ثم يقوم الممرض بتحضير جميع الأدوات والآلات الجراحية المطلوبة حسب نوعية الجراحة، ويعتني بتنظيفها وتعقيمها (١).
وفي أثناء العمل الجراحي ينقسم الممرضون حسب المهمات المطلوبة منهم، فمنهم من يقوم بمناولة الطبيب الجراح آلات الجراحة التي يحتاجها، ومنهم من يقوم بتنظيفها، وإعادة تعقيمها بعد استعمال الطبيب الجراح لها تهيئة لاستعمالها ثانية، ومنهم من يقوم بمهمة إحضار ما يلزم من خارج غرفة الجراحة ويسمى بالممرض الدوار، أو الممرضة الدوارة.
وتتخذ في حقه بعض الاحتياطات خشية أن يتسبب في تلويث الغرفة بالجراثيم نظرًا لخروجه إلى الأماكن غير المعقمة، ثم دخوله لغرفة الجراحة (٢).
ويعتبر الممرض مسئولاً عن عد الآلات الجراحية، والقطع التي تم تحضيرها للجراحة قبل وبعد انتهاء العمل الجراحي، ولا يخيط الطبيب الجراح الجرح إلا بعد أن يقوم ذلك الممرض بِعَدِّ تلك القطع والآلات، وذلك خشية نسيان شيء منها داخل جسم المريض (٣) كما يحدث ذلك في بعض الأحيان (٤).
* * *
стр. 72
الفصل الثالث في (مشروعية الجراحة الطبية)
стр. 73
تمهيد
في هذا الفصل سيكون الحديث عن ثلاث جزئيات مهمة:
الأولى: تتعلق ببيان موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب عمومًا والجراحة الطبية على وجه الخصوص.
والثانية: تتعلق ببيان موقفها من العمل الجراحي نفسه (أي تطبيق الجراحة وفعلها) من حيث الجملة.
والثالثة: تتعلق بالشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية.
وعليه فإن الحديث في هذا الفصل عن هذه الجزئيات سيكون في ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب والجراحة الطبية.
المبحث الثاني: في الأدلة الشرعية على جواز الجراحة الطبية.
المبحث الثالث: في شروط جواز الجراحة الطبية.
وبيانها فيما يلي:
стр. 74
المبحث الأول في (موقف الشريعة الإسلامية من تعلم الطب والجراحة الطبية)
يعتبر علم الطب من العلوم المهمة في الحياة البشرية، وبتطبيقه تتحقق كثير من المصالح العظيمة والمنافع الجليلة، التي منها حفظ الصحة، ودفع ضرر الأسقام والأمراض عن بدن الإنسان، فيتقوى المسلم بذلك على طاعة ربه تعالى ومرضاته.
ولعظيم ما فيه من المصالح والمنافع أباحت الشريعة الإسلامية تعلمه وتعليمه، وتطبيقه.
قال الإمام محمد القرشي المعروف بابن الإخوة (١) ﵀: "الطب علم نظري عملي أباحت الشريعة تعلمه لما فيه من حفظ الصحة، ودفع العلل والأمراض عن هذه البنية الشريفة ... " (٢) اهـ.
والناس في مختلف العصور والأزمنة محتاجون إلى وجود الطبيب الذي يسعى في معالجة مرضاهم، فيقوم برعايتهم، ودفع ضرر الأسقام والأمراض والجراحات عن أبدانهم بإذن الله تعالى، ولا يمكن لمجتمع
стр. 75
أن يعيش سالمًا بدون وجود الطبيب خاصة في حال انتشار الأمراض الوبائية التي تفتك في الظرف اليسير بالأمم والجماعات الكثيرة.
فلابد للمجتمع من وجود الطبيب، وتختلف حاجته إليه بحسب اختلاف الظروف والأحوال وإذا لم تسد حاجة المجتمع إلى الأطباء فإن حياة الناس وأرواحهم ستكون مهددة بخطر الأمراض وجراحات الحروب والحوادث التي تفضي بهم إلى الموت والهلاك في الغالب.
ولما كانت شريعتنا الإسلامية مبنية على الرحمة بالخلق، ودفع المشقة والحرج عنهم في التكاليف والتشريعات التي جاءت بها (١)، فإنها راعت تلك الحاجة التي لابد من سدها في المجتمعات المسلمة، فأجازت تعلم الطب، وتعليمه.
قال الإمام النووي (٢) ﵀ "وأما العلوم العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب، والحساب المحتاج إليه.
قال الغزالي (٣): ولا يستبعد عد الطب، والحساب من فروض
стр. 76
الكفاية، فإن الحرف، والصناعات التي لابد للناس منها في معايشهم كالفلاحة فرض كفاية، فالطب والحساب أولى" (١) اهـ.
فقوله ﵀: "المحتاج إليه": فيه دليل على أن الحكم بفرضية الطب على الكفاية إنما هو مبني على وجود الحاجة إليه.
ولاشك في أن هذه الحاجة موجودة في كل زمان ومكان، ولكنها تتفاوت في قدرها على حسب تفاوت الظروف والأحوال.
ولا يزال المسلمون الآن في مختلف الأمصار والأقطار الإسلامية بحاجة ماسة إلى الأطباء الذين يقومون بمعالجة مرضاهم، ومداواة جرحاهم، ونظرًا لذلك اضطروا لاستجلاب الأطباء من بلاد الكفر، وهذا يؤكد وجود الحاجة، الأمر الذي يجعل الحكم بفرضية تعلمه على الكفاية، والذي نص عليه الفقهاء المتقدمون ﵏ باق إلى يومنا هذا حتى تسد الحاجة الموجودة، ويصبح المسلمون في غنى تام عن استجلاب الأطباء الكفار.
وإذا كانت هذه الحاجة موجودة في البلدان الإسلامية فإنه يتعين على ولاة أمورها تجنيد الأكفاء الأخيار من المسلمين لتعلم الطب وتعليمه وتطبيقه، ولا ينبغي لهم البقاء على هذه الحالة التي اتكلوا فيها على أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم لما في ذلك من الأضرار الدينية والدنيوية الكثيرة التي لا تخفى (٢)، وقد اتجهت كثير من
стр. 77
البلدان الإسلامية في هذا العصر إلى إنشاء الكليات الطبية في بعض جامعاتها، وفي ذلك تحقيق لمقصود الشرع المقتضي لسد الحاجة، وإن كان الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من العناية.
فالحاصل أن الشريعة الإسلامية لا تنهى عن تعلم الطب، وتعليمه، وتطبيقه، متى ما كان على وجه الإصلاح، وتضمن نفع العباد وصلاح أبدانهم.
وهؤلاء فقهاء الإسلام، وأئمته الأعلام نجدهم ينصون في كتبهم على حكم فرضية تعلم الطب على الكفاية (١)، بل لم يقف الأمر عند ذلك وإنما تعدَّاه إلى شحذهم الهمم وحفزهم النفوس لتعلمه حتى قال الإمام الشافعي (٢) ﵀:
"لا أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب" (٣) اهـ.
ولعل أصدق شاهد على عناية فقهاء الإسلام وأئمته بهذا العلم أن نجد منهم من تعلمه وعلمه، بل واعتنى بالكتابة فيه، وخاصة في أشرفه وهو الطب النبوي (٤).
стр. 78
فنجد الإمام الشافعي ﵀ له عناية وإلمام بالطب حتى روي عن بعض الأطباء في زمانه أنه قال: "ورد الشافعي مصر فذاكرني بالطب حتى ظننت أنه لا يحسن غيره ... " (١) اهـ.
وقال عنه الإمام موفق الدين البغدادي (٢) ﵀: "كان مع عظمته في علم الشريعة، وبراعته في العربية بصيراً بالطب" (٣) اهـ.
وكذلك كان غيره من أعلام الإسلام وأئمته ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) ................
стр. 79
وتلميذه الإمام ابن القيم (١)، والحافظ الذهبي (٢) وغيرهم ﵏ أجمعين.
وهذا الحكم الذي نص عليه فقهاء الإسلام ﵏ أي فرضية تعلم الطب وتعليمه على الكفاية- عام شامل للجراحة لاندراجها في الطب وهي فرع من فروعه (٣)، والحاجة الموجودة إلى الطب التي بني عليها هذا الحكم موجودة في الجراحة أيضًا.
فقد كثرت في هذه الأزمنة الحروب، والحوادث -سواء في المصانع، أو وسائل النقل المختلفة، أو في غير ذلك- فخلفت وراءها الجراحات المفزعة المروعة في صورها وكثرتها ولا تزال المستشفيات في البلاد الإسلامية سواء كانت حكومية، أو أهلية بحاجة إلى الأطباء
стр. 80
الجراحين من المسلمين في مختلف تخصصات الجراحة الطبية وفروعها.
لذلك فإنه يجب على المسلمين أن ينتدبوا الأكفاء الأخيار الذين هم أهل لحمل هذه المسئولية، والأمانة إلى أن تسد حاجتهم، ولا يجوز لهم البقاء على هذه الحالة التي اتكلوا فيها على الأطباء الكفار.
فتبين من هذا كله فرضية تعلم الطب والجراحة على وجه الكفاية، وأن الشريعة الإسلامية لا تمنع من ذلك. ولا عجب في هذا الحكم من الشريعة، وهذه العناية من فقهائها المتمثلة في ندبهم المسلمين إلى تعلم الطب، وتعليمه، وتطبيقه، فهو العلم الذي جعل الله فيه وفي تطبيقه المصالح والمنافع الجليلة، فمع ما فيه من تفريج لكربات المرضى، وتخفيف لآلامهم فيه المصالح الدينية الأخروية التي تعود بالنفع أول ما تعود على الطبيب نفسه، ومن ذلك أن الإنسان أثناء تعلمه للطب وتطبيقه يرى تلك الدلائل العظيمة من بديع خلق الله في الإنسان، وبديع صنعه في تراكيب تلك الأعضاء الموجودة في داخل جسده، حيث جعل الله جل وعلا كل عضو في مكانه الذي لا يصلح فيه غيره، ويشاهد بأم عينيه تراكيب الأشياء، الدقيقة في صنعها، وحركتها، وسكونها، وما تحاط به من رحمة ولطف إلهي تحار فيه العقول، ولولاه لعاش الإنسان في عناء وشقاء لا يعلمه إلا الله وحده.
فهذه الدلائل الشاهدة بوحدانية الله، الناطقة بعظمته، وقدرته
تزيد المؤمن إيمانًا بربه، ومعرفة بأسمائه وصفاته، وإيقانًا بعظمته
وقدرته وحكمته، وفي ذلك استجابة لدعوة الله في كتابه العزيز حيث
يقول جل ذكره: ﴿وَفِي الأرْضِ ءايَاتٌ لِّلمُوقنينَ * وَفِي أنفُسِكُمْ أفَلا
تُبْصِرُونَ﴾ (١).
стр. 81
المبحث الثاني في (الأدلة الشرعية على جواز الجراحة الطبية)
دلت الأدلة الشرعية من الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، على جواز الجراحة الطبية، وأنه لا حرج على المسلم في سعيه لدفع ضرر الأمراض الجراحية بالتداوي بالجراحة، وبيان هذه الأدلة يتضح في الأربعة المطالب التالية:
стр. 82
المطلب الأول في (دليل مشروعية الجراحة الطبية من الكتاب العزيز)
قوله تعالى: ﴿ ... مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا .... ﴾ [المائدة: ٣٢].
وجه الدلالة:
أن الله ﵎ امتدح من سعى في إحياء النفس وإنقاذها من الهلاك (١)، ومعلوم أن الجراحة الطبية تنتظم في كثير من صورها إنقاذ النفس المحرمة من الهلاك المحقق.
فكثير من الأمراض الجراحية التي تستلزم العلاج بالجراحة الطبية
стр. 83
يكون فيها المريض مهددًا بالموت إذا لم يتم إسعافه بالجراحة (١)، فإذا قام الطبيب بفعلها وشفي المريض، فإنه يعتبر منقذًا -بإذن الله تعالى- لتلك النفس المحرمة من الهلاك؛ فيدخل بذلك فيمن امتدحهم الله في هذه الآية الكريمة، وعلى هذا فإنه يشرع له فعلها، والقيام بها.
* * *
стр. 84
المطلب الثاني في (دليل مشروعية الجراحة الطبية من السنة)
دلت السنة المطهرة على جواز الجراحة الطبية ومشروعيتها، ويظهر ذلك من خلال الأحاديث الشريفة التالية:
(١) أحاديث الحجامة ومنها:
أ- حديث عبد الله بن عباس ﵄: "أن النبي ﷺ احتجم في رأسه" (١).
ب- حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه عاد مريضًا ثم قال: "لا أبرحُ حتىّ تحتجمَ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ فيه شفاءً" (٢).
جـ- حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال: "إن أمثْلَ ما تدَاويتم به الحجامةُ، والقسط البحري" (٣).
стр. 85
وجه الدلالة من هذه الأحاديث الشريفة:
أنها نصت على مشروعية التداوي بالحجامة وفعلها، والحجامة تقوم على شق موضع معين من الجسم وشرطه لمص الدم الفاسد واستخراجه.
فتعتبر أصلاً في جواز شق البدن واستخراج الشيء الفاسد من داخله، سواء كان عضوًا، أو كيسًا مائيًا، أو ورمًا، أو غير ذلك (١).
(٢) حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" (٢).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أقر الطبيب على قطعه للعرق وكَوْيه وقطع العروق ضرب من العلاج الجراحي، وهو مستخدم في الجراحة الطبية الحديثة، حيث يتم قطع مواضع من العروق في حال انسدادها أو وجود آفة تستدعي قطع جزء منها (٣).
стр. 86
(٣) حديث الربيع بنت معوذ ﵂ قالت: "كنا مع النبي ﷺ نسقي، ونداوي الجرحى".
وفي رواية: "كنا نغزوا مع النبي ﷺ " (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أقرهن على قيامهن بمداواة الجرحى، فيعتبر الحديث أصلاً في جواز الجراحة العامة وجراحة الحروب من حيث الجملة، لاشتمال هذين النوعين من الجراحة على نفس المهمة في الغالب (٢).
(٤) حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ في قصة جرحه ﵊ يوم أحد وفيه: "وجاءت فاطمة تغسل عن وجهه الدم، فلما رأت فاطمة ﵍ الدم يزيد على الماء كثرة عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله ﷺ فرقأ الدم" (٣).
стр. 87
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أقر فاطمة ﵂ على فعلها المشتمل على إيقاف النزف.
فدل هذا على مشروعية التدخل الجراحي لإيقاف النزيف سواء كان ظاهرًا في جسد الإنسان، كما هو الحال في كثير من صور الجراحة العامة (١)، أو كان في داخل جسم الإنسان، كما هو الحال في بعض جراحة الأوعية الدموية في الصدر (٢) والجهاز الهضمي (٣).
(٥) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، وقص الشارب" (٤).
стр. 88
وجه الدلالة:
أن الختان ضرب من الجراحة الطبية (١)، وقد أقره الشرع وجعله من خصال الفطرة، فدل ذلك على مشروعيته، وجواز العمل الجراحي الطبي في الجملة.
(٦) حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال:
"لكل داء دواء، فإذا أصيب دؤاء الداء برأ بإذن الله " (٢).
(٧) حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء" (٣).
وجه الدلالة:
أن الحديثين الشريفين دلاّ على أنه ما من داء إلا وقد جعل الله له دواء، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يشرع للإنسان أن يستعمل الدواء الذي عرف تأثيره في الداء بالعادة والتجربة وكثير من الأمراض الجراحية يصل فيها المرض إلى درجة لا يمكن علاجه فيها؛ إلا بالجراحة ويحصل الشفاء بإذن الله تعالى للمريض بسبب تلك الجراحة (٤)، فدل
стр. 89
ذلك على مشروعية التداوي والعلاج بها عند الحاجة، وتعتبر داخلة في عموم الحديث.
(٨) حديث أسامة بن شريك ﵁ قال: "أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت، ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم" (١).
وجه الدلالة:
أن هؤلاء الصحابة ﵃ سألوا النبي ﷺ عن التداوي فأجابهم النبي ﷺ بجوازه وندبهم إليه بقوله: "تداووا"، وهذا اللفظ عام، فيشمل التداوي بالعقاقير والجراحة.
* * *
стр. 90
المطلب الثالث في (دليل مشروعية الجراحة الطبية من الإجماع)
من المعلوم أن الجراحة الطبية بهذا الشكل المتطور الذي وصلت إليه الآن لم تكن موجودة عليه في العصور السابقة، وإنما كان الموجود منها نماذج من الجراحة العامة تشتمل على قطع العروق، والحجامة، وبتر الأعضاء.
وهذه النماذج من الجراحة لم ينكرها السلف الصالح ومن بعدهم، بل أجمعوا على جوازها وإباحة فعلها طلبًا لتحصيل المصالح المترتبة عليها.
قال الإمام أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد (الجد) ﵀ (١): "لا اختلاف أعلمه في أن التداوي بما عدا الكي من الحجامة، وقطع العروق، وأخذ الدواء مباح في الشريعة غير محظور" (٢) اهـ.
وقد نص الشيخ أحمد بن زرّوق المالكي (٣) ﵀ على ذلك
стр. 91
أيضًا فقال:
"وأما الفصد والكي فلا خلاف في جوازهما" (١) اهـ.
ومما يؤكد ما سبق من إجماع السلف الصالح على مشروعية التداوي بالجراحة في عصورهم ما تناقلته المصادر التاريخية من حادثة الإمام التابعي الجليل عروة بن الزبير بن العوام رحمه الله تعالى (٢)، والتي رواها أبو نعيم (٣) ﵀ بسنده عن الزهري (٤) قال: "وقعت في رجل عروة الأكلة، قال: فصعدت إلى ساقه، فبعث إليه الوليد (٥)
стр. 92
الأطباء فقالوا: ليس لها دواء إلا القطع، قال: فقطعت، فما تضور وجهه" (١) اهـ.
فهذه الحادثة وقعت لإمام من الأئمة المبرزين المعروفين، واشتهرت في زمانه وما بعده، ومع ذلك فإننا لم نجد أحدًا من أهل العلم ﵏ أنكر على هذا الإمام الجليل فعله، بل نجدهم ينصون في كتبهم على جواز فعل هذه الجراحة الطبية عند الحاجة إليه.
وقد عرف المسلمون في العصور التي ازدهرت فيها البلاد الإسلامية نماذج كثيرة من الجراحة، وكانت تجرى للناس من قبل الأطباء (٢) بل ألف علماء الطب المسلمون كتبهم المشتملة على عدد كبير من الجراحات الطبية (٣)، ومع ذلك فإننا لم نجد من أنكر عليهم ذلك لا في عصرهم ولا فيما بعده من العصور إلى يومنا، ولو وجد ذلك لنقل إلينا لأن الدواعي الموجبة للعناية بنقله متوفرة، ومن أهمها حاجة الناس إلى بيان حكم الشرع في هذه الأمور، وحرصهم على التحذير
стр. 93
منها لو كانت محرمة.
وقد نقل الإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي ﵀ الإجماع على مشروعية التداوي (١)، وهو عام شامل للتداوي بالعقاقير وبالجراحة. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 94
المطلب الرابع في (دليل مشروعية الجراحة الطبية من العقل)
دل العقل على جواز الجراحة الطبية وذلك من الوجوه التالية:
الوجه الأول:
يجوز التداوي بالجراحة كما يجوز التداوي بالعقاقير الطبية، بجامع دفع مفسدة الآلام والأمراض بكل منهما.
الوجه الثاني:
يشرع للمكلف دفع مشقة الأمراض الجراحية بفعل الجراحة اللازمة لعلاجها، كما يشرع له دفع ضرر الصائل والمحارب بالمقاتلة بجامع دفع مشقة الضرر في كل (١).
الوجه الثالث:
أن الشريعة الإسلامية راعت جلب المصالح، ودرء المفاسد (٢)، وفي الجراحة الطبية ما يحقق ذلك فيجوز فعلها طلبًا لتحصيل مقصود الشرع، ومطلوبه (٣).
стр. 95
وبهذه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والعقل يتبين لنا جواز الجراحة الطبية، وأن الشريعة الإسلامية لا تمنع من فعلها ما دامت سبيلاً لإنقاذ الناس من الهلاك، ومشتملة على دفع ضرر الأمراض عنهم، وهذا الموقف من الجراحة الطبية يدل دلالة واضحة على ما اشتملت عليه هذه الشريعة السمحاء من رحمة بالعباد، وأن تشريعاتها تراعي دفع المشقة والضرر عنهم والتخفيف عليهم، كما أشار الحق ﵎ إلى ذلك في قوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرجٍ﴾ (١)، وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢).
فلو تصورنا حال الناس لو حُرّم عليهم العلاج بالجراحة كم سيعاني المرضى من الآلام المبرحة التي تنغص عليهم حياتهم إلى درجة قد يتمنى فيها الواحد منهم الموت لكي ينجو من تلك الآلام والمتاعب.
وكذلك الحال بالنسبة لأهل المريض وذويه، وأصدقائه، فإنهم يجدون من الآلام النفسية ما قد يفوق في بعض الأحيان ألم المريض نفسه، فلو منعوا من معالجة مرضاهم بالجراحة التي هي السبيل لشفائه بإذن الله تعالى، فإنهم سيلاقون من المشقة والحرج ما لا يعلمه إلا الله.
стр. 96
وحكم الشريعة الإسلامية بجواز الجراحة الطبية في الجملة فيه معونة للأطباء على تحقيق هدفهم المنشود وهو تخفيف آلام الإنسانية، وذلك ليس بغريب على هذه الشريعة السامية التي جاءت بطب الأرواح والأبدان (١)، كما أن فيه تشجيعاً لهم على تعلم الجراحة وتطبيقها والإبداع فيها بابتكار الطرق السهلة النافعة، لأن الطبيب المسلم متى وجد شريعته تبيح له تعلم الجراحة وتطبيقها دعاه ذلك إلى البحث عن أسهل الطرق وأفضل الوسائل طلبًا لمرضاة الله في تخفيف آلام إخوانه المسلمين وتفريج كرباتهم.
شبهة وجوابها:
لو قال قائل: إن الشريعة الإسلامية تقدم درء المفاسد على جلب المصالح في الاعتبار كما هو معلوم من قواعدها (٢).
والجراحة الطبية تشتمل على مفاسد عديدة منها: تعذيب المرضى
стр. 97
بالآلام المبرحة وتشويه الخلقة بقطع الأيدي والأرجل، فوجب حينئذ عدم الالتفات للمصالح المترتبة على فعلها تقديمًا لهذه المفاسد في الاعتبار ومن ثم لا يجوز فعلها شرعًا.
فالجواب: أنه تعارضت عندنا مفسدتان:
إحداهما: مفسدة المرض الجراحي وآلامه، وهي مترتبة على ترك المريض دون علاجه بالجراحة اللازمة.
الثانية: مفسدة الآلام المترتبة على فعل الجراحة.
فوجب حينئذ النظر في كلتا المفسدتين، وتقديم أعظمهما ضرراً على أخفهما إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (١).
فوجدنا أن مفسدة المرض الجراحي وآلامه مفسدة متعدية باقية، فهي متعدية نظرًا لأن الأمراض الجراحية تزداد وتتضاعف إلى أن تنتهي بالمريض إلى الموت في الغالب، وباقية لأن الألم لا يزول إلا بزوال المرض المسبب له وهو باق في حالة عدم علاجه بالجراحة اللازمة.
ثم وجدنا مفسدة الآلام المترتبة على الجراحة مؤقتة تزول بعد فترة معينة قد لا تصل في بعض الأحوال إلى اليوم، واليومين، كما أن الكثير منها أمكن تخفيفه في العصر الحاضر بسبب تقدم الوسائل الطبية وطرق العلاج، فهي إذًا أخف من مفسدة الأمراض الجراحية وآلامها، فوجب حينئذ تقديم مفسدة الأمراض عليها، وعدم الالتفات إلى ما ينشأ عن
стр. 98
ذلك التقديم ويترتب عليه من الآلام الزائلة.
ثم إن مفسدة الآلام المعترض بها غير مقصودة من قبل الطبيب الجراح، وإنما المقصود حصول المصالح المترتبة على فعل الجراحة فسقط اعتبار تلك المفسدة لأنه لم يتمحض قصدها، وإنما جاءت على سبيل اللزوم.
قال الإمام الشاطبي (١) ﵀: "لا يمنع قصد الطبيب لسقي الدواء المر، وقطع الأعضاء المتآكلة، وقلع الأضراس الوجعة وبط الجراحات، وأن يحمي المريض ما يشتهيه، وإن كان يلزم منه إذاية المريض، لأن المقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة من مفسدة الإيذاء التي هي بطريق اللزوم، وهذا شأن الشريعة أبدًا" (٢) اهـ.
فتبين من هذا كله عدم تأثير هذه المفاسد، نظرًا للمصالح العظيمة المترتبة على فعل موجبها ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 99
المبحث الثالث في (شروط جواز الجراحة الطبية)
تتضمن الجراحة الطبية في غالب صورها كثيرًا من المخاطر، والأضرار التي قد تفضي بالمريض إلى الهلاك والموت المحقق، أو تؤدي إلى تلف عضو أو أعضاء من جسده.
لذا فإن الحكم بجوازها في الشريعة الإسلامية مقيد بشروط لابد من توفرها.
وهذا من حكمة الشرع حيث راعى سد حاجة الناس، ودفع الضرر عنهم شريطة ألا يتوسع في ذلك إلى مقام الإفساد، والعبث بأرواح الناس، وأجسادهم، لأن الضرر لا يُزال بالضرر (١).
فالشريعة الإسلامية لم تمنع العمل الجراحي مطلقاً، ولم تبحه مطلقًا، ولكنها وضعت المنع في موضعه، والإباحة في موضعها، فأعطت كل شيء حقه وقدره.
فإذا كانت الجراحة الطبية مستوفية للشروط المعتبرة في الشريعة الإسلامية حكمت بجوازها، لأنها في هذه الحالة تحقق الهدف المنشود من حصول مصلحة الشفاء بإذن الله تعالى.
وأما إذا كانت على عكس ذلك مثل أن يغلب على ظن أهل الخبرة هلاك المريض بسببها، فإن الشريعة حينئذ تحكم بحرمة فعلها،
стр. 100
والإقدام عليها، لغلبة الظن بحصول الضرر المترتب عليها، وانتفاء المصلحة المقصودة منها.
وعلى هذا فإنه ليس المقصود من الشروط التي اعتبرتها الشريعة الإسلامية لجواز الجراحة الطبية التضييق على العباد، أو الحد من العلم الجراحي ومحاربته كما قد يتبادر إلى ضعاف الإيمان، وإنما المقصود منها تحقيق الهدف المنشود من الجراحة، وحفظ أرواح الناس وصيانة أبدانهم من الأيدي العابثة التي تهلك. الحرث والنسل.
وهذه الشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية أشار فقهاء الإسلام ﵏ إليها في كتبهم، وهي مستقاة من أصول الشرع وقواعده، وتنحصر في الشروط الثمانية التالية:
الشرط الأول: أن تكون الجراحة مشروعة.
الشرط الثاني: أن يكون المريض محتاجًا إليها.
الشرط الثالث: أن يأذن المريض بفعلها.
الشرط الرابع: أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح ومساعديه.
الشرط الخامس: أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة.
الشرط السادس: ألا يوجد البديل الذي هو أخف ضررًا منها.
الشرط السابع: أن تترتب المصلحة على فعل الجراحة.
الشرط الثامن: أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض.
وبيان هذه الشروط يتضح في المطالب الثمانية التالية:
стр. 101
المطلب الأول أن (تكون الجراحة مشروعة)
يعتبر إذن الشارع بفعل الجراحة أهم الشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية (١) فلا يجوز للمريض أن يطلب فعل جراحة ولا للطبيب أن يجيبه إلا بعد أن تكون تلك الجراحة المطلوبة مأذونًا بفعلها شرعًا.
ذلك أن جسد الإنسان إنما هو ملك لله تعالى، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية (٢)، ومن ثم فإنه لا يجوز لذلك الإنسان أن يأذن بالتصرف فيه، أو يقوم غيره بفعل ذلك التصرف إلا بعد أن يأذن المالك الحقيقي بفعل ذلك الشيء المأذون به.
والجراحة الطبية تشتمل على أنواع مختلفة، منها ما يتفق مع الشرع، وشهدت النصوص بجوازه واعتبار مقاصده وغاياته، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فما شهدت نصوص الشرع وقواعده بجواز فعله من تلك الأنواع يعتبر من جنس ما أذن الشرع بفعله، وما لم تشهد بجواز فعله منها يعتبر من جنس ما لم يأذن الشرع بفعله، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الباب الثاني بيان هذه الأنواع وتفصيل القول فيها.
стр. 102
المطلب الثاني أن يكون المريض محتاجًا إلى الجراحة
مما يشترط لجواز الجراحة الطبية أن يكون المريض محتاجاً إليها، سواء كانت حاجته إليها ضرورية بأن خاف على نفسه الهلاك، أو تلف عضو أو أعضاء من جسده، أو كانت حاجته دون ذلك بأن بلغت مقام الحاجيات التي يلحقه فيها الضرر بسبب آلام الأمراض الجراحية ومتاعبها.
وهذا الشرط مبني على أن الأصل حرمة فعل الجرح بدون موجب شرعي، فإذا بلغ الإنسان بسبب الأمراض الجراحية مقام الاضطرار، والحاجة فإن الشرع يأذن له حينئذ بفعلها دفعًا لذلك الضرر، وتلك المشقة التي يعانيها.
وقد أشار بعض الفقهاء المتقدمين ﵏ إلى اعتبار هذا الشرط، وأن وجوده يعتبر بمثابة الإذن الشرعي بفعل الجراحة الطبية، يقول الشيخ موسى الحجاوي (١) ﵀: "ويصح استئجاره لحلق شعر، وتقصيره ولختان، وقطع شيء من جسده للحاجة إليه، ومع عدمها يحرم، ولا يصح" (٢) اهـ.
стр. 103
فقد نص ﵀ على صحة عقد الإجارة على فعل الجراحة إذا توفر شرط جوازها وهو "وجود الحاجة إليها"، كما نص على حرمة فعلها في حال عدم توفر ذلك الشرط وذلك بقوله: "ومع عدمها يحرم" أي يحرم القطع عند عدم وجود الحاجة (١).
وفي هذا دليل على اعتبار شرط "وجود الحاجة" ولزومه للحكم بجواز فعل الجراحة، بل نجد الفقهاء ﵏ يؤكدون هذا المعنى حينما يقولون بفسخ عقد الإجارة على فعل الجراحة إذا زالت الحاجة الداعية إليها ببرء المريض وشفائه من علته.
ففي الفتاوى الهندية ما نصه: "لو استأجر إنسانًا لقطع يده عند وقوع الآكلة، أو لقلع السن عند الوجع، فبرأت الآكلة وزال الوجع تنتقض الإجارة، لأنه لا يمكن الجري على موجب العقد شرعًا" (٢) اهـ.
فقد نص ﵀ على انتقاض عقد الإجارة وانفساخه بسبب زوال الحاجة وقوله: "لأنه لا يمكن الجري على موجب العقد شرعًا" فيه تصريح بعلة الحكم وهي أنه امتنع إمضاء العقد على وجه معتبر شرعًا، وذلك لأن فعل الجراحة بعد زوال العلة الموجبة لها يعتبر ضررًا محضًا، وعند وجود العلة الموجبة لها، يعتبر مصلحة، والشرع إنما يجيز ما كان متضمنًا للمصلحة والنفع، لا ما كان متضمنًا للمفسدة والضرر المحض (٣).
стр. 104
وهذا الحكم (١) متفق عليه عند جماهير الفقهاء من الحنفية (٢)، والمالكية (٣) والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) ﵏.
وهو كما يدلنا على اعتبارهم لشرط الحاجة، فإنه يدلنا على أمر آخر يتعلق بهذا الشرط وهو أن اعتباره ليس موقوفًا على حال العقد فحسب، بل إنه يسري إلى وقت مباشرة فعل الجراحة، فإذا شخَّص الطبيب المرض وخلص إلى لزوم الجراحة، وحكمنا له وللمريض بجواز فعلها، والإذن بها، ثم زال ذلك المرض قبل مباشرة الطبيب لفعل الجراحة، فإنه حينئذ لا نقول ببقاء الحكم بجوازها بناء على تحقق الشرط المعتبر في الحالة الأولى، بل نحكم بالرجوع إلى الأصل الموجب لحرمة فعل الجراحة نظرًا لتخلف الشرط عند حال المباشرة للفعل.
ومن أمثلة ذلك ما يجري في الجراحة العصبية حيث يشتكي المريض من ألم شديد في موضع معين من جسده، وبعد الفحوصات اللازمة يقرر الأطباء المختصون بأنه لا سبيل لزوال ذلك الألم الشديد إلا بقطع العصب الموصل للإشارات الحسية من المنطقة التي يشتكي منها
стр. 105
إلى الدماغ حتى يزول الإحساس بذلك الألم (١)، وقبل مباشرة الطبيب للجراحة يزول ذلك الألم ويرتاح المريض، ففي هذه الحالة وأمثالها لا يعتبر تحقق الشرط في حال الألم موجبًا لسريان الحكم المترتب عليه إلى حالة أخرى تخلف فيها ذلك الشرط، وانتفى وجوده.
فالجراحة في الأصل إنما شرعت بسبب وجود الحاجة فإذا انتفت قبل المباشرة رجعت الجراحة إلى حكم الأصل الموجب لعدم جوازها للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما جاز لعذر بطل بزواله" (٢).
* * *
стр. 106
المطلب الثالث أن يأذن المريض أو وليه بفعل الجراحة
مما يشترط لجواز فعل الجراحه الطبية أن يأذن المريض بفعلها إذا توفرت فيه أهلية الإذن (١).
وأما إذا لم يكن أهلاً فإنه يعتبر إذن وليه كأبيه مثلاً.
وعلى هذا فإنه لا يجوز للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة الطبية للمريض إذا لم يوافق عليها، وقد أشار الإمام ابن قدامة (٢) ﵀ إلى اعتبار إذن المريض، أو وليه وذلك بقوله: "وإن ختن صبيًا بغير إذن وليه، أو قطع سلعة من إنسان بغير إذن أو من صبي بغير إذن وليه فسرت جنايته ضمن، لأنه قطع غير مأذون فيه.
وإن فعل ذلك الحاكم، أو من له ولاية عليه، أو فعله من أذنا له لم يضمن لأنه مأذون فيه شرعًا" (٣) اهـ.
فأشار ﵀ إلى اعتبار إذن المريض في قوله: "أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه"، وأشار إلى إذن الولي الخاص بقوله: "وإن
стр. 107
ختن صبيًا بغير إذن وليه" ... أو من صبي بغير إذن وليه، وأشار إلى اعتبار إذن الحاكم وهو الولي العام بقوله: "وإن فعل ذلك الحاكم ... ". ثم أوجب الضمان في سراية القطع إذا وقع بدون إذنهم كل بحسب ولايته، وعلل إيجاب الضمان بكونه قطعًا غير مأذون فيه فنزّله منزلة القطع المبتدأ على وجه الجناية.
وأسقط ذلك الضمان في حال توفر الإذن وعلل ذلك بكونه قطعًا مأذونًا فيه شرعًا، وهذا يدل دلالة واضحة على اعتبار شرط الإذن بفعل الجراحة لازمًا لكي يحكم بجوازها.
ومما يدل على اعتبار الفقهاء ﵏ لهذا الشرط ما نصوا عليه من أن الطبيب لا يجوز له أن يجبر المريض إذا استأجره لقلع ضرسه أو سنه الوجعة، ثم امتنع المريض من تمكينه من فعل الجراحة مع وجود الألم، قال الخطيب الشربيني (١) ﵀: " ... فإن لم تبرأ (٢)، ومنعه من قلعها لم يجبر عليه" (٣) اهـ.
فحكمهم بعدم إجبار المريض على فعل الجراحة مع وجود السبب الموجب لفعلها وهو الألم، فيه دليل واضح على أنه ليس من حق
стр. 108
الطبيب الجراح أن يقدم على فعل الجراحة بالمريض إلا بعد موافقته على فعلها باختياره وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان أهلية الشخص الآذن، والشروط المعتبرة لصحة الإذن، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بإذن المريض في الفصل الأول من الباب الثالث عند الكلام على أحكام المراحل الممهدة للجراحة (١).
* * *
стр. 109
المطلب الرابع أن تتوفر الأهلية في الطبيب الجراح ومساعدية
يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية أن يكون الطبيب الجراح أهلاً (١) للقيام بها، وأدائها على الوجه المطلوب، ويتحقق هذا الشرط بوجود أمرين:
الأول: أن يكون ذا علم، وبصيرة بالمهمة الجراحية المطلوبة.
الثاني: أن يكون قادرًا على تطبيقها، وأدائها على الوجه المطلوب.
فأما علمه وبصيرته بالعمل الجراحي المطلوب فإنه أمر لابد منه لأن الجاهل بالجراحة لا يحل له أن يباشر فعلها لما في ذلك من تعريض حياة المريض للهلاك فيعتبر فعله على هذا الوجه محرمًا شرعًا.
قال الإمام ابن قدامة ﵀ عند بيانه لمسألة تضمين الأطباء:
" ... وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به لم يضمنوا بشرطين:
أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم، ولهم بها بصارة
стр. 110
ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا قطع مع هذا كان فعله محرمًا فيضمن سرايته كالقطع ابتداء ... " (١) اهـ.
فنص ﵀ على اشتراط البصيرة والمعرفة في الطبيب الجراح، وأنه إذا لم تكن متوفرة فيه فإن فعله يعتبر محرمًا شرعًا وإنه يأخذ حكم القطع على وجه الجناية، فيجب عليه ضمان سرايته.
وقال الشيخ برهان الدين إبراهيم بن مفلح (٢) ﵀ في معرض بيانه لمسألة تضمين الطبيب: " .. واقتضى ذلك أنهم إذا لم يكن لهم حذق في الصنعة أنهم يضمنون، لأنه لا تحل لهم مباشرة القطع، فإذا قطع فقد فعل محرمًا، فيضمن سرايته" (٣) اهـ.
فأكد ﵀ ما تقدم من اعتبار شرط العلم والمعرفة، والحكم بإثم الفاعل للجراحة التي يجهلها.
كما أكد اعتبار شرط العلم للحكم بجواز فعل الجراحة الشيخ أحمد بن زرّوق ﵀ بقوله: "وأما الفصد، والكي، فلا خلاف في جوازهما بشرط معرفة الفاعل" (٤) اهـ.
ومن هذا يتبين لنا أنه لا يجوز للطبيب أن يقدم على فعل الجراحة