← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قَوْلُهُمْ: إِنَّ حَقَّ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَمَّا خَصَّصَهُ. قُلْنَا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى صِفَتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مُبَيِّنًا وَمُخَصِّصًا، الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا فِي ذَاتِهِ عَلَى الْخِطَابِ الْمَفْرُوضِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ قَبْلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا لِمَا لَمْ يُوجَدْ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُخَصِّصًا وَمُبَيِّنًا بَعْدَ وُجُودِ الْخِطَابِ. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ، فَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ لَا يُعَدُّ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ كَمَا إِذَا قَالَ: إِلَّا زَيْدًا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: قَامَ الْقَوْمُ. وَهَذَا بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وَقَامَ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ ذَاتَ (١) الْبَارِي - تَعَالَى - فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ عَنْ كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا بِكَلَامِ الْعَرَبِ. وَأَمَّا امْتِنَاعُ النَّسْخِ بِالْعَقْلِ، فَإِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّاسِخَ مُعَرِّفٌ لِبَيَانِ مُدَّةِ الْحُكْمِ الْمَقْصُودَةِ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ، وَذَلِكَ مَا لَا سَبِيلَ إِلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ اسْتِحَالَةِ كَوْنِ ذَاتِ الرَّبِّ - تَعَالَى - مَخْلُوقَةً مَقْدُورَةً. قَوْلُهُمْ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ التَّمَسُّكُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ لَهُ؟ قُلْنَا: إِذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا، وَأَحَدُهُمَا مُقْتَضٍ لِلْإِثْبَاتِ وَالْآخَرُ لِلنَّفْيِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ مُوجِبَيْهِمَا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاقُضِ، وَلَا إِلَى نَفْيِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ وُجُودِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِمَّا يُبْطِلُ دَلَالَةَ صَرِيحِ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَالْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يُبْطِلُ عُمُومَ الْكِتَابِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ غَايَتُهُ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَنْ كَوْنِهِ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَكَانَ الْعَمَلُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مُتَعَيِّنًا.

стр. 597

قَوْلُهُمْ: إِنَّ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ دَاخِلَانِ تَحْتَ الْخِطَابِ بِأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنَّا إِنْ نَظَرْنَا إِلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِمَالِهِمَا فَهُوَ ثَابِتٌ بِخِطَابِ الْوَضْعِ وَالْأَخْبَارِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ الثَّابِتِ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ وَلَيِّهِمَا لَا بِفِعْلِهِمَا. وَأَمَّا صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ، وَاخْتِلَافُ النَّاسِ فِي صِحَّةِ إِسْلَامِهِ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ دَاخِلًا تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ وَالْإِسْلَامِ. أَمَّا صِحَّةُ الصَّلَاةِ فَمَعْنَاهَا انْعِقَادُهَا سَبَبًا لِثَوَابِهِ، وَسُقُوطُ الْخِطَابِ عَنْهُ بِهَا إِذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبَلَغَ فِي آخِرِهِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَ الشَّارِعِ حَتَّى يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنَ الشَّارِعِ، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتِ الْوَلِيِّ لِفَهْمِهِ بِخِطَابِهِ دُونَ خِطَابِ الشَّرْعِ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْجَوَابُ عَنْ صِحَّةِ إِسْلَامِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَبِتَقْدِيرِ امْتِنَاعِ تَخْصِيصِ الصَّبِيِّ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مَعَ تَسْلِيمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَغَيْرُ مُضِرٍّ وَلَا قَادِحٍ (١) ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِي آحَادِ الصُّوَرِ. وَكَمَا أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ (قَدْ) يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ فَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْحِسِّ، وَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مَعَ خُرُوجِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَنْ ذَلِكَ حِسًّا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَلَمْ تَجْعَلْهَا رَمِيمًا بِدَلَالَةِ الْحِسِّ، فَكَانَ الْحِسُّ هُوَ الدَّالَّ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ لَمْ يَكُنْ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ؛ فَكَانَ مُخَصِّصًا.

стр. 598

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ خِلَافًا لِبَعْضِ الطَّوَائِفِ، وَدَلِيلُهُ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ. أَمَّا الْمَنْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وَرَدَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ، وَقَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وَرَدَ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ ، وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ نَصَّانِ مِنَ الْكِتَابِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْآخَرُ خَاصٌّ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ حُكْمَيْهِمَا فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِالْعَامِّ أَوِ الْخَاصِّ، فَإِنْ عُمِلَ بِالْعَامِّ لَزِمَ مِنْهُ إِبْطَالُ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ مُطْلَقًا، وَلَوْ عُمِلَ بِالْخَاصِّ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعَامِّ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا خَرَجَ عَنْهُ كَمَا سَبَقَ فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْخَاصِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْخَاصَّ أَقْوَى فِي دَلَالَتِهِ وَأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ لِبُعْدِهِ عَنِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ بِخِلَافِ الْعَامِّ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْعَمَلِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ الْمَعْمُولُ بِهِ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْعَامِّ فِي الصُّورَةِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ أَوْ مُخَصِّصًا لَهُ، وَالتَّخْصِيصُ أَوْلَى مِنَ النَّسْخِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ، أَنَّ النَّسْخَ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَصْلِ الْحُكْمِ فِي الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ وَرَفْعَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالتَّخْصِيصُ لَيْسَ فِيهِ سِوَى دَلَالَتِهِ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ لِلصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ بِلَفْظِ الْعَامِّ، فَكَانَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّسَخُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ فَكَانَ التَّخْصِيصُ أَوْلَى. الثَّانِي: أَنَّ النَّسْخَ رُفِعَ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ، وَالتَّخْصِيصُ مَنَعَ مِنَ الْإِثْبَاتِ، وَالدَّفْعُ أَسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ. الثَّالِثُ: أَنَّ وُقُوعَ التَّخْصِيصِ فِي الشَّرْعِ أَغْلَبُ مِنَ النَّسْخِ فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى إِدْرَاجًا لَهُ تَحْتَ الْأَغْلَبِ، وَسَوَاءٌ جُهِلَ التَّارِيخُ أَوْ عُلِمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَاصُّ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا.

стр. 599

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْكِتَابُ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ لَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: إِضَافَةُ الْبَيَانِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ بِالْكِتَابِ إِذِ الْكُلُّ وَارِدٌ عَلَى لِسَانِهِ، فَذِكْرُهُ الْآيَةَ الْمُخَصِّصَةَ يَكُونُ بَيَانًا مِنْهُ وَيَجِبُ حَمْلُ وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ وَارِدٌ عَلَى لِسَانِهِ، كَانَ الْوَارِدُ عَلَى لِسَانِهِ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ عُمُومِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مُبَيِّنًا لِكُلِّ مَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، لِكَوْنِهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي الْبَعْضِ فَيَجِبُ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ الْعَامِّ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَإِنْ صَحَّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا فَلَا يَصِحُّ فِيمَا إِذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُقَدَّمًا فَيَكُونَ الْعَامُّ بَعْدَهُ نَاسِخًا لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُتَقَدِّمًا فَيَكُونَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لَهُ وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، فَوَجَبَ التَّعَاوُنُ (١) وَالتَّسَاقُطُ وَالرُّجُوعُ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي. وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْخَاصِّ مُخَصِّصًا مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْخَاصِّ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِمَدْلُولِ الْخَاصِّ، لَا أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَبَيَانُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ جَارٍ مَجْرَى قَوْلِهِ: اقْتُلُوا زَيْدًا الْمُشْرِكَ وَعَمْرًا الْمُشْرِكَ وَخَالِدًا، وَهَلُمَّ جَرَّا. فَإِذَا الْخَاصُّ كَقَوْلِهِ: اقْتُلُوا زَيْدًا الْمُشْرِكَ إِذَا وَرَدَ الْعَامُّ بَعْدَهُ بِنَفْيِ الْقَتْلِ عَنِ الْجَمِيعِ فَهُوَ نَاصٌّ عَلَى زَيْدٍ، وَلَوْ قَالَ: اقْتُلُوا زَيْدًا وَلَا تَقْتُلُوا زَيْدًا كَانَ نَاسِخًا لَهُ. الثَّانِي: أَنَّ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ يُمْكِنُ نَسْخُهُ، وَالْعَامَّ الْوَارِدَ بَعْدَهُ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا فَكَانَ نَاسِخًا.

стр. 600

الثَّالِثُ: هُوَ أَنَّ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَمُخَصِّصًا لِمَا بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يَكُونُ مُلْتَبِسًا. الرَّابِعُ: قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ، وَالْعَامُّ الْمُتَأَخِّرُ أَحْدَثُ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ. قُلْنَا: أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ التَّعَارُضِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ عَلَى التَّرْجِيحِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حُجَجِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ فَيَمْتَنِعُ كَوْنُ الْعَامِّ فِي تَنَاوُلِهِ لِمَا تَحْتَهُ مِنَ الْأَشْخَاصِ جَارٍ مَجْرَى الْأَلْفَاظِ الْخَاصَّةِ، إِذِ الْأَلْفَاظُ الْخَاصَّةُ بِكُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّخْصِيصِ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْعَامِّ. وَعَنِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِمْكَانِ نَسْخِهِ لِلْخَاصِّ الْوُقُوعُ، وَلَوْ لَزِمَ مِنَ الْإِمْكَانِ الْوُقُوعُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ لِإِمْكَانِ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا لَهُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَنْسُوخًا وَمُخَصِّصًا لِنَاسِخِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. وَعَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُمْ إِنْ أَرَادُوا بِتَرَدُّدِ الْخَاصِّ بَيْنَ كَوْنِهِ مَنْسُوخًا وَمُخَصِّصًا أَنَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ مُسَاوٍ لِاحْتِمَالِ النَّسْخِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ أَرَادُوا بِذَلِكَ تَطَرُّقَ الِاحْتِمَالَيْنِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا. وَلَوْ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا لَمَنَعَ تَطَرُّقَ احْتِمَالِ كَوْنِ الْعَامِّ مُخَصَّصًا بِالْخَاصِّ إِلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ نَاسِخًا. وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْأَحْدَثُ هُوَ الْخَاصُّ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.

стр. 601

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَدَلِيلُهُ الْمَعْقُولُ وَالْمَنْقُولُ. أَمَّا الْمَعْقُولُ فَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " «لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» " وَرَدَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : " فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ "، فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي النِّصَابِ وَمَا دُونَهُ، وَقَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ مِمَّا لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِمَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ مِنَ السُّنَّةِ بِسُنَّةٍ أُخْرَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تَخْصِيصُ عُمُومِ السُّنَّةِ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ السُّنَّةِ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ، وَدَلِيلُهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ. أَمَّا النَّقْلُ فَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَكَانَتْ دَاخِلَةً تَحْتَ الْعُمُومِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ خُصَّ فِي الْبَعْضِ فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْبَاقِي. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ. فَإِنْ قِيلَ: الْآيَةُ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ جَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ مُبَيِّنًا لِلْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِسُنَّتِهِ. فَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ لَكَانَ الْمُبَيَّنُ بِالسُّنَّةِ مُبَيِّنًا لَهَا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُبَيِّنَ أَصْلٌ، وَالْبَيَانُ تَبَعٌ لَهُ وَمَقْصُودٌ مِنْ أَجْلِهِ، فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ لَكَانَتِ السُّنَّةُ أَصْلًا وَالْقُرْآنُ تَبَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَجَوَابُ الْآيَةِ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِمَا أُنْزِلَ امْتِنَاعُ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِلسُّنَّةِ بِمَا يَرِدُ عَلَى لِسَانِهِ مِنَ الْقُرْآنِ، إِذِ السُّنَّةُ أَيْضًا مُنَزَّلَةٌ عَلَى مَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ غَيْرَ أَنَّ الْوَحْيَ مِنْهُ مَا يُتْلَى فَيُسَمَّى كِتَابًا، وَمِنْهُ مَا لَا يُتْلَى فَيُسَمَّى سُنَّةً، وَبَيَانُ أَحَدِ الْمُنْزَلَيْنِ بِالْآخَرِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

стр. 602

وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْمَعْنَى فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُبَيِّنًا لِشَيْءٍ ضَرُورَةَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وَأَيُّ شَيْءٍ قُدِّرَ كَوْنُ الْقُرْآنِ مُبَيِّنًا لَهُ فَلَيْسَ الْقُرْآنُ تَبَعًا لَهُ، وَلَا ذَلِكَ الشَّيْءُ مَتْبُوعًا. وَأَيْضًا فَإِنَّ الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ قَدْ يُبَيَّنُ بِهِ مُرَادُ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ، وَلَيْسَ مُنْحَطًّا عَنْ رُتْبَةِ الظَّنِّيِّ. [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ مُتَوَاتِرَةً فَلَمْ أَعْرِفْ فِيهِ خِلَافًا، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ مَا مَرَّ مِنَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ. وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ جَوَازُهُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَلَا. وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ خُصَّ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لَا مُتَّصِلٍ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِلَّا فَلَا، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْوَقْفِ. وَالْمُخْتَارُ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ، وَدَلِيلُهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ. أَمَّا النَّقْلُ فَهُوَ أَنَّ الصَّحَابَةَ خَصُّوا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا خَالَتِهَا» " (١) . وَخَصُّوا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الْآيَةَ، بِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ (٢) ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَلَا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ» ". (٣)

стр. 603

وَبِمَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً» " (١) ، وَخَصُّوا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ» (٢) ، وَخَصُّوا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ» . (٣) ، وَخَصُّوا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وَأَخْرَجُوا مِنْهُ مَا دُونَ النِّصَابِ بِقَوْلِهِ ﷺ : " «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» " (٤) ، وَخَصُّوا قَوْلَهُ - تَعَالَى -: (اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) بِإِخْرَاجِ الْمَجُوسِ مِنْهُ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: " «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصُّوَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ لِمَا فَعَلُوهُ نَكِيرٌ فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَالْوُقُوعُ دَلِيلُ الْجَوَازِ وَزِيَادَةٌ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّخْصِيصِ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَخْصِيصَهَا كَانَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : " «إِذَا رُوِيَ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَمَا وَافَقَهُ فَاقْبَلُوهُ وَمَا خَالَفَهُ فَرَدُّوهُ» " وَالْخَبَرُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ فَكَانَ مَرْدُودًا. (٥) .

стр. 604

قَوْلُهُمْ: إِنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَصِحَّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ صَحَّ فَالتَّخْصِيصُ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَيْهِ لَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا إِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ؟

стр. 605

وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَذَّبَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ فِيمَا رَوَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً، لِمَا كَانَ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ وَقَالَ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ» ؟ (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ كَانَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، لَكِنْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ بِمُجَرَّدِهِ مُخَصِّصٌ، بَلْ رُبَّمَا قَامَتِ الْحُجَّةُ عِنْدَهُمْ عَلَى صِدْقِهِ وَصِحَّةِ قَوْلِهِ بِقَرَائِنَ وَأَدِلَّةٍ اقْتَرَنَتْ بِقَوْلِهِ فَلَا يَكُونُ مُجَرَّدُ إِخْبَارِهِ حُجَّةً. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْمَعْقُولِ، فَنَقُولُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي مَدْلُولِهِ نَظَرًا إِلَى مَتْنِهِ غَيْرَ أَنَّ سَنَدَهُ مَظْنُونٌ مُحْتَمِلٌ لِلْكَذِبِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ الْمُتَوَاتِرِ، فَإِنَّهُ قَطْعِيُّ السَّنَدِ وَقَطْعِيٌّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآحَادِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَلَا يَكُونُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَاقِعًا فِي مُعَارَضَتِهِ كَمَا فِي النَّسْخِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْعُمُومَ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى آحَادِهِ، لَكِنْ مَتَى إِذَا خُصَّ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ عَلَى مَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ أَوْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عَلَى مَا قَالَهُ الْكَرْخِيُّ أَوْ قَبْلَ التَّخْصِيصِ؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ لِكَوْنِهِ صَارَ مَجَازًا ظَنِّيًّا، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ لِبَقَائِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ التَّخْصِيصُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا لِتَرْجِيحِ الْعَامِّ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ، بِكَوْنِهِ قَاطِعًا فِي مَتْنِهِ وَسَنَدِهِ.

стр. 606

وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَتْنِهِ ظَنِّيَّةٌ مُطْلَقًا غَيْرَ أَنَّهُ قَطْعِيُّ السَّنَدِ وَالْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ قَاطِعًا فِي مَتْنِهِ فَظَنِّيٌّ فِي سَنَدِهِ فَقَدْ تَقَابَلَا وَتَعَارَضَا وَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَلَى دَلِيلٍ خَارِجٍ لِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ أَحَدِهِمَا كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ. وَالْجَوَابُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ حَيْثُ إِنَّهُمْ أَضَافُوا التَّخْصِيصَ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَإِنَّمَا يَمْنَعُ مِنْ تَخْصِيصِ عُمُومِ الْقُرْآنِ بِالْخَبَرِ أَنْ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ الْمُخَصِّصُ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلْ هُوَ مُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ مِنْهُ فَكَانَ مُقَرِّرًا لَا مُخَالِفًا، وَيَجِبُ اعْتِقَادُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُفْضِيَ إِلَى تَخْصِيصِ (١) مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْخَبَرِ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ مِنَ السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ مُخَصِّصٌ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ. قَوْلُهُمْ: إِنْ صَحَّ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَالتَّخْصِيصُ بِإِجْمَاعِهِمْ لَا بِالْخَبَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ إِجْمَاعَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى تَخْصِيصِ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ مُطْلَقًا، بَلْ عَلَى تَخْصِيصِهَا بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَمَهْمَا كَانَ التَّخْصِيصُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَكْذِيبِ عُمَرَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ مَرْدُودٌ عِنْدَهُ، بَلْ لِتَرَدُّدِهِ فِي صِدْقِهَا وَلِهَذَا قَالَ: كَيْفَ نَتْرُكُ كِتَابَ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ لَا نَدْرِي أَصْدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ؟ وَلَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ مَرْدُودًا مُطْلَقًا لَمَا احْتَاجَ إِلَى هَذَا التَّعْلِيلِ. قَوْلُهُمْ: لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ خَبَرِ الْوَاحِدِ. قُلْنَا: وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ خَبَرِ الْوَاحِدِ يَكُونُ مَقْبُولًا، بَلْ إِنَّمَا يُقْبَلُ إِذَا كَانَ مُغْلِبًا عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَصْلُ عَدَمُ اعْتِبَارِ مَا سِوَاهُ فِي الْقَبُولِ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ سَنَدَ الْخَبَرِ ظَنِّيٌّ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ عَلَى الْآحَادِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ قَطْعِيَّةٌ، لِاحْتِمَالِهِ لِلتَّخْصِيصِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قُدِّرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَدْ خُصَّ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.

стр. 607

وَأَمَّا النَّسْخُ فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لَا رَفْعٌ فَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ مِنِ امْتِنَاعِ النَّسْخِ بِهِ امْتِنَاعُ التَّخْصِيصِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ السُّؤَالِ الْأَخِيرِ فِي جِهَةِ التَّعَارُضِ، فَجَوَابُهُ أَنَّ احْتِمَالَ الضَّعْفِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ جِهَةِ كَذِبِهِ، وَفِي الْعَامِّ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ تَخْصِيصِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ أَبْعَدُ مِنِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ الْعَامِّ. وَلِهَذَا كَانَتْ أَكْثَرُ الْعُمُومَاتِ مُخَصِّصَةً، وَلَيْسَ أَكْثَرُ أَخْبَارِ الْعُدُولِ كَاذِبَةً فَكَانَ الْعَمَلُ بِالْخَبَرِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ لَوْ عُمِلَ بِعُمُومِ الْعَامِّ لَزِمَ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ مُطْلَقًا، وَلَوْ عُمِلَ بِالْخَبَرِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا سِوَى صُورَةِ التَّخْصِيصِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْعَامِّ إِبْطَالٌ لِلْخَاصِّ، وَالْعَمَلَ بِالْخَاصِّ بَيَانٌ لِلْعَامِّ لَا إِبْطَالٌ لَهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْبَيَانَ أَوْلَى مِنَ الْإِبْطَالِ. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ تَخْصِيصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي تَخْصِيصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَدَلِيلُهُ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ، أَمَّا الْمَنْقُولُ، فَهُوَ أَنَّ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ خَصَّصَ آيَةَ الْقَذْفِ بِتَنْصِيفِ الْجَلْدِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ كَالْأَمَةِ. وَأَمَّا الْمَعْقُولُ، فَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ، وَالْعَامُّ غَيْرُ قَاطِعٍ فِي آحَادِ مُسَمَّيَاتِهِ كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ. فَإِذَا رَأَيْنَا أَهَلَ الْإِجْمَاعِ قَاضِينَ بِمَا يُخَالِفُ الْعُمُومَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ مَا قَضَوْا بِهِ إِلَّا وَقَدِ اطَّلَعُوا عَلَى دَلِيلٍ مُخَصِّصٍ لَهُ نَفْيًا لِلْخَطَأِ عَنْهُمْ. وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى إِطْلَاقِنَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُخَصِّصٌ لِلنَّصِّ أَنَّهُ مُعَرِّفٌ لِلدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ، لَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ الْمُخَصِّصُ. وَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا نَقُولُ: إِنَّا إِذَا رَأَيْنَا عَمَلَ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْإِجْمَاعِ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ الْخَاصَّ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا لِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى نَاسِخٍ لِلنَّصِّ، فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ مُعَرِّفًا لِلنَّاسِخِ، لَا أَنَّهُ نَاسِخٌ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْإِجْمَاعَ نَفْسَهُ لَا يَكُونُ نَاسِخًا؛ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ خِطَابِ الشَّارِعِ، وَالْإِجْمَاعُ لَيْسَ خِطَابًا لِلشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى الْخِطَابِ النَّاسِخِ.

стр. 608

[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ، وَالْمَفْهُومِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: كُلُّ مَنْ دَخَلَ دَارِي فَاضْرِبْهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ دَخَلَ زَيْدٌ دَارِي فَلَا تَقُلْ لَهُ: أُفٍّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ضَرْبِ زِيدٍ وَإِخْرَاجِهِ عَنِ الْعُمُومِ، نَظَرًا إِلَى مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَمَا سِيقَ لَهُ الْكَلَامُ مِنْ كَفِّ الْأَذَى عَنْ زَيْدٍ، وَسَوَاءٌ قِيلَ إِنَّ تَحْرِيمَ الضَّرْبِ مُسْتَفَادٌ مِنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أَوْ مِنَ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي. وَكَذَا لَوْ وَرَدَ نَصٌّ عَامٌّ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْأَنْعَامِ كُلِّهَا، ثُمَّ وَرَدَ قَوْلُهُ ﷺ : " «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» "، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ بِإِخْرَاجِ مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ عَنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِمَفْهُومِهِ. وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَفْهُومَيْنِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ خَاصٌّ فِي مَوْرِدِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ، لِتَرَجُّحِ دَلَالَةِ الْخَاصِّ عَلَى دَلَالَةِ الْعَامِّ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمَفْهُومُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا وَأَقْوَى فِي الدَّلَالَةِ مِنَ الْعُمُومِ إِلَّا أَنَّ الْعَامَّ مَنْطُوقٌ بِهِ، وَالْمَنْطُوقُ أَقْوَى فِي دَلَالَتِهِ مِنَ الْمَفْهُومِ لِافْتِقَارِ الْمَفْهُومِ فِي دَلَالَتِهِ إِلَى الْمَنْطُوقِ، وَعَدَمِ افْتِقَارِ الْمَنْطُوقِ فِي دَلَالَتِهِ إِلَى الْمَفْهُومِ. قُلْنَا: إِلَّا أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَفْهُومِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ مُطْلَقًا، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ أَحَدِهِمَا وَإِبْطَالِ أَصْلِ الْآخَرِ.

стр. 609

[الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِفِعْلِ الرَّسُولِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ فِعْلِ الرَّسُولِ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ، هَلْ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ لِلْعُمُومِ أَمْ لَا؟ فَأَثْبَتَهُ الْأَكْثَرُونَ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ كَالْكَرْخِيِّ. وَتَحْقِيقُ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهُوَ أَنْ نَقُولَ: الْعَامُّ الْوَارِدُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِلْأُمَّةِ وَالرَّسُولِ كَمَا لَوْ قَالَ ﷺ : الْوِصَالُ أَوِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ كَشْفِ الْفَخِذِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِلْأُمَّةِ دُونَ الرَّسُولِ كَمَا لَوْ قَالَ ﷺ : نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْوِصَالِ أَوِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ كَشْفِ الْفَخِذِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَإِذَا رَأَيْنَاهُ قَدْ وَاصَلَ أَوِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَوْ كَشَفَ فَخِذَهُ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ، وَيَكُونُ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الْعُمُومِ وَمُخَصِّصًا. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ بِأَنَّ اتِّبَاعَهُ فِي فِعْلِهِ وَالتَّأَسِّيَ بِهِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُ، أَوْ لَا نَقُولُ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ رَفْعُ حُكْمِ الْعُمُومِ مُطْلَقًا فِي حَقِّهِ بِفِعْلِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ بِوُجُوبِ التَّأَسِّي بِهِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَخْصِيصًا، بَلْ نَسْخًا لِحُكْمِ الْعُمُومِ مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِ. وَإِنْ قِيلَ بِالثَّانِي، كَانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُ عَنِ الْعُمُومِ دُونَ أُمَّتِهِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَامًّا لِلْأُمَّةِ دُونَ الرَّسُولِ، فَفِعْلُهُ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِنَفْسِهِ عَنِ الْعُمُومِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيهِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ، فَإِنْ قِيلَ أَيْضًا بِوُجُوبِ اتِّبَاعِ الْأُمَّةِ لَهُ فِي فِعْلِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا نَسْخًا عَنْهُمْ لَا تَخْصِيصًا كَمَا سَبَقَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ أَصْلًا، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الْعُمُومِ، وَلَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُمَّةِ. وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَلَا أَرَى لِلْخِلَافِ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ (١) بِفِعْلِ النَّبِيِّ وَجْهًا.

стр. 610

أَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ الْمُخَصَّصُ عَنِ الْعُمُومِ وَحْدَهُ فَلِعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ، وَأَمَّا فِي بَاقِي الْأَقْسَامِ فَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّخْصِيصِ. بَلْ إِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي بَاقِي الْأَقْسَامِ، هَلْ فِعْلُهُ يَكُونُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْعُمُومِ فِيهَا؟ فَخَارِجٌ عَنِ الْخَوْضِ فِي بَابِ التَّخْصِيصِ، وَالْأَظْهَرُ فِي ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْوَقْفُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ دَلِيلَ وُجُوبِ التَّأَسِّي، وَاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّمَا هُوَ بِدَلِيلٍ عَامٍّ لِلْأُمَّةِ، وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْعُمُومِ الْآخَرِ فِي عُمُومِهِ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا وَإِبْطَالُ الْآخَرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ. (١) فَإِنْ قِيلَ: بَلِ الْعَمَلُ بِالْفِعْلِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ قُلْنَا: الْفِعْلُ لَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى لُزُومِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ بَاقِي الْأُمَّةِ بِنَفْسِهِ، بَلْ لِأَدِلَّةٍ عَامَّةٍ مُوجِبَةٍ عَلَى الْأُمَّةِ لُزُومَ الِاتِّبَاعِ.

стр. 611

فَإِنْ قِيلَ: إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْخَاصَّ مَعَ الْعُمُومَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّأَسِّي أَخَصُّ مِنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْعَامِّ، وَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى بِالْعَمَلِ. قُلْنَا: أَمَّا الْفِعْلُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَهُ دَلَالَةً عَلَى وُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِالنَّبِيِّ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلِ الْمُوجِبُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْعَامِّ الْآخَرِ فِي عُمُومِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ خَاصًّا أَوْ عَامًّا. وَذَلِكَ الْمُوجِبُ لِلتَّأَسِّي غَيْرُ مُتَأَخِّرٍ عَنِ الْعَامِّ، بَلْ مُحْتَمَلٌ لِلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ عُلِمَ التَّارِيخُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا. (١) كَيْفَ وَإِنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ التَّأَسِّي مُتَوَقِّفٌ عَلَى وُجُودِ الْفِعْلِ، وَعَلَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى التَّأَسِّي، وَلَا كَذَلِكَ لِلْعَامِّ الْآخَرِ، وَمَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى أَمْرَيْنِ يَكُونُ أَبْعَدَ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ؟ (٢) [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ لِمَا يَفْعَلُهُ الْوَاحِدُ مِنْ أُمَّتِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُخَالِفًا لِلْعُمُومِ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ] الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا يَفْعَلُهُ الْوَاحِدُ مِنْ أُمَّتِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مُخَالِفًا لِلْعُمُومِ، وَعَدَمُ إِنْكَارِهِ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَعَدَمُ الْغَفْلَةِ وَالذُّهُولِ عَنْهُ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْعَامِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِطَائِفَةٍ شَاذَّةٍ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ تَقْرِيرَهُ لَهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَهُ وَإِلَّا كَانَ فِعْلُهُ مُنْكَرًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَحَالَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السُّكُوتُ عَنْهُ وَعَدَمُ

стр. 612

النَّكِيرِ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ التَّقْرِيرُ دَلِيلَ الْجَوَازِ، وَإِنْ أَمْكَنَ نَسْخُ ذَلِكَ الْحُكْمِ مُطْلَقًا أَوْ نَسْخُهُ عَنْ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، وَاحْتِمَالُ تَخْصِيصِهِ مِنَ الْعُمُومِ أَوْلَى وَأَقْرَبُ لِمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَقُّلُ مَعْنًى أَوْجَبَ جَوَازَ مُخَالَفَةِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ لِلْعُمُومِ فَكُلُّ مَنْ كَانَ مُشَارِكًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَهُوَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي تَخْصِيصِهِ عَنْ ذَلِكَ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَحَلِّ التَّخْصِيصِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْمَعْنَى الْجَامِعُ فَلَا. فَإِنْ قِيلَ: التَّقْرِيرُ لَا صِيغَةَ لَهُ، فَلَا يَقَعُ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَهُ صِيغَةٌ فَلَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ مُشَارِكًا لَهُ فِي حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ مُشَارِكًا لَهُ فِي حُكْمِهِ لَصَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ، دَفْعًا لِمَحْذُورِ التَّلْبِيسِ عَلَى الْأُمَّةِ بِاعْتِقَادِهِمُ الْمُشَارَكَةَ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي حُكْمِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» ". (١) قُلْنَا: وَإِنْ كَانَ التَّقْرِيرُ لَا صِيغَةَ لَهُ غَيْرَ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ نَفْيًا لِلْخَطَأِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ الْعَامِّ، فَإِنَّهُ ظَنِّيٌّ مُحْتَمِلٌ لِلتَّخْصِيصِ فَكَانَ مُوجِبًا لِتَخْصِيصِهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ وُجُوبِ الْمُشَارَكَةِ فَبَعِيدٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَقَوْلُهُ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " لَا يَكُونُ مُرْتَبِطًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: " «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» " إِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً مُوهِمَةً لِمُشَارَكَةِ الْجَمَاعَةِ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ، أَنْ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ: (حُكْمِي) عَامًّا فِي كُلِّ حُكْمٍ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً عَامَّةً فَلَا تَدْلِيسَ وَلَا تَلْبِيسَ، وَبِتَقْدِيرِ مُشَارَكَةِ الْأُمَّةِ لِذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ يَكُونُ نَسْخًا، وَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا كَمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ.

стр. 613

[الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْعُمُومِ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ] الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ إِذَا كَانَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ الْعُمُومِ، وَسَوَاءٌ كَانَ هُوَ الرَّاوِي أَوْ لَمْ يَكُنْ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ، خِلَافًا لِأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةِ وَعِيسَى بْنِ أَبَانٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ. وَدَلِيلُهُ أَنَّ ظَاهِرَ الْعُمُومِ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ، وَمَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ (١) ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْعُمُومِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: إِذَا خَالَفَ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ الْعُمُومَ فَلَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ، لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لَا لِدَلِيلٍ، وَإِلَّا وَجَبَ تَفْسِيقُهُ وَالْحُكْمُ بِخُرُوجِهِ عَنِ الْعَدَالَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِدَلِيلٍ وَجَبَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ، إِذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا كَمَا عُلِمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. قُلْنَا: مُخَالَفَةُ الصَّحَابِيِّ لِلْعُمُومِ إِنَّمَا كَانَتْ لِدَلِيلٍ عَنَّ لَهُ فِي نَظَرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُخْطِئًا فِيهِ أَوْ مُصِيبًا. فَلِذَلِكَ لَمْ نَقْضِ بِتَفْسِيقِهِ لِكَوْنِهِ مَأْخُوذًا بِاتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِ وَمَا أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مَا عَنَّ لَهُ فِي نَظَرِهِ حُجَّةً مُتَّبَعَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ مُخَالَفَةِ صَحَابِيٍّ آخَرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيقٍ وَلَا تَبْدِيعٍ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَا صَارَ إِلَيْهِ حُجَّةً وَاجِبَةَ الِاتِّبَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَيْرِ فَلَا يَكُونُ الْعُمُومُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مُطْلَقًا.

стр. 614

[الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمُخَاطَبِينَ تَنَاوُلُ طَعَامٍ خَاصٍّ فَوَرَدَ خِطَابٌ عَامٌّ بِتَحْرِيمِ الطَّعَامِ] الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَةِ الْمُخَاطَبِينَ تَنَاوُلُ طَعَامٍ خَاصٍّ فَوَرَدَ خِطَابٌ عَامٌّ بِتَحْرِيمِ الطَّعَامِ كَقَوْلِهِ: حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ الطَّعَامَ فَقَدِ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عُمُومِهِ فِي تَحْرِيمِ كُلِّ طَعَامٍ عَلَى وَجْهٍ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُعْتَادُ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّ الْعَادَةَ لَا تَكُونُ مُنَزِّلَةً لِلْعُمُومِ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُعْتَادِ دُونَ غَيْرِهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا هِيَ فِي اللَّفْظِ الْوَارِدِ، وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ لِكُلِّ مَطْعُومٍ بِلَفْظِهِ وَلَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِالْعَوَائِدِ، وَهُوَ حَاكِمٌ عَلَى الْعَوَائِدِ فَلَا تَكُونُ الْعَوَائِدُ حَاكِمَةً عَلَيْهِ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا مَنَعْتُمْ مِنْ تَجْوِيزِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ وَتَنْزِيلِ لَفْظِ الطَّعَامِ عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَخْصِيصِ اللَّفْظِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ فِي اللُّغَةِ بِالْعَادَةِ؟ وَذَلِكَ كَتَخْصِيصِ اسْمِ الدَّابَّةِ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الدَّابَّةِ عَامًّا فِي كُلِّ مَا يَدِبُّ، وَكَتَخْصِيصِ اسْمِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي الْبَلَدِ حَتَّى إِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الدَّابَّةِ وَالثَّمَنِ غَيْرُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالنَّقْدِ الْغَالِبِ فِي الْبَلَدِ. قُلْنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ الْعَادَةَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ إِنَّمَا هِيَ مُطَّرِدَةٌ فِي اعْتِيَادِ أَكْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ الْمَخْصُوصِ لَا فِي تَخْصِيصِ اسْمِ الطَّعَامِ بِذَلِكَ الطَّعَامِ الْخَاصِّ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَاضِيًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ عُمُومُ لَفْظِ الطَّعَامِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الدَّابَّةِ، فَإِنَّهُ صَارَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ ظَاهِرًا فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَضْعًا، حَتَّى إِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ إِطْلَاقِ الدَّابَّةِ غَيْرُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، فَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْأَصْلِيِّ حَتَّى إِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْعَادَةُ فِي الطَّعَامِ الْمُعْتَادِ أَكْلُهُ قَدْ خَصَّصَتْ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ اسْمَ الطَّعَامِ بِذَلِكَ الطَّعَامِ، لَكَانَ لَفْظُ الطَّعَامِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ضَرُورَةَ تَنْزِيلِ مُخَاطَبَةِ الشَّارِعِ لِلْعَرَبِ، عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ لَهُمْ مِنْ لُغَتِهِمْ، وَفِيهِ دِقَّةٌ مَعَ وُضُوحِهِ.

стр. 615

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ وَلَفْظٌ خَاصٌّ يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَام لَا يَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ، وَلَفْظٌ خَاصٌّ يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَامُّ، لَا يَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ بِجِنْسِ مَدْلُولِ الْخَاصِّ وَمُخْرِجًا عَنْهُ مَا سِوَاهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «أَيُّمَا إِهَابٌ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ إِهَابٍ، وَقَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: " «دِبَاغُهَا طَهُورُهَا» "، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُخَصِّصًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ وَإِجْرَاءِ الْعَامِّ عَلَى عُمُومِهِ، وَمَعَ إِمْكَانِ إِجْرَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا حَاجَةَ إِلَى الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا وَمُخَالَفَةِ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدِ اخْتَرْتُمْ أَنَّ الْمَفْهُومَ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَتَخْصِيصُ (جِلْدِ الشَّاةِ بِالذِّكْرِ) يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا سِوَى الشَّاةِ مِنْ جُلُودِ بَاقِي الْحَيَوَانَاتِ، فَكَانَ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ الْوَارِدِ بِتَطْهِيرِهَا. قُلْنَا: أَمَّا مَنْ نَفَى كَوْنَ الْمَفْهُومِ حُجَّةً وَأَبْطَلَ دَلَالَتَهُ كَمَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ فَلَا أَثَرَ لِإِلْزَامِهِ بِهِ هَاهُنَا. وَمَنْ قَالَ بِالْمَفْهُومِ الْمُخَصِّصِ لِلْعُمُومِ، إِنَّمَا قَالَ بِهِ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَمَفْهُومِ الصِّفَةِ الْمُشْتَقَّةِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا فِي مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَتَخْصِيصُ جِلْدِ الشَّاةِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الطَّهَارَةِ بِالدِّبَاغِ عَنْ بَاقِي جُلُودِ الْحَيَوَانَاتِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا إِلَّا بِطَرِيقِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَحْقِيقُهُ. وَلِهَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: عِيسَى رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِرَسُولِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: الْحَادِثُ مَوْجُودٌ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَدِيمَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ كُفْرًا.

стр. 616

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ اللَّفْظُ الْعَامُّ إِذَا عُقِّبَ بِمَا فِيهِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى بَعْضِ الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ هَلْ يَكُونُ خُصُوصُ الْمُتَأَخِّرِ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ اللَّفْظُ الْعَامُّ إِذَا عُقِّبَ بِمَا فِيهِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى بَعْضِ الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ لَا إِلَى كُلِّهِ، هَلْ يَكُونُ خُصُوصُ الْمُتَأَخِّرِ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ بِمَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَيْهِ أَوْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِ إِلَى امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ بِذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ الْحَرَائِرِ الْمُطَلَّقَاتِ بَوَائِنَ كُنُّ أَوْ رَجْعِيَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى الرَّجْعِيَّاتِ دُونَ الْبَوَائِنِ، وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ. وَالْمُخْتَارُ بَقَاءُ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ عَلَى عُمُومِهِ، وَامْتِنَاعُ تَخْصِيصِهِ بِمَا تَعَقَّبَهُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنَ الْعُمُومِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ الثَّانِي عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى جَمِيعِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُتَقَدِّمُ، إِذْ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِاخْتِصَاصِ بَعْضِ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ بِهِ دُونَ الْبَعْضِ فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِ الضَّمِيرِ بِبَعْضِ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ وَخُولِفَ ظَاهِرُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ الْأَخِيرَ، بَلْ يَجِبُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إِلَى أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ. (١) فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ مَا اقْتَضَاهُ الضَّمِيرُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى كُلِّ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ إِذَا أَجْرَيْنَا اللَّفْظَ السَّابِقَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَيْسَ الْقَوْلُ بِإِجْرَائِهِ عَلَى عُمُومِهِ، وَمُخَالَفَةُ ظَاهِرِ الضَّمِيرِ أَوْلَى مِنْ إِجْرَاءِ ظَاهِرِ الضَّمِيرِ عَلَى مُقْتَضَاهُ، وَتَخْصِيصُ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ، وَإِذَا لَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْوَقْفُ. قُلْنَا: بَلْ إِجْرَاءُ اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى عُمُومِهِ وَتَخْصِيصُ الْمُتَأَخِّرِ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَوَّلِ ظَاهِرَةٌ، وَدَلَالَةَ الثَّانِي غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَلَالَةَ الْمُظْهَرِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْمُضْمَرِ، فَكَانَ رَاجِحًا.

стр. 617

[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْقَائِلُونَ بِكَوْنِ الْعُمُومِ وَالْقِيَاسِ حُجَّةً اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ، فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى جَوَازِهِ مُطْلَقًا، وَذَهَبُ الْجُبَّائِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى تَقْدِيمِ الْعَامِّ عَلَى الْقِيَاسِ، وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِجَلِيِّ الْقِيَاسِ دُونَ خَفِيِّهِ، وَذَهَبَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ وَالْكَرْخِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ لِلْعَامِّ الْمُخَصَّصِ دُونَ غَيْرِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْكَرْخِيَّ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَأَطْلَقَ عِيسَى بْنُ أَبَانٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ إِذَا كَانَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي خُصَّتْ عَنِ الْعُمُومِ دُونَ غَيْرِهِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِلَى الْوَقْفِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ فِي الْقِيَاسِ ثَابِتَةً بِالتَّأْثِيرِ أَيْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ جَازَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُؤَثِّرَةً فَلِأَنَّهَا نَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ النَّصِّ الْخَاصِّ، فَكَانَتْ مُخَصِّصَةً لِلْعُمُومِ كَتَخْصِيصِهِ بِالنَّصِّ كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ، فَإِنَّمَا قُلْنَا بِامْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ بِهَا لِلْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ: أَمَّا الْإِجْمَالُ فَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ فِي مَحَلِّ التَّخْصِيصِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا عَلَى الْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لَهُ أَوْ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا، فَإِنْ كَانَ رَاجِحًا امْتَنَعَ تَخْصِيصُهُ بِالْمَرْجُوحِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا فَلَيْسَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ التَّخْصِيصُ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فِي مَحَلِّ الْمُعَارَضَةِ رَاجِحًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنِ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.

стр. 618

وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَهُوَ أَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ آحَادِ الصُّوَرِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ، وَجِهَةُ ضَعْفِهِ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنِ احْتِمَالِ تَخْصِيصِهِ أَوْ كَذِبِ الرَّاوِي إِنْ كَانَ الْعَامُّ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ. وَأَمَّا احْتِمَالَاتُ ضَعْفِ الْقِيَاسِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِمَحَلِ الْمُعَارَضَةِ بِخُصُوصِهِ إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الْكَذِبُ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إِثْبَاتِهِ قَطْعِيًّا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنْبِطُ الْقِيَاسَ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ ظَاهِرَةٍ. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ ظَاهِرَةٍ فَلَعَلَّهَا غَيْرُ مَا ظَنَّهُ الْقَائِسُ عِلَّةً وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي طَرِيقِ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ فَأَثْبَتَهَا بِمَا لَا يَصْلُحُ لِلْإِثْبَاتِ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِيهِ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ فِي الْفَرْعِ مَانِعُ السَّبَبِ أَوْ مَانِعُ الْحُكْمِ، أَوْ فَاتَ شَرْطُ السَّبَبِ فِيهِ أَوْ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَكَانَ الْعُمُومُ لِذَلِكَ رَاجِحًا. كَيْفَ وَإِنَّ الْعُمُومَ مِنْ جِنْسِ النُّصُوصِ، وَالنَّصُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ فِي جِنْسِهِ إِلَى الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ مُتَوَقِّفٌ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً بِالنَّصِّ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بِالْإِجْمَاعِ فَالْإِجْمَاعُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى النَّصِّ، فَكَانَ الْقِيَاسُ مُتَوَقِّفًا عَلَى النَّصِّ لِذَلِكَ رَاجِحًا. وَلِذَلِكَ وَقَعَ الْقِيَاسُ مُؤَخَّرًا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَنِ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَيْثُ «قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا: " بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَقَالَ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا تَتَقَدَّمَ السُّنَّةُ عَلَى الْكِتَابِ، غَيْرَ أَنَّا خَالَفْنَاهُ فِي تَقْدِيمِ خَاصِّ السُّنَّةِ عَلَى عَامِّ الْكِتَابِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ فِيمَا عَدَاهُ.

стр. 619

وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ كُلُّهَا إِنْ لَمْ تُوجِبِ التَّرْجِيحَ فَلَا أَقَلَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ. وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَيَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ. (١) فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قَبْلَ وُجُودِ الْوَاقِفِيَّةِ، إِذِ الْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْيِينِ، وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْوَقْفِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الدَّلِيلَيْنِ عَنِ الْعَمَلِ بِهِمَا، وَالْمَحْذُورُ فِيهِ فَوْقَ الْمَحْذُورِ فِي الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا، فَالْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِالْعُمُومِ لَزِمَ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ مُطْلَقًا. وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْقِيَاسِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِبْطَالُ الْعُمُومِ مُطْلَقًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِ فِيمَا عَدَا صُورَةِ التَّخْصِيصِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا وَتَعْطِيلِ الْآخَرِ. قُلْنَا: نَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْوَقْفِ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ تَرْجِيحِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ، وَبِتَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِالْوَقْفِ لَا نُسَلِّمُ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى إِبْطَالِ الْوَقْفِ، إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ. وَلِهَذَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَقْطَعُ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ مُخَالِفِهِ مَعَ مَصِيرِهِ إِلَى نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ أَوْ إِثْبَاتِ مَا نَفَاهُ فَلِأَنْ لَا يَكُونَ قَاطِعًا بِإِبْطَالِهِ عِنْدَ تَوَقُّفِهِ فِي نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ أَوْ إِثْبَاتِ مَا نَفَاهُ أَوْلَى. قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْعَمَلَ بِالْقِيَاسِ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِلْعَمَلِ بِالْعُمُومِ، قُلْنَا فِي مَحَلِّ الْمُعَارَضَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا: الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَالنِّزَاعُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي التَّرْجِيحِ فِي مَحَلِّ الْمُعَارَضَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْحُكْمُ بِالْوَقْفِ أَوِ التَّرْجِيحِ عَلَى حَسَبِ مَا يَظْهَرُ فِي نَظَرِهِ فِي آحَادِ الْوَقَائِعِ مِنَ الْقَرَائِنِ وَالتَّرْجِيحَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّفَاوُتِ أَوِ التَّسَاوِي مِنْ غَيْرِ تَخْطِئَةٍ، إِذِ الْأَدِلَّةُ فِيهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ظَنِّيَّةٌ، غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ، فَكَانَتْ مُلْحَقَةً بِالْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ دُونَ الْقَطْعِيَّةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. (٢)

стр. 620

وَيَجِبُ أَنْ نَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، أَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا سَبَقَ فَلَا خَفَاءَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا، بَلْ هُوَ مُبَايِنٌ لَهُ. وَأَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَخْصِيصٌ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّخْصِيصِ عِنْدَهُ فَكُلُّ اسْتِثْنَاءٍ تَخْصِيصٌ، وَلَيْسَ كُلُّ تَخْصِيصٍ اسْتِثْنَاءً؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْصِيصِ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ أَيْضًا.

стр. 621

[الصِّنْفُ السَّادِسُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ] الصِّنْفُ السَّادِسُ فِي الْمُطْلَقِ (١) وَالْمُقَيَّدِ. أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعِبَارَةٌ عَنِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ. فَقَوْلُنَا: (نَكِرَةٌ) احْتِرَازٌ عَنْ أَسْمَاءِ الْمَعَارِفِ وَمَا مَدْلُولُهُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ أَوْ عَامٌّ مُسْتَغْرِقٌ. وَقَوْلُنَا: (فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ) احْتِرَازٌ عَنِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَإِنَّهَا تَعُمُّ جَمِيعَ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا، وَتَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ التَّنْكِيرِ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ فِي مَعْرِضِ الْأَمْرِ " أَعْتِقْ رَقَبَةً " أَوْ مَصْدَرِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أَوِ الْإِخْبَارِ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ: " سَأَعْتِقُ رَقَبَةً " وَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِطْلَاقُ فِي مَعْرِضِ الْخَبَرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَاضِي، كَقَوْلِهِ: " رَأَيْتُ رَجُلًا " ضَرُورَةَ تَعْيِنِهِ مِنْ إِسْنَادِ الرُّؤْيَةِ إِلَيْهِ. (٢) وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى مَدْلُولٍ شَائِعٍ فِي جِنْسِهِ. (٣) فَقَوْلُنَا: (لَفْظٌ) كَالْجِنْسِ لِلْمُطْلَقِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُنَا: (دَالٌّ) احْتِرَازٌ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ. وَقَوْلُنَا: (عَلَى مَدْلُولٍ) لِيَعُمَّ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ.

стр. 622

وَقَوْلُنَا: (شَائِعٌ فِي جِنْسِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، وَمَا مَدْلُولُهُ مُعَيَّنٌ أَوْ مُسْتَغْرَقٌ. وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارَيْنِ. الْأَوَّلُ: مَا كَانَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَدْلُولٍ مُعَيَّنٍ، كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَهَذَا الرَّجُلُ وَنَحْوِهِ. الثَّانِي: مَا كَانَ مِنَ الْأَلْفَاظِ دَالًّا عَلَى وَصْفِ مَدْلُولِهِ الْمُطْلَقِ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ كَقَوْلِكَ: " دِينَارٌ مِصْرِيٌّ، وَدِرْهَمٌ مَكِّيٌّ ". وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فِي جِنْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دِينَارٌ مِصْرِيٌّ وَدِرْهَمٌ مَكِّيٌّ، غَيْرَ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُطْلَقِ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَهُوَ مُطْلَقٌ مِنْ وَجْهٍ، وَمُقَيَّدٌ مِنْ وَجْهٍ. وَإِذَا عُرِفَ مَعْنَى الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مُخَصَّصَاتِ الْعُمُومِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَالْمُزَيَّفِ، وَالْمُخْتَارِ ; فَهُوَ بِعَيْنِهِ جَارٍ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، فَعَلَيْكَ بِاعْتِبَارِهِ وَنَقْلِهِ إِلَى هَاهُنَا. وَنُزِيدُ مَسْأَلَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا وَرَدَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، فَلَا يَخْلُو. إِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُهُمَا، أَوْ لَا يَخْتَلِفَ: فَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا. فَلَا خِلَافَ فِي امْتِنَاعِ حَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَا مَأْمُورَيْنِ أَوْ مَنْهِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا مَأْمُورًا وَالْآخَرُ مَنْهِيًّا، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ سَبَبُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَ؛ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إِذَا قَالَ مَثَلًا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ " أَعْتِقُوا رَقَبَةً " ثُمَّ قَالَ " لَا تُعْتِقُوا رَقَبَةً كَافِرَةً " فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّ الْمُقَيَّدَ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالرَّقَبَةِ الْمُسْلِمَةِ. وَعَلَيْكَ بِاعْتِبَارِ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ، فَإِنَّهَا سَهْلَةٌ. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُمَا، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ سَبَبُهُمَا، أَوْ لَا يَتَّحِدَ: فَإِنِ اتَّحَدَ سَبَبُهُمَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ دَالًّا عَلَى إِثْبَاتِهِمَا أَوْ نَفْيِهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ كَمَا لَوْ قَالَ فِي الظِّهَارِ: " أَعْتِقُوا رَقَبَةً "، ثُمَّ قَالَ: " أَعْتِقُوا رَقَبَةً مُسْلِمَةً " فَلَا نَعْرِفُ خِلَافًا فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالْمُقَيَّدِ فَقَدْ وَفَّى بِالْعَمَلِ بِدَلَالَةِ الْمُطْلَقِ، وَمَنْ عَمِلَ بِالْمُطْلَقِ لَمْ يَفِ بِالْعَمَلِ بِدَلَالَةِ الْمُقَيَّدِ، فَكَانَ الْجَمْعُ هُوَ الْوَاجِبُ وَالْأَوْلَى.

стр. 623

فَإِنْ قِيلَ بِطَرِيقِ الشُّبْهَةِ إِذَا كَانَ حُكْمُ الْمُطْلَقِ إِمْكَانَ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ، بِمَا شَاءَ الْمُكَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَالْعَمَلُ بِالْمُقَيَّدِ مِمَّا يُنَافِي مُقْتَضَى الْمُطْلَقِ، وَلَيْسَ مُخَالَفَةُ الْمُطْلَقِ، وَإِجْرَاءُ الْمُقَيَّدِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيلِ الْمُقَيَّدِ بِحَمْلِهِ عَلَى النَّدْبِ وَإِجْرَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إِطْلَاقِهِ. قُلْنَا: بَلِ التَّقْيِيدُ أَوْلَى مِنَ التَّأْوِيلِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، وَلَا كَذَلِكَ فِي التَّأْوِيلِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُطْلَقَ إِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَالْعَمَلُ بِهِ فِيهِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُوفِيًا لِلْعَمَلِ بِاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أَدَّاهُ قَبْلَ وُرُودِ التَّقْيِيدِ، كَانَ قَدْ عَمِلَ بِاللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ الْمُقَيَّدِ وَصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ إِلَى مَجَازِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِفِعْلِ أَيِّ وَاحِدٍ كَانَ مِنَ الْآحَادِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ دَلَالَةً عَلَيْهِ بِوَضْعِهِ لُغَةً، بِخِلَافِ عَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُقَيَّدُ مِنْ صِفَةِ التَّقْيِيدِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَحْذُورَ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لُغَةً أَعْظَمُ مِنْ صَرْفِهِ عَمَّا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِلَفْظِهِ لُغَةً. وَأَمَّا إِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى نَفْيِهِمَا أَوْ نَهْيٍ عَنْهُمَا، كَمَا لَوْ قَالَ مَثَلًا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: " لَا تَعْتِقُ مُكَاتَبًا كَافِرًا " فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِمَدْلُولِهِمَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْيِ؛ إِذْ لَا تَعَذُّرَ فِيهِ. وَأَمَّا إِنْ كَانَ سَبَبُهُمَا مُخْتَلِفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقَتْلِ الْخَطَأِ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ فَهَذَا مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ. فَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ﵁ تَنْزِيلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَأْوِيلِهِ. فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى التَّقْيِيدِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا إِذَا وُجِدَ بَيْنَهُمَا عِلَّةٌ جَامِعَةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلْإِلْحَاقِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِهِ. وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا.

стр. 624

وَلْنَذْكُرْ حُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ. أَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالتَّقْيِيدِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، فَهِيَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى مُتَحَدٍّ فِي ذَاتِهِ لَا تَعَدُّدَ فِيهِ فَإِذَا نَصَّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، كَانَ ذَلِكَ تَنْصِيصًا عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَلِهَذَا حُمِلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ عَلَى قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ خَارِجٍ. وَهَذَا مِمَّا لَا اتِّجَاهَ لَهُ، فَإِنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَعْنَى بِالنَّفْسِ، أَوِ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا لَا تَعَدُّدَ فِيهِ، غَيْرَ أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالْمُتَعَلِّقَاتِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْمُتَعَلِّقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِأَحَدِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِالْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ، أَوِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ وَإِلَّا كَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بِبَعْضِ الْمُخْتَلِفَاتِ أَمْرًا وَنَهْيًا بِبَاقِي الْمُخْتَلِفَاتِ، وَهُوَ مُحَالٌ مُتَنَاقِضٌ، بَلْ وَكَانَ يَلْزَمُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالصَّوْمِ الْمُقَيَّدِ فِي الْحَجِّ بِالتَّفْرِيقِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وَبِالتَّتَابُعِ فِي الظِّهَارِ حَيْثُ قَالَ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أَنْ يَتَقَيَّدَ الصَّوْمُ الْمُطْلَقُ فِي الْيَمِينِ، إِمَّا بِالتَّتَابُعِ أَوِ التَّفْرِيقِ، وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَلَا أَوْلَوِيَّةَ. كَيْفَ وَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، إِبْطَالُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى أَحَدِ الْمُخْتَلِفَيْنِ يَكُونُ تَنْصِيصًا عَلَى الْآخَرِ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعِبَارَةُ الدَّالَّةُ، فَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ غَيْرُ مُتَّحِدَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ دَلَالَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ، دَلَالَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمُحَالِ الَّذِي قَدَّمْنَا لُزُومَهُ فِي الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ. (١) وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَمْلِ الذَّاكِرَاتِ عَلَى الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَدَلِيلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَالذَّاكِرَاتِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

стр. 625

) وَلَا اسْتِقْلَالَ لَهُ بِنَفْسِهِ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَا هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَمُشَارِكٌ لَهُ فِي حُكْمِهِ. وَأَمَّا حُجَّةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا امْتَنَعَ التَّقْيِيدُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لِمَا سَبَقَ. فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ وَلَا نَصَّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْقِيَاسُ يَلْزَمُ مِنْهُ رَفْعُ مَا اقْتَضَاهُ الْمُطْلَقُ مِنَ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، فَيَكُونُ نَسْخًا، وَنَسْخُ النَّصِّ لَا يَكُونُ بِالْقِيَاسِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الْقِيَاسِ نَسْخُ النَّصِّ الْمُطْلَقِ، بَلْ تَقْيِيدُهُ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ عِنْدَكُمْ، فَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ. كَيْفَ وَإِنَّ لَفْظَ (الرَّقَبَةِ) مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّلِيمَةِ وَالْمَعِيبَةِ، وَقَدْ كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَيْضًا الْخُرُوجَ عَنِ الْعُهْدَةِ بِالْمَعِيبَةِ، وَقَدْ شَرَطْتُمْ صِفَةَ السَّلَامَةِ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَإِنْ كَانَ بِالْقِيَاسِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَسْخًا، أَوْ لَا يَكُونَ نَسْخًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ بِالْقِيَاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسْخًا، فَقَدْ بَطَلَ قَوْلُكُمْ: إِنَّ رَفْعَ حُكْمِ الْمُطْلَقِ بِالْقِيَاسِ يَكُونُ نَسْخًا. وَأَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِالتَّقْيِيدِ، بِنَاءً عَلَى الْقِيَاسِ فَالْوَجْهُ فِي ضَعْفِهِ مَا سَبَقَ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ فَعَلَيْكَ بِنَقْلِهِ إِلَى هَاهُنَا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ مُؤَثِّرًا أَيْ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالتَّقْيِيدِ، بِنَاءً عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنَ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ فَلَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ.

стр. 626

[الصِّنْفُ السَّابِعُ فِي الْمُجْمَلِ] [مُقَدِّمَةُ فِي مَعْنَى الْمُجْمَلِ] وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ فَفِي مَعْنَى الْمُجْمَلِ. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْجَمْعِ، وَمِنْهُ يُقَالُ " أَجْمَلَ الْحِسَابَ " إِذَا جَمَعَهُ وَرَفَعَ تَفَاصِيلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ الْمُحَصَّلُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: " جَمَّلْتُ الشَّيْءَ إِذَا حَصَّلْتَهُ " هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُجْمَلِ فِي اللُّغَةِ. وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَيْءٌ، وَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ وَلَا جَامِعٍ. أَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَانِعٍ، فِلِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ اللَّفْظُ الْمُهْمَلُ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، وَلَيْسَ بِمُجْمَلٍ، لِأَنَّ الْإِجْمَالَ وَالْبَيَانَ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ، وَالْمُهْمَلُ لَا دَلَالَةَ لَهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ قَوْلُنَا مُسْتَحِيلٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ، لِأَنَّ مَدْلُولَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ، فَلِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ الْمُتَرَدِّدَ بَيْن مَحَامِلَ، قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ وَهُوَ انْحِصَارُ الْمُرَادِ مِنْهُ فِي بَعْضِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا. وَكَذَلِكَ مَا هُوَ مُجْمَلٌ مِنْ وَجْهٍ، وَمُبَيَّنٌ مِنْ وَجْهٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ، فَإِنَّهُ مُجْمَلٌ، وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ الَّذِي لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُجْمَلٌ، فَفِيهِ تَعْرِيفُ الْمُجْمَلِ بِالْمُجْمَلِ، وَتَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ مُمْتَنِعٌ. كَيْفَ وَإِنَّ الْإِجْمَالَ كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ، فَقَدْ يَكُونُ فِي دَلَالَةِ الْأَفْعَالِ، وَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَجْلِسْ جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ الْوَسَطِ، فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ السَّهْوِ الَّذِي لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْجِلْسَةِ، وَبَيْنَ التَّعَمُّدِ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ تَرْكِهَا. وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَالُ قَدْ يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ،

стр. 627

فَتَقْيِيدُ حَدِّ الْمُجْمَلِ بِاللَّفْظِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ جَامِعًا، وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي حَدِّ الْمُجْمَلِ مِنْ أَنَّهُ اللَّفْظُ الصَّالِحُ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ الَّذِي لَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَاهُ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَلَا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِيهِ حَدَّيْنِ آخَرَيْنِ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ (الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْهُ) وَيَبْطُلُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي شَيْءٍ، فَإِنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ جِهَةُ مَجَازِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِمُجْمَلٍ. الثَّانِي: قَالَ: (الْمُجْمَلُ هُوَ مَا أَفَادَ شَيْئًا مِنْ جُمْلَةِ أَشْيَاءَ هُوَ مُتَعَيِّنٌ فِي نَفْسِهِ، وَاللَّفْظُ لَا بِعَيْنِهِ) ، قَالَ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِكَ: " اضْرِبْ رَجُلًا " فَإِنَّ مَدْلُولَهُ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فِي نَفْسِهِ، وَأَيُّ رَجُلٍ ضَرَبْتَهُ جَازَ، وَلَا كَذَلِكَ لَفْظُ الْقُرْءِ فَإِنَّ مَدْلُولَهُ وَاحِدٌ فِي نَفْسِهِ مِنَ الطُّهْرِ أَوِ الْحَيْضِ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِتَقْيِيدِ الْحَدِّ بِاللَّفْظِ حَيْثُ قَالَ: (وَاللَّفْظُ لَا بِعَيْنِهِ) فَلَا يَكُونُ جَامِعًا بِخُرُوجِ الْإِجْمَالِ فِي دَلَالَةِ الْفِعْلِ عَنْهُ، كَمَا حَقَّقْنَاهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ التَّقْيِيدُ بِاللَّفْظِ، لَوْ أُرِيدَ تَحْدِيدُ الْمُجْمَلِ اللَّفْظِيِّ خَاصَّةً. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: (الْمُجْمَلُ هُوَ مَا لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ) . فَقَوْلُنَا: (مَا لَهُ دَلَالَةٌ) لِيَعُمَّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُجْمَلَةِ. وَقَوْلُنَا: (عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ) احْتِرَازٌ عَمَّا لَا دَلَالَةَ لَهُ إِلَّا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. وَقَوْلُنَا: (لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ) احْتِرَازٌ عَنِ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنًى وَبِعِيدٌ فِي غَيْرِهِ، كَاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي شَيْءٍ وَمَجَازٌ فِي شَيْءٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي لَفْظٍ مُفْرَدٍ مُشْتَرَكٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِامْتِنَاعِ تَعْمِيمِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ، كَالْعَيْنِ، لِلذَّهَبِ وَالشَّمْسِ، وَالْمُخْتَارِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، أَوْ ضِدَّيْنِ كَالْقُرْءِ، لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ. (١)

стр. 628

وَقَدْ يَكُونُ فِي لَفْظٍ مُرَكَّبٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فَإِنَّ هَذِهِ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ التَّرَدُّدِ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى مَا تَقَدَّمَهُ كَقَوْلِكَ: " كُلُّ مَا عَلِمَهُ الْفَقِيهُ فَهُوَ كَمَا عَلِمَهُ " فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي (هُوَ) مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَوْدِ إِلَى الْفَقِيهِ وَإِلَى مَعْلُومِ الْفَقِيهِ، وَالْمَعْنَى يَكُونُ مُخْتَلِفًا، حَتَّى أَنَّهُ إِذَا قِيلَ: بِعَوْدِهِ إِلَى الْفَقِيهِ، كَانَ مَعْنَاهُ فِي الْفَقِيهِ لِمَعْلُومِهِ، وَإِنْ عَادَ إِلَى مَعْلُومِهِ كَانَ مَعْنَاهُ. فَمَعْلُومُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عُلِمَ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَرَدُّدِ اللَّفْظِ بَيْنَ جَمْعِ الْأَجْزَاءِ وَجَمْعِ الصِّفَاتِ، كَقَوْلِكَ: " الْخَمْسَةُ زَوْجٌ وَفَرْدٌ " وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ، حَتَّى أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِهِ جَمْعُ الْأَجْزَاءِ، كَانَ صَادِقًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ جَمْعُ الصِّفَاتِ، كَانَ كَاذِبًا. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بَسَبَبِ الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ، وَالْمَعْنَى يَكُونُ مُخْتَلِفًا. (١) وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَرَدُّدِ الصِّفَةِ (٢) وَذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ زَيْدٌ طَبِيبًا غَيْرَ مَاهِرٍ

стр. 629

فِي الطِّبِّ وَهُوَ مَاهِرٌ فِي غَيْرِهِ، فَقُلْتُ: " زِيدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ " فَإِنَّ قَوْلَكَ: (مَاهِرٌ) مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ كَوْنُهُ مَاهِرًا فِي الطِّبِّ فَيَكُونُ كَاذِبًا، وَبَيْنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ فَيَكُونُ صَادِقًا. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَرَدُّدِ اللَّفْظِ بَيْنَ مَجَازَاتِهِ الْمُتَعَدِّدَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِصُوَرٍ مَجْهُولَةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: " اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ " ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: " بَعْضُهُمْ غَيْرُ مُرَادٍ لِي مِنْ لَفْظِي " (١) فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُجْمَلًا غَيْرَ مَعْلُومٍ، أَوْ بِصِفَةٍ مَجْهُولَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ فَإِنَّ تَقْيِيدَ الْحِلِّ بِالْإِحْصَانِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَا هُوَ الْإِحْصَانُ، مُوجِبٌ لِلْإِجْمَالِ فِيمَا أُحِلَّ (٢) أَوْ بِاسْتِثْنَاءٍ مَجْهُولٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣) فَإِنَّهُ مَهْمَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مُجْمَلًا، فَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ. وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِخْرَاجِ اللَّفْظِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ فِي اللُّغَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، قَبْل بَيَانِهِ لَنَا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وَ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُجْمَلًا لِعَدَمِ إِشْعَارِ اللَّفْظِ بِمَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِعَيْنِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ؛ لِأَنَّهُ (٤) مُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوُجُوبِ.

стр. 630

هَذَا كُلُّهُ فِي الْأَقْوَالِ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا. وَتَمَامُ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ بِمَسَائِلَ وَهِيَ ثَمَانٍ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ الْمُضَافَيْنِ إِلَى الْأَعْيَانِ] الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى. الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَالْجُبَّائِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ الْمُضَافَيْنِ إِلَى الْأَعْيَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ لَا إِجْمَالَ فِيهِ، خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالْإِجْمَالِ بِأَنَّ التَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ الْمَقْدُورَةِ، وَالْأَعْيَانُ الَّتِي أُضِيفَ إِلَيْهَا التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ غَيْرُ مَقْدُورَةٍ لَنَا، فَلَا تَكُونُ هِيَ مُتَعَلَّقَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ فِعْلٍ يَكُونُ هُوَ مُتَعَلَّقَ ذَلِكَ، حَذَرًا مِنْ إِهْمَالِ الْخِطَابِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ تَقْلِيلًا لِلْإِضْمَارِ الْمُخَالِفِ لِلْأَصْلِ. وَعَلَى هَذَا، فَيَمْتَنِعُ إِضْمَارُ كُلِّ مَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِالْعَيْنِ، مِنَ الْأَفْعَالِ وَلَيْسَ إِضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنَ الْبَعْضِ، لِعَدَمِ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْيِينِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ عَلَى تَعْيِينِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ، لَكَانَ ذَلِكَ مُتَعَيِّنًا مِنْ تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بِأَيِّ عَيْنٍ كَانَتْ وَهُوَ مُحَالٌ. قَالَ النَّافُونَ: وَإِنْ سَلَّمْنَا امْتِنَاعَ تَعَلُّقِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ بِنَفْسِ الْعَيْنِ، وَلَكِنْ مَتَى يَحْتَاجُ إِلَى الْإِضْمَارِ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْفِعْلِ الْمَقْصُودِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ؟ الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ. وَبَيَانُهُ: أَنَّ كُلَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَمَارَسَ أَلْفَاظَ الْعَرَبِ لَا يَتَبَادَرُ إِلَى فَهْمِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ " حَرَّمْتُ عَلَيْكَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَحَرَّمْتُ عَلَيْكَ النِّسَاءَ " سِوَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَتَحْرِيمِ وَطْءِ النِّسَاءِ. وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، إِمَّا بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، أَوْ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ: وَالْإِجْمَالُ مُنْتَفٍ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَالُ مُنْتَفِيًا عِنْدَ قَوْلِ الْقَائِلِ: " رَأَيْتُ دَابَّةً " لَمَّا كَانَ الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ. وَعَلَى هَذَا فَقَدَ خَرَجَ الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي أَيْضًا.

стр. 631

سَلَّمْنَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِضْمَارِ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنْ إِضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ زِيَادَةَ الْإِضْمَارِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قُلْنَا: فَإِضْمَارُ الْبَعْضِ إِمَّا إِلَى الْإِجْمَالِ أَوْ لَا يُفْضِي إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَقَدْ بَطَلَ مَذْهَبُكُمْ وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى الْإِجْمَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ الْكُلِّ، حَذَرًا مِنْ تَعْطِيلِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ. فَلَئِنْ قَالُوا: إِضْمَارُ الْبَعْضِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى الْإِجْمَالِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَى تَعْطِيلِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُطْلَقًا، لِإِمْكَانِ مَعْرِفَةِ تَعْيِينِ مَدْلُولِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَأَمَا مَحْذُورُ إِضْمَارِ كُلِّ التَّصَرُّفَاتِ فَلَازِمٌ مُطْلَقًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْتِزَامَ الْمَحْذُورِ الدَّائِمِ أَعْظَمُ مِنَ الْتِزَامِ الْمَحْذُورِ الَّذِي لَا يَدُومُ. قُلْنَا: بَلِ الْتِزَامُ مَحْذُورِهِ إِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ أَوْلَى مِنَ الْتِزَامِ مَحْذُورِ الْإِجْمَالِ فِي اللَّفْظِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِضْمَارَ فِي اللُّغَةِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْإِضْمَارِ أَقَلُّ، لَمَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ أَكْثَرَ. الثَّانِي: أَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُودِ الْإِضْمَارِ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُودِ الْإِجْمَالِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحْذُورَ الْإِضْمَارِ أَقَلُّ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ ﷺ " «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» ) (١) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّحُومِ وَإِلَّا لَمَا لَحِقَهُمُ اللَّعْنُ بِبَيْعِهَا. وَلَوْ كَانَ الْإِجْمَالُ أَوْلَى مِنْ إِضْمَارِ الْكُلِّ، لَكَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى.

стр. 632

[الْمَسْأَلَةُ الثانية قَوْلَهُ تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ. ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ) مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَيَحْتَمِلُ مَسْحَ بَعْضِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَكَانَ مُجْمَلًا. قَالُوا: وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» ، فَهُوَ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ. وَاتَّفَقَ النَّافُونَ عَلَى نَفْيِ الْإِجْمَالِ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِحُكْمِ وَضْعِ اللُّغَةِ ظَاهِرٌ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَابْنِ جِنِّيٍّ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ (الْبَاءَ) فِي اللُّغَةِ أَصْلٌ فِي الْإِلْصَاقِ، كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَسْحِ وَقَرَنَتْهُ بِالرَّأْسِ، وَاسْمُ الرَّأْسِ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّهِ لَا بَعْضِهِ، وَلِهَذَا، وَلَا يُقَالُ لِبَعْضِ الرَّأْسِ رَأْسٌ، فَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِمَسْحِ جَمِيعِهِ لُغَةً. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحَقَّ بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ وَضْعِ اللُّغَةِ، غَيْرَ أَنَّ عُرْفَ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَالْعُرْفُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي اطِّرَادِ الِاعْتِيَادِ جَابِرٌ بِاقْتِضَاءِ إِلْصَاقِ الْمَسْحِ بِالَّلمْسِ فَقَطْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ؛ وَلِهَذَا فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ امْسَحْ يَدَكَ بِالْمِنْدِيلِ لَا يُفْهَمُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِلْصَاقَ يَدِهِ بِجَمِيعِ الْمِنْدِيلِ بَلْ إِنْ شَاءَ بِكُلِّهِ، وَإِنْ شَاءَ بِبَعْضِهِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: " مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ " فَالسَّامِعُونَ يُجَوِّزُونَ أَنَّهُ مَسَحَ بِكُلِّهِ وَبِبَعْضِهِ، غَيْرَ فَاهِمِينَ لُزُومَ وُقُوعِ الْمَسْحِ بِالْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ، بَلْ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ " بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ. وَهُوَ مُطْلَقُ مَسْحٍ (١) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْعُرْفِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِالْإِجْمَالِ. لَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ الْأَصْلِيِّ. وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ.

стр. 633

[الْمَسْأَلَةُ الثالثة قَوْلِهِ ﷺ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» . (١) وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّهُ مُجْمَلٌ، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ لُغَةً يَقْتَضِي رَفْعَ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ مَعَ فَرْضِ وُقُوعِهِ فَيُجَلُّ مَنْصِبُ النَّبِيِّ عَنْ نَفْيِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يُضْمِرَ نَفْيَ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ أَوْ بَعْضِهَا، لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْإِضْمَارَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ تَعْطِيلِ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى أَقَلِّ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ. كَيْفَ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ إِضْمَارُ نَفْيِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا لُزُومُ الضَّمَانِ وَقَضَاءُ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْفِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُضْمَرُ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِتَعْيِينِهِ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ. قَالَ النَّافُونَ لِلْإِجْمَالِ: وَإِنْ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى رَفْعِ عَيْنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْإِضْمَارُ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ ظَاهِرًا بِعُرْفِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي نَفْيِ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِهَذَا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَرَفَ عُرْفَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَتَشَكَّكُ وَلَا يَتَرَدَّدُ عِنْدَ سَمَاعِهِ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ " رَفَعْتُ عَنْكَ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ " فِي أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ، إِمَّا بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، أَوِ الْعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِيِّ. وَذَلِكَ لَا إِجْمَالَ فِيهِ وَلَا تَرَدُّدَ.

стр. 634

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ لَارْتَفَعَ عَنْهُ الضَّمَانُ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَاخَذَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ. قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ ضَمَانٌ عُقُوبَةٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَيْسَا أَهْلًا لِلْعُقُوبَةِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ فِي الْمَخْمَصَةِ إِذَا أَكَلَ مَالَ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْأَكْلَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حِفْظًا لِنَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ لَا عُقُوبَةَ عَلَى فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ رَمَى إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا، مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ، وَهُوَ مُثَابٌ عَلَيْهِ. الثَّانِي: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عِقَابٌ، لَكِنَّ غَايَتَهُ لُزُومُ تَخْصِيصِ عُمُومِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ كُلِّ عِقَابٍ، وَذَلِكَ أَسْهَلُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْإِجْمَالِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلِهِ ﷺ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» " (١) ، " «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» " (٢) ، " «وَلَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " (٣) ، " «وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» " (٤) وَنَحْوُهُ.

стр. 635

فَمَذْهَبُ الْكُلِّ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ فَإِنَّهُمَا قَالَا بِإِجْمَالِهِ لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ دَخَلَ عَلَى هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ مَعَ تَحَقُّقِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ حُكْمٍ يَلْحَقُ، وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عُرْفٌ أَوْ لَا عُرْفَ لَهُ فِيهَا، بَلْ هِيَ مُنَزَّلَةٌ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ. فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ، فَيَجِبُ تَنْزِيلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى عُرْفِهِ، إِذِ الْغَالِبُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُنَاطِقُنَا فِيمَا لَهُ فِيهِ عُرْفٌ بِعُرْفِهِ، فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُنَزَّلًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَنَفْيُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُمْكِنٌ. وَالْأَصْلُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا، فَلَا إِجْمَالَ، وَإِنْ كَانَ مُسَمَّى هَذِهِ الْأُمُورِ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ غَيْرَ مَنْفِيٍّ. وَإِنَّ قِيلٍ بِالثَّانِي فَالْإِجْمَالُ أَيْضًا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ ظَاهِرًا بِعُرْفِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي نَفْيِ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ نَفْيِ كُلِّ فِعْلٍ كَانَ مُتَحَقِّقَ الْوُجُودِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ فَائِدَتِهِ وَجَدْوَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: " لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ، وَلَا كَلَامَ إِلَّا مَا أَفَادَ، وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا طَاعَةَ إِلَّا لَهُ، وَلَا بَلَدَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ النَّفْيُ مَحْمُولًا عَلَى نَفْيِ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى فَلَا إِجْمَالَ فِيهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا عُرْفَ لِلشَّارِعِ، وَلَا لِأَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِضْمَارِ غَيْرَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا خُرُوجَ لِلْمُضْمَرِ هَاهُنَا عَنِ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ظُهُورِهِ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مُوَافَقَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: " لَا صَلَاةَ، لَا صَوْمَ إِلَّا بِكَذَا " فَقَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْفِعْلِ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ، وَعَلَى صِفَاتِهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ.
следующие страницы →