← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الشرط الثالث: أن يكون الآذن مختارًا في حال صدور الإذن منه فلا يصح إذن المكره لأنه لا يعتد بقوله الذي أكره عليه (١). الشرط الرابع: أن يشتمل الإذن على إجازة فعل الجراحة، لأن ذلك هو المقصود من الإذن. فلو اشتمل على إجازة غيرها كالعلاج بالدواء، أو إجازة مرحلة منها كمرحلة الفحص فإنه لا يعتبر موجبًا لإجازة فعل الجراحة. وعلى هذا فإن اعتذار الطبيب الجراح بكون المريض طلب منه علاجه بالدواء وأن ذلك يتضمن الإذن بالجراحة يعتبر اعتذارًا مردودًا، لعدم اتحادهما لفظًا، ومعنى، فالتداوي بالدواء شيء، والتداوي بالجراحة شيء، والجراحة أخطر من الدواء في الغالب، ولذلك يحتاط لها الأطباء من ناحية خوفهم من المسئولية أكثر من احتياطهم للدواء، وإن كان كلاً منهما يتضمن المخاطر التي تهدد حياة المريض فلذلك لا يعتبر الإذن بالأخف ضررًا إذنًا بما هو أخطر منه وأشد.

стр. 247

الشرط الخامس: أن تكون دلالة الصيغة على إجازة فعل الجراحة صريحة أو قائمة مقام الصريح. فمن أمثلة الصيغة المشتملة على الإذن الصريح قول المريض للطبيب: أذنت لك بفعل الجراحة، أو افعل لي جراحة كذا، أو أجزت لك فعل جراحة كذا ونحو ذلك. ومن أمثلة الصيغة المشتملة على الإذن الذي يقوم مقام اللفظ الصريح: الإشارة المفهومة، كأن يهز المريض رأسه علامة على رضاه ونحو ذلك من الأفعال الدالة على إذنه بفعل الجراحة. الشرط السادس: أن يكون المأذون به مشروعًا، فإذا لم يكن كذلك، بأن أذن له بفعل جراحة محرمة كجراحة الوشر، وتغيير الجنس ونحوها فإنه لا يصح إذنه ولا يعتبر شرعًا. قال الإمام ابن القيم ﵀ عند بيانه لأدلة وجوب الختان: " ... فإنه لا يجوز له (١) الإقدام على قطع عضو لم يأمر الله ورسوله ﷺ بقطعه ولا أوجب قطعه، كما لو أذن له في قطع أذنه، أو أصبعه، فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يسقط الإثم عنه بالإذن ... " (٢) اهـ.

стр. 248

فبين ﵀ أن الإذن بقطع العضو الذي لم يأمر الشرع بقطعه لا يبيح للقاطع فعل القطع، ثم أسقط اعتبار الإذن ورتب الإثم على فعل المأذون به، لكون ذلك المأذون به من جنس المحرم شرعًا. فدل هذا على أن الإذن يشترط في صحته واعتباره أن يتضمن الجراحة المأذون بفعلها شرعًا دون غيرها. فهذه هي مجمل الشروط التي ينبغي توفرها لاعتبار إذن المريض بفعل الجراحة الطبية. * * *

стр. 249

المطلب الثالث في (حكم الإذن بالنسبة للمريض) يستحب للمريض إذا طلب منه الإذن بفعل الجراحة المستوفية للشروط الشرعية أن يأذن بها. وهذا الحكم مبني على الأصل الدال على استحباب التداوي لما ثبت عنه ﷺ من التداوي، والأمر به، وإقراره (١)، وهو ﵊ سيد المتوكلين، وإمام المتقين، ولو كان الأفضل في تركه لتركه ﷺ . وقد ثبت في حديث أسامة بن شريك ﵁ أنه ﷺ لما سأل الأعراب: أنتداوى؟ قال: "تداووا فإن الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواء .. " (٢). وهذا الأمر منه ﵊ فيه دليل على استحباب التداوي والندب إليه، وهو مصروف عن ظاهره من الوجوب إلى الندب لثبوت الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ التي دلت على عدم وجوب التداوي (٣).

стр. 250

لهذا فإنه يستحب للمريض إذا طلب منه الإذن بالجراحة أن يأذن ويتداوى بها. وإذا ثبت أن الأصل في الإذن بالجراحة من قبل المريض أنه مستحب ومندوب إليه فإنه يرد السؤال عن حكم مسألة مهمة يواجهها المرضى والأطباء في كثير من الأمراض الجراحية الخطيرة، والتي يكون المريض فيها مهددًا بالموت أو تلف عضو من أعضائه إذا لم يتم إسعافه بالجراحة اللازمة. هل امتناع المريض من الإذن بالجراحة في هذه الحالة جائز له، أم لا بحيث يعتبر آثمًا لو امتنع؟. وبعبارة أخرى هل يجب عليه الإذن بفعل الجراحة في هذه الحالات الضرورية أم لا؟. وإذا قلنا بوجوب الإذن عليه وامتنع من الإذن، ومات متأثراً بذلك المرض الجراحي هل يعتبر في حكم القاتل لنفسه أم لا؟. وبيان حكم المسألتين يتضح في الفرعين التاليين:

стр. 251

الفرع الأول: هل يجب على المريض الإذن بالجراحة الضرورية ؟ ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أنه يجب على المريض التداوي بالجراحة إذا خاف هلاك نفسه، أو تلف عضو من أعضائه، وأنه إذا امتنع من التداوي في هذه الحالة فإنه يعتبر آثمًا وعاصيًا. واشترط لذلك وجود غلبة الظن بحصول الشفاء بناءً على شهادة الطبيب المسلم العدل الحاذق المتخصص فيما يقوم به من فروع علم الطب (١). واستدل صاحب هذا القول بعبارات بعض فقهاء الشافعية ﵏، والتي تشهد باعتبار هذا القول، ففي حواشي التحفة ما نصه: "وفي الأنوار (٢) عن البغوي في باب ضمان الولاة أنه إذا علم الشفاء في المداواة وجبت ا. هـ. ولعل محله الشفاء مما يخاف منه التلف ونحوه لا نحو بطء البرء" (٣) اهـ.

стр. 252

وهذا القول يتفق مع ما دلت عليه النصوص الشرعية في الكتاب والسنة فقد قال سبحانه ناهياً عباده: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، ولاشك في أن المريض إذا امتنع من الإذن كان ملقيًا بنفسه، وبعضوه إلى الهلاك والتلف لأن الأطباء المختصين قد أعلموه بالعاقبة التي ينتهي إليها بسبب ذلك المرض الجراحي الخطير. فامتناعه من الإذن بها يعتبر مانعًا من إنقاذه، وسببًا يوجب هلاكه وتلفه فحرم عليه فعله من هذا الوجه. وقد أكدت السنة النبوية هذا المعنى، ففي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن عوف- ﵁، أن النبي ﷺ قال في الطاعون: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" (٢) فنهاهم ﷺ عن دخول الأرض التي بها الطاعون، وفي هذا دليل على أنه ينبغي على المسلم أن يتعاطى الأسباب الموجبة لنجاته من الهلاك بإذن الله تعالى، وأن يبتعد عن ضدها (٣). ومعلوم أن الإذن بالجراحة في هذه الحالة يعتبر من أهم الأسباب الموصلة بإذن الله تعالى لنجاة المريض -في الغالب- من الهلاك والتلف. وامتناعه من الإذن بها يعتبر أيضًا من أهم الأسباب المعينة على

стр. 253

هلاكه وتلفه في الغالب. فوجب على المريض فعل السبب الأول بالإذن والسماح، وحرم عليه فعل الثاني بامتناعه وذلك صيانة للأرواح والأجساد من الهلاك والتلف المتوقع. وبناء عليه فإنه تعتبر هذه الحالات الضرورية مستثناة من الأصل الموجب لاستحباب الإذن بالجراحة، ويعتبر الإذن فيها واجبًا على المريض إذا تركه مع علمه بحصول الشفاء بإذن الله تعالى بالجراحة فإنه يعتبر آثمًا شرعًا. * * *

стр. 254

الفرع الثاني: إذا امتنع المريض من الإذن ومات بسبب المرض الجراحي هل يعتبر قاتلاً لنفسه ؟ لا يعتبر المريض قاتلاً لنفسه لو امتنع من الإذن بالجراحة، ومات بسبب المرض الجراحي، وذلك لأن الشفاء بالجراحة من ذلك المرض المهلك أمر غير مقطوع به، ومن هنا خالف من ترك الطعام والشراب حتى هلك (١). وكذلك خالف من امتنع عن أكل الميتة في المخمصة (٢)، لأن الطعام والشراب مقطوع بنفعه في دفع المخمصة بإذن الله تعالى، بخلاف الجراحة فإنها محتملة ونفعها مبني على الغالب في بعض أحوالها ... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 255

المطلب الرابع في (الحالات المستثناة التى يسقط فيها وجوب الإذن) هناك حالتان يجوز فيهما للطبيب الجراح أن يقوم بفعل الجراحة الطبية دون إذن مسبق من المريض أو وليه وهما: الحالة الأولى: أن يكون المريض مهددًا بالموت أو تلف عضو أو أعضاء من جسده، إذا لم يتم إسعافه بالجراحة الطبية اللازمة فورًا، ولا تسمح حالته الصحية بأخذ الموافقة. الحالة الثانية: أن يكون المرض الجراحي من الأمراض الوبائية التي يخشى من انتشارها في المجتمع. وبيان هاتين الحالتين يتضح فيما يلي: (١) أن يكون المريض مهددًا بالموت أو تلف عضو أو أعضاء من جسده: وهذه الحالة كثيرًا ما تحدث في بعض الأمراض الجراحية التي تصل إلى درجة الخطر مثل: التهاب الزائدة الدودية إذا بلغ إلى درجة الخوف من انفجار الزائدة، فإن المريض يكون مهددًا بالموت إذا لم يتم

стр. 256

إسعافه بالجراحة اللازمة فورًا (١). وأما الخوف على العضو أو الأعضاء من التلف فهو كثيرًا ما يحدث في جراحات الحوادث التي تصيب أطراف الإنسان، وهكذا جراحات الحروب التي يخشى فيها على العضو أو الأعضاء من التلف. وفي جميع هذه الصور يكون المريض في حالة لا يستطيع معها إبداء الموافقة، ويتعذر الاتصال على قريبه أو معرفته فحينئذ يقع الأطباء بين خيارين: أحدهما: الانتظار إلى إفاقة المريض، أو حضور وليه، وهذا الخيار يتعذر قبوله طبيًا لغلبة الظن بهلاك المريض وموته، أو تلف عضوه أو أعضائه. وأما الخيار الثاني: فهو الإقدام على فعل الجراحة الطبية مباشرة دون إذن المريض ووليه. وهذا الخيار هو المتفق مع أصول الشرع التي دعت إلى إحياء الأنفس بتعاطي الأسباب الموجبة لإنقاذها من الهلاك والتلف، واعتبرته من الضروريات. وهذا النوع من الجراحة يعتبر ضروريًا كما تقدم بيانه عند الكلام

стр. 257

على حكم الجراحة العلاجية، وأنه يجب على الطبيب الجراح فعله (١)، فإذا وجد الإذن المسبق فلا إشكال، وأما إذا لم يوجد -كما هو الحال هنا- فإنه يتعذر بغلبة الظن بموافقة المريض لو علم بحاله، لأن الغالب في الإنسان أن يكون حريصًا على نجاة نفسه وسلامة أعضائه. ثم إننا نقول إن الإذن واجب في حال الإمكان، وأما في حال التعذر والخوف على النفس والأطراف فإنه يسقط الحكم بوجوبه، ويبقى وجوب إنقاذ النفس والأطراف على الأطباء كما هو فيلزمهم القيام بواجبهم. وقد جرت العادة في بعض المستشفيات أن توجد لجنة مكونة من عدد من الأطباء المختصين يتولون النظر في مثل هذه الحالات، والحكم فيها بوجوب التدخل الفوري أو الانتظار حسبما تقتضيه مصلحة المريض ودرجة خطورة مرضه. ووجود هذه اللجنة أمر مهم جدًا لقطع التهمة عن الأطباء بحرصهم على فعل الجراحة طلبًا لمصلحتهم الذاتية. فشهادة هؤلاء الأطباء من أهل الخبرة تعتبر مستندًا شرعيًا ضد دعوى التهمة إذا وجهت للطبيب الجراح في حال قيامه بفعل هذا النوع من الجراحة المستعجلة الضرورية. (٢) أن يكون المرض الجراحي من الأمراض الوبائية التي يخشى من انتشارها في المجتمع: وهذه الحالة تقع في بعض الأمراض الجراحية المعدية، وقد صح

стр. 258

عن المصطفى ﷺ أنه قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" (١)، فأثبت انتقال العدوى وتأثيرها بقدرة الله (٢) وهو أمر تشهد به العادة والتجربة، وقد ثبت طبيًا انتقال المرض من المصاب به إلى غيره عن طريق المخالطة، سواء في المأكل أو المشرب، أو الملبس ونحو ذلك (٣). لهذا فإن المريض إذا كان مصابًا بمرض جراحي معدي فإنه يهدد المجتمع، ومن ثم يصبح الحق في إزالة هذ المرض المعدي راجعًا إلى مصلحة المجتمع، فإذا امتنع المريض من الموافاقة على إجراء هذا النوع من الجراحة كان امتناعه واقعًا في غير موقعه لكونه متضمنًا الضرر بالغير. ومن قواعد الفقه الإسلامي "أن الضرر يزال" (٤). ولو قيل: إن المريض إذا امتنع من الإذن بها إنما هو ممتنع لخوف

стр. 259

الضرر على نفسه، ومن قواعد الفقه "الضرر لا يزال بالضرر" (١) فلِمَ يحكم بجواز فعل الجراحة على هذا الوجه؟. لقلنا: إنه تعارض في هذه المسألة ضرران، فوجب النظر في مقدار كل منهما طلبًا لترجيح أحدهما على الآخر للقاعدة الشرعية التي تقول: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (٢). فوجدنا أن ضرر المريض متعلق بالفرد، وضرر ترك المرض بدون علاج متعلق بالمجتمع، ومعلوم أن ضرر الجماعة مقدم على ضرر الفرد إعمالاً للقاعدة التي تقول: "يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" (٣).

стр. 260

المبحث الرابع في (أحكام التخدير الجراحي) تعتبر مرحلة التخدير المرحلة الرابعة من المراحل الممهدة للعمل الجراحي، وهي المرحلة التي يتم بها تهيئة البدن للجراحة اللازمة، وتتسم بالخطورة نظرًا لما يسببه التخدير في بعض الأحيان من مضاعفات خطيرة قد تنتهي بوفاة المريض. وقبل بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه المرحلة يحسن إعطاء فكرة موجزة يتم بها تصور مهمة التخدير حتى يتسنى بعد ذلك بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بها وذلك في الفرعين التاليين:

стр. 261

الفرع الأول: في تعريف التخدير التخدير في اللغة: مأخوذ من الخدر، ومعناه الكسل والفتور، فيقال: خدرت الرجل تخدر أي فترت (١). وأما في الاصطلاح الطبي الحديث فهو: "علم هدفه معرفة وتطبيق الوسائط التي من شأنها أن تحدث عند المريض زوال حس جزئي أو تام بقصد إجراء تدخل جراحي" (٢). فالمراد بالوسائط المواد المخدرة التي يتم بواسطتها تخدير المريض سواء كانت طيارة، أو سائلة، أو جامدة. والمراد بعبارة: "زوال حس جزئي أو تام" الإشارة إلى نوعي التخدير وهما التخدير العام والموضعي. والمراد بعبارة "بقصد إجراء تدخل جراحي" بيان سبب التخدير وموجبه، وهو العمل الجراحي الذي يتطلب سكون المريض وعدم حركته، حتى يتسنى للطبيب الجراج أن يؤدي مهمته على الوجه المطلوب دون حدوث أي مقاومة من الشخص المريض. * * *

стр. 262

الفرع الثاني: في أنواع التخدير الجراحي الأول: التخدير العام أو الكلي. والثاني: التخدير الموضعي (١). وبيان كل منهما فيما يلي: (١) التخدير العام: وهو الذي يؤثر في الجملة العصبية المركزية، ويسبب ضياع الإدراك، وفقدان الحس التام في سائر الجسم، فينتقل فيه الشخص المخدر إلى حالة النوم العميق وعدم الوعي الكامل، ويحصل له ارتخاء عضلي تام (٢). وتسمى الأدوية التي تحدثه بالأدوية المخدرة العامة كالكلورفورم (٣) والأثير (٤) ..................................

стр. 263

وأول أكسيد الأزوت (١). ويعطى هذا النوع من التخدير في معظم الحالات الجراحية في البطن والرقبة والرأس والصدر وهو ملائم لأكبر عدد من العمليات الجراحية (٢). ويتم هذا النوع من التخدير على مرحلتين وهما: المرحلة الأولى: تمهيدية، وتقتضي حقن المريض عن طريق الوريد بالعقاقير المنومة والتي تسبب الارتخاء الكامل للعضلات. المرحلة الثانية: تكميلية، وتقتضي إعطاء المريض غازات منومة مصحوبة بالأوكسجين الضروري لحياة خلايا جسمه، وتعطى هذه الغازات بواسطة أجهزة مصممة خصيصًا لهذا الغرض، ويحدد الطبيب المخدر من خلالها النسب التي يراها مناسبة أو ضرورية لكل حالة (٣). وأما بالنسبة للطرق التي يتم عن طريقها إيصال المواد المخدرة إلى الجسم لكي تقوم بمهمة التخدير العام فهي أربعة طرق: الاستنشاق، والحقن في الوريد، والحقن في العضلات، وإدخالها عن طريق

стр. 264

المستقيم "فتحة الشرج" (١). (٢) التخدير الموضعي: وهو الذي يسبب زوال الحس في منطقة محدودة من الجسم. وتسمى الأدوية التي تحدثه بالأدوية المخدرة الموضعية كالستوفائين، والنوفوكائين، والكوكائين (٢). ويشمل هذا النوع كلا من التخدير النصفي أو الشوكي، والتخدير الجزئي، والتخدير الموضعي لاستئصال الثآليل، والشامات، والأكياس الدهنية ونحوها من الجراحات البسيطة. ويعطى هذا النوع من التخدير في حالات جراحة الشرج والبروستات، وبعض الفتوق وبعض جراحات الأطراف السفلى، وهو يتفاوت في المدة الزمنية على حسب نوعية الجراحة وما تستغرقه من الزمن لإجرائها (٣).

стр. 265

ويتم إيصال المواد المخدرة الموضعية عن طريق الحقن في ناحية معينة من الجسم، فتتخدر بذلك النهايات العصبية فيحدث التخدير الموضعي، أو تحقن في مسرى الأعصاب التي توزع الحس على منطقة أو ناحية ما من نواحي البدن، فيحدث التخدير الناحي, كما يمكن استعمال بعض المواد المخدرة الموضعية مسًا أو رذاذًا على الناحية التي يراد إجراء التدخل الجراحي فيها (١). وبعد بيان هذه اللمحة الموجزة عن مهمة التخدير يحسن الشروع في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه المرحلة وهي تنحصر في المطالب التالية: المطلب الأول: في موقف الشريعة الإسلامية من المخدرات. المطلب الثاني: في مشروعية التخدير الجراحي. المطلب الثالث: في ضابط النوعية والقدر والطريقة. * * *

стр. 266

المطلب الأول في (موقف الشريعة الإسلامية من المخدرات) لم تكن المخدرات الموجودة في عصرنا الحاضر معروفة عند سلف الأمة المتقدمين ﵏ لذلك فإنهم لم يتكلموا على حكمها ولم ينقل عن أحد منهم القول بجوازها أو حرمتها. وفي أواخر القرن السادس الهجري ظهرت الحشيشة، وذلك حينما غزا التتار بلاد المسلمين فجلبوها معهم، فابتلي فساق المسلمين بأكلها، وانتشرت بينهم وعرفها المسلمون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... وهذه الحشيشة فإنه أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل السابعة حيث ظهرت دولة التتر، وكان ظهورها مع ظهور سيف جنكسخان ... " (١) اهـ. ولما ظهرت وعرفها المسلمون تكلم العلماء ﵏ عليها وبينوا حرمة أكلها واستعمالها، وانعقد إجماعهم على تحريم المسكر منها.

стр. 267

قال شيخ الإسلام ﵀: "أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، وسواء أكل منها قليلاً أو كثيرًا، لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين" (١) اهـ. وقال الإمام القرافي (٢) ﵀: "الثاني: النبات المعروف بالحشيشة التي يتعاطها أهل الفسوق اتفق أهل العصر على المنع منها، أعني كثيرها المغيب للعقل" (٣) اهـ. وقد ورد التصريح بحرمة استعمال الحشيشة وغيرها من المخدرات المسكرة في كتب الفقهاء ﵏ على اختلاف مذاهبهم. قال الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي الحنفي ﵀ (٤): "ويحرم أكل البنج (٥) والحشيشة والأفيون (٦) لأنه مفسد

стр. 268

للعقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة" (١) اهـ. وقال الشيخ عبد الباقي الزرقاني المالكي ﵀ (٢): " .. المخدر ما غيب العقل دون الحواس، مع نشوة وطرب كأفيون وكذا حشيشة على الصحيح ... وبخلاف المرقد وهو ما غيبهما معًا كحب البلادر (٣) والداتورة (٤) فطاهران ... بخلاف المفسد والمرقد فطاهران ولا حد على مستعملهما ولا يحرم منهما إلا ما أثر في العقل .. " (٥) اهـ. وقال الشيخ محمد عليش المالكي ﵀ (٦): " ... وأما المفسد ويسمى المخدر أيضًا وهو ما يغيب العقل وحده بلا نشوة ولا طرب ومنه الحشيشة على المعتمد والأفيون، والبرش، وجوزة

стр. 269

الطيب (١) ... المرقد وهو ما يغيب العقل والحواس ومنه البنج والداتورة فطاهران داخلان في المستثنى منه واستعمال قليلهما الذي لا يغيب العقل جائز وكثيرهما الذي يغيبه محرم ... " (٢) اهـ. وقال الإمام النووي ﵀: "ما يزيل العقل من غير الأشربة كالبنج حرام" (٣) اهـ. وقال العلامة محمد بن أحمد الرملي الشافعي (٤) ﵀: "وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات كالبنج والأفيون وكثير الزعفران والجوزة والحشيش " (٥) اهـ. وقال الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀: " ... فأما إن شرب البنج ونحوه مما يزيل عقله عالمًا به متلاعبًا فحكمه حكم السكران في طلاقه .. ولنا أنه زال عقله بمعصية فأشبه السكران ... " (٦). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والحشيشة المصنوعة من ورق القنب حرام أيضًا يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر" (٧) اهـ.

стр. 270

فتبين لنا من هذه العبارات الواردة في كتب الفقهاء ﵏ على اختلاف مذاهبهم حرمة استعمال الحشيشة وغيرها من المواد المخدرة، إذا أثرت في العقل وأزالته، لأنها في حكم الخمر التي ورد النص الصريح في الكتاب والسنة بتحريمها (١). وهذا الحكم الذي نص عليه أهل العلم ﵏ أعني تحريم المخدرات- له دليله من السنة الصحيحة الثابتة عن المصطفى ﷺ ، ففي حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام" (٢). فقوله ﷺ : "كل مسكر" عام يشمل كل ما وقع به الإسكار سواء كان شرابًا، أو طعامًا، جامدًا أو مائعًا، والمخدرات مسكرة مزيلة للعقول سواء كانت نباتية أو مصنعة أو نباتية مصنعة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "واستدل بمطلق قوله ﷺ : "كل مسكر حرام" على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شرابًا فيدخل في ذلك الحشيشة وغيرها. وقد جزم النووي وغيره بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة، وهو مكابرة لأنها تحدث بالمشاهدة ما يحدث الخمر من الطرب والنشوة والمداومة عليها والانهماك فيها ... " (٣) اهـ.

стр. 271

فبين ﵀ أن إطلاق الحديث شامل لكل ما يحصل به الإسكار، ومن ذلك الحشيشة وما يجري مجراها من المواد المخدرة، وأن العلة الموجودة في الخمر موجودة في الحشيشة، فوجب أن يتحد الحكم بالتحريم فيهما. وفي حديث أم سلمة ﵂ قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" (١). فقد دل هذا الحديث الشريف على حرمة ما يسكر ويفتر، والمخدرات فيها العلتان فهي مسكرة ومفترة. قال الحافظ ابن حجر الهيثمي ﵀ (٢): "وهذا الحديث فيه دليل على تحريم الحشيشة بخصوصه فإنها تسكر وتخدر وتفتر" (٣) اهـ. وكما دلت السنة الصحيحة على حرمة تناول المواد المخدرة دل العقل على ذلك فإن القياس والاعتبار الصحيح يدل على أن المخدرات كالخمر بجامع زوال العقل في كل، فوجب اتحادهما في الحكم بالحرمة.

стр. 272

إضافة إلى ذلك كله فإن القواعد الشرعية تدل على حرمة تعاطي المخدرات واستعمالها، وذلك أن الشريعة الإسلامية راعت درء المفاسد، ومن قواعدها العامة: "الضرر يزال" (١) والمواد المخدرة على اختلاف أنواعها وأشكالها فيها أضرار كبيرة ومفاسد كثيرة لا تقتصر على الفرد بل تتعداه إلى مجتمعه. فالحشيشة فيها كما يقول بعض أهل العلم مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية، وأجمع الأطباء على أنها مضرة بالإنسان (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه، والمسكر شر منها من وجه آخر. فإنها مع أنها تسكر آكلها حتى يبقى مصطولاً تورث التخنيث والديوثة، وتفسد المزاج فتجعل الكبد كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون وكثير من الناس صار مجنونًا بسبب أكلها، والمعتاد لها يصعب عليه فطامه عنها أكثر من الخمر فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر" (٣) اهـ. وأما بالنسبة للمخدرات الموجودة والمنتشرة في عصرنا الحاضر فقد ثبت بكل جلاء ووضوح خطرها وضررها ليس على الافرد فحسب، بل على المجتمع كله، ولذلك انعقد الإجماع الدولي على محاربتها ومنع ترويجها واعتبار ذلك جريمة وجناية يعاقب فاعلها -وهذا ما لم

стр. 273

يحدث في الخمر نفسه وإن كان جديرًا بذلك- ولم يقف الأمر عند شرع القوانين المحرمة للمخدرات، بل أنشئت الأجهزة والمراكز الدولية لمكافحتها عالميًا، وتشير الدراسات الطبية عن أضرار المخدرات وخطرها بالنسبة للفرد والمجتمع إلى أن المواد المخدرة مضرة بالإنسان جسديًا ونفسيًا وعقليًا. فأما ضررها بالجسد وصحته فإنها تضعف قوة المدمن عليها، وتظهر عليه أعراض أهمها: هبوط القلب والدورة الدموية والتضخم في عضلة القلب والالتهابات الرئوية والشعبية، والتهاب الكبد وتليفها، والفشل الكلوي، وتؤثر على الجهاز الهضمي وتضعف الشهية. وأما ضررها النفسي فإنها تؤدي إلى الكآبة، والعزلة، والتوتر العصبي، والهلوسة في السمع والبصر، والأحاسيس والمشاعر. كما يشعر المتعاطون لها بالميل إلى العنف، والعدوان، وحدة الطبع أحيانًا وبلادته أحيانًا أخرى فهم في تناقض في الشعور والسلوك تختلف درجاته بحسب اختلاف نوعية المادة المخدرة وطبيعة الشخص المتعاطي لها ودرجة إدمانه. وهي تؤثر على العقل من الناحية الوظيفية فيسبب تعاطيها التهابًا، وتلفًا في خلايا المخ مما يؤدي إلى فقدان الذاكرة وبلادة الذهن، وكثرة النسيان، ثم يفضي به ذلك تدريجيًا إلى فقدان العقل بالكلية فيصبح مجنونًا والعياذ بالله. ولا يقف ضرر المخدرات عند هذا الحد بل يتعداه إلى المجتمع فهي تعتبر من أهم الأسباب الموجبة لانتشار الجرائم على اختلاف أنواعها، القتل، والسرقات، والاغتصاب، كما هو واضح في البلدان

стр. 274

التي انتشرت فيها المخدرات (١). فكل هذه الأضرار الفردية والجماعية الروحية، والجسدية توجب الحكم بحرمة استعمال المخدرات وتعاطيها وقد حرمت الشريعة الإسلامية بعض الأمور التي لا تصل في الضرر إلى هذا الحد، فمن باب أولى وأحرى الحكم بحرمة ما هو أشد منها وأكبر خطرًا. ولا شك في أن اكتشاف الأضرار الموجودة في المخدرات في العصر الحاضر يدل دلالة واضحة على صواب ما قرره فقهاء الإسلام، وأئمته الأعلام من الحكم بحرمة الأفيون والحشيشة وغيرها من المخدرات في أزمنة لم تتوفر عندهم الإمكانيات، كما توفرت في عصرنا الحاضر ... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 275

المطلب الثاني في (مشروعية التخدير الجراحي) وبيان هذه المشروعية يستلزم الحديث عن الحاجة الداعية إلى التخدير الجراحي، ثم بيان اعتبار الشريعة الإسلامية لها، ونصوص أهل العلم ﵏ التي تدل على جواز تخدير المريض عند وجود تلك الحاجة الداعية إلى ذلك. وبيان جميع ذلك يتضح في المقصدين التاليين: المقصد الأول: في الحاجة إلى التخدير يحتاج الطبيب الجراح أثناء قيامه بمهمة الجراحة الطبية إلى سكون المريض وعدم حركته، وذلك لكي يستطيع القيام بأداء مهمته الجراحية على الوجه المطلوب، فحركة المريض وانزعاجه وعدم استقراره أثناء مهمة الجراحة يعتبر عائقًا كبيرًا يحول دون أدائها والقيام بها على وجهها المطلوب، فإن الطبيب الجراح مهما تغاضى عن تصرفات المريض وآلامه فإنه سرعان ما يتعاطف معها إذا بلغت ذروتها، ولو فرضنا أنه لم يبال بشيء من ذلك فإن المريض لن يستقر ولن يثبت بسبب ما يحسه ويجده من الآلام، الأمر الذي يدعوه إلى الحركة الدائمة والمقاومة المستمرة التي لا يستطيع معها الطبيب الجراح الاستمرار في أداء مهمته، وقد تطيش يده التي تحمل الأدوات الجراحية فتقطع عرقًا أو عضوًا لا سمح الله، فينشأ عن ذلك خطر أكبر من المرض الذي تدخل من أجل علاجه، لذلك لابد من وجود التخدير الذي يجعل المريض في حالته

стр. 276

المناسبة ووضعه المناسب أثناء إجراء الجراحة الطبية اللازمة له. وهذه الحاجة تختلف بحسب أنواع الجراحة الطبية وموضعها من حيث عمقها في جسد الإنسان وسطحيتها، فالجراحة التي تختص بالقلب مثلاً لا يمكن أن تجرى إلا بعد التخدير الكلي للمريض، بل إن الجراحة الطبية القلبية لم تصل إلى هذه الدرجة الدقيقة من الخطورة والعمق خاصة في جراحة القلب المفتوح إلا بعد تطور التخدير وتحسنه (١). فهذا النوع من الجراحة وأمثاله من الجراحات الطبية الخطرة في المخ، والأعصاب، والعين، والأذن، والصدر، والبطن، والمسالك البولية، تصل الحاجة فيها إلى التخدير درجة الاضطرار بحيث لا يمكن أن تجرى الجراحة الطبية فيها إلا بعد التخدير، وإذا تم فعلها بدونه فإن معنى ذلك هو الموت المحقق للشخص المريض. وهناك نوع آخر من الجراحة الطبية أقل خطورة ويمكن للطبيب الجراح أن يقوم بأداء مهمته الجراحية بنجاح تام والمريض في كامل شعوره وإحساسه وإن كان يجد من آلام الجراحة شيئًا لكنه مما يمكن تحمله والصبر عليه دون وجود مقاومة أو ضجر شديد، وهذا النوع أكثر ما يوجد في الجراحة العامة السطحية المتعلقة بعلاج الجراحة التي في ظاهر جسد الإنسان. وهناك نوع ثالث من الجراحة الطبية يعتبر وسطاً بين النوعين من

стр. 277

حيث إمكان إجراء الجراحة دون أن يخدر المريض تخديرًا عامًا أو موضعيًا، لكن المريض يلاقى فيه آلامًا ومتاعب من جراء الجراحة توجب له المشقة والعناء الشديد، ومن أمثلة هذا النوع الجراحة المتعلقة ببتر الأعضاء كاليد والرجل. فإن الإنسان يمكنه أن يتحمل آلام تلك الجراحة، ولكنه يجد مشقة وألمًا كبيرًا، ولكن لا يصل بذلك إلى مقام الاضطرار في الغالب. فتحصل من هذا كله أن الحاجة إلى التخدير في الجراحة الطبية لا تخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تصل إلى مقام الضرورة: وهي الحالة التي يستحيل فيها إجراء الجراحة الطبية بدون تخدير كما في جراحة القلب المفتوح ونحوها من أنواع الجراحة الخطيرة، والتي إذا لم يخدر فيها المريض فإنه سيموت في أثناء الجراحة أو بعدها بقليل. الحالة الثانية: أن تصل إلى مقام الحاجة: وهي الحالة التي لا يستحيل فيها إجراء الجراحة الطبية بدون تخدير، ولكن المريض يلقى فيها مشقة فادحة لا تصل به إلى درجة الموت والهلاك وهي الحالة المتوسطة، ومن أمثلتها جراحة بتر الأعضاء كما تقدم. الحالة الثالثة: وهي التي لا تصل إلى مقام الضرورة والحاجة: حيث يمكن فيها إجراء الجراحة الطبية دون أن يخدر الشخص

стр. 278

المريض، ويلقى فيها بعض الآلام البسيطة التي يمكنه الصبر عليها دون أن تلحق به مشقة فادحة في الغالب ومن أمثلتها: قلع السن في بعض حالاته. وهذا التقسيم شامل للجراحة الطبية التي تتطلب التخدير العام، والتخدير الموضعي، لكن الغالب في الحالة الأولى أن تقع في الجراحة التي تتطلب التخدير العام بخلاف الحالتين الثانية والثالثة. وفي الحقيقة أن تقدير ذلك وضبطه أمر يرجع إلى الطبيب نفسه فهو الذي يمكنه تطبيق هذه الحالات على أنواع الجراحة لاختلاف المرضى ونوعية الجراحة اللازمة لهم. وإذا تبين لنا وجود الحاجة الداعية إلى التخدير الجراحي فإنه يمكن القول بجواز فعله سدًا لتلك الحاجة فما كان منها بالغًا مبلغ الاضطرار يعتبر جوازه مخرجًا على القاعدة الشرعية التي تقول: "الضرورات تبيح المحظورات" (١)، وما كان منها بالغًا مبلغ الحاجة يعتبر جوازه مخرجًا على القاعدة الشرعية التي تقول: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة" (٢) وما كان منها دون مقام الحاجة يرخص في اليسير من المخدر. بناء علي ما نص عليه الفقهاء المتقدمون ﵏ من جواز استعمال المخدر في التداوي ومن ثم يشرع للأطباء تخدير المرضى سدًا للحاجة كما قرر ذلك بعض الفقهاء ﵏ وسيتضح ذلك من خلال العبارات المذكورة في المقصد التالي. * * *

стр. 279

المقصد الثاني: في عبارات الفقهاء المتقدمين المشتملة على جواز التخدير للجراحة نص بعض الفقهاء المتقدمين ﵏ على جواز استعمال المواد المخدرة عند الحاجة إليها للجراحة، كما في قطع اليد والرجل وغيرها من المهمات الجراحية التي يحتاج المرضى فيها إلى التخدير، ويظهر ذلك جليًا في العبارات التالية: قال الإمام ابن عابدين الحنفي ﵀ (١): "قدمنا في الحظر والإباحة عن التاترخانيه أنه لا بأس بشرب ما يذهب بالعقل لقطع نَحْو أكْلَةٍ، أقول ينبغي تقييده بغير الخمر، وظاهره أنه لا يتقيد، بنحو بنج من غير المائع .. " (٢) اهـ. فبين ﵀ إباحة شرب المزيل للعقل إذا وجدت الحاجة للجراحة التي مثّل لها بقطع الأكْلَة ونحوها. ثم بين أن ظاهر العبارة المنقولة العموم فيشمل الخمر وغيرها كالمخدرات، ورجح التقييد بغير الخمر، وهذا التقييد غير مؤثر في الحكم باستثناء المخدرات للحاجة لأنهم يعتبرونها من المفسدات، كما صرح بذلك صاحب الدر (٣).

стр. 280

وقال صاحب تبصرة الحكام ﵀: "إذا كان شارب الخمر أو النبيذ حرًا مسلمًا مكلفًا وشربه مختارًا من غير ضرورة ولا عذر فإنه يجلد ثمانين ... ثم قال بعد ذلك: والظاهر جواز ما سقي من المرقد لأجل قطع عضو ونحوه، لأن ضرر المرقد مأمون، وضرر العضو غير مأمون" (١) اهـ. فبين ﵀ أن الحالات الضرورية، والحاجية التي وجد فيها العذر لشرب الخمر تعتبر مستثناة من الحكم بحرمة شربها. ثم نص على استثناء حالات الجراحة المشتملة على قطع الأعضاء من الحكم بالتحريم فأجاز شرب المرقد (المخدر) لها، وبين علة ذلك الجواز، وهي أن ضرر المخدرات مأمون، وضرر العضو غير مأمون، ووجه ذلك أن شرب اليسير من المخدر لا يبلغ ضرره مبلغ ضرر العضو في حال بقائه، فالأول مأمون السريان (أي القدر المستعمل للتخدير) والثاني غير مأمون السريان. وقال الإمام أبو زكريا يحيى النووي الشافعي ﵀: "ولو احتيج في قطع اليد المتآكلة إلى زوال عقله هل يجوز ذلك؟ يخرج على الخلاف في التداوي بالخمر. قلت: الأصح الجواز .. " (٢) اهـ. فبين ﵀ أنه يجوز للإنسان تعاطي المزيل للعقل لحاجة قطع اليد المتآكلة، وجزم بكونه أصح الوجهين في المذهب. وقال الإمام علاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي (٣)

стр. 281

-﵀ " قال في الجامع الكبير: إن زال عقله بالبنج نظرت، فإن تداوى به فهو معذور، ويكون الحكم فيه كالمجنون. وإن تناول ما يزيل عقله لغير حاجة كان حكمه كالسكران والتداوي حاجة" (١) اهـ. فنص على استثناء الحاجة واعتبارها موجبة لإلغاء طلاق صاحبها إن شرب المزيل وطلق. ثم نص على أن التداوي يعتبر من الحاجة. ولاشك في أن الجراحة داخلة في ذلك، لكونها من التداوي. ومن خلال هذه العبارات التي نص عليها هؤلاء الفقهاء الأجلاء يتبين لنا أن التخدير الجراحي يعتبر مستثنى من الأصل الموجب لحرمة المواد المخدرة الموجودة فيه، وأن هذا الاستثناء مبني على وجود الحاجة الداعية إلى التخدير ... والله أعلم. * * *

стр. 282

المطلب الثالث في (ضابط النوعية والقدر والطريقة) يحتاج المريض لتخديره في الجراحة الطبية إلى نسبة معينة من المخدر، وهذه النسبة تختلف من حيث القدر والكمية حسب اختلاف نوعية الجراحة المطلوبة من حيث سطحيتها وعمقها. فعلى سبيل المثال يحتاج الطبيب في قلع السن وشق الخُرَّاج إلى تخدير سطحي جدًا، بينما يحتاج في الجراحة التي تجرى داخل الحفرة البطنية كالقرحة واستئصال الزائدة إلى تخدير أعمق، وذلك لإزالة مقوية العضلات، ومنع حدوث انقباضها الانعكاسي نتيجة العمل الجراحي الذي يقوم به الطبيب الجراح للبرتيون الحساس، بالإضافة إلى وجود مستويات مختلفة من التخدير يحتاج إليها لمنع حدوث استجابة انعكاسية في النواحي المختلفة (١). وإذا كان الأصل في استعمال المخدرات -كما تقدم- هو التحريم، وأن جوازها في الجراحة الطبية مبني على وجود الضرورة والحاجة فإن ذلك الجواز ينبغي أن يقيد بقدر الحاجة المطلوبة، ويبقى الزائد على القدر المحتاج إليه على الأصل وهو حرمة استعماله، وذلك للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٢). وبناء على ذلك فإنه يجب على الطبيب المخدر أن يحدد النسبة

стр. 283

المطلوبة لتخدير المريض حسب الحاجة، ولا يجوز له أن يزيد عليها إلا بقدر الضرورة، فإذا كانت الجراحة الطبية من النوع الذي يمكن إجراؤه بتخدير المريض تخديرًا موضعيًا فإنه لا يجوز له أن يعدل إلى تخديره تخديرًا كليًا إلا إذا وجدت الضرورة الداعية إلى ذلك. وقد اعتنت المصادر التي تكلمت عن التخدير في الجراحة الطبية ببيان النسب وتحديد قدرها حسب الحاجة، ويعتبر هذا التحديد الذي درج أهل الخبرة والمعرفة على اعتباره مرجعًا للطبيب المخدر ولا يجوز له العدول عنه على وجه المخاطرة والتجربة، خاصة وأن المواد المخدرة تعتبر موادًا سامةً ولذلك يقول بعض المختصين في التخدير الجراحي عند بيانه لمهمة التخدير: "إن كل المخدرات مواد سامة، وتذكر بأنك عندما تقوم بعملية تخدير فإنك تقرر أن تسمم شخصًا، لا أن تقتله لذلك أعط أقل كمية ممكنة .. " (١) اهـ. ويقول غيره: "أما درجة تحمل الأشخاص للمواد المخدرة الموضعية، فمن الثابت أن أغلب الأشخاص يتحملونها بسهولة تامة، بينما لا يتحملها آخرون، وهذا التحسس من المخدرات الموضعية له محاذيره الخطرة التي قد تكون مميتة في بعض الحالات لذلك يجب أن لا تستعمل هذه الأدوية السامة اعتباطًا ودون تمييز، بل يجب التأكد من درجة تحسس المرضى منها قبل حقنها .. " (٢) اهـ. وأما ضابط الطريقة فإنه لا يجوز للمخدر أن يختار طريقة أشد ضررًا من غيرها متى ما أمكن التخدر بالطريقة التي هي أقل منها ضررًا وأكثر أمانًا لما في تقديم الطريقة المضرة من تعريض المريض لعواقبها

стр. 284

السيئة دون حاجة موجبة لذلك. وكذلك لا يجوز له أن يعدل إلى التخدير عن طريق العورة "فتحة الشرج" متى أمكن التخدير عن طريق الوريد ونحوه، لأن العورة لا يستباح كشفها إلا عند الحاجة (١)، ومتى وجد طريق بديل عنها فإن الحاجة منتفية ما لم يكن ذلك البديل يتعذر التخدير عن طريقه أو يترتب على التخدير عن طريقه ضرر أعظم من ضرر التخدير عن طريق العورة ... والله أعلم. فهذه هي المراحل الأربعة الممهدة للعمل الجراحي، والأحكام المتعلقة بها، وهناك مرحلة الفحص الطبي الذي يجرى للتأكد من وجود المرض الجراحي، وأهلية المريض لتحمل الجراحة ومتاعبها، ولما كانت هذه المرحلة في حكم مرحلة الفحص الطبي الذي سبق بيان أحكامه في المبحث الأول من هذا الفصل رأيت من المناسب عدم تكرار الأحكام المتعلقة به لأنه في حكم الفحص المذكور. * * *

стр. 285

الفصل الثاني في (أحكام العمل الجراحي)
следующие страницы →