المطلب الأول في (مشروعية الفحص الطبي الذي يجرى لمعرفة نوعية المرض الجراحي)
يشرع فعل هذا النوع من الفحص الطبي لما يلي:
أولاً: إن إذن الشريعة بفعل الجراحة الطبية يتضمن الإذن بلوازمها، وهذا الفحص الطبي يعتبر من أهم لوازمها، وعن طريقه يمكن وضع الجراحة في موضعها.
ثانيًا: إن وجود الحاجة الداعية إلى فعل الجراحة الطبية يعتبر شرطًا من شروط جواز فعلها كما تقدم بيانه.
وهذا الشرط يتوقف إثباته على إثبات وجود المرض الجراحي، وذلك إنما يكون عن طريق هذا الفحص فيشرع فعله.
ثالثًا: إن هذا الفحص يتضمن دفع المفسدة المترتبة على الإقدام على فعل الجراحة الموهومة (١) ودفع المفسدة أمر شهدت نصوص الشرع باعتباره.
стр. 212
لهذا كله فإنه لا مانع شرعًا من قيام الأطباء ومساعديهم بفحص المريض لمعرفة نوعية المرض الجراحي حتى يتسنى علاجه بالجراحة اللازمة. والله أعلم.
стр. 213
المطلب الثاني في (شرط أهلية الطبيب الفاحص ومساعديه)
يشترط في كل من الطبيب الفاحص، والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة الفحص مثل المصور بالأشعة، أو المناظير الطبية، والمحللين في المختبرات .. وغيرهم يشترط فيهم أن تتوفر فيهم الأهلية المعتبرة للقيام بهذه المهمات كل حسب اختصاصه ومجال عمله.
فلا يحل للطبيب، ولا للأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة الفحص أن يقدموا على فعل شيء من هذه المهمات إلا بعد أن تتوفر فيهم الأهلية المشترطة طبيًا فيمن يقوم بتلك المهمات، فيكونوا على علم وبصيرة بالمهمة المطلوبة، وعندهم القدرة على أدائها وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، وإنما حرم عليهم الإقدام على فعل شيء من هذه المهمات حال جهلهم، أو عدم قدرتهم لتحقق الضرر الذي سيلحق المريض من جراء ذلك.
فالطبيب الفاحص إذا أقدم على فحص مرض جراحي يجهل أعراضه فإن الغالب خطؤه في ذلك الفحص وإذا أخطأ في فحصه وتشخيصه للمرض ترتب على ذلك الخطأ في معالجته بجراحة لا يحتاجها المريض، فتتعرض حياة المريض للخطر.
والتصوير بالأشعة يحتاج إلى معرفة لقدر المواد المشعة المطلوبة لتصوير الموضع المشتبه فيه، والخطأ في القدر المسلط من تلك المواد
стр. 214
سيضر بجسم الإنسان، وبنسله، ولذلك ينصح المختصون بعلم الإشعاع بوجوب أخذ الحيطة والحذر أثناء التصوير بالأشعة السينية تلافيًا لتلك الأخطار والأضرار (١).
والمنظار الطبي لا يمكن لكل شخص أن يحسن طريقة إدخاله وإخراجه من جسم المريض إلا بعد معرفة تامة، وخبرة يكتسبها الإنسان عن طريق التعلم وكثرة التطبيق تحت أيدي المختصين.
فإذا كان الشخص الذي يقوم بمهمة إدخال تلك المناظير أو إخراجها جاهلاً بذلك، ولم تتوفر فيه الأهلية المشترطة للقيام بهذه المهمة فإنه سيعرض المريض للموت أو يتسبب في حصول ضرر له في جسمه قد يكون أعظم من المرض المراد تشخيصه، وذلك لأن الخطأ في طريقة إدخال هذه المناظير أو إخراجها قد يتسبب في حبس نفس المريض فيموت أو يتسبب في خدش جدار أمعائه فيحدث له نزيف دموي داخلي -لا سمح الله- إلى غير ذلك من الأضرار المترتبة على القيام بهذه المهمة على غير وجهها.
وهكذا الحال بالنسبة لمن يقوم بإجراء التحاليل اللازمة، وكتابة
стр. 215
التقارير عنها، فإنه إذا لم يكن ذا علم ومعرفة تؤهله للقيام بتلك المهمة لابد وأن يعرض حياة المريض للخطر بسبب خطئه في التحليل وتقريره والشريعة الإسلامية لا تجيز للمسلم أن يقدم على فعل يتسبب في هلاك أخيه المسلم أو حصول الضرر له.
فتبين مما سبق وجود توفر شرط الأهلية في الطبيب الفاحص والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمته.
ويترتب على القول باشتراط الأهلية في هؤلاء حرمة الإقدام على فعل شيء من مهمة الفحص ممن هو ليس أهلاً لذلك، وكما يحرم على الطبيب أن يقوم بمهمة فحص يجهلها كذلك يحرم عليه أن يحيل المريض على من يجري له تحليلاً أو تصويرًا بالأشعة أو المناظير الطبية مع علمه بعدم أهليته لفعل تلك المهمة.
وتتحمل المستشفيات حكومية كانت أو أهلية المسئولية الكاملة عن أهلية الأشخاص الذين تنصبهم للقيام بهذه المهمات.
* * *
стр. 216
المطلب الثالث في (حكم الكشف عن العورة من أجل فحص المرض الجراحي وتشخيصه)
يحتاج الطبيب عند قيامه بفحص بعض الأمراض الجراحية إلى كشف المريض عن عورته كما هو الحال في جل الأمراض الجراحية المتعلقة بالمسالك البولية (١) والأعضاء التناسلية (٢) وجراحة الولادة (٣).
وقد يحتاج غيره ممن يستعين بهم في بعض الإجراءات المتعلقة بالفحص الطبي إلى مثل ذلك أيضًا، فيحتاج المصور بالأشعة مثلاً إلى كشف المريض عن الموضع المراد تصويره من العورة، كما أن التصوير بالأشعة في بعض الأحيان يستلزم حقن المريض بالصبغة التي تساعد على وضوح الصورة والأفلام، ويتم حقنها عن طريق القبل أو الدبر كما هو المتبع في تشخيص بعض الأمراض الجراحية المتعلقة بالمسالك البولية، والجهاز الهضمي (٤).
ويرد السؤال عن موقف الشرع من كشف المريض عن عورته في مثل هذه الحالات التي يستدعيها فحص المرض الجراحي، وما هو موقفه من نظر الطبيب وغيره ممن يستعين بهم في مهمة الفحص؟.
стр. 217
وإذا كان ذلك جائزًا فما هو قيد جوازه ... ؟.
والجواب: أن الأصل في الشرع يقتضي حرمة كشف الإنسان عن عورته كما شهدت بذلك النصوص الشرعية (١)، ونص فقهاء الإسلام ﵏ في كتبهم (٢) إلا أن الفحص الطبي لغرض معرفة المرض الجراحي يعتبر مستثنى من حكم ذلك الأصل، وذلك لمكان الضرورة والحاجة الداعية إليه، والقاعدة الشرعية تقول: "الضرورات تبيح المحظورات" (٣) والقاعدة الأخرى تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٤).
فالإنسان إذا طلب منه الفحص لمعالجة المرض الجراحي الذي يعاني منه، إما أن يكون مضطرًا، وإما أن يكون محتاجًا، وفي كلتا الحالتين هو معذور شرعًا.
قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: "ستر العورات والسوءات واجب، وهو من أفضل المروءات وأجمل العادات، ولاسيما في النساء الأجنبيات، لكنه يجوز للضرورات والحاجات".
أما الحاجات فكنظر كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، ونظر
стр. 218
الأطباء لحاجة المداواة.
وأما الضرورات فكقطع السلع المهلكات، ومداواة الجراحات المتلفات" (١) اهـ.
فقد بين ﵀ أن نظر الطبيب إلي عورة مريضه لمداواة جراحة وغيرها يعتبر من المستثنيات من حرمة النظر إلى العورة وذلك لمكان الضرورة والحاجة.
وبناء على ما سبق فإنه لا حرج على المسلم في كشفه عما دعت الحاجة إلى كشفه من أجل فحص مرضه الجراحي وتشخيصه سواء كان رجلاً أو امرأة، وكذلك لا حرج على الطبيب والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة فحصه للمرض الجراحي إذا قاموا بالكشف عن عورة المريض والنظر إلى الموضع المحتاج إلى فحصه.
وهذا الحكم مبني -كما تقدم- على وجود الضرورة والحاجة فلابد من تحقق وجودها، فلا يحل للطبيب ولا لغيره أن يطالب المريض بالكشف عن عورته إلا إذا تعذر وجود الوسائل التي يمكن بواسطتها تحقيق مهمة الفحص بدون كشف للعورة، وكذلك لا يجوز للرجال أن يقوموا بفحص النساء ولا العكس إلا إذا تعذر وجود المثيل الذي يمكنه أن يقوم بالمهمة المطلوبة.
وأما قيد الجواز فهو الاقتصار على القدر الذي تسد به الحاجة دون زيادة عليه، فيجب على كل من الطبيب والأشخاص الذين يستعين بهم في مهمة فحص المرض الجراحي أن يقتصروا في كشفهم ونظرهم إلى عورة المريض على الموضع المحتاج إلى النظر دون غيره، وكذلك
стр. 219
عليهم الاقتصار على الوقت المحتاج إليه دون زيادة، وذلك لأن الأصل في الشرع يقتضي حرمة الكشف عن العورة، والنظر إليها جميعها، فإذا وجدت الضرورة أو الحاجة استثني من ذلك الأصل الموضع والزمان المحتاج أو المضطر إليه، وبقي غيره على الأصل المقتضي لحرمة كشفه والنظر إليه، وذلك للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (١).
قال الشيخ أحمد الزرقاء (٢) ﵀ في شرحه لقاعدة "الضرورات تقدر بقدرها": "ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنما يرخص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب، فإذا اضطر إنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط" (٣).
فالطبيب ومعاونوه مضطرون لمحظور وهو الكشف والنظر إلى العورة، وهذا الاضطرار مقيد بموضع معين، فليس لهم مجاوزته في الكشف والنظر ولا الزيادة على الوقت المحتاج إليه، فمتى ما توصل الطبيب إلى معرفة المرض الجراحي ومصور الأشعة من إسقاط الأشعة حرم عليهم بعد ذلك النظر إعمالاً للقاعدة التي تقول: "ما جاز لعذر بطل بزواله" (٤) ... والله أعلم.
стр. 220
المطلب الرابع في (حكم الفحص بالأشعة السينية)
تعتبر الأشعة السينية من أخطر الوسائل المستخدمة في مهمة الفحص الطبي، ويكمن خطرها فيما تشتمل عليه من المواد المشعة، والطريقة المتبعة للتصوير بها.
فأما خطر المواد المشعة فهو من الأمور الثابتة علميًا، حيث دلت الدراسات المختصة بعلم الإشعاع على أن المواد المشعة تعتبر من أخطر المواد التي يتضرر جسم الإنسان بتعرضه لها.
وثبت طبيًا أن التعرض لمقدار أربعمائة وخمسين وحدة من الإشعاع الموجود في أشعة رونتجن يعتبر حدًا كافيًا في إصابة الشخص المتعرض لها بمرض الإشعاع الشديد الذي ينتهي بصاحبه إلى الموت بعد ظهور الأعراض والمضاعفات المؤلمة (١).
ونظرًا لما تشتمل عليه هذه الأشعة من خطر عظيم نجد المختصين في علم الإشعاع كثيرًا ما ينصحون بضرورة أخذ الحيطة والحذر اللازم،
стр. 221
وعدم التعرض للتصوير بهذه الأشعة إلا عند وجود الضرورة الداعية إلى ذلك.
يقول أحد الأساتذة المختصين بعلم الفيزياء النووية: "الأشعة السينية خطرة بالنسبة للجزء المعرض لها من جلد الإنسان، ولكنها أخطر بكثير على الجلد، وعلى النخاع الشوكي، وعلى الغدد الجنسية، وليس من الضرورة أن تسلط الأشعة على الغدد الجنسية لتشكل الخطر عليها، إذ إن كل صورة بالأشعة تؤخذ لأي عضو في الجسم تؤثر بشكل غير مباشر على الغدد الجنسية ... " (١) اهـ.
وورد في بعض الأبحاث المترجمة في علم الإشعاع الطبي ما يلي: "مع ما للإشعاع من استخدامات مفيدة ينبغي علينا التعامل معه بحذر وحيطة، لأنه سلاح ذو حدين، فكما أنه يمكننا من تشخيص المرض وعلاجه، فإن له مضاراً صحية علينا، وعلى سلالتنا من بعد، لذا يجب الأخذ بالقاعدة القائلة: أن لا تتعرض للإشعاع دون فوائد راجحة، وبتقليل الجرع الإشعاعية إلى أقل ما يمكن عمليًا" (٢) اهـ.
فتبين من شهادة هؤلاء المختصين وجود الضرر في هذه المواد المشعة، خاصة فيما يتعلق بالغدد الجنسية، ولا يشترط في تضررها أن تتعرض الأعضاء التي توجد فيها تلك الغدد للأشعة بل مجرد تعريض أي عضو من أعضاء الجسم للأشعة يعتبر كافيًا في تعرضه لذلك الخطر.
стр. 222
ولا يقتصر ضرر الأشعة على تأثيرها السيء على الغدد الجنسية، بل إنه يتعداها إلى بقية أعضاء الجسم الأخرى كالجلد، والنخاع الشوكي، وتشير بعض المصادر الطبية المختصة إلى أنها قد تتسبب في الإصابة بالسرطان (١).
وأما ضرر الطريقة المتبعة في التصوير بالأشعة فهو ينحصر في تصوير بعض الأمراض التي يستلزم ظهورها الحقن بمادة تعين على وضوح الصورة المطلوبة (٢).
وهذه المادة يتم حقنها عن طريق الوريد، وعن طريق فتحة الشرج في بعض الحالات على حسب الموضع الذي يراد تصويره، فينشأ عنها في بعض الأحيان حدوث صدمة، فيصاب المريض بالغثيان، والقيء، والدوخة وقد تؤدي إلى هبوط ضغط الدم خاصة في المرضى من كبار السن (٣).
ونظرًا لوجود هذه الأضرار المترتبة على التصوير بالأشعة فإن الأصل يقتضي عدم جواز التصوير بها، إلا إذا وجدت الحاجة الداعية إلى ذلك.
وهذه القاعدة التي أشارت إليها المراجع المختصة بعلم الإشعاع من أنه: "لا يتعرض للإشعاع دون فوائد راجحة" لا مانع من اعتبارها شرعًا، بل هي متفقة مع ما أشار إليه الإمام العز بن عبد السلام ﵀ في قواعده من تقديم أرجح المصالح فأرجحها، ودرء أفسد المفاسد فأفسدها، وذلك حيث يقول ﵀: " ... إن تقديم
стр. 223
أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن، وإن درء أفسد المفاسد فأفسدها محمود حسن، وإن تقديم المصالح الراجحة على المرجوحة محمود حسن، وإن درء المفاسد الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن، واتفق الحكماء على ذلك وكذلك الشرائع ... " (١) اهـ.
وبناء على ذلك فإنه ينبغي على الطبيب أن يتولى النظر في مفسدة تعريض المريض للأشعة ومفسدة المرض المشتكى منه ثم يقارن بينهما، فيقدم على إحالته إلى التصوير بالأشعة أو يحجم.
ولاشك في أن كثيرًا من الأمراض الجراحية التي جرت عادة الأطباء بإحالة المصابين بها إلى التصوير بالأشعة قد توفرت فيها الحاجة الداعية، فعلى سبيل المثال مرض القرحة المعدية، وأمراض القولون الجراحية، وأمراض الكبد والمرارة، كل هذه الأمراض وأمثالها توفرت فيها الحاجة الداعية إلى تصويرها والتأكد من وجودها ما دام أن الطبيب قد اطلع على بعض الدلائل والأمارات الموجبة للتأكد من وجودها أثناء قيامه بمهمة الفحص المبدئي.
وإذا ثبت القول بجواز التصوير بالأشعة عند الحاجة، فإنه ينبغي على الطبيب المختص بمهمة التصوير أن يتقيد بقدر الحاجة للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٢) ومن ثم فإنه يحرم عليه الزيادة في قدر الجرعة المسلطة على الموضع المراد تصويره، وينبغي عليه أن يقتصر على القدر المعتبر عند أهل الاختصاص، لأن القدر الزائد عن الحاجة باق على حكم الأصل الموجب لحرمته ... والله تعالى أعلم.
стр. 224
المبحث الثاني في (أحكام التشخيص)
تعتبر مرحلة التشخيص المرحلة الثانية من المراحل الممهدة للعمل الجراحي، وهي ثمرة لمرحلة الفحص الطبي المتقدمة لأن المقصود من إجراء الفحص الطبي هو معرفة نوعية المرض الجراحي، وتحديد الطور الذي بلغه من درجات خطورته.
وفي هذه المرحلة يقوم الطبيب بدراسة الأمارات والدلائل التي اطلع عليها بنفسه، أو تضمنتها التقارير التي كتبها المساعدون له في مهمته، كل ذلك بغية الوصول إلى نتيجة معينة، يتم بها تحديد نوعية المرض، وطبيعة حاله من حيث خطورة المرحلة التي هو فيها.
وبيان هذه المرحلة في هذا المبحث يستلزم الكلام على تعريف التشخيص وبيان أهميته ثم بيان أحوال تشخيص المرض الجراحي وحكمها شرعًا.
وسيكون ذلك بعون الله تعالى في المطلبين التاليين:
стр. 225
المطلب الأول في (تعريف التشخيص وأهميته)
عرفت بعض المصادر الطبية المختصة التشخيص بما يلي: "هو الفن أو السبيل الذي يتسنى به تعرف نوع المرض" (١). وهذا التعريف يتضمن أمرين:
أحدهما: أن التشخيص يعتبر فنًا مستقلاً من الناحية الطبية، ولذلك يوصف بكونه فرعًا من فروع الطب (٢).
الثاني: أن الهدف منه هو معرفة نوعية المرض الجراحي، والطور الذي وصل إليه فيترتب على الأمر الأول إلزام الطبيب شرعًا بالتقيد بالأصول العلمية المقررة عند أهل الاختصاص لهذا الفن.
ومن ثم فإنه لا يحكم لأحد بجواز القيام بهذه المهمة إلا بعد أن يكون ملمًا بهذه الأصول كالحال في الأطباء، وهذا أمر لابد منه نظرًا لأن الأمراض تتشابه أماراتها ودلائلها، فلابد من العلم بالفوارق التي دلت عليها التجربة والخبرة، وثبت اعتبارها عند الأطباء المختصين.
ثم إن تقارير الفحص الطبي ونتائجه تحتاج إلى معرفة يتمكن بواسطتها الشخص الذي يقوم بمهمة التشخيص من الوصول إلى معرفة نوعية المرض وتحديد الطور الذي وصل إليه، ودرجة الخطورة التي
стр. 226
بلغها.
وأما الأمر الثاني فإنه يعتبر بيانًا لثمرة التشخيص، وأن الهدف منه هو معرفة نوعية المرض الجراحي.
ويترتب على هذا الأمر حكم شرعي يتعلق باستحقاق الطبيب الذي يقوم بمهمة التشخيص للأجرة المتفق عليها من عدم استحقاقه.
فإذا كان الهدف هو معرفة نوعية المرض، واستأجره المريض للوصول إليه ولم يتمكن من معرفته فانه حينئذ لا يستحق شيئًا.
ولهذه المرحلة أهمية كبيرة، فكل المراحل القادمة مترتبة على نتيجة التشخيص، فالخطأ فيها يهدد حياة المريض بالهلاك والضرر.
فقد يشخص المرض على أنه مرض جراحي، ويقرر الأطباء وجوب إجراء الجراحة اللازمة، ويتم ذلك، وبعد فتح موضع الألم يتبين عدم وجود المرض، وبذلك يتحمل المريض مشقة الجراحة وعناءها دون وجود أي نتيجة وقد يبقى بالضررين آلام الجراحة، وآلام مرضه السابق، كما أن النجاح في التشخيص يعتبر بإذن الله مفتاحًا للنجاح في العلاج، وبذلك يتم وضع الجراحة اللازمة في موضعها.
يقول بعض الأطباء المختصين (١): "إن الركيزة الأولى التي تحدد علاقة الطبيب بالمريض، وتطور حالة المرض، والخطوة الأولى التي يخطوها الطبيب لصالح مريضه، هي تشخيص المرض ومعرفة كنه شكواه وتفريق ذلك عما التبس مع غير ذلك من أعراض، والتوصل إلى مرحلة المرض الحالي، وتأريخه وتطوره، والمشاكل الصحية
стр. 227
السابقة، وتأثيرها في وضع المرض الحالي.
وهذه المرحلة دقيقة, ومهمة جدًا، وقد تحدد العلاقة بين الطبيب والمريض، وشفاء المريض، أو عدمه ولزامًا على الطبيب أن يبذل قصارى جهده، ويقظته للتوصل إلى التشخيص الصحيح ... " (١) اهـ.
* * *
стр. 228
المطلب الثاني في (أحوال تشخيص المرض الجراحي وحكمها)
إذا توصل الطبيب إلى معرفة وجود المرض الجراحي عن طريق التشخيص فإنه لا تخلو تلك المعرفة إما أن تكون على وجه القطع، أو تكون على وجه الظن.
فإن كانت على وجه الظن فإنه لا يخلو الظن بوجود المرض الجراحي، إما أن يكون غالبًا على عدم وجوده، أو يكون مساويًا له، أو يكون دونه.
وعلى هذا فإن العلم بوجود المرض الجراحي لا يخلو من أربع حالات:
الحالة الأولى: أن يكون على سبيل اليقين.
الحالة الثانية: أن يكون على سبيل غلبة الظن.
الحالة الثالثة: أن يكون على سبيل الشك.
الحالة الرابعة: أن يكون على سبيل الوهم.
ففي الحالة الأولى: لا يكون عند الطبيب الفاحص أي شك في وجود المرض الجراحي، ولا إشكال في جواز الاعتماد على هذا النوع
стр. 229
من التشخيص الذي بلغ أعلى مراتب العلم وهي مرتبة اليقين.
وأما الحالة الثانية: فإنه ينبغي على الطبيب أن يعتمد الاحتمال الراجح الذي يشتمل على وجود المرض الجراحي، ولا يلتفت إلى الاحتمال المرجوح المشتمل على انتفاء وجوده.
وهذا مبني على ما تقرر في الشريعة الإسلامية من اعتمادها على الظنون الراجحة وعدم التفاتها إلى ما يقابلها من الظنون المرجوحة في تحقيق المصالح، ودرء المفاسد.
قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: "الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين، ودرء مفاسدهما على ما يظهر في الظنون .. " إلى أن قال: " .. فلا يجوز تعطيل هذه المصالح الغالبة الوقوع خوفًا من ندور وكذب الظنون .. " (١) اهـ.
فبين أن الاعتماد إنما يكون على الظن الغالب، وأن ما يقابله من الظن المرجوح لا يلتفت إليه، وبهذا يتقرر أصل هذه الحالة من أحوال تشخيص المرض الجراحي فيقال: إن المنبغي على الطبيب اعتماد الظن الراجح وعدم الالتفات إلى ضده ومن ثم فإنه لا حرج في الإقدام على فعل الجراحة والإذن بها من قبل المريض اعتمادًا على هذا التشخيص المبني على هذا النوع من الظنون القوية.
стр. 230
وتكون هذه الحالة في حكم الأولي بناء على ما تقرر عند الفقهاء ﵏ من أن غالب الظن ملحق باليقين حكمًا (١).
وأما الحالة الثالثة: فإنه ينبغي على الأطباء التوقف عن الإقدام على فعل الجراحة نظرًا لاستواء الاحتمالين في نتيجة التشخيص.
وعليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في الوصول إلى ما يوجب ترجيح أحد الاحتمالين على الآخر ثم العمل بما ترجح منهما.
قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: "وكما لا يحل الإقدام للمتوقف في الرجحان في المصالح الدينية حتى يظهر له الراجح، فكذلك لا يحل للطبيب الإقدام مع التوقف في الرجحان إلى أن يظهر له الراجح .. " (٢) اهـ.
فحكم ﵀ بوجوب توقف الطبيب عن الإقدام على المداواة في حال توقفه عن الرجحان بحيث لم يظهر له ترجيح للمصلحة المترتبة على الفعل وعدمها، وألحق وجوب توقفه في حال استواء الاحتمالين بوجوب التوقف في حال استواء ترتب المصلحة الدينية وعدمه إلى حين وجود المرجح لأحد الطرفين على الآخر.
وبناء على ذلك فإن الحكم في هذه الحالة هو وجوب التوقف إلى أن يظهر رجحان وجود المرض الجراحي على عدم وجوده أو العكس.
стр. 231
وأما الحالة الرابعة: فإنه لا يلتفت إلى الاحتمال المرجوح المشتمل على وجود المرض الجراحي، بل ينبغي على الأطباء اعتبار الظن الراجح الدال على عدم وجود المرض، كما وجب ذلك في الحالة الثانية حيث لم يلتفت إلى النسبة المرجوحة واعتبرت النسبة الراجحة المشتملة على وجود المرض الجراحي، كذلك هنا ينبغي اعتبار النسبة الراجحة المشتملة على نفي وجود المرض، ومن ثم فإنه لا يجوز للأطباء أن يقدموا على فعل الجراحة في هذه الحالة .. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 232
المبحث الثالث في (أحكام الإذن بفعل الجراحة)
تعتبر مرحلة الإذن بالجراحة المرحلة الثالثة من المراحل الممهدة للعمل الجراحي، فبعد توصل الطبيب إلى معرفة نوعية المرض الجراحي يحتاج إلى إذن المريض وموافقته على فعل الجراحة اللازمة، وذلك بناء على ما تقدم بيانه في مبحث شروط جواز الجراحة من اعتبار إذن المريض أو وليه شرطًا من شروط جواز فعلها (١).
وتتعلق بهذه المرحلة جملة من الأحكام والمسائل الشرعية، منها ما يرجع إلى الشخص الآذن، ومنها ما يرجع إلى الشروط المعتبرة لصحة الإذن، ومنها ما يرجع إلى الأحوال المستثناة التي يسقط فيها اعتبار الإذن فيجوز للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة دون إذن من المريض أو وليه.
وقبل بيان هذه الأحكام والمسائل الشرعية يحسن ال تمهيد بتعريف الإذن، وبيان أركانه، وأنواعه، وذلك في الفروع الثلاثة التالية:
стр. 233
الفرع الأول في (تعريف الإذن)
يستعمل الإذن لغة في الدلالة على معان، منها: الإباحة، فيقال: أذن له في الشيء، إذنًا، أي أباحه له (١).
ومعناه هنا لا يختلف عن هذا المعنى، فالمراد بالإذن بالجراحة: إباحة فعلها للطبيب من قبل المريض أو وليه، فيخرج بالقيد الأخير إذن الشرع بفعلها، وذلك أن الجراحة تحتاج إلى إذنين:
أحدهما: إذن الشرع - أي كون الجراحة مشروعة، وغير محرمة.
والثاني: إذن المريض أو وليه. والمراد منهما هنا الثاني.
стр. 234
الفرع الثاني في (أركان الإذن بالجراحة)
يشتمل الإذن بالجراحة على أربعة أركان:
الركن الأول: الشخص الآذن:
والمراد به المريض، أو وليه.
الركن الثاني: المأذون له:
وهو المستشفى أو الطبيب الجراح ومساعدوه.
الركن الثالث: المأذون به:
وهو فعل الجراحة الطبية.
الركن الرابع: الصيغة:
وهي العبارة، أو ما يقوم مقامها مما يدل على إجازة فعل الجراحة للطبيب.
стр. 235
الفرع الثالث في (أنواع الإذن بالجراحة)
ينقسم الإذن بالجراحة الطبية إلى نوعين:
النوع الأول: الإذن المطلق:
وصورته أن يجيز الآذن للطبيب فعل أيِّ جراحة يستدعيها علاجه، دون أن يقيده بجراحة معينة.
ومن أمثلته أن يقول المريض للطبيب: (أذنت لك بفعل أي جراحة لعلاجي).
وهذا النوع من الإذن يطلبه الأطباء في حال خوفهم من وجود أمراض جراحية أخرى يفاجئون بها بعد مباشرتهم للعمل الجراحي، فيحتاطون بأخذ هذا النوع من الموافقة المطلقة لكي يستطيعوا معالجتها دون تردد، أو خوف من المسئولية.
النوع الثاني: الإذن المقيد:
وصورته: أن يجيز الآذن للطبيب فعل جراحة معينة، ومن أمثلته أن يقول المريض للطبيب: (أذنت لك بفعل جراحة استئصال اللوزتين).
وهذان النوعان معتبران شرعًا، لأنه لا فرق في الإذن على وجه
стр. 236
الإطلاق أو على وجه التقييد ما دام أن المأذون به جائز شرعًا.
وبعد بيان هذه الفروع الثلاثة فإن الحديث عن الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه المرحلة ينحصر في المطالب التالية:
стр. 237
المطلب الأول في (الآذِن)
يعتبر الآذن الركن الأول من أركان الإذن والكلام فيه ينحصر في أمرين:
أحدهما: بيان المستحق للإذن بالجراحة.
الثاني: بيان أهلية الآذن.
وبيانهما يتضح في المقصدين التاليين:
المقصد الأول: في شخصية الآذن.
يستحق الإذن بفعل الجراحة أحد شخصين:
الأول: المريض.
الثاني: وليه.
أولاً: إذن المريض:
يعتبر المريض المرجع الأول في الإذن بفعل الجراحة إذا كان أهلاً قادرًا على إبداء الإذن، فلا يعتد بإذن أي شخص سواه متى ما تحقق فيه
стр. 238
هذان الوصفان:
"الأهلية، والقدرة على إبداء الإذن".
ومتى أذن على هذا الوجه وامتنع أولياؤه من القرابة كوالده، ووالدته، وأبنائه لم يلتفت إلى امتناعهم، وجاز للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة رغم امتناعهم.
وكذلك العكس، فلو امتنع المريض من الإذن بفعل الجراحة، وأذن غيره من أوليائه لم يجز للطبيب الجراح أن يقوم بفعلها استنادًا على إذنهم وموافقتهم.
فهؤلاء الأولياء لا حق لهم في الإذن وعدمه، متى ما كان المريض أهلاً للإذن قادرًا على إبدائه سواء وافق أم لم يوافق.
فإذا أذنوا أو امتنعوا في حال أهليته كان إذنهم، وامتناعهم لاغ شرعًا كإذن الأجنبي وامتناعه بجامع كون كل منهما فاقدًا للصفة الشرعية التي ينبني عليها اعتبار إذنه، وامتناعه.
ثانيًا: إذن الأولياء:
والنظر في إذن الأولياء يشتمل على أمرين:
أحدهما: في اعتبار إذنهم.
الثاني: في ترتيبهم.
وبيان كل منهما فيما يلي:
стр. 239
(١) اعتبار إذن الأولياء:
اعتبرت الشريعة الإسلامية الولاية على الغير في حال عجز ذلك الغير عن النظر في مصالحه، كما يظهر ذلك جليًا في اعتبار الولاية على الصبي والمجنون والسفيه (١).
وهذا من رحمة الله ﵎ بعباده، ومن يسر شريعته التي تضمنت مصالح العباد في دينهم، ودنياهم، وآخرتهم.
واعتبار لهذا الأصل نص بعض الفقهاء ﵏ على اعتبار الولاية على المريض في حال عدم أهليته للإذن بالجراحة، قال الإمام ابن قدامة ﵀: "وإن ختن صبيًا بغير إذن وليه، أو قطع سلعة من إنسان بغير إذنه، أو من صبي بغير إذن وليه فسرت جنايته ضمن، لأنه قطع غير مأذون فيه" (٢) اهـ.
فاعتبر ختان الصبي، وقطع السلعة منه بغير إذن وليه جناية، ومفهوم ذلك أنه إذا وقع بإذن الولي كان جائزًا، وهذا يدل على اعتبار إذن ولي المريض بالجراحة إذا كان المريض غير أهل بأن كان صبيًا.
стр. 240
وإذا كان الصبي الذي يوجد فيه نوع تمييز موجبًا للولاية، فمن باب أولى أن يوجبها الجنون الذي لا تمييز فيه.
وهذه الولاية الشرعية على الصبي والمجنون تعتبر دليلاً واضحًا على سمو منهج الشريعة الإسلامية، ويسر أحكامها، لأن كلاً من الصبي والمجنون لو قيل باعتبار إذنهما لأدى ذلك إلى حصول الضرر والغبن لهما في الجراحة التي يأذنان بفعلها (١).
ولو قيل إنه لا يجوز لهما أن يأذنا ولا يجوز لغيرهما أن يأذن عنهما لكونهما ليسا من أهل الإذن، ولابد من انتظار البلوغ والإفاقة لأدى ذلك إلى حصول الضرر والمشقة بهما، وقد يهلكان بالمرض الجراحي قبل البلوغ والإفاقة.
فكان اعتبار الولاية منهجًا وسطًا موجبًا لحصول المصالح، ودفع المفاسد المترتبة على عدمها.
(٢) ترتيب الأولياء:
تعتبر قرابة المريض أحق الناس بالإذن بفعل الجراحة اللازمة لمريضهم، وذلك لما جبلهم الله عليه من العاطفة الصادقة التي توجب الحرص الشديد على نفع القريب، ودفع الضرر عنه، لذلك فإنه يغلب على الظن قيامهم برعاية مصلحة المريض بالإذن أو عدمه.
وقرابة المريض تختلف مراتبهم، ودرجاتهم من حيث القرب،
стр. 241
لذلك فإن الحق في ولاية الإذن بالجراحة يعتبر بحسب القرابة وضعفها لوجود من هو أقرب ويعتبر الأبناء أحق القرابة كما هو معلوم من أصول الشرع، فإن التعصيب بالبنوة مقدم على التعصيب بالأبوة (١).
ويلي الأبناء الوالدان إلا أن الأب أقوى ولاية من الأم كما أشار إلى ذلك بعض فقهاء الحنفية ﵏ حيث اعتبروا وصي الأب قائمًا مقام الأب في الإذن بختان الصبي، ولم يعتبروا لوصي الأم حقًا في الإذن به (٢).
ويقوم مقام الأب الجد وإن علا، ثم الإخوة الأشقاء ثم الإخوة لأب، ثم بنو الإخوة الأشقاء، ثم بنو الإخوة لأب ثم الأعمام الأشقاء ثم الأعمام لأب، ثم بنو الأعمام الأشقاء، ثم بنو الأعمام لأب.
وهذا الترتيب اعتبره العلماء ﵏ في الإرث، وهو مبني على مراعاة قوة التعصيب (٣).
ونظرًا لكونه مبنيًا على مراعاة قوة القرب فإنه لا مانع من اعتباره في مسألة الإذن هنا لأن الترتيب فيها مبني على قوة القرب كالحال في الإرث، وقد اعتمد الفقهاء ﵏ في ترتيبهم القرابة في بعض المسائل على ترتيبهم في الميراث كما في مسألة تكفين الميت وغسله والصلاة عليه (٤).
стр. 242
وبناءً على هذا الترتيب فإنه لا يرجع إلى القريب الأبعد في حال وجود من هو أقرب للميت منه.
فلا يرجع للأخ والعم وأبنائهما في حال وجود ابن المريض الأهل، أو أبوه وينبني على اعتبار هذا الترتيب سقوط موافقة ذلك القريب البعيد في حال امتناع من هو أقرب للمريض منه، وكذلك لو امتنع ذلك القريب البعيد ووافق من هو أقرب منه، فإنه تعتبر موافقة القريب، ويسقط امتناعه.
* * *
стр. 243
المقصد الثاني: في أهلية الآذِن
لابد في الشخص الآذن بالجراحة من أن تتوفر فيه أهلية الإذن بها حتى يحكم باعتبار إذنه، ويستوي في ذلك المريض نفسه، ووليه.
وتتحقق هذه الأهلية المشترطة لاعتبار الإذن بوجود أمرين:
أحدهما: البلوغ.
والثاني: العقل.
ومن ثم فإنه لا يعتبر إذن الصبي، ولا المجنون (١)، ولا السكران، فلا يجوز للطبيب أن يقدم على ختان الصبي مثلاً استنادًا على إذنه، وكذلك المجنون، والسكران.
والواجب عليه أن يرجع إلى أوليائهم المُنصَّبين للنظر في مصالحهم، وقد أشار بعض الفقهاء ﵏ إلى اعتبار أهلية الشخص الآذن بالجراحة، ومنهم العلامة منصور بن إدريس البهوتي ﵀ (٢) وذلك في معرض بيانه لعلة عدم إجبار المريض على قلع ضرسه إذا امتنع منه، فقال ﵀: "لأن إتلاف جزء من
стр. 244
الآدمي محرم في الأصل، وإنما أبيح إذا صار بقاؤه ضررًا، وذلك مفوض إلى كل إنسان في نفسه إذا كان أهلاً لذلك" (١) اهـ.
فقوله ﵀: "إذا كان أهلاً لذلك" شرط راجع إلى المريض الآذن ومفهومه أنه إذا لم يكن أهلاً لم يعتد بإذنه.
وقال الإمام ابن القيم ﵀: " ... فإن كان بالغًا عاقلاً لم يضمنه لأنه أسقط حقه بالإذن فيه، وإن كان صغيرًا ضمنه، لأنه لا يعتبر إذنه شرعًا ... " (٢) اهـ.
فأشار ﵀ إلى أهلية الآذن بذكر شرطيها: البلوغ، والعقل. ثم فرع على ذلك سقوط إذن الصبي وعدم اعتباره شرعًا.
وإذا تقرر أن المريض لا يعتد بإذنه في حال عدم أهليته لذلك، فإنه ينبني على ذلك عدم اعتبار إذن الولي الفاقد للأهلية من باب أولى وأحرى، لأنه بدل عنه.
* * *
стр. 245
المطلب الثاني في (شروط الإذن)
يشترط لصحة الإذن بفعل الجراحة الطبية الشروط الستة التالية:
الشرط الأول:
أن يكون الإذن صادرًا ممن له الحق، وهو الشخص المريض، أو من يقوم مقامه كوليه في حال عدم أهليته أو من له الولاية العامة كالحاكم (١).
ومن ثم فإنه لا يعتبر إذن أي شخص لم يعتبر الشرع إذنه عن ذلك المريض فمثلاً: إذا أذن أخ المريض بفعل الجراحة بأخيه حال أهلية المريض، وعدم موافقته، فإن إذنه يعتبر ساقطًا لكونه غير مستند على أصل شرعي يعتبره، فالحق في هذه الحالة مختص بالمريض وحده.
الشرط الثاني:
أن تتحقق أهلية الإذن في كل من المريض، ووليه، وعليه فإنه لا يصح إذن صبي، ولا مجنون، ولا سكران، كما تقدم بيانه في المطلب السابق (٢).
стр. 246
الشرط الثالث:
أن يكون الآذن مختارًا في حال صدور الإذن منه فلا يصح إذن المكره لأنه لا يعتد بقوله الذي أكره عليه (١).
الشرط الرابع:
أن يشتمل الإذن على إجازة فعل الجراحة، لأن ذلك هو المقصود من الإذن.
فلو اشتمل على إجازة غيرها كالعلاج بالدواء، أو إجازة مرحلة منها كمرحلة الفحص فإنه لا يعتبر موجبًا لإجازة فعل الجراحة.
وعلى هذا فإن اعتذار الطبيب الجراح بكون المريض طلب منه علاجه بالدواء وأن ذلك يتضمن الإذن بالجراحة يعتبر اعتذارًا مردودًا، لعدم اتحادهما لفظًا، ومعنى، فالتداوي بالدواء شيء، والتداوي بالجراحة شيء، والجراحة أخطر من الدواء في الغالب، ولذلك يحتاط لها الأطباء من ناحية خوفهم من المسئولية أكثر من احتياطهم للدواء، وإن كان كلاً منهما يتضمن المخاطر التي تهدد حياة المريض فلذلك لا يعتبر الإذن بالأخف ضررًا إذنًا بما هو أخطر منه وأشد.
стр. 247
الشرط الخامس:
أن تكون دلالة الصيغة على إجازة فعل الجراحة صريحة أو قائمة مقام الصريح.
فمن أمثلة الصيغة المشتملة على الإذن الصريح قول المريض للطبيب: أذنت لك بفعل الجراحة، أو افعل لي جراحة كذا، أو أجزت لك فعل جراحة كذا ونحو ذلك.
ومن أمثلة الصيغة المشتملة على الإذن الذي يقوم مقام اللفظ الصريح:
الإشارة المفهومة، كأن يهز المريض رأسه علامة على رضاه ونحو ذلك من الأفعال الدالة على إذنه بفعل الجراحة.
الشرط السادس:
أن يكون المأذون به مشروعًا، فإذا لم يكن كذلك، بأن أذن له بفعل جراحة محرمة كجراحة الوشر، وتغيير الجنس ونحوها فإنه لا يصح إذنه ولا يعتبر شرعًا.
قال الإمام ابن القيم ﵀ عند بيانه لأدلة وجوب الختان: " ... فإنه لا يجوز له (١) الإقدام على قطع عضو لم يأمر الله ورسوله ﷺ بقطعه ولا أوجب قطعه، كما لو أذن له في قطع أذنه، أو أصبعه، فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يسقط الإثم عنه بالإذن ... " (٢) اهـ.
стр. 248
فبين ﵀ أن الإذن بقطع العضو الذي لم يأمر الشرع بقطعه لا يبيح للقاطع فعل القطع، ثم أسقط اعتبار الإذن ورتب الإثم على فعل المأذون به، لكون ذلك المأذون به من جنس المحرم شرعًا.
فدل هذا على أن الإذن يشترط في صحته واعتباره أن يتضمن الجراحة المأذون بفعلها شرعًا دون غيرها.
فهذه هي مجمل الشروط التي ينبغي توفرها لاعتبار إذن المريض بفعل الجراحة الطبية.
* * *
стр. 249
المطلب الثالث في (حكم الإذن بالنسبة للمريض)
يستحب للمريض إذا طلب منه الإذن بفعل الجراحة المستوفية للشروط الشرعية أن يأذن بها.
وهذا الحكم مبني على الأصل الدال على استحباب التداوي لما ثبت عنه ﷺ من التداوي، والأمر به، وإقراره (١)، وهو ﵊ سيد المتوكلين، وإمام المتقين، ولو كان الأفضل في تركه لتركه ﷺ .
وقد ثبت في حديث أسامة بن شريك ﵁ أنه ﷺ لما سأل الأعراب: أنتداوى؟ قال: "تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواء .. " (٢).
وهذا الأمر منه ﵊ فيه دليل على استحباب التداوي والندب إليه، وهو مصروف عن ظاهره من الوجوب إلى الندب لثبوت الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ التي دلت على عدم وجوب التداوي (٣).
стр. 250
لهذا فإنه يستحب للمريض إذا طلب منه الإذن بالجراحة أن يأذن ويتداوى بها.
وإذا ثبت أن الأصل في الإذن بالجراحة من قبل المريض أنه مستحب ومندوب إليه فإنه يرد السؤال عن حكم مسألة مهمة يواجهها المرضى والأطباء في كثير من الأمراض الجراحية الخطيرة، والتي يكون المريض فيها مهددًا بالموت أو تلف عضو من أعضائه إذا لم يتم إسعافه بالجراحة اللازمة.
هل امتناع المريض من الإذن بالجراحة في هذه الحالة جائز له، أم لا بحيث يعتبر آثمًا لو امتنع؟.
وبعبارة أخرى هل يجب عليه الإذن بفعل الجراحة في هذه الحالات الضرورية أم لا؟.
وإذا قلنا بوجوب الإذن عليه وامتنع من الإذن، ومات متأثراً بذلك المرض الجراحي هل يعتبر في حكم القاتل لنفسه أم لا؟.
وبيان حكم المسألتين يتضح في الفرعين التاليين: