← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويعطى له الثمن في مقابل ذلك، ويجري العقد بين الطرفين على صورة الإجارة الشرعية والله تعالى أعلم. تنبيه: التشريح لتعلم الجراحة هو النوع الوحيد الذي يتعلق بموضوع بحثنا، وهناك نوع آخر من التشريح وهو التشريح الجنائي، والتشريح لمعرفة أسباب الوفاة خشية أن تكون أمراضًا وبائية، وهذان النوعان صدرت فيهما الفتوى من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بجوازهما (١). * * *

стр. 177

المبحث السادس في (جراحة التجميل الحاجية) عرف الأطباء المختصون جراحة التجميل بأنها: "جراحة تجري لتحسين منظر جزء من أجزاء الجسم الظاهرة، أو وظيفته إذا ما طرأ عليه نقص، أو تلف، أو تشوه" (١). وهي تنقسم عندهم إلى نوعين: الأول: اختياري، وسيأتي بيانه والكلام على حكمه في الشرع، وذلك بمشيئة الله تعالى في المبحث الأول من الفصل الثاني في هذا الباب. الثاني: ضروري، وهو المراد بهذا المبحث، ويصفه الأطباء بكونه ضروريًا لمكان الحاجة الداعية إلى فعله، إلا أنهم لا يفرقون فيها بين الحاجة التي بلغت مقام الاضطرار (الضرورة) والحاجة التي لم تبلغه (الحاجية) كما هو مصطلح الفقهاء ﵏ (٢). وهذا النوع المحتاج إلى فعله يشتمل على عدد من الجراحات التي يقصد منها إزالة العيب سواء كان في صورة نقص، أو تلف، أو تشوه، فهو ضروري، أو حاجي بالنسبة لدواعية الموجبة لفعله، وتجميلي

стр. 178

بالنسبة لآثاره ونتائجه. وإذا نظرنا إلى العيوب التي توجد في الجسم فإننا نجدها على قسمين. القسم الأول: عيوب خلقية: وهي عيوب ناشئة في الجسم من سبب فيه لا من سبب خارج عنه، فيشمل ذلك ضربين من العيوب وهما: الضرب الأول: العيوب الخلقية التي ولد بها الإنسان. الضرب الثاني: العيوب الناشئة من الآفات المرضية التي تصيب الجسم. فمن أمثلة الضرب الأول العيوب التالية: (١) الشق في الشفة العليا "الشفة المفلوجة" (١). (٢) التصاق أصابع اليدين، والرجلين (٢). (٣) انسداد فتحة الشرج (٣). (٤) شذوذ الحويضة الخلقي ومن أهمها (ازدواج حويضة الكلية) (٤).

стр. 179

(٥) شذوذ الحالب الخلقي (الازدواج الحالبي، ارتكاز الحالب الهاجر، الحالب خلف الوريد الأجوف، الحالب العرطل الخلقي، القيلة الحالبية) (١). ومن أمثلة الضرب الثاني العيوب التالية: (١) انحسار اللثة بسبب الالتهابات المختلفة (٢). (٢) أورام الحويضة والحالب السليمة (٣). (٣) عيوب صيوان الأذن الناشئة عن الزهري والجذام، والسل (٤). القسم الثاني: عيوب مكتسبة "طارئة ": وهي العيوب الناشئة بسبب من خارج الجسم كما في العيوب والتشوهات الناشئة من الحوادث والحروق. ومن أمثلتها ما يلي: (١) كسور الوجه الشديدة التي تقع بسبب حوادث السير (٥). (٢) تشوه الجلد بسبب الحروق (٦).

стр. 180

(٣) تشوه الجلد بسبب الآلات القاطعة (١). (٤) التصاق أصابع الكف بسبب الحروق (٢). وهذا النوع من الجراحة الطبية وإن كان مسماه يدل على تعلقه بالتحسين والتجميل إلا أنه توفرت فيه الدوافع الموجبة للترخيص بفعله. فمما لا شك فيه أن هذه العيوب يستضر الإنسان بها حساً، ومعنى، وذلك ثابت طبياً، ومن ثم فإنه يشرع التوسيع على المصابين بهذه العيوب بالإذن لهم في إزالتها بالجراحة اللازمة، وذلك لما يأتي: أولاً: أن هذه العيوب تشتمل على ضرر حسي، ومعنوي، وهو موجب للترخيص بفعل الجراحة لأنه يعتبر حاجة، فتنزل منزلة الضرورة ويرخص بفعلها إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٣). ثانيًا: يجوز فعل هذا النوع من الجراحة كما يجوز فعل غيره من أنواع الجراحة المشروعة المتقدمة بجامع وجود الحاجة في كل. فالجراحة العلاجية مثلاً وجدت فيها الحاجة المشتملة على ضرر الألم وهو ضرر حسي، وهذا النوع من الجراحة في كثير من صوره يشتمل على الضرر الحسي والمعنوي.

стр. 181

ولا يشكل على القول بجواز فعل هذا النوع من الجراحة، ما ثبت في النصوص الشرعية من تحريم تغيير خلقة الله تعالى وما سيأتي من الحكم بتحريم الجراحة التجميلية التحسينية وذلك لما يأتي: أولأ: أن هذا النوع من الجراحة وجدت فيه الحاجة الموجبة للتغيير، فأوجبت استثناءه من النصوص الموجبة للتحريم. قال الإمام النووي ﵀ في شرحه لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ في لعن النبي ﷺ للواشمات والمستوشمات "وأما قوله: "المتفلجات للحسن" فمعناه يفعلن ذلك طلبًا للحسن، وفيه إشارة إلى أن الحرام هو المفعول لطلب الحسن، أما لو احتاجت إليه لعلاج أو عيب في السن ونحوه فلا بأس" (١) اهـ. فبين ﵀ أن المحرم ما كان المقصود منه التجميل والزيادة في الحسن، وأما ما وجدت فيه الحاجة الداعية إلى فعله فإنه لا يشمله النهي والتحريم. وهذا النوع من الجراحة وجدت فيه الحاجة كما تقدم، لأن هذه العيوب منها ما يشتمل على بعض الآلام كتشوهات الحالب، وأورامه، وأورام الحويضة، وكسور الوجه، ومنها ما يشتمل على ما هو في حكم الألم من تأذي المصاب به من فوات مصلحة العضو، كما في الأصابع الملتصقة، وانسداد فتحة الشرج، والشق الموجود في الشفة، فكل هذه أضرار موجبة للترخيص واستثناء الجراحة المتعلقة بها من عموم النهي عن تغيير الخلقة.

стр. 182

ثانيًا: أن هذا النوع لا يشتمل على تغيير الخلقة قصدًا، لأن الأصل فيه أنه يقصد منه إزالة الضرر والتجميل والحسن جاء تبعًا. ثالثًا: أن إزالة التشوهات والعيوب الطارئة لا يمكن أن يصدق عليه أنه تغيير لخلقة الله، وذلك لأن خلقة العضو هي المقصودة من فعل الجراحة وليس المقصود إزالتها. رابعًا: أن إزالة تشوهات الحروق والحوادث يعتبر مندرجًا تحت الأصل الموجب لجواز معالجتها فالشخص مثلاً إذا احترق ظهره أذن له في العلاج والتداوي، وذلك بإزالة الضرر وأثره لأنه لم يرد نص يستثني الأثر من الحكم الموجب لجواز مداواة تلك الحروق فيستصحب حكمه إلى الآثار، ويؤذن له بإزالتها. وبناء على ما سبق فإنه لا حرج على الطبيب ولا على المريض في فعل هذا النوع من الجراحة، والإذن به، ويعتبر جواز إزالة العيوب الخلقية في هذا النوع مبنيًا على وجود الحاجة الداعية إلى فعله، وأما العيوب الحادثة بسبب الحروق والحوادث ونحوها فإنه تجوز إزالتها بدون ذلك الشرط اعتبارًا للأصل الموجب لجواز مداواة نفس الحرق، والجرح .. والله تعالى أعلم. فهذه هي مجمل الجراحات التي أذنت الشريعة الإسلامية بفعلها نظرًا لما تشتمل عليه من تحصيل المصالح المحمودة، ودفع المضار الموجودة في جسم الإنسان، والمفاسد المترتبة عليها. والجواز فيها مبني على وجود الحاجة الداعية إلى فعلها، وهي إما أن تبلغ مقام الضروريات كما في الجراحة العلاجية الضرورية،

стр. 183

وجراحة الولادة الضرورية. وإما أن تبلغ مقام الحاجيات كما في الجراحة العلاجية الحاجية، وجراحة الولادة الحاجية، وجراحة التشريح لغرض تعليم الطب، وجراحة الكشف والفحص الطبي، وجراحة التجميل الحاجية. أو تكون دونهما كما في الجراحة العلاجية الصغرى. وقد يكون جوازها مبنيًا على ورود الإذن الخاص من الشرع بفعلها كما في جراحة الختان .. والله أعلم. * * *

стр. 184

الفصل الثاني في (الجراحة المحرمة)

стр. 185

" تمهيد " وهذا النوع من الجراحة الطبية لم تتوفر فيه الدواعي المعتبرة شرعًا للترخيص بفعله، وتعتبر مقاصده من جنس المقاصد المحرمة شرعًا، كالعبث بالخلقة وتغييرها طلبًا للجمال والحسن، كما هو الحال في جراحة التجميل التحسينية، وكتغيير الأعضاء التناسلية عند الرجل والمرأة كما هو الحال في جراحة تغيير الجنس، وكاستئصال الأعضاء وأجزائها على وجه الوقاية الموهومة كما هو الحال في الجراحة الوقائية. فهذه الأنواع من الجراحة دلت نصوص الشرع على حرمتها وكذلك شهدت قواعده بعدم جوازها. وبيان ذلك كله في هذا الفصل سيكون في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في جراحة التجميل التحسينية. المبحث الثاني: في جراحة تغيير الجنس. المبحث الثالث: في الجراحة الوقائية. وبيان هذه المباحث فيما يلي:

стр. 186

المبحث الأول في (جراحة التجميل التحسينية) وهي: جراحة تحسين المظهر، وتجديد الشباب (١). والمراد بتحسين المظهر تحقيق الشكل الأفضل، والصورة الأجمل، دون وجود دوافع ضرورية أو حاجية تستلزم فعل الجراحة. وأما تجديد الشباب فالمراد به إزالة الشيخوخة، فيبدو المسن بعدها وكأنه في عهد الصبا، وعنفوان الشباب في شكله وصورته (٢). والعمليات المتعلقة بهذه الجراحة تنقسم إلى نوعين: النوع الأول: عمليات الشكل. النوع الثاني: عمليات التشبيب (٣). فأما النوع الأول: فمن أشهر صوره ما يلي: (١) تجميل الأنف بتصغيره، وتغيير شكله من حيث العرض والارتفاع. (٢) تجميل الذقن، وذلك بتصغير عظمها إن كان كبيرًا، أو

стр. 187

تكبيره بوضع ذقن صناعية تلحم بعضلات، وأنسجة الحنك. (٣) تجميل الثديين بتصغيرهما إذا كانا كبيرين، أو تكبيرهما بحقن مادة معينة مباشرة في تجويف الثديين (١)، أو بحقن الهرمونات الجنسية، أو بإدخال النهد الصناعي داخل جوف الثدي بواسطة فتحة في الطية الموجودة تحت الثدي. (٤) تجميل الأذن بردها إلى الوراء إن كانت متقدمة. (٥) تجميل البطن بشد جلدتها وإزالة القسم الزائد بسحبه من تحت الجلد جراحيًا (٢). وأما النوع الثاني: فإنه يجري لكبار السن، ويقصد منه إزالة آثار الكبر والشيخوخة، ومن أشهر صوره ما يلي: (١) تجميل الوجه بشد تجاعيده، سواء برفع جزء منه، أو برفع جزء منه ومن الرقبة وهو ما يسمى بالرفع الكامل. ْوكذلك تجميله بعملية القشر الكيماوي. (٢) تجميل الأرداف، وذلك بإزالة المواد الشحمية في المنطقة الخلفية العليا، أو المنطقة الجانبية من الأرداف ثم تشد جلدتها، ويهذب حجمها بحسب الصورة المطلوبة.

стр. 188

(٣) تجميل الساعد، وذلك بإزالة القسم الأدنى من الجلد والشحم. (٤) تجميل اليدين، ويسمى في عرف الأطباء "بتجديد شباب اليدين"، وذلك بشد التجاعيد الموجودة في أيدي المسنين والتي تشوه جمالها. (٥) تجميل الحواجب، وذلك بسحب المادة الموجبة لانتفاخها، نظرًا لكبر السن وتقدم العمر (١). فهذه هي مجمل صور الجراحة التجميلية كما بينتها الكتب المختصة بجراحة التجميل. موقف الشريعة الإسلامية من هذه الجراحة: وهذا النوع من الجراحة لا يشتمل على دوافع ضرورية، ولا حاجية، بل غاية ما فيه تغيير خلقة الله تعالى، والعبث بها حسب أهواء الناس، وشهواتهم، فهو غير مشروع، ولا يجوز فعله، وذلك لما يأتي: أولاً: لقوله تعالى -حكاية عن إبليس لعنه الله-: ﴿ ... وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغِّيرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ .. ﴾ (٢).

стр. 189

وجه الدلالة: أن هذه الآية الكريمة واردة في سياق الذم، وبيان المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم، ومنها تغيير خلقة الله. وجراحة التجميل التحسينية تشتمل على تغيير خلقة الله والعبث فيها حسب الأهواء والرغبات، فهي داخلة في المذموم شرعًا، وتعتبر من جنس المحرمات التي يسول الشيطان فعلها للعصاة من بني آدم (١). ثانيًا: لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات للحسن اللآتي يغيرن خلق الله" (٢). وجه الدلالة: أن الحديث دل على لعن من فعل هذه الأشياء، وعلل ذلك بتغيير الخلقة، وفي رواية: "والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" (٣)،

стр. 190

فجمع بين تغيير الخلقة وطلب الحسن، وهذان المعنيان موجودان في الجراحة التجميلية التحسينية، لأنها تغيير للخلقة بقصد الزيادة في الحسن، فتعتبر داخلة في هذا الوعيد الشديد ولا يجوز فعلها. ثالثًا: لا تجوز جراحة التجميل التحسينية كما لا يجوز الوشم، والوشر، والنمص، بجامع تغيير الخلقة في كل طلبًا للحسن والجمال. رابعًا: أن هذه الجراحة تتضمن في عدد من صورها الغش والتدليس وهو محرم شرعًا (١)، ففيها إعادة صورة الشباب للكهل والمسن في وجهه وجسده، وذلك مفض للوقوع في المحظور من غش الأزواج من قبل النساء اللاتي يفعلن ذلك، وغش الزوجات من قبل الرجال الذين يفعلون ذلك. خامسًا: أن هذه الجراحة لا يتم فعلها إلا بارتكاب بعض المحظورات وفعلها، ومن تلك المحظورات التخدير، إذ لا يمكن فعل شيء من المهمات التي سبق ذكرها إلا بعد تخدير المريض تخديرًا عامًا أو موضعيًا (٢). ومعلوم أن التخدير في الأصل محرم شرعاً، وفعله في هذا النوع من الجراحة لم يأذن به الشرع لفقد الأسباب الموجبة للترخيص والإذن

стр. 191

به (١)، وعليه فإنه يعتبر باق على الأصل الموجب لحرمة استعماله. ومن تلك المحظورات -أيضًا- قيام الرجال بمهمة الجراحة للنساء الأجنبيات والعكس، وحينئذ ترتكب محظورات عديدة كاللمس، والنظر للعورة، والخلوة بالأجنبية، وإذا قام بفعلها الرجال لأمثالهم والنساء لأمثالهن فإنه يحصل كشف العورة في بعضها كما في جراحة تجميل الأرداف. وهذه المحظورات لم يثبت الترخيص فيها من قبل الشرع في هذا النوع من الجراحة لانتفاء الأسباب الموجبة للترخيص فأصبحت باقية على أصلها من الحرمة، فلا يجوز فعل الجراحة التحسينية الموجبة للوقوع فيها. سادسًا: أن هذه الجراحة لا تخلو من الأضرار والمضاعفات التي تنشأ عنها ففي جراحة تجميل الثديين بتكبيرهما عن طريق حقن مادة السلكون أو الهرمونات الجنسية يؤدي ذلك إلى حدوث أخطار كثيرة إضافة إلى قلة نجاحها (٢). ونظرًا لخطورتها يقول بعض الأطباء المختصين (٣): "هناك اتجاه علمي بأن مضاعفات إجراء هذه العملية كثيرة لدرجة أن إجراءها لا ينصح به" (٤) اهـ.

стр. 192

وكذلك جراحة تجميل الوجه التحسينية (الاختيارية) فإنها لا تسلم من العواقب الغير محمودة، ولذلك ورد في الموسوعة الطبية الحديثة ما نصه: " .. ولكنها تكون اختيارية (١) حين تجرى لمجرد تغيير ملامح بالوجه لا يرضى عنها صاحبها". وفي هذه الحالة يجب إمعان التفكير قبل إجرائها واستشارة أخصائي ماهر يقدر مدى التحسن المنشود، فكثيرًا ما تنتهي هذه العمليات إلى عقبى غير محمودة" (٢) اهـ. وإضافة إلى ما سبق فإن نجاح هذه الجراحة بعد فعلها يستلزم تغطية المواضع التي تم تجميلها بلفاف طبي قد يستمر أيامًا، ويمتنع بذلك غسل المواضع المذكورة في فريضة الوضوء والغسل الواجب. فعلى سبيل المثال جراحة تجميل الذقن فإنها تستلزم عصب الذقن الصناعية لمدة أسبوع بلفاف طبي لكي تلتحم بالحنك (٣). وبناء على ما سبق من الأدلة النقلية والعقلية، ونظرًا لما يتضمنه هذا النوع من الجراحة من العبث بخلق الله من دون وجود ضرورة أو حاجة داعية إلى ذلك فإنه يحرم فعله والإقدام عليه من قبل الطبيب الجراح والشخص الطالب، وتعتبر الدوافع التي يعتذر بها من يفعله من كون الشخص يتألم نفسيًا بسبب عدم تلبية رغبته بفعل هذا النوع من الجراحة غير كافية في الترخيص له بفعله.

стр. 193

وتعتذر طائفة من هذا الصنف بعدم بلوغهم لأهدافهم المنشودة في الحياة بسبب عدم اكتمال جمالهم (١). والحق أن علاج هذه الأوهام والوساوس إنما هو بغرس الإيمان في القلوب، وزرع الرضا عن الله تعالى فيما قسمه من الجمال والصورة، والمظاهر ليست هي الوسيلة لبلوغ الأهداف والغايات النبيلة، وإنما يدرك ذلك بتوفيق الله تعالى ثم بالتزام شرعه والتخلق بالآداب ومكارم الأخلاق. ومن أجل ذلك يرى الأطباء أن المشكلة عند هذا الصنف من الناس ليست متوقفة على تحسين مظهره بل إنها أعمق بكثير من ذلك، وكان من الخير في نظرهم من الناحية الطبية ترك الإغراق في هذا النوع من الجراحة، وأنه لا يعتبر محققًا للنتائج المرجوة (٢). * * *

стр. 194

المبحث الثاني في (جراحة تغيير الجنس) والمراد بها: الجراحة التي يتم بها تحويل الذكر إلى أنثى والعكس. ففي الحالة الأولى -أي تحويل الذكر إلى أنثى- يجري استئصال عضو الرجل -الذكر- وخصيتيه، ثم يقوم الأطباء ببناء مهبل، وتكبير الثديين. وفي الحالة الثانية -أي تحويل الأنثى إلى ذكر- يجري استئصال الثديين، وإلغاء القناة التناسلية الأنثوية، وبناء عضو الرجل -الذكر-. وفي كلتا الحالتين يخضع الشخص الذي تجرى له الجراحة إلى علاج نفسي وهرموني معين. وقد انتشر هذا النوع من الجراحة في السنوات الأخيرة في بلدان الغرب الكافرة وتتلخص دوافعه في أن هؤلاء المرضى -كما يقال- يشعرون بكراهية الجنس الذي ولدوا عليه نتيجة لعوامل مختلفة، قد يعود أغلبها -كما يقول بعض الأطباء- إلى فترات مبكرة من حياة الإنسان وتربيته، وتكون التربية فيها غير سليمة، وهؤلاء الأشخاص لا يوجد فيهم أي لبس في تحديد جنسهم سواء من ناحية المظهر، أو من ناحية الجوهر كما هو الحال في الخنثى (١).

стр. 195

موقف الشريعة الإسلامية من هذا النوع من الجراحة: يعتبر هذا النوع من الجراحة الطبية محرمًا شرعًا، وذلك لما يلي: أولاً: لقوله تعالى حكاية عن إبليس -لعنه الله-: ﴿ .. وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبتكُّنَّءَاذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ﴾ (١). وجه الدلالة: أن الآية تضمنت حرمة تغيير خلق الله على وجه العبث، وهذا النوع من الجراحة فيه تغيير للخلقة على وجه العبث، إذ يقوم الطبيب الجراح باستئصال الذكر والخصيتين وذلك في حالة تحويل الذكر إلى أنثى، أو يقوم باستئصال الثديين وإلغاء القناة التناسلية الموجودة في الأنثى في حالة تحويلها إلى ذكر. ثانيًا: لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال" (٢). وجه الدلالة: أن الحديث دل على حرمة تشبه الرجال بالنساء والعكس، ولعن

стр. 196

من فعل ذلك وهذا النوع من الجراحة سبب يتوصل به لتحصيل هذا الفعل المحرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب (١). لأن الرجل إذا طلب هذا النوع من الجراحة إنما يقصد أولاً وقبل كل شيء مشابهة النساء، وكذلك المرأة. قال الحافظ ابن حجر ﵀ (٢) في شرحه لهذا الحديث: (الحكمة في من تشبه: إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء، وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله: "المغيرات خلق الله" (٣) اهـ. قلت: وهذا الإخراج الذي ذكره ﵀ إنما يتحقق في مسألتنا هنا بالجراحة فهي وسيلة للمحرم من هذا الوجه، وعليه فإن فعلها يعتبر من باب المعونة على الإثم وذلك محرم شرعًا (٤). ثالثًا: أن هذا النوع من الجراحة يشتمل على استباحة المحظور شرعًا دون إذن الشارع، إذ فيه كشف كل من الرجل والمرأة عن موضع العورة، ويتكرر ذلك مرات عديدة، وقد دلت الأدلة الشرعية على

стр. 197

حرمة ذلك الكشف، ولم يوجد في هذه الجراحة دافع ضروري ولا حاجي يستثني الكشف في هذه الجراحة من ذلك الأصل فوجب البقاء على حرمته، وحرمة الوسائل المفضية إليه. رابعًا: أنه ثبت بشهادة بعض المختصين من الأطباء أن هذا النوع من الجراحة لا تتوفر فيه أي دواع أو دوافع معتبرة من الناحية الطبية، وأنه لا يعدو كونه رغبة تتضمن التطاول على مشيئة الله تعالى وحكمته التي اقتضت تحديد جنس الإنسان ذكرًا كان أو أنثى (١). خامسًا: قال الإمام القرطبي (٢) ﵀: "لا يختلف فقهاء الحجاز، وفقهاء الكوفيين أن خصاء بني آدم لا يحل، ولا يجوز لأنه مثلة" (٣) اهـ. قلت: فإذا كان هذا التحريم متعلقًا بالخصاء الذي فيه تغيير لشيء من مهمة العضو، فكيف بالتغيير الكامل، لا شك أنه أولى وأحرى بالتحريم. لهذا كله فإنه لا يجوز للطبيب ولا للطالب رجلاً أو امرأة أن يقدم على فعل هذا النوع من الجراحة .. والله تعالى أعلم.

стр. 198

المبحث الثالث في (الجرا حة الوقائية) وهي الجراحة التي يقصد منها دفع ضرر محتمل الوقوع في المستقبل (١)، ولا يخلو احتمال وقوعه من حالتين: الحالة الأولى: أن يصل إلى درجة غلبة الظن. الحالة الثانية: أن يكون دونها (درجة الشك، والوهم). فأما الحالة الأولى، فقد سبق بيان حكمها، وأن الجراحة المتعلقة بها تعتبر مشروعة نظرًا لقوة الاحتمال الموجود فيها. وأما الحالة الثانية، فهي المقصودة هنا، ويقدم الأطباء فيها على استئصال الأعضاء وأجزائها مع أن تلك الأعضاء، والأجزاء بحالتها الطبيعية، وتقوم بأداء وظائفها في جسم الإنسان بصورة عادية، ومن أشهر أمثلتها الحالات الجراحية التالية: (١) استئصال الزائدة الدودية، وهي في حالة سليمة، خوفًا من التهابها وانفجارها مستقبلاً. (٢) استئصال اللوزتين، وهما في حالتهما الطبيعية، خوفًا من التهابها مستقبلاً.

стр. 199

(٣) قلع الأسنان منفردة، أو مجموعة، وهي بحالة طبيعية، وتؤدي وظيفتها بالشكل المطلوب (١). فهذه الحالات وأمثالها يقدم فيها الأطباء على مهمة الجراحة دون أن تتوفر الدلائل، والأمارات المعتبرة لإثبات المخاوف المفترضة في المستقبل. وبناء على ذلك فإن هذه الجراحة تعتبر محرمة شرعًا، وذلك لما يأتي: أولاً: أن الأصل يقتضي حرمة الإقدام على تغيير خلقة الله تعالى بقطع الأعضاء، واستئصالها ما لم توجد حاجة داعية إلى فعل ذلك. وحيث إن هذه الحالات وأمثالها لم تتوفر فيها أسباب معتبرة شرعًا للحكم بجواز فعلها فإنها تعتبر باقية على حكم ذلك الأصل الموجب لحرمتها. ثانيًا: أن هذه الأعضاء المستأصلة، والمقلوعة لم يوجدها الله تعالى في جسم الإنسان عبثًا، بل هناك مصالح مترتبة على وجودها والقيام باستئصالها وقطعها بأعذار موهومة، فيه تعطيل لتلك المصالح بدون موجب معتبر فكان ضررًا ومفسدة، والشرع لا يجيز الإضرار والفساد. ثالثًا: لا يجوز استئصال هذه الأعضاء وغيرها في هذه الحالات وأمثالها كما لا يجوز فعله على سبيل الاعتداء بجامع ترتب الضرر على

стр. 200

كلا الفعلين. لهذا كله فإنه يعتبر هذا النوع من الجراحة محرمًا، ومن ثم فإنه لا يجوز للطبيب فعله، ولا للمريض أن يأذن له بذلك ويمكنه من قيامه بمهمته. * * *

стр. 201

الباب الثالث في (أحكام الممهدات والعمل الجراحي) يشتمل هذا الباب على فصلين: الفصل الأول: في أحكام المراحل الممهدة للعمل الجراحي. الفصل الثاني: في أحكام العمل الجراحي.

стр. 202

الفصل الأول في (أحكام المراحل الممهدة للعمل الجراحي) تشتمل المراحل الممهدة للعمل الجراحي على أربعة مراحل وهي: المرحلة الأولى: الفحص الطبي. المرحلة الثانية: التشخيص ومعرفة نوعية المرض الجراحي. المرحلة الثالثة: الإذن بفعل الجراحة من قبل المريض أو وليه. المرحلة الرابعة: التخدير. لذا فإن بيان هذه المراحل، والأحكام الشرعية المتعلقة بها سيكون في الأربعة المباحث التالية:

стр. 203

المبحث الأول في (أحكام الفحص الطبي) تمهيد تعتبر مرحلة الفحص الطبي أول مرحلة من المراحل الممهدة للجراحة الطبية، وقبل بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه المرحلة لابد من بيان حقيقة الفحص، والهدف منه، ومراحله، وأنواعه، وذلك تصويرًا لهذه المرحلة حتى يتسنى بعد ذلك بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بها. وتصوير مهمة الفحص في هذا التمهيد ينحصر في الفروع الأربعة التالية:

стр. 204

الفرع الأول في (تعريف الفحص الطبي) الفحص الطبي (١): هو بداية العمل الطبي الذي يقوم به الطبيب، ويتمثل في فحص الحالة الصحية للمريض بفحصه فحصًا ظاهريًا، وذلك بملاحظة العلامات أو الدلائل الإكلينيكية (السريرية) كمظهر المريض وجسمه (٢). فمهمته تقوم على البحث والاستقصاء عن طريق النظر الظاهري، والسؤال عن أعراض المرض وعلاماته مثل الألم والغثيان والدوار، والتعب مما يعلمه المريض من نفسه، ثم بعد ذلك ينتقل الطبيب إلى إجراء فحص الجسم، فيضع مثلاً يده على سطح الجسد لكي يتحسس الدلائل، وقد يقوم بإجراء فحوصات مخبرية، أو يطلب تصوير الموضع المشتبه فيه بالأشعة، أو المناظير الطبية، وذلك بحسب المرض، وطبيعة تشخيصه (٣). وتعتبر هذه المرحلة أول خطوة يخطوها الطبيب لمصلحة مريضه، والخطأ فيها يهدد حياة المريض بالخطر (٤).

стр. 205

الفرع الثاني في (الهدف من الفحص الطبي) بين بعض المختصين هدف الفحص الطبي وغايته بقوله: "هو إثبات أو التحقق من وجود دلائل أو ظواهر معينة، تساعده (١) في وضع التشخيص للمرض" (٢) اهـ. فمن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل للأمراض علامات معينة يستدل بها على وجود تلك الأمراض، ونوعيتها، وهذا شامل لجميع الأمراض جراحية كانت أو غير جراحية. وقد اصطلح الأطباء على تسمية هذه العلامات بالأعراض (٣)، فالطبيب إذا قام بمهمة الفحص الطبي إنما يهدف إلى التأكد والتحقق من وجود تلك الأعراض والعلامات المعينة التي يمكن من خلالها تحديد نوعية المرض الجراحي وتشخيصه. * * *

стр. 206

الفرع الثالث في (مراحل الفحص الطبي) قسمت بعض الأنظمة الحديثة الفحص الطبي إلى مرحلتين: المرحلة الأولى: مرحلة الفحص التمهيدي. المرحلة الثانية: مرحلة الفحص التكميلي (١). ولكلا المرحلتين وسائل خاصة، وطرق معينة، وبيانها يتضح فيما يلي: أولاً: المرحلة التمهيدية: وهي التي يقوم فيها الطبيب بإجراء الفحص مستخدمًا يده أو أذنه أو عينيه، أو بعض الأجهزة البسيطة كمقياس الحرارة (٢). كما يقوم بسؤال المريض، أو ذويه في بعض الحالات عن بعض الأعراض المهمة التي يمكن من خلالها معرفة نوعية المرض وتشخيصه (٣). وبعد ذلك يقوم الطبيب بإجراء الفحص الجسماني المشتمل على

стр. 207

أربع طرق رئيسية وهي: (١) الملاحظة: والمراد بها توجيه النظر إلى المريض من حيث حالته العامة إجمالاً. (٢) اللمس أو الجس: فيضع الطبيب يده أو أصابعه على مواضع معينة ليعرف حالتها، وتظهر له التغييرات غير الطبيعية التي طرأت عليها. (٣) القرع: وفيها يقوم الطبيب بنقر الموضع بأصابعه لاستجلاء التغيرات الموجودة في ذلك الموضع ولاسيما في فحص الصدر حيث تظهر للطبيب بواسطة القرع التغييرات التركيبية التي طرأت على الأنسجة وذلك من خلال تغير مسمع الصوت المنبعث منها عند قرعها. (٤) التسمع إلى الأصوات الصادرة عن حركات أعضاء الجسم أثناء تأديتها وظائفها: كالتنفس، وضربات القلب، فيقوم الطبيب بالتركيز على تلك الأصوات لمعرفة التغيرات غير الطبيعية التي طرأت عليها (١).

стр. 208

ثانيًا: المرحلة التكميلية: وهي التي يقوم فيها الطبيب بإجراء فحوص أكثر عمقًا، ويعتمد في هذه المرحلة -غالبًا- على أجهزة وآلات أكثر دقة في تشخيص الأمراض ومعرفة نوعيتها (١). ومن تلك الأجهزة والآلات التصوير بالأشعة السينية (٢)، والمناظير الطبية "المنظار المستقيم، والمنظار الشعبي". وتدخل ضمن هذه المرحلة التحاليل المخبرية مثل تحاليل الدم، والبول، والبراز، كما تدخل الدراسات المعملية التي تتضمن دراسات كيميائية مثل الاختبار الذي يجرى لتقدير كمية السكر في الدم، والدراسات المجهرية "ميكروسكوبية" مثل فحص لطخة شريحة من الدم والدراسات الفيزيقية مثل الاختبار الذي يجرى لتقدير معدل الترسيب لمحتويات الدم (٣). * * *

стр. 209

الفرع الرابع في (أنواع الفحص الطبي في الجراحة الطبية) تستلزم الجراحة الطبية وجود نوعين من الفحص الطبي هما: النوع الأول: الفحص لمعرفة نوعية المرض الجراحي وتشخيصه. النوع الثاني: الفحص لمعرفة أهلية المريض لإجراء الجراحة اللازمة له. فأما النوع الأول: فهو الذي يجرى عند مراجعة المريض للطبيب حين مرضه، وعن طريقه يتم تشخيص المرض الذي يشتكي منه، وهو أول مرحلة من المراحل الممهدة للجراحة، وهو المقصود في هذا المبحث. وأما النوع الثاني: فإنه يقع بعد معرفة المرض الجراحي وتحديد علاجه بالجراحة، حيث يقوم فيه الطبيب الجراح بإجراء فحص عام للمريض بهدف معرفة أهليته لإجراء الجراحة اللازمة له (١)، وهو فحصى خاص لا يجرى إلا

стр. 210

في الجراحة الطبية وتختلف أساليبه حسب اختلاف نوعية المرض الجراحي. فهذه هي مجمل المعلومات التي يمكن من خلالها تصور هذه المرحلة، وأما الأحكام الشرعية المتعلقة بالفحص الطبي لمعرفة نوعية المرض الجراحي وتشخيصه فإنها تنحصر في المطالب الأربعة التالية: المطلب الأول: في مشروعية الفحص الطبي. المطلب الثاني: في أهلية الطبيب الفاحص ومساعديه. المطلب الثالث: في حكم الكشف عن العورة من أجل الفحص الطبي. المطلب الرابع: في حكم الفحص بالأشعة السينية والوسائل الخطرة. وبيان هذه المطالب يتضح فيما يلي: * * *

стр. 211

المطلب الأول في (مشروعية الفحص الطبي الذي يجرى لمعرفة نوعية المرض الجراحي) يشرع فعل هذا النوع من الفحص الطبي لما يلي: أولاً: إن إذن الشريعة بفعل الجراحة الطبية يتضمن الإذن بلوازمها، وهذا الفحص الطبي يعتبر من أهم لوازمها، وعن طريقه يمكن وضع الجراحة في موضعها. ثانيًا: إن وجود الحاجة الداعية إلى فعل الجراحة الطبية يعتبر شرطًا من شروط جواز فعلها كما تقدم بيانه. وهذا الشرط يتوقف إثباته على إثبات وجود المرض الجراحي، وذلك إنما يكون عن طريق هذا الفحص فيشرع فعله. ثالثًا: إن هذا الفحص يتضمن دفع المفسدة المترتبة على الإقدام على فعل الجراحة الموهومة (١) ودفع المفسدة أمر شهدت نصوص الشرع باعتباره.

стр. 212

لهذا كله فإنه لا مانع شرعًا من قيام الأطباء ومساعديهم بفحص المريض لمعرفة نوعية المرض الجراحي حتى يتسنى علاجه بالجراحة اللازمة. والله أعلم.

стр. 213

المطلب الثاني في (شرط أهلية الطبيب الفاحص ومساعديه) يشترط في كل من الطبيب الفاحص، والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة الفحص مثل المصور بالأشعة، أو المناظير الطبية، والمحللين في المختبرات .. وغيرهم يشترط فيهم أن تتوفر فيهم الأهلية المعتبرة للقيام بهذه المهمات كل حسب اختصاصه ومجال عمله. فلا يحل للطبيب، ولا للأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة الفحص أن يقدموا على فعل شيء من هذه المهمات إلا بعد أن تتوفر فيهم الأهلية المشترطة طبيًا فيمن يقوم بتلك المهمات، فيكونوا على علم وبصيرة بالمهمة المطلوبة، وعندهم القدرة على أدائها وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، وإنما حرم عليهم الإقدام على فعل شيء من هذه المهمات حال جهلهم، أو عدم قدرتهم لتحقق الضرر الذي سيلحق المريض من جراء ذلك. فالطبيب الفاحص إذا أقدم على فحص مرض جراحي يجهل أعراضه فإن الغالب خطؤه في ذلك الفحص وإذا أخطأ في فحصه وتشخيصه للمرض ترتب على ذلك الخطأ في معالجته بجراحة لا يحتاجها المريض، فتتعرض حياة المريض للخطر. والتصوير بالأشعة يحتاج إلى معرفة لقدر المواد المشعة المطلوبة لتصوير الموضع المشتبه فيه، والخطأ في القدر المسلط من تلك المواد

стр. 214

سيضر بجسم الإنسان، وبنسله، ولذلك ينصح المختصون بعلم الإشعاع بوجوب أخذ الحيطة والحذر أثناء التصوير بالأشعة السينية تلافيًا لتلك الأخطار والأضرار (١). والمنظار الطبي لا يمكن لكل شخص أن يحسن طريقة إدخاله وإخراجه من جسم المريض إلا بعد معرفة تامة، وخبرة يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم وكثرة التطبيق تحت أيدي المختصين. فإذا كان الشخص الذي يقوم بمهمة إدخال تلك المناظير أو إخراجها جاهلاً بذلك، ولم تتوفر فيه الأهلية المشترطة للقيام بهذه المهمة فإنه سيعرض المريض للموت أو يتسبب في حصول ضرر له في جسمه قد يكون أعظم من المرض المراد تشخيصه، وذلك لأن الخطأ في طريقة إدخال هذه المناظير أو إخراجها قد يتسبب في حبس نفس المريض فيموت أو يتسبب في خدش جدار أمعائه فيحدث له نزيف دموي داخلي -لا سمح الله- إلى غير ذلك من الأضرار المترتبة على القيام بهذه المهمة على غير وجهها. وهكذا الحال بالنسبة لمن يقوم بإجراء التحاليل اللازمة، وكتابة

стр. 215

التقارير عنها، فإنه إذا لم يكن ذا علم ومعرفة تؤهله للقيام بتلك المهمة لابد وأن يعرض حياة المريض للخطر بسبب خطئه في التحليل وتقريره والشريعة الإسلامية لا تجيز للمسلم أن يقدم على فعل يتسبب في هلاك أخيه المسلم أو حصول الضرر له. فتبين مما سبق وجود توفر شرط الأهلية في الطبيب الفاحص والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمته. ويترتب على القول باشتراط الأهلية في هؤلاء حرمة الإقدام على فعل شيء من مهمة الفحص ممن هو ليس أهلاً لذلك، وكما يحرم على الطبيب أن يقوم بمهمة فحص يجهلها كذلك يحرم عليه أن يحيل المريض على من يجري له تحليلاً أو تصويرًا بالأشعة أو المناظير الطبية مع علمه بعدم أهليته لفعل تلك المهمة. وتتحمل المستشفيات حكومية كانت أو أهلية المسئولية الكاملة عن أهلية الأشخاص الذين تنصبهم للقيام بهذه المهمات. * * *
следующие страницы →