← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

-﵀ " قال في الجامع الكبير: إن زال عقله بالبنج نظرت، فإن تداوى به فهو معذور، ويكون الحكم فيه كالمجنون. وإن تناول ما يزيل عقله لغير حاجة كان حكمه كالسكران والتداوي حاجة" (١) اهـ. فنص على استثناء الحاجة واعتبارها موجبة لإلغاء طلاق صاحبها إن شرب المزيل وطلق. ثم نص على أن التداوي يعتبر من الحاجة. ولاشك في أن الجراحة داخلة في ذلك، لكونها من التداوي. ومن خلال هذه العبارات التي نص عليها هؤلاء الفقهاء الأجلاء يتبين لنا أن التخدير الجراحي يعتبر مستثنى من الأصل الموجب لحرمة المواد المخدرة الموجودة فيه، وأن هذا الاستثناء مبني على وجود الحاجة الداعية إلى التخدير ... والله أعلم. * * *

стр. 282

المطلب الثالث في (ضابط النوعية والقدر والطريقة) يحتاج المريض لتخديره في الجراحة الطبية إلى نسبة معينة من المخدر، وهذه النسبة تختلف من حيث القدر والكمية حسب اختلاف نوعية الجراحة المطلوبة من حيث سطحيتها وعمقها. فعلى سبيل المثال يحتاج الطبيب في قلع السن وشق الخُرَّاج إلى تخدير سطحي جدًا، بينما يحتاج في الجراحة التي تجرى داخل الحفرة البطنية كالقرحة واستئصال الزائدة إلى تخدير أعمق، وذلك لإزالة مقوية العضلات، ومنع حدوث انقباضها الانعكاسي نتيجة العمل الجراحي الذي يقوم به الطبيب الجراح للبرتيون الحساس، بالإضافة إلى وجود مستويات مختلفة من التخدير يحتاج إليها لمنع حدوث استجابة انعكاسية في النواحي المختلفة (١). وإذا كان الأصل في استعمال المخدرات -كما تقدم- هو التحريم، وأن جوازها في الجراحة الطبية مبني على وجود الضرورة والحاجة فإن ذلك الجواز ينبغي أن يقيد بقدر الحاجة المطلوبة، ويبقى الزائد على القدر المحتاج إليه على الأصل وهو حرمة استعماله، وذلك للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (٢). وبناء على ذلك فإنه يجب على الطبيب المخدر أن يحدد النسبة

стр. 283

المطلوبة لتخدير المريض حسب الحاجة، ولا يجوز له أن يزيد عليها إلا بقدر الضرورة، فإذا كانت الجراحة الطبية من النوع الذي يمكن إجراؤه بتخدير المريض تخديرًا موضعيًا فإنه لا يجوز له أن يعدل إلى تخديره تخديرًا كليًا إلا إذا وجدت الضرورة الداعية إلى ذلك. وقد اعتنت المصادر التي تكلمت عن التخدير في الجراحة الطبية ببيان النسب وتحديد قدرها حسب الحاجة، ويعتبر هذا التحديد الذي درج أهل الخبرة والمعرفة على اعتباره مرجعًا للطبيب المخدر ولا يجوز له العدول عنه على وجه المخاطرة والتجربة، خاصة وأن المواد المخدرة تعتبر موادًا سامةً ولذلك يقول بعض المختصين في التخدير الجراحي عند بيانه لمهمة التخدير: "إن كل المخدرات مواد سامة، وتذكر بأنك عندما تقوم بعملية تخدير فإنك تقرر أن تسمم شخصًا، لا أن تقتله لذلك أعط أقل كمية ممكنة .. " (١) اهـ. ويقول غيره: "أما درجة تحمل الأشخاص للمواد المخدرة الموضعية، فمن الثابت أن أغلب الأشخاص يتحملونها بسهولة تامة، بينما لا يتحملها آخرون، وهذا التحسس من المخدرات الموضعية له محاذيره الخطرة التي قد تكون مميتة في بعض الحالات لذلك يجب أن لا تستعمل هذه الأدوية السامة اعتباطًا ودون تمييز، بل يجب التأكد من درجة تحسس المرضى منها قبل حقنها .. " (٢) اهـ. وأما ضابط الطريقة فإنه لا يجوز للمخدر أن يختار طريقة أشد ضررًا من غيرها متى ما أمكن التخدر بالطريقة التي هي أقل منها ضررًا وأكثر أمانًا لما في تقديم الطريقة المضرة من تعريض المريض لعواقبها

стр. 284

السيئة دون حاجة موجبة لذلك. وكذلك لا يجوز له أن يعدل إلى التخدير عن طريق العورة "فتحة الشرج" متى أمكن التخدير عن طريق الوريد ونحوه، لأن العورة لا يستباح كشفها إلا عند الحاجة (١)، ومتى وجد طريق بديل عنها فإن الحاجة منتفية ما لم يكن ذلك البديل يتعذر التخدير عن طريقه أو يترتب على التخدير عن طريقه ضرر أعظم من ضرر التخدير عن طريق العورة ... والله أعلم. فهذه هي المراحل الأربعة الممهدة للعمل الجراحي، والأحكام المتعلقة بها، وهناك مرحلة الفحص الطبي الذي يجرى للتأكد من وجود المرض الجراحي، وأهلية المريض لتحمل الجراحة ومتاعبها، ولما كانت هذه المرحلة في حكم مرحلة الفحص الطبي الذي سبق بيان أحكامه في المبحث الأول من هذا الفصل رأيت من المناسب عدم تكرار الأحكام المتعلقة به لأنه في حكم الفحص المذكور. * * *

стр. 285

الفصل الثاني في (أحكام العمل الجراحي)

стр. 286

تمهيد في هذا الفصل سيكون الحديث بعون الله وتوفيقه عن المهمات المتعلقة بمرحلة العمل الجراحي التي يقوم بفعلها الطبيب الجراح. وقد اخترت أهم تلك الأعمال، ووضعت لها مسمى يجمع كثيرًا من الصور تلافيًا للتكرار، فعلى سبيل المثال مهمة الجراح في جراحة البواسير، وقطع الأعصاب للتغلب على الألم، وجراحة بتر الرجل واليد، جمعتها تحت مسمى القطع وهكذا بقية المهمات. وهذا الفصل يعتبر بيانًا لما سبق إجماله في الفصل الأول من الباب الثاني عند ذكر الجراحة المشروعة وسأعتني فيه -إن شاء الله تعالى- ببيان نصوص العلماء المتقدمين ﵏ التي تشهد باعتبار تلك المهمات، وسأذكر المسائل التي اختلفوا فيها وأقوالهم فيها وأدلتهم والراجح منها ودليل رجحانه. وإذا كانت المسألة نازلة أعتني بذكر أقوال العلماء والباحثين المعاصرين، وأدلتهم، والراجح من أقوالهم ودليل رجحانه، سائلاً المولى أن يمدني بعونه وتوفيقة. وسيكون بيان ذلك في المباحث التالية: المبحث الأول: في القطع. المبحث الثاني: في الاستئصال.

стр. 287

المبحث الثالث: في الشق. المبحث الرابع: في نقل وزرع الأعضاء. المبحث الخامس: في الثقب. المبحث السادس: في الكحت وتوسيع الرحم. المبحث السابع: في إعادة العضو المبتور. المبحث الثامن: في زرع الأعضاء المصنوعة. المبحث التاسع: في الرتق. المبحث العاشر: في الكي. المبحث الحادي عشر: في الخياطة. وبيان هذه المباحث يتضح فيما يلي:

стр. 288

المبحث الأول في (القطع) والمراد به: إبانة العضو، أو جزئه عن الجسم، سواء كان موضع الإبانة من المفصل، وتسمى عمليته بالفصل، كما في إبانة الأصابع والسلاميات بالحز من مفاصلها أو كان موضعها في غير المفاصل كما في بتر الساعد والساق من منتصفهما بالنشر (١)، والشيء المقطوع قد يكون عضوًا من أعضاء الجسم الموجودة فيه من أصل خلقته كاليد، والرجل. وقد يكون جزءًا غريبًا ناشئًا بسبب علة، أو آفة أصابت الموضع الذي فيه ذلك الجزء كما في الخراج ونحوه. والقطع في الحقيقة إتلاف وهو مفسدة (٢)، ولذلك فإن الأصل فيه أنه محرم شرعًا، لكن أجيز في الجراحة الطبية لمكان الضرورة والحاجة الداعية إلى فعله، وقد أشار إلى ذلك الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري ﵀ وحكى إجماع أهل العلم ﵏ عليه بقوله: "واتفقوا أنه لا يحل لأحد أن يقتل نفسه ولا يقطع عضوًا من أعضائه، ولا أن يؤلم نفسه في غير التداوي بقطع العضو الألم خاصةً" (٣) اهـ.

стр. 289

وقد شهدت السنة النبوية الثاتبة عن رسول الله ﷺ بجواز فعل القطع عند الحاجة إليه في العلاج. ففي الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" (١). فقد أقر ﵊ الطبيب على فعله القطع، ولم ينكره عليه فدل ذلك على جواز فعله للعلاج والمداواة (٢). وإقدام الأطباء على قطع الأعضاء وإبانتها إتلاف أجازته الشريعة الإسلامية لمكان المصلحة المرجوة من ذلك الفعل، ومفسدته أخف من مفسدة بقاء تلك الأعضاء التي أصيبت بالآفات الموجبة لقطعها، كما أشار إلى ذلك الإمام العز بن عبد السلام ﵀ عند بيانه لمراتب الإتلاف بقوله: "أحدهما: إتلاف لإصلاح الأجساد، وحفظ الأرواح، كإتلاف الأطعمة ... ويلحق به قطع الأعضاء المتآكلة حفظًا للأرواح، فإن إفساد هذه الأشياء جائز للإصلاح" (٣) اهـ. فلما كان المقصود من هذا الإتلاف الإصلاح المشتمل على حفظ الروح من الهلاك المتوقع من بقاء الأعضاء التي يراد قطعها جاز فعله، لأنه من باب دفع المفسدة العليا بارتكاب المفسدة الدنيا (٤)، ومن قواعد الشريعة الإسلامية: "أنه إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا

стр. 290

بارتكاب أخفهما" (١). فبقاء هذه الأعضاء مشتمل على مفسدة فوات النفس، وقطعها مشتمل على مفسدة الإتلاف للجزء، فوجب تقديم مفسدة فوات النفس لتعلقها بالكل على مفسدة الإتلاف المتعلقة بالجزء ارتكابًا لأخف الضررين، وأهون الشرين (٢). والقطع في الجراحة الطبية يصل في بعض الأحوال إلى مرتبة الضروريات، وفي بعضها إلى مرتبة الحاجيات. فيصل إلى مرتبة الضروريات في الأحوال التي يخشى فيها من فوات النفس، فيلجأ الأطباء إلى فعله إنقاذًا للمريض من الموت. ومن أمثلة ذلك ما يجري في جراحة القلب لعلاج الناسور الشرياني بين الأبهر، والرئوي، حيث يقوم الطبيب الجراح بقطع القناة الشريانية، وخياطة النهاية الأبهرية، والنهاية الرئوية (٣)، وهذه المرتبة هي أعلى المرتبتين، وهي أعلى المراتب الموجبة للترخيص في الشريعة (٤). وأما مرتبة الحاجيات فهي التي لا تصل إلى درجة الخوف على النفس من الهلاك، ولكن يلجأ الأطباء فيها إلى القطع دفعًا لضرر الآلام ومشقتها.

стр. 291

ومن أمثلتها ما يجري في جراحة البطن من قطع البواسير (١). عبارات الفقهاء المتضمنة لجواز القطع عند الحاجة: نص الفقهاء المتقدمون ﵏ على جواز القطع إذا وجدت الحاجة الداعية إلى فعله ويظهر ذلك من خلال عباراتهم التالية: أ- فقهاء الحنفية: في الفتاوى الهندية ما نصه: "من له سلعة زائدة يريد قطعها، إن كان الغالب الهلاك فلا يفعل، وإلا فلا بأس به" (٢) اهـ. وفيها أيضًا: "لا بأس بقطع العضو إن وقعت فيه الأكلة لئلا تسري" (٣) اهـ. ب- فقهاء المالكية: قال الشيخ محمد يوسف المواق (٤) ﵀: "لو استأجر على قطع سن صحيحة، أو قطع يد صحيحة لم يجز، ولو كانت اليد متآكلة، والسن متوجعة جازت.

стр. 292

وقال ابن وهب (١)، وأشهب (٢): "من ذهب بعض كفه فخاف على باقي يده لا بأس أن يقطع يده من المفصل إن لم يخف عليه الموت". ثم نقل عن الإمام ابن رشد الجد ﵀ قوله: "إن كان خوف الموت من بقاء يد كذلك أشد من خوف الموت بقطعه فله القطع" (٣) اهـ. جـ- فقهاء الشافعية: قال الشيخ زكريا الأنصاري ﵀ (٤): "وحل قطع جزئه ... لأنه إتلاف جزء لاستبقاء الكل كقطع اليد للأكلة ... " (٥) اهـ.

стр. 293

وقال العلامة جلال الدين المحلي (١) ﵀: "والأصح جوازه لأنه إتلاف بعض لاستبقاء الكل كقطع اليد للأكلة ... " (٢) اهـ. د- فقهاء الحنابلة: قال الإمام ابن قدامة ﵀: " ... أما قطع الأكلة فإنه يخاف الهلاك بذلك العضو فأبيح له إبعاده، ودفع ضرره المتوجه منه ... " (٣) اهـ. وقال العلامة يونس بن إدريس البهوتي ﵀: "ويصح استئجاره لحلق شعر ... وقطع شيء من جسده للحاجة إليه أي إلى قطعه لنمو أكلة، لأن ذلك منفعة مقصودة" (٤) اهـ. وقال الإمام يوسف بن عبد الهادي (٥) ﵀: "ويباح

стр. 294

البطُّ (١) وقطع السلع مع الأمن" (٢) اهـ. وقال الإمام ابن القيم ﵀: قوله: "لو لم يكن واجبًا لما جاز للخاتن الإقدام عليه إلى آخره (٣)، ينتقض بإقدامه على قطع سلعة، وتفتح غدة في الجسد، أو خُرَّاج في العنق، والعضو التالف، وقلع السن، وقطع العروق ... ، فيجوز الإقدام على ما يباح للرجل قطعه فضلاً عما يستحب، ويسن وفيه مصلحة ظاهرة" (٤) اهـ. وهذه العبارات التي نص عليها هؤلاء الفقهاء الأجلاء ﵏ تدل دلالة واضحة على إجازتهم لمهمة القطع الجراحي بنوعيه الضروري، والحاجي. فأما الضروري فقد صرح به الإمام ابن رشد الجد من المالكية ﵏ بقوله: "إن كان خوف الموت من بقاء يده ... " اهـ. وكذلك صرح به الإمام ابن قدامة من الحنابلة ﵏ بقوله: " ... فإنه يخاف الهلاك" اهـ. وأشار إليه فقهاء الشافعية ﵏ بقولهم: "فإنه يخاف الهلاك" اهـ. وأشار إليه فقهاء الحنفية ﵏ بقولهم: "لئلا تسري" اهـ.

стр. 295

وأما الحاجي فيظهر اعتبارهم له من الأمثلة التي ذكرها فقهاء الحنفية والحنابلة ﵏، من قطع السلعة والخراج والعروق. ويعتبر إطلاق الإمام شرف الدين موسى الحجاوي من فقهاء الحنابلة ﵏ شاملاً لنوعي القطع الضروري والحاجي، حيث قال ﵀ في الإقناع: " ... وقطع شيء من جسده للحاجة إليه ... " (١) اهـ. وقد تقدم في مبحث أدلة مشروعية الجراحة ذكر قصة عروة بن الزبير ﵁ وأنها تعتبر دليلاً على إجماع السلف ﵏ على جواز القطع ومشروعيته .. والله تعالى أعلم. المسألة الأولى: هل يكره قطع البواسير ؟. قال العلامة منصور بن إدريس البهوتي ﵀: "يكره قطع الباسور، ومع خوف تلف بقطعه يحرم، وبتركه يباح" (٢) اهـ. ومراده ﵀ أن قطع الباسور له ثلاث حالات: الحالة الأولى: يحرم فيها فعله، وذلك عند خوف الهلاك بسبب قطعه. الحالة الثانية: يباح فيها فعله، وذلك عند خوف الهلاك بسبب تركه.

стр. 296

الحالة الثالثة: الكراهة فيما عدا ذلك. فأما حكمه بحرمة القطع في حالة الخوف من الهلاك بسبب فعل القطع فهو أمر مسلم، ولكن بشرط أن يكون ذلك الخوف مبنيًا على قول الأطباء، وأهل المعرفة وهذه الحالة نادرة الوقوع في العصر الحاضر نظرًا لتطور علم الجراحة ووسائله التي منَّ الله تعالى بها على عباده. وإنما حرم فعل القطع في هذه الحالة لأنه يفضي إلى فوات النفس وتلفها، وهي مفسدة أعظم من مفسدة بقاء الباسور بآلامه، فوجب تقديم المنع والحكم بحرمة فعله. وأما حكمه بإباحته في حال خوفه الهلاك بسبب ترك قطع الباسور فهو مبني على نفس الأصل المتقدم لأن مصلحة حفظ الروح موجودة في القطع، ومفسدة فواتها في تركه، فقدمت مصلحة حفظ الروح بفعل القطع على مفسدة فواتها بتركه والصورة العكسية تقتضي القول بالوجوب في هذه الحالة لأنه مقابل للقول بالحرمة والعلتان متقابلتان، لكن لعله لاحظ أن حصول مصلحة حفظ الروح بفعل القطع في هذه الصورة غالبة بخلاف الصورة الأولى فإنها متيقنة في تركه للقطع الموجب لها. وأما حكمه بكراهة قطعه فيما عدا هاتين الحالتين فهو محل إشكال خاصة وأنه لم يبين مستنده في ذلك، اللهم إلا أن يقال: إنه راعى مفسدة كشف العورة أو أن القطع في عصره كان مشتملاً على ما يوجب الحكم بكراهة فعله، وأيًا ما كان فإن ما تقدم بيانه في مشروعية القطع عند الحاجة يدل على جواز قطع الباسور في هذه الحالة بدون كراهة،

стр. 297

وأما مفسدة كشف العورة فقد نص العلماء ﵏ على إسقاطها في التداوي نظرًا للحاجة الداعية إليه (١)، ثم إن الختان عند طائفة من أهل العلم ﵏ سنة ومع ذلك أجازوا كشف العورة له، فكذا هنا يجوز كشف العورة لقطع الباسور بدون كراهة .. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 298

المسألة الثانية: هل يجوز قطع الأصبع الزائدة ؟. لا تخلو الأصبع الزائدة من حالتين: الأولى: أن لا يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها . الثانية: أن يوجد فيها ألم يدعو إلى قطعها. فأما الحالة الأولى: فإنه لا يجوز فيها قطع الأصبع، وذلك لأنه يعد من تغيير خلق الله، وقد حرم الله ذلك في كتابه بقوله حكاية عن إبليس- لعنه الله-: ﴿ ... وَلآمُرَنَهُمْ فَلَيُغَيّرُن خَلقَ اللَّهِ﴾ (١). وثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات، والمتفلجات، والمستوشمات اللاتي يغيرن خلق الله " (٢). وفي رواية لأحمد: "والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" (٣)، فهذا القطع تغيير لخلق الله بقصد الحسن، فاللعن يشمله. قال الإمام القرطبي ﵀: "قال أبو جعفر الطبري (٤):

стр. 299

حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها، أو كان لها سن زائد فأزالتها .. لأن كل ذلك تغيير خلق الله" (١) اهـ. ثم نقل عن القاضي عياض ﵀ (٢) تعليقه على قول الإمام الطبري هذا فقال: "قال عياض: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائدة، أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه، لأنه من تغيير خلق الله تعالى" (٣) اهـ. فتبين من هذا كله أنه لا يجوز قطع الأصبع الزائدة التي لم توجد الحاجة لقطعها، وأن قطعها على هذا الوجه يعتبر داخلاً في المنهي عنه الملعون فاعله وطالبه، ومن ثم فإنه يعتبر من كبائر الذنوب -والعياذ بالله-، ولذلك نص الإمام أحمد ﵀ على حرمة قطعها (٤). وقد ذهب الدكتور محمد عثمان شبير (٥) إلى القول بجواز قطع

стр. 300

الأصبع الزائدة بحجة أنها عيب ونقص في الخلقة (١)، واستشهد ببعض العبارات الواردة في كتب الفقهاء المتقدمين والتي تتضمن إسقاط ضمانها بالقيمة المقدرة شرعًا في الأصبع الأصلية، وأنهم أوجبوا فيها حكومة عدل ومن تلك العبارات قول بعض فقهاء الحنفية ﵏: " ... وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل، تشريفًا للآدمي، لأنها جزء من يده، لكن لا منفعة فيها، ولا زينة" (٢) اهـ. وهذا القول بجواز قطع الأصبع الزائدة على هذا الوجه مردود لما يلي: أولاً: لمخالفته لنص الكتاب والسنة المقتضي لحرمة تغيير خلقة الله طلبًا للحسن وإزالة للعيب الموجود في أصل الخلقة. ثانيًا: أن إسقاط بعض الفقهاء ﵏ لضمان هذه الأصبع بالقيمة المعتبرة للأصبع الأصلية لا يوجب إسقاط حرمة الأصبع نفسها، بدليل أنهم أوجبوا ضمانها بحكومة عدل فهذا يدل على اعتبارهم لحرمتها، وإنما يستقيم الاستدلال لو أنهم لم يوجبوا ضمانها بشيء. وعليه فإنه لا يجوز للطبيب ولا للطالب للقطع القيام بفعل هذا القطع، والإذن به ... والله أعلم.

стр. 301

الحالة الثانية: أن يوجد في الأصبع الزائدة ألم يدعو إلى قطعها: وفي هذه الحالة يجوز لصاحبها قطعها لأن قطعها لا يعتبر تغييرًا لخلق الله، ولكن بشرط أن يكون علاج ذلك الألم هو القطع، أما لو أمكن إزالة ذلك الألم بدواء أخف من القطع فإنه يجب المصير إليه ولا يجوز الإقدام على القطع كما هو الحال في جميع الجراحة الطبية (١). وإنما جاز القطع في هذه الحالة لمكان الحاجة الداعية إليه، وقياسًا على القطع الأكْلَة والسلعة بجامع الألم وخوف الضرر في كل، وقد أشار إلى استثناء هذه الحالة القاضي عياض ﵀ وحكاه عن الطبري وغيره (٢). المسألة الثالثة: هل يجوز قطع العصب للتغلب على الألم ؟ تعتبر هذه المسألة من المسائل المتعلقة بالجراحة العصبية، وهي محل تساؤل عدد من الأطباء الذين يضطرون إلى معالجة مرضاهم بقطع الأعصاب الناقلة للألم في بعض الحالات المستعصية، وتعرف هذه الجراحة عندهم بجراحة التغلب على الألم (٣)، ومرادهم بالألم نوع خاص من الآلام وهو الألم العنيد، فلا تعالج بهذا النوع من الجراحة الآلام الخفيفة المحتملة، وإنما تعالج به الآلام القوية المبرحة التي استعصى علاجها على الأطباء، ولذلك يعتبر الألم عندهم عنيدًا في إحدى الحالات الثلاث التالية:

стр. 302

الحالة الأولى: عدم اكتشاف السبب الموجب للألم. الحالة الثانية: صعوبة معالجة السبب كما في السرطانات. الحالة الثالثة: عدم استجابة الألم للمسكنات المختلفة (١). وفي هذه الحالات يقوم الأطباء بقطع العصب الناقل للألم والإشارات الحسية من منطقة الألم إلى الدماغ، والعكس، وبقطع هذه الأعصاب يتخلص المريض من الألم (٢). ويعتبر الأطباء الجراحة في هذه الحالة هي الحل الوحيد الذي يتعين فعله لإنقاذ المرضى من تلك الآلام المبرحة والتي استعصى علاجها بالوسائل الأخرى كالمهدئات والمسكنات، ولو فرض أنها استجابت لبعض المهدئات والمسكنات القوية فإن المشكلة تكمن في أن هذه المهدئات مركبة من مواد مخدرة كالأفيون وأشباهه من المخدرات التي تقوى على تسكين الآلام المبرحة، إلا أنه لا يمكن العلاج بها لفترة أطول نظرًا لخطورة إدمان المريض عليها، الأمر الذي قد يفضي إلى عواقب ونتائج سيئة قد تفوق الألم المعالج بها من حيث الخطورة والضرر المترتب عليها (٣). ومن أمثلة هذه الجراحة ما يجرى لعلاج الألم العنيد في الناحية القطنية، أو العجان، أو الأطراف السفلية، حيث يقوم الطبيب الجراح بقطع الحزمة الشوكية السريرية البصرية في أعلى الناحية الظهرية، وفي

стр. 303

الجهة المقابلة إن كان الألم في جهة واحدة (١). والذي يظهر والعلم عند الله أن هذا النوع من القطع يجوز فعله وذلك لما يلي: أولاً: أن العلماء ﵏ أجمعوا على جواز قطع العضو الألم كما سبق بيانه، والعصب جزء من العضو، فإذا جاز قطع الكل لمكان الألم ومشقته فإنه يجوز قطع جزئه للعلة نفسها من باب أولى، وأحرى. ثانيًا: أن من قواعد الشريعة الإسلامية أن الضرر يزال (٢)، والألم ضرر، فتشرع إزالته، وذلك بالقطع لأنه الحل الوحيد في مثل هذه الحالات. ثالثًا: أن من قواعد الشريعة الإسلامية أن المشقة تجلب التيسير (٣)، والألم الذي يعاني منه المريض في الحالات التي تستدعي قطع العصب فيه مشقة عظيمة، لا يستطيع معها المريض أن ينام أو يرتاح من عنائها (٤)، فيشرع التيسير له، وذلك بالإذن له وللطبيب بفعل الجراحة الموجبة لزوال ذلك الألم.

стр. 304

وينبغي على الأطباء أن يستنفذوا جميع الوسائل التي يمكن عن طريقها إزالة ذلك الألم، أو تخفيضه قبل فعلهم لقطع العصب، فإذا تعذرت إزالته بتلك الوسائل فإنه يشرع لهم فعل الجراحة بالوسيلة التي هي أكثر أمانًا في الجراحة العصبية، وأخف ضررًا، فتقدم الجراحة بالتصويب المجسم على الجراحة الطبية التقليدية (١). ويشترط لجواز فعل القطع في هذه الأحوال أن لا يؤدي إلى ضرر أعظم من الضرر الموجود في الألم، فإذا كان القطع مفض إلى ذلك فإنه لا يجوز فعله للقاعدة الشرعية "الضرر لا يزال بالضرر" (٢) والله أعلم. المسألة الرابعة: هل يجوز الزيادة في قدر الجزء المقطوع على سبيل الاحتياط ؟. الأصل في الطبيب الجراح أنه ملزم شرعًا عند قيامه بمهمة القطع أن يتقيد بالقدر المحتاج إلى قطعه فإذا كان محتاجًا مثلاً إلى قطع شيء من الأصبع، وكان قدر حاجته منحصرًا في الأنملة العليا فإنه يجب عليه أن يقتصر عليها دون زيادة. وهذا مبني على أن الأصل في القطع أنه محرم لكونه مفسدة وإتلافًا، فلما وجدت الحاجة الداعية إلى فعله من دفع الضرر الموجود في العضو المقطوع جاز فعله، وتقيد الجواز بالموضع المحتاج إليه

стр. 305

للقاعدة الشرعية التي تقول: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (١). وعلى هذا فإن الأصل في الزيادة أنها محرمة، إلا أن هناك حالات يعمد الأطباء فيها إلى الزيادة على الموضع المحدد لخوف أن تكون الآفة قد سرت إلى ذلك الجزء المزيد فيقومون بقطعه على سبيل الاحتياط ويعتذرون بخوف السريان وصعوبة الفتح للموضع ثانية، والذي يظهر والعلم عند الله أنه لا حرج في هذه الزيادة بشرط أن يغلب على ظن الطبيب إمكان السريان وأن يكون الجزء المقطوع في موضع يصعب فتحه ثانية .. والله أعلم. * * *

стр. 306

المبحث الثاني في (الاستئصال) وهذا النوع من المهمة الجراحية يقوم فيه الطبيب الجراح باجتثاث الداء، وانتزاعه من جذوره (١)، وغالبًا ما يجري لعلاج الأورام والغدد الملتهبة والتي أصبحت تهدد الجسم بضررها. ومهمة الاستئصال مشروعة من حيث الجملة لمكان الحاجة الداعية إلى فعلها والتي قد تصل في بعض الحالات إلى مرتبة الضروريات كما في حالة استئصال الأورام الخبيثة (السرطانات) والتي يقصد منها إنقاذ المصاب من الموت. فيشرع فعل الاستئصال قياسًا على القطع المشروع بجامع وجود الحاجة الداعية إلى فعل كل منهما. والجزء المستأصل من الجسم إنما يلجأ لاستئصاله من أجل التلف إما بسبب الورم كما في حالة إصابة العضو بالسرطان، وإما بسبب التهابه وتضخمه كما في حال التهاب الغدد واللوزتين، وبيان حكم الأعضاء المستأصلة في هذه الحالات المشهورة يتضح فيما يلي: (١) حكم استئصال الأورام: يعرف الأطباء الورم بأنه "كتلة من الأنسجة ناتجة عن نمو غير

стр. 307

طبيعي للخلايا" (١) فهي زيادات تحدث في جسم المصاب بسبب آفة أو علة تصيب الخلايا (٢). وتنقسم الأورام عندهم إلى القسمين التاليين: القسم الأول: أورام حميدة: وتمتاز ببطء نموها، وبأنها محاطة من الخارج بغلاف يحددها تحديدًا واضحًا من الأنسجة المحيطة بها، وخلاياها لا تتسرب إلى الدم أو إلى اللنف. ويقرر الأطباء أن هذا النوع من الأورام سليم العاقبة في الغالب، وينحصر ضرره في بعض الحالات ومنها أن يضغط على عضو مجاور، أو على عصب الأمر الذي يؤدي إلى ألم أو شلل العضو لضيق مجرى العروق (٣). وبناء على قولهم هذا، فإن الأصل في الأورام الحميدة أنه لا يجوز استئصالها شرعًا إلا بعد وجود الحاجة الداعية إلى ذلك مثل ما تقدم من ضغطها على الأعضاء أو الأعصاب ونحوها من الحالات التي يوجد فيها الضرر الموجب للاستئصال. إلا أنه يدخل في حكم الحالات الجائزة الأورام الحميدة التي يخشى من تحولها إلى أورام خبيثة سرطانية ومن أمثلة ذلك ما يلي: (١) الورم الغدي المعدي.

стр. 308

(٢) الورم البنكرياسي المعدي. (٣) الورم الشغافي المعدي (١). فنظرًا لمكان الخوف من تحول هذه الأورام إلى أورام سرطانية مميتة، فإنه يشرع استئصالها ... والله أعلم. القسم الثاني: أورام خبيثة: وهي أورام تتميز بسرعة نموها، وانتشارها في الجسم المصاب (٢)، وتشتمل على مجموعتين: المجموعة الأولى: السرطانات. المجموعة الثانية: السركومات (٣). وهذا النوع من الأورام أشد خطرًا، وأعظم ضررًا، وينتهي بصاحبه إلى الموت، ولا تخلو هذه الأورام من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون منحصرة في موضع معين، ومن أمثلتها ما يلي:

стр. 309

(١) سرطان القولون (١). (٢) أورام الكبد البدئية الخبيثة (٢). (٣) أورام الثدي الخبيثة (٣). ْ (٤) سرطان الخصيتين (٤). (٥) سرطان المستقيم (٥). وفي هذه الحالة يعتبر الاستئصال دواء ناجحًا لشفاء المريض، ونجاته من خطر هذه الأورام -بإذن الله تعالى- فيجوز فعله لمكان الحاجة الداعية إلى ذلك، والتي قد تبلغ إلى مقام الضروريات ... والله أعلم. الحالة الثانية: أن تنتشر الأورام في جسم المصاب، وذلك عن طريق الخلايا، وفي هذه الحالة يعتبر الاستئصال لجميع تلك الأورام متعذرًا لتعدد مواضعها، إضافة إلى أن هذه الأورام قد تعود إذا استئصلت من موضعها (٦). وهذه الحالة هي أخطر الحالات، وتنتهي بالمصاب إلى الموت

стр. 310

المحقق، ولذلك يصف الأطباء العلاج بالجراحة فيها بكونه ملطفًا أي أنه ليس بعلاج دوائي (١). كما هو الحال في الحالات السابقة. والذي يظهر أن الاقتصار على العلاج بالدواء في هذه الحالة، وعدم الإقدام على الاستئصال هو المتعين، نظرًا لفقد الفائدة الموجودة من الاستئصال فلا حاجة لتعذيب المرضى وتحميلهم لعبء الجراحة وأخطارها. ومن أمثلة هذه الحالة ما يلي: (١) سرطان البنكرياس في حالاته المتقدمة (٢). (٢) أورام الكبد الثانوية (٣). (٣) سرطان الرئة في حالاته المتقدمة (٤). (٤) سرطان المعدة المنتشر (٥). (٥) سرطان المرارة المستفحل (٦).

стр. 311

(٢) حكم استئصال الغدد الملتهبة: ومن أمثلتها: غدة البروستاتا (١)، والغدة الشحمية (٢)، والغدتان النكفيتان (٣). ونظرًا لأهمية وجود هذه الغدد وقيامها بدورها في جسم الإنسان فإن استئصالها لاشك سيؤثر على الجسم لا محالة، لذلك فإن الأطباء لا يلجئون إلية إلا بعد وجود الحاجة الداعية إليه، وعدم إمكان علاجها بالدواء، بحيث يصبح الاستئصال هو الحل النهائي والأخير (٤). وهذا الأمر متفق مع الشرع، وقيامهم بالاستئصال عند وجود الحاجة يعتبر من قبيل درء المفاسد، ومن ثم فإنه يلغي اعتبار المصالح المترتبة على وجودها، خاصة وأن هذه المصالح ستقل أو تنعدم بالكلية في حال التهاب هذه الغدد، ويصبح وجودها ضررًا محضًا يهدد حياة المريض، فلا حرج في الإقدام على استئصالها للقاعدة الشرعية التي تقول: "الضرر يزال" (٥).

стр. 312

المبحث الثالث في (الشق) من المهمات التي تشتمل عليها مرحلة العمل الجراحي مهمة الشق، ويقصد من ورائها الكشف عن موضع الداء واستئصاله أو الكشف عن موضع معين لفحصه أو إخراج شيء منه كما هو الحال في جراحة الولادة. والشق الجراحي المحتاج إليه لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ضروريًا. الحالة الثانية: أن يكون حاجيًا. ففي الحالة الأولى يقصد منه إنقاذ النفس المحرمة، ومن أشهر أمثلته ما يجرى في جراحة الولادة من شق بطن الحامل بقصد استخراج جنينها الحي، أو الميت إذا خشي على ذلك الجنين أو على أمه أو عليهما معًا. وقد تقدم أن هذا النوع من الجراحة يعتبر ضروريًا، وأن بعض العلماء ﵏ يرى وجوب فعله (١). وأما الحالة الثانية فإنه يقصد منها إزالة الضرر الموجود، أو المتوقع، فمثال الأول: ما يجرى في شق الجلد الموجود بين أصابع

стр. 313

القدمين واليدين (١)، وكذلك ما يجرى في جراحة الو لادة من شق العجان إذا غلب على الظن تمزقه (٢). وفي كلتا الحالتين يعتبر الشق الجراحي مشروعًا نظرًا لوجود الحاجة الداعية إلى فعله فهو وإن كان إتلافًا ومفسدة لكن المقصود منه مصلحة تربو على تلك المفسدة إضافة إلى أن مفسدته زائلة بالخياطة والتحام طرفي موضع الشق، وكما جاز القطع كذلك يجوز الشق بجامع وجود الحاجة في كل منهما. ومن المسائل المتعلقة بهذه المهمة، والتي اختلف فيها الفقهاء ﵏ قديمًا مسألة شق بطن المرأة الحامل إذا ماتت وفي بطنها جنين رجيت حياته، فهل يجوز للأطباء أن يقوموا بشق البطن واستخراج ذلك الجنين أم لا يجوز لهم ذلك؟ وبيانها فيما يلي: المسألة الأولى: هل يجوز شق بطن الحامل بعد موتها لإخراج جنينها إذا رجيت حياته ؟. اختلف الفقهاء ﵏ في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشق عن بطنها لإخراجه إذا رجيت حياته.

стр. 314

وبه قال الإمام أبو حنيفة (١)، ومحمد بن الحسن (٢) من أصحابه، وهو مذهب الشافعية (٣)، والظاهرية (٤)، واختاره بعض المالكية (٥). والحنابلة (٦).

стр. 315

القول الثاني: لا يشق عن بطنها. وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢). الأدلة: أ- دليل القول الأول: استدل القائلون بشق بطن الحامل لإنقاذ الجنين بدليل النقل، والعقل. ١ - دليلهم من النقل: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أحْيَاهَا فَكأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ... ﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الشق سبب في إحياء الجنين -بإذن الله تعالى- فهو داخل فيما دعت إليه الآية، فينبغي فعله. ٢ - دليلهم من العقل: استدلوا بالعقل من وجهين:

стр. 316

الوجه الأول "القياس": أنه (١) استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت" (٢). الوجه الثاني: "النظر": ١ - "أنه تعارض حقاهما (٣)، فقدم حق الحي لكون حرمته أولى" (٤). ٢ - أن إنقاذ النفس المحرمة واجب، والجنين نفس محرمة، وقد توقف أداء ذلك الواجب على الشق فوجب فعله (٥). ب- دليل القول الثاني: استدل القائلون بعدم جواز شق بطن الحامل لإنقاذ جنينها بالنقل والعقل. (١) دليلهم من النقل: حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله

стр. 317

- ﷺ : "إن كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسر عظمه حيًا" (١). وفي حديث أم سلمة ﵂ بزيادة: "في الإثم" (٢). وجه الدلالة: أن الحديث دل على أن حرمة جثة الميت كحرمتها في حال الحياة، وكما لا يجوز شق بطن الحامل في الحياة كذلك لا يجوز بعد موتها (٣). (٢) دليلهم من العقل: استدل أصحاب هذا القول بالعقل من وجهين: الوجه الأول: أن في شق بطن الحامل على هذا الوجه انتهاكًا لحرمة متيقنة (٤) لإبقاء حياة موهومة (٥). الوجه الثاني: أنه (٦) لو خرج حيًا فالغالب المعتاد أنه لا يعيش (٧).

стр. 318

الترجيح: الذي يترجح في نظري- والعلم عند الله- هو القول الأول وذلك لما يأتي: أولاً: لصحة ما ذكروه في استدلالهم. ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن في شق بطن الحامل الميتة على هذا الوجه انتهاكًا لحرمتها، لأنه لا يقصد به إهانتها، وإنما المقصود منه إنقاذ النفس المحرمة من الهلاك امتثالاً للشرع فهو قصد موافق لمقاصد الشريعة التي منها حفظ النفس (١)، وإذا كان القصد موافقًا للشرع فإن القاعدة تقول: "الأمور بمقاصدها" (٢)، فيجوز فعل الشق لصحة مقصده شرعًا.

стр. 319

الوجه الثاني: سلمنا فرضًا أن فيه انتهاكًا لحرمتها، لكن نقول تعارضت مفسدتان: إحداهما: انتهاك حرمة الحامل الميتة بشق بطنها. والثانية: انتهاك حرمة الجنين بتركه يموت داخل بطنها. فوجب الترجيح بينهما، فوجدنا مفسدة الشق فيها ضرر بجزء من الجسد وهو البطن ووجدنا مفسدة ترك الجنين فيها ضرر بتلف النفس والروح، فعلمنا أن مفسدة شق بطن الحامل أخف إضافة إلى أنها تزول بالخياطة، بخلاف مفسدة موت الجنين فإنها أعظم ومما لا يمكن تداركه فوجب اعتبارها وتقديمها للقاعدة الشرعية التي تقول: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما" (١). ثالثًا: وأما استدلالهم بالعقل فيجاب عنه من وجهين:

стр. 320

أحدهما: أن الوجه الأول مردود بأن الفقهاء ﵏ اشترطوا ما يوجب غلبة الظن بوجود الجنين وذلك ببلوغه لستة أشهر فأكثر وهي مدة يغلب على الظن فيها حياته (١)، فانتفى وصف الحياة بكونها موهومة، وأصبح الوهم فيما يقابل غلبة الظن وهو احتمال أن يكون الجنين ميتًا. الثاني: أن الوجه الثاني مردود بأن عيش الجنين أو موته بعد خروجه أمر مرده إلى الله تعالى، والقطع بأحد الاحتمالين مستحيل، والحكم بغلبة الظن والعادة المذكورة لعله حدث فيما كان دون المدة السابقة التي اشترطها الفقهاء ﵏ القائلون بجواز الشق (٢)، ولو حدث فيمن بلغ المدة المذكورة فإنه يحتمل أن يكون ذلك بسبب عدم توفر العناية اللازمة، والتي تيسرت بفضل الله تعالى في هذا العصر الحديث. رابعًا: أن من فقهاء المالكية والحنابلة الذين حكموا بعدم جواز شق بطن الحامل من أجل إنقاذ الجنين الذي يتحرك في بطنها من يرى جواز الشق عن بطن الميت إذا بلع مال غيره بغير إذنه ولم يبذل ورثته
следующие страницы →