← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10801

الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي

سيف الدين الآمدي

Полный текст (1 203 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

سَلَّمْنَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِضْمَارِ، وَلَكِنْ مَا الْمَانِعُ مِنْ إِضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ. قَوْلُهُمْ: إِنَّ زِيَادَةَ الْإِضْمَارِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قُلْنَا: فَإِضْمَارُ الْبَعْضِ إِمَّا إِلَى الْإِجْمَالِ أَوْ لَا يُفْضِي إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَقَدْ بَطَلَ مَذْهَبُكُمْ وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى الْإِجْمَالِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ الْكُلِّ، حَذَرًا مِنْ تَعْطِيلِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ. فَلَئِنْ قَالُوا: إِضْمَارُ الْبَعْضِ، وَإِنْ أَفْضَى إِلَى الْإِجْمَالِ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَى تَعْطِيلِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ مُطْلَقًا، لِإِمْكَانِ مَعْرِفَةِ تَعْيِينِ مَدْلُولِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَأَمَا مَحْذُورُ إِضْمَارِ كُلِّ التَّصَرُّفَاتِ فَلَازِمٌ مُطْلَقًا. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْتِزَامَ الْمَحْذُورِ الدَّائِمِ أَعْظَمُ مِنَ الْتِزَامِ الْمَحْذُورِ الَّذِي لَا يَدُومُ. قُلْنَا: بَلِ الْتِزَامُ مَحْذُورِهِ إِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ أَوْلَى مِنَ الْتِزَامِ مَحْذُورِ الْإِجْمَالِ فِي اللَّفْظِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِضْمَارَ فِي اللُّغَةِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَحْذُورَ فِي الْإِضْمَارِ أَقَلُّ، لَمَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ أَكْثَرَ. الثَّانِي: أَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُودِ الْإِضْمَارِ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَاخْتُلِفَ فِي وُجُودِ الْإِجْمَالِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَحْذُورَ الْإِضْمَارِ أَقَلُّ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ ﷺ " «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» ) (١) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إِضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّحُومِ وَإِلَّا لَمَا لَحِقَهُمُ اللَّعْنُ بِبَيْعِهَا. وَلَوْ كَانَ الْإِجْمَالُ أَوْلَى مِنْ إِضْمَارِ الْكُلِّ، لَكَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى.

стр. 632

[الْمَسْأَلَةُ الثانية قَوْلَهُ تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ. ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ ) مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَيَحْتَمِلُ مَسْحَ بَعْضِهِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ، فَكَانَ مُجْمَلًا. قَالُوا: وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ» ، فَهُوَ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْآيَةِ. وَاتَّفَقَ النَّافُونَ عَلَى نَفْيِ الْإِجْمَالِ، لَكِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ بِحُكْمِ وَضْعِ اللُّغَةِ ظَاهِرٌ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَابْنِ جِنِّيٍّ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ (الْبَاءَ) فِي اللُّغَةِ أَصْلٌ فِي الْإِلْصَاقِ، كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُ، وَقَدْ دَخَلَتْ عَلَى الْمَسْحِ وَقَرَنَتْهُ بِالرَّأْسِ، وَاسْمُ الرَّأْسِ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّهِ لَا بَعْضِهِ، وَلِهَذَا، وَلَا يُقَالُ لِبَعْضِ الرَّأْسِ رَأْسٌ، فَكَانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِمَسْحِ جَمِيعِهِ لُغَةً. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْحَقَّ بِالنَّظَرِ إِلَى أَصْلِ وَضْعِ اللُّغَةِ، غَيْرَ أَنَّ عُرْفَ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ الطَّارِئِ عَلَى الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَالْعُرْفُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي اطِّرَادِ الِاعْتِيَادِ جَابِرٌ بِاقْتِضَاءِ إِلْصَاقِ الْمَسْحِ بِالَّلمْسِ فَقَطْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ؛ وَلِهَذَا فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِغَيْرِهِ امْسَحْ يَدَكَ بِالْمِنْدِيلِ لَا يُفْهَمُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِلْصَاقَ يَدِهِ بِجَمِيعِ الْمِنْدِيلِ بَلْ إِنْ شَاءَ بِكُلِّهِ، وَإِنْ شَاءَ بِبَعْضِهِ. وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: " مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ " فَالسَّامِعُونَ يُجَوِّزُونَ أَنَّهُ مَسَحَ بِكُلِّهِ وَبِبَعْضِهِ، غَيْرَ فَاهِمِينَ لُزُومَ وُقُوعِ الْمَسْحِ بِالْكُلِّ أَوِ الْبَعْضِ، بَلْ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ " بَيْنَ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ. وَهُوَ مُطْلَقُ مَسْحٍ (١) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ نَفْيًا لِلتَّجَوُّزِ وَالِاشْتِرَاكِ فِي الْعُرْفِ. وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِالْإِجْمَالِ. لَا بِالنَّظَرِ إِلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ الْأَصْلِيِّ. وَلَا بِالنَّظَرِ إِلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ.

стр. 633

[الْمَسْأَلَةُ الثالثة قَوْلِهِ ﷺ رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» . (١) وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا: إِنَّهُ مُجْمَلٌ، مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ لُغَةً يَقْتَضِي رَفْعَ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ مَعَ فَرْضِ وُقُوعِهِ فَيُجَلُّ مَنْصِبُ النَّبِيِّ عَنْ نَفْيِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يُضْمِرَ نَفْيَ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ أَوْ بَعْضِهَا، لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْإِضْمَارَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِدَفْعِ الضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ تَعْطِيلِ الْعَمَلِ بِاللَّفْظِ، فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى أَقَلِّ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ. كَيْفَ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ إِضْمَارُ نَفْيِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا لُزُومُ الضَّمَانِ وَقَضَاءُ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْفِيٍّ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُضْمَرُ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِتَعْيِينِهِ لِعَدَمِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ. قَالَ النَّافُونَ لِلْإِجْمَالِ: وَإِنْ تَعَذَّرَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى رَفْعِ عَيْنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْإِضْمَارُ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ ظَاهِرًا بِعُرْفِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي نَفْيِ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلِهَذَا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ عَرَفَ عُرْفَ أَهْلِ اللُّغَةِ لَا يَتَشَكَّكُ وَلَا يَتَرَدَّدُ عِنْدَ سَمَاعِهِ قَوْلَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ " رَفَعْتُ عَنْكَ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ " فِي أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ رَفْعُ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعِقَابِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَبَادَرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِ، إِمَّا بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، أَوِ الْعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِيِّ. وَذَلِكَ لَا إِجْمَالَ فِيهِ وَلَا تَرَدُّدَ.

стр. 634

فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ كَمَا ذَكَرْتُمُوهُ لَارْتَفَعَ عَنْهُ الضَّمَانُ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤَاخَذَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ. قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الضَّمَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ ضَمَانٌ عُقُوبَةٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَيْسَا أَهْلًا لِلْعُقُوبَةِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمُضْطَرِّ فِي الْمَخْمَصَةِ إِذَا أَكَلَ مَالَ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْأَكْلَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ حِفْظًا لِنَفْسِهِ، وَالْوَاجِبُ لَا عُقُوبَةَ عَلَى فِعْلِهِ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى مَنْ رَمَى إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا، مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ، وَهُوَ مُثَابٌ عَلَيْهِ. الثَّانِي: وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عِقَابٌ، لَكِنَّ غَايَتَهُ لُزُومُ تَخْصِيصِ عُمُومِ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ كُلِّ عِقَابٍ، وَذَلِكَ أَسْهَلُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْإِجْمَالِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَوْلِهِ ﷺ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» " (١) ، " «وَلَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» " (٢) ، " «وَلَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» " (٣) ، " «وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» " (٤) وَنَحْوُهُ.

стр. 635

فَمَذْهَبُ الْكُلِّ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِيهِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ فَإِنَّهُمَا قَالَا بِإِجْمَالِهِ لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ دَخَلَ عَلَى هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ مَعَ تَحَقُّقِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ حُكْمٍ يَلْحَقُ، وَتَمَامُ تَقْرِيرِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عُرْفٌ أَوْ لَا عُرْفَ لَهُ فِيهَا، بَلْ هِيَ مُنَزَّلَةٌ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ. فَإِنْ قِيلَ بِالْأَوَّلِ، فَيَجِبُ تَنْزِيلُ كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى عُرْفِهِ، إِذِ الْغَالِبُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يُنَاطِقُنَا فِيمَا لَهُ فِيهِ عُرْفٌ بِعُرْفِهِ، فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُنَزَّلًا عَلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَنَفْيُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُمْكِنٌ. وَالْأَصْلُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ. وَعَلَى هَذَا، فَلَا إِجْمَالَ، وَإِنْ كَانَ مُسَمَّى هَذِهِ الْأُمُورِ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ غَيْرَ مَنْفِيٍّ. وَإِنَّ قِيلٍ بِالثَّانِي فَالْإِجْمَالُ أَيْضًا إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِنْ لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ ظَاهِرًا بِعُرْفِ اسْتِعْمَالِ أَهْلِ اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي نَفْيِ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُتَبَادَرَ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ نَفْيِ كُلِّ فِعْلٍ كَانَ مُتَحَقِّقَ الْوُجُودِ إِنَّمَا هُوَ نَفْيُ فَائِدَتِهِ وَجَدْوَاهُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: " لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ، وَلَا كَلَامَ إِلَّا مَا أَفَادَ، وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَلَا طَاعَةَ إِلَّا لَهُ، وَلَا بَلَدَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ النَّفْيُ مَحْمُولًا عَلَى نَفْيِ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى فَلَا إِجْمَالَ فِيهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا عُرْفَ لِلشَّارِعِ، وَلَا لِأَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْإِضْمَارِ غَيْرَ أَنَّ الِاتِّفَاقَ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا خُرُوجَ لِلْمُضْمَرِ هَاهُنَا عَنِ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ ظُهُورِهِ فِي نَفْيِ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى مُوَافَقَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى النَّفْيِ لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: " لَا صَلَاةَ، لَا صَوْمَ إِلَّا بِكَذَا " فَقَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ أَصْلِ الْفِعْلِ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ، وَعَلَى صِفَاتِهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ تَقْلِيلًا لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ.

стр. 636

الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ قَدْ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْعَمَلِ وَعَدَمِهِ، فَيَجِبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَمْلُهُ عَلَى أَقْرَبِ الْمَجَازَاتِ الشَّبِيهَةِ بِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُشَابَهَةَ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا كَامِلٍ لِلْفِعْلِ الْمَعْدُومِ أَكْثَرُ مِنْ مُشَابَهَةِ الْفِعْلِ الَّذِي نُفِيَ عَنْهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَكَانَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ فِي الْإِضْمَارِ وَالتَّجَوُّزُ الْمُخَالِفُ لِلْأَصْلِ. الثَّانِي: أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى نَفْي الْكَمَالِ دُونَ الصِّحَّةِ مُسْتَيْقَنٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الصِّحَّةِ نَفْيُ الْكَمَالِ، وَلَا عَكْسَ، وَإِذَا تَقَابَلَتِ الِاحْتِمَالَاتُ لَزِمَ الْإِجْمَالُ. قُلْنَا: بَلِ التَّرْجِيحُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْطِيلُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ، وَلِأَنَّهُ عَلَى وَفْقِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى خِلَافِهِ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا، فَقَوْلُهُ ﷺ : " «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ". وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّارِعِ فِيهِ عُرْفٌ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا، فَعُرْفُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي نَفْيِهِ نَفْيُ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى، كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَا إِجْمَالَ فِيهِ أَيْضًا، خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 637

[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ) فَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِنَّ لَفْظَ الْقَطْعِ وَالْيَدِ مُجْمَلٌ. أَمَّا الْإِجْمَالُ فِي الْقَطْعِ فَلِأَنَّهُ يَصْدُقُ إِطْلَاقُهُ عَلَى بَيْنُونَةِ الْعُضْوِ مِنَ الْعُضْوِ، وَعَلَى شَقِّ الْجِلْدِ الظَّاهِرِ مِنَ الْعُضْوِ بِالْجَرْحِ مِنْ غَيْرِ إِبَانَةٍ لِلْعُضْوِ. وَلِذَلِكَ يُقَالُ عِنْدَمَا إِذَا جَرَحَ يَدَهُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ، كَبَرْيِ الْقَلَمِ وَغَيْرِهِ " قَطَعَ يَدَهُ " وَأَمَّا الْإِجْمَالُ فِي الْيَدِ، فَلِأَنَّ لَفْظَ الْيَدِ يُطْلَقُ عَلَى جُمْلَتِهَا إِلَى الْمَنْكِبِ، وَعَلَيْهَا إِلَى الْمِرْفَقِ، وَعَلَيْهَا إِلَى الْكُوعِ، وَلَيْسَ أَحَدُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَظْهَرَ مِنَ الْآخَرِ، فَكَانَ لَفْظُ الْيَدِ وَالْقَطْعُ مُجْمَلًا. وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى خِلَافِهِ مُتَمَسِّكِينَ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ: أَمَّا الْإِجْمَالُ: فَهُوَ أَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِ الْيَدِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْمَحَامِلِ، وَكَذَلِكَ إِطْلَاقُ لَفْظِ الْقَطْعِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَعْضِ مَجَازٌ فِي الْبَعْضِ، فَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا، أَوْ مُتَوَاطِئًا: الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، فَلَيْسَ بِمُجْمَلٍ. كَيْفَ وَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الِاشْتِرَاكُ الْأَصْلَ، إِلَّا أَنَّ الِاحْتِمَالَاتِ ثَلَاثَةٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا إِجْمَالَ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ مِنْهَا. وَهُمَا حَالَةُ التَّوَاطُؤِ وَالتَّجَوُّزِ فِي أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَالُ عَلَى تَقْدِيرِ الِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ مُتَّحِدٌ، وَوُقُوعُ احْتِمَالٍ مِنَ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ. وَإِذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَيَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي كُلِّ الْعُضْوِ ضَرُورَةَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ ظُهُورِهِ فِيمَا سِوَاهُ، أَمَّا عِنْدَ الْخَصْمِ، فَلِدَعْوَاهُ الْإِجْمَالَ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِمَصِيرِنَا إِلَى نَفْيِ الظُّهُورِ عَنْهُ وَانْحِصَارِهِ فِي جُمْلَةِ مُسَمَّى الْعُضْوِ.

стр. 638

وَأَمَّا التَّفْصِيلُ: فَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْيَدِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ إِلَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي جُمْلَةِ الْعُضْوِ إِلَى الْمَنْكِبِ، وَمَجَازٌ فِيمَا عَدَاهُ. وَدَلِيلُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ، إِذَا أُبِينَتِ الْيَدُ مِنَ الْمِرْفَقِ أَوْ مِنَ الْكُوعِ: هَذَا بَعْضُ الْيَدِ لَا كُلُّهَا. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ مُسَمَّى الْيَدِ حَقِيقَةٌ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بَعْضُ الْيَدِ. وَالثَّانِي: صِحَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الْيَدِ وَلَوْ كَانَ مُسَمَّى الْيَدِ حَقِيقَةً، لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ. وَأَمَّا لَفْظُ الْقَطْعِ فَحَقِيقَةٌ فِي إِبَانَةِ الشَّيْءِ عَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ. فَإِذَا أُضِيفَ الْقَطْعُ إِلَى الْيَدِ، وَكَانَ مُسَمَّى الْيَدِ حَقِيقَةً فِي جُمْلَتِهَا إِلَى الْكُوعِ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى إِبَانَةِ مُسَمَّى الْيَدِ، وَهُوَ جُمْلَتُهَا، وَحَيْثُ أُطْلِقَ قَطْعُ الْيَدِ عِنْدَ إِبَانَةِ بَعْضِ أَجْزَائِهَا عَنْ بَعْضٍ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً، بَلْ تَجَوُّزًا. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ لَمَا وَجَبَ الِاقْتِصَارُ فِي قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ عَلَى قَطْعِهِ مِنَ الْكُوعِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الظَّاهِرِ. قُلْنَا: وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِالْإِجْمَالِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، فَكَانَ إِدْرَاجُ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْأَغْلَبِ أَغْلَبَ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَوْلَ بِالْإِجْمَالِ مِمَّا يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ اللَّفْظِ عَنِ الْعَمَلِ فِي الْحَالِ، إِلَى حِينِ قِيَامِ الدَّلِيلِ الْمُرَجِّحِ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْمَجَازِ: فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُ التَّجَوُّزِ عُمِلَ بِاللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ ظَهَرَ عُمِلَ بِهِ فِي مَجَازِهِ، مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلِ اللَّفْظِ فِي الْحَالِ وَلَا فِي ثَانِي الْحَالِ.

стр. 639

[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ اللَّفْظُ الْوَارِدُ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا ومَعْنَيَيْنِ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ اللَّفْظُ الْوَارِدُ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا، وَعَلَى مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ: هُوَ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ. وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ. وَقَبْلَ الْخَوْضِ فِي الْحِجَاجِ لَا بُدَّ مِنْ تَلْخِيصِ مَحَلِّ النِّزَاعِ. فَنَقُولُ: اللَّفْظُ الْوَارِدُ، إِمَّا أَنْ يَظْهَرَ كَوْنُهُ حَقِيقَةً فِيمَا قِيلَ مِنَ الْمَحْمِلَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِهِمَا أَوْ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي أَحَدِهِمَا، مَجَازًا فِي الْآخَرِ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: فَإِنْ كَانَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي، فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِيهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِتَحَقُّقِ إِجْمَالِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِتَحَقُّقِ الظُّهُورِ فِي أَحَدِ الْمَحْمِلَيْنِ: وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَيَجِبُ اعْتِقَادُ نَفْيِ الْإِجْمَالِ فِيهِ لِلْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ: أَمَّا الْإِجْمَالُ فَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ إِنَّمَا وُضِعَ لِلْإِفَادَةِ، وَلَا سِيَّمَا كَلَامَ الشَّارِعِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ أَكْثَرُ فِي الْفَائِدَةِ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ كَوْنِ اللَّفْظِ ظَاهِرًا فِيهِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا التَّرْجِيحُ مُعَارَضٌ بِتَرْجِيحٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ هِيَ الْمُفِيدَةُ لِمَعْنًى وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْمُفِيدِ لِمَعْنَيَيْنِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَاعْتِقَادُ إِدْرَاجِ مَا نَحْنُ فِيهِ تَحْتَ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ أَغْلَبُ. قُلْنَا: يَجِبُ اعْتِقَادُ التَّرْجِيحِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يُقَالَ بِالتَّسَاوِي بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ أَوِ التَّفَاوُتِ. الْقَوْلُ بِالتَّسَاوِي يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْطِيلُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَامْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا، إِلَى حِينِ قِيَامِ الدَّلِيلِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. وَإِنْ قِيلَ بِالتَّفَاوُتِ وَالتَّرْجِيحِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيمَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا، أَوْ فِيمَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ: لَا سَبِيلَ إِلَى الْأَوَّلِ، إِذِ الْقَائِلُ قَائِلَانِ: قَائِلٌ يَقُولُ بِالْإِجْمَالِ، فَفِيهِ نَفْيُ التَّرْجِيحِ عَنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَقَائِلٌ يَقُولُ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ رَاجِحٌ فِيمَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ دُونَ مَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا، فَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى نَفْيِ التَّرْجِيحِ فِيمَا يُفِيدُ مَعْنًى وَاحِدًا، فَتَعَيَّنَ التَّرْجِيحُ لِمَا يُفِيدُ مَعْنَيَيْنِ.

стр. 640

[الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اللَّفْظُ الْوَارِدُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُجَدَّدٍ وعَلَى الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اللَّفْظُ الْوَارِدُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُجَدَّدٍ، وَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ: إِلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ مَزِيَّةٍ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ: إِلَى أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ : " «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» " (١) فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ حُكْمًا فِي الِافْتِقَارِ إِلَى الطَّهَارَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الدُّعَاءِ الَّذِي هُوَ صَلَاةٌ لُغَةً، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : " «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» " (٢) فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُمَا جَمَاعَةٌ حَقِيقَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ انْعِقَادَ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا وَحُصُولَ فَضِيلَتِهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِكَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِلْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ: أَمَّا الْإِجْمَالُ فَمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَهُوَ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا بُعِثَ لِتَعْرِيفِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ لَا لِتَعْرِيفِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ: فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ مَقْصُودِ الْبَعْثَةِ.

стр. 641

فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّرْجِيحِ مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُجَدَّدِ مُخَالِفٌ لِلنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، بِخِلَافِ الْحَمْلِ عَلَى الْمَوْضُوعِ الْأَصْلِيِّ. قُلْنَا: إِلَّا أَنَّا لَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْمَوْضُوعِ اللُّغَوِيِّ كَانَتْ فَائِدَةُ لَفْظِ الشَّارِعِ التَّأْكِيدَ بِتَعْرِيفِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لَنَا، وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَانَتْ فَائِدَتُهُ التَّأْسِيسَ وَتَعْرِيفَ مَا لَيْسَ مَعْرُوفًا لَنَا، وَفَائِدَةُ التَّأْسِيسِ أَصْلٌ، وَفَائِدَةُ التَّأْكِيدِ تَبَعٌ، فَكَانَ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ لَفْظُ الشَّارِعِ لَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ عِنْدَ الْمُعْتَرِفِ بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ إِذَا وَرَدَ لَفْظُ الشَّارِعِ وَلَهُ مُسَمًّى لُغَوِيٌّ، وَمُسَمًّى شَرْعِيٌّ عِنْدَ الْمُعْتَرِفِ بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ: إِنَّهُ مُجْمَلٌ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ. وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ وَقَالَ: مَا وَرَدَ فِي الْإِثْبَاتِ، فَهُوَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَمَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ فَهُوَ مُجْمَلٌ، وَمِثَالُ ذَلِكَ فِي طَرَفٍ الْإِثْبَاتِ قَوْلُهُ ﷺ حِينَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ لَهَا: " «أَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ: لَا، قَالَ: إِنِّي إِذًا أَصُومُ» " (١) فَهُوَ إِنْ حُمِلَ عَلَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ بِخِلَافِ حَمْلِهِ عَلَى الصَّوْمِ اللُّغَوِيِّ، وَمِثَالُهُ فِي طَرَفِ النَّهْيِ نَهْيُهُ ﵇ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ، (٢) فَإِنَّهُ إِنْ حُمِلَ عَلَى الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ دَلَّ عَلَى تَصَوُّرِ وُقُوعِهِ لِاسْتِحَالَةِ النَّهْيِ عَمَّا لَا تَصَوُّرَ لِوُقُوعِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حُمِلَ عَلَى الصَّوْمِ اللُّغَوِيِّ. وَالْمُخْتَارُ ظُهُورُهُ فِي الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ، وَظُهُورُهُ فِي الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ فِي طَرَفِ التَّرْكِ. (٣)

стр. 642

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَبَيَانُهُ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيَزِيدُ هَاهُنَا وَجْهٌ آخَرُ فِي التَّرْجِيحِ، وَهُوَ أَنَّ الشَّارِعَ مَهْمَا ثَبَتَ لَهُ عُرْفٌ وَإِنْ كَانَتْ مُنَاطَقَتُهُ لَنَا بِالْأُمُورِ اللُّغَوِيَّةِ غَالِبًا، غَيْرَ أَنَّ مُنَاطَقَتَهُ لَنَا بِعُرْفِهِ فِي مَوْضِعٍ لَهُ فِيهِ عُرْفٌ أَغْلَبُ. وَأَمَّا إِذَا وَرَدَ فِي طَرَفِ التَّرْكِ، كَقَوْلِهِ ﷺ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» " (١) وَكَنَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الْحُرِّ وَالْخَمْرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ وَالْمَلَاقِيحِ وَالْمَضَامِينِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَصَوَّرًا لِاسْتِحَالَةِ النَّهْيِ عَمَّا لَا تَصَوُّرَ لَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَأَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ (٢) قَدْ نَهَى عَنِ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إِهْمَالِ الْمَصْلَحَةِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَرْعِيَّةِ فِي التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ (٣) أَوْ أَنْ يُقَالَ مَعَ ظُهُورِهِ فِي الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ بِتَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ إِلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ اطِّرَادِ عُرْفِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ، مِثْلُهُ فِي طَرَفِ النَّهْيِ أَوِ النَّفْيِ. وَعَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ عُرْفِ الشَّرْعِ فِي خِطَابِهِ، عَلَى وَضْعِ اللُّغَةِ، فَيُقَدَّمُ مَا اشْتُهِرَ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي صَارَ لَا يُفْهَمُ مِنَ اللَّفْظِ غَيْرُهُ عَلَى الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ الْحَقِيقِيِّ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّجَوُّزُ بِطَرِيقِ نَفْيِ الْكَلَامِ مِنْ مَحَلِّ الْحَقِيقَةِ إِلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ كَلَفْظِ الْغَائِطِ، أَوْ بِطَرِيقِ تَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ فِي الْحَقِيقَةِ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ لِأَنَّ الْعُرْفَ الطَّارِئَ غَالِبٌ لِلْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَلَا إِجْمَالَ فِيهِ.

стр. 643

[الصِّنْفُ الثَّامِنُ فِي الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ] [مقدمة فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِمَا] وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ، فَفِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ، وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِمَا، وَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ. أَمَّا الْبَيَانُ: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالتَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ بِمَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ وَلَا مَعْلُومٍ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ مُرْشِدٌ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ الْحَاصِلُ عَنِ الدَّلِيلِ، وَلَمْ يَخْرُجِ الْبَيَانُ عَنِ التَّعْرِيفِ وَالدَّلِيلِ وَالْمَطْلُوبِ الْحَاصِلِ مِنَ الدَّلِيلِ لِعَدَم مَعْنًى رَابِعٍ يُفَسَّرُ بِهِ الْبَيَانُ، فَلَا جَرَمَ اخْتَلَفَ النَّاسُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ - مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْبَيَانَ هُوَ التَّعْرِيفُ، وَعُبِّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ عَنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ الْوُضُوحِ وَالتَّجَلِّي. وَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُ، إِلَى أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْعِلْمُ مِنَ الدَّلِيلِ. وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ: كَالْجُبَّائِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ، إِلَى أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الدَّلِيلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ تَفْسِيرِهِ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ دَلِيلًا لِغَيْرِهِ وَأَوْضَحَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ يَصِحُّ لُغَةً وَعُرْفًا أَنْ يُقَالَ: تَمَّ بَيَانُهُ، وَهُوَ بَيَانٌ حَسَنٌ إِشَارَةً إِلَى الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ. وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ بِالْمَطْلُوبِ لِلسَّامِعِ، وَلَا حَصَلَ بِهِ تَعْرِيفُهُ، وَلَا إِخْرَاجُ الْمَطْلُوبِ مِنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إِلَى حَيِّزِ الْوُضُوحِ وَالتَّجَلِّي، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، وَالَّذِي يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ التَّعْرِيفَيْنِ الْآخَرَيْنِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بَدِيًّا مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ إِجْمَالِ بَيَانٍ، وَهُوَ غَيْرٌ دَاخِلٍ فِي الْحَدِّ، وَشَرْطُ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا مَانِعًا، كَيْفَ وَفِيهِ تَجَوُّزٌ وَزِيَادَةٌ؟ أَمَّا التَّجَوُّزُ فَفِي لَفْظِ الْحَيِّزِ، فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْجَوْهَرِ دُونَ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْوُضُوحِ وَالتَّجَلِّي، وَأَحَدُهُمَا كَافٍ عَنِ الْآخَرِ، وَالْحَدُّ مِمَّا يَجِبُ صِيَانَتُهُ عَنِ التَّجَوُّزِ وَالزِّيَادَةِ.

стр. 644

وَأَمَّا التَّعْرِيفُ الثَّانِي فَلِأَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ عَنِ الدَّلِيلِ يُسَمَّى تَبَيُّنًا، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الْبَيَانُ أَيْضًا حَقِيقَةً لَزِمَ مِنْهُ التَّرَادُفُ. وَالْأَصْلُ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْأَسْمَاءِ تَعَدُّدُ الْمُسَمَّيَاتِ، تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِأَنَّ الْحَاصِلَ عَنِ الدَّلِيلِ قَدْ يَكُونُ عِلْمًا، وَقَدْ يَكُونُ ظَنًّا. وَعِنْدَ ذَلِكَ فَتَخْصِيصُ اسْمِ الْبَيَانِ بِالْعِلْمِ دُونَ الظَّنِّ لَا مَعْنَى لَهُ، مَعَ أَنَّ اسْمَ الْبَيَانِ يَعُمُّ الْحَالَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَ النِّزَاعُ إِنَّمَا هُوَ فِي إِطْلَاقِ أَمْرٍ لَفْظِيٍّ، فَأَوْلَى مَا اتُّبِعَ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِلْإِطْلَاقِ اللُّغَوِيِّ، وَأَبْعَدَ عَنِ الِاضْطِرَابِ وَمُخَالَفَةَ الْأُصُولِ. وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ فَحَدُّ الْبَيَانِ مَا هُوَ حَدُّ الدَّلِيلِ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي تَحْرِيرِهِ. (١) وَيَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّ مَا يُقَالُ لَهُ دَلِيلٌ، كَانَ مُفِيدًا لِلْقَطْعِ أَوِ الظَّنِّ، وَسَوَاءٌ كَانَ عَقْلِيًّا أَوْ حِسِّيًّا، أَوْ شَرْعِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا، أَوْ قَوْلًا أَوْ سُكُوتًا، أَوْ فِعْلًا أَوْ تَرْكَ فِعْلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُبَيَّنُ فَقَدْ يُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مِنَ الْخِطَابِ الْمُبْتَدَأِ الْمُسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ عَنْ بَيَانٍ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْبَيَانِ، وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ بَيَانُهُ، وَذَلِكَ كَاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ إِذَا بُيِّنَ الْمُرَادُ مِنْهُ، وَالْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَالْمُطْلَقِ بَعْدَ التَّقْيِيدِ، وَالْفِعْلِ إِذَا اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُصِدَ مِنْهُ ذَلِكَ. [الْمَسْأَلَةُ الأولى الْفِعْلَ يَكُونُ بَيَانًا] وَأَمَّا الْمَسَائِلُ فَثَمَانٍ:

стр. 645

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ بَيَانًا، خِلَافًا لِطَائِفَةٍ شَاذَّةٍ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ النَّقْلُ وَالْعَقْلُ، أَمَّا النَّقْلُ: فَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ عَرَّفَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ بِفِعْلِهِ حَيْثُ قَالَ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» "، " «وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ". وَأَمَّا الْعَقْلُ: فَهُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى كَوْنِ الْقَوْلِ بَيَانًا، وَالْإِتْيَانُ بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ؛ لِكَوْنِهَا مُشَاهَدَةً أَدَلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ تَفْصِيلِهَا مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْهَا بِالْقَوْلِ، فَإِنَّهُ (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ) (١) وَلِهَذَا كَانَتْ مُشَاهَدَةُ زَيْدٍ فِي الدَّارِ أَدُلُّ عَلَى مَعْرِفَةِ كَوْنِهِ فِيهَا مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ بَيَانًا، مَعَ قُصُورِهِ فِي الدَّلَالَةِ عَنِ الْفِعْلِ الْمُشَاهَدِ، فَكَوْنُ الْفِعْلِ بَيَانًا أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: أَمَّا النَّقْلُ فَالْبَيَانُ فِيهِ إِنَّمَا وَقَعَ بِالْقَوْلِ لَا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، «وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» "، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ: فَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ وَإِنْ كَانَ مُشَاهَدًا غَيْرَ أَنَّ زَمَانَ الْبَيَانِ بِهِ مِمَّا يَطُولُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ مَعَ إِمْكَانِهِ بِمَا هُوَ أَفْضَى إِلَيْهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْبَيَانَ إِنَّمَا حَصَلَ بِالْقَوْلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَضَمَّنْ تَعْرِيفَ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، بَلْ غَايَتُهُ تَعْرِيفُ أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْبَيَانُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ مما يُفْضِي إِلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ مَعَ إِمْكَانِ تَقَدُّمِهِ فَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، بَلِ التَّعْرِيفُ بِالْقَوْلِ. وَذِكْرُ كُلِّ فِعْلٍ بِصِفَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَبْعَدُ عَنِ التَّشَبُّثِ بِالذِّهْنِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُشَاهَدِ، وَرُبَّمَا احْتِيجَ فِي ذَلِكَ إِلَى تَكْرِيرٍ فِي أَزْمِنَةٍ تَزِيدُ عَلَى زَمَانِ وُقُوعِ (الْفِعْلِ) بِأَزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ، عَلَى مَا يَشْهَدُ بِهِ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ زَمَانَ التَّعْرِيفِ بِالْفِعْلِ يَكُونُ أَطْوَلَ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ صَالِحٍ لِلْبَيَانِ وَالتَّعْرِيفِ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَعَ صَلَاحِيَّتِهِ لِلتَّعْرِيفِ أَدَلُّ مِنَ الْقَوْلِ.

стр. 646

قَوْلُهُمْ: إِنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، مَعَ إِمْكَانِ تَقْدِيمِهِ بِالْقَوْلِ. قُلْنَا: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ الْحَاجَةُ قَدْ دَعَتْ إِلَى الْبَيَانِ فِي الْحَالِ، أَوْ دَعَتْ إِلَيْهِ: فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَلَا مَحْذُورَ فِي التَّأْخِيرِ مَعَ حُصُولِ الْبَيَانِ بِمَا هُوَ أَدَلُّ مِنَ الْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ التَّأْخِيرِ عَلَى قَوْلِنَا بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ. وَبِتَقْدِيرِ امْتِنَاعِهِ فَإِنَّمَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَ التَّأْخِيرُ لَا لِفَائِدَةٍ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِفَائِدَةٍ فَلَا. وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَائِدَةَ فِي الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ. [الْمَسْأَلَةُ الثانية وَرَدَ بَعْدَ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالَحٌ لِلْبَيَانِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إِذَا وَرَدَ بَعْدَ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالَحٌ لِلْبَيَانِ، فَالْبَيَانُ بِمَاذَا مِنْهُمَا؟ وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَتَوَافَقَا فِي الْبَيَانِ أَوْ يَخْتَلِفَا، فَإِنْ تَوَافَقَا، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ الْبَيَانُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ، وَالثَّانِي يَكُونُ تَأْكِيدًا إِلَّا إِذَا كَانَ دُونَ الْأَوَّلِ فِي الدَّلَالَةِ، لِاسْتِحَالَةِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الدَّلَالَةِ. وَإِنْ جُهِلَ ذَلِكَ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الدَّلَالَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا أَرْجَحُ مِنَ الْآخَرِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْوَقَائِعِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَأَحَدُهُمَا هُوَ الْبَيَانُ، وَالْآخَرُ مُؤَكِّدٌ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَالْأَشْبَهُ أَنَّ الْمَرْجُوحَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ لِأَنَّا فَرَضْنَا تَأَخُّرَ الْمَرْجُوحِ، امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا لِلرَّاجِحِ، إِذِ الشَّيْءُ لَا يُؤَكَّدُ بِمَا هُوَ دُونَهُ فِي الدَّلَالَةِ، وَالْبَيَانُ حَاصِلٌ دُونَهُ، فَكَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، وَمَنْصِبُ الشَّارِعِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَلَا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا جَعَلْنَا الْمَرْجُوحَ مُقَدَّمًا، فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالرَّاجِحِ بَعْدَهُ يَكُونُ مُفِيدًا لِلتَّأْكِيدِ، وَلَا يَكُونُ مُعَطِّلًا. وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَوَافَقَا فِي الْبَيَانِ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ قَالَ: " «مَنْ قَرَنَ حَجًّا إِلَى عُمْرَةٍ فَلْيَطُفْ طَوَافًا وَاحِدًا، وَيَسْعَى سَعْيًا وَاحِدًا» ". (١)

стр. 647

وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَرَنَ فَطَافَ طَوَافَيْنِ، وَسَعَى سَعْيَيْنِ» (١) فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا أَوْ يُجْهَلَ، فَإِنْ عُلِمَ التَّقَدُّمُ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: الْمُتَقَدِّمُ هُوَ الْبَيَانُ. فَإِنْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ كَانَ الطَّوَافُ الثَّانِي وَاجِبًا. وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ كَانَ الطَّوَافُ الثَّانِي غَيْرَ وَاجِبٍ، وَلَيْسَ بِحَقٍّ، بَلِ الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْقَوْلُ مُتَقَدِّمًا فَالطَّوَافُ الثَّانِي غَيْرُ وَاجِبٍ، وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ فِعْلُهُ لَهُ دَلِيلَ الْوُجُوبِ، كَانَ نَاسِخًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ، وَفِعْلُهُ لِلطَّوَافِ الْأَوَّلِ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُتَقَدِّمًا، فَهُوَ وَإِنْ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الطَّوَافِ الثَّانِي إِلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، وَالْقَوْلُ بِإِهْمَالِ دَلَالَةِ الْقَوْلِ مُمْتَنِعٌ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِوُجُوبِ الطَّوَافِ الثَّانِي الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ، أَوْ أَنْ يُحْمَلَ فِعْلُهُ عَلَى بَيَانِ وُجُوبِ الطَّوَافِ الثَّانِي فِي حَقِّهِ دُونَ أُمَّتِهِ، وَأَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ عَلَى بَيَانِ وُجُوبِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فِي حَقِّ أُمَّتِهِ دُونَهُ، وَالْأَشْبَهُ إِنَّمَا هُوَ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ وَلَا تَعْطِيلٍ. (٢) وَأَمَّا إِنْ جُهِلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا، فَالْأَوْلَى إِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ تَقَدُّمِ الْقَوْلِ وَجَعْلُهُ بَيَانًا لِوَجْهَيْنِ

стр. 648

الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ بِخِلَافِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ كَوْنُهُ بَيَانًا دُونَ اقْتِرَانِ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِقَصْدِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَيَانَ بِهِ أَوْ قَوْلٌ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ. (١) الثَّانِي: أَنَّا إِذَا قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ الْقَوْلِ أَمْكَنَ حَمْلُ الْفِعْلِ بَعْدَهُ عَلَى نَدْبِيَّةِ الطَّوَافِ الثَّانِي كَمَا تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ. وَلَوْ قَدَّرْنَا تَقَدُّمَ الْفِعْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ إِمَّا إِهْمَالُ دَلَالَةِ الْقَوْلِ، أَوْ كَوْنُهُ نَاسِخًا لِحُكْمِ الْفِعْلِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ بَيَانًا لِوُجُوبِ الطَّوَافِ الثَّانِي فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أُمَّتِهِ، وَالْقَوْلُ دَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ دُونَهُ، وَالْإِهْمَالُ وَالنَّسْخُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالِافْتِرَاقُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ الطَّوَافِ الثَّانِي مَرْجُوحٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّشْرِيكِ، لِكَوْنِ التَّشْرِيكِ هُوَ الْغَالِبَ دُونَ الِافْتِرَاقِ. (٢)

стр. 649

[الْمَسْأَلَةُ الثالثة هَلْ يَكُونَ الْبَيَانُ مُسَاوِيًا لِلْمُبَيَّنِ فِي الْقُوَّةِ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مِنْهُ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ مُسَاوِيًا لِلْمُبَيَّنِ فِي الْقُوَّةِ، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مِنْهُ، قَالَ الْكَرْخِيُّ: لَا بُدَّ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدْنَى مِنْهُ. وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِلْمُبَيَّنِ فِي الْحُكْمِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ. وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا الْمُسَاوَاةُ فِي الْقُوَّةِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمُبَيَّنُ مُجْمَلًا، كَفَى فِي تَعْيِينِ أَحَدِ احْتِمَالَيْهِ أَدْنَى مَا يُفِيدُ التَّرْجِيحُ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ وَالْمُقَيِّدُ فِي دَلَالَتِهِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَى صُورَةِ التَّخْصِيصِ، وَدَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَى صُورَةِ التَّقْيِيدِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُسَاوِيًا لَزِمَ الْوَقْفُ (١) وَلَوْ كَانَ مَرْجُوحًا لَزِمَ مِنْهُ إِلْغَاءُ الرَّاجِحِ بِالْمَرْجُوحِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَأَمَّا الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ فَغَيْرُ وَاجِبٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْبَيَانُ مِنَ الْحُكْمِ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْمُبَيَّنُ، لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا بَيَانًا لِلْآخَرِ. وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ بَيَانًا لِلْآخَرِ، إِذَا كَانَ دَالًّا عَلَى صِفَةِ مَدْلُولِ الْآخَرِ، لَا عَلَى مَدْلُولِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا اتِّحَادَ فِي الْحُكْمِ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الِاتِّحَادِ فِي الْحُكْمِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ حُكْمُ الْمُبَيَّنِ وَاجِبًا كَانَ بَيَانُهُ وَاجِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَكُنِ الْبَيَانُ وَاجِبًا. قُلْنَا: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى الْبَيَانِ فِي الْحَالِ، أَوْ هِيَ دَاعِيَةٌ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَالْبَيَانُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ حُكْمُ الْمُبَيَّنِ وَاجِبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ فَعَلَى قَوْلِنَا بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ. (٢) فَالْبَيَانُ أَيْضًا لَا يَكُونُ وَاجِبًا، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمُبَيَّنُ وَاجِبًا.

стр. 650

وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا بِامْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ فَالْحَقُّ مَا قَالُوهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمُبَيَّنُ وَاجِبًا، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَيَانُ وَاجِبًا لِجَازَ تَرْكُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ. وَإِذَا كَانَ الْمُبَيَّنُ غَيْرَ وَاجِبٍ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ إِيجَابِ الْبَيَانِ لَا يُفْضِي إِلَى التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ إِذْ لَا تَكْلِيفَ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ وَاجِبَ الْفِعْلِ، وَلَا وَاجِبَ التَّرْكِ، فَهُوَ إِمَّا مَنْدُوبٌ، أَوْ مُبَاحٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (١) وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ حَذَرًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ الْوُجُوبُ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ أَصْلًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُنْظَرَ إِلَى التَّكْلِيفِ بِوُجُوبِ اعْتِقَادِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ إِبَاحَةٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ كَرَاهَةٍ، فَيَكُونُ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ: إِمَّا عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ سِوَى الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَمَدَارُ الْكَلَامِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَقَدْ عُرِفَ فِيمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَفِيهِ مَذَاهِبُ. فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: كَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالظَّاهِرِيَّةُ إِلَى امْتِنَاعِهِ، وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ دُونَ غَيْرِهِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْأَمْرِ دُونَ الْخَبَرِ (٢) وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ دُونَ غَيْرِهِ، وَذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ كَالْمُجْمَلِ، وَإِمَّا لَهُ ظَاهِرٌ وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ ظَاهِرِهِ، كَالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمَنْسُوخِ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ التَّفْصِيلِيِّ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ الْإِجْمَالِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَقْتَ الْخِطَابِ: هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ، وَهَذَا الْمُطْلَقُ مُقَيَّدٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ سَيُنْسَخُ.

стр. 651

(١) وَإِذَا عُرِفَ تَفْصِيلُ الْمَذَاهِبِ فَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا بِحُجَجٍ نَقْلِيَّةٍ، وَعَقْلِيَّةٍ. أَمَّا النَّقْلِيَّةُ، فَالْحُجَّةُ الْأُولَى مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ . ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ . ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّهُ قَالَ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ مَعْنَاهُ أَنْزَلْنَاهُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالِاتِّبَاعِ بِفَاءِ التَّعْقِيبِ، لِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِنْزَالِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْإِنْزَالِ. وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿قَرَأْنَاهُ﴾ الْإِنْزَالَ، فَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْإِنْزَالِ، لِأَنَّ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ وَالتَّرَاخِي عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. (٢) وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ الْإِنْزَالَ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ بَيَانُ مُجْمَلِهِ وَخُصُوصِهِ وَتَقْيِيدِهِ وَمَنْسُوخِهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْهُ إِظْهَارُهُ وَإِشْهَارُهُ، وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ هُوَ الْإِظْهَارُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ " بَانَ لَنَا الْكَوْكَبُ الْفُلَانِيُّ، وَبَانَ لَنَا سُورُ الْمَدِينَةِ " إِذَا ظَهَرَ، وَيُقَالُ " بَيَّنَ فُلَانٌ الْأَمْرَ الْفُلَانِيَّ " إِذَا أَظْهَرَهُ وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنَ الْمُجْمَلِ وَالْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. (٣) كَيْفَ وَإِنَّ التَّرْجِيحَ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ إِنَّمَا هُوَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ اخْتِصَاصُ بَعْضِهِ بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ.

стр. 652

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالِاتِّبَاعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ غَيْرُ خَاصٍّ بِبَعْضِ الْقُرْآنِ دُونَ الْبَعْضِ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِلْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فِي اللَّفْظِ، كَانَ مُجْمَلًا وَتَكْلِيفًا لَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عَائِدًا إِلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ السَّابِقِ، وَهُوَ جُمْلَةُ الْقُرْآنِ لَا إِلَى بَعْضِهِ، لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ. وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ بِحَمْلِ الْبَيَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لِاسْتِحَالَةِ افْتِقَارِ كُلِّ الْقُرْآنِ إِلَى الْبَيَانِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْقُرْآنِ مُجْمَلًا وَلَا ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى. وَهَذَا إِشْكَالٌ مُشْكِلٌ، وَفِي تَحْرِيرِهِ وَتَقْرِيرِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَتَبَيَّنُ لِلنَّاظِرِ الْمُتَبَحِّرِ فِيهِ إِبْطَالُ كُلِّ مَا يَخْبِطُ بِهِ بَعْضُ الْمُخْبِطِينَ. (١) وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِنَّمَا هُوَ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنَ الظَّاهِرِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ، لَكِنْ مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْبَيَانَ التَّفْصِيلِيَّ، كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ؟

стр. 653

فَإِنْ قِيلَ: لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيَانِ مُطْلَقٌ (١) فَحَمْلُهُ عَلَى الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ يَكُونُ تَقْيِيدًا لَهُ، وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُمْتَنِعٌ. قُلْنَا: وَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا، فَالْمُطْلَقُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى جَمِيعِ صُوَرِهِ، وَإِلَّا كَانَ عَامًّا لَا مُطْلَقًا، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ، فَقَدْ وَفَّى بِالْعَمَلِ بِدَلَالَتِهِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَلَا يَخْفَى أَنَّ تَنْزِيلَ الْبَيَانِ فِي الْآيَةِ عَلَى الْإِجْمَالِيِّ دُونَ التَّفْصِيلِيِّ يَكُونُ تَقْيِيدًا لِلْمُطْلَقِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِتَنْزِيلِهِ عَلَيْهِ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَيَانُ الْإِجْمَالِيُّ وَالتَّفْصِيلِيُّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ (ثُمَّ) مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَأْخِيرِ بَيَانِ كُلِّ الْقُرْآنِ ضَرُورَةَ عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى الْكُلِّ (٢) عَلَى مَا سَبَقَ. وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَإِذَا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِهَا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا فِي مَجَازِهَا وَهُوَ حَمْلُهَا عَلَى مَعْنَى (الْوَاوِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ فَإِنَّ (ثُمَّ) هَاهُنَا بِمَعْنَى (الْوَاوِ) وَلِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الرَّبِّ شَاهِدًا، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَاهِدًا. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ وَ (ثُمَّ) لِلتَّأْخِيرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّفْصِيلِ بَيَانُ الْمُرَادِ مِنَ الْمُجْمَلِ وَالظَّاهِرِ وَالْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، بَلِ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ " أُحْكِمَتْ " أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَفُصِّلَتْ فِي الْإِنْزَالِ. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ وَأَرَادَ بِهِ: بَيَانُهُ لِلنَّاسِ.

стр. 654

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: ظَاهِرُ ذَلِكَ لِلْمَنْعِ مِنْ تَعْجِيلِ نَفْسِ الْقُرْآنِ، لَا بَيَانِ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْمَارِ الْمُخَالِفِ لِلْأَصْلِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ تَعْجِيلِ الْقُرْآنِ أَيْ مِنْ تَعْجِيلِ أَدَائِهِ عَقِيبَ سَمَاعِهِ، حَتَّى لَا يَخْتَلِطَ عَلَيْهِ السَّمَاعُ بِالْأَدَاءِ، وَإِلَّا فَلَوْ أَرَادَ بِهِ الْبَيَانَ لَمَا مَنَعَهُ عَنْهُ بِالنَّهْي لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ تَعْجِيلَ الْبَيَانِ بَعْدَ الْأَدَاءِ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرَ مُنَكَّرَةٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِمْ. وَدَلِيلُ كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُعَيَّنًا أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا تَعْيِينَهَا بِقَوْلِهِمْ لَهُ: " ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ وَ ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ وَلَوْ كَانَتْ مُنَكَّرَةً لَمَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِأَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ وَ ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾ وَ ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ جَمِيعُ الْكِنَايَاتِ (١) يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى مَا أُمِرُوا بِهِ أَوَّلًا. وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ تَكْلِيفًا بِأُمُورٍ مُجَدَّدَةٍ غَيْرَ مَا أُمِرُوا بِهِ أَوَّلًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْوَاجِبُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا دُونَ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ مُتَّصِفًا بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَقَرَةَ الْمَأْمُورُ بِهَا كَانَتْ مُعَيَّنَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ مُنَكَّرَةً مُطْلَقًا، فَلَا تَكُونُ مُحْتَاجَةً إِلَى الْبَيَانِ لِإِمْكَانِ الْخُرُوجِ عَنِ الْعُهْدَةِ بِذَبْحِ أَيِّ بَقَرَةٍ اتُّفِقَتْ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ النِّزَاعِ. قَوْلُهُمْ إِنَّهُمْ سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِهَا، وَلَوْ أُمِرُوا بِمُنَكَّرٍ لَمَا سَأَلُوا عَنْ تَعْيِينِهِ.

стр. 655

قُلْنَا ظَاهِرُ الْأَمْرِ يَدُلُّ عَلَى التَّنْكِيرِ حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ . وَالْقَوْلُ بِالتَّعْيِينِ مُخَالِفٌ لِلتَّنْكِيرِ الْمَفْهُومِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ الْحَمْلُ عَلَى التَّعْيِينِ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ سُؤَالِهِمْ وَمُخَالَفَةِ ظَاهِرِ النَّصِّ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ، بَلْ مُوَافَقَةُ ظَاهِرِ النَّصِّ أَوْلَى. قَوْلُكُمْ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ عَائِدٌ إِلَى الْمَأْمُورِ بِهِ أَوَّلًا، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ. قَوْلُهُمْ: لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفًا بِأُمُورٍ مُجَدَّدَةٍ مُسَلَّمٌ، وَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ؟ قَوْلُكُمْ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ الْوَاجِبُ مِنَ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا دُونَ مَا ذُكِرَ أَوَّلًا، لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ. وَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ السُّؤَالِ الْأَوَّلِ ذَبْحَ بَقَرَةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَوْجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَذْكُورَةَ ثَانِيًا، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ. قَوْلُكُمْ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمَا كَانَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤَالِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ لَوْ ذَبَحُوا أَيَّةَ بَقَرَةٍ أَرَادُوا لَأَجْزَأَتْهُمْ، لَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. (١) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ ابْتِدَاءَ إِيجَابٍ لَا بَيَانًا، لِأَنَّ الْبَيَانَ لَيْسَ بِتَشْدِيدٍ بَلْ تَعْيِينُ مَا هُوَ الْوَاجِبُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُوَافَقَةَ ظَاهِرِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى تَنْكِيرِ الْبَقَرَةِ وَظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْلَى مِنْ مُوَافَقَةِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ لُزُومِ مُطَابَقَةِ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْأَصْلَيْنِ، وَمُخَالَفَةِ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَمَا ذَكَرُوهُ بِالْعَكْسِ. ثُمَّ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ كَانَ بَقَرَةً مُعَيَّنَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوا الْبَيَانَ الْإِجْمَالِيَّ أَوِ التَّفْصِيلِيَّ؟ الْأَوَّلُ: مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ، تَأْخِيرُ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. وَلَيْسَ تَقْيِيدُ سُؤَالِهِمْ بِطَلَبِ الْبَيَانِ مَعَ إِطْلَاقِهِ بِالْإِجْمَالِيِّ أَوْلَى مِنَ التَّفْصِيلِيِّ، وَلَا مَحِيصَ عَنْهُ. وَرُبَّمَا أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجِ مَا لَا اتِّجَاهَ لَهُ، كَقَوْلِهِمْ: مَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ مُقَارِنًا لِلْمُبَيَّنِ؟ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ كَانَ نَاجِزًا، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ.

стр. 656

أَمَّا أَوَّلًا: فِلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْبَيَانُ حَاصِلًا، لَفَهِمُوهُ ظَاهِرًا، وَلَمَا سَأَلُوا عَنْهُ، وَأَمَا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالذَّبْحِ كَانَ مُطْلَقًا، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ صَاحِبِ هَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ فَتَأْخِيرُ بَيَانِهِ عَنْهُ أَيْضًا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى أَصْلِهِ، لِكَوْنِهِ قَائِلًا بِجَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، كَمَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ. الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى " فَقَدْ عُبِدَتِ الْمَلَائِكَةُ وَالْمَسِيحُ أَفَتُرَاهُمْ يُعَذَّبُونَ " وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، بَلْ سَكَتَ إِلَى حِينِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَعْدَ حِينٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً حَتَّى أَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ وَالْمَسِيحَ إِنَّمَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ إِذْ لَوْ كَانَتْ (مَا) تَتَنَاوَلُ مَنْ يَعْلَمُ وَيَعْقِلُ وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَنَاوِلَةً لَهُمْ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِخْرَاجِ مَا لَا دُخُولَ لَهُ فِي الْآيَةِ عَنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: دَلِيلُ تَنَاوُلِ (مَا) لِمَنْ يَعْلَمُ وَيَعْقِلُ النَّصُّ وَالْإِطْلَاقُ وَالْمَعْنَى. أَمَّا النَّصُّ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ . وَأَمَّا الْإِطْلَاقُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ (مَا) قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنَى (الَّذِي) بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَ (الَّذِي) يَصِحُّ إِطْلَاقُهَا عَلَى مَنْ يَعْقِلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: الَّذِي جَاءَ زَيْدٌ، فَمَا كَذَلِكَ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ - مَا فِي دَارِي مِنَ الْعَبِيدِ أَحْرَارٌ. وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: هُوَ أَنَّ ابْنَ الزِّبَعْرَى كَانَ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَهِمَ تَنَاوُلَ (مَا) لِمَنْ يَعْقِلُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

стр. 657

الثَّانِي: أَنَّ (مَا) لَوْ كَانَتْ مُخْتَصَّةً بِمَنْ لَا يَعْلَمُ، لَمَا احْتِيجَ إِلَى قَوْلِهِ (مِنْ دُونِ اللَّهِ) وَحَيْثُ كَانَتْ بِعُمُومِهَا مُتَنَاوِلَةً لِلَّهِ تَعَالَى احْتَاجَ إِلَى التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ: " مِنْ دُونِ اللَّهِ ". قُلْنَا: أَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنَ النُّصُوصِ وَالْإِطْلَاقَاتِ فَغَايَتُهَا جَوَازُ إِطْلَاقِ (مَا) عَلَى مَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً فِيهِ، بَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَنْ لَا يَعْقِلُ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ الزِّبَعْرَى لَمَّا ذَكَرَ مَا ذَكَرَ (١) رَادًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " «مَا أَجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ (مَا) لِمَا لَا يَعْقِلُ وَ (مَنْ) لِمَنْ يَعْقِلُ» . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَالتَّوْفِيقَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْعَمَلِ بِمَا ذَكَرُوهُ. وَإِذَا كَانَتْ (مَا) ظَاهِرَةً فِي مَنْ لَا يَعْقِلُ دُونَ مَنْ يَعْقِلُ، وَجَبَ تَنْزِيلُهَا عَلَى مَا هِيَ ظَاهِرَةٌ فِيهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى فَهُوَ بَاطِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَخْفَى أَنَّ اتِّبَاعَ قَوْلِ النَّبِيِّ أَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِ مَا ظَنَّهُ ابْنُ الزِّبَعْرَى. وَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي مِنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إِنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى فَائِدَةِ التَّأْسِيسِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ، غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى فَائِدَةِ التَّأْسِيسِ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ (مَا) حَقِيقَةٌ فِيمَنْ يَعْقِلُ، غَيْرَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ بَيَانَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَكُنْ مُقَارِنًا لِلْآيَةِ. وَبَيَانُ الْمُقَارَنَةِ أَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ صَالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَالْعَقْلُ قَدْ دَلَّ عَلَى امْتِنَاعِ تَعْذِيبِ أَحَدٍ بِجُرْمٍ صَادِرٍ مِنْ غَيْرِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِجُرْمِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَاحِدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ رِضَا الْمَلَائِكَةِ وَالْمَسِيحِ بِعِبَادَةِ مَنْ عَبَدَهُمْ وَ (مَا) مِثْلُ هَذَا الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُقَارَنَتِهِ لِلْآيَةِ. وَأَمَّا نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الْآيَةَ، فَإِنَّمَا وَرَدَ تَأْكِيدًا بِضَمِّ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ إِلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَصْلِهِ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُسْتَقِلَّ بِالْبَيَانِ فَلَا. الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ: قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ لِإِبْرَاهِيمَ ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ وَلَمْ يُبَيِّنُوا إِخْرَاجَ لُوطٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْهَلَاكِ بِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ .

стр. 658

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، بَلْ هُوَ مُقْتَرِنٌ بِهَا. وَدَلِيلُهُ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ فِي تَعْلِيلِ الْهَلَاكِ: " ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ " وَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِيهَا إِلَّا مَنْ كَانَ ظَالِمًا. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ غَيْرُ سُؤَالِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ وَمَا مِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ، فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ يَجْرِي إِمَّا بِسَبَبِ انْقِطَاعِ نَفَسِهِ أَوْ سُعَالٍ فِيمَا بَيْنُ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الْمُبَيَّنِ تَأْخِيرًا. وَمُبَادَرَةُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى السُّؤَالِ وَمَنْعُهُمْ (١) مِنَ اقْتِرَانِ الْبَيَانِ بِالْمُبَيَّنِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ النَّفَسِ وَالسُّعَالِ، حَتَّى إِنَّهُ لَوْ لَمْ يُبَادِرْ بِالسُّؤَالِ لَبَادَرُوا بِالْبَيَانِ. الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْفَذَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ لِيُعَلِّمَهُمُ الزَّكَاةَ وَغَيْرَهَا، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْوَقَصِ، فَقَالَ: " مَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَسْأَلَهُ» " (٢) وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيَانَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَوْنُ مُعَاذٍ لَمْ يَسْمَعِ الْبَيَانَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مُقَارَنَةِ الْبَيَانِ لِلْمُبَيَّنِ. كَيْفَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْأَوْقَاصِ وَغَيْرِهَا، غَيْرَ أَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ فِيمَا أَوْجَبَ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى حُكْمِ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ صَالِحٌ لِلْبَيَانِ وَالتَّخْصِيصِ، هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَنْقُولِ، وَأَمَّا الْحُجَجُ الْعَقْلِيَّةُ: فَأَوَّلُهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ مُمْتَنِعًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ لِذَاتِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يُعْرَفَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ نَظَرِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُنْتَفٍ، فَلَا امْتِنَاعَ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ كَانَ جَائِزًا، فَإِمَّا أَنْ يُعْرَفَ بِضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَوْ نَظَرِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مُنْتَفٍ فَلَا جَوَازَ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ وَكُلُّ مَا هُوَ جَوَابٌ لَهُ هَاهُنَا فَهُوَ جَوَابُهُ فِيمَا ذُكِرَ. الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَامْتَنَعَ تَأْخِيرُهُ فِي الزَّمَنِ الْقَصِيرِ وَامْتَنَعَ عَطْفُ الْجُمَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ إِذَا كَانَ بَيَانُ الْأُولَى مُتَأَخِّرًا عَنِ الْجَمَلِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا، وَلَمَا جَازَ الْبَيَانُ بِالْكَلَامِ الطَّوِيلِ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ.

стр. 659

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فِي الزَّمَانِ الْقَصِيرِ إِذَا كَانَ مَعَ قِصَرِهِ لَا يُعَدُّ الْمُتَكَلِّمُ مُعْرِضًا عَنْ كَلَامِهِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ الثَّانِيَ مَعَ الْأَوَّلِ مَعْدُودٌ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَذَلِكَ لَا يُعَدُّ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ تَطَاوُلًا يُعَدُّ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ مُعْرِضًا عَنْ كَلَامِهِ، وَلِهَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لُغَةً وَعُرْفًا أَنْ يَتَكَلَّمَ الْإِنْسَانُ بِكَلَامٍ يَقْصُرُ فَهْمُ السَّامِعِ عَنْهُ، وَيُبَيِّنُهُ بَعْدَ الزَّمَانِ الْقَصِيرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْجَانٍ بِخِلَافِ مَا إِذَا بَيَّنَهُ بَعْدَ الزَّمَانِ الْمُتَطَاوِلِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ التَّأْخِيرِ ثَمَّ التَّأْخِيرُ هَاهُنَا. وَأَمَّا الْجُمَلُ الْمَعْطُوفَةُ فَنَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَالْبَيَانُ الْمُتَعَقِّبُ لِلْجُمَلِ الْمَعْطُوفَةِ يُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ تَعَقُّبِهِ لِلْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَأَمَّا الْبَيَانُ بِالْكَلَامِ الطَّوِيلِ فَإِنَّمَا يُجَوِّزُهُ الْخَصْمُ إِذَا لَمْ يَكُنْ (١) حُصُولُ الْبَيَانِ إِلَّا بِهِ، أَوْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ أَتَمَّ مِنَ الْكَلَامِ الْقَصِيرِ وَإِلَّا فَلَا. الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ قَبُحَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ، لَكَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَبَيُّنِ الْمُكَلَّفِ، وَذَلِكَ مُقْتَضَى قُبْحِ الْخِطَابِ إِذَا بُيِّنَ لَهُ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا امْتَنَعَ بِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِ. وَلِهَذَا يَسْقُطُ تَكْلِيفُ الْإِنْسَانِ إِذَا مَاتَ، سَوَاءٌ قَتَلَ هُوَ نَفْسَهُ، أَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أَنَّ قُبْحَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَقْدِ التَّبْيِنِ الْمَنْسُوبِ إِلَى الْمُخَاطَبِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قُبْحُهُ عِنْدَ عَدَمِ تَبَيُّنِ الْمُكَلَّفِ إِذَا بُيِّنَ لَهُ؛ لِكَوْنِهِ مَنْسُوبًا إِلَى تَقْصِيرِ الْمُكَلَّفِ، لَا إِلَى الْمُخَاطَبِ، وَسُقُوطُ التَّكْلِيفِ عَنِ الْمَيِّتِ إِنَّمَا كَانَ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ الْمَشْرُوطِ فِي التَّكْلِيفِ، وَذَلِكَ لَا يَفْتَرِقُ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ فَاتَ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. وَالْمُخْتَارُ فِي ذَلِكَ: أَمَّا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ ثُمَّ بُيِّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَوِي الْقُرْبَى بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ دُونَ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي نَوْفَلٍ بِمَنْعِهِ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «إِنَّا وَبَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي

стр. 660

جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَمْ نَزَلْ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» . (١) فَإِنْ قِيلَ: الْمُتَأَخِّرُ إِنَّمَا هُوَ الْبَيَانُ الْمُفَصَّلُ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَمْنَعُ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ الْمُجْمَلِ (٢) ، وَلَا دَلَالَةَ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ عَلَى تَأْخِيرِهِ. قُلْنَا: إِذَا سَلَّمَ عَدَمَ اقْتِرَانِ الْبَيَانِ التَّفْصِيلِيِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِيهِ، وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ نَازَعَ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ، حَيْثُ إِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الْعُمُومِ لِكُلِّ ذَوِي الْقُرْبَى وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ وَأَرْبَابِ الْأَخْبَارِ مَا يُشِيرُ إِلَى الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ أَيْضًا، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَلَوْ كَانَ لَمَا أُهْمِلَ نَقْلُهُ غَالِبًا. وَأَيْضًا، مَا رُوِيَ «أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : " اقْرَأْ، قَالَ: وَمَا أَقْرَأُ؟ كَرَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ " ثُمَّ قَالَ لَهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ » (٣) أَخَّرَ بَيَانَ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَوَّلًا مِنْ إِجْمَالِهِ إِلَى مَا بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مِنْ أَمْرِ جِبْرِيلَ، وَسُؤَالِ النَّبِيِّ، مَعَ إِمْكَانِ بَيَانِهِ أَوَّلًا. وَذَلِكَ دَلِيلُ جَوَازِ التَّأْخِيرِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمْرُهُ لَهُ بِالْقِرَاءَةِ مُطْلَقٌ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوِ التَّرَاخِي، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَقَدْ أَخَّرَ الْبَيَانَ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا شَكَّ فِي إِفَادَتِهِ جَوَازَ الْفِعْلِ فِي الزَّمَنِ الثَّانِي مِنْ وَقْتِ الْأَمْرِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْهُ تَأْخِيرٌ لَهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِالْإِجْمَاعِ. فَتَرْكُ الظَّاهِرِ لَازِمٌ لَنَا وَلَكُمْ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا وَقَعَ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْتُمُوهُ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ. قُلْنَا: أَمَّا إِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ مُقْتَضَاهُ الْوُجُوبَ عَلَى الْفَوْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَإِذَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ. قَوْلُكُمْ إِنَّهُ يُفِيدُ جَوَازَ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي مِنْ وَقْتِ الْأَمْرِ.

стр. 661

قُلْنَا مَتَى، إِذَا كَانَ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ مُبَيَّنًا، أَوْ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُبَيَّنًا؟ الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ، وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ. وَإِنْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وُجُوبِهِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِتَرْكِهِ، بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ الْأَمْرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَا مُطْلَقُ الدُّعَاءِ إِجْمَاعًا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا الْبَيَانُ، بَلْ أَخَّرَ بَيَانَ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِهَا إِلَى أَنْ بَيَّنَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بَعْدَ بَيَانِ جِبْرِيلَ لَهُ. وَكَذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ مُطْلَقًا، ثُمَّ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ وَصِفَتِهِ فِي النُّقُودِ وَالْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَكَذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ فِي مِقْدَارِهِ وَصِفَتِهِ عَلَى التَّدْرِيجِ. وَكَذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ ثُمَّ نَزَلَ تَخْصِيصُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوَامِرِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَمْ تُبَيَّنْ تَفَاصِيلُهَا إِلَّا بَعْدَ مُدَدٍ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُؤَخَّرُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ إِنَّمَا هُوَ الْبَيَانُ التَّفْصِيلِيُّ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ الْإِجْمَالِيِّ. كَيْفَ وَإِنَّ الْأَمْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ، أَوِ التَّرَاخِي، وَتَمَامُ الْإِشْكَالِ مَا سَبَقَ. قُلْنَا: وَجَوَابُ الْإِشْكَالَيْنِ أَيْضًا مَا سَبَقَ. وَأَيْضًا، فَإِنَّ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةَ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْإِرْثِ وَرَدَتْ مُطْلَقَةً، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَصِحُّ، وَمَنْ يَحِلُّ نِكَاحُهَا وَمَنْ لَا يَحِلُّ، وَصِفَاتُ الْعُقُودِ وَشُرُوطُهَا، وَمَنْ يَرِثُ وَمَنْ لَا يَرِثُ، وَمَقَادِيرُ الْمَوَارِيثِ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَمَنْ نَظَرَ فِي جَمِيعِ عُمُومَاتِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَجَدَهَا كَذَلِكَ. وَأَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمَّا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَشَكَى الْأَنْصَارُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ رَخَّصَ لَهُمْ فِي الْعَرَايَا، وَهِيَ نَوْعٌ مِنَ الْمُزَابَنَةِ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ اقْتَرَنَ بِنَهْيهِ عَنْ ذَلِكَ بَيَانُ مُجْمَلٍ وَلَا مُفَصَّلٍ، وَهُوَ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَسْخًا أَوْ تَخْصِيصًا وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُخَالِفِ فِيهِ.

стр. 662

وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ: فَهُوَ أَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَمْ يَخْلُ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ أَوْ لَأَمَرٍ مِنْ خَارِجٍ. لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ لِذَاتِهِ، فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَاهُ وَاقِعًا لَا يَلْزَمُ عَنْهُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَ حَالَةِ وُجُودِ الْبَيَانِ وَعَدَمِهِ سِوَى عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْمُرَادِ مِنَ الْكَلَامِ، حَالَةَ وُجُودِ الْبَيَانِ، وَجَهْلِهِ بِهِ حَالَةَ عَدَمِهِ. فَلَوِ امْتَنَعَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ، لَكَانَ لِمَا قَارَنَهُ مِنْ جَهْلِ الْمُكَلَّفِ بِالْمُرَادِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ تَأْخِيرُ بَيَانِ النَّسْخِ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَهْلِ بِمُرَادِ الْكَلَامِ الدَّالِّ بِوَضْعِهِ عَلَى تَكَرُّرِ الْفِعْلِ عَلَى الدَّوَامِ، وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ فَالْمَلْزُومُ مُمْتَنِعٌ. وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَازِمَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَنَعَ مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ وَالْعَامِّ وَالْمُقَيَّدِ وَكُلِّ مَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ. وَجَوَّزَهُ فِي النَسْخِ، كَالْجُبَّائِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَغَيْرِهِمْ. اعْتَرَضَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَقَالَ الْفَرْقَ بَيْنَ تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ وَتَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ هُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ النَّسْخِ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ، بِخِلَافِ بَيَانِ صِفَةِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مَعَهُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَأْخِيرِ تَخْصِيصِ بَيَانِ الْعُمُومِ وَتَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ مِنْ وَجْهَيْنِ. الْأَوَّل: أَنَّ الْخِطَابَ الْمُطْلَقَ الَّذِي أُرِيدَ نَسْخُهُ مَعْلُومٌ أَنَّ حُكْمَهُ مُرْتَفِعٌ لِعِلْمِهِ بِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَخْصُوصُ. الثَّانِي: أَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، مَعَ تَجْوِيزِ إِخْرَاجِ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِمَّا يُوجِبُ الشَّكَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِ الْمُكَلَّفِينَ، هَلْ هُوَ مُرَادٌ بِالْخِطَابِ أَمْ لَا، وَلَا كَذَلِكَ فِي تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ. وَجَوَابُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِجْمَالِ وَالنَّسْخِ أَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ إِنَّمَا هُوَ وَقْتُ دَعْوِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، لَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا فَالْبَيَانُ لَا يَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ صِفَةِ الْعِبَادَةِ عَنْهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا وَوُجُودِهِ فِي وَقْتِهَا تَعَذُّرُ الْإِتْيَانِ بِالْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا. وَجَوَابُ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالنَّسْخِ هُوَ أَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ الْمُطْلَقِ، وَإِنْ عُلِمَ ارْتِفَاعُهُ بِانْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَعُمُّ التَّخْصِيصَ وَالنَّسْخَ، لِعِلْمِنَا بِانْقِطَاعِ

стр. 663

التَّكْلِيفِ بِالْمَوْتِ فِي الْحَالَتَيْنِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا قَبْلَ حَالَةِ الْمَوْتِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ الظَّاهِرِ الْمُتَنَاوِلِ لِكُلِّ الْأَشْخَاصِ وَاللَّفْظِ الظَّاهِرِ الْمُتَنَاوِلِ لِجَمِيعِ أَوْقَاتِ الْحَيَاةِ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، إِذَا جَازَ رَفْعُ حُكْمِ الْخِطَابِ الظَّاهِرِ الْمُتَنَاوِلِ لِجَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، مَعَ فَرْضِ الْحَيَاةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ غَيْرَ دَلِيلٍ مُبَيِّنٍ فِي الْحَالِ جَازَ تَخْصِيصُ بَعْضِ مَنْ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ بِظُهُورِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُبَيِّنٍ فِي الْحَالِ أَيْضًا؛ لِتَعَذُّرِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ. وَجَوَابُ الْفَرْقِ الثَّانِي أَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ التَّخْصِيصِ، وَإِنْ أَوْجَبَ التَّرَدُّدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَشْخَاصِ الْمُكَلَّفِينَ أَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمْ لَا، فَتَأْخِيرُ بَيَانِ النَّسْخِ عِنْدَمَا إِذَا أَمَرَ بِعِبَادَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِمَّا يُوجِبُ التَّرَدُّدَ فِي أَنَّ الْعِبَادَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَدَا الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. هَلْ هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْخِطَابِ الْعَامِّ لِجَمِيعِ الْأَيَّامِ أَمْ لَا. وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، جَازَ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ ضَرُورَةَ تَعَذُّرِ الْفَرْقِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِعِبَادَةٍ فِي وَقْتٍ مُسْتَقْبَلٍ أَمْرًا عَامًّا فَإِنَّ مَا مِنْ شَخْصٍ إِلَّا وَيُحْتَمَلُ اخْتِرَامُهُ قَبْلَ دُخُولِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الْخِطَابِ الْعَامِّ. وَذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ التَّرَدُّدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ هَلْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ ذَلِكَ الْخِطَابِ إِذَا لَمْ يَرِدِ الْبَيَانُ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ إِجْمَاعًا. شُبَهُ الْمُخَالِفِينَ مِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِتَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ، وَمِنْهَا مَا يَخْتَصُّ بِتَأْخِيرِ بَيَانِ مَا لَهُ ظَاهِرٌ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ. أَمَّا الشُّبَهُ الْخَاصَّةُ بِالْمُجْمَلِ فَشُبْهَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخِطَابِ بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ لَهُ مَدْلُولٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، وَبَيْنَ الْخِطَابِ بِلُغَةٍ يَضَعُهَا الْمُخَاطَبُ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ. وَعِنْدَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِحُسْنِ الْمُخَاطَبَةِ بِهِمَا، أَوْ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ لَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا: الْأَوَّلُ: يَلْزَمُ مِنْهُ حُسْنُ الْمُخَاطَبَةِ بِمَا وَضَعَهُ مَعَ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْجَهَالَةِ، وَالثَّانِي أَيْضًا مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَالثَّالِثُ: هُوَ الْمَطْلُوبُ. الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخِطَابِ إِنَّمَا هُوَ التَّفَاهُمُ، وَالْمُجْمَلُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ مَدْلُولُهُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَهُ فِي الْحَالِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ التَّفَاهُمُ، فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا، وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا تَحْسُنُ الْمُخَاطَبَةُ بِهِ؛ لِكَوْنِهِ لَغْوًا، وَهُوَ قَبِيحٌ مِنَ الشَّارِعِ كَمَا لَوْ خَاطَبَ بِكَلِمَاتٍ مُهْمَلَةٍ لَمْ تُوضَعْ فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ لِمَعْنًى عَلَى أَنْ يُبَيِّنَ الْمُرَادَ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ.

стр. 664

وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الْخَاصَّةُ بِمَا اسْتُعْمِلَ مِنَ الظَّوَاهِرِ فِي غَيْرِ مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ فَثَلَاثُ شُبَهٍ، الْأُولَى: إِنَّهُ إِنْ جَازَ الْخِطَابُ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَهُ فِي الْحَالِ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: بِجَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِهِ إِلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فَيَلْزَمُ مِنْهُ بَقَاءُ الْمُكَلَّفِ عَامِلًا أَبَدًا بِعُمُومٍ قَدْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَهُوَ فِي غَايَةِ التَّجْهِيلِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا خَاطَبَ الشَّارِعُ بِمَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ ظَاهِرِهِ، فَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ مُخَاطِبًا لَنَا فِي الْحَالِ أَوْ يَكُونَ مُخَاطِبًا لَنَا بِهِ حَالًا: الْأَوَّلُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِتَفْهِيمِنَا بِخِطَابِهِ حَالًا، وَإِلَّا خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُخَاطِبًا لَنَا حَالًا، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ. وَبَيَانُ لُزُومِ ذَلِكَ أَنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ " خَاطَبَ فُلَانٌ فُلَانًا " أَنَّهُ قَصَدَ تَفْهِيمَ كَلَامِهِ لَهُ. وَإِذَا كَانَ قَاصِدًا لِلتَّفْهِيمِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قَصَدَ تَفْهِيمَ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فَقَدْ قَصَدَ تَجْهِيلَنَا، وَهُوَ قَبِيحٌ، وَإِنْ قَصَدَ تَفْهِيمَ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ فَقَدْ قَصَدَ مَا لَا سَبِيلَ لَنَا إِلَيْهِ دُونَ الْبَيَانِ، وَهُوَ أَيْضًا قَبِيحٌ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُخَاطِبَنَا بِالْعُمُومِ وَيُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لَهُ فِي الْحَالِ لَتَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ مِنْ كَلَامِهِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا مِنْ لَفْظٍ يُبَيِّنُ بِهِ الْمُرَادَ إِلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ (مَا هُوَ) الظَّاهِرُ مِنْهُ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ لَنَا، وَذَلِكَ مِمَّا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْخِطَابِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الْأَوْلَى بِالْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الْمُرَادُ بِعَيْنِهِ، فَقَدْ عَلِمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِأَحَدِ مَدْلُولَاتِهِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَفْهُومَةِ لَهُ، وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ اعْتِقَادُهُ لِلْوُجُوبِ وَالْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ بِتَقْدِيرِ الْبَيَانِ وَالتَّعْيِينِ، فَكَانَ مُفِيدًا بِخِلَافِ الْخِطَابِ، بِمَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا، كَمَا فَرَضُوهُ. وَبِهَذَا يَكُونُ جَوَابُ الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ. وَعَنِ الشُّبْهَةِ الثَّالِثَةِ: أَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إِنَّمَا يَجُوزُ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ فِيهِ إِلَى الْبَيَانِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُعَيَّنًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلرَّسُولِ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى (لَهُ) . وَعِنْدَ ذَلِكَ فَأَيُّ وَقْتٍ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْعَمَلُ

стр. 665

بِمَدْلُولِ اللَّفْظِ فِيهِ، فَذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ، وَالْبَيَانُ لَا يَكُونُ إِذْ ذَاكَ مُتَأَخِّرًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَقَبْلَ وَقْتِ الْوُجُوبِ، فَلَا عَمَلَ لِلْمُكَلَّفِ، حَتَّى يُقَالَ بِأَنَّهُ عَامِلٌ بِعُمُومٍ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ كَمَا لَوْ أَمَرَ بِعِبَادَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ اعْتِقَادُهُ لِعُمُومِ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ، مَعَ جَوَازِ نَسْخِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِذَلِكَ بَيَانٌ، وَكُلُّ مَا يُعْتَذَرُ بِهِ فِي النَّسْخِ فَهُوَ عُذْرٌ لَنَا هَاهُنَا. وَعَنِ الشُّبْهَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ كَوْنِهِ مُخَاطِبًا لَنَا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِتَفْهِيمِنَا فِي الْحَالِ، لَكِنْ لَا لِنَفْسِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فَقَطْ، بَلْ يُفْهَمُ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ مَعَ تَجْوِيزِ تَخْصِيصِهِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَجْهِيلٌ وَلَا إِحَالَةٌ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَمْنَعُ وُرُودَ الْمُخَصِّصِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ مُجَوَّزَ التَّخْصِيصِ، وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ الْخِطَابُ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيَنْسَخُهُ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَقْسَامِ بِعَيْنِهَا مُتَحَقِّقَةٌ فِيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَازَ الْخِطَابُ بِهِ مَعَ تَأْخِيرِ بَيَانِهِ. وَعَنِ الْخَامِسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ، إِمَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ لَا يَسُوغُ فِيهِ احْتِمَالُ التَّأْوِيلِ، أَوْ ظَنِّيٍّ اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا أَوْجَبَ الْعِلْمَ بِمَدْلُولِ كَلَامِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ الْخِطَابُ الْوَارِدُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ نَسْخَ حُكْمِهِ مَعَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْهُ، وَالْجَوَابُ يَكُونُ مُتَّحِدًا.

стр. 666

[الْمَسْأَلَةُ الخامسة تَأْخِيرِ تَبْلِيغِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْعِبَادَاتِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ] الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الَّذِينَ مَنَعُوا مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُرَادِ مِنَ الْخِطَابِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ. اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَأْخِيرِ تَبْلِيغِ مَا أُوحِيَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحْكَامِ وَالْعِبَادَاتِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَأَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى جَوَازِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ لِأَنَّهُ لَوِ امْتَنَعَ، لَمْ يَخْلُ: إِمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ لِذَاتِهِ، أَوْ لِمَعْنًى مِنْ خَارِجٍ، الْأَوَّلُ مُحَالٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ لِذَاتِهِ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ مِنْ خَارِجٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، كَيْفَ وَإِنَّ تَأْخِيرَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ. وَلِهَذَا لَوْ صَرَّحَ الشَّارِعُ بِذَلِكَ، لَمَا كَانَ مُمْتَنَعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَفْسَدَةٌ مَانِعَةٌ مِنَ التَّأْخِيرِ وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. فَإِنْ قِيلَ: الِامْتِنَاعُ مِنَ التَّأْخِيرِ إِنَّمَا هُوَ لِمَعْنًى خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ. قَوْلُكُمْ: يَحْتَمِلُ وُجُودُ مَفْسَدَةٍ فِي التَّقْدِيمِ، وَمَصْلَحَةٍ فِي التَّأْخِيرِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ. قُلْنَا: فَهَذَا كَمَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَزْمُ بِامْتِنَاعِ التَّأْخِيرِ، فَلَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَزْمُ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُكُمْ. وَجَوَابُ الْأَوَّلِ: أَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (بَلِّغْ) أَمْرٌ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ (١) وَإِنْ سَلَّمَنَا أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ، غَيْرَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ تَبْلِيغَ الْأَحْكَامِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا، وَإِنَّمَا هُوَ دَالٌّ عَلَى تَبْلِيغِ مَا أُنْزِلَ مِنْ لَفْظِ الْقُرْآنِ؛ إِذْ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الْمُنَزَّلِ. وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ، تَسَاقَطَا، وَبَقِينَا عَلَى أَصْلِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ.

стр. 667

[الْمَسْأَلَةُ السادسة إِسْمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ الْعَامَّ دُونَ إِسْمَاعِهِ لِلدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ لَهُ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إِسْمَاعِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ الْعَامَّ دُونَ إِسْمَاعِهِ لِلدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ لَهُ. (١) فَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَأَبُو الْهُذَيْلِ (٢) إِلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي الدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ السَّمْعِيِّ، وَأَجَازَ أَنْ يُسْمِعَهُ الْعَامَّ الْمُخَصَّصَ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ السَّامِعُ دَلَالَتَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ. وَذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ وَالنَّظَّامُ وَأَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إِلَى جَوَازِ إِسْمَاعِ الْعَامِّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَصِّصُ سَمْعِيًّا أَوْ عَقْلِيًّا. وَهُوَ الْحَقُّ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ تَأْخِيرِ الْمُخَصِّصِ عَنِ الْخِطَابِ إِذَا كَانَ سَمْعِيًّا، مَعَ أَنَّ عَدَمَ سَمَاعِهِ لِعَدَمِهِ فِي نَفْسِهِ أَتَمُّ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِهِ مَعَ وُجُودِهِ فِي نَفْسِهِ. فَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ الْمُخَصِّصِ، فَجَوَازُ تَأْخِيرِ إِسْمَاعِهِ مَعَ وُجُودِهِ أَوْلَى. الثَّانِي: هُوَ أَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَدَلِيلُهُ إِسْمَاعُ فَاطِمَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ مَعَ أَنَّهَا لَمْ تَسْمَعْ بِقَوْلِهِ: " «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» " إِلَّا بَعْدَ حِينٍ. وَكَذَلِكَ أُسْمِعَتِ الصَّحَابَةُ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وَلَمْ يَسْمَعْ أَكْثَرُهُمُ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ لِلْمَجُوسِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ ( «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ) إِلَّا بَعْدَ حِينٍ، إِلَى وَقَائِعَ كَثِيرَةٍ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ. وَكُلُّ مَا يَتَشَبَّثُ بِهِ الْخُصُومُ فِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَغَيْرُ خَارِجٍ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ لَهُمْ مِنَ الشُّبَهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَجَوَابُهُا مَا سَبَقَ مَعَ أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِجَوَازِ إِسْمَاعِهِ الْعَامَّ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ الْمُخَصِّصِ، إِذَا كَانَ عَقْلِيًّا. [الْمَسْأَلَةُ السابعة التَّدْرِيجِ فِي الْبَيَانِ] الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ اخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ لِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ الْعَامِّ فِي جَوَازِ التَّدْرِيجِ فِي الْبَيَانِ فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ مَصِيرًا مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى إِخْرَاجِهِ دُونَ غَيْرِهِ يُوهِمُ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْبَاقِي، وَامْتِنَاعِ التَّنْصِيصِ بِشَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ

стр. 668

تَجْهِيلٌ لِلْمُكَلَّفِ، وَإِنَّمَا يَنْتَفِي هَذَا التَّجْهِيلُ بِالتَّخْصِيصِ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنِ الْعُمُومِ. وَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ. وَدَلِيلُ جَوَازِهِ وُقُوعُهُ. وَبَيَانُ وُقُوعِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ سَارِقٍ. وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَخْصِيصَهُ بِمَا خُصِّصَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ نِصَابِ السَّرِقَة أَوَّلًا، وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ ثَانِيًا وَقَعَ عَلَى التَّدْرِيجِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ خُصِّصَ أَوَّلًا بِتَفْسِيرِ الِاسْتِطَاعَةِ بِذِكْرِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، ثُمَّ بِذِكْرِ الْأَمْنِ فِي الطَّرِيقِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ طَلَبِ الْخِفَارَةِ ثَانِيًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ أُخْرِجَ مِنْهُ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْعَسِيفُ وَالْمَرْأَةُ ثَانِيًا. وَكَذَلِكَ آيَةُ الْمِيرَاثِ أُخْرِجَ مِنْهَا مِيرَاثُ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَاتِلِ وَالْكَافِرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى التَّدْرِيجِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُمُومَاتِ الْمُخَصَّصَةِ. وَلَوْلَا جَوَازُهُ لَمَا وَقَعَ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْبَعْضِ بِالذِّكْرِ يُوهِمُ نَفْيَ تَخْصِيصِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْخِطَابِ الْعَامِّ دُونَ ذِكْرِ الْمُخَصِّصِ مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا فِي التَّعْمِيمِ بِلَفْظِهِ، إِذَا لَمْ يُوهِمُ الْمَنْعَ مِنَ التَّخْصِيصِ، فَإِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى إِثْبَاتِ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بِلَفْظِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُوهِمًا لِمَنْعِ التَّخْصِيصِ. [الْمَسْأَلَةُ الثامنة إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ بِعِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ] الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ بِعِبَادَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ جَزْمًا قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ، وَإِذَا ظَهَرَ الْمُخَصِّصُ تَغَيَّرَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ، وَهُوَ خَطَأٌ: فَإِنَّ احْتِمَالَ إِرَادَةِ الْخُصُوصِ بِهِ قَائِمٌ، وَلِهَذَا، لَوْ ظَهَرَ الْمُخَصِّصُ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا، وَوَجَبَ اعْتِقَادُ الْخُصُوصِ. وَمَا هَذَا شَأْنُهُ فَاعْتِقَادُ عُمُومِهِ جَزْمًا قَبْلَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي الْبَحْثِ عَنْ مُخَصِّصِهِ وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ عَلَى وَجْهٍ تَرْكَنُ النَّفْسُ إِلَى عَدَمِهِ، يَكُونُ مُمْتَنِعًا، فَإِذًا لَا بُدَّ فِي الْجَزْمِ بِاعْتِقَادِ عُمُومِهِ مِنِ اعْتِقَادِ انْتِفَاءِ مُخَصِّصِهِ بِطَرِيقِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا نَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ فِي امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِ اللَّفْظِ الْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنِ الْمُخَصِّصِ، وَعَدَمِ الظَّفَرِ بِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا: فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِهِ وَاعْتِقَادِ

стр. 669

عُمُومِهِ إِلَّا بَعْدَ الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، وَإِلَّا فَالْجَزْمُ بِعُمُومِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ مَعَ احْتِمَالِ وُجُودِ الْمُعَارِضِ مُمْتَنِعٌ. قَالَ: وَمَعْرِفَةُ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ مُمْكِنٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَمَسِّكُ بِالْعُمُومِ فِيهَا مِمَّا كَثُرَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَطَالَ النِّزَاعُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِيهَا، وَلَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى مُوجِبٍ لِلتَّخْصِيصِ، مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِمْ وَاسْتِقْصَائِهِمْ. وَلَوْ كَانَ ثَمَّ شَيْءٌ لَاسْتَحَالَ أَنْ لَا يُعْرَفَ عَادَةً، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ الْخُصُوصَ لَاسْتَحَالَ أَنْ لَا يَنْصِبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلًا، وَيُبَلِّغَهُ لِلْمُكَلَّفِينَ. وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى امْتِنَاعِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْبَحْثِ وَالسَّبْرِ، وَهُوَ غَيْرُ يَقِينِيٍّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ مُخَصِّصٌ لَاطَّلَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ غَيْرُ يَقِينِيٍّ لِجَوَازِ وُجُودِهِ مَعَ عَدَمِ اطِّلَاعِ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ، (١) وَبِتَقْدِيرِ اطِّلَاعِ بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ، فَنَقْلُهُ لَهُ أَيْضًا غَيْرُ قَاطِعٍ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا. كَيْفَ وَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا وَرَدَ فِيهِ الْعَامُّ مِمَّا كَثُرَ خَوْضُ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَبَحْثُهُمْ عَنْهُ لِيَصِحَّ مَا قِيلَ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْعَامِّ الْخُصُوصَ لَنَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ دَلِيلًا، غَيْرُ مُسَلَّمٍ. (٢) وَبِتَقْدِيرِ نَصْبِهِ لِلدَّلِيلِ، لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ اطِّلَاعِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَيْهِ. وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ نَقْلِهِمْ لَهُ (٣) وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَى الْقَطْعِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ فَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ لَتَعَطَّلَتِ الْعُمُومَاتُ بِأَسْرِهَا، وَإِذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الظَّنِّ بِانْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ، فَالْحَدُّ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ عِنْدَهُ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْمُخَصِّصِ بَحْثًا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُهُ وَأَنَّهُ لَوْ بَحَثَ عَنْهُ ثَانِيًا وَثَالِثًا كَانَ بَحْثُهُ غَيْرَ مُفِيدٍ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْعَمَلِ بِكُلِّ دَلِيلٍ مَعَ مُعَارِضِهِ.

стр. 670

[الصِّنْفُ التَّاسِعُ فِي الظَّاهِرِ وَتَأْوِيلِهِ] [مُقَدِّمَةُ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الظَّاهِرِ وَالتَّأْوِيلِ] وَيَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَمَسَائِلَ. أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ: فَفِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الظَّاهِرِ وَالتَّأْوِيلِ. أَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَاضِحِ الْمُنْكَشِفِ وَمِنْهُ يُقَالُ: ظَهَرَ الْأَمْرُ الْفُلَانِيُّ، إِذَا اتَّضَحَ وَانْكَشَفَ، وَفِي لِسَانِ الْمُتَشَرِّعَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: اللَّفْظُ الظَّاهِرُ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فَهُمْ مَعْنًى مِنْهُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى زِيَادَةٍ مُسْتَغْنًى عَنْهَا. أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ، فَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَا فِيهِ أَصْلُ الظَّنِّ دُونَ غَلَبَةِ الظَّنِّ مَعَ كَوْنِهِ ظَاهِرًا. وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ: ظَنٌّ، وَغَلَبَةُ ظَنٍّ، وَلِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مَا فِيهِ أَصْلُ الظَّنِّ وَزِيَادَةٌ. وَأَمَّا اشْتِمَالُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْمُسْتَغْنَى عَنْهَا فَهِيَ قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ) فَإِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ مُفِيدًا لِلظَّنِّ أَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيًّا. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ الظَّاهِرُ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، أَوِ الْعُرْفِيِّ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ احْتِمَالًا مَرْجُوحًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا (مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ أَوِ الْعُرْفِيِّ) احْتِرَازًا عَنْ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي، إِذَا لَمْ يَصِرْ عُرْفِيًّا، كَلَفْظِ الْأَسَدِ فِي الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُنَا (وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ) احْتِرَازٌ عَنِ الْقَاطِعِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَقَوْلُنَا (احْتِمَالًا مَرْجُوحًا) احْتِرَازٌ عَنِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ بِحُكْمِ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْأَسَدِ بِإِزَاءِ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ، وَإِلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ بِحُكْمِ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ الْغَائِطِ بِإِزَاءِ الْخَارِجِ الْمَخْصُوصِ مِنَ الْإِنْسَانِ. وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَفِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ آلَ يَئُولُ، أَيْ رَجَعَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أَيْ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ: تَأَوَّلَ فُلَانٌ الْآيَةَ الْفُلَانِيَّةَ، أَيْ نَظَرَ إِلَى مَا يَئُولُ إِلَيْهِ مَعْنَاهَا. وَأَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَشَرِّعَةِ قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّأْوِيلُ عِبَارَةٌ عَنِ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ
следующие страницы →