الوجه الأول "القياس":
أنه (١) استبقاء حي بإتلاف جزء من الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء من الميت" (٢).
الوجه الثاني: "النظر":
١ - "أنه تعارض حقاهما (٣)، فقدم حق الحي لكون حرمته أولى" (٤).
٢ - أن إنقاذ النفس المحرمة واجب، والجنين نفس محرمة، وقد توقف أداء ذلك الواجب على الشق فوجب فعله (٥).
ب- دليل القول الثاني:
استدل القائلون بعدم جواز شق بطن الحامل لإنقاذ جنينها بالنقل والعقل.
(١) دليلهم من النقل:
حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله
стр. 317
- ﷺ : "إن كسر عظم المؤمن ميتًا مثل كسر عظمه حيًا" (١).
وفي حديث أم سلمة ﵂ بزيادة: "في الإثم" (٢).
وجه الدلالة:
أن الحديث دل على أن حرمة جثة الميت كحرمتها في حال الحياة، وكما لا يجوز شق بطن الحامل في الحياة كذلك لا يجوز بعد موتها (٣).
(٢) دليلهم من العقل:
استدل أصحاب هذا القول بالعقل من وجهين:
الوجه الأول:
أن في شق بطن الحامل على هذا الوجه انتهاكًا لحرمة متيقنة (٤) لإبقاء حياة موهومة (٥).
الوجه الثاني:
أنه (٦) لو خرج حيًا فالغالب المعتاد أنه لا يعيش (٧).
стр. 318
الترجيح:
الذي يترجح في نظري- والعلم عند الله- هو القول الأول وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة ما ذكروه في استدلالهم.
ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث أم المؤمنين عائشة ﵂ فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم أن في شق بطن الحامل الميتة على هذا الوجه انتهاكًا لحرمتها، لأنه لا يقصد به إهانتها، وإنما المقصود منه إنقاذ النفس المحرمة من الهلاك امتثالاً للشرع فهو قصد موافق لمقاصد الشريعة التي منها حفظ النفس (١)، وإذا كان القصد موافقًا للشرع فإن القاعدة تقول: "الأمور بمقاصدها" (٢)، فيجوز فعل الشق لصحة مقصده شرعًا.
стр. 319
الوجه الثاني:
سلمنا فرضًا أن فيه انتهاكًا لحرمتها، لكن نقول تعارضت مفسدتان:
إحداهما: انتهاك حرمة الحامل الميتة بشق بطنها.
والثانية: انتهاك حرمة الجنين بتركه يموت داخل بطنها.
فوجب الترجيح بينهما، فوجدنا مفسدة الشق فيها ضرر بجزء من الجسد وهو البطن ووجدنا مفسدة ترك الجنين فيها ضرر بتلف النفس والروح، فعلمنا أن مفسدة شق بطن الحامل أخف إضافة إلى أنها تزول بالخياطة، بخلاف مفسدة موت الجنين فإنها أعظم ومما لا يمكن تداركه فوجب اعتبارها وتقديمها للقاعدة الشرعية التي تقول: "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمها ضررًا بارتكاب أخفهما" (١).
ثالثًا: وأما استدلالهم بالعقل فيجاب عنه من وجهين:
стр. 320
أحدهما: أن الوجه الأول مردود بأن الفقهاء ﵏ اشترطوا ما يوجب غلبة الظن بوجود الجنين وذلك ببلوغه لستة أشهر فأكثر وهي مدة يغلب على الظن فيها حياته (١)، فانتفى وصف الحياة بكونها موهومة، وأصبح الوهم فيما يقابل غلبة الظن وهو احتمال أن يكون الجنين ميتًا.
الثاني: أن الوجه الثاني مردود بأن عيش الجنين أو موته بعد خروجه أمر مرده إلى الله تعالى، والقطع بأحد الاحتمالين مستحيل، والحكم بغلبة الظن والعادة المذكورة لعله حدث فيما كان دون المدة السابقة التي اشترطها الفقهاء ﵏ القائلون بجواز الشق (٢)، ولو حدث فيمن بلغ المدة المذكورة فإنه يحتمل أن يكون ذلك بسبب عدم توفر العناية اللازمة، والتي تيسرت بفضل الله تعالى في هذا العصر الحديث.
رابعًا: أن من فقهاء المالكية والحنابلة الذين حكموا بعدم جواز شق بطن الحامل من أجل إنقاذ الجنين الذي يتحرك في بطنها من يرى جواز الشق عن بطن الميت إذا بلع مال غيره بغير إذنه ولم يبذل ورثته
стр. 321
لصاحب المال حقه (١)، فإذا كان هذا في المال فلاشك أن إنقاذ حياة الجنين أولى، ولو قيل: إن الحصول على المال مقطوع بخلاف حياة الجنين فإنه متوهم (٢).
قلنا: إن حياة الجنين محكوم بها على غلبة الظن كما تقدم وليست بمتوهمة والله أعلم.
وهذا النوع من مهمة الشق يعتبر فعله واجبًا على الطبيب الجراح ولا يجوز له الامتناع عن فعله إلا لعذر معتبر شرعًا.
وإنما وجب عليه فعله لكونه مأمورًا شرعًا بإنقاذ النفس المحرمة التي يستطيع فعل الأسباب الموجبة لإنقاذها ونجاتها -بإذن الله تعالى- وقد تقدم بيان وجه ذلك في الجراحة العلاجية الضرورية (٣). وقد نص الفقهاء ﵏ الذين يقولون بمشروعية شق بطن الحامل الميتة لإنقاذ جنينها الحي- على وجوب فعل الشق، وإنقاذ الجنين، ولاشك في أن أحق من يتعلق به هذا الحكم هم الأطباء الجراحون الذين وهبهم الله أهلية القيام بمهمة الجراحة اللازمة لإنقاذ الجنين في مثل هذه الحالة.
ففي المذهب الحنفي حكى بعض فقهائه ﵏ عن الإمام أبي حنيفة ﵀: "أنه أمر بشق بطن الحامل" (٤)، وظاهر الأمر الوجوب.
стр. 322
ولما سئل صاحبه الإمام محمد بن الحسن الشيباني ﵀ عن المسألة نفسها قال: "يشق بطنها، ويخرج الولد لا يسع إلا ذلك" (١) اهـ.
فقوله ﵀: "لا يسع إلا ذلك" واضح في الدلالة على تعين الشق ولزوم فعله.
وفي المذهب الشافعي قال صاحب تحفة المحتاج ﵀ ما نصه: " ... ويجب شق جوفها لإخراجه قبل دفنها، وبعده ... " (٢) اهـ.
فقوله ﵀ "ويجب" نص في الوجوب، ولزوم إنقاذ الجنين بشق بطن الحامل.
وقال العلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن شهاب الدين الرملي الشافعي (٣) ﵀: " ... لو دفنت امرأة حامل بجنين ترجى حياته بأن يكون له ستة أشهر فأكثر فيشق جوفها، ويخرج، إذ شقه لازم قبل دفنها أيضًا ... " (٤) اهـ.
فقوله ﵀: "إذ شقه لازم" واضح في الدلالة على وجوب فعل الشق ولزومه.
стр. 323
ومن هذا كله نخلص إلى وجوب فعل هذا النوع من الجراحة الطبية، وأنه لا يجوز للطبيب الجراح أن يمتنع من فعلها بدون عذر شرعي، والنصوص السابقة من كلام أهل العلم ﵏ واضحة في الدلالة على ذلك، بل نص بعضهم على أنه إذا امتنع الإنسان من فعل الشق متعمدًا فإنه يعتبر قاتلاً.
قال الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري ﵀: "ولو ماتت امرأة حامل، والولد حي يتحرك قد تجاوز ستة أشهر فإنه يشق بطنها طولاً، ويخرج الولد، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أحْيَاهَا فَكَأنَّمَا أحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١)، ومن تركه عمدًا حتى يموت فهو قاتل نفس ... " (٢) اهـ.
وللحكم بوجوب الجراحة وشق بطن الحامل الميتة في هذه الحالة شرط نص عليه بعض الفقهاء القائلين بالوجوب وهو رجاء حياة الجنين، وفسر باكتمال الأشهر التي يغلب على الظن فيها الحكم بحياته، وهي عندهم سته أشهر، (٣) ومنهم من قال ستة أشهر فأكثر دون حد (٤)، ومنهم من قال سبعة أشهر، أو تسعة أشهر فأكثر (٥).
وورد في الموسوعة الطبية الحديثة - التي أشرف على تأليفها عدد من الأطباء المختصين ما يشهد باعتبار ما بعد الستة الأشهر فرصة لبقاء
стр. 324
الجنين حيًا حيث ورد فيها ما نصه: "وتكون للجنين فرصة في البقاء حيًا إذا ولد بعد الشهر السادس من الحمل" (١) اهـ. فدل هذا على اعتبار الستة الأشهر فما فوق فرصة لحياة الجنين.
واختلف الفقهاء ﵏ الذين يقولون بجواز شق بطن الحامل في كيفية الشق، فمنهم من يراه طولاً (٢)، ومنهم من يقول بالشق في خاصرتها اليسرى لأنها أقرب لجهة الجنين، ومنهم من يفصل فيقول يشق من خاصرتها اليسرى إذا كان الجنين أنثى، ومن خاصرتها اليمنى إذا كان ذكرًا (٣).
والذي يظهر والعلم عند الله أنه يرجع في هذا الأمر إلى الأطباء المختصين وهم أهل لتقرير ما يرونه متفقًا مع أصول صنعتهم .. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 325
المبحث الرابع نقل وزراعة الأعضاء
تعتبر مهمة نقل وزراعة الأعضاء من المهمات الجراحية الحديثة التي طرأت في العصر الحاضر منذ سنوات قريبة، وقد كان فعلها قبل يعد ضربًا من المستحيل والخيال، وهذه المهمة تشتمل على ثلاث مراحل وهي:
المرحلة الأولى:
أخذ العضو من الشخص المتبرع أو الحيوان المنقول منه.
المرحلة الثانية:
بتر نظيره، وتهيئة أطرافه في الشخص المنقول إليه.
المرحلة الثالثة:
وضع العضو المنقول في موضعه المهيأ له في الشخص المنقول إليه.
ولا يخلو المنقول منه العضو من إحدى صورتين:
الأولى: أن يكون إنسانًا، سواء كان حيًا أو ميتًا.
الثانية: أن يكون حيوانًا، سواء كان ميتة، أو مذكى.
стр. 326
وقد تكلم الفقهاء المتقدمون ﵏ على بعض المسائل المتعلقة بالصورة الثانية، وأما الصورة الأولى فإنها لم تكن موجودة ولا معروفة في عصورهم، وإن كانوا قد تكلموا على أصول يمكن تخريج هذه المسألة عليها (١).
لذلك اجتهد العلماء، والباحثون في العصر الحاضر في معرفة حكم الشرع في هذه النازلة، وصدرت في ذلك فتاوى عديدة من الأفراد، والهيئات، والمجامع، والمؤسسات العلمية، كما كتبت فيها بعض البحوث والمقالات (٢)، اختلف فيها أصحابها، فمنهم من يرى الجواز، ومنهم من يرى عدمه، وسيأتي إن شاء الله بيان جميع ذلك في موضع.
ونظرًا إلى أن هذه المهمة تنقسم إلى الصورتين اللتين سبقت الإشارة إليهما فإنه من المناسب تقسميم الكلام على حكمها إلى مطلبين يشتمل الأول منهما على حكم نقل الأعضاء من إنسان إلى إنسان.
والثاني على حكم نقل الأعضاء من حيوان إلى إنسان.
وبيان كل منهما فيما يلي:
стр. 327
المطلب الأول في (حكم نقل الأعضاء من إنسان إلى إنسان)
تشتمل هذه الصورة من النقل والزراعة على ضربين:
الضرب الأول: أن يكون النقل والزرع من الإنسان إلى نفسه.
الضرب الثاني: أن يكون النقل والزرع من الإنسان إلى غيره.
وبيان حكم هذين الضربين يتضح في المقصدين التاليين:
المقصد الأول: في حكم نقل وزراعة الأعضاء من الإنسان إلي نفسه:
لا تخلو الحاجة الداعية إلى النقل والزرع في هذا الضرب من حالتين:
الأولى: أن تكون ضرورية.
الثانية: أن تكون حاجية.
فمن أمثلة الحالة الأولى: ما يجرى في جراحات القلب والأوعية الدموية حيث يحتاج الطبيب إلى استخدام طعم وريدي أو شرياني لعلاج انسداد أو تمزق في الشرايين، أو الأوردة، ويكون إنقاذ المريض من
стр. 328
الهلاك بسبب هذا الانسداد أو التمزق متوقفًا على زرع هذا الطعم المأخوذ من جسم المصاب نفسه (١).
ومن أمثلة الحالة الثانية: ما يجرى في جراحة الجلد المحترق، وحيث يحتاج الأطباء لعلاج الموضع المحترق إلى أخذ قطعة من الجلد السليم من الجسم نفسه ثم زرعها في الموضع المصاب من الجسد (٢).
وهاتان الحالتان موجبتان للترخيص شرعًا فيجوز للطبيب الجراح القيام بمهمتهما متى غلب على ظنه وجود النفع بشرط عدم وجود البديل الذي يمكن بواسطته تحقيق الهدف المنشود دون ضرر أعظم من الجراحة (٣).
والحكم بجواز هاتين الحالتين مبني على القياس "لأنه إذا جاز قطع العضو وبتره لإنقاذ النفس ودفع الضرر عنها فلأن يجوز أخذ جزء منه ونقله لموضع آخر لإنقاذ النفس أو دفع الضرر فيها أولى وأحرى".
ووجه ذلك: أن الأصل جازت فيه الإزالة والبتر للعضو دون استبقاء له طلبًا لإنقاذ النفس ودفع الضرر عنها، والفرع يزال فيه جزء من العضو مع استبقاء العضو والجزء المزال في موضع آخر، إضافة إلى أن الموضع المنقول يتعوض بجلد جديد بدلاً من الجلد المنزوع، فهو
стр. 329
أولى بالاعتبار والحكم بجوازه من الأصل.
وبناءً على هذا فإنه يمكننا القول بأن هذا النوع من الجراحة يعتبر مندرجًا في الحكم بجوازه تحت ما حكم الفقهاء المتقدمون ﵏ باعتباره وجوازه من بتر الأعضاء المحتاج لبترها (١) ومخرجًا عليه.
стр. 330
المقصد الثاني: في حكم نقل وزراعة الأعضاء من إنسان إلى غيره .
في هذا الضرب من النقل والزراعة يتم نقل الأعضاء من الإنسان إلى غيره، ولا يخلو الشخص المنقول منه إما أن يكون حيًا أو يكون ميتًا.
لذلك فإن هذا المقصد ينتظم صورتين من النقل والزراعة:
الصورة الأولى: أن يكون النقل والزراعة من إنسان حي إلى مثله.
الصورة الثانية: أن يكون النقل والزراعة من إنسان ميت إلى حي.
ولكلتا الصورتين حكمها، ويتضح ذلك في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: في حكم النقل والزرع من إنسان حي إلى مثله
لا تخلو الأعضاء المراد نقلها من الإنسان الحي إلى مثله إما أن تكون فردية في الجسم، ويؤدي أخذها من الشخص المنقولة منه إلى وفاته وذلك مثل القلب، والكبد، والدماغ، وإما أن تكون على خلاف ذلك بأن يوجد بديل عنها يقوم بالمهمة بدلها مثل الكلية، والخصية، أو لا يوجد بديل عنها، ولكن لا يؤدي أخذها إلى وفاة المنقولة منه وذلك مثل نقل غريسة الجلد من شخص آخر، وبيان حكم هاتين الحالتين يتضح فيما يلي:
стр. 331
أولاً: حكم نقل الأعضاء الفردية التي تؤدي نقلها إلى وفاة الشخص المنقولة منه:
يحرم على الإنسان أن يتبرع بهذا النوع من الأعضاء لشخص آخر حتى ولو كان الشخص الآخر مهددًا بالوفاة إذا لم يتم إسعافه بذلك العضو الفردي كما يحرم على الطبيب الجراح ومساعديه أن يقوموا بفعل هذا النوع من النقل، وذلك للأدلة الشرعية التالية:
أ- قوله تعالى: ﴿وَلا تُلقُوا بِأيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... الآية﴾ (١).
وجه الدلالة:
أن الله تعالى حرم على الإنسان أن يتعاطى ما يوجب هلاكه، والتبرع بهذه الأعضاء على هذا الوجه -أي في حال حياة المتبرع، وكون نقلها يؤدي إلى وفاته- يعتبر مفضيًا إلى الهلاك فيحرم عليه فعله.
ب- قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بكُمْ رَحِيماً﴾ (٢).
وجه الدلالة:
أن الآية الكريمة دلت على حرمة قتل الإنسان لنفسه، ويدخل في ذلك الإذن والتبرع بنقل الأعضاء التي يؤدي أخذها من الإنسان إلى
стр. 332
موته، لأنه سبب مفضي إلى قتل النفس وهلاكها.
جـ- قوله تعالى: ﴿وَتَعَاونُوا عَلَى البرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الِإثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ (١).
وجه الدلالة:
أن الطبيب الجراح إذا قام بنقل هذه الأعضاء كان معينًا على الإثم لحرمة نقلها، وكذلك يعتبر معينًا على عدوان الإنسان على جسده.
وقد دلت الآية الكريمة على حرمة الإعانة على كلا الأمرين -الإثم، والعدوان- فلا يجوز له فعل هذه الجراحة.
وقد أشار بعض العلماء الذين يقولون بجواز نقل الأعضاء الآدمية والتبرع بها إلى استثناء هذا النوع من النقل، فقالوا بحرمته وذلك لما يتضمنه من إهلاك النفس المحرمة بغير حق (٢).
ثانيًا: حكم نقل الأعضاء غير الفردية التي لا يؤدي نقلها إلى وفاة الشخص المنقولة منه:
وهذا الضرب يشتمل على نقل أعضاء لها بديل ولا يؤدي أخذها إلى الوفاة غالبًا، وهو يقع في الأعضاء الشفعية، واشتهر منه حاليًا نقل
стр. 333
الكلية والخصية.
وقد يوجد في غير الأعضاء الشفعية، وينحصر ذلك في الجلد خاصة حيث يحتاج المحروق مثلاً لقطعة من الجلد تؤخذ من الحي ثم تزرع في الموضع المناسب من جسده، ويقوم جسم الشخص المتبرع بتعويض الموضع الذي أخذت منه تلك القطعة بجلد جديد -بقدرة الله تعالى- (١).
حكمه:
اختلف العلماء المعاصرون في حكم نقل هذه الأعضاء وذلك في مسألتين:
المسألة الأولى: هل يجوز نقل الأعضاء من الحي إلى مثله؟.
المسألة الثانية: وإذا قلنا بجواز ذلك، فهل يشمل الخصية؟.
والجواب على هاتين المسألتين سيأتي -بمشيئة الله- عند الكلام على حكم الصورة الثانية، نظرًا لأن العلماء بحثوهما في مسألة واحدة يصعب فصلهما، وتكرار أدلتهما.
* * *
стр. 334
الفرع الثاني: في حكم النقل والزرع من إنسان ميت إلى حي:
في هذه الحالة يتم نقل الأعضاء من الإنسان الميت سواء كانت وفاته حقيقية أو محتملة (وهي الوفاة التي يعتبرها بعض الأطباء المعاصرين في حكم الوفاة الحقيقية) (١).
وتؤخذ هذه الأعضاء التي يراد نقلها من الإنسان الميت ثم تحفظ بطريقة خاصة تمنع من تلفها إلى حين زرعها في جسم الشخص المحتاج إليها (٢).
وقبل بيان حكم هذا النوع من النقل لابد من بيان مسألة مهمة جدًا
стр. 335
ذات صلة وثيقة بحكم هذه الحالة وتتعلق بموقف الشرع من موت جذع الدماغ، هل يعتبر ذلك الموت موجبًا للحكم بموت الإنسان أو لا؟ (١).
لذلك فإن الكلام على حكم النقل في هذه الحالة سينقسم إلى مسألتين وبيانهما فيما يلي:
المسألة الأولى: هل موت الدماغ دون القلب يوجب الحكم بموت صاحبه أو لا ؟.
تعتبر هذه المسألة من أهم المسائل النازلة في المجالات الحديثة، وقد ثار حولها خلاف كبير وجدال مستفيض ليس بين الفقهاء وأهل العلم فقط، بل شمل غيرهم من الأطباء وسائر الناس، ولا يزال هناك خلاف في القوانين الطبية الدولية حول هذه المسألة، فهناك بلدان تعتبر موت الدماغ دون القلب موتًا، فتجيز أنظمتها سحب أجهزة الإنعاش عن المريض ولو لم يأذن أهله، وهناك بلدان تعتبر هذا العمل إجرامًا وتعد المريض حيًا في هذه الحالة، فلا تجيز سحب الأجهزة عنه مطلقًا.
وهناك بلدان تجيز سحب الأجهزة بشرط إذن المريض أو ذويه دون نظر إلى كونه ميتًا أو حيًا (٢).
стр. 336
وصلة هذه المسألة بحكم نقل الأعضاء في الحالة التي نحن بصدد بيان حكمها "النقل والزرع من إنسان ميت إلى حي" تظهر من جهة أن نقل الأعضاء لابد أن يتم في أغلب الحالات والقلب لا يزال يضخ الدم، والدورة الدموية لا تزال باقية، وقد بين ذلك أحد الأطباء المختصين (١) بقوله: "نقل الأعضاء لابد أن يتم في أغلب الحالات والقلب لا يزال يضخ الدم، والدورة الدموية لا تزال تعمل، وذلك يرجع إلى سبب بسيط جدًا، وهو أن توقف القلب والدورة الدموية عن هذه الأعضاء يؤدي إلى موتها، وإلى عدم صلاحيتها للعمل، فلابد أن تنقل هذه الأعضاء وهي حية، وتسمى الفترة التي يمكن أن يبقى فيها العضو قبل أن يتلف تلفًا لا رجعة فيه فترة نقص التروية الدافئة" (٢) اهـ.
وهنا يرد السؤال عن جواز أخذ الأعضاء المهمة كالقلب، والرئتين، والكبد ونحوها من الأعضاء المهمة التي إذا قلنا بأن الشخص يعتبر حياً في هذه الفترة كان أخذها في حكم قتله كأخذها في حال حياته الطبيعية.
وإذا قلنا بأن الشخص يعتبر ميتًا انتفى الإشكال، فالبحث عن حكم مسألة النقل من الشخص الميت ينبني على الحكم على هذه الحالة في غالب صوره وأحواله.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه المسالة "هل يعتبر موت الدماغ دون القلب موتًا؟ " وذلك على قولين:
стр. 337
القول الأول:
لا يعتبر موت دماغ الشخص دون قلبه موتًا، بل لابد من توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان.
وهذا القول لطائفة من العلماء "الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد (١) والشيخ عبد الله البسام (٢)، والدكتور توفيق الواعي (٣)، والشيخ محمد المختار السلامي (٤)، والشيخ بدر المتولي عبد الباسط (٥)، والشيخ عبد القادر محمد العمادي" (٦).
وبه أفتت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية (٧).
القول الثاني:
يعتبر موت دماغ الشخص دون قلبه موتًا حقيقيًا، ولا يشترط توقف القلب عن النبض حتى يحكم بموت الإنسان.
وهذا القول لبعض العلماء والباحثين "الدكتور عمر سليمان
стр. 338
الأشقر (١)، والدكتور محمد سليمان الأشقر (٢) والدكتور محمد نعيم ياسين، (٣) والدكتور أحمد شرف الدين" (٤).
وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي (٥).
تحديد محل الخلاف:
أولاً: اتفق أصحاب القولين على أنه لو مات الدماغ، وتوقف القلب عن النبض أن الشخص يعتبر ميتًا.
ثانيًا: يخرج عن محل الخلاف الحالات التي تموت فيها بعض أجزاء الدماغ، والغيبوبة الناشئة عن ارتجاج الدماغ والأدوية والعقاقير السامة التي لم يمت فيها الدماغ.
ثالثًا: يقع الخلاف بين القولين إذا تم تشخيص موت الدماغ وفق الأصول المشروطة طبيًا وثبت على هذا الوجه (٦).
стр. 339
الأدلة:
(١) دليل القول الأول:
استدل القائلون بعدم اعتبار موت الدماغ وحده موجبًا للحكم بموت صاحبه بما يلي:
أ- دليل الكتاب:
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ (١).
وجه الدلالة:
أن قوله: (بَعَثْنَاهُمْ) أي أيقظناهم.
وهذه الآيات فيها دليل واضح على أن مجرد فقد الإحساس والشعور لا يعتبر وحده دليلاً كافيًا للحكم بكون الإنسان ميتًا.
لأن هؤلاء النفر فقدوا الإحساس والشعور ولم يعتبروا أمواتًا، والحكم باعتبار موت الدماغ موتًا، مبني على فقد المريض للإحساس
стр. 340
والشعور، وهذا وحده لا يعتبر كافيًا للحكم بالموت، لأن الآية الكريمة دلت على عدم اعتباره مع طول الفترة الزمانية التي مضت على أهل الكهف "ثلاثمائة عام وزيادة تسع"، فمن باب أولى ألا يعتبر في المدة الوجيزة المشتملة على بضعة أيام يزول فيها الشعور والإحساس بسبب موت الدماغ وتلفه (١).
ب- القواعد الفقهية:
١ - قاعدة: "اليقين لا يُزال بالشك" (٢).
وجه الاستدلال:
أن اليقين في هذه الحالة المختلف فيها هو حياة المريض، وشككنا هل هو ميت لأن دماغه ميت، أم هو حي لأن قلبه ينبض؟.
فوجب علينا اليقين الموجب للحكم بحياته، حتى نجد يقيناً مثله يوجب علينا الحكم بموته (٣).
٢ - قاعدة: "الأصل بقاء ما كان على ما كان" (٤).
стр. 341
وجه الاستدلال:
أن الأصل بقاء الروح وعدم خروجها، فنحن نبقي على هذا الأصل ونعتبره.
جـ- الاستصحاب:
ووجهه: أن حالة المريض قبل موت الدماغ متفق على اعتباره حيًا فيها فنحن نستصحب الحكم الموجود فيها إلى هذه الحالة التي اختلفنا فيها ونقول إنه حي وروحه باقية لبقاء نبضه.
والاستصحاب من مصادر الشرع المعتبرة إلا إذا قام دليل على خلافه (١).
د- النظر:
ووجهه: أن حفظ النفس يعتبر من مقاصد الشريعة الإسلامية التي بلغت مرتبة الضروريات التي تجب المحافظة عليها (٢).
ولاشك في أن الحكم باعتبار المريض في هذه الحالة حيًا فيه محافظة على النفس، وذلك يتفق مع هذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية، والعكس بالعكس (٣).
هـ- نصوص الفقهاء المتقدمين ﵏:
(١) إن بعض الفقهاء ﵏ قرروا في كتبهم أن التنفس
стр. 342
يعتبر دليلاً على الحياة، وهو في حكم الحركة، لأن الصدر يتحرك مع النبض وهذا يدل على حياة صاحب الجسد (١).
(٢) إن الفقهاء ﵏ ذكروا في كتبهم العلامات المعتبرة للحكم بموت الإنسان (٢)، كل ذلك حرصًا منهم على أن لا يحكم بموت الإنسان إلا بعد فقدان جسمه للحياة (٣).
ونصوا على أنه إذا شك في أمر الشخص هل مات أو لا أنه يجب التحري والانتظار إلى أن يتيقن موته.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: ""وإن اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت من استرخاء رجليه، وانقصال كفيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه، وإن مات فجأة كالمصعوق أو خائفًا من حرب أو سبع، أو تردى من جبل انتظر به هذه العلامات حتى يتيقن موته" (٤) اهـ.
بين ﵀ ما ينبغي فعله عند الاشتباه من الرجوع إلى العلامات التي يظهر بها موت الإنسان، وهذا يدل على حرص العلماء
стр. 343
-﵏ على حياة الإنسان التي يترتب على الحكم بموتها أحكام شرعية كثيرة.
وقد أكد الإمام النووي ﵀ هذا المعنى من طلب اليقين بموت الشخص عن طريق الأمارات والعلامات القوية، فقال ﵀: "فإن شُك في موته بأن يكون به علة، واحتمل أن يكون له سكتة، أو ظهرت عليه علامات فزع، أو غيره، كأن يكون هناك احتمال إغماء، أو خلافه، أخر حتى اليقين بتغير الرائحة أو غيره" (١) اهـ.
وحالة موت الدماغ تعتبر من جنس الحالات المشكوك فيها، نظرًا لبقاء القلب نابضًا، والجسم يقبل التغذية ولم يتغير لونه، فهذا أمر موجب للشك، وحينئذ ينبغي الانتظار إلى توقف القلب عن النبض بالكلية.
(٢) دليل القول الثاني:
استدل القائلون باعتبار موت جذع الدماغ موجبًا للحكم بوفاة صاحبه بما يلي:
أولاً: أن العلماء ﵏ قرروا أن حياة الإنسان تنتهي عندما يغدو الجسد الإنساني عاجزًا عن خدمة الروح والانفعال لها.
ويشهد لذلك تعريف كل من الإمام الغزالي والإمام ابن القيم -رحمهما الله- للروح، ومفارقتها للجسد. قال الإمام ابن القيم ﵀ في تعريفه للروح: "جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جنس نوراني علوي خفيف متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون،
стр. 344
والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقي ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح ... " ثم عقب على ذلك بقوله: "وهذا القول هو الصواب في المسألة الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة" (١) اهـ.
وقال الإمام الغزالي ﵀ عند بيانه لمفارقة الروح الجسد: "معنى مفارقة الروح للجسد انقطاع تصرفها من الجسد بخروج الجسد عن طاعتها، فإن الأعضاء آلات الروح تستعملها، حتى إنها لتبطش باليد، وتسمع بالأذن، وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بنفسها، ... وإنما تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه وبشدة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الروح فيها، فتكون الروح العالمة العاقلة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء، وقد استعصى عليها بعضها، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها، وكل الأعضاء آلات، والروح هي المستعملة لها، ومعنى الموت انقطاع تصرفها عن البدن وخروج البدن عن أن تكون آلة له، كما أن معنى الزمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلها" (٢) اهـ.
стр. 345
وبهذا يتبين اعتبارهم لعجز الأعضاء عن خدمة الروح والانفعال لها دليلاً على مفارقة الروح للجسد.
قالوا: وهذا موجود في موت الدماغ، فإن الأعضاء لا تستجيب لتصرفات الروح والحركة الموجودة في بعض الأحيان إنما هي حركة اضطرارية لا علاقة لها بالروح وليست ناشئة عنها.
ثانيًا: أن الفقهاء ﵏ حكموا بموت الشخص في مسائل الجنايات التفاتًا إلى نفاذ المقاتل، ولم يوجبوا القصاص على من جنى عليه في تلك الحالة مع وجود الحركة الاضطرارية، فدل هذا على عدم اعتبارهم لها، وإن الحكم بالموت ليس مقيدًا بانتفائها واستشهدوا لإثبات ذلك بنصوص منها:
قول الإمام بدر الدين الزركشي ﵀ (١): "الحياة المستقرة هي أن تكون الروح في الجسد، ومعها الحركة الاختيارية، دون الاضطرارية، كما لو كان إنسان وأخرج الجاني، أو حيوان مفترس حشوته وأبانها، لا يجب القصاص في هذه الحالة ... " (٢) اهـ.
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بعدم اعتبار الإنسان ميتًا بمجرد موت دماغه وتلفه وذلك لما يأتي:
стр. 346
أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول من الأدلة النقلية والعقلية.
ثانيًا: أن الأصل في الإنسان أنه حي حتى يتيقن خلاف ذلك، وما ذكره أصحاب القول الثاني ليس بيقين ولا في حكم اليقين "غلبة الظن"، وذلك لما ثبت في حوادث مختلفة من إثبات الأطباء لموت الدماغ وحكمهم بوفاة المريض، ثم يعود إلى الحياة ثانية (١).
ثالثًا: أنه ثبت وجود أطفال بدون مخ وعاش بعضهم على حالته أكثر من عشر سنوات، وهذا يدل دلالة واضحة على أن موت الدماغ لا يعتبر موجبًا للحكم بالوفاة، إذ لو كان كذلك لما عاش هؤلاء لحظة بدون المخ الذي يعتبر موته أساسًا في الحكم بموت الدماغ (٢).
فإذا كانت الحياة موجودة في حال فقد المخ بالكلية فإنه لا مانع من أن يحكم بوجودها في حال موت الدماغ وبقاء القلب نابضًا (٣).
رابعًا: أن الأطباء الذين يعتبرون موت الدماغ علامة على الوفاة يسلمون بوجود أخطاء في التشخيص وأن الحكم بالوفاة استنادًا على هذا الدليل يحتاج إلى فريق طبي، وفحص دقيق، وهذا لا يتوفر في كثير من
стр. 347
المستشفيات ففتح الباب للقول باعتبار هذه العلامة موجبة للحكم بالوفاة سيؤدي إلى خطر عظيم، فينبغي قفله صيانة للأرواح (١) التي يعتبر حفظها مقصدًا ضروريًا من مقاصد الشريعة الإسلامية ... والله أعلم (٢).
المسالة الثانية: هل يجوز نقل الأعضاء من الشخص الميت أو الحي وزرعها في الإنسان الحي:
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: لا يجوز نقل الأعضاء الآدمية.
وهو قول الشيخ الشعراوي (٣)، والغماري (٤)، والسنبهلي (٥)، والسقاف (٦)، والدكتور عبد السلام عبد الرحيم السكري (٧)، والدكتور
стр. 348
حسن علي الشاذلي (١).
القول الثاني: يجوز نقل الأعضاء الآدمية:
وهذا القول صدرت به الفتوى في عدد من المؤتمرات والمجامع والهيئات واللجان منها: المؤتمر الإسلإمي الدولي المنعقد بماليزيا (٢)، ومجمع الفقه الإسلامي (٣)، وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (٤)، ولجنة الفتوى في كل من المملكة الأردنية الهاشمية (٥)،
стр. 349
ودولة الكويت (١)، وجمهورية مصر العربية (٢)، والجمهورية الجزائرية (٣).
وهو قول طائفة من العلماء والباحثين:
والشيخ عبد الرحمن بن سعدي (٤)، والشيخ إبراهيم اليعقوبي (٥) -رحمهما الله-، والشيخ جاد الحق (٦)، واختاره الدكتور أحمد شرف الدين (٧)، والدكتور رءوف شلبي (٨)، ...............
стр. 350
والدكتور عبد الجليل شلبي (١)، والدكتور محمود علي السرطاوي (٢) , والدكتور هاشم جميل عبد الله (٣).
الأدلة:
(١) دليل القول الأول: (لا يجوز) .
استدل أصحاب هذا القول من الكتاب والسنة والعقل، كما استدلوا بالقواعد الفقهية، واستشهدوا بأقوال بعض الفقهاء المتقدمين ﵏، وبيان ذلك فيما يلي:
أول اً: دليلهم من الكتاب ، والسنة، والعقل:
(أ) دليلهم من الكتاب:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ... ﴾ الآية (٤)
стр. 351
وجه الدلالة:
١ - أن الله تعالى نهانا أن نلقي بأنفسنا في مواطن الهلكة، وإقدام الشخص على التبرع بجزء من جسده هو في الواقع سعى لإهلاك نفسه في سبيل إحياء غيره، وليس ذلك مطلوبًا منه ... ، ولفظ التهلكة في الآية لفظ عام يشمل كل ما يؤدي إليها، وقطع العضو من نفسه الموجب لإزالة منفعته فرد من أفراد ما يؤدي إلى الهلاك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على حد ما ذكره علماء الأصول (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ .. ﴾ الآية (٢).
وجه الدلالة:
أن نقل الأعضاء فيه تغيير في خلق الله فهو داخل في عموم هذه الآية الكريمة، ويعتبر من المحرمات لذلك (٣).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٤).
стр. 352
وجه الدلالة:
أن الله تعالى قد نهى الإنسان عن أن يقتل نفسه، أو يقتل غيره سواء كان بسبب مباشر، أو غير مباشر فالنهي هنا عام كما في الآية الأولى وهو يتناول جميع الأسباب التي تؤدي إلى المنهي عنه، وهو قتل النفس.
ومن هذه الأسباب المنهي عنها أن يبرم شخص اتفاقًا مع آخر ليتبرع الأول بجزء من جسده للآخر ... (١).
وأما الأية الكريمة الثانية فقد دلت على عقوبة من فعل ذلك القتل عدوانًا، وموافقة الشخص على قطع جزء من جسد نفسه هو لا شك عدوان على الجسد (٢) فيكون فعلها داخلاً في ذلك الوعيد.
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٣).
وجه الدلالة:
أن الآية الكريمة دلت على تكريم الله للآدمي وهذا التكريم شامل لحال حياته وما بعد موته.
стр. 353
وانتزاع العضو منه مخالف لذلك التكريم سواء في حال الحياة أو بعد الموت (١).
ب- دليلهم من السنة:
استدلوا بالأحاديث التالية:
١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: "لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه فشخبت (٢) يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: مالي أراك مغطيًا يديك؟ قال لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر" (٣).
وجه الدلالة:
أفاد الحديث أن من تصرف في عضو منه بتبرع أو غيره فإنه يبعث يوم القيامة ناقصًا منه ذلك العضو عقوبة له، لأن قوله: "لن نصلح منك ما أفسدت" لا يتعلق بقتل النفس وإنما يتعلق بجرح براجمه
стр. 354
وتقطيعهما (١).
٢ - حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسًا أصابتها حصبة (٢) فتمزق شعرها أفأصله؟ فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة (٣).
وجه الدلالة:
أن الحديث دل على حرمة انتفاع المرأة بشعر غيرها وهو جزء من ذلك الغير فيعتبر أصلاً في المنع من الانتفاع بأجزاء الآدمي ولو كان ذلك الانتفاع غير ضار بالمأخوذ منه (٤).
٣ - أحاديث النهي عن المثلة، ومنها حديث بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ... الحديث" (٥).
وجه الدلالة:
أن الحديث دل على حرمة التمثيل، وأن التمثيل لا يختص
стр. 355
تحريمه بالحيوان، وبتغير خلقة الإنسان على وجه العبث والانتقام، بل هو شامل لقطع أي جزء أو عضو من الآدمي أو الحيوان أو جرحه حيًا أو ميتًا لغير مرض (١).
٤ - حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "وكسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم" (٢).
وجه الدلالة:
أفاد الحديث أن الحي يحرم كسر عظمه أو قطع أي جزء منه وكذا الميت لأي سبب إلا الحي لسبب أذن الشارع فيه (٣).
٥ - حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٤).
وجه الدلالة:
أن قطع العضو من شخص للتبرع به لآخر فيه إضرار محقق بالشخص المقطوع منه (٥)، فيكون داخلاً في عموم النهي، ويحرم فعله (٦).