← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[الصِّنْفُ الرَّابِعُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ] [مقَدِّمَةُ فِي بَيَانِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ وَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ] وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسْأَلَتَيْنِ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي بَيَانِ مَعْنَى التَّخْصِيصِ، وَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ. أَمَّا التَّخْصِيصُ فَقَدْ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: هُوَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ. أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْخُصُوصِ؛ فَلِأَنَّ الْخِطَابَ عِنْدَهُمْ مُنَزَّلٌ عَلَى أَقَلِّ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْهُ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الِاشْتِرَاكِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَمَلَ بِاللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي بَعْضِ مَحَامِلِهِ لَا يَكُونُ إِخْرَاجًا لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ، بَلْ غَايَتُهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مَحَامِلِهِ دُونَ الْبَعْضِ. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْوَقْفِ فَظَاهِرٌ، إِذِ اللَّفْظُ عِنْدَهُمْ مَوْقُوفٌ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ لِلْخُصُوصِ أَوْ لِلْعُمُومِ، وَهُوَ صَالِحٌ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ إِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْهُ. وَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لِلْخُصُوصِ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ إِذْ ذَاكَ دَلِيلًا عَلَى الْعُمُومِ، وَلَا مُتَنَاوِلًا لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِالْحَمْلِ عَلَى الْخَاصِّ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ عَلَى بَعْضِ مَحَامِلِهِ الصَّالِحِ لَهَا. وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَرْبَابِ الْعُمُومِ فَغَايَتُهُ أَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُمْ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ وَمَجَازٌ فِي الْخُصُوصِ. وَعَلَى هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْحَقِيقَةِ وَجَبَ إِجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى جَمِيعِ مَحَامِلِهِ مِنْ غَيْرِ إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهَا. وَإِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْحَقِيقَةِ وَامْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ، وَجَبَ صَرْفُهُ إِلَى مَحْمَلِهِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ الْخُصُوصُ. وَعِنْدَ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ لَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ، وَهِيَ الِاسْتِغْرَاقُ، فَلَا تَحَقُّقَ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَابُ عَنْهُ إِذْ هُوَ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَجَازِ لَا يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْحَقِيقَةِ. وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَأَنَّ هَذَا عَامٌّ مُخَصَّصٌ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً.

стр. 562

وَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ، فَالتَّخْصِيصُ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَرْبَابِ الْعُمُومِ هُوَ تَعْرِيفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْعُمُومِ حَقِيقَةً، إِنَّمَا هُوَ الْخُصُوصُ وَعَلَى مَا يُنَاسِبُ مَذْهَبَ أَرْبَابِ الِاشْتِرَاكِ تَعْرِيفُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الصَّالِحِ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إِنَّمَا هُوَ الْخُصُوصُ. وَالْمُعَرِّفُ لِذَلِكَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ يُسَمَّى مُخَصِّصًا، وَاللَّفْظُ الْمَصْرُوفُ عَنْ جِهَةِ الْعُمُومِ إِلَى الْخُصُوصِ مُخَصَّصًا (١) . وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ خِطَابٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مَعْنَى الشُّمُولِ. كَقَوْلِهِ ﷺ لِأَبِي بُرْدَةَ: " «تُجْزِئُكَ وَلَا تُجِزِئُ أَحَدًا بَعْدَكَ» " فَلَا يُتَصَوَّرُ تَخْصِيصُهُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ عَلَى مَا عُرِفَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ جِهَةِ الْعُمُومِ إِلَى جِهَةِ الْخُصُوصِ، وَمَا لَا عُمُومَ لَهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ هَذَا الصَّرْفُ. وَأَمَّا مَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الشُّمُولُ وَالْعُمُومُ فَيُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّخْصِيصُ، وَسَوَاءٌ كَانَ خِطَابًا أَوْ لَمْ يَكُنْ خِطَابًا كَالْعِلَّةِ الشَّامِلَةِ لِإِمْكَانِ صَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ عُمُومِهِ إِلَى جِهَةِ خُصُوصِهِ. هَذَا إِتْمَامُ الْمُقَدِّمَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ] وَأَمَّا الْمَسَائِلُ فَمَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنَ الْإِخْبَارِ وَالْأَمْرِ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِشُذُوذٍ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ فِي تَخْصِيصِهِ الْخَبَرَ. وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الشَّرْعُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الشَّرْعُ، فَوُقُوعُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وَلَيْسَ خَالِقًا لِذَاتِهِ وَلَا قَادِرًا عَلَيْهَا وَهِيَ شَيْءٌ. وَقَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَلَمْ تَجْعَلْهَا رَمِيمًا. وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ، (أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْخَبَرِيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ حَتَّى إِنَّهُ قَدْ قِيلَ: لَمْ يَرِدْ عَامٌّ إِلَّا وَهُوَ مُخَصَّصٌ إِلَّا فِي قَوْلِهِ، تَعَالَى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا لَمَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ.

стр. 563

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَخَصُّصِ الْعُمُومِ سِوَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ جِهَةِ الْعُمُومِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ إِلَى جِهَةِ الْخُصُوصِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَالتَّجَوُّزُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي ذَاتِهِ. وَلِهَذَا لَوْ قَدَّرْنَا وُقُوعَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْمُحَالُ عَنْهُ لِذَاتِهِ، وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَضْعِ اللُّغَةِ. وَلِهَذَا يَصِحُّ مِنَ اللُّغَوِيِّ أَنْ يَقُولَ: جَاءَنِي كُلُّ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى الدَّاعِي إِلَى ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ كُلِّ مَانِعٍ سِوَى ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْأَوَامِرِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ فِيهَا خِلَافًا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) مَعَ خُرُوجِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَارِقٍ يُقْطَعُ، وَلَا كُلُّ زَانٍ يُجْلَدُ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مَعَ خُرُوجِ الْكَافِرِ وَالرَّقِيقِ وَالْقَاتِلِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْخَبَرِ مِمَّا يُوجِبُ الْكَذِبَ فِي الْخَبَرِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمُخْبِرِ لِلْخَبَرِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الشَّارِعِ كَمَا فِي نَسْخِ الْخَبَرِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الْكَذِبِ، وَلَا وَهْمَ الْكَذِبِ، بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ جِهَةِ الْمَجَازِ، وَقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ. وَإِلَّا كَانَ الْقَائِلُ إِذَا قَالَ: " رَأَيْتُ أَسَدًا " وَأَرَادَ بِهِ الْإِنْسَانَ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا إِذَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْأَسَدَ الْحَقِيقِيَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ. وَعَلَى هَذَا فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ نَسْخِ الْخَبَرِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ (١) . [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ إِلَيْهَا] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ وَتَخْصِيصِهِ فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ انْتِهَاءُ التَّخْصِيصِ إِلَيْهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ انْتِهَاءِ التَّخْصِيصِ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ إِلَى الْوَاحِدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي (مِنْ) خَاصَّةً دُونَ مَا عَدَاهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ كَالرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ نِهَايَةَ التَّخْصِيصِ فِيهَا أَنْ يَبْقَى تَحْتَهَا ثَلَاثَةٌ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْقَفَّالِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ نِهَايَةَ التَّخْصِيصِ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ جَمْعًا كَثِيرًا يُعْرَفُ

стр. 564

مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَدَّدًا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا (١) . احْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ الِانْتِهَاءَ فِي التَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ بِالنَّصِّ، وَالْإِطْلَاقِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وَأَرَادَ بِهِ نَفْسَهُ وَحْدَهُ. وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقَدْ أَنْفَذَ إِلَيْهِ الْقَعْقَاعَ مَعَ أَلْفِ فَارِسٍ: " قَدْ أَنْفَذْتُ إِلَيْكَ أَلْفَيْ رَجُلٍ "، أَطْلَقَ اسْمَ الْأَلْفِ الْأُخْرَى وَأَرَادَ بِهَا الْقَعْقَاعَ (٢) . وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ الِانْتِهَاءُ فِي التَّخْصِيصِ إِلَى الْوَاحِدِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ صَارَ مَجَازًا، أَوْ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِيهِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ لَوْ قِيلَ بِكَوْنِهِ مَانِعًا لَزِمَ امْتِنَاعُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ مُطْلَقًا وَلَا بِعَدَدٍ مَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَجَازًا فِي ذَلِكَ الْعَدَدِ، وَغَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي الْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بَعْضٌ مِنَ الْكُلِّ يَكُونُ مَجَازًا كَمَا فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْكَثْرَةِ، فَإِذَا جَازَ التَّجَوُّزُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ عَنِ الْكَثْرَةِ فَكَذَا فِي الْوَاحِدِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّخْصِيصِ بِالْوَاحِدِ. وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ الْعُمَرِيُّ فَمَحْمُولٌ عَلَى قَصْدِ بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَلْفِ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْنَى التَّخْصِيصِ.

стр. 565

وَأَمَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَلَا نُسَلِّمُ الْحَصْرَ فِيمَا قِيلَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ، بَلِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ لُغَةً. وَأَمَّا الْمَعْنَى الثَّانِي: فَمَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ مَجَازًا، وَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: قَتَلْتُ كُلَّ مَنْ فِي الْبَلَدِ، وَأَكَلْتُ كُلَّ رُمَّانَةٍ فِي الدَّارِ، وَكَانَ فِيهَا تَقْدِيرًا أَلْفُ رُمَّانَةٍ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ شَخْصًا وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثَةً، وَأَكَلَ رُمَّانَةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثَ رُمَّانَاتٍ، فَإِنَّ كَلَامَهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبَحًا مُسْتَهْجَنًا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ، أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: مَنْ عِنْدَكَ؟ وَقَالَ: أَرَدْتُ بِهِ زَيْدًا وَحْدَهُ أَوْ ثَلَاثَةَ أَشْخَاصِ مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ كَانَ قَبِيحًا مُسْتَهْجَنًا، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا حُمِلَ عَلَى الْكَثْرَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ مُوَافِقًا مُطَابِقًا لِوَضْعِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ، وَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنَ السَّدَادِ، وَقَدْ قَلَّدَهُ فِيهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ إِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ مُسْتَهْجَنًا مِنْهُ، إِذَا كَانَ مُرِيدًا لِلْوَاحِدِ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ بِهِ قَرِينَةٌ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَبَيَانُ ذَلِكَ، النَّصُّ وَصِحَّةُ الْإِطْلَاقِ. أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ ، وَأَرَادَ بِالنَّاسِ الْقَائِلِينَ، نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ (١) بِعَيْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ النَّاسِ، وَلَمْ يُعَدَّ ذَلِكَ مُسْتَهْجَنًا لِاقْتِرَانِهِ بِالدَّلِيلِ. وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَصِحَّةُ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَكَلْتُ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ وَشَرِبْتُ الْمَاءَ، وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ جِنْسِ مَدْلُولَاتِ اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَقْبَحًا لِاقْتِرَانِهِ بِالدَّلِيلِ. نَعَمْ إِذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْهُ إِرَادَةَ الْكُلِّ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْكَثْرَةِ، وَهُوَ مُرِيدٌ لِلْوَاحِدِ الْبَعِيدِ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِ دَلِيلٍ بِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُسْتَهْجَنًا. وَإِذَا عُرِفَ ضَعْفُ الْمَأْخَذِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَعَلَيْكَ بِالِاجْتِهَادِ فِي التَّرْجِيحِ (٢) .

стр. 566

[الصِّنْفُ الْخَامِسُ فِي أَدِلَّةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْأَدِلَّةِ الْمُتَّصِلَةِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ] [مُقَدِّمَةُ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَصِيَغِهِ وَأَقْسَامِهِ] وَهِيَ قِسْمَانِ: مُتَّصِلَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِي الْأَدِلَّةِ الْمُتَّصِلَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الِاسْتِثْنَاءُ، وَالشَّرْطُ، وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الِاسْتِثْنَاءُ وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ وَمَسَائِلُ: أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَصِيَغِهِ وَأَقْسَامِهِ. أَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ: فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ قَوْلٌ ذُو صِيَغٍ مَخْصُوصَةٍ مَحْصُورَةٍ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهِ لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِآحَادِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ كَقَوْلِنَا: جَاءَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ بِذِي صِيَغٍ، بَلْ صِيغَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ إِلَّا زَيْدًا. الثَّانِي: أَنَّهُ يُبْطَلُ بِالْأَقْوَالِ الْمُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ الْخَارِجَةِ عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّهَا صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ وَهِيَ مَحْصُورَةٌ لِاسْتِحَالَةِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ النِّهَايَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ بِهَا لَمْ يُرَدْ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَتْ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي شَيْءٍ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْبَلَدِ، وَلَمْ أَرَ زَيْدًا، وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ، وَالْفَاسِقُ مِنْهُمْ أَهِنْهُ، وَأَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ عُلَمَاءُ وَزَيْدٌ جَاهِلٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَبَحِّرِينَ مِنَ النُّحَاةِ: الِاسْتِثْنَاءُ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ عَنِ الْجُمْلَةِ بِلَفْظِ (إِلَّا) أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهُوَ مُنْتَقَضٌ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ أَهْلَ الْبَلَدِ وَلَمْ أَرَ زَيْدًا، فَإِنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ قَوْلِهِ: إِلَّا زَيْدًا فِي إِخْرَاجِ بَعْضِ الْجُمْلَةِ عَنِ الْجُمْلَةِ، وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ.

стр. 567

وَقِيلَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا يَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا لِإِخْرَاجِ بَعْضِهِ بِلَفْظِ (إِلَّا) وَلَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ أَيْضًا مَدْخُولٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا لِإِخْرَاجِ بَعْضِ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ إِخْرَاجًا لِبَعْضِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: جَاءَ الْقَوْمُ غَيْرَ زَيْدٍ، فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ (غَيْرَ) قَدْ وُجِدَ فِيهَا جَمِيعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْقُيُودِ سِوَى قَوْلِهِ: لَا يَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا لِإِخْرَاجِ بَعْضِهِ. فَإِنَّ (غَيْرَ) قَدْ يَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِغَرَضِ النَّعْتِيَّةِ إِذَا لَمْ يَجُزْ فِي مَوْضِعِهَا (إِلَّا) كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ غَيْرُ جَيِّدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ فِي مَوْضِعِهَا: عِنْدِي دِرْهَمٌ إِلَّا جَيِّدًا فَلَا جَرَمَ كَانَتْ نَعْتًا لِلدِّرْهَمِ وَتَابِعَةً لَهُ فِي إِعْرَابِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْتَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ غَيْرَ قِيرَاطٍ، فَإِنَّ (غَيْرَ) تَكُونُ اسْتِثْنَائِيَّةً مَنْصُوبَةً لِإِمْكَانِ دُخُولِ (إِلَّا) فِي مَوْضِعِهَا. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هَاهُنَا: إِنَّ النَّعْتِيَّةَ لَيْسَتِ اسْتِثْنَائِيَّةً فَلَا تَرِدُ عَلَى الْحَدِّ. وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ لَفْظٍ مُتَّصِلٍ بِجُمْلَةٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ دَالٍّ بِحَرْفِ (إِلَّا) أَوْ أَخَوَاتِهَا عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا غَايَةٍ. فَقَوْلُنَا: (لَفْظٍ) احْتِرَازٌ عَنِ الدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْصِيصِ. وَقَوْلُنَا: (مُتَّصِلٍ بِجُمْلَةٍ) احْتِرَازٌ عَنِ الدَّلَائِلِ الْمُنْفَصِلَةِ. وَقَوْلُنَا: (وَلَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْلِنَا: قَامَ الْقَوْمُ وَزَيْدٌ لَمْ يَقُمْ، وَقَوْلُنَا: (دَالٍّ) احْتِرَازٌ عَنِ الصِّيَغِ الْمُهْمَلَةِ. وَقَوْلُنَا: (عَلَى أَنَّ مَدْلُولَهُ غَيْرُ مُرَادٍ مِمَّا اتَّصَلَ بِهِ) احْتِرَازٌ عَنِ الْأَسْمَاءِ الْمُؤَكِّدَةِ وَالنَّعْتِيَّةِ. كَقَوْلِ الْقَائِلِ: جَاءَنِي الْقَوْمُ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ. وَقَوْلُنَا: (بِحَرْفِ (إِلَّا) أَوْ أَخَوَاتِهَا) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِنَا: قَامَ الْقَوْمُ دُونَ زَيْدٍ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ أَكْثَرِ الْإِلْزَامَاتِ السَّابِقِ ذِكْرُهَا. وَقَوْلُنَا: (لَيْسَ بِشَرْطٍ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِعَبْدِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَكْرِمْهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَقَوْلُنَا: (لَيْسَ بِصِفَةٍ) احْتِرَازٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: جَاءَنِي بَنُو تَمِيمٍ الطُّوَالُ.

стр. 568

وَقَوْلُنَا: (لَيْسَ بِغَايَةٍ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِعَبْدِهِ: (أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا الدَّارَ) وَهَذَا الْحَدُّ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ. وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ فَصِيَغُهُ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ إِلَّا وَغَيْرُ وَسِوَى وَخَلَا وَحَاشَا وَعَدَا وَمَا عَدَا وَمَا خَلَا، وَلَيْسَ وَلَا يَكُونُ وَنَحْوُهُ. وَأُمُّ الْبَابِ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ (إِلَّا) لِكَوْنِهَا حَرْفًا مُطْلَقًا، وَلِوُقُوعِهَا فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا غَيْرُ. وَلَهَا أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْإِعْرَابِ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْأَدَبِ، لَا مُنَاسَبَةَ لِذِكْرِهَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ كَمَا قَدْ فَعَلَهُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حُبُّ الْعَرَبِيَّةِ. وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ، وَمِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ عَنْ قَرِيبٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ مَعَ الِاتِّصَالِ كَقَوْلِكَ: خَرَجَ إِلَّا زَيْدًا الْقَوْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: فَمَا لِيَ إِلَّا آلَ أَحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَمَا لِيَ إِلَّا مَذْهَبَ الْحَقِّ مَذْهَبُ . (١) وَيَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ اسْتَثْنَى آلَ لُوطٍ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَاسْتَثْنَى الْمَرْأَةَ مِنَ الْآلِ الْمُنْجَيْنَ مِنَ الْهَلَاكِ. وَهَذَا مَا أَرَدْنَا ذِكْرَهُ مِنَ الْمُقَدِّمَةِ. وَأَمَّا الْمَسَائِلُ فَخَمْسٌ:

стр. 569

[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى شَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى شَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ حَقِيقَةً، مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ فَاصِلٍ بَيْنَهُمَا أَوْ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ مَا لَا يُعَدُّ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ آتِيًا بِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ عُرْفًا، وَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا فَاصِلٌ بِانْقِطَاعِ النَّفَسِ أَوْ سُعَالٍ مَانِعٍ مِنَ الِاتِّصَالِ حَقِيقَةً. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ شَهْرًا. وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْنَاءِ لَفْظًا، لَكِنْ مَعَ إِضْمَارِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ مَدِينًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَلَعَلَّهُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - دُونَ غَيْرِهِ. حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِالِاتِّصَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» " وَرُوِيَ: " «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ". (١) وَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْفَصِلُ صَحِيحًا لَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا مُخَلِّصًا لِلْحَالِفِ عِنْدَ تَأَمُّلِ الْخَيْرِ فِي الْبِرِّ وَعَدَمِ الْحِنْثِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا يَقْصِدُ التَّيْسِيرَ وَالتَّسْهِيلَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْسَرُ وَأَسْهَلُ مِنَ التَّكْفِيرِ، فَحَيْثُ لَمْ يُرْشِدْ إِلَيْهِ دَلَّ عَلَى عَدَمِ صِحَّتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ كَلَامًا مُنْتَظِمًا وَلَا مَعْدُودًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ: إِلَّا دِرْهَمًا، وَقَالَ: رَأَيْتُ بَنِي تَمِيمٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ: إِلَّا زَيْدًا، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ اسْتِثْنَاءً وَلَا كَلَامًا صَحِيحًا كَمَا لَوْ قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ: قَائِمًا، فَإِنَّهُمْ لَا يَعُدُّونَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرًا عَنْ زَيْدٍ بِشَيْءٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَكْرِمْ زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَهْرٍ: إِنْ دَخَلَ دَارِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ شَرْطًا.

стр. 570

الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ لَمَا عُلِمَ صِدْقُ صَادِقٍ، وَلَا كَذِبُ كَاذِبٍ، وَلَا حَصَلَ وُثُوقٌ بِيَمِينٍ، وَلَا وَعْدٌ وَلَا وَعِيدٌ، وَلَا حَصَلَ الْجَزْمُ بِصِحَّةِ عَقْدِ نِكَاحٍ وَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، وَلَا لُزُومُ مُعَامَلَةٍ أَصْلًا؛ لِإِمْكَانِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّلَاعُبِ وَإِبْطَالِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ. احْتَجَّ الْخُصُومُ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا» " ثُمَّ سَكَتَ وَقَالَ بَعْدَهُ: " إِنْ شَاءَ اللَّهُ "، وَلَوْلَا صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ السُّكُوتِ لَمَا فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ مُقْتَدًى بِهِ. وَأَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ سَأَلَتْهُ الْيَهُودُ عَنْ عِدَّةِ أَهْلِ الْكَهْفِ وَعَنْ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ فِيهِ، فَقَالَ: غَدًا أُجِيبُكُمْ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَتَأَخَّرَ عَنْهُ الْوَحْيُ مُدَّةَ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ . فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ بِخَبَرِهِ الْأَوَّلِ (١) . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا لَمَا فَعَلَهُ. الثَّانِي: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، وَمِنْ أَفْصَحِ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَقَدْ قَالَ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانٌ وَتَخْصِيصٌ لِلْكَلَامِ الْأَوَّلِ، فَجَازَ تَأْخِيرُهُ كَالنَّسْخِ وَالْأَدِلَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ الْمُخَصِّصَةِ لِلْعُمُومِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَافِعٌ لِحُكْمِ الْيَمِينِ فَجَازَ تَأْخِيرُهُ كَالْكَفَّارَةِ.

стр. 571

وَالْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ: أَنَّ سُكُوتَهُ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنَ السُّكُوتِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِالِاتِّصَالِ الْحُكْمِيِّ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ، وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ مُوَافَقَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ. وَعَنِ الْخَبَرِ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " لَيْسَ عَائِدًا إِلَى خَبَرِ الْأَوَّلِ، بَلْ إِلَى ذِكْرِ رَبِّهِ إِذَا نَسِيَ، تَقْدِيرُهُ: أَذْكُرُ رَبِّي إِذَا نَسِيتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَذَلِكَ كَمَا إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: افْعَلْ كَذَا فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَيْ أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَعَنِ الْمَنْقُولِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ صَحَّ ذَلِكَ (١) فَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ إِضْمَارِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَدِينُ الْمُكَلَّفُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ تَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ لَفْظًا وَهُوَ غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ أَيْضًا مَخْصُومٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى إِبْطَالِهِ مِمَّنْ سِوَاهُ. وَعَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ فَلَا يَصِحُّ لِمَا سَبَقَ. ثُمَّ هُوَ مَنْقُوضٌ بِالْخَبَرِ وَالشَّرْطِ كَمَا سَبَقَ. كَيْفَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَاقِعٌ مِنْ جِهَةِ الْجُمْلَةِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ التَّخْصِيصَ قَدْ يَكُونُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْحِسَّ؟ وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّسْخِ، أَنَّ النَّسْخَ مِمَّا يَمْتَنِعُ اتِّصَالُهُ بِالْمَنْسُوخِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَعَنِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ بِالْفَرْقِ: وَهُوَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ رَافِعَةٌ لِإِثْمِ الْحِنْثِ لَا لِنَفْسِ الْحِنْثِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مَانِعٌ مِنَ الْحِنْثِ، فَمَا الْتَقَيَا فِي الْحُكْمِ حَتَّى يَصِحَّ قِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. كَيْفَ، وَإِنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَلَا قِيَاسَ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَا سَبَقَ؟ [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، فَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالنُّحَاةُ وَمَنَعَ مِنْهُ الْأَكْثَرُونَ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالنَّفْيِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْإِثْبَاتِ.

стр. 572

احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالْبُطْلَانِ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اسْتِفْعَالٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّنْيِ، وَمِنْهُ تَقُولُ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إِذَا عَطَفْتَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، وَثَنَيْتُ فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ، وَثَنَيْتُ عِنَانَ الْفَرَسِ. وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ اسْتِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: رَأَيْتُ النَّاسَ إِلَّا الْحُمُرَ؛ لِأَنَّ الْحُمُرَ الْمُسْتَثْنَاةَ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مَدْلُولِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ حَتَّى يُقَالَ بِإِخْرَاجِهَا وَثَنْيِهَا عَنْهُ، بَلِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَلَا تَعَلُّقَ لِلثَّانِي بِالْأَوَّلِ أَصْلًا. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا تَحَقُّقُ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِنَاءً عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الِاشْتِرَاكُ مِنَ الْمَعْنَى بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِلَّا لَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا وَهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي مَعْنًى عَامٍّ لَهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: جَاءَ الْعُلَمَاءُ إِلَّا الْكِلَابَ، وَقَدِمَ الْحُجَّاجُ إِلَّا الْحَمِيرَ كَانَ مُسْتَهْجَنًا لُغَةً وَعَقْلًا، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يَكُونُ وَضْعُهُ مُضَافًا إِلَى أَهْلِ اللُّغَةِ؟ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَأْخُوذٌ مِنَ الثَّنْيِ، بَلْ مِنَ التَّثْنِيَةِ، وَكَأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ وَاحِدًا فَثُنِّيَ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَأْخُوذًا مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ لَكَانَ كُلُّ مَا وُجِدَ فِيهِ مَعْنَى التَّثْنِيَةِ مِنَ الْكَلَامِ اسْتِثْنَاءً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ مَأْخُوذًا مِنَ الثَّنْيِ لَكَانَ كُلُّ مَا وُجِدَ فِيهِ الثَّنْيُ وَالْعَطْفُ اسْتِثْنَاءً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِهَذَا لَا يُقَالُ لِمَنْ عَطَفَ الثَّوْبَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ عَطَفَ عِنَانَ الْفَرَسِ إِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ. قَوْلُكُمْ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اسْتِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ دَعْوَى فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَكَيْفَ يُدَّعَى ذَلِكَ مَعَ قَوْلِ الْخَصْمِ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلَا دُخُولَ لِلْمُسْتَثْنَى تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؟ وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الِاسْتِقْبَاحِ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ صِحَّتِهِ فِي اللُّغَةِ. وَلِهَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ فِي دُعَائِهِ: يَا رَبَّ الْكِلَابِ وَالْحَمِيرِ وَخَالِقِهِمُ ارْزُقْنِي وَأَعْطِنِي كَانَ مُسْتَهْجَنًا، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى. ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ نَفْسِ الْمَلْفُوظِ بِهِ مُطَابَقَةً، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ صِحَّتِهِ، نَظَرًا إِلَى مَا وَقَعَ بِهِ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمَعْنَى اللَّازِمِ

стр. 573

الْمَدْلُولِ لِلَّفْظِ مُطَابَقَةً؟ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي ثُبُوتِ صِفَةِ الْقِيمَةِ لَهُمَا، وَكَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي اسْتِثْنَاءِ الْمَكِيلِ مِنَ الْمَوْزُونِ وَبِالْعَكْسِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا. قَوْلُكُمْ: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَصَحَّ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَمَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَشْرُوطَةً بِمُنَاسَبَةٍ بَيْنِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؟ كَمَا إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَيْسَ لِي نَخْلٌ إِلَّا شَجَرٌ وَلَا إِبِلٌ إِلَّا بَقَرٌ وَلَا بِنْتٌ إِلَّا ذَكَرٌ، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا قَالَ: لَيْسَ لِفُلَانٍ بِنْتٌ إِلَّا أَنَّهُ بَاعَ دَارَهُ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالصِّحَّةِ فَقَدِ احْتَجُّوا بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْمَنْقُولُ، فَمِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ، وَالشِّعْرِ، وَالنَّثْرِ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ ، وَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وَالْجِنُّ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ مَخْلُوقًا مِنْ نَارٍ عَلَى مَا قَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَلِأَنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ عَلَى مَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ ، وَلَا ذُرِّيَّةَ لِلْمَلَائِكَةِ فَلَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْهُمْ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ - فَإِنَّهُمْ عَدُوُّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ اسْتَثْنَى الْبَارِي - تَعَالَى - مِنْ جُمْلَةِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنَ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهَا، وَالْبَارِي - تَعَالَى - لَيْسَ مِنْ جِنْسِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ اسْتَثْنَى الظَّنَّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا - إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ اسْتَثْنَى السَّلَامَ مِنَ اللَّغْوِ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، وَالتِّجَارَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْبَاطِلِ، وَقَدِ اسْتَثْنَاهَا مِنْهُ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ - إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ اسْتَثْنَى الرَّحْمَةَ مِنْ نَفْيِ الصَّرِيخِ وَالْإِنْقَاذِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهِ. وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ وَمَنْ رَحِمَ لَيْسَ بِعَاصِمٍ، بَلْ مَعْصُومٌ، وَلَيْسَ الْمَعْصُومُ مِنْ جِنْسِ الْعَاصِمِ.

стр. 574

وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ اسْتَثْنَى الْخَطَأَ مِنَ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ. وَأَمَّا الشِّعْرُ: فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ مِنْهُمْ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ (١) وَالْعِيسُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَنِيسِ. وَقَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ: وَقَفَتْ فِيهَا أَصِيلًا لَا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أُوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْيَ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ وَالْأَوَارِيُّ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْأَحَدِ. وَقَالَ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ (٢) وَلَيْسَ فُلُولُ السُّيُوفِ عَيْبًا لِأَرْبَابِهَا، بَلْ فَخَرًا لَهُمْ، وَقَدِ اسْتَثْنَاهَا مِنَ الْعُيُوبِ، وَلَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا. وَأَمَّا النَّثْرُ فَقَوْلُ الْعَرَبِ: مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ، وَمَا بِالدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا الْوَتِدُ، وَمَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا عَمْرٌو. اسْتَثْنَوُا النَّقْصَ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالْوَتِدَ مِنْ أَحَدٍ، وَعَمْرًا مِنْ زِيدٍ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ.

стр. 575

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَرْفَعُ جَمِيعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَصَحَّ، كَاسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ وَبِالْعَكْسِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ. قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ، قُلْنَا: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ قَبِيلٍ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا خُزَّانَ الْجِنَانِ، وَكَانَ إِبْلِيسُ رَئِيسَهُمْ، وَتَسْمِيَتُهُ جِنِّيًّا لِنِسْبَتِهِ إِلَى الْجِنَّةِ كَمَا يُقَالُ: بَغْدَادِيٌّ وَمَكِّيٌّ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاجْتِنَانِهِ وَاخْتِفَائِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِمْ؛ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ وَوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ إِنَّمَا كَانَ لِلْمَلَائِكَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا كَانَ عَاصِيًا لِلْأَمْرِ الْمُتَوَجِّهِ إِلَى الْمَلَائِكَةِ لِكَوْنِهِ، لَيْسَ مِنْهُمْ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ وَرَاءَ ذَلِكَ الْأَمْرِ. وَدَلِيلُ عِصْيَانِهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ . قَوْلُكُمْ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُنَافِي كَوْنَهُ مِنْ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ. فَلَئِنْ قُلْتُمْ بِأَنَّ التَّوَالُدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَالْمَلَائِكَةُ لَا إِنَاثَ فِيهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ الْإِنْكَارِ وَالتَّوَعُّدِ عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ. قُلْنَا: إِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاثُ فِي الْمَلَائِكَةِ أَنْ لَوِ امْتَنَعَ حُصُولُ الذُّرِّيَّةِ إِلَّا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. قَوْلُكُمْ: إِنَّ إِبْلِيسَ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ لَا مُنَافَاةَ أَيْضًا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ، فَاسْتِثْنَاءُ الرَّبِّ - تَعَالَى - فِيهَا مِنَ الْمَعْبُودِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ، وَهُمْ كَانُوا مِمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ مَعَ الْأَصْنَامِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ لَا جَاحِدِينَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَلَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.

стр. 576

وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّالِثَةُ: فَجَوَابُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُسَمَّى عِلْمًا، وَالظَّنُّ يُسَمَّى عِلْمًا وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ وَأَرَادَ إِنْ ظَنَنْتُمُوهُنَّ؛ لِاسْتِحَالَةِ الْيَقِينِ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ إِنْ كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ فَلَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوِ الْمَجَازِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ كَمَا سَبَقَ. الثَّانِي: أَنَّ (إِلَّا) فِيهَا لَيْسَتْ لِلِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ هِيَ بِمَعْنَى (لَكِنْ) ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ (الْيَعَافِيرُ وَالْعِيسُ) مِنَ (الْأَنِيسِ) فَلَيْسَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا يُؤْنَسُ بِهَا، فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الْأَنِيسِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْأُنْسِ، بَلْ وَقَدْ يَحْصُلُ الْأُنْسُ بِالْآثَارِ وَالْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ، فَضْلًا عَنِ الْحَيَوَانِ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَوَارِيِّ مِنْ أَحَدٍ، فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ الْأَحَدُ عَلَى الْآدَمِيِّ فَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ: رَأَيْتُ أَحَدَ الْحِمَارَيْنِ، وَرَكِبْتُ أَحَدَ الْفَرَسَيْنِ، وَرَمَيْتُ أَحَدَ الْحَجَرَيْنِ وَأَحَدَ السَّهْمَيْنِ، فَلَمْ يَكُنِ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَوَارِيَّ مِمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهَا لَفْظَةُ (أَحَدٍ) وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنَ الْجِنْسِ فَإِلَّا لَيْسَتِ اسْتِثْنَائِيَّةً حَقِيقَةً، بَلْ بِمَعْنَى (لَكِنْ) كَمَا سَبَقَ. وَأَمَّا (فُلُولُ السُّيُوفِ) فَهُوَ عَيْبٌ فِي السُّيُوفِ، وَإِنْ كَانَ يُسَبِّبُ فُلُولُهَا فَخْرًا وَمِدْحَةً لِأَرْبَابِهَا فَهُوَ فِي الْجُمْلَةِ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَقَوْلُ الْعَرَبِ: (مَا زَادَ إِلَّا مَا نَقَصَ) تَقْدِيرُهُ: مَا زَادَ شَيْءٌ إِلَّا الَّذِي نَقَصَ أَيْ يَنْقُصُ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْجِنْسِ. وَقَوْلُهُمْ: (مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا الْوَتِدُ) فَجَوَابُهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَوَارِيِّ مِنْ أَحَدٍ. وَقَوْلُهُ: (مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إِلَّا عَمْرٌو) فَإِلَّا بِمَعْنَى (لَكِنْ) . وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ، قَوْلُهُمْ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَرْفَعُ جَمِيعَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَشَيْءٌ لَا إِشْعَارَ لَهُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ.

стр. 577

وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ (الدَّرَاهِمِ) مِنَ (الدَّنَانِيرِ) وَبِالْعَكْسِ، فَهُوَ أَيْضًا مَحَلُّ النِّزَاعِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَإِنْ تَكَلَّفَ بَيَانَ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي النَّقْدِيَّةِ وَجَوْهَرِيَّةِ الثَّمَنِيَّةِ فَآيِلٌ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ امْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا عَشْرَةً (١) ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَالْأَكْثَرِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ سِوَى دِرْهَمٍ وَاحِدٍ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي آخِرِ أَقْوَالِهِ، وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْحَنَابِلَةُ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مِنِ اسْتِثْنَاءِ الْمُسَاوِي. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِقْبَاحُ اسْتِثْنَاءِ عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَقُولُ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَّا عَشْرَةً، بَلْ خَمْسَةً إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. احْتَجَّ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَالْحُكْمِ. أَمَّا الْمَنْقُولُ فَمِنْ جِهَةِ الْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ. أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ، وَقَالَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فَقَدِ اسْتَثْنَى الْمُسَاوِيَ، وَإِنْ تَفَاوَتُوا فَأَيُّهُمَا كَانَ أَكْثَرَ فَقَدِ اسْتَثْنَاهُ. كَيْفَ وَإِنَّ الْغَاوِينَ أَكْثَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ، وَ (لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) ، وَ (لَا يُؤْمِنُونَ) . وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ: أَدَّوُا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ ... ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّالَا

стр. 578

وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَفْظٌ يُخْرِجُ مِنَ الْجُمْلَةِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهَا، فَجَازَ إِخْرَاجُ الْأَكْثَرِ بِهِ كَالتَّخْصِيصِ بِالدَّلِيلِ الْمُنْفَصِلِ، كَاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ. هَذَا مَا يَخُصُّ الْأَكْثَرَ. وَأَمَّا الْمُسَاوِي فَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ - قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا - نِصْفَهُ﴾ اسْتَثْنَى النِّصْفَ، وَلَيْسَ بِأَقَلَّ (١) . وَأَمَّا الْحُكْمُ فَعَامٌّ لِلْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ وَاسْتَثْنَى مِنْهَا خَمْسَةً أَوْ تِسْعَةً، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَفِي الثَّانِي دِرْهَمٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. وَلَوْلَا صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَفِي هَذِهِ الْحُجَجِ ضَعْفٌ إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَمَّا الْآيَةُ فَالْغَاوُونَ فِيهَا، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنَ الْعِبَادِ الْمُخْلَصِينَ بِدَلِيلِ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ (إِلَّا) فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ لِلِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ هِيَ بِمَعْنَى (لَكِنْ) . وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَلَكِنْ نَحْنُ إِنَّمَا نَمْنَعُ مِنِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ إِذَا كَانَ عَدَدُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُصَرَّحًا بِهِ كَمَا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ دِرْهَمًا، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَدَدُ مُصَرَّحًا بِهِ، كَمَا إِذَا قَالَ لَهُ: خُذْ مَا فِي الْكِيسِ مِنَ الدَّرَاهِمِ سِوَى الزُّيُوفِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَتِ الزُّيُوفُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَكْثَرَ فِي الْعَدَدِ، وَكَمَا إِذَا قَالَ: جَاءَنِي بَنُو تَمِيمٍ سِوَى الْأَوْبَاشِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْبَاحٍ، وَإِنْ كَانَ عَدَدُ الْأَوْبَاشِ مِنْهُمْ أَكْثَرَ. وَأَمَّا الشِّعْرُ: فَلَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَدُّوا الْمِائَةَ الَّتِي سَقَطَ مِنْهَا تِسْعُونَ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سُقُوطُهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا سَبَقَ. كَيْفَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَاقِعٌ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ؟

стр. 579

وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَبِغَيْرِ دَلِيلٍ لَفْظِيٍّ كَمَا يَأْتِي. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ فَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَقْبَحٍ، كَمَا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا دِرْهَمًا وَلَا كَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ إِذِ النِّصْفُ غَيْرُ مُسْتَثْنًى، وَإِنَّمَا هُوَ ظَرْفٌ لِلْقِيَامِ فِيهِ وَتَقْدِيرُهُ: قُمِ اللَّيْلَ نِصْفَهُ إِلَّا قَلِيلًا. وَأَمَّا الْحُكْمُ، فَدَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ خَطَأٌ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَرَى صِحَّةَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي فَهُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرَقِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا عَشْرَةً لَزِمَهُ الْعَشْرَةٌ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي. وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِامْتِنَاعِ صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ وَالْمُسَاوِي، فَقَدِ احْتَجَّ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِكَوْنِهِ إِنْكَارًا بَعْدَ إِقْرَارٍ، وَجَحْدًا بَعْدَ اعْتِرَافٍ، غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ لِمَعْنًى لَمْ يُوجَدْ فِي الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَالَ بِصِحَّتِهِ فِيهِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُقِرَّ رُبَّمَا أَقَرَّ بِمَالٍ، وَقَدْ وَفَّى بَعْضَهُ غَيْرَ أَنَّهُ نَسِيَهُ لِقِلَّتِهِ، وَعِنْدَ إِقْرَارِهِ رُبَّمَا تَذَكَّرَهُ فَاسْتَثْنَاهُ. فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لَتَضَرَّرَ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ الذُّهُولُ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَّا دِرْهَمًا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقْبَحًا، وَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ كَانَ مُسْتَقْبَحًا وَالْمُسْتَقْبَحُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَا يَكُونُ مِنْ لُغَتِهِمْ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ أَيْضًا إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ إِنْكَارٌ بَعْدَ إِقْرَارٍ إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا عَدَمَ الِاتِّحَادِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ الْأَصْلِ، بَلِ الْأَصْلُ قَبُولُهُ لِإِمْكَانِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ، وَيَجِبُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَكُونَ قَبُولُ ذَلِكَ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقْبَحٌ رَكِيكٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مَعَ ذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ. وَلِهَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا دِرْهَمًا كَانَ مُسْتَحْسَنًا، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا دَانَقًا وَدَانَقًا. . .، إِلَى تَمَامِ عِشْرِينَ مَرَّةً كَانَ فِي غَايَةِ الِاسْتِقْبَاحِ، وَمَا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ صِحَّتِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ لُغَةً.

стр. 580

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْجُمَلُ الْمُتَعَاقِبَةُ بِالْوَاوِ إِذَا تَعَقَّبَهَا الِاسْتِثْنَاءُ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْجُمَلُ الْمُتَعَاقِبَةُ بِالْوَاوِ إِذَا تَعَقَّبَهَا الِاسْتِثْنَاءُ رَجَعَ إِلَى جَمِيعِهَا عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَإِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ عِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: إِنْ كَانَ الشُّرُوعُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ إِضْرَابًا عَنِ الْأُولَى وَلَا يُضْمَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا فِي الْأُولَى فَالِاسْتِثْنَاءُ مُخْتَصٌّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى مَعَ اسْتِقْلَالِهَا بِنَفْسِهَا إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا وَقَدْ تَمَّ مَقْصُودُهُ مِنْهَا. وَذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ أَرْبَعَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَخْتَلِفَ الْجُمْلَتَانِ نَوْعًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالنُّحَاةُ الْبَصْرِيُّونَ (١) إِلَّا الْبَغَادِدَةَ إِذِ الْجُمْلَةُ الْأُولَى أَمْرٌ وَالثَّانِيَةُ خَبَرٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَتَّحِدَا نَوْعًا، وَتَخْتَلِفَا اسْمًا وَحُكْمًا كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاضْرِبْ رَبِيعَةَ إِلَّا الطُّوَالَ إِذْ هُمَا أَمْرَانِ. الثَّالِثُ: أَنْ تَتَّحِدَا نَوْعًا وَتَشْتَرِكَا حُكْمًا لَا اسْمًا كَمَا لَوْ قَالَ: سَلِّمْ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَسَلِّمْ عَلَى بَنِي رَبِيعَةَ إِلَّا الطُّوَالَ. الرَّابِعُ: أَنْ تَتَّحِدَا نَوْعًا وَتَشْتَرِكَا اسْمًا لَا حُكْمًا، وَلَا يَشْتَرِكُ الْحُكْمَانِ فِي غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ كَمَا لَوْ قَالَ: سَلِّمْ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَاسْتَأْجِرْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الطُّوَالَ. وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ فِي اقْتِضَاءِ اخْتِصَاصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَكُنِ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ مُضْرِبَةً عَنِ الْأُولَى، بَلْ لَهَا بِهَا نَوْعُ تَعَلُّقٍ فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى الْكُلِّ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ تَتَّحِدَ الْجُمْلَتَانِ نَوْعًا وَاسْمًا لَا حُكْمًا، غَيْرَ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ قَدِ اشْتَرَكَا فِي غَرَضٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَسَلِّمْ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ إِلَّا الطُّوَالَ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي غَرَضِ الْإِعْظَامِ.

стр. 581

الثَّانِي: أَنْ تَتَّحِدَ الْجُمْلَتَانِ نَوْعًا وَتَخْتَلِفَا حُكْمًا، وَاسْمُ الْأُولَى مُضْمَرٌ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَاسْتَأْجِرْهُمْ إِلَّا الطُّوَالَ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: بِالْعَكْسِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَرَبِيعَةَ إِلَّا الطُّوَالَ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَخْتَلِفَ نَوْعُ الْجُمَلِ الْمُتَعَاقِبَةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أُضْمِرَ فِي الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ كَانَ غَرَضُ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيهَا وَاحِدًا كَمَا فِي آيَةِ الْقَذْفِ، فَإِنَّ جُمَلَهَا مُخْتَلِفَةُ النَّوْعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ أَمْرٌ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ نَهْيٌ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ خَبَرٌ، غَيْرَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِاشْتِرَاكِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْجُمَلِ فِي غَرَضِ الِانْتِقَامِ وَالْإِهَانَةِ، وَدَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ إِضْمَارِ الِاسْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهَا. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَخْتَلِفَ نَوْعُ الْجُمَلِ الْمُتَعَاقِبَةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أُضْمِرَ فِي الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ كَانَ غَرَضُ الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ فِيهَا وَاحِدًا كَمَا فِي آيَةِ الْقَذْفِ، فَإِنَّ جُمَلَهَا مُخْتَلِفَةُ النَّوْعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ أَمْرٌ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ نَهْيٌ، وَقَوْلَهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ خَبَرٌ، غَيْرَ أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِاشْتِرَاكِ أَحْكَامِ هَذِهِ الْجُمَلِ فِي غَرَضِ الِانْتِقَامِ وَالْإِهَانَةِ، وَدَاخِلَةٌ تَحْتَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ جِهَةِ إِضْمَارِ الِاسْمِ الْمُتَقَدِّمِ فِيهَا. وَذَهَبَ الْمُرْتَضَى مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ إِلَى الْوَقْفِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَهْمَا ظَهَرَ كَوْنُ (الْوَاوِ) لِلِابْتِدَاءِ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَحَيْثُ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ (الْوَاوُ) لِلْعَطْفِ أَوِ الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي بَاقِي الْأَقْسَامِ السَّبْعَةِ فَالْوَاجِبُ إِنَّمَا هُوَ الْوَقْفُ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذِكْرِ حُجَجِ الْمُخَالِفِينَ وَإِبْطَالِهَا، وَلْنَبْدَأْ مِنْ ذَلِكَ بِحُجَجِ الْقَائِلِينَ بِالْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِمَنْزِلَةِ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اللُّغَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: اضْرِبِ الْجَمَاعَةَ الَّتِي مِنْهَا قَتَلَةٌ وَسُرَّاقٌ وَزُنَاةٌ إِلَّا مَنْ تَابَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: اضْرِبْ مَنْ قَتَلَ وَسَرَقَ وَزَنَى إِلَّا مَنْ تَابَ، فَوَجَبَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجَمِيعِ. وَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنْ قِيلَ إِنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ الْجُمْلَةِ وَالْجُمْلَتَيْنِ فِي أَمْرٍ مَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَكَثِّرُ وَاحِدًا وَالْوَاحِدُ مُتَكَثِّرًا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَإِنْ قِيلَ بِالْفَرْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ جَامِعٍ مُوجِبٍ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْحُكْمِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.

стр. 582

الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَكَلْتُ الطَّعَامَ، وَلَا دَخَلْتُ الدَّارَ، وَلَا كَلَّمْتُ زَيْدًا وَاسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ أَيْضًا بَاطِلَةٌ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ أَطْلَقُوا لَفْظَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى التَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ فَمَجَازٌ، وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ شَرْطٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ: إِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ، وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا لَا اسْتِثْنَاءً أَنَّهُ يَجُوزُ دُخُولُهُ عَلَى الْوَاحِدِ مَعَ أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً إِلَّا طَلْقَةً لَمْ يَصِحَّ وَوَقَعَ بِهِ طَلْقَةٌ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ إِلَّا دِرْهَمًا، وَإِذَا كَانَ شَرْطًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَامِعٍ مُؤَثِّرٍ. وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ قِيَاسًا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا سَبَقَ. وَبِهَذَا يَبْطُلُ إِلْحَاقُهُمُ الِاسْتِثْنَاءَ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَكَانَ عَائِدًا إِلَى الْكُلِّ كَالشَّرْطِ، وَهُوَ مَا إِذَا قَالَ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي رَبِيعَةَ إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ، كَيْفَ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؟ فَإِنَّ الشَّرْطَ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي اللَّفْظِ فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ فِي الْمَعْنَى لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْجَزَاءِ، فَقَوْلُهُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي رَبِيعَةَ إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ بَنُو تَمِيمٍ وَبَنُو رَبِيعَةَ الدَّارَ فَأَكْرِمْهُمْ، وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ كَانَ صَحِيحًا وَلَا كَذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. وَلِهَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَتُوبُوا اضْرِبْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي رَبِيعَةَ لَا يَكُونُ صَحِيحًا. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تَدْعُو إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جَمِيعِ الْجُمَلِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ تَكْرَارَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كُلِّ جُمْلَةِ مُسْتَقْبَحٌ رَكِيكٌ مُسْتَثْقَلٌ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَإِنْ زَنَى فَاضْرِبْهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَلَمْ يَبْقَ سِوَى تَعَقُّبِ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُطَوَّلًا غَيْرَ أَنَّهُ يُعْرَفُ شُمُولُ الِاسْتِثْنَاءِ لِلْكُلِّ بِيَقِينٍ فَلَا يَكُونُ مُسْتَقْبَحًا، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَحًا، فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَوْ كَانَ وَضْعُ اللُّغَةِ مَشْرُوطًا بِالْمُسْتَحْسَنِ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٌ. وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ لُغَةً وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ.

стр. 583

الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ صَالِحٌ أَنْ يَعُودَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجُمَلِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ فَوَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الْجَمِيعِ كَالْعَامِّ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ صَالِحًا لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا فَإِنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي شَيْءٍ وَمَجَازًا فِي شَيْءٍ فَهُوَ صَالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ، وَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْإِلْحَاقِ بِالْعُمُومِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا عُلِمَ مِرَارًا. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَخَمْسَةٌ إِلَّا سِتَّةً، فَإِنَّهُ يَصِحُّ. وَلَوْ كَانَ مُخْتَصًّا بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ لَمَا صَحَّ؛ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا لَهَا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ (عَلَى رَأْيٍ لَنَا) . وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّمَا عَادَ إِلَى الْجَمِيعِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِعْمَالِ لَفْظِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِثْنَاءُ السِّتَّةِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِكَوْنِهِ مُسْتَغْرِقًا لَهَا، وَهُوَ صَالِحٌ لِلْعَوْدِ إِلَى الْجَمِيعِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، وَمَعَ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا نِزَاعَ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا إِذَا وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ مُقَارِنًا لِلْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ عَوْدَهُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ الْقَائِلُ: بَنُو تَمِيمٍ وَرَبِيعَةُ أَكْرِمُوهُمْ إِلَّا الطُّوَالَ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ، فَكَذَلِكَ إِذَا تَقَدَّمَ الْأَمْرُ بِالْإِكْرَامِ ضَرُورَةَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: حَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا عُلِمَ كَيْفَ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ؟ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَأَخَّرَ الْأَمْرُ عَنِ الْجُمَلِ فَقَدِ اقْتَرَنَ بِاسْمِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَكْرِمُوهُمْ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَّصِلْ بِاسْمِ الْفَرِيقَيْنِ، بَلْ بِاسْمِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: اضْرِبُوا بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي رَبِيعَةَ إِلَّا مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَمَعْنَاهُ مَنْ دَخَلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ تَقْدِيرُ هَذَا الْمَعْنَى أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ: إِلَّا مَنْ دَخَلَ مِنْ رَبِيعَةَ. وَأَمَّا حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِعَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَمِنْ جِهَةِ النَّصِّ وَالْمَعْقُولِ.

стр. 584

أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ، فَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: " وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْجَلْدِ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ رَاجِعٌ إِلَى الدِّيَةِ دُونَ الْإِعْتَاقِ بِالِاتِّفَاقِ. قُلْنَا: أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى، فَلَا نُسَلِّمُ اخْتِصَاصَ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْهَا، بَلْ هُوَ عَائِدٌ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ عَدَا الْجَلْدِ لِدَلِيلٍ دَلَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ. أَمَّا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَصَدُّقُ الْوَلِيِّ لَا يَكُونُ مُسْقِطًا لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى -. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ فَحُجَجٌ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْجُمْلَةِ إِذَا تَعَقَّبَهُ اسْتِثْنَاءٌ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي عَائِدًا إِلَى الْجُمْلَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ لَا إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى، فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْمُقَارَنَةِ دُونَ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِلَّا كَانَ عَدَمُ عَوْدِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ يَخْتَصُّ بِالْأَرْبَعَةِ دُونَ الْعَشْرَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي، إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِحَرْفِ عَطْفٍ أَوْ لَا بِحَرْفِ عَطْفٍ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، فَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا ثَلَاثَةً وَإِلَّا اثْنَيْنِ فَيَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ خَمْسَةً. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ، فَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَوْدُهُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا؛ لِدَلِيلٍ لَا لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لِذَلِكَ لُغَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الثَّانِيَ لَوْ عَادَ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا، فَإِمَّا أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا لَا غَيْرُ، أَوْ إِلَيْهَا وَإِلَى الِاسْتِثْنَاءِ: الْأَوَّلُ مُمْتَنِعٌ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى دُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي، فَقَطْعُهُ عَنْهُ وَرَدُّهُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا لَا غَيْرُ يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ عَائِدًا إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إِثْبَاتٌ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ يَكُونُ نَفْيًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ يَكُونُ إِثْبَاتًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ

стр. 585

عَلَى مَا يَأْتِي تَقْرِيرُهُ عَنْ قَرِيبٍ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَثْبَتَ لِعَوْدِهِ (١) إِلَى أَحَدِهِمَا مِثْلَ مَا نَفَاهُ عَنِ الْآخَرِ، وَيَكُونَ جَابِرًا لِلنَّفْيِ بِالْإِثْبَاتِ وَيَبْقَى مَا كَانَ مُتَحَقِّقًا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي بِحَالِهِ، وَفِيهِ إِلْغَاءُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي، وَخُرُوجُهُ عَنِ التَّأْثِيرِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ بِعَوْدِهِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى قَدْ نَفَى عَنْهَا مِثْلَ مَا أَثْبَتَهُ لَهَا بِعَوْدِهِ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي، فَيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدُ مُقْتَضِيًا لِنَفْيِ شَيْءٍ وَإِثْبَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ حَائِلَةٌ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْجُمْلَةِ الْأُولَى، فَكَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنَ الْعَوْدِ إِلَيْهَا كَالسُّكُوتِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ كُلُّهُ بِمَنْزِلَةِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَلَا. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ تَعَقَّبَ جُمْلَتَيْنِ فَلَا يَكُونُ بِظَاهِرِهِ عَائِدًا إِلَيْهِمَا، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِلَّا أَرْبَعَةً، فَإِنَّهُ لَا يَعُودُ إِلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَّا لَوَقَعَ بِهِ طَلْقَتَانِ لَا ثَلَاثُ طَلَقَاتٍ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ، بَلْ هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْجَمِيعِ، وَالْوَاقِعُ طَلْقَتَانِ عَلَى رَأْيٍ لَنَا. وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ؛ فَلِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إِنَّمَا هُوَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ. فَلَوْ عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَيْهَا لَكَانَ مُسْتَغْرِقًا، وَهُوَ بَاطِلٌ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ دُخُولَ الْجُمْلَةِ الْأُولَى تَحْتَ لَفْظِهِ مَعْلُومٌ، وَدُخُولَهَا تَحْتَ الِاسْتِثْنَاءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ الْيَقِينَ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ تَيَقُّنَ دُخُولِهِ مَعَ اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْكَلَامِ، ثُمَّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُوَ مَانِعٌ مِنِ اخْتِصَاصِهِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ لِجَوَازِ عَوْدِهِ بِالدَّلِيلِ إِلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ دُونَ الْمُتَأَخِّرَةِ، ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَعُودَ الشَّرْطُ وَالصِّفَةُ عَلَى بَاقِي الْجُمَلِ لِمَا ذَكَرُوهُ، وَهُوَ عَائِدٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْقَائِلِينَ بِاخْتِصَاصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ.

стр. 586

الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى عَوْدِهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْحَاجَةُ وَالضَّرُورَةُ مُنْدَفِعَةٌ بِعَوْدِهِ إِلَى مَا يَلِيهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى عَوْدِهِ إِلَى غَيْرِهِ، إِذْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ اخْتِصَاصُهُ بِمَا يَلِيهِ دُونَ غَيْرِهِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ عَوْدُهُ إِلَى مَا يَلِيهِ لِامْتِنَاعِ عَوْدِهِ إِلَى غَيْرِهِ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَالْقُرْبُ مُرَجَّحٌ، وَلِهَذَا وَجَبَ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِمْ: جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو أَبُوهُ مُنْطَلِقٌ إِلَى عَمْرٍو لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ مَذْكُورٍ (١) ، فَكَانَ مَا يَلِي الْفِعْلَ مِنَ الِاسْمَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَظْهَرُ فِيهِمَا الْإِعْرَابُ بِالْفَاعِلِيَّةِ أَوْلَى كَقَوْلِهِمْ: ضَرَبَتْ سَلْمَى سُعْدَى. وَهَذِهِ الْحُجَّةُ أَيْضًا مَدْخُولَةٌ؛ إِذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ تَكُنِ الْحَاجَةُ مَاسَّةً إِلَى عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ مَاسَّةً إِلَى عَوْدِهِ إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ فَلَا تَكُونُ الْحَاجَةُ مُنْدَفِعَةً بِعَوْدِهِ إِلَى مَا يَلِيهِ فَقَطْ. ثُمَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُنْتَقِضٌ بِالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ، وَلَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ بِامْتِنَاعِ عَوْدِهِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ ضَرُورَةٌ؟ وَلِهَذَا فَإِنَّهُ لَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى إِرَادَةِ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَائِدًا إِلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْكَلَامِ أَمْ لَا؟ الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: ذَكَرَهَا الْقَلَانِسِيُّ وَهِيَ إِنْ قَالَ: نَصْبُ مَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِثْبَاتِ إِنَّمَا كَانَ بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ بِإِعَانَةِ (إِلَّا) عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ أَكَابِرِ الْبَصْرِيِّينَ، فَلَوْ قِيلَ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ لَكَانَ مَا بَعْدَ (إِلَّا) مُنْتَصِبًا بِالْأَفْعَالِ الْمُقَدَّرَةِ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ اجْتِمَاعُ عَامِلَيْنِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بِتَقْدِيرِ مُضَادَّةِ أَحَدِ الْعَامِلَيْنِ فِي عَمَلِهِ لِلْعَامِلِ الْآخَرِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْمُولُ الْوَاحِدُ مَرْفُوعًا مَنْصُوبًا مَعًا، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قُلْتَ: مَا زَيْدٌ بِذَاهِبٍ وَلَا قَامَ عَمْرٌو، وَهُوَ

стр. 587

مُحَالٌ، وَلِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلًّا بِالْأَعْمَالِ، أَوْ لَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ أَوِ الْمُسْتَقِلُّ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ اسْتِقْلَالِ كُلِّ وَاحِدٍ، ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلًّا إِلَّا أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا أَنَّ زَيْدًا مَنْصُوبٌ بِقَامَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِقَامَ، لَكِنْ بِالْفِعْلِ الْمُحَقَّقِ أَوِ الْمُقَدَّرِ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ. الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَالْفِعْلُ الْمُحَقَّقُ غَيْرُ زَائِدٍ عَلَى وَاحِدٍ. وَأَمَّا حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِالِاشْتِرَاكِ فَثَلَاثَةٌ: الْحُجَّةُ الْأُولَى: أَنَّهُ يَحْسُنُ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَنْ إِرَادَةِ عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى مَا يَلِيهِ أَوْ إِلَى الْكُلِّ، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِ هَذِهِ الْمَحَامِلِ دُونَ غَيْرِهِ لَمَا حَسُنَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ مَدْخُولَةٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَدْلُولِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ أَصْلًا كَمَا تَقُولُهُ الْوَاقِفِيَّةُ، أَوْ لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَعْضِ، مَجَازٌ فِي الْبَعْضِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْحُصُولِ عَلَى الْيَقِينِ وَدَفْعِ الْبَعِيدِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِرَادَةُ عَوْدِهِ إِلَى مَا يَلِيهِ، وَإِلَى الْجُمَلِ كُلِّهَا وَإِلَى بَعْضِ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ دُونَ الْبَعْضِ، بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَالْمَعَانِي مُخْتَلِفَةٌ فَكَانَ مُشْتَرِكًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: مَتَى يَكُونُ الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةَ، إِذَا أَفْضَى إِلَى الِاشْتِرَاكِ الْمُخِلِّ بِمَقْصُودِ أَهْلِ الْوَضْعِ مِنْ وَضْعِهِمْ أَوْ إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى ذَلِكَ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. ثُمَّ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ مُطْلَقًا، غَيْرَ أَنَّهُ أَمْرٌ ظَنِّيٌّ، وَلِمَ قُلْتُمْ بِإِمْكَانِ التَّمَسُّكِ بِهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَاعِدَةِ الْوَاقِفِيَّةِ؟ الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فَضْلَةٌ لَا تَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهَا، فَكَانَ احْتِمَالُ عَوْدِهِ إِلَى مَا يَلِيهِ وَإِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ مُسَاوِيًا، كَالْحَالِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي قَوْلِهِ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا قَائِمًا فِي الدَّارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْحَالِ وَالظَّرْفِ، بَلْ هُوَ عَائِدٌ إِلَى الْكُلِّ أَوْ مَا يَلِيهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَإِنْ سُلِّمَ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ آيِلٌ إِلَى الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا سَبَقَ.

стр. 588

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. وَدَلِيلُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَانَ مُوَحِّدًا مُثْبِتًا لِلْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَنَافِيًا لَهَا عَمَّا سِوَاهُ. وَلَوْ كَانَ نَافِيًا لِلْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى الرَّبِّ - تَعَالَى - غَيْرَ مُثْبِتٍ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّبِّ - تَعَالَى - لَمَا كَانَ ذَلِكَ تَوْحِيدًا لِلَّهِ - تَعَالَى - لِعَدَمِ إِشْعَارِ لَفْظِهِ بِإِثْبَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ: لَا عَالِمَ فِي الْبَلَدِ إِلَّا زِيدٌ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الْأَلْفَاظِ عَلَى عِلْمِ زَيْدٍ وَفَضِيلَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُتَبَادِرًا إِلَى فَهْمِ كُلِّ سَامِعٍ لُغَوِيٍّ، وَلَوْ كَانَ نَافِيًا لِلْعِلْمِ عَمَّا سِوَى زَيْدٍ، غَيْرَ مُثْبِتٍ لِلْعِلْمِ لِزَيْدٍ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا لَكَانَ قَوْلُهُ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَلَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» " مُقْتَضِيًا تَحَقُّقَ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهُورِ، وَالنِّكَاحِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ، وَالْبَيْعِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ إِخْرَاجُ الْمُسْتَثْنَى عَنْ دُخُولِهِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِهِ وَلَا إِثْبَاتِهِ. قُلْنَا: الطَّهُورُ وَالْوَلِيُّ وَالْمُسَاوَاةُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ فَكَانَ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا سِيقَ ذَلِكَ لِبَيَانِ اشْتِرَاطِ الطَّهُورِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ، وَالْمُسَاوَاةِ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ. وَالشَّرْطُ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ فَوَاتِهِ فَوَاتُ الْمَشْرُوطِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ لِجَوَازِ انْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ آخَرَ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 589

[النَّوْعُ الثَّانِي التَّخْصِيصُ بِالشَّرْطِ] وَالنَّظَرُ فِي حَدِّهِ وَأَقْسَامِهِ وَصِيَغِ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ وَأَحْكَامِهِ أَمَّا حَدُّهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهِ تَعْرِيفَ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ، وَالْمَشْرُوطُ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّرْطِ فَكَانَ أَخْفَى مِنَ الشَّرْطِ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ أَخْفَى مِنْهُ مُمْتَنِعٌ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ جُزْءُ السَّبَبِ إِذَا اتَّحَدَ، فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ الْحُكْمُ دُونَهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ (١) . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الشَّرْطُ هُوَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فِي تَأْثِيرِهِ لَا فِي ذَاتِهِ (٢) . وَهُوَ فَاسِدٌ أَيْضًا، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الْقَدِيمَةَ شَرْطٌ فِي وُجُودِ عِلْمِ الْبَارِي - تَعَالَى - وَكَوْنِهِ عَالِمًا وَلَا تَأْثِيرَ وَلَا مُؤَثِّرَ. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الشَّرْطُ هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُ أَمْرٍ مَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِوُجُودِهِ وَلَا دَاخِلًا فِي السَّبَبِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ شَرْطُ الْحُكْمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَشَرْطُ السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ شَرْطِ السَّبَبِ انْتِفَاءُ السَّبَبِ، وَلَيْسَ هُوَ سَبَبُ السَّبَبِ وَلَا جُزْءُهُ، وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ مَدَارِكِهِ، وَعَنِ انْتِفَاءِ الْمُدْرَكِ الْمُعَيَّنِ وَجُزْئِهِ. وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى شَرْطٍ عَقْلِيٍّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ، وَإِلَى شَرْعِيٍّ، كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِحْصَانِ لِلرَّجْمِ. وَإِلَى لُغَوِيٍّ، وَصِيَغُهُ كَثِيرَةٌ وَهِيَ: إِنِ الْخَفِيفَةُ وَإِذَا وَمَنْ وَمَا وَمَهْمَا وَحَيْثُمَا وَأَيْنَمَا وَإِذْمَا.

стр. 590

وَأُمُّ هَذِهِ الصِّيَغِ (إِنِ) الشَّرْطِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا حَرْفٌ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ أَسْمَاءٌ. وَالْأَصْلُ فِي إِفَادَةِ الْمَعَانِي لِلْأَسْمَاءِ إِنَّمَا هُوَ الْحُرُوفُ (١) وَلِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ أَخَوَاتِهَا، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَخْتَصُّ بِمَعْنًى لَا تَجْرِي فِي غَيْرِهِ، (فَمَنْ) لِمَنْ يَعْقِلُ، وَ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ، وَ (إِذَا) لِمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ كَقَوْلِكَ: إِذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ فَأْتِنَا وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَأَمَّا أَحْكَامُهُ: فَمِنْهَا أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ فِيهِ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا عَلِمْنَا خُرُوجَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْكَلَامِ حَالَةَ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا دُونَ قَوْلِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ مُؤَكِّدًا. الثَّانِي: أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا لَا يُعْلَمُ خُرُوجُهُ دُونَهُ كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ حَالَةَ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ، وَلَوْلَا الشَّرْطُ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ (٢) ، وَلَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِعَدَمِ الْإِكْرَامِ حَالَةَ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ حَاصِلًا لَنَا، فَكَانَ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ، أَوْ يَتَعَدَّدَ الْمَشْرُوطُ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ يَتَعَدَّدَانِ مَعًا (٣) . ، فَإِنِ اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ فَمِثَالُهُ مَا سَبَقَ. وَأَمَّا إِنِ اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَتَعَدَّدَ الْمَشْرُوطُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْمَشْرُوطَاتُ عَلَى الْجَمْعِ أَوْ عَلَى الْبَدَلِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ زِيدٌ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِينَارًا وَدِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِينَارًا أَوْ دِرْهَمًا فَالْحُكْمُ كَمَا لَوِ اتَّحَدَ الْمَشْرُوطُ.

стр. 591

وَأَمَّا إِنْ تَعَدَّدَ الشَّرْطُ وَاتَّحَدَ الْمَشْرُوطُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الشُّرُوطُ عَلَى الْجَمْعِ أَوِ الْبَدَلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَكَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِنْ دَخَلُوا الدَّارَ وَالسُّوقَ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْإِكْرَامِ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ، وَاخْتِلَالُهُ بِاخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِنْ دَخَلُوا السُّوقَ أَوِ الدَّارَ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ تَوَقُّفُ الْإِكْرَامِ عَلَى تَحَقُّقِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، وَاخْتِلَالُهُ عِنْدَ اخْتِلَالِهِمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا إِنْ تَعَدَّدَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ عَلَى الْجَمْعِ أَوِ الْبَدَلِ، أَوِ الشَّرْطُ عَلَى الْجَمْعِ، وَالْمَشْرُوطَاتُ عَلَى الْبَدَلِ أَوْ بِالْعَكْسِ. فَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ زِيدٌ الدَّارَ وَالسُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا، فَالْإِعْطَاءُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ وَمُخْتَلٌّ بِاخْتِلَالِهِمَا أَوْ بِاخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّانِي، فَكَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوِ السُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا، فَإِعْطَاءُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَحَقُّقِ أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ، وَاخْتِلَالُهُ بِاخْتِلَالِ مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ وَالسُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا فَإِعْطَاءُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ، وَاخْتِلَالُهُ بِاخْتِلَالِ أَحَدِهِمَا. وَإِنْ كَانَ الرَّابِعُ كَقَوْلِهِ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ أَوِ السُّوقَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا وَدِينَارًا، فَإِعْطَاءُ الْأَمْرَيْنِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَحَدِ الشَّرْطَيْنِ وَمُخْتَلٌّ بِاخْتِلَالِهِمَا مَعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ حُصُولُ الشَّرْطِ دُفْعَةً أَوْ لَا دُفْعَةً، بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَمِنْ أَحْكَامِهِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهِ بِالْمَشْرُوطِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَتَأْخِيرُهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَضْعُ الطَّبِيعِيُّ لَهُ إِنَّمَا هُوَ صَدْرُ الْكَلَامِ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ لَفْظًا لِكَوْنِهِ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ طَبْعًا. وَلَوْ تَعَقَّبَ الشَّرْطُ لِلْجُمَلِ الْمُتَعَاقِبَةِ فَقَدِ اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى عَوْدِهِ، خِلَافًا لِبَعْضِ النُّحَاةِ فِي اعْتِقَادِهِ اخْتِصَاصَهُ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً أَوْ مُتَأَخِّرَةً. وَالْكَلَامُ فِي الطَّرَفَيْنِ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. وَالْمُخْتَارُ كَالْمُخْتَارِ، وَلَا يَخْفَى وَجْهُهُ.

стр. 592

[النَّوْعُ الثَّالِثُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ] وَهِيَ لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَذْكُورَةً عَقِبَ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جُمَلٍ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطُّوَالَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِكْرَامِ بِالطُّوَالِ مِنْهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَمَّ الطُّوَالَ وَالْقِصَارَ، فَكَانَتِ الصِّفَةُ مُخْرِجَةً لِبَعْضِ مَا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ اللَّفْظِ لَوْلَا الصِّفَةُ (١) . وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي رَبِيعَةَ الطُّوَالَ، فَالْكَلَامُ فِي عَوْدِ الصِّفَةِ إِلَى مَا يَلِيهَا أَوْ إِلَى الْجَمِيعِ كَالْكَلَامِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.

стр. 593

[النَّوْعُ الرَّابِعُ التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ] وَصِيَغُهَا إِلَى وَحَتَّى وَلَا بُدَّ، وَأَنْ يَكُونَ حُكْمُ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَإِلَّا كَانَتِ الْغَايَةُ وَسَطًا وَخَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا غَايَةً، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ إِلْغَاءُ دَلَالَةِ إِلَى وَحَتَّى، وَهِيَ لَا تَخْلُو أَيْضًا إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَذْكُورَةً عَقِبَ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْغَايَةُ وَاحِدَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً. فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا الدَّارَ، فَإِنَّ دُخُولَ الدَّارِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْإِكْرَامِ بِمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِخْرَاجَ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَعَمَّ الْإِكْرَامُ حَالَةَ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ. وَإِنْ كَانَتْ مُتَعَدِّدَةً فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى الْجَمْعِ أَوْ عَلَى الْبَدَلِ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا الدَّارَ، وَيَأْكُلُوا الطَّعَامَ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ اسْتِمْرَارُ الْإِكْرَامِ إِلَى تَمَامِ الْغَايَتَيْنِ دُونَ مَا بَعْدَهُمَا. وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى أَنْ يَدْخُلُوا الدَّارَ أَوِ السُّوقَ، فَمُقْتَضَى ذَلِكَ اسْتِمْرَارُ الْإِكْرَامِ إِلَى انْتِهَاءِ إِحْدَى الْغَايَتَيْنِ، أَيُّهُمَا كَانَتْ، دُونَ مَا بَعْدَهَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْغَايَةُ مَذْكُورَةً عَقِبَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَالْكَلَامُ فِي اخْتِصَاصِهَا بِمَا يَلِيهَا وَفِي عَوْدِهَا إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ، كَالْكَلَامِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْغَايَةُ وَاحِدَةً أَوْ مُتَعَدِّدَةً عَلَى الْجَمْعِ أَوِ الْبَدَلِ، وَلَا تَخْفَى أَمْثِلَتُهَا، وَوَجْهُ الْكَلَامِ فِيهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْغَايَةُ مَعْلُومَةَ الْوُقُوعِ فِي وَقْتِهَا كَقَوْلِهِ: إِلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَوْ غَيْرَ مَعْلُومَةِ الْوَقْتِ كَقَوْلِهِ: إِلَى دُخُولِ الدَّارِ.

стр. 594

[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي التَّخْصِيصِ بِالْأَدِلَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ] الْقِسْمُ الثَّانِي فِي التَّخْصِيصِ بِالْأَدِلَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ وَفِيهِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، خِلَافًا لِطَائِفَةٍ شَاذَّةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَوْلَهُ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُتَنَاوِلٌ بِعُمُومِ لَفْظِهِ لُغَةً كُلَّ شَيْءٍ مَعَ أَنَّ ذَاتَهُ وَصَفَاتِهِ أَشْيَاءُ حَقِيقَةٌ، وَلَيْسَ خَالِقًا لَهَا وَلَا هِيَ مَقْدُورَةً لَهُ لِاسْتِحَالَةِ خَلْقِ الْقَدِيمِ (١) الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ وَاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ مَقْدُورًا بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ، فَقَدْ خَرَجَتْ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ بِدَلَالَةِ ضَرُورَةِ الْعَقْلِ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا نَعْنِي بِالتَّخْصِيصِ سِوَى ذَلِكَ، فَمَنْ خَالَفَ فِي كَوْنِ دَلِيلِ الْعَقْلِ مُخَصِّصًا مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُوَافِقٌ عَلَى مَعْنَى التَّخْصِيصِ وَمُخَالِفٌ فِي التَّسْمِيَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ مِنَ النَّاسِ حَقِيقَةً، وَهُمَا غَيْرُ مُرَادَيْنِ مِنَ الْعُمُومِ بِدَلَالَةِ نَظَرِ الْعَقْلِ عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ مَنْ لَا يَفْهَمُ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّخْصِيصِ سِوَى ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ ذَاتَ الْبَارِي - تَعَالَى - وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ مِمَّا لَمْ يُرَدْ بِاللَّفْظِ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ كَوْنَ دَلِيلِ الْعَقْلِ مُخَصِّصًا لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

стр. 595

الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ عَنْهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَبَيَانُهُ أَنَّ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي لَيْسَتْ لِذَوَاتِهَا وَإِلَّا كَانَتْ دَالَّةً عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَوْضِعَةِ، وَإِنَّمَا دَلَالَتُهَا تَابِعَةٌ لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ وَإِرَادَتِهِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يُرِيدُ بِلَفْظِهِ الدَّلَالَةَ عَلَى مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ، فَلَا يَكُونُ لَفْظُهُ دَالًّا عَلَيْهِ لُغَةً وَمَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى الصُّورَةِ الْمُخْرِجَةِ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا. الثَّانِي أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ وَالْمُخَصِّصُ مُبَيِّنٌ، وَالْبَيَانُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ سَابِقَةِ الْإِشْكَالِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمُبَيِّنِ، وَدَلِيلُ الْعَقْلِ سَابِقٌ فَلَا يَكُونُ مُبَيِّنًا وَلَا مُخَصِّصًا كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَقَدِّمِ. الثَّالِثُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانٌ فَلَا يَجُوزُ بِالْعَقْلِ كَالنَّسْخِ، ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ اللَّفْظِ لُغَةً عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَجَوَازَ كَوْنِ الْمُخَصِّصِ مُتَقَدِّمًا، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ صِحَّةُ الِاحْتِجَاجِ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ مَشْرُوطَةً بِعَدَمِ مُعَارَضَةِ عُمُومِ الْكِتَابِ لَهُ؟ وَبِتَقْدِيرِ الِاشْتِرَاطِ لِذَلِكَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّخْصِيصِ فِي الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوَّلًا، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ تَخْصِيصِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ عَنْ عُمُومِ آيَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ خِطَابِهِمَا وَكَيْفَ يُمْكِنُ دَعْوَى ذَلِكَ مَعَ دُخُولِهِمَا تَحْتَ الْخِطَابِ بِأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، وَإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّبِيِّ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ إِسْلَامِهِ، وَلَوْلَا إِمْكَانُ دُخُولِهِ تَحْتَ الْخِطَابِ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ، قَوْلُهُمْ: إِنَّ دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ لِذَوَاتِهَا مُسَلَّمٌ، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ (١) فِي دَلَالَتِهَا مِنْ قَصْدِ الْوَاضِعِ لَهَا دَالَّةً عَلَى الْمَعْنَى. قَوْلُهُمْ: الْعَاقِلُ لَا يَقْصِدُ بِلَفْظِهِ (٢) الدَّلَالَةَ عَلَى مَا هُوَ مُمْتَنِعٌ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ. قُلْنَا: ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا وُضِعَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ لُغَةً بِالنَّظَرِ إِلَى إِرَادَتِهِ مِنَ اللَّفْظِ، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِ اللَّفْظِ دَالًّا عَلَى الْمَعْنَى لُغَةً وَبَيْنَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُرَادٍ مِنَ اللَّفْظِ.

стр. 596

قَوْلُهُمْ: إِنَّ حَقَّ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَمَّا خَصَّصَهُ. قُلْنَا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى صِفَتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا وَمُخَصِّصًا، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي ذَاتِهِ عَلَى الْخِطَابِ الْمَفْرُوضِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا لِمَا لَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُخَصِّصًا وَمُبَيِّنًا بَعْدَ وُجُودِ الْخِطَابِ. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ، فَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ لَا يُعَدُّ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا إِذَا قَالَ: إِلَّا زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَامَ الْقَوْمُ. وَهَذَا بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ ذَاتَ (١) الْبَارِي - تَعَالَى - فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ عَنْ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا امْتِنَاعُ النَّسْخِ بِالْعَقْلِ، فَإِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّاسِخَ مُعَرِّفٌ لِبَيَانِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الْمَقْصُودَةِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، وَذَلِكَ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ اسْتِحَالَةِ كَوْنِ ذَاتِ الرَّبِّ - تَعَالَى - مَخْلُوقَةً مَقْدُورَةً. قَوْلُهُمْ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ التَّمَسُّكُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ لَهُ؟ قُلْنَا: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا، وَأَحَدُهُمَا مُقْتَضٍ لِلْإِثْبَاتِ وَالْآخَرُ لِلنَّفْيِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مُوجِبَيْهِمَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ، وَلَا إِلَى نَفْيِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُودِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِمَّا يُبْطِلُ دَلَالَةَ صَرِيحِ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَالْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يُبْطِلُ عُمُومَ الْكِتَابِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ غَايَتُهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَنْ كَوْنِهِ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَكَانَ الْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مُتَعَيِّنًا.

стр. 597

قَوْلُهُمْ: إِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ دَاخِلَانِ تَحْتَ الْخِطَابِ بِأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّا إِنْ نَظَرْنَا إِلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمَالِهِمَا فَهُوَ ثَابِتٌ بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالْأَخْبَارِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ الثَّابِتِ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ وَلَيِّهِمَا لَا بِفِعْلِهِمَا. وَأَمَّا صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي صِحَّةِ إِسْلَامِهِ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ دَاخِلًا تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ وَالْإِسْلَامِ. أَمَّا صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَمَعْنَاهَا انْعِقَادُهَا سَبَبًا لِثَوَابِهِ، وَسُقُوطُ الْخِطَابِ عَنْهُ بِهَا إِذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبَلَغَ فِي آخِرِهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ الشَّارِعِ حَتَّى يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنَ الشَّارِعِ، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتِ الْوَلِيِّ لِفَهْمِهِ بِخِطَابِهِ دُونَ خِطَابِ الشَّرْعِ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ صِحَّةِ إِسْلَامِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَبِتَقْدِيرِ امْتِنَاعِ تَخْصِيصِ الصَّبِيِّ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مَعَ تَسْلِيمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَغَيْرُ مُضِرٍّ وَلَا قَادِحٍ (١) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي آحَادِ الصُّوَرِ. وَكَمَا أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ (قَدْ) يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ فَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْحِسِّ، وَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَعَ خُرُوجِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَنْ ذَلِكَ حِسًّا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَلَمْ تَجْعَلْهَا رَمِيمًا بِدَلَالَةِ الْحِسِّ، فَكَانَ الْحِسُّ هُوَ الدَّالَّ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ؛ فَكَانَ مُخَصِّصًا.

стр. 598

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ خِلَافًا لِبَعْضِ الطَّوَائِفِ، وَدَلِيلُهُ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْمَنْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَرَدَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ، وَقَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وَرَدَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ نَصَّانِ مِنَ الْكِتَابِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْآخَرُ خَاصٌّ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِالْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ، فَإِنْ عُمِلَ بِالْعَامِّ لَزِمَ مِنْهُ إِبْطَالُ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ مُطْلَقًا، وَلَوْ عُمِلَ بِالْخَاصِّ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعَامِّ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا خَرَجَ عَنْهُ كَمَا سَبَقَ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْخَاصِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْخَاصَّ أَقْوَى فِي دَلَالَتِهِ وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِبُعْدِهِ عَنِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ بِخِلَافِ الْعَامِّ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ الْمَعْمُولُ بِهِ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْعَامِّ فِي الصُّورَةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ أَوْ مُخَصِّصًا لَهُ، وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ، أَنَّ النَّسْخَ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَصْلِ الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ وَرَفْعَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ فِيهِ سِوَى دَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ لِلصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ بِلَفْظِ الْعَامِّ، فَكَانَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّسَخُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ فَكَانَ التَّخْصِيصُ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ رُفِعَ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ، وَالتَّخْصِيصُ مَنَعَ مِنَ الْإِثْبَاتِ، وَالدَّفْعُ أَسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ. الثَّالِثُ: أَنَّ وُقُوعَ التَّخْصِيصِ فِي الشَّرْعِ أَغْلَبُ مِنَ النَّسْخِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى إِدْرَاجًا لَهُ تَحْتَ الْأَغْلَبِ، وَسَوَاءٌ جُهِلَ التَّارِيخُ أَوْ عُلِمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا.

стр. 599

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْكِتَابُ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ لَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: إِضَافَةُ الْبَيَانِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ بِالْكِتَابِ إِذِ الْكُلُّ وَارِدٌ عَلَى لِسَانِهِ، فَذِكْرُهُ الْآيَةَ الْمُخَصِّصَةَ يَكُونُ بَيَانًا مِنْهُ وَيَجِبُ حَمْلُ وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ وَارِدٌ عَلَى لِسَانِهِ، كَانَ الْوَارِدُ عَلَى لِسَانِهِ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مُبَيِّنًا لِكُلِّ مَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، لِكَوْنِهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي الْبَعْضِ فَيَجِبُ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ الْعَامِّ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَإِنْ صَحَّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا فَلَا يَصِحُّ فِيمَا إِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُقَدَّمًا فَيَكُونَ الْعَامُّ بَعْدَهُ نَاسِخًا لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُتَقَدِّمًا فَيَكُونَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لَهُ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَوَجَبَ التَّعَاوُنُ (١) وَالتَّسَاقُطُ وَالرُّجُوعُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي. وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْخَاصِّ مُخَصِّصًا مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْخَاصِّ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَدْلُولِ الْخَاصِّ، لَا أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَبَيَانُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ جَارٍ مَجْرَى قَوْلِهِ: اقْتُلُوا زَيْدًا الْمُشْرِكَ وَعَمْرًا الْمُشْرِكَ وَخَالِدًا، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَإِذَا الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ: اقْتُلُوا زَيْدًا الْمُشْرِكَ إِذَا وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ بِنَفْيِ الْقَتْلِ عَنِ الْجَمِيعِ فَهُوَ نَاصٌّ عَلَى زَيْدٍ، وَلَوْ قَالَ: اقْتُلُوا زَيْدًا وَلَا تَقْتُلُوا زَيْدًا كَانَ نَاسِخًا لَهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ يُمْكِنُ نَسْخُهُ، وَالْعَامَّ الْوَارِدَ بَعْدَهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا فَكَانَ نَاسِخًا.

стр. 600

الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَمُخَصِّصًا لِمَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يَكُونُ مُلْتَبِسًا. الرَّابِعُ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ، وَالْعَامُّ الْمُتَأَخِّرُ أَحْدَثُ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ. قُلْنَا: أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى التَّرْجِيحِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حُجَجِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الْعَامِّ فِي تَنَاوُلِهِ لِمَا تَحْتَهُ مِنَ الْأَشْخَاصِ جَارٍ مَجْرَى الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ، إِذِ الْأَلْفَاظُ الْخَاصَّةُ بِكُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّخْصِيصِ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْعَامِّ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِمْكَانِ نَسْخِهِ لِلْخَاصِّ الْوُقُوعُ، وَلَوْ لَزِمَ مِنَ الْإِمْكَانِ الْوُقُوعُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ لِإِمْكَانِ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا لَهُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَنْسُوخًا وَمُخَصِّصًا لِنَاسِخِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا بِتَرَدُّدِ الْخَاصِّ بَيْنَ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَمُخَصِّصًا أَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ مُسَاوٍ لِاحْتِمَالِ النَّسْخِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ تَطَرُّقَ الِاحْتِمَالَيْنِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا. وَلَوْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا لَمَنَعَ تَطَرُّقَ احْتِمَالِ كَوْنِ الْعَامِّ مُخَصَّصًا بِالْخَاصِّ إِلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ نَاسِخًا. وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْأَحْدَثُ هُوَ الْخَاصُّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
следующие страницы →