← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وفُهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق ... بل أذن في التحرر منها عند توقعها وإن لم تقع تكملة لمقصود العبد وتوسعة عليه ... " ثم ذكر الأمثلة على النوعين فقال: "ومن ذلك الإذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد، وفي التداوي عند وقوع الأمراض، وفي التوقي من كل مؤذ آدميًا كان أو غيره، والتحرز من المتوقعات حتى يقدم العدة لها" (١) اهـ. فقد بين ﵀ بقوله: "وفُهم من مجموع الشريعة الإذن في دفعها على الإطلاق .. " أن دفع ضرر الآلام عن المكلف مأذون به شرعاً، فدخل فيه النوع الأول من الجراحة العلاجية الحاجية المشتمل على دفع ضرر الآلام الموجودة في الأمراض والحالات الجراحية التي ينتظمها. كما بين ﵀ بقوله: "بل أذن في التحرز منها عند توقعها، وإن لم تقع ... ": أن الشريعة أذنت في تعاطي الأسباب الموجبة لحفظ العبد من ضرر الآلام المتوقعة، وأكد ذلك بقوله بعده في معرض التمثيل: "وفي التوقي من كل مؤذ آدمياً كان أو غيره". فقوله: "من كل مؤذ" عام شامل لكل ما يصدق عليه أنه مؤذ، والأمراض والحالات الجراحية التي ينتظمها النوع الثاني من الجراحة العلاجية الحاجية يصدق عليها هذا الوصف، لأنها ستضر المريض وتؤذيه مستقبلاً، وستترتب عليها مضاعفات خطيرة، فيشرع للمكلف السعي في دفع مشقتها المتوقعة بفعل الجراحة اللازمة لعلاجها. والألم المؤذي يعتبر مشقة موجبة للإذن بفعل الجراحة، ولذلك نجد بعض الفقهاء ﵏ ينصون في كتبهم على جواز فعل الجراحة دفعًا لمشقته.

стр. 142

قال الإمام النووي ﵀: "قلع السن الوجعة إنما يجوز إذا صعب الألم، وقال أهل الخبرة: إنه يزيل الألم" (١) اهـ. وكذلك الخوف على منافع الأعضاء يعتبر ضربًا من المشقة الموجبة للترخيص والتخفيف في الشريعة الإسلامية، كما أشار إلى ذلك الإمام السيوطي عند بيانه لمراتب المشقة الموجبة للتخفيف في الشريعة فقال ﵀: "الأولى: مشقة عظيمة فادحة، كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف، ومنافع الأعضاء، فهذه موجبة للتخفيف" (٢) اهـ. وهذا النوع من الحاجة المتضمنة لمشقة الألم، والخوف من الضرر المتوقع يعتبر في حكم الضروريات للقاعدة الشرعية التي تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣). ولاشك في أن الحاجة لهذا النوع من الجراحة في هذا الزمان تعتبر عامة، فقد أصبحت المستشفيات الحكومية والأهلية مليئة بالمرضى المحتاجين للجراحة التي تدفع عنهم مشقة الآلام وخطر المضاعفات المترتبة على الأمراض والحالات الجراحية المتعلقة بهذا النوع -بإذن الله تعالى-، فينبغي الترخيص لهم بفعلها (٤) ... والله أعلم. * * *

стр. 143

المطلب الثالث في (الجراحة العلاجية الحاجة الصغرى) وهي الجراحة التي لا تصل المشقة الموجودة فيها إلى مرتبة الحاجيات والضروريات، وغالبًا ما تجري لعلاج الجروح الصغيرة، وذلك بتنظيفها، وقطع الأنسجة المتهتكة أو الميتة، وإزالتها ثم خياطة الجرح وتدبيره (١). وكما يتم بها علاج الجروح الظاهرة على جسم المصاب كذلك أيضًا يتم بها علاج بعض الحالات الجراحية الموجودة في داخل الجسم ومن أمثلة ذلك ما يجري في جراحة الأنف والأذن من العمليات التالية: (١) جراحة استئصال الزوائد اللحمية الموجودة في الأنف. (٢) جراحة كي النزيف الأنفي. (٣) جراحة التهاب الجيوب الأنفية المزمنة (٢). (٤) جراحة فتح الطبلة (٣). (٥) الجراحة التي تجرى لإيقاف إفرازات الأذن (٤).

стр. 144

وهذا النوع من الجراحة يعتبر مشروعًا، لأن المقصود منه إصلاح الفساد الذي أصاب الجسم، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أقر فاطمة ﵂ على فعلها كما تقدم بيانه في دليل المشروعية، وكذلك أقر النساء اللاتي كن يخرجن معه فيداوين الجرحى (١). وإذا احتاج الأطباء إلى قطع شيء من أنسجة الجرح بسبب موتها، وتعفنها، فإنه لا حرج عليهم في ذلك؛ لأن المقصود منه مصلحة الجسم، فقد ثبت بشهادة الأطباء المختصين أن بقاء الأنسجة المتلوثة بالآلات الجارحة يتسبب في حدوث أمراض خطيرة في المستقبل، ومن أشهرها وأشدها خطراً مرض الكزاز (٢) الذي ينتهي بالمصاب به في أغلب الأحيان إلى الوفاة (٣)، فجاز للأطباء أن يتخذوا الحيطة بقطع تلك الأنسجة دفعًا للمفسدة المتوقعة. فهذه هي مجمل المراتب المتعلقة بالجراحة العلاجية، وينبغي مراعاة الترتيب فيها حسب أهميتها، فتقدم الحالات الضرورية على الحاجية، والحاجية على الصغرى. وتظهر فائدة هذا الترتيب في حال ازدحام الحالات الجراحية وكثرتها بحيث لا يمكن تغطيتها بالعلاج في آن واحد، كما يقع ذلك في الحروب، والحوادث التي يتعرض فيها العدد الكبير للإصابة، فينبغي

стр. 145

حينئذ تقديم الحالات الجراحية الخطيرة المميتة، على جميع الحالات، ثم تليها الحالات التي بلغت مقام الحاجة ثم الحالات المتعلقة بالجراحة الصغرى، وشرط اعتبار هذا التقديم رجاء النفع في معالجة الحالة المقدمة، أما لو كانت ميئوسًا منها ويتعذر إنقاذ صاحبها فإنه حينئذ ينبغي صرف الأطباء إلى ما دونها بالشرط نفسه. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 146

المبحث الثاني في (جراحة الكشف) وهي عند الأطباء: "كل جراحة تجرى للحصول على معلومات عن المرض، لا يمكن الحصول عليها بالوسائل الأخرى" (١). ومن خلال تعريفهم هذا يتبين لنا أن المقصود منها هو الحصول على المعلومات التي يمكن بواسطتها أن يتوصل الطبيب إلى معرفة نوعية المرض المجهول. كما يتبين لنا أنهم لا يلجئون إليها إلا بعد تعذر الوصول إلى معرفة المرض عن طريق وسائل الفحص الطبي الأخرى من الأشعة، والمناظير، والتحاليل الطبية وغيرها. وتجرى هذه الجراحة للكشف عن حقيقة الأورام الموجودة في المواضع المختلفة من جسم الإنسان (٢) ومن صورها ما يلي: (١) الكشف عن حقيقة الأورام الموجودة في البطن (٣). (٢) الكشف عن حقيقة الأورام الموجودة في الشرج عن طريق التنظير والخزع (٤).

стр. 147

(٣) الكشف عن حقيقة الأورام الموجودة في القولون عن طريق أخذ خزعة نسيجية وتحليلها بعد ذلك (١). وهذه الجراحة قد تشتمل على الشق عن الموضع الذي توجد فيه الأورام، مثل أن يتبين من خلال الفحص بالأشعة وجود ورم في المعدة، ولم يمكن التوصل إلى معرفة حقيقته هل هو ورم سليم (حميد) أو ورم خبيث (سرطان)، فحينئذ يقوم الطبيب بشق البطن، وأخذ عينة من ذلك الورم وتحليلها بغية الوصول إلى حقيقته حتى يتمكن من علاجه بعد ذلك بما يلزم. وفي هذه الحالة يتعرض المريض لجراحة كالجراحة الطبية العادية، ولذلك فإنه يجب أن لا تجرى هذه الجراحة إلا بعد أن يستنفذ الأطباء ما في وسعهم للحصول على المعلومات الطبية بأي وسيلة أخرى هي أخف ضررًا وأقل خطورة من الجراحة (٢)، ولا يجوز لهم شرعًا أن يعرضوا المرضى لأخطار هذه الجراحة إذا تيسر وجود البديل الذي هو بتلك المثابة. وقد لا تشتمل الجراحة على شق موضع الورم، فيكتفي الأطباء بإدخال المناظير الطبية المجهزة بالأنبوب القاطع الذي يمكن بواسطته سحب صفائح من الطبقات السطحية للموضع، ومن ثم يتم إخراجها وتحليلها. وهذه الطريقة أكثر أمانًا، ويمكن بواسطتها الوصول إلى بعض المعلومات المهمة، وهي طريقة تم التوصل إليها حديثًا بعد تطوير

стр. 148

المناظير الطبية وتحسينها، ومتى تيسر فحص الموضع المطلوب بواسطتها فإنه لا يجوز العدول عنها إلى الجراحة التي هي أكثر خطورة، وأعظم ضررًا. وهذا النوع من الجراحة توفرت فيه الأسباب الموجبة للترخيص بفعله متى ما كان مستوفيًا لشرطه، وهو عدم وجود البديل الذي هو أخف ضررًا منه، ويمكن بواسطته الحصول على المعلومات المطلوبة، والإذن به مبني على الإذن بالتداوي، وذلك لأن التداوي متوقف عليه، فيجوز فعله تحصيلاً لمصلحة المداواة، لأن الإذن بالشيء إذن بلوازمه. * * *

стр. 149

المبحث الثالث في (جراحة الولادة) وهي الجراحة التي يقصد منها إخراج الجنين من بطن أمه، سواء كان ذلك بعد اكتمال خلقه، أو قبله، ولا تخلو الحاجة الداعية إلى فعلها من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون ضرورية، وهي الحالة التي يخشى فيها على حياة الأم، أو جنينها، أو هما معًا، ومن أمثلتها ما يلي: (١) جراحة الحمل المنتبذ. (٢) جراحة استخراج الجنين الحي بعد وفاة أمه. (٣) الجراحة القيصرية في حال التمزق الرحمي (١). فهذه الحالات تعتبر فيها جراحة الولادة ضرورية، لأن المقصود منها إنقاذ حياة الأم، أو الجنين، أو هما معاً. ففي المثال الأول: يتكون الجنين خارج الرحم في قناة المبيض، ويسمى بالحمل المهاجر، أو القنوي، وهذا الموضع الذي تكون فيه الجنين يستحيل بقاؤه فيه حيًا، وغالبًا ما ينفجر في القناة التي بداخلها، وحينئذ تصبح حياة الأم مهددة بالخطر، فيرى الأطباء

стр. 150

ضرورة إجراء الجراحة، واستخراجه قبل انفجاره، وذلك كله إنقاذًا لحياة الأم (١). وفي المثال الثاني: تموت الأم بعد اكتمال خلق الجنين، وحياته، فيضطر الأطباء إلى شق بطنها لاستخراج ذلك الجنين قبل موته. وهذه الصورة ليست بحديثة بل هي صورة كانت موجودة من القدم وهي محل خلاف بين أهل العلم ﵏ سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مباحث العمل الجراحي، وأنه لا حرج في فعل هذا النوع من الجراحة إنقاذًا لحياة الجنين. وفي المثال الثالث: يتعرض الرحم إلى التمزق الذي يهدد حياة الأم، وجنينها وذلك بعد اكتمال خلقه، فيضطر الأطباء إلى إجراء الجراحة واستخراج الجنين. حتى لا تتعرض الأم وجنينها للهلاك. فهذه ثلاث صور من صور جراحة الولادة الضرورية، الأولى قصد منها إنقاذ حياة الأم، والثانية قصد منها إنقاذ حياة الأثنين، والثالثة قصد منها إنقاذ حياتهما معًا.

стр. 151

وهذا النوع من الجراحة يعتبر مشروعًا وجائزًا، نظرًا لما يشتمل عليه من إنقاذ النفس المحرمة الذي هو من أجلِّ ما يتقرب به إلى الله ، وهو داخل في عموم قوله سبحانه: ﴿وَمَن أحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١)، ولأنه كما جاز استئصال الداء الموجب للهلاك من جسم المريض كذلك يجوز استخراج الجنين إذا كان بقاؤه موجبًا لهلاك أمه، بجامع دفع الضرر في كل. وكذلك شق بطن المرأة الحامل الميتة من أجل إنقاذ جنينها الحي، فكما يجوز شق البطن للعلاج والتداوي، كذلك يجوز شقها لإنقاذ النفس المحرمة، ولأن بقاءها في البطن بدون ذلك يعتبر ضررًا محضًا، فتشرع إزالته بالجراحة اللازمة للقاعدة الشرعية التي تقول: "الضرر يزال" (٢). قال الإمام ابن حزم ﵀: "ولو ماتت امرأة حامل، والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق عن بطنها طولاً، ويخرج الولد، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أحْيَاهَا فَكَأنمَا أحْيَا الناسَ جَمِيعًا﴾ ومن تركه عمدًا حتى يموت فهو قاتل نفس" (٣) اهـ. فاعتبر ﵀ فعل هذا النوع من الجراحة فرضًا لازمًا على الطبيب إذا امتنع من فعله عمدًا كان قاتلاً، لامتناعه من فعل السبب الموجب للنجاة مع قدرته على فعله.

стр. 152

ولا يشكل على القول بجواز الجراحة في الصورة الأولى ما تتضمنه من إتلاف الجنين وتعريضه للهلاك، وذلك لأن حياة الأم مهددة ببقائه، وبقاؤه في الغالب غير منته بسلامته وخروجه حيًا، ومن ثم كانت حياة الجنين موهومة، وحياة الأم متيقنة فلا يجوز تعريض الحياة المتيقنة للهلاك طلبًا لحياة موهومة، وجاز استخراج الجنين بالجراحة على هذا الوجه ارتكابًا لأخف الضررين للقاعدة الشرعية التي تقول: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما" (١). فالضرر المترتب على بقاء الجنين في هذه الصورة يعرض الأم والجنين للهلاك، بخلاف الضرر المترتب على استخراجه فإنه مختص بالجنين فهو أخفهما. وينبغي على الأطباء أن يتقوا الله ، وأن يبذلوا كل ما في وسعهم لعلاج هذه الحالات بالوسائل التي تنتهي بسلامة الأم وجنينها، وألا يقدموا على فعل هذا النوع من الجراحة إلا إذا تعذرت تلك الوسائل، وتحققوا من أن بقاء الجنين مفض إلى هلاكه وأمه، أو غلب على ظنهم ذلك ... والله تعالى أعلم. الحالة الثانية: أن تكون حاجية: وهي الحالة التي يحتاجها الأطباء فيها إلى فعل الجراحة بسبب تعذر الولادة الطبيعية، وترتب الأضرار عليها إلى درجة لا تصل إلى مرتبة الخوف على الجنين أو أمه من الهلاك. ومن أشهر أمثلتها: الجراحة القيصرية التي يلجأ إليها الأطباء عند

стр. 153

خوفهم من حصول الضرر على الأم أو الجنين أو هما معًا، إذا خرج المولود بالطريقة المعتادة, وذلك بسبب وجود العوائق الموجبة لتلك الأضرار، ومن أمثلتها: ضيق عظام الحوض، أو تشوهها أو إصابتها ببعض الآفات المفصلية، بحيث يتعذر تمدد مفاصل الحوض. أو يكون جدار الرحم ضعيفًا، ونحو ذلك من الأمور الموجبة للعدول عن الولادة الطبيعية دفعًا للضرر المترتب عليها (١). والحكم بالحاجة في هذا النوع من الجراحة راجع إلى تقدير الأطباء، فهم الذين يحكمون بوجودها، ولا يعد طلب المرأة أو زوجها مبررًا لفعل هذا النوع من الجراحة طلبًا للتخلص من آلام الولادة الطبيعية، بل ينبغي للطبيب أن يتقيد بشرط وجود الحاجة، وأن ينظر في حال المرأة وقدرتها على تحمل مشقة الولادة الطبيعية وكذلك ينظر في الآثار المترتبة على ذلك، فإن اشتملت على أضرار زائدة عن القدر المعتاد في النساء ووصلت إلى مقام يوجب الحوج والمشقة على المرأة، أو غلب على ظنه أنها تتسبب في حصول ضرر للجنين، فإنه حينئذ يجوز له العدول إلى الجراحة وفعلها، بشرط ألا يوجد بديل يمكن بواسطته دفع تلك الأضرار وإزالتها ... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 154

المبحث الرابع في (جراحة الختان) (١) وهي الجراحة التي يقصد منها قطع الجلدة التي تغطي الحشفة -رأس الذكر- بالنسبة للرجال، أو قطع أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج بالنسبة للنساء (٢). وهي من أقدم أنواع الجراحة، وكانت موجودة في عهد النبي ﷺ وقبله، وهي من بقايا الحنيفية، ويدل على ذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير الكلمات التي وردت في قوله : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهيمَ رَبّهُ بكَلمَات فَأتَمَّهُنَّ﴾ (٣) فذكر منها الختان (٤).

стр. 155

ويؤكده ما حكاه بعض المفسرين ﵏ من إجماع العلماء ﵏ على أن إبراهيم ﵇ هو أول من اختتن (١). ولا تزال جراحة الختان باقية إلى العصر الحاضر، وتعد فرعًا من فروع الجراحة الصغرى (٢). والأصل في مشروعيتها ما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس: الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (٣). فقد دل هذا الحديث الشريف على مشروعية الختان، وجواز فعله مطلقًا سواء كان المختتن رجلاً أو امرأة، وفي عده من خصال الفطرة دليل على اعتباره من الصفات المحمودة. قال الإمام الشوكاني (٤) ﵀ في شرحه: "هذه الأشياء إذا فعلت اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، واستحبها لهم ليكونوا على أكمل الصفات، وأشرفها صورة " (٥) اهـ.

стр. 156

وكما دلت السنة النبوية على مشروعية الختان، وجواز فعله دل الإجماع على ذلك أيضًا. قال الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري ﵀: "اتفقوا على أن من ختن ابنه فقد أصاب، واتفقوا على إباحة الختان للنساء" (١) اهـ. وبناء على ما سبق فإن هذه الجراحة تعتبر امتثالاً للشرع لما فيها من إصابة الفطرة والاهتداء بالسنة التى حضت وحثت على فعلها دون فرق بين الرجال والنساء. وقد اختلف أهل العلم ﵏ في حكم هذه الجراحة بالنسبة للمكلف المراد ختنه هل هي واجبة عليه أم لا؟. وبيان أقوالهم وأدلتهم والراجح منها يتضح بعون الله تعالى وتوفيقه في المسألة التالية: مسألة: هل الختان واجب أم لا ؟. اختلف أهل العلم ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: الختان واجب على الذكر والأنثى وهو مذهب الشافعية (٢)،

стр. 157

والحنابلة (١)، وبعض المالكية (٢) ﵏. القول الثاني: الختان سنة: وهو مذهب الحنفية (٣)، وبه قال الإمام مالك (٤)، وأحمد في رواية عنه (٥) ﵏. القول الثالث: الختان واجب على الذكور، ومكرمة للإناث، وهو رواية عن الإمام أحمد (٦)، وبه قال بعض المالكية (٧) والظاهرية (٨) ﵏.

стр. 158

الأدلة: (١) دليل القول الأول: استدل القائلون بوجوب الختان مطلقًا بالكتاب، والسنة، والعقل. أ- دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإذِْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأتَمَّهُنَّ ... الآية﴾ (١). وجه الدلالة: أن الختان من تلك الكلمات التي ابتلاه الله بها كما صح ذلك عن ابن عباس ﵄ أنه عده منها، والابتلاء إنما يقع غالبًا بما هو واجب (٢). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنَا إلَيْكَ أن اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا .. ﴾ والآية (٣). وجه الدلالة: أن الختان من ملته -كما تقدم- فيكون داخلاً في عموم المأمور باتباعه والأصل في الأمر أنه للوجوب حتى يقوم الدليل على صرفه عن ذلك (٤).

стр. 159

ب- دليلهم من السنة: حديث عثيم بن كليب عن أبيه، عن جده أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: (قد أسلمت. فقال: ألق عنك شعر الكفر، واختتن) (١). إن قوله "اختتن" أمر، والأمر للوجوب، فدل ذلك على وجوب الاختتان ولزومه، وخطابه للوجوب يشمل غيره حتى يقوم دليل الخصوصية (٢). واستدلوا أيضًا بما روي عن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ : "من أسلم فليختتن وإن كان كبيرًا" (٣). وجه الدلالة: أن قوله: "فليختتن" أمر، والأمر للوجوب، وقد وقعت صيغة الشرط في قوله: "من أسلم" بلفظ عام فيشمل ذلك الرجال والنساء. جـ- دليلهم من العقل: استدلوا بالنظر والقياس. أما دليلهم من النظر فينحصر في الوجوه التالية: الوجه الأول: أنه يجوز كشف العورة له فلو لم يجب لما جاز ذلك لأنه ليس

стр. 160

لضرورة ولا لدواء (١). الوجه الثاني: أن القلفة تحبس النجاسة، وإزالة النجاسة أمر واجب لمكان العبادات ولا تتم إزالة القلفة إلا بالختان، فيكون واجبًا لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٢). الوجه الثالث: أن ولي الصبي يؤلمه بالختان، ويعرضه للتلف بالسراية، ويخرج من ماله أجرة الخاتن، وثمن الدواء، ولا يضمن سرايته بالتلف، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ذلك (٣). الوجه الرابع: أن في الختان ألمًا عظيمًا على النفس وهو لا يشرع إلا في إحدى ثلاث خصال لمصلحة، أو عقوبة، أو وجوب، وقد انتفى الأولان فبقي الثالث (٤). وأما استدلالهم بالقياس، فإنهم قالوا: الوجه الأول: أنه قطعٌ شرعه الله لا تؤمن سرايته، فكان واجبًا كقطع يد

стр. 161

السارق (١). الوجه الثاني: أنه من شعار المسلمين فكان واجبًا كسائر شعائرهم (٢). (٢) دليل القول الثاني: استدل القائلون بسنية الختان وعدم وجوبه بالسنة: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس: الاختتان ... الحديث" (٣). وجه الدلالة: أن المراد بالفطرة السنة، وعليه فإن الختان مسنون وليس بواجب، ولذلك قُرن في الحديث بما ليس بواجب كالاستحداد (٤). ما جاء عنه ﵊ أنه قال: "الختان سنة للرجال، مكرمة للنساء" (٥). وجه الدلالة: أن الحديث نص على اعتبار الختان سنة بالنسبة للرجال ومكرمة

стр. 162

بالنسبة للنساء وهذا ظاهر في الدلالة على عدم وجوبه على كلتا الطائفتين. (٣) دليل القول الثالث: احتج القائلون بالتفصيل ببعض ما تقدم من أدلة القائلين بوجوب الختان على الرجال والنساء. وقالوا: إن الختان في حق الرجال آكد لأنه إذا لم يختتن فإن الجلدة المدلاة على الكمرة تمنع من إنقاء ما ثمَّ، والمرأة أهون، فلذلك كان واجبًا عليه دونها (١). الترجيح: الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بوجوب الختان على الذكر والأنثى، وذلك لما يأتي: أولاً: لصحة ما ذكروه في غالب استدلالهم (٢). ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث أبي هريرة ﵁، فيجاب عنه بأنه لو سلمنا أن المراد بالفطرة السنة، فإن ذلك لا يدل على عدم وجوب الختان، لأن السنة منها ما هو واجب أمر الشرع به، ومنها ما هو ليس بواجب، فهي شاملة في أصل الشرع لجميع ذلك، والتفريق بينها وبين الواجب اصطلاح حادث (٣).

стр. 163

وهكذا يجاب عن الحديث الثاني الذي احتجوا به، ويزاد عليه بأنه ضعيف الإسناد لا يصلح للاحتجاج به (١). ثالثًا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث فإنه يجاب عما ذكروه من تأكد الاختتان في حق الرجال دون النساء من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم صحته من جهة كون ذلك مقتضيًا لسقوط الوجوب في حق النساء لوجود السبب الداعي إليه فيهن وهو اعتدال الشهوة عند الأنثى بالختان (٢). واعتدالها معين على العفة وهي مقصودة ومطلوبة شرعًا. وعليه فكما أن طهارة الحس موجبة لتأكد الختان في حق الرجال، فكذلك طهارة الروح موجبة لتأكده في حق النساء. الوجه الثاني: سلمنا صحة ما ذكروه من النظر لكن نقول هذا اجتهاد في مقابل النص، ولا اجتهاد مع النص ... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 164

المبحث الخامس في (جراحة التشريح) يحتاج الأطباء أثناء تعلمهم للجراحة الطبية إلى تدريب عملي يتمكنون بواسطته من الإلمام التام نظريًا وعمليًا بعلم الجراحة، ويتم ذلك التدريب عن طريق تشريحهم لجثث الموتى، وهو ما يسمى بالجراحة التشريحية، والتي تشتمل على تقطيع أجزاء الجثة، ثم يقوم المشرح بعد ذلك بدراستها، وفحصها، وقد تمتد تلك الدراسة إلى فحص الأنسجة تحت الميكروسكوب، وهو ما يسمى بالتشريح الميكروسكوبي، أو علم الأنسجة "هستولوجيا" (١). ولما كانت الشريعة الإسلامية لا تجيز العبث والتمثيل بجثث الموتى، فإنه يرد السؤال عن حكمها في هذا النوع من الجراح. وهو سؤال يعد من النوازل الفقهية التي جدّت، وطرأت في عصرنا الحاضر (٢)، ولم أعثر على نص لأحد من الفقهاء المتقدمين ﵏ يتضمن القول بجواز التشريح لغرض التعلم أو عدم جوازه. وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:

стр. 165

القول الأول: يجوز تشريح جثث الموتى لغرض تعلم الطب، وبه صدرت الفتوى من الجهات العلمية التالية: (١) هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (١). (٢) مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة (٢). (٣) لجنة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية (٣). (٤) لجنة الإفتاء بالأزهر بمصر (٤). واختاره عدد من العلماء والباحثين (٥). القول الثاني: لا يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعلم، وهو لجماعة من العلماء والباحثين (٦).

стр. 166

الأدلة: (١) دليل القول الأول: استدل القائلون بجواز تشريح الجثة لغرض التعليم بدليل القياس والنظر المستند على قواعد الشريعة. أ- دليلهم من القياس: من وجوه: الوجه الأول: يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعليم كما يجوز شق بطن الحامل الميتة، لاستخراج جنينها الذي رجيت حياته (١). الوجه الثاني: يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعليم كما يجوز تقطيع الجنين لإنقاذ أمه إذا غلب على الظن هلاكها بسببه (٢). الوجه الثالث: يجوز تشريح جثة الميت لغرض التعلم كما يجوز شق بطنه لاستخراج المال المغصوب الذي ابتلعه (٣).

стр. 167

وهذه الأوجه الثلاثة من القياس اشتمل الأصل فيها على التصرف في جثة الميت بالشق، والقطع، طلبًا لمصلحة الحي المتمثلة في إنقاذه من الموت كما في الوجه الأول، والثاني، وهي مصلحة ضرورية، كما اشتمل الوجه الثالث منها على مصلحة حاجية وهي رد المال المغصوب إلى صاحبه. وكلتا هاتين المصلحتين موجودتان في حال تعلم الجراحة الطبية، إذ يقصد منها تارة إنقاذ حياة المريض وهي المصلحة الضرورية، كما يقصد منها تارة أخرى إنقاذ المريض من آلام الأمراض والأسقام المضنية وهي المصلحة الحاجية، وأما إهانة الميت بتشريح جثته فقد رخص فيها أصحاب هذا القول بناء على القياس أيضًا، حيث استندوا على ما قرره بعض الفقهاء المتقدمين ﵏ من جواز نبش قبر الميت، وأخذ كفنه المسروق أو المغصوب (١)، فقاسوا إهانته بالتشريح على إهانته بنبش كفنه، وكشف عورته بجامع تحصيل مصلحة الحي المحتاج إليها (٢). ب- دليلهم من قواعد الشريعة: (١) قالوا: "إن من قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها العامة أنه إذا تعارضت مصلحتان قدم أقواهما، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكب أخفهما تفاديًا لأشدهما" (٣).

стр. 168

ووجه تطبيق هذه القاعدة: أن المصلحة المترتبة على تشريح جثث الموتى لغرض التعليم تعتبر مصلحة عامة راجعة إلى الجماعة، وذلك لما يترتب عليها من تعلم التداوي الذي يمكن بواسطته دفع ضرر الأسقام والأمراض عن المجتمع وحصول السلامة بإذن الله تعالى لأفراده. ومصلحة الامتناع من التشريح تعتبر مصلحة خاصة متعلقة بالميت وحده، وبناء على ذلك فإنه تعارضت عندنا المصلحتان، ولاشك في أن أقواهما المصلحة العامة المتعلقة بالجماعة والتي تتمثل في التشريح فوجب تقديمها على المصلحة الفردية المرجوحة (١). (٢) إن من قواعد الشرع "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". وتعلم الجراحة الطبية وغيرها من فروع الطب هو في الأصل من الفروض الواجبة على الأمة، فيجب على طائفة منها سد حاجة الأمة إلى هذه العلوم النافعة، وتحقيق هذا الواجب متوقف على التشريح الذي يمكن بواسطته فهم الأطباء للعلوم النظرية تطبيقياً، فيعتبر مشروعًا وواجبًا من هذا الوجه (٢). (٢) دليل القول الثاني: استدل القائلون بحرمة التشريح بدليل الكتاب والسنة، والقياس،

стр. 169

والنظر المستند على قواعد الشريعة. أ- دليلهم من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيبَاتِ وَفَضلنَاهُمْ عَلَى كثِير مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (١). وجه الدلالة: أن الآية الكريمة دلت على تكريم الله تعالى لبني آدم، وهذا التكريم عام شامل لحال حياتهم، ومماتهم. وتشريح جثث الموتى فيه إهانة لها، نظراً لما تشتمل عليه مهمة التشريح من تقطيع أجزاء الجثة، وبقر البطن، وغير ذلك من الصور المؤذية فهي على هذا الوجه مخالفة لمقصود الباري من تكريمه للآدميين وتفضيله لهم، فلا يجوز فعلها (٢). ب- دليلهم من السنة: استدلوا بالأحاديث التالية: (١) أحاديث النهي عن المثلة، ومنها ما ثبت في الصحيح من حديث بريدة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا" (٣).

стр. 170

وجه الدلالة: أن تشريح جثة الميت فيه تمثيل ظاهر، فهو داخل في عموم النهي الوارد في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي ورد فيها نهي النبي ﷺ الموجب لحرمة التمثيل ومنعه (١). حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسر عظمه حيًا" (٢). وجه الدلالة: أن هذا الحديث دل على حرمة كسر عظام المؤمن الميت والتشريح مشتمل على ذلك فلا يجوز فعله (٣). جـ- دليلهم من القياس: الوجه الأول: أن الأحاديث دلت على أنه لا يجوز الجلوس على القبر، وأن صاحبه يتأذى بذلك (٤)، مع أن الجلوس عليه ليس فيه مساس بجسد صاحبه، فلأن لا يجوز تقطيع أجزائه، وبقر بطنه الذي هو أشد انتهاكًا

стр. 171

لحرمته من باب أولى وأحرى (١). الوجه الثاني: أن من العلماء من نص على حرمة شق بطن المرأة الحامل الميتة لإنقاذ جنينها الذي رجيت حياته مع أن في ذلك مصلحة ضرورية، فلأن لا يجوز التشريح المشتمل على الشق وزيادة أولى وأحرى (٢). د- دليلهم من القواعد الشرعية: استدلوا بما يلي: (١) قاعدة "الضرر لا يزال بالضرر" (٣). (٢) قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" (٤). ووجه الاستشهاد بهاتين القاعدتين على حرمة التشريح: أن القاعدة الأولى دلت على أن مفسدة الضرر ينبغي ألا تزال بمثلها، والتشريح فيه إزالة ضرر بمثله، وذلك لأن التعلم بواسطته موجب لإزالة ضرر الأسقام والأمراض بتعلم طرق مداواتها، ولكن هذه الإزالة يترتب عليها ضرر آخر يتعلق بالميت الذي شرحت جثته، وحينئذ يكون من باب إزالة الضرر بمثله، وهو الذي دلت القاعدة على عدم جوازه.

стр. 172

وأما القاعدة الثانية فقد دلت على حرمة الإضرار بالغير، والتشريح فيه إضرار بالميت فلا يجوز فعله. الترجيح: الذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو جواز تشريح جثة الكافر، دون المسلم وذلك لما يلي: أولاً: لأن الأصل عدم جواز التصرف في جثة المسلم إلا في الحدود الشرعية المأذون بها والتشريح ليس منها، فوجب البقاء على الأصل المقتضي للمنع، وهذا الأصل يسلم به القائلون بجواز التشريح وإن كانوا يستثنون التشريح اعتبارًا منهم للحاجة الداعية إليه. ثانيًا: أن الحاجة إلي التشريح يمكن سدها بجثث الكفار، فلا يجوز العدول عنها إلى جثث المسلمين، لعظيم حرمة المسلم عند الله تعالى حيًا كان أو ميتًا. ثالثًا: أن أدلة المنع يمكن تخصيصها بالمسلم دون الكافر، فلا حرج في إهانته لمكان كفره، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ (١)، قال الخازن (٢) ﵀ في تفسيره: "أي من

стр. 173

يذله الله فلا يكرمه أحد" (١) اهـ. ولاشك في أن الكفار ممن أذلهم الله تعالى. وأما أحاديث النهي عن المُثلة: فقد ثبت ما يخصصها كما في قصة العرنيين (٢)، وآية المحاربين (٣). فإذا جاز التمثيل لمصلحة عامة وهي زجر الظلمة عن الاعتداء على الناس، فكذلك يجوز التمثيل بالكافر طلبًا لمصلحة عامة ينتظمها الطب الذي من أجله شرحت جثة الكافر، إضافة إلى أن بعض العلماء يرى أن النهي للتنزيه (٤)، وحديث تحريم كسر عظم الميت خاص بالمؤمن كما هو منصوص عليه في نفس الحديث. وأما أحاديث النهي عن الجلوس على القبر فإنها تدل على تأذي الميت بذلك وهذا يتفق مع ما سبق ذكره من تخصيص المسلم بالمنع، وأما الكافر فإن إيذاءه بعد موته مقصود شرعًا، فلا حرج في فعله. رابعًا: أن استدلال القائلين بجواز التشريح مطلقًا بقياسه على نبش قبر الميت لأخذ الكفن المغصوب مردود بكونه قياسًا مع الفارق.

стр. 174

ووجه ذلك: أن الأصل المقيس عليه فيه مساس بالجسد بخلاف الفرع، وجاز فعل النبش لمكان الحق المغصوب، فكان الميت متسببًا في أذية نفسه بخلاف الفرع الذي لا علاقة للميت بمصلحته ولم يتسبب فيما يوجبها بأي وجه من الوجوه، ثم إن نبش قبره لذلك الغرض لا يستغرق إلا زمنًا يسيرًا ثم يعاد إلى القبر الذي سيواري الجثة بدلاً عن الكفن، بخلاف التشريح الذي يستغرق الساعات، بل والأيام العديدة!!!. خامسًا: أن تشريح جثة المسلم يعطل عن فعل كثير من الفروض المتعلقة بها بعد الوفاة، من تغسيلها وتكفينها، والصلاة عليها، ودفنها. وهو مخالف لما ثبتت به السنة من الأمر بالمبادرة بالجنائز والإسراع بها، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة ... " (١)، فلا يجوز تعطيل جثة المسلم وتأخير هذه المصالح المطلوب فعلها بعد الوفاة مباشرة لمصلحة لا تتعلق بالميت، ولم يتسبب في موجبها، وإنما هي من مصالح الغير المنفكة عنه. لهذا كله فإنه يترجح في نظري القول بجواز تشريح جثة الكافر دون المسلم، ولكن ينبغي أن يتقيد الأطباء وغيرهم ممن يقوم بمهمة التشريح بالحاجة، فمتى زالت، فإنه لا يجوز التمثيل بالكافر بتشريحه حينئذ، لأن ما جاز لعذر بطل بزواله (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 175

مسألة: هل يجوز شراء جثث الكفار لغرض تشريحها ؟. هذه المسألة مفرعة على القول بجواز تشريح الجثة، خاصة إذا قلنا: إن ذلك يتقيد بجثث الكفار دون المسلمين، وحينئذ يتعين طلبها والبحث عنها بأي وسيلة كانت، وقد شاع في هذه العصور بيع جثث الكفار لغرض تشريحها، والاستفادة منها، ويتساءل بعض المختصين عن حكم شرائها، وهل يصح البيع أم لا؟. والجواب: أن من شرط صحة البيع شرعًا أن يكون المبيع ملكًا للبائع، أو موكَّلاً في بيعه (١)، لحديث حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "لا تبع ما ليس عندك" (٢). وهذه الجثث ليست ملكًا للبائع، ولا موكلاً في بيعها من مالكها، فَيَدُ الملكية منتفية عنها، ومن ثم فإنه لا يصح بيعها شرعًا، لصريح حديث حكيم المذكور. ولكن يمكن التوصل إلى هذه الجثث بطريقة أخرى، وهي التعاقد مع باذلها على وجه الإجارة ويكون بذل الثمن في مقابل السعي، والبحث، ومؤنة النقل، ونحو ذلك مما يجري على سنن الإجارة،

стр. 176

ويعطى له الثمن في مقابل ذلك، ويجري العقد بين الطرفين على صورة الإجارة الشرعية والله تعالى أعلم. تنبيه: التشريح لتعلم الجراحة هو النوع الوحيد الذي يتعلق بموضوع بحثنا، وهناك نوع آخر من التشريح وهو التشريح الجنائي، والتشريح لمعرفة أسباب الوفاة خشية أن تكون أمراضًا وبائية، وهذان النوعان صدرت فيهما الفتوى من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بجوازهما (١). * * *

стр. 177

المبحث السادس في (جراحة التجميل الحاجية) عرف الأطباء المختصون جراحة التجميل بأنها: "جراحة تجري لتحسين منظر جزء من أجزاء الجسم الظاهرة، أو وظيفته إذا ما طرأ عليه نقص، أو تلف، أو تشوه" (١). وهي تنقسم عندهم إلى نوعين: الأول: اختياري، وسيأتي بيانه والكلام على حكمه في الشرع، وذلك بمشيئة الله تعالى في المبحث الأول من الفصل الثاني في هذا الباب. الثاني: ضروري، وهو المراد بهذا المبحث، ويصفه الأطباء بكونه ضروريًا لمكان الحاجة الداعية إلى فعله، إلا أنهم لا يفرقون فيها بين الحاجة التي بلغت مقام الاضطرار (الضرورة) والحاجة التي لم تبلغه (الحاجية) كما هو مصطلح الفقهاء ﵏ (٢). وهذا النوع المحتاج إلى فعله يشتمل على عدد من الجراحات التي يقصد منها إزالة العيب سواء كان في صورة نقص، أو تلف، أو تشوه، فهو ضروري، أو حاجي بالنسبة لدواعية الموجبة لفعله، وتجميلي

стр. 178

بالنسبة لآثاره ونتائجه. وإذا نظرنا إلى العيوب التي توجد في الجسم فإننا نجدها على قسمين. القسم الأول: عيوب خلقية: وهي عيوب ناشئة في الجسم من سبب فيه لا من سبب خارج عنه، فيشمل ذلك ضربين من العيوب وهما: الضرب الأول: العيوب الخلقية التي ولد بها الإنسان. الضرب الثاني: العيوب الناشئة من الآفات المرضية التي تصيب الجسم. فمن أمثلة الضرب الأول العيوب التالية: (١) الشق في الشفة العليا "الشفة المفلوجة" (١). (٢) التصاق أصابع اليدين، والرجلين (٢). (٣) انسداد فتحة الشرج (٣). (٤) شذوذ الحويضة الخلقي ومن أهمها (ازدواج حويضة الكلية) (٤).

стр. 179

(٥) شذوذ الحالب الخلقي (الازدواج الحالبي، ارتكاز الحالب الهاجر، الحالب خلف الوريد الأجوف، الحالب العرطل الخلقي، القيلة الحالبية) (١). ومن أمثلة الضرب الثاني العيوب التالية: (١) انحسار اللثة بسبب الالتهابات المختلفة (٢). (٢) أورام الحويضة والحالب السليمة (٣). (٣) عيوب صيوان الأذن الناشئة عن الزهري والجذام، والسل (٤). القسم الثاني: عيوب مكتسبة "طارئة ": وهي العيوب الناشئة بسبب من خارج الجسم كما في العيوب والتشوهات الناشئة من الحوادث والحروق. ومن أمثلتها ما يلي: (١) كسور الوجه الشديدة التي تقع بسبب حوادث السير (٥). (٢) تشوه الجلد بسبب الحروق (٦).

стр. 180

(٣) تشوه الجلد بسبب الآلات القاطعة (١). (٤) التصاق أصابع الكف بسبب الحروق (٢). وهذا النوع من الجراحة الطبية وإن كان مسماه يدل على تعلقه بالتحسين والتجميل إلا أنه توفرت فيه الدوافع الموجبة للترخيص بفعله. فمما لا شك فيه أن هذه العيوب يستضر الإنسان بها حساً، ومعنى، وذلك ثابت طبياً، ومن ثم فإنه يشرع التوسيع على المصابين بهذه العيوب بالإذن لهم في إزالتها بالجراحة اللازمة، وذلك لما يأتي: أولاً: أن هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي، ومعنوي، وهو موجب للترخيص بفعل الجراحة لأنه يعتبر حاجة، فتنزل منزلة الضرورة ويرخص بفعلها إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣). ثانيًا: يجوز فعل هذا النوع من الجراحة كما يجوز فعل غيره من أنواع الجراحة المشروعة المتقدمة بجامع وجود الحاجة في كل. فالجراحة العلاجية مثلاً وجدت فيها الحاجة المشتملة على ضرر الألم وهو ضرر حسي، وهذا النوع من الجراحة في كثير من صوره يشتمل على الضرر الحسي والمعنوي.
следующие страницы →