَا يَكُونُ عَامًّا لِجَمِيعِهَا بِحَيْثُ يُحْمَلُ وُقُوعُهُ عَلَى جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ صَلَّى دَاخِلَ الْكَعْبَةِ، فَصَلَاتُهُ الْوَاقِعَةُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ فَرْضًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ نَفْلًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا فَرْضًا نَفْلًا، فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ جَمِيعًا، إِذْ لَا عُمُومَ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا، وَلَا يُمْكِنُ تَعْيِينُ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ» ، فَالشَّفَقُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، فَصَلَاتُهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْحُمْرَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْبَيَاضِ، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى وُقُوعِ فِعْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَهُمَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يَرَى حَمْلَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. فَإِنَّ قَوْلَ الرَّاوِي: صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: صَلَّى بَعْدَ الشَّفَقَيْنِ.

стр. 533

وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا قَوْلُ الرَّاوِي: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ» ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْأُولَى، وَيُحْتَمَلُ وُقُوعُهُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِهِ فِيهِمَا، بَلْ فِي أَحَدِهِمَا. وَالتَّعَيُّنُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الدَّلِيلِ. وَأَمَّا وُقُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ مُتَكَرِّرًا عَلَى وَجْهٍ يَعُمُّ سَفَرَ النُّسُكِ وَغَيْرِهِ، فَلَيْسَ أَيْضًا فِي نَفْسِ وُقُوعِ الْفِعْلِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَاسْتِفَادَةُ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي: كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ: كَانَ فُلَانٌ يُكْرِمُ الضَّيْفَ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّكْرَارُ دُونَ الْقُصُورِ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ. وَعَلَى هَذَا أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَاجِبًا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ جَائِزًا لَهُ لَا عُمُومَ لَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ فِي حَقِّهِ إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ، كَمَا لَوْ صَلَّى وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (١) . فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَعْمِيمِ سُجُودِ السَّهْوِ فِي كُلِّ سَهْوٍ، بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سَهَا فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى تَعْمِيمِ مَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: " كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيِّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ " فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، حَتَّى إِنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى طِهَارَةِ مَنِيِّ الْآدَمِيِّ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْفَرْكِ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ مَعَ حُكْمِهِ بِنَجَاسَتِهِ.

стр. 534

وَكَذَلِكَ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاغْتَسَلْنَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ حُكْمٍ أَجَابَ بِمَا يَخُصُّهُ، وَأَحَالَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ. فَمِنْ ذَلِكَ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَمُّ سَلَمَةَ عَنِ الِاغْتِسَالِ قَالَ: " أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِي " وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قُبْلَةِ الصَّائِمِ قَالَ: " «أَنَا أَفْعَلُ ذَلِكَ» "، وَلَوْلَا أَنَّ لِلْفِعْلِ عُمُومًا لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قُلْنَا: أَمَّا تَعْمِيمُ سُجُودِ السَّهْوِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ، وَهِيَ السَّهْوُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ رَتَّبَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْعَلِيَّةِ كَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ لَا لِعُمُومِ الْفِعْلِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي قَوْلِهِ: " «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» " وَفِي قَوْلِهِ: " «رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ فَرَضَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ» ". وَأَمَّا الْعَمَلُ بِخَبَرِ عَائِشَةَ فِي فَرْكِ الْمَنِيِّ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ وَقُبْلَةِ الصَّائِمِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْقِيَاسِ لَا إِلَى عُمُومِ الْفِعْلِ لِتَعَذُّرِهِ كَمَا (١) سَبَقَ، (٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 535

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ هل يعم كل غرر] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ، وَقَوْلُهُ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْجَارِ» ، وَنَحْوُهُ، اخْتَلَفُوا فِي تَعْمِيمِهِ لِكُلِّ غَرَرٍ وَكُلِّ جَارٍ. وَالَّذِي عَلَيْهِ مُعَوَّلُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ الرَّاوِي، وَلَعَلَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ فِعْلٍ خَاصٍّ لَا عُمُومَ لَهُ فِيهِ غَرَرٌ، وَقَضَى لِجَارٍ مَخْصُوصٍ فَنَقَلَ صِيغَةَ الْعُمُومِ لِظَنِّهِ عُمُومَ الْحُكْمِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَ صِيغَةً ظَنَّهَا عَامَّةً، وَلَيْسَتْ عَامَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَ صِيغَةً عَامَّةً. وَإِذَا تَعَارَضَتِ الِاحْتِمَالَاتُ لَمْ يَثْبُتِ الْعُمُومُ، وَالِاحْتِجَاجُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَحْكِيِّ لَا بِنَفْسِ الْحِكَايَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مُنْقَدِحَةً غَيْرَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الرَّاوِيَ مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ صِيغَةَ الْعُمُومِ إِلَّا وَقَدْ سَمِعَ صِيغَةً لَا يَشُكُّ فِي عُمُومِهَا، لِمَا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ مِنَ الدَّاعِي الدِّينِيِّ وَالْعَقْلِيِّ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ إِيقَاعِ النَّاسِ فِي وَرْطَةِ الِالْتِبَاسِ، وَاتِّبَاعِ مَا لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ قَاطِعًا بِالْعُمُومِ، فَلَا يَكُونُ نَقْلُهُ لِلْعُمُومِ إِلَّا وَقَدْ ظَهَرَ لَهُ الْعُمُومُ وَالْغَالِبُ إِصَابَتُهُ فِيمَا ظَنَّهُ ظَاهِرًا، فَكَانَ صِدْقُهُ فِيمَا نَقَلَهُ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ، وَمَهْمَا ظُنَّ صِدْقُ الرَّاوِي فِيمَا نَقَلَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ (١) .

стр. 536

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ إِذَا حَكَمَ النَّبِيُّ بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ وَذَكَرَ عِلَّتَهُ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ إِذَا حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِحُكْمٍ فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ، وَذَكَرَ عِلَّتَهُ أَنَّهُ يَعُمُّ مَنْ وُجِدَتْ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ أَعْرَابِيٍّ مُحْرِمٍ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: " «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» " وَكَقَوْلِهِ ﷺ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: " «زَمِّلُوهُمْ بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخَبُ دَمًا» " وَكَمَا لَوْ قَالَ الشَّارِعُ: حَرَّمْتُ الْمُسْكِرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا، عَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّ حُلْوٍ. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِنِ ادَّعَى عُمُومَ الْحُكْمِ نَظَرًا إِلَى الصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا، كَيْفَ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّنْصِيصُ عَلَى إِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ يَقْتَضِي بِعُمُومِهِ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَحَلٍّ وُجِدَتْ فِيهِ الْعِلَّةُ، لَكَانَ لِلْوَكِيلِ إِذَا قَالَ لَهُ الْمُوَكِّلُ: أَعْتِقْ عَبْدِي سَالِمًا لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ أَسْوَدَ لَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبِيدِي السُّودَانَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ (١) . وَإِنْ قِيلَ بِالْعُمُومِ نَظَرًا إِلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّعْمِيمِ فِي الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ شَرْعًا مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا قَالَ لِوَكِيلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدِي سَالِمًا لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ إِذِ الْوَكِيلُ إِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِأَمْرِ الْمُوَكِّلِ لَا بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ. وَعَلَى هَذَا فَالْفَائِدَةُ فِي ذِكْرِ الْعِلَّةِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْحُكْمِ عَامًّا لِغَيْرِ مَحَلِّ التَّنْصِيصِ. وَمَا يَقُولُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَّلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْأَعْرَابِيِّ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ مَوْتِهِ مُسْلِمًا مُخْلِصًا فِي عِبَادَتِهِ مَحْشُورًا مُلَبِّيًا وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا بِمُجَرَّدِ إِحْرَامِهِ، وَفِي قَتْلَى أُحُدٍ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَحَقُّقِ شَهَادَتِهِمْ، لَا بِمُجَرَّدِ الْجِهَادِ. وَفِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ لِكَوْنِهِ حُلْوًا مُسْكِرًا، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي حَقِّ الْغَيْرِ. وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مُنْقَدِحًا غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ مِنْ تَعْلِيلِهِ ﵇ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ وَالْجِهَادِ، وَتَرْكُ مَا ظَهَرَ مِنَ التَّعْلِيلِ لِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مُمْتَنِعٌ.

стр. 537

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ اخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ هَلْ لَهَا عُمُومٌ أَوْ لَا؟ وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: الْمَفْهُومُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، وَهُوَ مَا كَانَ حُكْمُ السُّكُوتِ عَنْهُ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ، وَإِلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، وَهُوَ مَا كَانَ حُكْمُ السُّكُوتِ عَنْهُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ. فَإِنْ كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ كَمَا فِي تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ تَنْصِيصِهِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ لَهُمَا، فَحُكْمُ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ شَامِلًا لِلصُّورَتَيْنِ، لَكِنْ مَعَ اخْتِلَافِ جِهَةِ الدَّلَالَةِ فَثُبُوتُهُ فِي صُورَةِ النُّطْقِ بِالْمَنْطُوقِ، وَفِي صُورَةِ السُّكُوتِ بِالْمَفْهُومِ فَلَا الْمَنْطُوقُ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصُّورَتَيْنِ، وَلَا الْمَفْهُومُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي عُمُومِ الْمَفْهُومِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صُورَةِ السُّكُوتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَاصِلَ النِّزَاعِ فِيهِ آيِلٌ إِلَى اللَّفْظِ. فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِكَوْنِهِ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمَا إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِهِ فِي جَمِيعِهَا لَا بِالدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ. وَمَنْ نَفَى الْعُمُومَ كَالْغَزَالِيِّ فَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ فِي جَمِيعِ صُوَرِ السُّكُوتِ إِذْ هُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْيَ ثُبُوتِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُخَالِفُ فِيهِ الْقَائِلُ بِعُمُومِ الْمَفْهُومِ. وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَمَا فِي نَفْيِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَعْلُوفَةِ مِنْ تَنْصِيصِهِ ﷺ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ، فَلَا شَكَّ أَيْضًا بِأَنَّ اللَّفْظَ فِيهِ غَيْرُ عَامٍّ بِمَنْطُوقِهِ لِلصُّورَتَيْنِ وَلَا بِمَفْهُومِهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ صُوَرِ السُّكُوتِ، وَحَاصِلُ النِّزَاعِ أَيْضًا فِيهِ آيِلٌ إِلَى اللَّفْظِ كَمَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ.

стр. 538

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الْعَطْفُ عَلَى الْعَامِّ هَلْ يُوجِبُ الْعُمُومَ فِي الْمَعْطُوفِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الْعَطْفُ عَلَى الْعَامِّ هَلْ يُوجِبُ الْعُمُومَ فِي الْمَعْطُوفِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمَنَعَ أَصْحَابُنَا مِنْ ذَلِكَ وَأَوْجَبَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَمِثَالُهُ اسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» "، وَهُوَ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ كَافِرٍ حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا. فَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَامًّا لِلذِّمِّيِّ لَكَانَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» " ضَرُورَةَ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ وَصَفْتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُعَاهِدُ إِنَّمَا هُوَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ دُونَ الذِّمِّيِّ. احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْطُوفَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي إِفَادَةِ حُكْمِهِ، وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى حُكْمِ الْمَعْطُوفِ بِصَرِيحِهِ، وَإِنَّمَا أُضْمِرَ حُكْمُ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي الْمَعْطُوفِ، ضَرُورَةَ الْإِفَادَةِ وَحَذَرًا مِنَ التَّعْطِيلِ. وَالْإِضْمَارُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ، وَهُوَ التَّشْرِيكُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ دُونَ تَفْصِيلِهِ مِنْ صِفَةِ الْعُمُومِ وَغَيْرِهِ، تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَطْفُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ خَاصٌّ. وَوَرَدَ عَطْفُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَنْدُوبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ، فَإِنَّهُ لِلنَّدْبِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ لِلْإِيجَابِ، وَوَرَدَ عَطْفُ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُبَاحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ ، فَإِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ لِلْإِيجَابِ. وَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ هُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفْصِيلِهِ لَكَانَ الْعَطْفُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ مُتَيَقَّنٌ، وَفِي صِفَتِهِ مُحْتَمَلٌ، فَجَعْلُ الْعَطْفِ أَصْلًا فِي الْمُتَيَقَّنِ دُونَ الْمُحْتَمَلِ أَوْلَى.

стр. 539

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّشْرِيكِ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ، وَتَفْصِيلُهُ وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ يُوجِبُ جَعْلَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَالْحُكْمُ عَلَى أَحَدِهِمَا يَكُونُ حُكْمًا عَلَى الْآخَرِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْطُوفَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِيهِ لِتَحَقُّقِ الْإِفَادَةِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِإِضْمَارِ كُلِّ مَا ثَبَتَ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلْمَعْطُوفِ أَوْ بَعْضِهِ، لَا جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ بِالثَّانِي لِأَنَّ الْإِضْمَارَ إِمَّا لِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. الْقَوْلُ بِالتَّعْيِينِ مُمْتَنِعٌ إِذْ هُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ مِنْ نَفْسِ الْعَطْفِ. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ الْآخَرِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّعْيِينِ مُوجِبٌ لِلْإِبْهَامِ وَالْإِجْمَالِ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ جَعْلَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِيمَا فِيهِ الْعَطْفُ أَوْ فِي غَيْرِهِ، الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ مَا زَادَ عَلَى أَصْلِ الْحُكْمِ مُعْتَبَرٌ فِي الْعَطْفِ إِذْ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَجَوَابُ الثَّانِي أَنْ نَقُولَ بِالتَّشْرِيكِ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ دُونَ صِفَتِهِ، وَهُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ إِبْهَامٍ وَلَا إِجْمَالٍ.

стр. 540

[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ إِذَا وَرَدَ خِطَابُ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ لَا يَعُمُّ الْأُمَّةَ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ إِذَا وَرَدَ خِطَابُ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ لَا يَعُمُّ الْأُمَّةَ ذَلِكَ الْخِطَابُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِمَا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ يَكُونُ خِطَابًا لِلْأُمَّةِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ فِيهِ عَلَى الْفَرْقِ. وَدَلِيلُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْخِطَابَ الْوَارِدَ نَحْوَ الْوَاحِدِ مَوْضُوعٌ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ، فَلَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِ بِوَضْعِهِ (١) . وَلِهَذَا فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أَمَرَ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِخِطَابٍ يَخُصُّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا لِلْبَاقِينَ. وَكَذَلِكَ فِي النَّهْيِ وَالْإِخْبَارِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ. كَيْفَ وَإِنَّهُ مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ مَصْلَحَةً لَهُ، وَهُوَ مَفْسَدَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي أَمْرِ الطَّبِيبِ لِبَعْضِ النَّاسِ بِشُرْبِ بَعْضِ الْأَدْوِيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَمْرًا لِغَيْرِهِ لِاحْتِمَالِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْأَمْزِجَةِ وَالْأَحْوَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ الْأَمْرِ. وَلِهَذَا خُصَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَحْكَامٍ لَمْ يُشَارِكْهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ، وَمَعَ امْتِنَاعِ اتِّحَادِ الْخِطَابِ (٢) وَجَوَازِ الِاخْتِلَافِ فِي الْحِكْمَةِ وَالْمَقْصُودِ يَمْتَنِعُ التَّشْرِيكُ فِي الْحُكْمِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ، فَالِاشْتِرَاكُ فِي الْحُكْمِ يَكُونُ مُسْتَنِدًا إِلَى نَفْسِ الْقِيَاسِ لَا إِلَى نَفْسِ الْخِطَابِ الْخَاصِّ بِمَحَلِّ التَّنْصِيصِ أَوْ دَلِيلٍ آخَرَ.

стр. 541

فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْخِطَابَ الْخَاصَّ بِالْوَاحِدِ لَا يَكُونُ خِطَابًا لِغَيْرِهِ مُطْلَقًا، بَلِ الْمُدَّعَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى قَوْمٍ، وَقَدْ عُقِدَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَالْإِمَارَةُ عَلَيْهِمْ وَجُعِلَ لَهُ مَنْصِبُ الِاقْتِدَاءِ بِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قِيلَ لَهُ: ارْكَبْ لِمُنَاجَزَةِ الْعَدُوِّ وَشَنِّ الْغَارَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى بِلَادِهِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُعِدُّونَ ذَلِكَ أَمْرًا لِأَتْبَاعِهِ وَأَصْحَابِهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا أُخْبِرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ فَتَحَ الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ وَكَسَرَ الْعَدُوَّ، فَإِنَّهُ يَكُونُ إِخْبَارًا عَنْ أَتْبَاعِهِ أَيْضًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ مِمَّنْ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ قُدْوَةً لِلْأُمَّةِ وَمُتَّبَعًا لَهُمْ، فَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا لِأُمَّتِهِ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ فِيهِ عَلَى الْفَرْقِ (١) . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ، وَلَمْ يَقُلْ إِذَا طَلَّقْتَ النِّسَاءَ فَطَلِّقْهُنَّ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِطَابَهُ لِأُمَّتِهِ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُبَاحًا لِلْأُمَّةِ، وَلَوْ كَانَتِ الْإِبَاحَةُ خَاصَّةً بِهِ لَمَا انْتَفَى الْحَرَجُ عَنِ الْأُمَّةِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِتَخْصِيصِهِ ﵇ بِأَحْكَامٍ دُونَ أُمَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْخِطَابُ الْمُطْلَقُ لَهُ خِطَابًا لِأُمَّتِهِ، بَلْ خَاصًّا بِهِ لَمَا احْتِيجَ إِلَى بَيَانِ التَّخْصِيصِ بِهِ هَاهُنَا. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنِ احْتِمَالِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ فَغَيْرُ قَادِحٍ مَعَ ظُهُورِ الْمُشَارَكَةِ فِي الْخِطَابِ كَمَا تَقَرَّرَ. وَلِهَذَا جَازَ تَكْلِيفُ الْكُلِّ مَعَ هَذَا لِظُهُورِ الْخِطَابِ، وَجَازَ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ عِنْدَ ظَنِّ الِاشْتِرَاكِ فِي الدَّاعِي مَعَ احْتِمَالِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ.

стр. 542

وَالْجَوَابُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أَمْرَ الْمُقَدَّمِ يَكُونُ أَمْرًا لِأَتْبَاعِهِ لُغَةً، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: أُمِرَ الْمُقَدَّمُ وَلَمْ يَأْمُرِ الْأَتْبَاعَ، وَإِنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرِ الْأَتْبَاعَ لَمْ يَحْنَثْ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَوْ كَانَ أَمْرُهُ لِلْمُقَدَّمِ أَمْرًا لِأَتْبَاعِهِ لَحَنَثَ، نَعَمْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يُفْهَمُ عِنْدَ أَمْرِ الْمُقَدَّمِ بِالرُّكُوبِ وَشَنِّ الْغَارَةِ لُزُومُ تَوَقُّفِ مَقْصُودِ الْأَمْرِ عَلَى اتِّبَاعِ أَصْحَابِهِ لَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِلْزَامِ لَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُطَابَقَةً وَلَا ضِمْنًا، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَوْ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِنَ الْأَفْعَالِ أَوْ إِبَاحَتِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُشَارَكَةِ الْأُمَّةِ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، فَخِطَابٌ عَامٌّ مَعَ الْكُلِّ عَلَى وَجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَّةِ، وَتَخْصِيصُ النَّبِيِّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ بِالنِّدَاءِ جَرَى مَجْرَى التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ لَهُ (١) . كَيْفَ وَإِنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خِطَابَ النَّبِيِّ لَا يَكُونُ خِطَابًا لِلْأُمَّةِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا احْتِيجَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: إِذَا طَلَّقْتَ النِّسَاءَ فَطَلِّقْهُنَّ كَافٍ فِي خِطَابِ الْأُمَّةِ مَعَ اتِّسَاقِهِ مَعَ أَوَّلِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ لَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى الْمَقْصُودِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْيَ الْحَرَجِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ مَدْلُولٌ لِقَوْلِهِ زَوَّجْنَاكَهَا، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّ رَفْعَ الْحَرَجِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لِمَقْصُودِ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِقِيَاسِهِمْ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ دَفْعِ الْحَاجَةِ وَحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ، وَعُمُومُ الْخِطَابِ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذَلِكَ (٢) .

стр. 543

وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا ذَكَرُوهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْخِطَابِ لَهُ عَامٌّ لِأُمَّتِهِ، بَلْ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِقَطْعِ إِلْحَاقِ غَيْرِهِ بِهِ فِي تِلْكَ الْأَحْكَامِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَلَوْ لَمْ يَرِدِ التَّخْصِيصُ لَأَمْكَنَ الْإِلْحَاقُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ (١) . الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ اخْتَلَفُوا فِي خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ هَلْ هُوَ لِلْبَاقِينَ أَمْ لَا؟ فَنَفَاهُ أَصْحَابُنَا وَأَثْبَتَهُ الْحَنَابِلَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ. وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا (٢) . فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ، وَقَوْلُهُ، ﷺ : " «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» " وَقَوْلُهُ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» ". وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَاتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى رُجُوعِهِمْ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ إِلَى مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇ عَلَى آحَادِ الْأُمَّةِ. فَمِنْ ذَلِكَ رُجُوعُهُمْ فِي حَدِّ الزِّنَى إِلَى مَا حَكَمَ بِهِ عَلَى (مَاعِزٍ) ، وَرُجُوعُهُمْ فِي الْمُفَوَّضَةِ إِلَى قِصَّةِ (بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشَقٍ) ، وَرُجُوعُهُمْ فِي ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمَجُوسِ إِلَى ضَرْبِهِ ﵇ الْجِزْيَةَ عَلَى مَجُوسِ هَجَرَ. وَلَوْلَا أَنَّ حُكْمَهُ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَصَّصَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِأَحْكَامٍ دُونَ غَيْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي التَّضْحِيَةِ بِعَنَاقٍ: " «تُجْزِئُكَ وَلَا تُجْزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» "، وَقَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرَةَ لَمَّا دَخَلَ الصَّفَّ رَاكِعًا: " «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» " وَقَوْلُهُ لِأَعْرَابِيٍّ زَوَّجَهُ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ: " «هَذَا لَكَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ» ".

стр. 544

وَتَخْصِيصُهُ لِخُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَتَخْصِيصُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ. وَلَوْلَا أَنَّ الْحُكْمَ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمٌ عَلَى الْأُمَّةِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّنْصِيصِ بِالتَّخْصِيصِ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ وَعَنْ قَوْلِهِ: " «بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَإِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» " أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً فَبِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَرِّفُ كُلَّ وَاحِدٍ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ كَأَحْكَامِ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْحَائِضِ وَالطَّاهِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاكُ الْكُلِّ فِيمَا أَثْبَتَ لِلْبَعْضِ مِنْهُمْ (١) . وَعَنْ قَوْلِهِ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " أَنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَالْقِيَاسِ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ (٢) لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ خِطَابًا لِلْبَاقِينَ (٣) . الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِعَيْنِهِ خِطَابًا لِلْبَاقِينَ لَزِمَ مِنْهُ التَّخْصِيصُ بِإِخْرَاجِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ.

стр. 545

الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ خِطَابُهُ الْمُطْلَقُ لِلْوَاحِدِ خِطَابًا لِلْجَمَاعَةِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى قَوْلِهِ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " أَوْ كَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْكِيدَ، وَالْأَصْلُ فِي الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ التَّأْسِيسُ. ثُمَّ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمًا عَلَى الْجَمَاعَةِ فَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهُ فِي حُكْمِهِ لِلْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا لِلْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِهِ لِلْوَاحِدِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ وَالْخِلَافُ وَاقِعٌ فِي الْكُلِّ (١) . وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ رُجُوعِ الصَّحَابَةِ فِي أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ إِلَى حُكْمِهِ عَلَى الْآحَادِ فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يُقَالَ: بِذَلِكَ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالتَّسَاوِي فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ، أَوْ لَا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ، الثَّانِي خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَمُسْتَنَدُ التَّشْرِيكِ فِي الْحُكْمِ إِنَّمَا كَانَ الِاشْتِرَاكَ فِي السَّبَبِ لَا فِي الْخِطَابِ (٢) . وَأَمَّا الْمَعْنَى فَقَدْ سَبَقَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ لَا يَدْخُلُ فِي الْجَمْعِ الْخَاصِّ بِالْآخَرِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ لَا يَدْخُلُ فِي الْجَمْعِ الْخَاصِّ بِالْآخَرِ كَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَعَلَى دُخُولِهِمَا فِي الْجَمْعِ الَّذِي لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلَامَةُ تَذْكِيرٍ وَلَا تَأْنِيثٍ كَالنَّاسِ. وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْجَمْعِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ عَلَامَةُ التَّذْكِيرِ كَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ: هَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي دُخُولِ الْإِنَاثِ فِيهِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَتِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ وَالْجَمْعُ الْكَثِيرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ إِلَى نَفْيِهِ. وَذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ وَابْنُ دَاوُدَ (٣) وَشُذُوذٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى إِثْبَاتِهِ.

стр. 546

احْتَجَّ النَّافُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ عَطَفَ جَمْعَ التَّأْنِيثِ عَلَى جَمْعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ لَمَا حَسُنَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إِلَّا الرِّجَالَ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الْآيَةَ (١) . وَلَوْ كُنَّ قَدْ دَخَلْنَ فِي جَمْعِ التَّذْكِيرِ، لَكُنَّ مَذْكُورَاتٍ وَامْتَنَعَتْ صِحَّةُ السُّؤَالِ وَالتَّقْرِيرِ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «وَيْلٌ لِلَّذِينَ يَمَسُّونَ فُرُوجَهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ " فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَذَا لِلرِّجَالِ فَمَا لِلنِّسَاءِ؟» (٢) وَلَوْلَا خُرُوجُهُنَّ مِنْ جَمْعِ الذُّكُورِ لَمَا صَحَّ السُّؤَالُ وَلَا التَّقْرِيرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ تَضْعِيفُ الْوَاحِدِ، فَقَوْلُنَا: قَامَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ بِالْإِجْمَاعِ، فَالْجَمْعُ الَّذِي هُوَ تَضْعِيفُهُ كَقَوْلِنَا: قَامُوا لَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لَهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا الْآيَةُ فَالْعَطْفُ فِيهَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْإِنَاثِ فِي جَمْعِ التَّذْكِيرِ. قَوْلُكُمْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ إِذِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ الْإِتْيَانُ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُنَّ تَأْكِيدًا فَلَا يَكُونُ عُرْيًا عَنِ الْفَائِدَةِ. وَأَمَّا سُؤَالُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ فَلَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي جَمْعِ الذُّكُورِ، بَلْ لِعَدَمِ تَخْصِيصِهِنَّ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ فِيهِنَّ كَمَا وَرَدَ فِي الْمُذَكَّرِ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الْجَمْعَ تَضْعِيفُ الْوَاحِدِ فَمُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِامْتِنَاعِ دُخُولِ الْمُؤَنَّثِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ؟ . وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ الْمُؤَنَّثِ فِي جَمْعِ التَّذْكِيرِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:

стр. 547

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَأْلُوفَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ غَلَّبُوا جَانِبَ التَّذْكِيرِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يُقَالُ: لِلنِّسَاءِ إِذَا تَمَحَّضْنَ: ادْخُلْنَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ قِيلَ: ادْخُلُوا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ كَمَا أُلِفَ مِنْهُمْ تَغْلِيبُ جَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ ، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا وَصَفُوا مَا لَا يَعْقِلُ بِصِفَةِ مَنْ يَعْقِلُ غَلَّبُوا فِيهِ مَنْ يَعْقِلُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ جَمَعَهُمْ جَمْعَ مَنْ يَعْقِلُ لِوَصْفِهِمْ بِالسُّجُودِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ مَنْ يَعْقِلُ. وَكَتَغْلِيبِهِمُ الْكَثْرَةَ عَلَى الْقِلَّةِ حَتَّى إِنَّهُمْ يَصِفُونَ بِالْكَرَمِ وَالْبُخْلِ جَمْعًا أَكْثَرُهُمْ مُتَّصِفٌ بِالْكَرَمِ أَوِ الْبُخْلِ. وَكَتَغْلِيبِهِمْ فِي التَّثْنِيَةِ أَحَدَ الِاسْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِهِمْ: (الْأَسْوَدَانِ) لِلتَّمْرِ ظَاهِرًا، وَالْعُمَرَانِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَالْقَمَرَانِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُسْتَهْجَنُ مِنَ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَقُولَ لِأَهْلِ حِلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ: أَنْتُمْ آمِنُونَ وَنِسَاؤُكُمْ آمِنَاتٌ لِحُصُولِ الْأَمْنِ لِلنِّسَاءِ بِقَوْلِهِ: أَنْتُمْ آمِنُونَ، وَلَوْلَا دُخُولُهُنَّ فِي قَوْلِهِ: أَنْتُمْ آمِنُونَ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَكَذَلِكَ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِجَمَاعَةٍ فِيهِمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ: قُومُوا وَقُمْنَ، بَلْ لَوْ قَالَ: قُومُوا كَانَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي الْأَمْرِ لِلنِّسَاءِ بِالْقِيَامِ. وَلَوْلَا دُخُولُهُنَّ فِي جَمْعِ التَّذْكِيرِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ أَكْثَرَ أَوَامِرِ الشَّرْعِ بِخِطَابِ الْمُذَكَّرِ مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ يُشَارِكْنَ الرِّجَالَ فِي أَحْكَامِ تِلْكَ الْأَوَامِرِ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ الْخِطَابِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ قَوْلُهُمْ فِي الْآيَةِ: فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُنَّ التَّأْكِيدُ. قُلْنَا: لَوِ اعْتَقَدْنَا عَدَمَ دُخُولِهِنَّ فِي جَمْعِ التَّذْكِيرِ كَانَتْ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ التَّأْسِيسَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَائِدَةَ التَّأْسِيسِ أَوْلَى فِي كَلَامِ الشَّارِعِ. قَوْلُهُمْ: سُؤَالُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ تَخْصِيصِ النِّسَاءِ بِلَفْظٍ يَخُصُّهُنَّ، لَا لِعَدَمِ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي جَمْعِ التَّذْكِيرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، أَمَّا سُؤَالُ أُمِّ سَلَمَةَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الذِّكْرِ مُطْلَقًا لَا فِي عَدَمِ ذِكْرِ مَا يَخُصُّهُنَّ بِحَيْثُ قَالَتْ: مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إِلَّا الرِّجَالَ، وَلَوْ ذَكَرَ النِّسَاءَ، وَلَوْ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ لَمَا صَحَّ هَذَا الْإِخْبَارُ

стр. 548

عَلَى إِطْلَاقِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَلِأَنَّهَا قَالَتْ: هَذَا لِلرِّجَالِ، وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ عَامًّا لَمَا صَحَّ مِنْهَا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالرِّجَالِ. قَوْلُهُمْ: الْمَأْلُوفُ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ تَغْلِيبُ جَانِبِ التَّذْكِيرِ؛ مُسَلَّمٌ، وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِي أَنَّ الْعَرَبِيَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ جَمْعٍ فِيهِمْ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ أَنَّهُ يُغَلِّبُ جَانِبَ التَّذْكِيرِ وَيُعَبِّرُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّجَوُّزِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ جَمْعَ التَّذْكِيرِ إِذَا أُطْلِقَ هَلْ يَكُونُ ظَاهِرًا فِي دُخُولِ الْمُؤَنَّثِ وَمُسْتَلْزِمًا لَهُ أَوْ لَا؟ وَلَيْسَ فِيمَا قِيلَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ يَصِحُّ التَّجَوُّزُ بِلَفْظِ الْأَسَدِ عَنِ الْإِنْسَانِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِيهِ مَهْمَا أُطْلِقَ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا صَحَّ دُخُولُ الْمُؤَنَّثِ فِي جَمْعِ الْمُذَكِّرِ فَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بِهِ حَقِيقَةً لَا تَجَوُّزًا. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ جَمْعُ التَّذْكِيرِ حَقِيقَةً لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي تَمَحُّضِ الذُّكُورِ كَانَ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. فَإِنْ قِيلَ: وَلَوْ كَانَ مَجَازًا لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ لِدُخُولِ الْمُسَمَّى الْحَقِيقِيِّ فِيهِ وَهُمُ الذُّكُورُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الذُّكُورِ إِلَّا مَعَ الِاقْتِصَارِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ جُزْءًا مِنَ الْمَذْكُورِ لَا مَعَ الِاقْتِصَارِ فَلَا. كَيْفَ وَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ؟ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَإِنَّمَا اسْتُهْجِنَ مِنَ الْعَرَبِيِّ أَنْ يَقُولَ: أَنْتُمْ آمِنُونَ وَنِسَاؤُكُمْ آمِنَاتٌ؛ لِأَنَّ تَأْمِينَ الرِّجَالِ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْنَ مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاوِفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ النِّسَاءُ آمِنَاتٍ لَمَا حَصَلَ أَمْنُ الرِّجَالِ مُطْلَقًا، وَهُوَ تَنَاقُضٌ. أَمَّا أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ظُهُورِ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي الْخِطَابِ فَلَا، وَبِهِ يَظْهَرُ لُزُومُ أَمْنِ النِّسَاءِ مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى قَوْلِهِ لِلرِّجَالِ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ فَغَيْرُ لَازِمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النِّسَاءَ وَإِنْ شَارَكْنَ الرِّجَالَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّذْكِيرِ، فَيُفَارِقْنَ لِلرِّجَالِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِخِطَابِ التَّذْكِيرِ، كَأَحْكَامِ الْجِهَادِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وَأَحْكَامِ الْجُمُعَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -:

стр. 549

﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَلَوْ كَانَ جَمْعُ التَّذْكِيرِ مُقْتَضِيًا لِدُخُولِ الْإِنَاثِ فِيهِ لَكَانَ خُرُوجُهُنَّ عَنْ هَذِهِ الْأَوَامِرِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فَحَيْثُ وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ تَارَةً وَالِافْتِرَاقُ تَارَةً عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى دَلِيلٍ خَارِجٍ، لَا إِلَى نَفْسِ اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ. [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلَامَةُ تَذْكِيرٍ وَلَا تَأْنِيثٍ هَلْ يَعُمُّ الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ لَمْ تَظْهَرْ فِيهِ عَلَامَةُ تَذْكِيرٍ وَلَا تَأْنِيثٍ سِوَى لَفْظِ الْجَمْعِ مِثْلُ (مَنْ) فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ هَلْ يَعُمُّ الْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ. وَالْمُخْتَارُ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ دُخُولُ الْمُؤَنَّثِ فِيهِ. وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ، فَإِنَّ الْعَبْدَ يُلَامُ بِإِخْرَاجِ الدَّاخِلِ مِنَ الْمُؤَنَّثَاتِ عَنِ الْإِكْرَامِ وَيُلَامُ السَّيِّدُ بِلَوْمِ الْعَبْدِ بِإِكْرَامِهِنَّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي النَّذْرِ وَالْوَصِيَّةِ. وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مَا فُهِمَ مِنَ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ لَا مَجَازًا. فَإِنْ قِيلَ: التَّعْمِيمُ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا فُهِمَ مِنَ الْحَالِ، وَهِيَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ مُقَابَلَةِ الدَّاخِلِ إِلَى دَارِ الْإِنْسَانِ وَالْحُلُولِ فِي مَنْزِلِهِ بِالْإِكْرَامِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ لَا أَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً. قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ بِمَا لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَهِنْهُ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْقَرِينَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: مَنْ قَالَ لَكَ: أَلِفٌ فَقُلْ لَهُ: (بَ) ، فَإِنَّهُ لَا قَرِينَةَ أَصْلًا، وَالْعُمُومُ مَفْهُومٌ مِنْهُ فَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِيهِ (١) .

стр. 550

[الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ هل يدخل الْعَبْدِ تَحْتَ التَّكَالِيفِ بِالْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ الْمُطْقَلَةِ كَلَفْظِ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ] الْمَسْأَلَةُ الْعِشْرُونَ اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْعَبْدِ تَحْتَ التَّكَالِيفِ بِالْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ الْمُطْقَلَةِ كَلَفْظِ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ إِلَّا بِقَرِينَةٍ وَدَلِيلٍ يَخُصُّهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِدُخُولِهِ فِي الْعُمُومَاتِ الْمُثْبِتَةِ لِحُقُوقِ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالْمُخْتَارُ إِنَّمَا هُوَ الدُّخُولُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ إِذَا كَانَ بِلَفْظِ النَّاسِ أَوِ الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ لِكُلِّ مَنْ هُوَ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْعَبْدُ مِنَ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً فَكَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومَاتِ الْخِطَابِ بِوَضْعِهِ لُغَةً إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْهُ (١) . فَإِنْ قِيلَ: الْعَبْدُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مَالٌ لِسَيِّدِهِ، وَلِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ حَسَبَ تَصَرُّفِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَإِذَا كَانَ مَالًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ خِطَابِ الشَّارِعِ. سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ كَالْبَهَائِمِ إِلَّا أَنَّ أَفْعَالَهُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ وَيَحْصُلُ بِهَا الِامْتِثَالُ مَمْلُوكَةٌ لِسَيِّدِهِ، وَيَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى مَنَافِعِهِ بِخِطَابِ الشَّرْعِ، فَلَا يَكُونُ الْخِطَابُ مُتَعَلِّقًا بِصَرْفِهَا إِلَى غَيْرِ مَنَافِعِ السَّيِّدِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ. سَلَّمْنَا عَدَمَ التَّنَاقُضِ غَيْرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى إِخْرَاجِ الْعَبْدِ عَنْ مُطْلَقِ الْخِطَابِ الْعَامِّ بِالْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ بِصِحَّةِ التَّبَرُّعِ وَالْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ بِمُطْلَقِهِ لَكَانَ خُرُوجُهُ عَنْهَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ.

стр. 551

سَلَّمْنَا إِمْكَانَ دُخُولِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ الْخِطَابِ لُغَةً إِلَّا أَنَّ الرِّقَّ مُقْتَضٍ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ عُمُومَاتِ الْخِطَابِ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ صَالِحٌ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِشَغْلِ جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ بِخِطَابِ الشَّرْعِ، وَحَقُّ السَّيِّدِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ السَّيِّدَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مَنْعِ الْعَبْدِ مِنَ التَّطَوُّعِ بِالنَّوَافِلِ مَعَ أَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ، تَعَالَى، وَلَوْلَا أَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ مُرَجَّحٌ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. الثَّانِي: أَنَّ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْمُسَاهَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِ حُقُوقِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِحُصُولِهَا، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الشُّحِّ وَالْمُضَايَقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِحُصُولِهِ وَيَتَضَرَّرُ بِفَوَاتِهِ. وَالْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ أَنَّ كَوْنَ الْعَبْدِ مَالًا مَمْلُوكًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ جِنْسِ الْمُكَلَّفِينَ إِلَى جِنْسِ الْبَهَائِمِ، وَإِلَّا لَمَا تَوَجَّهَ نَحْوَ التَّكْلِيفِ بِالْخِطَابِ الْخَاصِّ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَعَنِ السُّؤَالِ الثَّانِي: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ لِصَرْفِ مَنَافِعِ الْعَبْدِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى فِي وَقْتِ تَضَايُقِ وَقْتِ الْعِبَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، بَلْ فِي غَيْرِهِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا تَنَاقُضَ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى إِخْرَاجِ الْعَبْدِ عَنْ كَوْنِ الْعُمُومَاتِ مُتَنَاوِلَةً لَهُ لُغَةً لِمَا بَيَّنَاهُ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ خُصَّ بِدَلِيلٍ، وَالتَّخْصِيصُ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْعُمُومِ لُغَةً. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِرَفْعِ الْعُمُومِ لُغَةً مَعَ تَحَقُّقِهِ، وَصَارَ كَمَا فِي تَخْصِيصِ الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ عَنِ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ. وَعَنِ الرَّابِعِ: بِمَنْعِ تَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ بِمَنَافِعِهِ الْمَصْرُوفَةِ إِلَى الْعِبَادَاتِ الْمَأْمُورِ بِهَا عِنْدَ ضِيقِ أَوْقَاتِهَا كَمَا سَبَقَ، وَالرِّقُّ وَإِنِ اقْتَضَى ذَلِكَ لِمُنَاسَبَتِهِ وَاعْتِبَارِهِ، فَلَا يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ الدَّلَالَةِ النَّصِّيَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِقُوَّةِ دَلَالَةِ النُّصُوصِ عَلَى دَلَالَةِ مَا الْحُجَّةُ بِهِ مُسْتَنِدَةٌ إِلَيْهَا. وَالنُّصُوصُ وَإِنْ كَانَتْ مُتَنَاوِلَةً لِلْعَبْدِ بِعُمُومِهَا إِلَّا أَنَّهَا مُتَنَاوِلَةٌ لِلْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ بِخُصُوصِهَا. وَالرِّقُّ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضِيًا لِحَقِّ السَّيِّدِ

стр. 552

بِخُصُوصِهِ إِلَّا أَنَّ اقْتِضَاءَهُ لِذَلِكَ الْحَقِّ فِي وَقْتِ الْعِبَادَةِ بِعُمُومِهِ، فَيَتَقَابَلَانِ، وَيَسْلَمُ التَّرْجِيحُ بِالتَّنْصِيصِ كَمَا سَبَقَ. قَوْلُهُمْ: حُقٌّ الْآدَمِيِّ مُرَجَّحٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ مُطْلَقًا. وَلِهَذَا فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - مُرَجَّحٌ عَلَى حَقِّ السَّيِّدِ فِيمَا وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ بِالْخِطَابِ الْخَاصِّ بِهِ إِجْمَاعًا، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُمْ فِي التَّرْجِيحِ الثَّانِي: إِنَّ السَّيِّدَ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَنْعِ الْعَبْدِ مِنَ التَّنَفُّلِ. قُلْنَا: وَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ تَرَجُّحَ جَانِبِ حَقِّ السَّيِّدِ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي النَّوَافِلِ فَغَيْرُ مُوجِبٍ لِتَرَجُّحِهِ عَلَيْهِ فِي الْفَرَائِضِ (١) . [الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وُرُودُ الْخِطَابِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ يُدْخِلُ الرَّسُولَ فِي عُمُومِهِ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ وُرُودُ الْخِطَابِ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، (يَا عِبَادِيَ) يُدْخِلُ الرَّسُولَ فِي عُمُومِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ خِطَابٍ وَرَدَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ مَأْمُورًا فِي أَوَّلِهِ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ بِهِ كَهَذِهِ الْآيَاتِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فِي صَدْرِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ، فَهُوَ غَيْرٌ دَاخِلٍ فِيهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ (٢) . حُجَّةُ مَنْ قَالَ: يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، حُجَّتَانِ. الْأُولَى: أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ عَامَّةٌ لِكُلِّ إِنْسَانٍ وَكُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ عَبْدٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ سَيِّدُ النَّاسِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ مُخْرِجَةٍ لَهُ عَنْ إِطْلَاقِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عَلَيْهِ، فَلَا تَكُونُ مُخْرِجَةً لَهُ عَنْ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ.

стр. 553

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا أَمَرَ الصَّحَابَةَ بِأَمْرٍ وَتَخَلَّفَ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ: مَا بَالُكَ لَمْ تَفْعَلْهُ؟ وَلَوْ لَمْ يَعْقِلُوا دُخُولَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ لَمَا سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ. وَذَلِكَ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَفْسَخْ، فَقَالُوا لَهُ: " أَمَرْتَنَا بِالْفَسْخِ وَلَمْ تَفْسَخْ» "، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ مَا فَهِمُوهُ مِنْ دُخُولِهِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ، بَلْ عَدَلَ إِلَى الِاعْتِذَارِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «إِنِّي قَلَّدْتُ هَدْيًا» " وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً» " (١) . فَإِنْ قِيلَ: يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ آمِرًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الْأَوَامِرِ فَلَوْ كَانَ مَأْمُورًا بِهَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ آمِرًا وَمَأْمُورًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ آمِرًا لِنَفْسِهِ، وَأَمْرُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَدْنَى، وَالْوَاحِدُ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ نَفْسِهِ وَأَدْنَى مِنْهَا. الثَّانِي: أَنَّهُ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ عَلَى الْخُصُوصِ مُمْتَنِعٌ، فَكَذَلِكَ أَمْرُهُ لِنَفْسِهِ عَلَى الْعُمُومِ. الثَّانِي مِنَ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِخِطَابٍ وَاحِدٍ مُبَلِّغًا وَمُبَلَّغًا إِلَيْهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِ اخْتَصَّ بِأَحْكَامٍ لَمْ تُشَارِكْهُ فِيهَا الْأُمَّةُ كَوُجُوبِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالضُّحَى وَالْأَضْحَى وَتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ، وَأُبِيحَ لَهُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا مَهْرٍ وَلَا شُهُودٍ، وَالصَّفِيُّ مِنَ الْمَغْنَمِ، وَنَحْوُهُ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَزِيَّتِهِ، وَانْفِرَادِهِ عَنِ الْأُمَّةِ فِي الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ، فَلَا يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ الْخِطَابِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُمْ.

стр. 554

قُلْنَا: جَوَابُ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الرَّسُولِ آمِرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُبَلِّغٌ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْآمِرِ وَالْمُبَلِّغِ لِلْأَمْرِ. وَلِهَذَا أَعَادَ صِيَغَ الْأَوَامِرِ لَهُ بِالتَّبْلِيغِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ، وَ ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ وَنَحْوِهِ. وَجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ مُبَلِّغٌ لِلْأُمَّةِ بِمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ، وَلَيْسَ مُبَلِّغًا لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ الْخِطَابِ، بَلْ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ جِبْرِيلَ، ﵇. وَجَوَابُ الثَّالِثِ: أَنَّ اخْتِصَاصَهُ بِبَعْضِ الْأَحْكَامِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِخُرُوجِهِ عَنْ عُمُومَاتِ الْخِطَابِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الْحَائِضَ وَالْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ وَالْمَرْأَةَ كُلَّ وَاحِدٍ قَدِ اخْتَصَّ بِأَحْكَامٍ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنِ الدُّخُولِ فِي عُمُومَاتِ الْخِطَابِ (١) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ هَلْ يَخُصُّ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِهِ فقط] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ (٢) الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَوَامِرُ الْعَامَّةُ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، وَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وَنَحْوِهِ هَلْ يَخُصُّ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِهِ أَوْ هُوَ عَامٌّ لَهُمْ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُعْتَزِلَةُ إِلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّالِفِينِ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى تَنَاوُلِ ذَلِكَ لِمَنْ وُجِدَ بَعْدَ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ . حُجَّةُ النَّافِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُخَاطَبَةَ شِفَاهًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ، وَ (وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تَسْتَدْعِي كَوْنَ الْمُخَاطَبِ مَوْجُودًا أَهْلًا لِلْخِطَابِ إِنْسَانًا مُؤْمِنًا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي وَقْتِ الْخِطَابِ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَلَا يَكُونُ الْخِطَابُ مُتَنَاوِلًا لَهُ (٣) .

стр. 555

الثَّانِي: أَنَّ خِطَابَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ مُمْتَنِعٌ حَتَّى إِنَّ مَنْ شَافَهَهُ بِالْخِطَابِ اسْتُهْجِنَ كَلَامُهُ وَسُفِّهَ فِي رَأْيِهِ، مَعَ أَنَّ حَالَهُمَا لِوُجُودِهِمَا وَاتِّصَافَهُمَا بِصِفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَأَصْلِ الْفَهْمِ وَقَبُولَهُمَا لِلتَّأْدِيبِ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ أَقْرَبُ إِلَى الْخِطَابِ لَهُمَا مِمَّنْ لَا وُجُودَ لَهُ (١) . احْتَجَّ الْخُصُومُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﷺ : " «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» " (٢) ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ خِطَابُهُ مُتَنَاوِلًا لِمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إِلَيْهِ وَلَا مُبَلِّغًا إِلَيْهِ شَرْعَ اللَّهِ، تَعَالَى، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ : " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " (٣) ، وَلَفْظُ (الْجَمَاعَةِ) يَسْتَغْرِقُ كُلَّ مَنْ بَعْدَهُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ عَلَى مَنْ فِي زَمَانِهِ حُكْمًا عَلَى غَيْرِهِمْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ.

стр. 556

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينِ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا مَا زَالُوا يَحْتَجُّونَ فِي الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَوْلَا عُمُومُ تِلْكَ الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ لِمَنْ وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَا كَانَ التَّمَسُّكُ بِهَا صَحِيحًا، وَكَانَ الِاسْتِرْوَاحُ إِلَيْهَا خَطَأً، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ التَّخْصِيصَ بِبَعْضِ الْأُمَّةِ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ خِطَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْوَاحِدِ هَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلْبَاقِينَ؟ وَلَوْلَا أَنَّ الْخِطَابَ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ يَكُونُ خِطَابًا لِلْكُلِّ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّخْصِيصِ. وَالْجَوَابُ عَلَى النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ مَبْعُوثًا إِلَى النَّاسِ كَافَّةً أَنَّهَا إِنَّمَا تَلْزَمُ أَنْ لَوْ تَوَقَّفَ مَفْهُومُ الرِّسَالَةِ وَالْبَعْثَةِ إِلَى كُلِّ النَّاسِ عَلَى الْمُخَاطَبَةِ لِلْكُلِّ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ شِفَاهًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِتَعْرِيفِ الْبَعْضِ بِالْمُشَافَهَةِ وَتَعْرِيفِ الْبَعْضِ بِنَصْبِ الدَّلَائِلِ وَالْأَمَارَاتِ، وَقِيَاسِ بَعْضِ الْوَقَائِعِ عَلَى بَعْضٍ (١) . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ بِالْخِطَابِ شِفَاهًا لِقِلَّةِ النُّصُوصِ وَنُدْرَتِهَا وَكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ (٢) ، وَمَا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ رَسُولًا وَلَا مُبَلِّغًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ بِالْخِطَابِ شِفَاهًا. فَإِنْ قِيلَ: وَالدَّلَائِلُ الَّتِي يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ الْخِطَابِ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، إِنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا حُجَّةً بِالدَّلَائِلِ الْخِطَابِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْخِطَابُ الْمَوْجُودُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ بَعْدَهُ فَقَدْ تَعَذَّرَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَيْهِ.

стр. 557

قُلْنَا: أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ كَوْنِهَا حُجَّةً بِالنَّقْلِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَكَمَ بِكَوْنِهَا حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ (١) . وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " فَالْكَلَامُ فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِهِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَوَّلِ. وَأَمَّا انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَشْبَهُ حُجَجِ الْخُصُومِ، فَجَوَابُهُ أَنَّا بَيَّنَّا امْتِنَاعَ الْمُخَاطَبَةِ لِمَنْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بِمَا لَا مِرَاءَ فِيهِ (٢) . وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ اسْتِنَادِ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ إِلَى النُّصُوصِ مِنْ جِهَةِ مَعْقُولِهَا، لَا مِنْ جِهَةِ أَلْفَاظِهَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْنَى فَقَدْ سَبَقَ جَوَابُهُ فِي مَسْأَلَةِ خِطَابِ النَّبِيِّ لِلْوَاحِدِ مِنَ الْأُمَّةِ (٣) .

стр. 558

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ الْمُخَاطَبِ هَلْ يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ لُغَةً أَوْ لَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ (١) اخْتَلَفُوا فِي الْمُخَاطَبِ هَلْ يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ لُغَةً أَوْ لَا؟ وَالْمُخْتَارُ دُخُولُهُ، وَعَلَيْهِ اعْتِمَادُ الْأَكْثَرِينَ وَسَوَاءٌ كَانَ خِطَابُهُ الْعَامُّ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا أَوْ خَبَرًا. أَمَّا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، فَإِنَّ اللَّفْظَ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ كُلِّ شَيْءٍ مَعْلُومًا لِلَّهِ، تَعَالَى، وَذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ أَشْيَاءُ فَكَانَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ. وَالْأَمْرُ فَكَمَا لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَأَكْرِمْهُ، فَإِنَّ خِطَابَهُ لُغَةً يَقْتَضِي إِكْرَامَ كُلِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى الْعَبْدِ. فَإِذَا أَحْسَنَ السَّيِّدُ إِلَيْهِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُحْسِنِينَ إِلَى الْعَبْدِ، فَكَانَ إِكْرَامُهُ عَلَى الْعَبْدِ لَازِمًا بِمُقْتَضَى عُمُومِ خِطَابِ السَّيِّدِ. وَكَذَلِكَ فِي النَّهْيِ كَمَا إِذَا قَالَ لَهُ: مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ فَلَا تُسِئْ إِلَيْهِ، وَهَذَا فِي الْوُضُوحِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى الْإِطْنَابِ فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ لِلنَّصِّ وَالْمَعْنَى، أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ أَشْيَاءُ وَهُوَ غَيْرُ خَالِقٍ لَهَا، وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ خَبَرِهِ لَكَانَ خَالِقًا لَهَا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ بِدِرْهَمٍ، وَلَوْ دَخَلَ السَّيِّدُ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِينَ إِلَى الدَّارِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَحْسُنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِدِرْهَمٍ. وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ أَمْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ حَسَنًا. قُلْنَا: أَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهَا بِالنَّظَرِ إِلَى عُمُومِ اللَّفْظِ تَقْتَضِي كَوْنَ الرَّبِّ - تَعَالَى - خَالِقًا لِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُمْتَنِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَقْلًا كَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ دُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَخُرُوجِهِ عَنْهُ بِالتَّخْصِيصِ (٢) . ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمِثَالِ، فَإِنَّهُ بِعُمُومِهِ مُقْتَضٍ لِلتَّصَدُّقِ عَلَى السَّيِّدِ عِنْدَ دُخُولِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ وَالدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ امْتَنَعَ ثُبُوتُ حُكْمِ الْعُمُومِ فِي حَقِّهِ، وَلَا مُنَافَاةَ كَمَا سَبَقَ.

стр. 559

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْلِهِ تَعَالَى خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً هَلْ يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ مَالِ كُلِّ مَالِكٍ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ هَلْ يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ مَالِ كُلِّ مَالِكٍ أَوْ أَخْذَ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ؟ وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ (١) . احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَعْمِيمِ كُلِّ نَوْعٍ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - أَضَافَ الصَّدَقَةَ إِلَى جَمِيعِ الْأَمْوَالِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ وَالْجَمْعُ الْمُضَافُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِ أَرْبَابِهِ، فَنُزِّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ: خُذْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً، فَكَانَتِ الصَّدَقَةُ مُتَعَدِّدَةً بِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ. وَلِلنَّافِي أَنْ يَقُولَ: الْمَأْمُورُ بِهِ صَدَقَةٌ مُنَكَّرَةٌ مُضَافَةٌ إِلَى جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ، فَمَهْمَا أُخِذَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا مِنَ الْمَالِكِ صَدَقَةً، صَدَقَ قَوْلُ الْقَائِلِ: أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْوَاحِدَ جُزْءٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ. فَإِذَا أُخِذَتِ الصَّدَقَةُ مِنْ جُزْءِ الْمَالِ صَدَقَ أَخْذُهَا مِنَ الْمَالِ. وَلِهَذَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ كُلَّ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ مِنْ دَرَاهِمِ الْمَالِكِ وَدَنَانِيرِهِ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ مِنْ مَالِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ مِنْ خُصُوصِ كُلِّ دِرْهَمٍ وَدِينَارٍ لَهُ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لَا لِلْمُعَارِضِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ (٢) وَمَأْخَذُ الْكَرْخِيِّ دَقِيقٌ.

стр. 560

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ اللَّفْظُ الْعَامُّ إِذَا قَصَدَ بِهِ الْمُخَاطِبُ الذَّمَّ أَوِ الْمَدْحَ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ (١) اللَّفْظُ الْعَامُّ إِذَا قَصَدَ بِهِ الْمُخَاطِبُ الذَّمَّ أَوِ الْمَدْحَ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ عُمُومِهِ حَتَّى أَنَّهُ مَنَعَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِهِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ، مُصَيِّرًا مِنْهُ إِلَى أَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَقَعْ مَقْصُودًا فِي الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا سِيقَ لِقَصْدِ الذَّمِّ وَالْمَدْحِ مُبَالَغَةً فِي الْحَثِّ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ الزَّجْرِ عَنْهُ. وَخَالَفَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قَصْدَ الذَّمِّ أَوِ الْمَدْحِ، وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِلْمُتَكَلِّمِ فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِ الْعُمُومِ مَعَهُ إِذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدْ أَتَى بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْعُمُومِ فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَقْصُودَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا وَتَعْطِيلِ الْآخَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 561

[الصِّنْفُ الرَّابِعُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ] [مقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ وَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ] وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسْأَلَتَيْنِ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ، وَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ. أَمَّا التَّخْصِيصُ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ. أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ؛ فَلِأَنَّ الْخِطَابَ عِنْدَهُمْ مُنَزَّلٌ عَلَى أَقَلِّ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْهُ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الِاشْتِرَاكِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَمَلَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي بَعْضِ مَحَامِلِهِ لَا يَكُونُ إِخْرَاجًا لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ، بَلْ غَايَتُهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مَحَامِلِهِ دُونَ الْبَعْضِ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْوَقْفِ فَظَاهِرٌ، إِذِ اللَّفْظُ عِنْدَهُمْ مَوْقُوفٌ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ لِلْخُصُوصِ أَوْ لِلْعُمُومِ، وَهُوَ صَالِحٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْهُ. وَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لِلْخُصُوصِ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ إِذْ ذَاكَ دَلِيلًا عَلَى الْعُمُومِ، وَلَا مُتَنَاوِلًا لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِالْحَمْلِ عَلَى الْخَاصِّ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ عَلَى بَعْضِ مَحَامِلِهِ الصَّالِحِ لَهَا. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ فَغَايَتُهُ أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُمْ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ وَمَجَازٌ فِي الْخُصُوصِ. وَعَلَى هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْحَقِيقَةِ وَجَبَ إِجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْحَقِيقَةِ وَامْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ، وَجَبَ صَرْفُهُ إِلَى مَحْمَلِهِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ الْخُصُوصُ. وَعِنْدَ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ لَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ، وَهِيَ الِاسْتِغْرَاقُ، فَلَا تَحَقُّقَ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ إِذْ هُوَ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَجَازِ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَقِيقَةِ. وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَأَنَّ هَذَا عَامٌّ مُخَصَّصٌ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً.

стр. 562

وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَالتَّخْصِيصُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَرْبَابِ الْعُمُومِ هُوَ تَعْرِيفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْعُمُومِ حَقِيقَةً، إِنَّمَا هُوَ الْخُصُوصُ وَعَلَى مَا يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَرْبَابِ الِاشْتِرَاكِ تَعْرِيفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الصَّالِحِ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إِنَّمَا هُوَ الْخُصُوصُ. وَالْمُعَرِّفُ لِذَلِكَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ يُسَمَّى مُخَصِّصًا، وَاللَّفْظُ الْمَصْرُوفُ عَنْ جِهَةِ الْعُمُومِ إِلَى الْخُصُوصِ مُخَصَّصًا (١) . وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مَعْنَى الشُّمُولِ. كَقَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ: " «تُجْزِئُكَ وَلَا تُجِزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» " فَلَا يُتَصَوَّرُ تَخْصِيصُهُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ عَلَى مَا عُرِفَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ جِهَةِ الْعُمُومِ إِلَى جِهَةِ الْخُصُوصِ، وَمَا لَا عُمُومَ لَهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ هَذَا الصَّرْفُ. وَأَمَّا مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الشُّمُولُ وَالْعُمُومُ فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّخْصِيصُ، وَسَوَاءٌ كَانَ خِطَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ خِطَابًا كَالْعِلَّةِ الشَّامِلَةِ لِإِمْكَانِ صَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ عُمُومِهِ إِلَى جِهَةِ خُصُوصِهِ. هَذَا إِتْمَامُ الْمُقَدِّمَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ] وَأَمَّا الْمَسَائِلُ فَمَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنَ الْإِخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِشُذُوذٍ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ فِي تَخْصِيصِهِ الْخَبَرَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الشَّرْعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الشَّرْعُ، فَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وَلَيْسَ خَالِقًا لِذَاتِهِ وَلَا قَادِرًا عَلَيْهَا وَهِيَ شَيْءٌ. وَقَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَلَمْ تَجْعَلْهَا رَمِيمًا. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، (أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ حَتَّى إِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَمْ يَرِدْ عَامٌّ إِلَّا وَهُوَ مُخَصَّصٌ إِلَّا فِي قَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا لَمَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ.

стр. 563

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَخَصُّصِ الْعُمُومِ سِوَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ جِهَةِ الْعُمُومِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ إِلَى جِهَةِ الْخُصُوصِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَالتَّجَوُّزُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي ذَاتِهِ. وَلِهَذَا لَوْ قَدَّرْنَا وُقُوعَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُحَالُ عَنْهُ لِذَاتِهِ، وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَضْعِ اللُّغَةِ. وَلِهَذَا يَصِحُّ مِنَ اللُّغَوِيِّ أَنْ يَقُولَ: جَاءَنِي كُلُّ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى الدَّاعِي إِلَى ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ كُلِّ مَانِعٍ سِوَى ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْأَوَامِرِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ فِيهَا خِلَافًا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) مَعَ خُرُوجِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَارِقٍ يُقْطَعُ، وَلَا كُلُّ زَانٍ يُجْلَدُ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مَعَ خُرُوجِ الْكَافِرِ وَالرَّقِيقِ وَالْقَاتِلِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْخَبَرِ مِمَّا يُوجِبُ الْكَذِبَ فِي الْخَبَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُخْبِرِ لِلْخَبَرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الشَّارِعِ كَمَا فِي نَسْخِ الْخَبَرِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الْكَذِبِ، وَلَا وَهْمَ الْكَذِبِ، بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ جِهَةِ الْمَجَازِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ. وَإِلَّا كَانَ الْقَائِلُ إِذَا قَالَ: " رَأَيْتُ أَسَدًا " وَأَرَادَ بِهِ الْإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا إِذَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْأَسَدَ الْحَقِيقِيَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ نَسْخِ الْخَبَرِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ (١) . [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ إِلَيْهَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ وَتَخْصِيصِهِ فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ إِلَيْهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ انْتِهَاءِ التَّخْصِيصِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إِلَى الْوَاحِدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي (مِنْ) خَاصَّةً دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ كَالرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ نِهَايَةَ التَّخْصِيصِ فِيهَا أَنْ يَبْقَى تَحْتَهَا ثَلَاثَةٌ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَفَّالِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ نِهَايَةَ التَّخْصِيصِ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ جَمْعًا كَثِيرًا يُعْرَفُ

стр. 564

مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَدَّدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا (١) . احْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ الِانْتِهَاءَ فِي التَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ بِالنَّصِّ، وَالْإِطْلَاقِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَأَرَادَ بِهِ نَفْسَهُ وَحْدَهُ. وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ أَنْفَذَ إِلَيْهِ الْقَعْقَاعَ مَعَ أَلْفِ فَارِسٍ: " قَدْ أَنْفَذْتُ إِلَيْكَ أَلْفَيْ رَجُلٍ "، أَطْلَقَ اسْمَ الْأَلْفِ الْأُخْرَى وَأَرَادَ بِهَا الْقَعْقَاعَ (٢) . وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ الِانْتِهَاءُ فِي التَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ صَارَ مَجَازًا، أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَوْ قِيلَ بِكَوْنِهِ مَانِعًا لَزِمَ امْتِنَاعُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ مُطْلَقًا وَلَا بِعَدَدٍ مَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَجَازًا فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَغَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَعْضٌ مِنَ الْكُلِّ يَكُونُ مَجَازًا كَمَا فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكَثْرَةِ، فَإِذَا جَازَ التَّجَوُّزُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ عَنِ الْكَثْرَةِ فَكَذَا فِي الْوَاحِدِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْوَاحِدِ. وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ الْعُمَرِيُّ فَمَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِ بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَلْفِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْنَى التَّخْصِيصِ.

стр. 565

وَأَمَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَلَا نُسَلِّمُ الْحَصْرَ فِيمَا قِيلَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ، بَلِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ لُغَةً. وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي: فَمَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ مَجَازًا، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْبَلَدِ، وَأَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ فِي الدَّارِ، وَكَانَ فِيهَا تَقْدِيرًا أَلْفُ رُمَّانَةٍ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ شَخْصًا وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثَةً، وَأَكَلَ رُمَّانَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثَ رُمَّانَاتٍ، فَإِنَّ كَلَامَهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبَحًا مُسْتَهْجَنًا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ، أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: مَنْ عِنْدَكَ؟ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِهِ زَيْدًا وَحْدَهُ أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصِ مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَانَ قَبِيحًا مُسْتَهْجَنًا، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى الْكَثْرَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُوَافِقًا مُطَابِقًا لِوَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنَ السَّدَادِ، وَقَدْ قَلَّدَهُ فِيهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ إِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَهْجَنًا مِنْهُ، إِذَا كَانَ مُرِيدًا لِلْوَاحِدِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ بِهِ قَرِينَةٌ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَبَيَانُ ذَلِكَ، النَّصُّ وَصِحَّةُ الْإِطْلَاقِ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ، وَأَرَادَ بِالنَّاسِ الْقَائِلِينَ، نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ (١) بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ، وَلَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ مُسْتَهْجَنًا لِاقْتِرَانِهِ بِالدَّلِيلِ. وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَصِحَّةُ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَكَلْتُ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَشَرِبْتُ الْمَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ جِنْسِ مَدْلُولَاتِ اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَقْبَحًا لِاقْتِرَانِهِ بِالدَّلِيلِ. نَعَمْ إِذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْهُ إِرَادَةَ الْكُلِّ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْكَثْرَةِ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلْوَاحِدِ الْبَعِيدِ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ دَلِيلٍ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَهْجَنًا. وَإِذَا عُرِفَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَعَلَيْكَ بِالِاجْتِهَادِ فِي التَّرْجِيحِ (٢) .
следующие страницы →