← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وجه الدلالة: ١ - أن الله تعالى نهانا أن نلقي بأنفسنا في مواطن الهلكة، وإقدام الشخص على التبرع بجزء من جسده هو في الواقع سعى لإهلاك نفسه في سبيل إحياء غيره، وليس ذلك مطلوبًا منه ... ، ولفظ التهلكة في الآية لفظ عام يشمل كل ما يؤدي إليها، وقطع العضو من نفسه الموجب لإزالة منفعته فرد من أفراد ما يؤدي إلى الهلاك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على حد ما ذكره علماء الأصول (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ .. ﴾ الآية (٢). وجه الدلالة: أن نقل الأعضاء فيه تغيير في خلق الله فهو داخل في عموم هذه الآية الكريمة، ويعتبر من المحرمات لذلك (٣). ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ (٤).

стр. 352

وجه الدلالة: أن الله تعالى قد نهى الإنسان عن أن يقتل نفسه، أو يقتل غيره سواء كان بسبب مباشر، أو غير مباشر فالنهي هنا عام كما في الآية الأولى وهو يتناول جميع الأسباب التي تؤدي إلى المنهي عنه، وهو قتل النفس. ومن هذه الأسباب المنهي عنها أن يبرم شخص اتفاقًا مع آخر ليتبرع الأول بجزء من جسده للآخر ... (١). وأما الأية الكريمة الثانية فقد دلت على عقوبة من فعل ذلك القتل عدوانًا، وموافقة الشخص على قطع جزء من جسد نفسه هو لا شك عدوان على الجسد (٢) فيكون فعلها داخلاً في ذلك الوعيد. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٣). وجه الدلالة: أن الآية الكريمة دلت على تكريم الله للآدمي وهذا التكريم شامل لحال حياته وما بعد موته.

стр. 353

وانتزاع العضو منه مخالف لذلك التكريم سواء في حال الحياة أو بعد الموت (١). ب- دليلهم من السنة: استدلوا بالأحاديث التالية: ١ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: "لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه فشخبت (٢) يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه، وهيئته حسنة، ورآه مغطيًا يديه، فقال له: ما صنع بك؟ قال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: مالي أراك مغطيًا يديك؟ قال لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وليديه فاغفر" (٣). وجه الدلالة: أفاد الحديث أن من تصرف في عضو منه بتبرع أو غيره فإنه يبعث يوم القيامة ناقصًا منه ذلك العضو عقوبة له، لأن قوله: "لن نصلح منك ما أفسدت" لا يتعلق بقتل النفس وإنما يتعلق بجرح براجمه

стр. 354

وتقطيعهما (١). ٢ - حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: "جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عريسًا أصابتها حصبة (٢) فتمزق شعرها أفأصله؟ فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة (٣). وجه الدلالة: أن الحديث دل على حرمة انتفاع المرأة بشعر غيرها وهو جزء من ذلك الغير فيعتبر أصلاً في المنع من الانتفاع بأجزاء الآدمي ولو كان ذلك الانتفاع غير ضار بالمأخوذ منه (٤). ٣ - أحاديث النهي عن المثلة، ومنها حديث بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ... الحديث" (٥). وجه الدلالة: أن الحديث دل على حرمة التمثيل، وأن التمثيل لا يختص

стр. 355

تحريمه بالحيوان، وبتغير خلقة الإنسان على وجه العبث والانتقام، بل هو شامل لقطع أي جزء أو عضو من الآدمي أو الحيوان أو جرحه حيًا أو ميتًا لغير مرض (١). ٤ - حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "وكسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم" (٢). وجه الدلالة: أفاد الحديث أن الحي يحرم كسر عظمه أو قطع أي جزء منه وكذا الميت لأي سبب إلا الحي لسبب أذن الشارع فيه (٣). ٥ - حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٤). وجه الدلالة: أن قطع العضو من شخص للتبرع به لآخر فيه إضرار محقق بالشخص المقطوع منه (٥)، فيكون داخلاً في عموم النهي، ويحرم فعله (٦).

стр. 356

٦ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شىء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ... " (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد وضع أساس الترتيب في القسمة فأرشد إلى أن يبدأ بنفسه، ثم زوجته وأولاده، ثم ذي القرابة، فلا يجب أن يؤثر أحدًا على نفسه. فإذا كان هذا في النفقات فمن باب أولى ألا يتلف الشخص نفسه لإحياء غيره مهما كانت الضرورة إلى ذلك، ونحن مأمورون باتباع المنصوص عليه شرعًا (٢). جـ- دليلهم من العقل: استدلوا بالعقل من الوجوه التالية: الوجه الأول: أن من شرط صحة التبرع أن يكون الإنسان مالكًا للشيء المتبرع به، أو مفوضًا في ذلك من قبل المالك الحقيقي. والإنسان ليس مالكًا لجسده، ولا مفوضًا فيه لأن التفويض

стр. 357

يستدعي الإذن له بالتبرع، وذلك غير موجود (١). فثبت بهذا عدم صحة تبرعه بأعضائه لعدم وقوع ذلك التبرع على الوجه الشرعي المعتبر. الوجه الثاني: أن درء المفاسد مقصود شرعًا، وفي التبرع مفاسد عظيمة تربو على مصالحه، إذ فيه إبطال لمنافع أعضاء الجسم المنقولة، مما قد يؤدي إلى الهلاك، أو على الأقل إلى التقاعس عن أداء العبادات والواجبات (٢). الوجه الثالث: القياس: ١ - أن حرمة المال أقل من حرمة النفس، وقد أمر النبي ﷺ بتوقي كرائم الناس، فمن باب أولى وأحرى أن تتقى أعضاؤهم (٣). ٢ - لا يجوز استقطاع الأعضاء الآدمية كما لا يجوز استقطاع الأبضاع بجامع كون كل منهما من أعضاء الجسد (٤).

стр. 358

ثانيًا: دليلهم من القواعد الفقهية: قالوا: (١) "الضرر لا يزال بالضرر" (١). (٢) "الضرر لا يزال بمثله" (٢). وجه الدلالة: أن هاتين القاعدتين تتضمنان المنع من إزالة الضرر بمثله، وذلك موجود في مسألتنا حيث يزال الضرر عن الشخص المنقول إليه بضرر آخر يلحق الشخص المتبرع (٣). (٣) "ما جاز بيعه جازت هبته وما لا، فلا" (٤). وجه الدلالة: أن أصحاب القول الثاني يوافقون على أن الأعضاء الآدمية لا يجوز بيعها. وقد دلت القاعدة على أن ما لا يجوز بيعه لا تجوز هبته، إذًا فلا يجوز التبرع بالأعضاء الآدمية لا من حي لمثله في حال الحياة ولا بعد الممات. ثالثًا: استشهادهم بأقوال الفقهاء المتقدمين ﵏:

стр. 359

أ- فقهاء الحنفية: (١) قال ابن عابدين ﵀: "وإن قال له آخر: اقطع يدي وكُلْها لا يحل، لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار" (١) اهـ. (٢) قال ابن نجيم ﵀: "ولا يأكل المضطر طعام مضطر آخر ولا شيئًا من بدنه" (٢) اهـ. (٣) قال الكاساني ﵀: "أما النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلاً فهو قتل المسلم بغير حق، سواء كان الإكراه ناقصًا أو تامًا ... وكذا قطع عضو من أعضائه ... ولو أذن له المكره علية ... فقال للمكره: افعل، لا يباح له، لأن هذا مما لا يباح بالإباحة" (٣) اهـ. (٤) وقال في مجمع الأنهر: "وتكره معالجة بعظم إنسان أو خنزير لأنها محرم الانتفاع بها" (٤) اهـ. (٥) وقال في الفتاوى الهندية: "ولا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقرة أو بعير، أو فرس، أو غيره من الدواب إلا عظم الخنزير والآدمي، فإنه يكره التداوي بهما" (٥) اهـ. قالوا: "وهذا القول المنقول عن محمد بن الحسن الشيباني، والمعروف أن الكراهة عنده تعني الحرمة ما لم يقم الدليل على خلافه" (٦) اهـ.

стр. 360

ومنها أيضًا: "الانتفاع بأجزاء الآدمي لم يجز قيل: للنجاسة، وقيل: للكرامة وهو الصحيح ... " (١) اهـ. (٦) وقال ابن عابدين ﵀: " والآدمي مكرم شرعًا، ولو كان كافرًا، فإيراد العقد عليه وابتذاله به، وإلحاقه بالجمادات إذلال له وهو غير جائز وبعضه في حكمه، وصرح في فتح القدير ببطلانه" (٢). وقال أيضاً: "ويبطل بيع رجيع آدمي، وكل ما انفصل عنه كشعر وظفر لأنه جزء الآدمي ولذا وجب دفنه" (٣) اهـ. ب- فقهاء المالكية: قال الصاوي ﵀ (٤): "إن كسر عظام الميت انتهاك لحرمته" (٥) اهـ. وقال أيضًا: "فإن بقي شيء من عظامه فالحرمة باقية لجميعه، فلا يجوز استخدام ظفر الميت، ولا جزء منه، ولا شعره لأن هذه الأجزاء محترمة وفي أخذها انتهاك لحرمتها" (٦) اهـ. وقال صاحب جواهر الإكليل في شرحه: "والمنصوص المعول

стр. 361

عليه عدم جواز أكل الآدمي الميت، ولو كان كافرًا لمضطر لأكل الميتة، ولو مسلمًا لم يجد غيره، إذ لا تنتهك حرمة الآدمي لآخر" (١) اهـ. وقال ابن جزي ﵀: "ولا يجوز التداوي بالمحرمات كما لا يجوز أكل المضطر ابن آدم" (٢) اهـ. جـ- فقهاء الشافعية: قال الرملي ﵀: "ويحرم قطعه البعض من نفسه لغيره، ولو مضطرًا ما لم يكن ذلك الغير نبيًا فيجب له ذلك كما يحرم أن يقطع من غيره لنفسه من معصوم" (٣) اهـ. وقال البجيرمي (٤) ﵀: "ويحرم قطع بعضه لغيره من المضطرين لأن قطعه لغيره ليس فيه القطع لاستبقاء الكل، نعم إن كان ذلك الغير نبيًا لم يحرم بل يجب كما يحرم على المضطر أيضًا أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم" (٥) اهـ. وقال الإمام النووي ﵀: "ولا يجوز (٦) أن يقطع من

стр. 362

معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من أعضائه شيئًا ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف صرح به إمام الحرمين والأصحاب" (١). وقال صاحب مغني المحتاج: "ويحرم جزمًا على شخص قطعه أي بعض نفسه لغيره من المضطرين، لأن قطعه لغيره ليس فيه قطع البعض لاستبقاء الكل، كما يحرم على مضطر أيضًا أن يقطع لنفسه قطعة من حيوان معصوم" (٢) اهـ. د- فقهاء الحنابلة: قال الإمام ابن قدامة ﵀: "فإن لم يجد المضطر شيئًا لم يبح له أكل بعض أعضائه ... وإن لم يجد إلا آدميًا محقوق الدم لم يبح قتله إجماعًا، ولا إتلاف عضو منه مسلمًا كان أو كافرًا لأنه مثله فلا يجوز أن يبقي نفسه بإتلافه وهذا لا خلاف فيه ... وإن وجد معصومًا ميتًا لم يبح أكله" (٣) اهـ. وقال البهوتي ﵀: "فإن لم يجد المضطر إلا آدميًا محقوق الدم لم يبح له قتله، ولا إتلاف عضو منه مسلمًا كان المحقوق أو كافرًا ذميًا أو مستأمنًا لأن المعصوم الحي مثل المضطر فلا يجوز له إبقاء نفسه بإتلاف مثله" (٤) اهـ. وقال أيضًا: "فإن لم يجد (٥) شيئًا مباحًا، ولا محرمًا لم يبح له

стр. 363

أكل بعض أعضائه لأنه يتلفه لتحصيل ما هو موهوم" (١). وقال في موضع آخر: "ولا يجوز التداوى بشيء محرم، أو بشيء فيه محرم كألبان الأتن ولحم شيء من المحرمات ولا يشرب مسكر، لقوله ﷺ : "ولا تداووا بحرام" (٢). هـ- فقهاء الظاهرية: قال الإمام ابن حزم الظاهري ﵀: "وكل ما حرم الله من المآكل والمشارب من خنزير، أو صيد حرام، أو ميته، أو دم، أو لحم سبع طائر ... ونحو ذلك فهذا كله حلال عند الضرورة حاشا لحوم بنى آدم، وما يقتل من تناوله، فلا يحل من ذلك شيء أصلاً لا بضرروة ولا بغيرها" (٣) اهـ. فهذه النصوص من عبارات الفقهاء الأعلام ﵏ تدل دلالة واضحة على أن الانتفاع بأعضاء الآدمي لا يجوز شرعًا في حال الضرورة، وأنه لو أذن الإنسان بأخذ شيء من جسده لكي ينتفع به فينجو من الهلاك في حال الاضطرار فإنه لا يحل له فعل ذلك. وأن التداوي بالمحرمات "ومنها لحوم الآدميين" محرم شرعًا. وبناء على ذلك كله فإننا نخلص إلى اتفاقهم على تحريم الانتفاع بأعضاء الآدمي ولو كان كافرًا في حالة الاضطرار، فضلاً عما دونها، كما نخلص إلى أن الإنسان إذا تبرع بشيء من أعضائه لمضطر لم يعتبر تبرعه لأنه واقع في غير موقعه (٤).

стр. 364

(٢) دليل القول الثاني: وهو الجواز: استدل أصحاب هذا القول بدليل الكتاب، والعقل، كما استدلوا بالقواعد الفقهية، واستشهدوا بأقوال بعض الفقهاء المتقدمين ﵏ وبيان ذلك فيما يلي: أولاً: دليلهم من النقل والعقل: أ- دليلهم من الكتاب: استدلوا بالآيات الكريمة التالية: (١) قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). (٢) قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢). (٣) قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ... ﴾ (٣).

стр. 365

(٤) قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وجه الدلالة: أن هذه الآيات الكريمة اتفقت على استثناء حالة الضرورة من التحريم المنصوص عليه فيها والإنسان المريض إذا احتاج إلى نقل العضو فإنه سيكون في حكم المضطر لأن حياته مهددة بالموت كما في حالة الفشل الكلوي، وتلف القلب ونحوهما من الأعضاء المهمة في جسد الإنسان. وإذا كانت حالته حالة اضطرار فإنه يدخل في عموم الاستثناء المذكور فيباح نقل ذلك العضو إليه (٢). (٥) قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٣).

стр. 366

وجه الدلالة: أن قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عام يشمل كل إنقاذ من تهلكة. وعليه فإنه يدخل فيه من تبرع لأخيه بعضو من أعضائه لكي ينقذه من الهلاك، أو يعيد إليه بصره الذي فقد نوره (١). (٦) قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ... الآية) (٢). وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيكم مِّنْ حَرجٍ ... ﴾ (٤). وقوله سبحانه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ... ﴾ الآية (٥). وجه الدلالة من هذه الآيات الكريمة: أنها دلت على أن مقصود الشارع التيسير على العباد لا التعسير عليهم.

стр. 367

وفي إجازة نقل الأعضاء الآدمية تيسير على العباد ورحمة بالمصابين والمنكوبين، وتخفيفًا للألم وكل ذلك موافق لمقصود الشرع، بخلاف تحريم نقلها، فإن فيه حرجًا ومشقة الأمر الذي ينافي ما دلت عليه هذه النصوص الشرعية (١). ب- دليلهم من العقل: استدلوا بالعقل من الوجوه التالية: الوجه الأول: يجوز التداوي بنقل الأعضاء الآدمية كما يجوز التداوي بلبس الحرير لمن به حكة بجامع وجود الحاجة الداعية إلى ذلك في كل (٢). الوجه الثاني: يجوز التداوي بنقل الأعضاء الآدمية كما يجوز التداوي باستعمال الذهب لمن احتاج إليه بجامع وجود الحاجة الداعية إلى ذلك في كل (٣). الوجه الثالث: أن الفقهاء ﵏ نصوا على جواز شق بطن الميت

стр. 368

لاستخراج جوهرة الغير إذا ابتلعها الميت (١)، فلأن يجوز نقل أعضاء الميت أولى وأحرى لمكان إنقاذ النفس المحرمة التي هي أعظم حرمة من المال (٢). الوجه الرابع: يجوز نقل الأعضاء الآدمية كما يجوز تشريحها بجامع وجود الحاجة في كل (٣). الوجه الخامس: أن بقاء الأعضاء الآدمية لشخص آخر ينتفع بها بعد موت صاحبها يعتبر من باب الصدقة عليه، فهي صدقة جارية مندوب إليها خاصة إذا وصى بذلك صاحبها قبل الوفاة محتسبًا الأجر عند الله تعالى (٤).

стр. 369

الوجه السادس: أن الله تعالى امتدح من آثر أخاه على نفسه بطعام أو شراب أو مال هو أحق به (١). فإذا كان ذلك في هذه الأمور اليسيرة، فكيف بمن آثر أخاه بعضو أو جزئه لكي ينقذه من الهلاك المحقق لاشك أنه أولى وأحرى بالمدح والثناء، ومن ثم يعتبر فعله جائزًا ومشروعًا (٢). الوجه السابع: أن الإنسان مأذون له بالتصرف في جسده بما فيه المصلحة، فإذنه بالتبرع فيه مصلحة عظيمة فيجوز له فعله (٣). ثانيًا: دليلهم من القواعد الفقهية: استدلوا بالقواعد الفقهية التالية: (١) الضرر يزال (٤).

стр. 370

(٢) الضرورات تبيح المحظورات (١). (٣) إذا ضاق الأمر اتسع (٢). وجه الدلالة: أن هذه القواعد المستنبطة من نصوص الشريعة دلت على الترخيص للمتضرر بإزالة ضرره ولو بالمحظور. فالقاعدة الأولى دلت على أن إزالة الضرر عن المتكلف مقصد من مقاصد الشريعة. كما دلت القاعدة الثانية على أن المكلف إذا بلغ مقام الاضطرار رخص له في ارتكاب المحظورات شرعًا. ودلت القاعدة الثالثة على أن بلوغ المكلف لمقام المشقة التي لا يقدر عليها يوجب التوسيع عليه في الحكم. وكل ذلك موجود معنا هنا، فالشخص المريض متضرر بتلف العضو المصاب، كما أن مقامه يعتبر مقام اضطرار وفيه ضيق ومشقة، إذ يصل به الحال إلى درجة خوف الهلاك والموت كما في حالة الفشل الكلوي.

стр. 371

(٤) "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (١). وجه الدلالة: أن القاعدة دلت على أنه وقع التعارض بين مفسدتين فإننا ننظر إلى أيهما أشد فنقدمها على التي هي أخف منها. وفي مسألتنا هذه وقع التعارض بين مفسدة أخذ العضو الحي أو الميت وبحصول بعض الألم للأول، والتشوه في جثة الثاني، وبين مفسدة هلاك الحي المتبرع له، ولا شك أن مفسدة هلاك الحي المتبرع له -المريض- أعظم من المفسدة الواقعة على الشخص المتبرع حيًا كان أو ميتًا فتقدم حينئذ لأنها أعظم ضررًا وأشد خطرًا. (٥) "أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان" (٢)

стр. 372

وجه الدلالة: أن نقل الأعضاء الآدمية كان قبل ترقي الطب يعتبر ضررًا وخطرًا، والآن بعد تقدم الطب أصبح سهلاً مأمون العاقبة بالتجربة فوجب تغيير الحكم بتغير الحال فنقول هو حرام حينما كان في العصور السابقة التي يغلب على الظن فيها الهلاك بعملية النقل، ويعتبر حلالاً في هذه العصور الحديثة التي أصبح فيها دواء وعلاجًا نافعًا (١). (٦) "الأمور بمقاصدها". وجه الدلالة: أن هذه القاعدة دلت على أن الأعمال معتبرة على حسب النيات والمقاصد وعليه فإن نقل الأعضاء الآدمية يختلف حكمه بحسب اختلاف المقصود منه، فإن كان المقصود به إنقاذ النفس المحرمة ودفع الضرر الأشد بالأخف فإنه يكون مقصدًا محمودًا وعملاً مشروعًا يثاب فاعله ويمدح عليه، وهذا هو مقصودنا بالقول بجوازه. وأما إن كان المقصود به إهانة الميت وأذيته بالتمثيل به فهذا مقصد مذموم وعمل محرم ونحن لا نقول به (٢). ثالثًا: استشهادهم بأقوال الفقهاء المتقدمين ﵏: قالوا: إن مذهب بعض أهل العلم ﵏ من الفقهاء جواز قتل الآدمي غير معصوم الدم وأكل لحمه عند الاضطرار ويظهر

стр. 373

ذلك جليًا في النصوص التالية من كلامهم ﵏: قال الإمام النووي ﵀: " ... ويجوز له (١) قتل الحربي، والمرتد، وأكلهما بلا خوف، وأما الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة ففيهم وجهان: أصحهما: وبه قطع إمام الحزمين، والمصنف، والجمهور يجوز. قال الإمام: لأنا إنما منعنا من قتل هؤلاء تفويضًا إلى السلطان لئلا يفتات عليه، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر. وأما إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصًا وأكله، سواء حضره السلطان أم لا ... ، وأما نساء أهل الحرب وصبيانهم ففيهم وجهان: الثاني: -وهو الأصح-: يجوز ... وأما إذا لم يجد المضطر إلا آدميًا ميتًا معصومًا ففيه طريقان أصحهما وأشهرهما يجوز ... " (٢) اهـ. وقال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: "لو وجد المضطر من يحل قتله كالحربي، والزاني المحصن، وقاطع الطريق

стр. 374

الذي تحتم قتله، واللائط، والمصر على ترك الصلاة جاز له ذبحهم وأكلهم إذ لا حرمة لحياتهم لأنها مستحقة الإزالة، فكان المفسدة في زوالها أقل من المفسدة في فوات حياة المعصوم ... " (١) اهـ. ومعلوم أن الشخص المريض قد بلغ حالة الاضطرار كما في مرض الفشل الكلوي، ومرض القلب الذي يهدد صاحبه بالموت، وقد نص هؤلاء الفقهاء على جواز أكل المضطر للحم الميت غير المعصوم والمعصوم مع أن الأكل يوجب استنفاذ الأعضاء فلأن يجوز النقل والتبرع الموجب لبقائها ودوامها أولى وأحرى، وحرمة الحي أولى من حرمة الميت في الأصل فكذلك في مسألتنا هذه (٢). مناقشة أدلة المانعين: أولاً: مناقشة أدلة الكتاب: (١) قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣). يجاب عنه من وجوه: الوجه الأول: لا نسلم الاحتجاج بها لكونها خارجة عن موضع النزاع، لأننا

стр. 375

نشترط في جواز النقل أن لا تكون حياة المتبرع مهددة بالهلاك، وإطلاق القول بأن التبرع في حال الحياة يؤدي إلى الهلاك لا يقبل إلا بشهادة أهل الخبرة من الأطباء، وهم لا يقولون بذلك. الوجه الثاني: سلمنا صحة الاستدلال بها لكن نقول إنها أخص من الدعوى لأنها مختصة بحال الحياة، وأما ما بعد الموت فإنها غير شاملة له. الوجه الثالث: قلب الاستدلال بها، ووجه ذلك أن الشخص إذا امتنع من قبول تبرع الغير له بالعضو الذي تتوقف نجاته -بإذن الله تعالى- على نقله إليه يعتبر ملقيًا بنفسه إلى الهلاك، فيحرم عليه الامتناع من هذا الوجه، ومن ثم تكون موافقته على نقله مشروعة وواجبة عليه. (٢) قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (١). أن نقل الأعضاء خارج عن هذه الآية، لأنه مبني على وجود الضرورة والحاجة الداعية إلى فعله، والآية إنما يقصد منها ما كان على وجه العبث دون وجود ضرورة أو حاجة داعية كما تقدم بيانه في الجراحة التجميلية الحاجية (٢). (٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٣).

стр. 376

يجاب عنه بما تقدم في الجواب عن الآية الأولى. (٤) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١). يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول من المجيزين: أن نقل العضو فيه تكريم للميت حسًا ومعنى، أما كونه تكريمًا حسيًا فلأن ذلك العضو بدل أن يصير إلى التراب والبلى بقي في جسد المسلم يستعين به على طاعة الله ومرضاته. وأما كونه تكريمًا معنويًا فلما فيه من الأجر والثواب للمتبرع لكونه فرج به الكربة عن أخيه المسلم. الوجه الثاني على ما يترجح من جواز النقل من الكافر فقط: أن الكافر ليس من الجنس الذي قصد الشرع تكريمه، بل إن إهانته مقصودة شرعًا، والتمثيل بجثته إنما يحرم على وجه لا تدعو إليه حاجة، أما لو وجدت الحاجة فإنه لا حرج فيه كما هو الحال هنا. ثانيًا: مناقشه أدلة السنة: (١) حديث جابر (في قصة الرجل الذي قطع براجمه فمات). حديث جابر ﵄ هذا يتعين من أقوى الأدلة الدالة على تحريم نقل الأعضاء، لكنه يمكن الجواب عنه من وجهين:

стр. 377

* الوجه الأول تخصيص دلالته: هذا الحديث أقدم فيه الرجل على قطع البراجم للتخلص من الآلام، وهي مصلحة لا تبلغ مرتبة الضروريات، بل هي في مرتبة الحاجيات. ومن ثم فإنه يصلح دليلاً على منع نقل القرنية، والجلد، ونحوها من الأعضاء التي يقصد من نقلها تحقيق مصلحة حاجية. وأما النقل الضروري الذي يقصد منه إنقاذ النفس المحرمة، فإن الحديث لا يشمله، فإن قيل العبرة بعموم قوله (ما أفسدت) وهو متعلق بالقطع، قيل في جوابه: إن هذا الوصف يوجب تخصيص الحكم بحالة الإفساد بأن تقطع الأعضاء وتبتر لغير حاجة ضرورية وهذا ليس موجودًا في مهمة نقل الأعضاء. * الوجه الثاني على ما يترجح من جواز النقل من الكافر فقط: أن غاية ما دل عليه الحديث تعذيب من أقدم على القطع والبتر لأعضائه، وهذا أمر كائن للكافر في كلتا الحالتين تبرع أو لم يتبرع فلا حرج في أخذ أعضائه، ولو كان في ذلك زيادة عذاب عليه، ويرخص للمسلم لمكان الحاجة والضرورة. (٢) حديث أسماء ﵂ في تحريم وصل الشعر. يجاب عنه من وجهين: * الوجه الأول: أن وصل الشعر يعتبر مصلحة كمالية بخلاف نقل الأعضاء الذي يعتبر من المصالح الضرورية والحاجية، فيحرم الأول ويجوز الثاني

стр. 378

لمكان الحاجة الداعية إليه. الوجه الثاني: إن وصل الشعر المذكور في الحديث مفض إلى مفسدة الإضرار بالغير وهو غش المرأة لزوجها كما هو واضح من سياق الحديث بخلاف نقل الأعضاء المشتمل على درء المفاسد ودفعها. (٣) وأما حديث النهي عن المثلة. فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول من المجيزين: أن مفسدة التمثيل معارضة لمفسدة هلاك المريض المحتاج للعضو فوجب اعتبار المفسدة العليا وهي مفسدة هلاك المريض، ومن ثم لم يلتفت إلى ما هو دونها للقاعدة الشرعية "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (١). * الوجه الثاني من المجيزين أيضًا: أنه إذا سقط اعتبار مفسدة التمثيل في التشريح لمكان المصلحة الراجحة فلأن يسقط اعتبارها في نقل الأعضاء أولى وأحرى (٢). (٤) حديث النهي عن كسر عظم الميت. يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول على القول بالجواز مطلقًا: هذا الحديث خارج عن موضوع النزاع، لأن الأطباء لا يقومون بكسر الأعضاء المنقولة بل يحافظون عليها محافظة شديدة طلبًا لنجاح

стр. 379

مهمة النقل والزرع. الوجه الثاني على القول بجواز النقل من الكافر فقط: هذا الحديث مقيد بالمؤمن كما ورد ذلك صريحًا في الرواية الأخرى (١)، ثم إن الكافر غير معصوم الدم حيًا ولا ميتًا "إلا الذمي والمستأمن" فيجوز التصرف بأعضائه ولو كان متأذيًا بذلك لأن إيذاءه فيه موافقة لمقصود الشرع وليست فيه مخالفة. (٥) حديث "لا ضرر ولا ضرار": يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول على القول بالجواز مطلقًا: إن غاية ما دل عليه الحديث هو تحريم الضرر والإضرار، ونحن لا نسلم بأن الشخص المنقول منه يتضرر بهلاكه مستقبلاً، لأن الأطباء لا يقومون بمهمة النقل من شخص يؤدي نقل عضوه إلى هلاكه، ونحن لا نجيز النقل في هذه الحالات. وعلى هذا فإن الحديث يعتبر خارجًا عن محل النزاع. الوجه الثاني على القول بجواز النقل من الكافر فقط: إن الإضرار بالكافر مقصود شرعًا. (٦) وأما حديث جابر ﵁ في البداءة بالنفس. فيجاب عنه بقلب الاستدلال به، وذلك بأن يقال إن الإنسان إذا أراد التبرع بالعضو يبدأ بنفسه، فإن كان في تبرعه إضرار به لم يتبرع،

стр. 380

وأما إن لم يكن فيه ضرر فإنة لا يشمله الحديث إطلاقًا. ثالثًا: مناقشة الأدلة العقلية: * أما الوجه الأول: فيجاب عنه بأن الإنسان مأذون له بالتصرف في جسده بما فيه الخير، لذلك الجسد في الدنيا والآخرة. والإذن بنقل الأعضاء فيه خير للآذن في الآخرة من جهة الثواب الذي سيتبعه، لما اشتمل عليه ذلك الإذن من تفريج كربة المسلم، والإحسان إليه. * أما الوجه الثاني: فيجاب عنه بأن النقل يشترط لجوازه عدم اشتماله على هلاك الشخص المنقول منه، وبذلك يكون الدليل خارجاً عن موضع النزاع. أما الوجه الثالث: أن كرائم الأموال تقبل بإذن مالكيها فكذلك نقل الأعضاء. * أما الوجه الرابع: أن استقطاع الأبضاع مبني على حرمة المشاركة فيها لكونها مفضية إلى مفسدة الزنى، وهذه العلة غير متحققة في نقل الأعضاء، ومن ثم فإن القياس يعتبر قياسًا مع الفارق. رابعًا: مناقشة استدلالهم بالقواعد الفقهية: أما القاعدة الأولى والثانية فإنها لا ترد على القول بالجواز، لأن

стр. 381

من شرطه أن لا يؤدي النقل إلى هلاك الشخص المنقول منه العضو. وأما القاعدة الثالثة فيجاب عنها بأن لكل قاعدة مستثنيات، خاصة إذا كانت الفروع والمسائل المستثناة شهدت أصول الشرع باعتبار موجباتها، وعلى هذا فإنه تستثنى مهمة النقل من هذه القاعدة لمكان الحاجة والضرورة الداعية إليها، وهي ضرورة إنقاذ النفس ودفع مشقة الأسقام عنها. خامسًا: مناقشة استشهادهم بنصوص الفقهاء ﵏ -: تضمنت نصوصهم ما يلي: (١) عدم جواز قطع شيء من الجسد للمضطر ليأكله. والجواب من وجهين: الوجه الأول: أن هذا لا يشمل ما بعد الموت لعدم وجود المفسدة المترتبة على القطع حال الحياة. الوجه الثاني: أن الاستدلال بهذا الحكم معارض بوجود القول المخالف كما سبق بيان نصوصهم التي استشهد بها أصحاب القول الثاني. الوجه الثالث: أن هذا الاستدلال معارض بما نصوا عليه من جواز قطع البعض من أجل استبقاء الكل كما في قطع اليد المتآكلة والسلعة ونحوها من

стр. 382

الآفات (١). فقولهم بجواز القطع على هذا الوجه يدل على اعتبارهم للحكم بجواز القطع لإنقاذ النفس وهذا موجود بعينه في مهمة نقل الأعضاء. (٢) تحريم التداوي بأجزاء الآدمي، وقد علل بعضهم ذلك بكونه موجبًا لانتهاك حرمة الآدمي. وجواب ذلك ما تقدم عند الجواب على استدلالهم بالآية الرابعة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (٢). (٣) تحريم كسر عظام الميت. وجوابه ما تقدم في الجواب عن الحديث الوارد في ذلك. (٤) عدم جواز قتل النفس المحرمة لاستبقاء مثلها. والجواب أن هذا إنما يختص بحالة التبرع من الحي وهو مختص بالحالة التي يغلب على الظن فيها هلاك المتبرع، وقد تقدم أن شرط جواز التبرع عدم ترتب الهلاك عليه، ومن ثم فإنه لا يرد الاستدلال بعباراتهم على هذا الوجه ... والله تعالى أعلم. الترجيح: الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بجواز نقل الأعضاء الآدمية من الحي والميت، ولكن بشرط أن يكون الشخص المنقول منه العضو كافرًا، وذلك لما يلي:

стр. 383

أولاً: لصحة ما ذكره القائلون بجواز النقل من وجود الحاجة التي بلغت مقام الضرورة، وما في حكمها، وهذا المقام شهدت نصوص الشرع وقواعده باعتباره مستثنى من التحريم، ولكن بقدر ما تندفع به تلك الضرورة والحاجة. واعتبار هذه النصوص والقواعد الفقهية محل إجماع بين أهل العلم ﵏ فكم استثنوا بها من المحرمات المتعلقة بالعبادات والمعاملات. ثانيًا: أن هذه الضرورة يمكن دفعها بالكفار، وأما حالات الفشل الكلوي فإنها تعالج بالغسيل كما هو معروف، وبوجود هذين البديلين تضعف الحاجة والضرورة عن بلوغ المقام الذي يوجب التوسع إلى المسلمين سواء كانوا أحياء أو ميتين. ثالثًا: أن حديث جابر ﵁ في قصة الرجل الذي قطع براجمه واضح في الدلالة على عدم اعتبار المصلحة الحاجية بقطع شيء من الجسد، وأن ذلك يوجب نوعًا من العقوبة في الآخرة، ومن ثم فإنه لا يجوز الإقدام على قطع شيء من جثة المسلم طلبًا لدفع الحاجة المتعلقة بالغير، لأنه إذا لم يجز ذلك للشخص نفسه فمن باب أولى ألا يجوز لغيره. وأما الكافر فإنه لا يدخل ضمنه لأن تعذيبه في الآخرة مقصود شرعًا فمن ثم جاز أخذ شيء من جثته لسد حاجة المسلم. رابعًا: أن الأصل يقتضي حرمة المساس بجسد المسلم بالجرح

стр. 384

والقطع حيًا أو ميتًا فوجب البقاء عليه حتى يوجد الدليل الموجب للعدول والاستثناء منه. خامسًا: أن أدلة القائلين بالمنع لم تسلم من ورود القوادح عليها، وإن سلمت فإن جلها يتعلق بالمسلم، وأما الكافر فإنه يمكن نقل العضو منه إعمالاً للدليل المخالف وبهذا يمكن الجمع بين الأدلة والله تعالى أعلم. * * *

стр. 385

المسألة الثالثة: هل يجوز نقل الخصيتين ؟: هذه المسألة متفرعة على القول بجواز نقل الأعضاء الآدمية، وتعتبر مسألة نازلة من نوازل العصر الحديث، بل إن الكلام فيها لم يقع إلا منذ وقت قريب جدًا قد لا يتجاوز السنتين. وقد قامت جريدة المسلمون بنشر آراء العلماء والباحثين والأطباء المختصين في هذه المسألة من الناحيتين الشرعية، والطبية، وذلك بسبب حادثة وقعت ونشأ عنها السؤال عن موقف الشريعة الإسلامية من هذا النقل. وقد نشرت مباحث هذه المسألة في ثلاثة أعداد متوالية (١)، ونظرًا إلى أنني لم أجد من تكلم عليها في موضع آخر رأيت الاقتصار على ما في تلك الأعداد من معلومات شرعية وطبية تتلخص فيما يلي: الأقوال: اختلف العلماء والباحثون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز نقل الخصيتين مطلقًا. الدكتور محمد الطيب النجار (٢)، والدكتور عبد الجليل شلبي (٣)،

стр. 386

والشيخ أحمد حسن مسلم (١)، والشيخ محمد أحمد جمال (٢). القول الثاني: يجوز نقل الخصيتين مطلقًا وهو قول الشيخ سيد سابق (٣). القول الثالث: التفصيل: يجوز نقل إحدى الخصيتين من الحي إلى الحي، وبه أفتت مشيخة الأزهر (٤). الأدلة: (١) دليل القول الأول: استدل القائلون بحرمة نقل الخصيتين مطلقًا بما يلي: أولاً: أن نقل الخصيتين يعتبر تشويهًا لخلقة الإنسان المنقول منه، وهذا أمر محرم شرعًا. ثانيًا: أن نقل الخصيتين من الحي يؤدي إلى حرمانه من النسل وهو أمر محرم شرعًا. ثالثًا: أن هذا النقل لا توجد فيه الضرورة كما يعلل القائلون بجواز من يرى ذلك. رابعًا: أن جوازها يؤدي إلى اختلاط الأنساب وهو أمر محرم شرعًا.

стр. 387

خامسًا: إننا لو قلنا بجوازها فإنه سيتذرع بذلك إلى جواز نقل المبيضين لأنهما في حكم الخصيتين، وذلك يؤدي إلى ضياع الأنساب واختلاط المحارم، فوجب القول بالحرمة سدًا لهذه الذريعة المحرمة. سادسًا: أن المعتبر قوله في هذه المسائل من الناحية الطبية هم أهل الاختصاص والمعرفة من الأطباء، وقد شهدوا بأن نقل الخصيتين يوجب انتقال الصفات الوراثية الموجودة في الشخص المنقولة منه إلى أبناء الشخص المنقولة إليه الخصية، وهذه شبهة موجبة للتحريم (١). (٢) دليل القول الثاني: استدل القائلون بجواز نقل الخصيتين مطلقًا بما يلي: أولاً: أن الحيوانات المنوية خارجة في الأصل من الرجل الثاني "المنقولة إليه الخصية" وأن الخصية ليست إلا مجرد آلة منظمة لتلك الحيوانات فلا وجه للشبهة في عملية نقلها. ثانيًا: أن الشخص الثاني، المنقولة إليه الخصية، قد ملك تلك الخصية، بعد تبرع الشخص الأول بها إليه، وزرعها في جسمه، وحينئذ لا ينبغي علينا النظر إلى الأصل بعد انتقال الملكية إلى الشخص الثاني، بل نقول إنها خصية الرجل الثاني سواء أدى ذلك إلى انتقال الصفات أم لم يؤد إليه. ثالثًا: أنه لا تأثير للجينات الوراثية، ولا خوف من تطاباقها بدليل أن الأخوين ينجب أحدهما الأنثى وينجب الآخر الذكر، وكلا الأخوين من أصل واحد انتقلت إليهما صفات وراثية واحدة، ومع ذلك لم يحرم زواج ابن أحدهما بابنة الآخر، فدل هذا على عدم تأثير تطابق الصفات

стр. 388

الوراثية (١). (٣) دليل القول الثالث: التفصيل: (١) أن نقل الخصيتين يؤدي إلى قطع نسل المتبرع، بخلاف نقل إحداهما وترك الأخرى. (٢) يجوز نقل إحدى الخصيتين وترك الأخرى، كما يجوز نقل إحدى الكليتين والرئتين بجامع الحاجة في كلٍ (٢). الترجيح: الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بحرمة نقل الخصية مطلقًا وذلك لما يأتي: أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول في تعليلهم. ثانيًا: أن شهادة الأطباء بكون الخصية مؤثرة في الصفات الوراثية (٣) هو المعتمد بناء على ما تقرر من وجوب الرجوع في كل أمر إلى أهله الذي لهم العلم والمعرفة به، وإذا تقرر بشهادة الأطباء تأثير الخصية في الصفات كان ذلك شبهة مؤثرة توجب الحكم بعدم جواز النقل، خاصة وأن العقيم يصير بالنقل منجبًا؟!.

стр. 389

ثالثًا: إن الأصل يقتضي عدم جواز تغيير الخلقة، ونقل الأعضاء إلا بعد وجود الإذن الشرعي بذلك، وعليه فإن الأصل في هذا النوع من النقل أنه محرم، والحاجة الداعية إلى النقل مدفوعة بالشبهة المؤثرة، وبما أشار إليه بعض الأطباء المختصين من وجود البديل الذي يمكن بواسطته علاج المصابين بتلف الخصية الذي يمنع من إنجابهم (١). رابعا: أما استدلال أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: (١) - الوجه الأول:. يجاب عنه بأن إلغاء تأثير ما تقوم به الخصية من تنظيم للماء غير مسلم لأنه قائم على الدعوى المختلف فيها. وإنما يصح إلغاء ذلك لو كانت الخصية غير مؤثرة في الماء نفسه، لكن لما وجد التأثير في الماء بتصويره كان ذلك التنظيم مؤثرًا وأقل درجاته أنه يوجب الشبهة الداعية إلى التوقف عن الحكم بجواز عملية نقل الخصية. (٢) - الوجه الثاني: أن ملكية الشخص الثاني للخصية يشترط في اعتبارها إذن الشرع حتى يصح القول بانتقال ملكيتها للغير، والإذن الشرعي غير موجود هنا، فانتفى القول بصحة الملكية، ومن ثم ينتفي ما تركب عليها من عدم الالتفات للأصل الأول، ومن ثم نقول: إن الأصل في الخصية

стр. 390

أنها ملك للشخص الأول، والتبرع مشكوك في تأثيره في الملكية "على أقل تقدير بسبب وجود الخلاف في صحة التبرع"، فوجب الرجوع إلى اليقين والأصل الموجب للحكم بكونها للشخص الأول. (٣) - الوجه الثالث: يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم صحة القياس لأنه قياس مع الفارق. ووجه ذلك: أن الأصل لم يحكم فيه بتأثير اتحاد الصفات لأن انتقالها لم يكن ناشئًا من عامل واحد، بل من عاملين كل واحد منهما متعلق بأحد الأخوين بخلاف الفرع فإن اتحاد الصفات ناشيء من عامل واحد وخصية واحدة. الوجه الثاني: أن هذا القياس مبني على إلغاء تأثير التشابه في الصفة، وهذا ليس محل النزاع، بل محل النزاع في شرعية المصدر الموجب لاتحاد الصفات. خامسًا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث فيجاب عنه بما يلي: أما الوجه الأول: فمسلم لكونه موافقًا للقول بالتحريم في الحالة التي يرى أصحاب هذا القول حرمة نقل الخصية فيها. وأما الوجه الثاني: فيجاب عنه بأنه قياس مع الفارق لأن الأصل لا
следующие страницы →