المطلب الثالث أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة
مما يشترط لجواز فعل الجراحه الطبية أن يأذن المريض بفعلها إذا توفرت فيه أهلية الإذن (١).
وأما إذا لم يكن أهلاً فإنه يعتبر إذن وليه كأبيه مثلاً.
وعلى هذا فإنه لا يجوز للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة الطبية للمريض إذا لم يوافق عليها، وقد أشار الإمام ابن قدامة (٢) ﵀ إلى اعتبار إذن المريض، أو وليه وذلك بقوله: "وإن ختن صبيًا بغير إذن وليه، أو قطع سلعة من إنسان بغير إذن أو من صبي بغير إذن وليه فسرت جنايته ضمن، لأنه قطع غير مأذون فيه.
وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذنا له لم يضمن لأنه مأذون فيه شرعًا" (٣) اهـ.
فأشار ﵀ إلى اعتبار إذن المريض في قوله: "أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه"، وأشار إلى إذن الولي الخاص بقوله: "وإن
стр. 107
ختن صبيًا بغير إذن وليه" ... أو من صبي بغير إذن وليه، وأشار إلى اعتبار إذن الحاكم وهو الولي العام بقوله: "وإن فعل ذلك الحاكم ... ". ثم أوجب الضمان في سراية القطع إذا وقع بدون إذنهم كل بحسب ولايته، وعلل إيجاب الضمان بكونه قطعًا غير مأذون فيه فنزّله منزلة القطع المبتدأ على وجه الجناية.
وأسقط ذلك الضمان في حال توفر الإذن وعلل ذلك بكونه قطعًا مأذونًا فيه شرعًا، وهذا يدل دلالة واضحة على اعتبار شرط الإذن بفعل الجراحة لازمًا لكي يحكم بجوازها.
ومما يدل على اعتبار الفقهاء ﵏ لهذا الشرط ما نصوا عليه من أن الطبيب لا يجوز له أن يجبر المريض إذا استأجره لقلع ضرسه أو سنه الوجعة، ثم امتنع المريض من تمكينه من فعل الجراحة مع وجود الألم، قال الخطيب الشربيني (١) ﵀: " ... فإن لم تبرأ (٢)، ومنعه من قلعها لم يجبر عليه" (٣) اهـ.
فحكمهم بعدم إجبار المريض على فعل الجراحة مع وجود السبب الموجب لفعلها وهو الألم، فيه دليل واضح على أنه ليس من حق
стр. 108
الطبيب الجراح أن يقدم على فعل الجراحة بالمريض إلا بعد موافقته على فعلها باختياره وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان أهلية الشخص الآذن، والشروط المعتبرة لصحة الإذن، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بإذن المريض في الفصل الأول من الباب الثالث عند الكلام على أحكام المراحل الممهدة للجراحة (١).
* * *
стр. 109
المطلب الرابع أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح ومساعدية
يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية أن يكون الطبيب الجراح أهلاً (١) للقيام بها، وأدائها على الوجه المطلوب، ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين:
الأول: أن يكون ذا علم، وبصيرة بالمهمة الجراحية المطلوبة.
الثاني: أن يكون قادرًا على تطبيقها، وأدائها على الوجه المطلوب.
فأما علمه وبصيرته بالعمل الجراحي المطلوب فإنه أمر لابد منه لأن الجاهل بالجراحة لا يحل له أن يباشر فعلها لما في ذلك من تعريض حياة المريض للهلاك فيعتبر فعله على هذا الوجه محرمًا شرعًا.
قال الإمام ابن قدامة ﵀ عند بيانه لمسألة تضمين الأطباء:
" ... وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة
стр. 110
ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان فعله محرمًا فيضمن سرايته كالقطع ابتداء ... " (١) اهـ.
فنص ﵀ على اشتراط البصيرة والمعرفة في الطبيب الجراح، وأنه إذا لم تكن متوفرة فيه فإن فعله يعتبر محرمًا شرعًا وإنه يأخذ حكم القطع على وجه الجناية، فيجب عليه ضمان سرايته.
وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن مفلح (٢) ﵀ في معرض بيانه لمسألة تضمين الطبيب: " .. واقتضى ذلك أنهم إذا لم يكن لهم حذق في الصنعة أنهم يضمنون، لأنه لا تحل لهم مباشرة القطع، فإذا قطع فقد فعل محرمًا، فيضمن سرايته" (٣) اهـ.
فأكد ﵀ ما تقدم من اعتبار شرط العلم والمعرفة، والحكم بإثم الفاعل للجراحة التي يجهلها.
كما أكد اعتبار شرط العلم للحكم بجواز فعل الجراحة الشيخ أحمد بن زرّوق ﵀ بقوله: "وأما الفصد، والكي، فلا خلاف في جوازهما بشرط معرفة الفاعل" (٤) اهـ.
ومن هذا يتبين لنا أنه لا يجوز للطبيب أن يقدم على فعل الجراحة
стр. 111
إلا بعد أن يكون عالمًا بها، وعنده المعرفة التامة بمراحلها التفصيلية، فإذا لم يتوفر فيه ذلك بأن كان جاهلاً بها بالكلية مثل أن تكون خارجة عن اختصاصه أو جاهلاً ببعض فإنه يحرم عليه فعلها، ويعتبر إقدامه عليها في حال جهله بمثابة الجاني المعتدي على الجسد المحرم بالقطع والجرح ويأخذ حكمه في الآثار المترتبة على فعله من جهة الضمان كما سيأتي بيانه في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
وأما اشتراط القدرة على التطبيق وأداء الجراحة على الوجه المطلوب فهو أمر مهم جدًا لا يحكم بتحقق الأهلية إلا بعد وجوده، وذلك لأن العلم بالشيء غير كاف في وصف الإنسان بكونه أهلاً لعمله إذا كان عاجزًا عن أدائه على الوجه المطلوب فالعلم شيء، والتطبيق شيء، ولا يخفى ما تتضمنه الجراحة الطبية من الصور المفزعة والمشاهد المروعة من الدماء والجراحات التي قد يدهش الإنسان منها إذا صدم بها لأول مرة، وقد ينسى من شدة الفزع أمورًا مهمة يكون نسيانها سببًا في هلاك المريض، أو حصول بعض المضاعفات الخطيرة التي تضره في المستقبل، فتلافيا لجميع ذلك لابد للطبيب من أن يتوفر فيه شرط القدرة على التطبيق للمعلومات الجراحية على الوجه المطلوب، ويحصل ذلك عادة بالتجربة، والتدرب على أداء العمل الجراحي تحت إشراف المختصين من الأطباء الجراحين الذين يقومون بتوجيهه وإرشاده، وفي ذلك أكبر عون -بعد توفيق الله على إتقان العمل الجراحي، والقدرة على تطبيق معلوماته بكل يسر وسهولة.
وقد جرت الأعراف الطبية في عصرنا الحاضر بتدريب الطبيب
стр. 112
على فعل الجراحة وتطبيقها قبل إعطائه الإجازة بالعمل الجراحي، ويتم ذلك التدريب تحت إشراف المختصين من الأطباء القدماء الذين لهم خبرة واسعة في مجال الجراحة الطبية (١).
ولاشك أن هذا التدريب يعتبر أمرًا مهمًا لكي يستطيع الطبيب من خلاله الوصول إلى درجة الأهلية.
إضافة إلى أنه يترتب عليه حكم شرعي وهو اعتبار شهادة هؤلاء المختصين بعد تجربتهم لهذا الطبيب مستندًا شرعيًا يبني عليه القاضي حكمه بأهلية الطبيب في مسألة إسقاط الضمان، وذلك لأنها إجازة مشتملة على شهادة مبنية على أصل صحيح. لأن الحكم المذكور فيها من أهلية المجاز مبني على تدريبه بعد تعليمه نظريًا ثم الحكم عليه من خلال نتائج ذلك التدريب، وعلى هذا فإنها تكون شهادة مبنية على علم ومعرفة تامة بالمشهود به.
وقد اعتبر الفقهاء ﵏ التجربة دليلاً على مهارة الطبيب إذا ظهرت من خلالها إصابته، وندرة خطئه، كما أشار إلى ذلك الشيخ شهاب الدين القليوبي الشافعي (٢) ﵀ في حاشيته (٣).
وبناء على ما سبق فإنه لابد من توفر شرط الأهلية في الطبيب الجراح حتى يحكم بجواز إقدامه على فعل الجراحة بالمريض وإذا لم
стр. 113
تتوفر فيه هذه الأهلية فإنه يحرم عليه فعلها، وكذلك يحرم على المريض، ووليه الإذن له وتمكينه من فعلها إذا علما بعدم أهليته.
تنبيه:
ويعتبر هذا الشرط لازماً في الطبيب المخدر، فيجب أن تتوفر فيه الأهلية أيضاً، والقول فيه كالقول في الطبيب الجراح.
كما يشترط أيضًا في كل من الطبيب الفاحص ومساعديه، والممرضين، والممرضات، كل بحسب اختصاصه ومجال عمله .. والله أعلم.
* * *
стр. 114
المطلب الخامس أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة
يشترط لجواز فعل الجراحة أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاحها، بمعنى أن تكون نسبة نجاح العملية، ونجاة المريض من أخطارها أكبر من نسبة عدم نجاحها، وهلاكه.
وبناء على ذلك فإنه إذا غلب على ظنه هلاك المريض بسببها فإنه لا يجوز له فعلها.
قال الإمام العز بن عبد السلام (١) ﵀: " .. وأما ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه، كقطع اليد المتآكلة حفظًا للروح، إذا كان الغالب السلامة فإنه يجوز قطعها" (٢) اهـ.
فبين ﵀ أن جواز فعل القطع مقيد بحصول غلبة الظن بسلامة المريض، ومفهوم هذا الشرط المذكور أنه إذا لم تحصل تلك الغلبة أنه لا يجوز له فعل القطع، وفي حكم القطع بقية أنواع الجراحة لاتحاد العلة وهي المحافظة على الروح وسلامتها، والجراحات الطبية
стр. 115
تختلف نسب نجاحها بحسب اختلاف درجات الخطورة الموجودة فيها، وبحسب اختلاف الجراحين أنفسهم من حيث المهارة وطول التجربة، فالجراحة المتعلقة بباطن الإنسان وداخل جوفه أشد خطورة في غالب صورها من الجراحة المتعلقة بظاهره.
ثم الجراحة الجوفية تختلف نسبة الخطورة فيها بحسب أهمية العضو المصاب، فجراحة القلب، والأعصاب، والدماغ أشد خطورة من غيرها في الغالب.
والشريعة الإسلامية لا تبيح فعل الجراحة التي يغلب على ظن الطبيب هلاك المريض بسببها، لأن ذلك مخالف لأصول الشرع التي راعت حفظ النفس واعتبرته من الضروريات (١)، ونهت عن تعريضها للهلاك والتلف كما أشار الحق إلى ذلك بقوله: ﴿وَلا تُلقُوا بأيْديكُمْ إِلَى التَهْلُكَة ... ﴾ (٢)، وقوله سبحانه:
﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ إِن اللَّهَ كَانَ بكُمْ رَحيمًا﴾ (٣).
وإقدام الطبيب على فعل الجَراحةَ التي يقطع بهلاك المريض بسببها أو يغلب على ظنه ذلك يعتبر ضربًا من الفساد في الأرض الذي حرمه الله ونهى عنه بقوله جل شأنه: ﴿وَلا تُفْسدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ... ﴾ (٤)، وقوله في معرض الذم: ﴿ ... وَإِذَا
стр. 116
تَولى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ (١). فلا يجوز له فعله.
ومن ثم قال الإمام البغوي (٢) ﵀: "والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا" (٣) اهـ.
ويعتبر الطبيب الجراح هو المرجع في الحكم بغلبة الظن بسلامة المريض من أخطار الجراحة أو عدمها.
فهو الذي يقوم بالنظر في نوعية الجراحة المقررة، ودرجة خطورتها، وقدرة تحمل المريض لأخطارها ثم بعد ذلك يحكم بما يؤديه إليه نظره واجتهاده.
وإنما اعتبر الشرع غلبة الظن بسلامة المريض لأنها في حكم اليقين فالشيء الغالب كالمحقق حكمًا، ومن ثم فإنه لا ينبغي للطبيب الجراح أن يلتفت إلى النسبة الضعيفة التي تقابل النسبة الراجحة، لأنها لا تقوى على معارضتها فلا يلتفت إليها، ولو ذهبنا نعتبر هذه النسب الضعيفة لتعطلت مصالح الدارين، ولما أمكننا درء مفاسدهما كما قرر ذلك الإمام العز بن عبد السلام ﵀ في قواعده (٤).
стр. 117
المطلب السادس أن لا يوجد البديل الذي هو أخف ضررًا من الجراحة
مما يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية أن لا يوجد البديل الذي هو أخف ضررًا منها ويمكن بواسطته علاج المريض وشفاؤه من علته -بإذن الله تعالى- كالعقاقير والأدوية الطبية النافعة لعلاج الأمراض، فإن وجد ذلك البديل لزم المصير إليه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم حتى لا تتعرض لأخطار الجراحة وأضرارها، ومتاعبها واعتبارًا للأصل الموجب لعلاج المريض بالأسهل، وأنه لا يصار إلى علاجه بما هو أصعب منه متى أمكن علاجه بذلك الأسهل (١).
ومن أمثلة ذلك مرض القرحة الهضمية في بدايته، فإنه يتم علاجه
стр. 118
بالعقاقير والأدوية التي ثبت مؤخرًا تأثيرها على القرحة وأنها أنجع العلاجات وأفيدها (١).
ومحل اعتبار البديل موجبًا لصرف الطبيب عن العلاج بالجراحة أن يكون ذلك البديل أخف ضررًا، ومحققًا للشفاء المطلوب، فإذا كان كذلك وجب المصير إليه، أما إذا كان على خلاف ذلك بأن كان أشد خطرًا وضررًا أو لا ينفع في علاج الداء وزواله فإنه لا يعتبر موجبًا للصرف عن فعل الجراحة، فمن أمثلة ذلك ما يقع في بعض الأمراض الجراحية العصبية حيث يمكن علاج المريض بالعقاقير المهدئة والمخدرة ولكنها لا تنفع في زوال الداء بالكلية وقد تسبب الإدمان (٢).
فوجود البديل على هذا الوجه وعدمه على حد سواء.
* * *
стр. 119
المطلب السابع أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة
مما يشترط لجواز فعل الجراحة أن تترتب المصلحة الطبية على فعلها، سواء كانت تلك المصلحة ضرورية كما في الجراحة التي يقصد منها إنقاذ النفس المحرمة أو كانت حاجية كما في الجراحات التي يقصد منها إعادة الأعضاء إلى حالتها الطبيعية ودفع ضرر الأسقام والآفات التي أصابتها.
وكانت دون ذلك كما في الجراحة الصغرى المشتملة على مصلحة إرقاء الجروح وإعادة موضعها إلى الصورة الطبيعية أو ما هو قريب منها.
وبناء على هذا الشرط فإنه لا يجوز فعل الجراحة المشتملة على الضرر المحض إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: "لا ضرر ولا ضرار" (١).
فالجراحة إذا انتفى ترتب المصلحة على فعلها، وكانت ضررًا
محضًا كان فعلها من قبل الطبيب فيه إضرار بالمريض فلم يجز له الإقدام عليه.
والجراحة الطبية إنما شرعت لمصلحة الأجساد ودفع ضرر الأسقام عنها، فإذا انتفت تلك المصالح وكانت ضررًا محضًا فإنه حينئذ ينتفي السبب الموجب للترخيص بفعلها شرعًا، وتبقى على الأصل
стр. 120
المقتضي لحرمتها للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما جاز لعذر بطل بزواله" (١).
ومن أمثلة الجراحة الطبية التي يترتب على فعلها الضرر ولا نفع منها جراحة إزالة التآليل سواء كان ذلك بواسطة القطع، أو الكحت الجراحي.
فقد ثبت طبيًا أن الثآليل لا تزول بالعمل الجراحي، بل إن فعل القطع والكحت ينتهي بالمصاب إلى عواقب وخيمة وأضرار منها العدوى الجرثومية، وتندب موضع الجراحة (٢).
وينبغي في هذه المصلحة المشترطة أن تكون من جنس المصالح التي شهد الشرع باعتبارها وأنها مصلحة مقصودة، وأما إن كانت مصلحة ذاتية لم يشهد الشرع باعتبارها، وأنها مصلحة مقصودة بأن كانت مبنية على الهوى والشهوة المجردة كما في جراحة تغيير الجنس، فإنها حينئذ لا تعتبر موجبة للترخيص بفعل الجراحة، ولا يتحقق بها شرط جوازها، لعدم اعتبار الشرع لها، ومن ثم كان وجودها وعدمها على حد سواء.
* * *
стр. 121
المطلب الثامن أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض
مما يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية ألا تشتمل على ضرر أكبر من ضرر المرض الجراحي، فإن اشتملت على ذلك حرم على الطبيب الجراح فعلها لما فيه من تعريض الأرواح والأجساد للضرر الأكبر، ووجب على المريض البقاء على الضرر الأخف، والامتناع عن فعل الجراحة المشتملة على الإلقاء بالنفس إلى الهلاك والتلف.
ومن أمثلة هذا النوع من الجراحة ما يجري في علاج التحدب الظهري الحاد، فإن الجراحة المتعلقة بهذا النوع من الآفات التي تصيب العمود الفقري تشتمل على ضرر أكبر من الضرر المترتب على المرض نفسه. فالغالب في الجراحة أنها تنتهي بالشلل النصفي (١).
وبناء على هذا الشرط فإنه ينبغي على الأطباء أن يقارنوا بين نتائج الجراحة السلبية، والمفاسد المترتبة عليها، وبين المفاسد التي يشتمل عليها المرض الجراحي نفسه.
فإن كانت المفاسد التي تترتب على الجراحة أكبر من المفاسد الموجودة في المرض حرم عليهم الإقدام على فعل الجراحة، لأن الشريعة لا تجيز للإنسان أن يزيل الضرر بمثله أو بما هو أشد، ولذلك كان من قواعدها "الضرر لا يزال بمثله" (٢).
стр. 122
وأما إن كانت المفاسد التي تترتب على الجراحة أخف من المفاسد الموجودة في المرض الجراحي فإنه يجوز لهم الإقدام على فعلها إعمالاً للقاعدة الشرعية "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (١).
فهذه هي مجمل الشروط التي ينبغي توفرها للحكم بجواز الجراحة الطبية، وهي في الحقيقة إنما يقصد منها تحقيق الهدف المنشود من الجراحة الطبية، وليست بحمد الله تعالى مشتملة على التضييق على العباد ولا على التعسير عليهم، بل هي مشتملة على ضد ذلك من التوسعة على العباد، ودفع ضرر الأسقام عنهم بالوجه المطلوب والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 123
الباب الثاني في الجراحة المشروعة, والجراحة المحرمة
إن الناظر في الجراحة الطبية بمختلف صورها, ومقاصدها يجدها تنقسم من الناحية الشرعية إلى قسمين:
أحدهما: شهد الشرع بجوازه.
الثاني: شهد الشرع بحرمته.
لذلك فإنه من المناسب تقسيم الحديث عنهما في هذا الباب إلى الفصلين التاليين:
الفصل الأول: في الجراحة المشروعة.
الفصل الثاني: في الجراحة المحرمة.
وبيانهما فيما يلي:
стр. 124
الفصل الأول في (الجراحة المشروعة)
стр. 125
تمهيد
لا تخلو الجراحة الطبية التي شهدت أدلة الشرع بجوازها إما أن يكون المقصود منها علاج المريض، أو إنقاذ المرأة الحامل وجنينها أو أحدهما، وهي الجراحة المتعلقة بالولادة.
أو يكون المقصود منها معرفة نوعية المرض وتشخيصه حتى يتمكن الأطباء من علاجه، أو يقصد منها امتثال أمر الشرع كما في جراحة الختان، أو يقصد منها التعرف على أجزاء الجسم، وطرق علاجها كما في جراحة التشريح التي يقصد منها ذلك.
أو يقصد منها علاج التشوه كما في جراحة التجميل الحاجية.
لذلك فإن الجراحة الطبية المشروعة تنحصر في ستة أنواع وهي:
النوع الأول: الجراحة العلاجية.
النوع الثاني: جراحة الكشف والفحص الطبي.
النوع الثالث: جراحة الولادة.
النوع الرابع: جراحة الختان.
النوع الخامس: جراحة التشريح.
النوع السادس: جراحة التجميل الحاجية.
وبيان هذه الأنواع وأمثلتها، وموقف الشريعة الإسلامية منها، ونصوص أهل العلم ﵏ التي تدل على جوازها يتضح في المباحث الستة التالية.
стр. 126
المبحث الأول في (الجراحة العلاجية)
يعتبر العلاج هو الهدف الأساسي من الجراحة عند الأطباء، فالأصل فيها أنها مهمة قصد منها مداواة المريض، وإنقاذه من آلام الأمراض وأخطارها، ولذلك إذا أطلق عندهم لفظ العملية الجراحية انصرف إلى هذا النوع من الجراحة وحده (١).
وقد أشار الدكتور عباس راجي التكريتي (٢) عند بيانه لأهداف الجراحة إلى أن هدف العلاج هو الهدف الأول المقصود من الجراحة فقال: "إن هدف الجراحة الرئيسي بحد ذاته هو الغرض العلاجي، عدا بعض الحالات التي قد يلتبس تشخيصها ويصعب معرفة كنه المرض ... ، ولكن لا يزال الهدف الأول للجراحة علاجيًا" (٣) اهـ.
ومن ثم يعتبر هذا النوع من الجراحة أهم أنواع الجراحة الطبية المشروعة، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثالث في الباب الأول بيان الأدلة الشرعية التي دلت على مشروعية التداوي، لذلك فإنه سينحصر الكلام في هذا الموضع في بيان مراتب هذا النوع من الجراحة، وأمثلتها، مع الإشارة إلى جملة من عبارات العلماء ﵏ التي تتعلق ببيان بعض مسائله.
стр. 127
والناظر في موجبات العلاج وأسبابه الداعية إليه يجدها منقسمة إلى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: موجبات ضرورية.
المرتبة الثانية: موجبات حاجية.
المرتبة الثالثة: موجبات دون ذلك (وهي التي لا تصل إلى مقام الضرورة والحاجة) وفيها نوع مشقة (١).
وتفصيل أحكام هذه المراتب، وبيان أمثلتها يتضح في المطالب الثلاثة التالية:
стр. 128
المطلب الأول في (الجراحة العلاجية الضرورية)
وهي الجراحة التي يقصد منها إنقاذ المريض من الموت، ويعبر عنها بعض الأطباء بجراحة المحافظة على الحياة، وتشتمل على علاج الحالات والأمراض الجراحية الخطرة التي إذا لم يتم إسعاف المريض بالجراحة اللازمة في الوقت المناسب فإنه سيموت بسببها في فترة وجيزة (١)، ومن أمثلتها ما يلي:
(١) حالة انفجار الزائدة الدودية (٢).
(٢) حالة انفجار الإثني عشر (٣).
(٣) حالة انسداد الأمعاء (٤).
(٤) حالة انفجار المعدة (٥).
стр. 129
(٥) حالة نزيف الكبد الحاد (١).
(٦) حالة النزف الصاعق بسبب دوالي المريء (٢).
(٧) حالة السطام القلبي الحاد (٣).
فهذه الحالات الجراحية تعتبر من أخطر الحالات التي تستوجب العلاج بالجراحة اللازمة في أقرب فرصة ممكنة، بل إن بعضها لا يحتمل التأخير ولو لنصف ساعة فقط.
فعلى سبيل المثال حالة السطام القلبي الحاد، إذا لم يتم إسعاف المريض فيها بالجراحة اللازمة، فإنه سيموت خلال نصف ساعة بعد الإصابة (٤).
وإنقاذ حياة المريض الذي هو هدف هذا النوع من الجراحة
стр. 130
العلاجية، يعتبر من أجل المصالح المقصودة شرعًا، لأن مرتبة المحافظة على النفس هي المرتبة الثانية من مراتب الضروريات (١) الخمس التي قصد الشرع المحافظة عليها. قال الإمام الغزالي ﵀: " ... مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" (٢) اهـ.
فقوله ﵀: "كل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة" لفظ عام شامل لكل ما يتحقق به فوات هذه الأصول وما يدفعه.
ومعلوم أن المرض الجراحي المهلك مفوت لأصل النفس فهو مفسدة، والجراحة التي يتم بها علاج ذلك المرض توجب دفع تلك المفسدة فتعتبر متضمنة للمصلحة الشرعية من هذا الوجه.
وإذا أصيب الإنسان بهذا النوع من الأمراض الجراحية الخطيرة التي يخشى عليه الهلاك بسببها فإنه يصير حينئذ مضطرًا، ويبلغ بذلك مقام الضرورة، ولا يشترط في الحكم بكونه مضطرًا أن يصير إلى الحالة التي يشرف فيها على الموت ويقل الأمل في شفائه وعلاجه بالجراحة.
قال الإمام محمد بن جُزَيْ (٣) ﵀: "وأما الضرورة
стр. 131
فهي خوف الموت ولا يشترط أن يصبر حتى يشرف على الموت ... " (١).
فبين ﵀ الحد الذي يصير الإنسان ببلوغه مضطرًا، وهو خوف الموت وأنه لا يتوقف الحكم بكونه مضطرًا على صبره إلى أن يشرف على الموت، ومن ثم فإنه يحكم للمصاب بهذه الحالات وأمثالها بكونه مضطرًا بمجرد الإصابة، وظهور الدلائل والأمارات التي يستهدى بها على وجودها.
وإذا ثبت الحكم بكون المريض يصير مضطرًا إذا أصيب بمرض جراحي مميت، فإنه يتفرع على ذلك الحكم بجواز فعل المحظورات التي قد يتطلبها إنقاذه بالجراحة كالتخدير، وكشف العورة المحتاج إلى كشفها لفحص أو عمل جراحي ونحوها، فهذه الأمور وأمثالها الأصل فيها الحرمة والحظر، ولكن لمكان الضرورة الداعية إلى فعلها حكمنا بجوازها للقاعدة الشرعية التي تقول: "الضرورات تبيح المحظورات" (٢).
فمشقة الخوف على النفس تعتبر أعلى درجات المشقة الموجبة للتخفيف في الشريعة الإسلامية، وقد أشار الإمام السيوطي -رحمه
стр. 132
الله (١) - إلى ذلك عند بيانه لمراتب المشقة حيث يقول: " .. الأولى: مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف، ومنافع الأعضاء، فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعًا ... " (٢).
وفي هذه الحالة -أي إذا بلغ المريض مقام الاضطرار بحكم إصابته بالمرض الجراحي المميت- يتعين على الطبيب الجراح الذي يستطيع فعل الجراحة التي جعلها الله سببًا لإنقاذ ذلك المريض، يتعين عليه فعلها، ولا يجوز له الامتناع من ذلك.
قال الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري ﵀ (٣) -: " ... ومما كتبه الله تعالى -أيضًا- علينا استنقاذ كل متورط من الموت إما بيد ظالم كافر، أو مؤمن متعدي، أو حية، أو سبع أو نار، أو سيل أو حيوان، أو من علة صعبة نقدر على معافاته منها، أو من أي وجه كان.
فوعدنا على ذلك الأجر الجزيل الذي لا يضيعه ربنا تعالى الحافظ
стр. 133
علينا صالح أعمالنا وسيئه ففرض علينا أن نأتي من كل ذلك ما افترضه الله تعالى علينا" (١) اهـ.
فقوله ﵀: "ومما كتبه الله تعالى علينا استنقاذ كل متورط من الموت" فيه دليل على وجوب استنقاذ المسلم لأخيه المسلم من الهلاك والموت إذا كان قادرًا على فعل السبب الموجب لنجاته -بإذن الله تعالى- من ذلك الهلاك.
ثم ذكر ﵀ الأمثلة ومنها: "العلة الصعبة التي نقدر على معافاته منها".
ومعلوم أن المرض الجراحي المميت يعتبر من أصعب العلل، والطبيب الجراح قادر -بإذن الله تعالى- على معافاة المريض منه، فوجب عليه فعل ذلك.
ولاشك في أن قيام الطبيب بمهمة الجراحة في مثل هذه الحالات الخطيرة المميتة وسعيه بإنقاذ النفس المحرمة يعد من أجَلِّ ما يتقرب به إلى الله ، لما فيه من تفريج كربة المسلم وإعانته على البر والتقوى، إذ يتقوى بذلك الجسد المعافى، وبزيادة الحياة على الزيادة من طاعة الله .
ففي الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما كلب يطيف بركية (٢) قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي (٣) من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها (٤)، فاستقت له به فسقته
стр. 134
إياه فغفر لها به" (١).
فإذا كانت هذه هي عاقبة من سعى في إنقاذ حيوان من الهلاك بسقيه، فإن عاقبة من سعى في إنقاذ النفس الآدمية المحرمة من الهلاك والموت بالعلاج والجراحة أجل عند الله تعالى، وأعظم ثوابًا، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 135
المطلب الثاني في (الجراحة العلاجية الحاجية)
وهي الجراحة التي يقصد منها علاج الأمراض، والحالات الجراحية التي تصل إلى درجة الخوف على المريض من الموت، وتكون مشقة الألم، أو خوف الضرر فيها غير يسيرة.
وعلى هذا فإن مرتبة المشقة الموجودة في هذه الجراحة تعتبر وسطًا بين المشقة الضرورية، والمشقة اليسيرة المقدور عليها دون عناء وكلفة.
وهي تشتمل على علاج نوعين من الأمراض والحالات الجراحية وهما:
النوع الأول:
الأمراض والحالات الجراحية التي يتضرر المريض بآلامها، سواء كانت مستمرة أو متقطعة، ومن أمثلة تلك الأمراض والحالات ما يلي:
(١) جراحة انفتاق النواة اللبية القطنية (١) (الجراحة العصبية).
(٢) جراحة التراكوما (الرمد الحبيبي) (٢) (جراحة العيون).
стр. 136
(٣) جراحة استئصال اللوزتين في حال التهابهما المزمن (١). (جراحة الأنف والأذن والحنجرة).
(٤) جراحة القرحة البدئية للمريء (٢) (جراحة الصدر).
(٥) جراحة التهاب الوريد الخثري (٣) (جراحة القلب).
(٦) جراحة التهاب الزائدة الدودية في بدايته (٤) (جراحة البطن).
(٧) جراحة استئصال البواسير الشرجية (٥) (جراحة البطن).
(٨) جراحة دوالي الحبل المنوي (٦) (جراحة الجهاز التناسلي عند الذكور).
(٩) جراحة استئصال الأورام المبيضية (٧) (جراحة الجهاز التناسلي
стр. 137
عند النساء).
(١٠) جراحة قلع الضرس إذا أصابه النخر والألم (١) (جراحة الفم والأسنان).
فهذه الحالات والأمراض الجراحية تنشأ عنها آلام قد تكون مبرحة تنغص على المريض حياته، وتمنعه من الراحة، وأداء العبادة على وجهها.
النوع الثاني:
الأمراض والحالات الجراحية التي يخشى من ضررها مستقبلاً، ولا يوجد فيها ألم منغص، والحاجة في هذا النوع مبنية على الضرر المتوقع حدوثه في المستقبل إذا لم يتم علاج الحالة بالجراحة، وأما الألم في هذا النوع فإنه يسير ولا يكون بذي بال، فليست هناك مشقة من جهته.
وأعراض هذه الحالات تكون خفية نظرًا لعدم وجود الألم الذي ينذر الإنسان غالبًا بخطر المرض ووجوده.
ويشترط في الضرر أن يغلب على ظن الطبيب وقوعه، أما إذا لم يغلب على ظنه بأن كان متوهمًا مثلاً كما في جراحة استئصال اللوزتين السليمتين من الأطفال خشية التهابها مستقبلاً، فإن هذا الظن المتوهم لا تأثير له، ولا يصير به المريض محتاجًا.
ومن أمثلة الحالات والأمراض الجراحية المتعلقة بهذا النوع ما يلي:
стр. 138
(١) جراحة الجلوكوما المزمنة (١).
(٢) جراحة استئصال الأكياس المائية الموجودة في الكبد (٢)(٣) جراحة استئصال الخراج الكلوي (٣).
(٤) جراحة استئصال الأورام السليمة في القولون (٤).
(٥) جراحة استئصال الأورام الهلامية القلبية (٥).
فهذه الأمراض، والحالات الجراحية إذا لم يتم علاجها بالجراحة اللازمة، فإنها تهدد الأعضاء المصابة وغيرها بالخطر فعلى سبيل المثال: مرض الجلوكوما المزمن الذي يصيب العين، لا يحس
стр. 139
المريض المصاب به بآلام سوى صداع خفيف، ولا يزال يسري في العين المصابة إلى أن يؤدي إلى فقد الإبصار بها بالكلية (١).
والحكم بجواز هذا النوع من الجراحة يعتبر متفقًا مع أصول الشرع وقواعده.
وذلك لأن الشريعة الإسلامية راعت رفع الحرج، ودفع الضرر عن العباد، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب العزيز، والسنة النبوية المطهرة.
قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (٣).
وقال سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَج﴾ (٤).
وقال سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ﴿. (٥)
وفي الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن
стр. 140
النبي ﷺ قال له ولمعاذ بن جبل ﵁ لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا، ولا تعسرا، وبشرا، ولا تنفرا ... " (١).
وفي الصحيح أيضًا من حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يسروا ولا تعسروا" (٢).
فهذه النصوص الشرعية من كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ ، شاهدة على اعتبار الشريعة لرفع الحرج والمشقة عن العباد، وأنها جاءت بالتيسير لا بالتعسير.
وهذه الأمراض والحالات الجراحية اشتملت على ضرر يتأذى منه المريض المصاب بها سواء كان ذلك في حاله أو مآله، وقد راعت الشريعة الإسلامية دفع مشقتها عمومًا أي سواءً كانت مشقتها موجودة، أو كانت متوقعة الوجود للقاعدة الشرعية التي تقول: "المشقة تجلب التيسير" (٣).
والآلام الموجبة للمشقة قصد الشرع دفعها كما قصد رفعها، فكما يشرع للمكلف أن يسعى في رفع مشقة الألم الموجودة بالتداوي المأذون به، كذلك يشرع له دفع وقوعها بالتداوي المزيل للأسباب الموجبة لها، وقد أشار الإمام الشاطبي ﵀ إلى ذلك بقوله: "وقد تكون المشقة الداخلة على المكلف من خارج لا بسببه، ولا بسبب دخوله في عمل تنشأ عنه، فههنا ليس للشرع قصد في بقاء ذلك الألم، وتلك
المشقة والصبر عليها، كما أنه ليس له قصد في التسبب في إدخالها على النفس، غير أن المؤذيات، والمؤلمات خلقها الله تعالى ابتلاء للعباد.
стр. 141
وفُهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق ... بل أذن في التحرر منها عند توقعها وإن لم تقع تكملة لمقصود العبد وتوسعة عليه ... " ثم ذكر الأمثلة على النوعين فقال: "ومن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد، وفي التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التوقي من كل مؤذ آدميًا كان أو غيره، والتحرز من المتوقعات حتى يقدم العدة لها" (١) اهـ.
فقد بين ﵀ بقوله: "وفُهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق .. " أن دفع ضرر الآلام عن المكلف مأذون به شرعاً، فدخل فيه النوع الأول من الجراحة العلاجية الحاجية المشتمل على دفع ضرر الآلام الموجودة في الأمراض والحالات الجراحية التي ينتظمها.
كما بين ﵀ بقوله: "بل أذن في التحرز منها عند توقعها، وإن لم تقع ... ": أن الشريعة أذنت في تعاطي الأسباب الموجبة لحفظ العبد من ضرر الآلام المتوقعة، وأكد ذلك بقوله بعده في معرض التمثيل: "وفي التوقي من كل مؤذ آدمياً كان أو غيره".
فقوله: "من كل مؤذ" عام شامل لكل ما يصدق عليه أنه مؤذ، والأمراض والحالات الجراحية التي ينتظمها النوع الثاني من الجراحة العلاجية الحاجية يصدق عليها هذا الوصف، لأنها ستضر المريض وتؤذيه مستقبلاً، وستترتب عليها مضاعفات خطيرة، فيشرع للمكلف السعي في دفع مشقتها المتوقعة بفعل الجراحة اللازمة لعلاجها.
والألم المؤذي يعتبر مشقة موجبة للإذن بفعل الجراحة، ولذلك نجد بعض الفقهاء ﵏ ينصون في كتبهم على جواز فعل الجراحة دفعًا لمشقته.
стр. 142
قال الإمام النووي ﵀: "قلع السن الوجعة إنما يجوز إذا صعب الألم، وقال أهل الخبرة: إنه يزيل الألم" (١) اهـ.
وكذلك الخوف على منافع الأعضاء يعتبر ضربًا من المشقة الموجبة للترخيص والتخفيف في الشريعة الإسلامية، كما أشار إلى ذلك الإمام السيوطي عند بيانه لمراتب المشقة الموجبة للتخفيف في الشريعة فقال ﵀: "الأولى: مشقة عظيمة فادحة، كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف، ومنافع الأعضاء، فهذه موجبة للتخفيف" (٢) اهـ.
وهذا النوع من الحاجة المتضمنة لمشقة الألم، والخوف من الضرر المتوقع يعتبر في حكم الضروريات للقاعدة الشرعية التي تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣).
ولاشك في أن الحاجة لهذا النوع من الجراحة في هذا الزمان تعتبر عامة، فقد أصبحت المستشفيات الحكومية والأهلية مليئة بالمرضى المحتاجين للجراحة التي تدفع عنهم مشقة الآلام وخطر المضاعفات المترتبة على الأمراض والحالات الجراحية المتعلقة بهذا النوع -بإذن الله تعالى-، فينبغي الترخيص لهم بفعلها (٤) ... والله أعلم.
* * *
стр. 143
المطلب الثالث في (الجراحة العلاجية الحاجة الصغرى)
وهي الجراحة التي لا تصل المشقة الموجودة فيها إلى مرتبة الحاجيات والضروريات، وغالبًا ما تجري لعلاج الجروح الصغيرة، وذلك بتنظيفها، وقطع الأنسجة المتهتكة أو الميتة، وإزالتها ثم خياطة الجرح وتدبيره (١).
وكما يتم بها علاج الجروح الظاهرة على جسم المصاب كذلك أيضًا يتم بها علاج بعض الحالات الجراحية الموجودة في داخل الجسم ومن أمثلة ذلك ما يجري في جراحة الأنف والأذن من العمليات التالية:
(١) جراحة استئصال الزوائد اللحمية الموجودة في الأنف.
(٢) جراحة كي النزيف الأنفي.
(٣) جراحة التهاب الجيوب الأنفية المزمنة (٢).
(٤) جراحة فتح الطبلة (٣).
(٥) الجراحة التي تجرى لإيقاف إفرازات الأذن (٤).
стр. 144
وهذا النوع من الجراحة يعتبر مشروعًا، لأن المقصود منه إصلاح الفساد الذي أصاب الجسم، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أقر فاطمة ﵂ على فعلها كما تقدم بيانه في دليل المشروعية، وكذلك أقر النساء اللاتي كن يخرجن معه فيداوين الجرحى (١).
وإذا احتاج الأطباء إلى قطع شيء من أنسجة الجرح بسبب موتها، وتعفنها، فإنه لا حرج عليهم في ذلك؛ لأن المقصود منه مصلحة الجسم، فقد ثبت بشهادة الأطباء المختصين أن بقاء الأنسجة المتلوثة بالآلات الجارحة يتسبب في حدوث أمراض خطيرة في المستقبل، ومن أشهرها وأشدها خطراً مرض الكزاز (٢) الذي ينتهي بالمصاب به في أغلب الأحيان إلى الوفاة (٣)، فجاز للأطباء أن يتخذوا الحيطة بقطع تلك الأنسجة دفعًا للمفسدة المتوقعة.
فهذه هي مجمل المراتب المتعلقة بالجراحة العلاجية، وينبغي مراعاة الترتيب فيها حسب أهميتها، فتقدم الحالات الضرورية على الحاجية، والحاجية على الصغرى.
وتظهر فائدة هذا الترتيب في حال ازدحام الحالات الجراحية وكثرتها بحيث لا يمكن تغطيتها بالعلاج في آن واحد، كما يقع ذلك في الحروب، والحوادث التي يتعرض فيها العدد الكبير للإصابة، فينبغي
стр. 145
حينئذ تقديم الحالات الجراحية الخطيرة المميتة، على جميع الحالات، ثم تليها الحالات التي بلغت مقام الحاجة ثم الحالات المتعلقة بالجراحة الصغرى، وشرط اعتبار هذا التقديم رجاء النفع في معالجة الحالة المقدمة، أما لو كانت ميئوسًا منها ويتعذر إنقاذ صاحبها فإنه حينئذ ينبغي صرف الأطباء إلى ما دونها بالشرط نفسه. والله تعالى أعلم.
* * *