والشيخ أحمد حسن مسلم (١)، والشيخ محمد أحمد جمال (٢).
القول الثاني:
يجوز نقل الخصيتين مطلقًا وهو قول الشيخ سيد سابق (٣).
القول الثالث:
التفصيل: يجوز نقل إحدى الخصيتين من الحي إلى الحي، وبه أفتت مشيخة الأزهر (٤).
الأدلة:
(١) دليل القول الأول:
استدل القائلون بحرمة نقل الخصيتين مطلقًا بما يلي:
أولاً: أن نقل الخصيتين يعتبر تشويهًا لخلقة الإنسان المنقول منه، وهذا أمر محرم شرعًا.
ثانيًا: أن نقل الخصيتين من الحي يؤدي إلى حرمانه من النسل وهو أمر محرم شرعًا.
ثالثًا: أن هذا النقل لا توجد فيه الضرورة كما يعلل القائلون بجواز من يرى ذلك.
رابعًا: أن جوازها يؤدي إلى اختلاط الأنساب وهو أمر محرم شرعًا.
стр. 387
خامسًا: إننا لو قلنا بجوازها فإنه سيتذرع بذلك إلى جواز نقل المبيضين لأنهما في حكم الخصيتين، وذلك يؤدي إلى ضياع الأنساب واختلاط المحارم، فوجب القول بالحرمة سدًا لهذه الذريعة المحرمة.
سادسًا: أن المعتبر قوله في هذه المسائل من الناحية الطبية هم أهل الاختصاص والمعرفة من الأطباء، وقد شهدوا بأن نقل الخصيتين يوجب انتقال الصفات الوراثية الموجودة في الشخص المنقولة منه إلى أبناء الشخص المنقولة إليه الخصية، وهذه شبهة موجبة للتحريم (١).
(٢) دليل القول الثاني:
استدل القائلون بجواز نقل الخصيتين مطلقًا بما يلي:
أولاً: أن الحيوانات المنوية خارجة في الأصل من الرجل الثاني "المنقولة إليه الخصية" وأن الخصية ليست إلا مجرد آلة منظمة لتلك الحيوانات فلا وجه للشبهة في عملية نقلها.
ثانيًا: أن الشخص الثاني، المنقولة إليه الخصية، قد ملك تلك الخصية، بعد تبرع الشخص الأول بها إليه، وزرعها في جسمه، وحينئذ لا ينبغي علينا النظر إلى الأصل بعد انتقال الملكية إلى الشخص الثاني، بل نقول إنها خصية الرجل الثاني سواء أدى ذلك إلى انتقال الصفات أم لم يؤد إليه.
ثالثًا: أنه لا تأثير للجينات الوراثية، ولا خوف من تطاباقها بدليل أن الأخوين ينجب أحدهما الأنثى وينجب الآخر الذكر، وكلا الأخوين من أصل واحد انتقلت إليهما صفات وراثية واحدة، ومع ذلك لم يحرم زواج ابن أحدهما بابنة الآخر، فدل هذا على عدم تأثير تطابق الصفات
стр. 388
الوراثية (١).
(٣) دليل القول الثالث: التفصيل:
(١) أن نقل الخصيتين يؤدي إلى قطع نسل المتبرع، بخلاف نقل إحداهما وترك الأخرى.
(٢) يجوز نقل إحدى الخصيتين وترك الأخرى، كما يجوز نقل إحدى الكليتين والرئتين بجامع الحاجة في كلٍ (٢).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بحرمة نقل الخصية مطلقًا وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول في تعليلهم.
ثانيًا: أن شهادة الأطباء بكون الخصية مؤثرة في الصفات الوراثية (٣) هو المعتمد بناء على ما تقرر من وجوب الرجوع في كل أمر إلى أهله الذي لهم العلم والمعرفة به، وإذا تقرر بشهادة الأطباء تأثير الخصية في الصفات كان ذلك شبهة مؤثرة توجب الحكم بعدم جواز النقل، خاصة وأن العقيم يصير بالنقل منجبًا؟!.
стр. 389
ثالثًا: إن الأصل يقتضي عدم جواز تغيير الخلقة، ونقل الأعضاء إلا بعد وجود الإذن الشرعي بذلك، وعليه فإن الأصل في هذا النوع من النقل أنه محرم، والحاجة الداعية إلى النقل مدفوعة بالشبهة المؤثرة، وبما أشار إليه بعض الأطباء المختصين من وجود البديل الذي يمكن بواسطته علاج المصابين بتلف الخصية الذي يمنع من إنجابهم (١).
رابعا: أما استدلال أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
(١) - الوجه الأول:.
يجاب عنه بأن إلغاء تأثير ما تقوم به الخصية من تنظيم للماء غير مسلم لأنه قائم على الدعوى المختلف فيها.
وإنما يصح إلغاء ذلك لو كانت الخصية غير مؤثرة في الماء نفسه، لكن لما وجد التأثير في الماء بتصويره كان ذلك التنظيم مؤثرًا وأقل درجاته أنه يوجب الشبهة الداعية إلى التوقف عن الحكم بجواز عملية نقل الخصية.
(٢) - الوجه الثاني:
أن ملكية الشخص الثاني للخصية يشترط في اعتبارها إذن الشرع حتى يصح القول بانتقال ملكيتها للغير، والإذن الشرعي غير موجود هنا، فانتفى القول بصحة الملكية، ومن ثم ينتفي ما تركب عليها من عدم الالتفات للأصل الأول، ومن ثم نقول: إن الأصل في الخصية
стр. 390
أنها ملك للشخص الأول، والتبرع مشكوك في تأثيره في الملكية "على أقل تقدير بسبب وجود الخلاف في صحة التبرع"، فوجب الرجوع إلى اليقين والأصل الموجب للحكم بكونها للشخص الأول.
(٣) - الوجه الثالث: يجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول:
لا نسلم صحة القياس لأنه قياس مع الفارق.
ووجه ذلك:
أن الأصل لم يحكم فيه بتأثير اتحاد الصفات لأن انتقالها لم يكن ناشئًا من عامل واحد، بل من عاملين كل واحد منهما متعلق بأحد الأخوين بخلاف الفرع فإن اتحاد الصفات ناشيء من عامل واحد وخصية واحدة.
الوجه الثاني:
أن هذا القياس مبني على إلغاء تأثير التشابه في الصفة، وهذا ليس محل النزاع، بل محل النزاع في شرعية المصدر الموجب لاتحاد الصفات.
خامسًا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث فيجاب عنه بما يلي: أما الوجه الأول: فمسلم لكونه موافقًا للقول بالتحريم في الحالة
التي يرى أصحاب هذا القول حرمة نقل الخصية فيها.
وأما الوجه الثاني: فيجاب عنه بأنه قياس مع الفارق لأن الأصل لا
стр. 391
شبهة فيه، بخلاف الفرع فإن الشبهة موجودة فيه فجاز الأصل ولم يجز الفرع، فلم يصح الإلحاق.
سادسًا: أن نقل الخصيتين أو إحداهما يؤدي إلى استباحة النظر إلى العورة وتكرار ذلك، والأصل يقتضي حرمة النظر إلى العورة (١)، وليست هناك حاجة معتبرة توجب استثناء عملية النقل من الأصل نظرًا لمكان الشبهة الموجودة فيها.
سابعًا: أن الخصية إذا نقلت من الحي أو الميت لابد من بقاء قدر من الحيوانات المنوية فيها، ومن ثم يختلط الماء القديم والماء الجديد، وعند جماع الرجل الثاني وإنزاله لا ندري أي الماءين أنزل، ونحن على يقين باشتراكهما، ولا يدرى بعد ذلك هل الحمل متخلق من ماء الأول أم من ماء الثاني، وهذا خلط للأنساب ظاهر فوجب تحريمه والمنع فيه.
لهذا كله فإن الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بعدم جواز نقل الخصية مطلقًا، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 392
المطلب الثاني حكم نقل العضو من حيوان إلى الإنسان
لا يخلو الحيوان الذي يراد نقل عضوه إلى الإنسان من ضربين:
الضرب الأول:
أن يكون طاهرًا، ومن أمثلته بهيمة الأنعام المذكاة من إبل، وبقر، وغنم، فهذا الضرب من الحيوان لا إشكال في جواز التداوي بأي جزء من أجزائه ولا حرج في غرس أعضائه في جسم الإنسان.
وذلك لعموم الأدلة الدالة على مشروعية التداوي، والندب إليه كما في حديث أسامة ﵁ من قوله ﵊: "تداووا ... " (١)، والتداوي بأعضاء هذا الضرب من الحيوان يعتبر كالتداوي بسائر المباحات (٢) بجامع طهارة الكل وإذن الشرع في الانتفاع بهما.
ولأنه كما جاز الانتفاع بأجزائه مع إتلافها بالأكل وكسر العظام فلأن يجوز الانتفاع بها بغرسها وبقائها أولى وأحرى.
وقد نص بعض الفقهاء المتقدمين ﵏ على جواز
стр. 393
الانتفاع بأعضاء هذا الضرب من الحيوان، وأنه لا حرج في غرسه في الجسم.
قال الإمام النووي ﵀: " ... إذا انكسر عظمه فينبغي أن يجبره بعظم طاهر ... " (١) اهـ.
وفي الفتاوى الهندية ما نصه: "لا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقرة، أو بعير، أو فرس، أو غيره من الدواب إلا عظم الخنزير ... وما ذكر من الجواب يجري على إطلاقه إذا كان الحيوان ذكيًا لأن عظمه طاهر رطبًا كان أو يابسًا يجوز الانتفاع به جميع أنواع الانتفاعات رطبًا كان أو يابسًا فيجوز التداوي به على كل حال" (٢) اهـ.
فأطلق ﵀ الحكم بجواز التداوي بالعظم الطاهر من الحيوان المذكى، فدل هذا على جواز زرعه في جسم الإنسان عند حاجته إليه والله أعلم.
الضرب الثاني:
أن يكون غير طاهر، ومن أمثلته ميتة بهيمة الأنعام وغيرها.
فهذا الضرب الأصل فيه أنه محرم لمكان النجاسة التي يوجب وضعها في البدن بطلان الصلاة وغيرها من العبادات التي تشترط لها الطهارة، فلذلك لا يجوز نقل الأعضاء التي يشتمل عليها هذا الضرب إلى جسم الإنسان من حيث الأصل لكن يبقى النظر في الحالات الضرورية هل يجوز فيها النقل أو لا؟.
стр. 394
ففي الفتاوى الهندية: " ... أما إذا كان الحيوان ميتًا فإنما يجوز الانتفاع بعظمه إذا كان يابسًا، ولا يجوز الانتفاع إذا كان رطبًا ... " (١)، وأما الخنزير فقد نص على منع التداوي بعظمه بقوله: "ولا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة، أو بقرة، أو بعير، أو فرس، أو غيره من الدواب إلا عظم الخنزير والآدمي، فإنه يكره التداوي بهما" (٢) اهـ.
وفي مجمع الأنهر: "ويكره معالجة بعظم إنسان أو خنزير لأنه محرم الانتفاع بها" (٣) اهـ.
فهذه النصوص تدل على اعتبار الحاجة الموجودة في التداوي موجبة للترخيص في التداوي بعظام الحيوان الميت إذا كانت يابسة، تستثنى من ذلك عظام الخنزير لحرمة الانتفاع به.
وذهب بعض العلماء ﵏ إلى التفصيل في الحكم بجواز التداوي بالعظام النجسة، وقد أشار الإمام النووي ﵀ إلى ذلك بقوله: "إذا انكسر عظمه فينبغي أن يجبره بعظم طاهر، قال أصحابنا ولا يجوز أن يجبره بنجس مع قدرته على طاهر يقوم مقامه فهو معذور، وإن لم يحتج إليه أو وجد طاهرًا يقوم مقامه أثم ووجب نزعه إن لم يخف منه تلف نفسه، ولاتلف عضو ... " (٤) اهـ.
فبين ﵀ أن الأصل يقتضي حرمة التداوي بالعظم النجس، وينبغي أن يقوم عليه العظم الطاهر، فإن لم يجده وجبره بعظم
стр. 395
نجس فإنه ينبغي أن يتحقق شرطان:
الأول: أن يكون محتاجًا إلى جبر عظمه.
والثاني: أن لا يجد طاهرًا يقوم مقامه.
فإن تخلف أحد الشرطين فإنه لا يجوز له الجبر بالنجس ويعتبر آثمًا لو جبر به، ويجب عليه نزعه بشرط عدم خوف التلف على نفسه، أو عضو من أعضائه.
وبناء على هذا التفصيل فإن التداوي بنقل أعضاء الحيوان في هذا الضرب ينبغي أن يتحقق فيه شرطان:
الأول: أن يكون الشخص المريض محتاجًا إلى نقل عضو الحيوان النجس إليه، ويتحقق هذا الشرط بشهادة الأطباء المختصين بهذه الحاجة.
والثاني: أن لا يوجد العضو الطاهر الذي يمكن أن يقوم مقامه.
فإذا تحقق هذان الشرطان فإنه لا حرج في قيام الطبيب الجراح بنقل العضو النجس وجزئه ولا يعتبر وجود ذلك العضو النجس في جسم المريض مؤثرًا في صلاته وعبادته التي يشترط لصحتها الطهارة نظرًا لمكان العذر الموجب للترخيص بوجود هذه النجاسة، والله أعلم.
والذي يتلخص من جميع ما سبق ما يلي:
أن نقل الأعضاء لا يخلو إما أن يكون من إنسان أو حيوان إلى إنسان:
стр. 396
أ- فإن كان من إنسان فإنه لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون حيًا.
والثانية: أن يكون ميتًا.
(١) فإن كان حيًا فإنه لا يخلو النقل من ضربين:
الأول: أن يكون للشخص نفسه وحكمه الجواز.
الثاني: أن يكون لغيره فحينئذ لا تخلو الأعضاء المنقولة من قسمين.
القسم الأول: أن تكون الأعضاء المفردة التي يُؤدي نقلها إلى وفاة الشخص المنقولة منه وحكمه التحريم.
القسم الثاني: أن لا تكون من تلك الأعضاء، وحكمه: إن كان من مسلم إلى مسلم التحريم، وإن كان من كافر إلى مسلم الجواز، ولكن بشرط أن لا يكون العضو المنقول خصية.
(٢) وأما إن كان ميتًا فإنه يجوز النقل منه إن كان كافرًا، ولا يجوز إن كان مسلمًا، ومحل جواز النقل إذا كان العضو المنقول غير الخصية.
ب- وأما إن كان النقل من حيوان فلا يخلو ذلك الحيوان المنقول منه العضو من حالتين:
الأولى: أن يكون طاهرًا، وحكم النقل الجواز.
الثانية: أن يكون نجسًا، وحكم النقل التحريم إلا عند الضرورة. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 397
المبحث الخامس في (الثقب) (١)
من المهمات التي تشتمل عليها مرحلة العمل الجراحي مهمة الثقب، المتمثلة في إحداث الخرق في الموضع المحتاج إلى خرقه.
وكثيرًا ما يلجأ الأطباء إلى هذه المهمة لإزالة التشوه الخلقي الموجود في الأطفال، ومن أمثلته ما يجرى في جراحة الأطفال من فتح المقعدة المسدودة خلقة، وكذلك فتح مجرى البول (الإحليل) عند الذكور (٢).
ويلجأ الأطباء إلى مهمة الثقب عند قيامهم بالجراحة التي تجرى لإزالة السدد الموجود في الأمعاء، فيقوم الطبيب باستئصال الموضع التالف المسدود ووضع البديل عنه، ثم يقوم بثقب جدار البطن الأمامي وإحداث فتحة يخرج منها جزء من الأمعاء الغليظة، وذلك لكي تقوم مقام الشرج الطبيعي، فيخرج منها البراز، وبعد انتهاء الحاجة، ونجاح الجراحة الأولى، يقوم الطبيب بخياطة ذلك الثقب وسده، حتى يعود جدار البطن إلى حالته الأولى (٣).
والثقب في الأصل مفسدة لما يشتمل عليه من إتلاف لجزء من الجسم، إلا أنه جائز عند وجود الحاجة الداعية إلى فعله، كما في هذه الحالات وأمثالها، فكما جاز فعل القطع مع كونه مشتملاً على مفسدة
стр. 398
الإتلاف، كذلك يجوز فعل الثقب بجامع وجود الحاجة الداعية إلى فعل كل منهما ... والله أعلم.
مسألة: هل يجوز ثقب أذن المرأة للحلي ؟
اختلف العلماء ﵏ في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
يجوز ثقب الأذن للحلي. وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة على الصحيح من المذهب (٢).
القول الثاني:
لا يجوز. وهو مذهب الشافعية (٣)، وبعض الحنابلة (٤).
تحديد محل الخلاف: إذا كان الثقب للأنثى.
الأدلة:
(١) دليل القول الأول:
استدل أصحاب القول الأول بالسنة والعقل:
стр. 399
أ- دليلهم من السنة:
استدلوا بالحديثين التاليين:
١ - حديث ابن عباس ﵄ في خطبة النبي ﷺ وعظته النساء يوم العيد وفيه: "فجعلت المرأة تلقي خرصها، وسخابها" (١).
ووجه الدلالة:
أن الخرص هو الحَلَقُ الموضوع في الأذن بدليل الرواية الثانية، وفيها:
"فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن" (٢).
فدل الحديث على أن ثقب الأذن للحلي كان موجودًا على عهد النبي ﷺ ، فلو كان حرامًا لنهى عنه ﵊، فعدم نهيه يدل على جواز فعله (٣).
٢ - حديث أم زرع أنها قالت: "زوجي أبو زرع، فما أبو زرع؟ أناس (٤) من حُلي أذُني ... ، قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع ... " (٥).
وجه الدلالة:
стр. 400
أن هذا الحديث ظاهر في الدلالة على علمه ﷺ بثقب الآذان ووضع الحلي فيها للزينة، ومع ذلك لم ينكره ولم يحرمه، فدل هذا على جوازه.
ب- دليل العقل:
أن المرأة محتاجة إلى الثقب، ولها فيه مصلحة، فيشرع فعله بها (١).
(٢) دليل القول الثاني:
استدلوا بالعقل من وجوه:
الوجه الأول:
أن ثقب الأذن ملحق بتبتيك آذان الأنعام الذي أخبر الله تعالى في كتابه أنه مما يأمر به الشيطان أولياءه (٢).
الوجه الثاني:
أن الثقب جرح مؤلم لا يجوز فعله إلا لحاجة مهمة والتحلي ليس منها (٣).
الوجه الثالث:
أنه تعجيل أذى لا فائدة منه فلا يشرع فعله (٤).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بجواز ثقب الأذن
стр. 401
للنساء من أجل الحلي، وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة ما استدل به أصحاب هذا القول من الأدلة النقلية والعقلية.
ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني بالعقل فيجاب عنه من وجوه:
الوجه الأول:
لا نسلم بصحتها لما يلي:
أ- أن إلحاق ثقب الأذن بتبتيك آذان الأنعام قياس مع الفارق لأن الأصل لا مصلحة فيه بخلاف الفرع ففيه مصلحة شهد الشرع باعتبارها وهي تحلي المرأة وتجملها، فحرم الأصل وجاز الفرع.
ب- وأما الوجه الثاني فإننا لا نسلم أن التحلي ليس بحاجة مهمة، بل هو حاجة مهمة عند النساء وفي منعهن منه حرج ومشقة.
جـ- وأما الوجه الثالث: فغير مسلم لأن نفي الفائدة عن التحلي مخالف للعادة والحس.
الوجه الثاني:
سلمنا صحة هذه الأدلة العقلية فرضًا لكن نقول هذا اجتهاد في مقابل النص، ولا اجتهاد مع النص.
لهذا كله فإنه يترجح القول بجواز ثقب أذن المرأة للتحلي ... والله أعلم.
стр. 402
المبحث السادس في (الكحت وتوسيع الرحم)
الكحت وتوسيع الرحم يقصد منه الأطباء في اصطلاحهم: "توسيع عنق الرحم في النساء، بقصد فحص جدران الرحم، وتنظيفها، أو كشط غشائها المخاطي" (١).
وهذه المهمة الجراحية يتم فعلها بعد تخدير المرأة تخديرًا عامًا، ثم يقوم الطبيب بإجراء عملية توسيع لعنق الرحم بشكل تدريجي، حتى يستطيع إدخال ملعقة الكحت الجراحية داخل الرحم، وبعد ذلك يقوم بكحت الطبقة الرقيقة الموجودة على جدار الرحم الداخلي (٢).
وقد تجرى هذه المهمة بعد تخدير المرأة تخديرًا موضعيًا إذا كان الكحت يقصد منه أخذ عينة يسيرة من عنق الرحم (٣).
والأسباب الداعية إلى فعل هذه المهمة تتلخص في الحالات التالية:
(١) حالات النزيف الرحمي الحاد.
(٢) إخراج المشيمة بعد الولادة، حتى لا تتسبب في النزيف الرحمي.
(٣) حالات تفريغ الرحم الضرورية كحالة إخراج الجنين المنتبذ.
стр. 403
(٤) فحص الأمراض المتعلقة بالجهاز التناسلي للمرأة (١).
فهذه الحالات وما في حكمها توفرت فيها الأسباب الموجبة للترخيص بفعل هذا النوع من الجراحة، ولكن يشترط لجواز فعل مهمة الكحت أن يتعذر علاج هذه الحالات بالبدائل الأخرى، فإذا تعذر ذلك، أو كانت البدائل تتضمن مفسدة أعظم من مفسدة كشف العورة، والإيلاج في الفرج فإنه يسوغ حينئذ العدول عنها إلى فعل الكحت للقاعدة الشرعية "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (٢).
وهذا النوع من الجراحة وما في حكمه من الأنواع الأخرى المختصة بالنساء وبكشف موضع العورة المغلظة ينبغي أن يقوم به النساء، وأن يسعى المرضى في طلب ذلك ما أمكن، كما ينبغي على المستشفيات أن يهتموا بذلك، وألا يسند شيء منه إلى الرجال إلا في الضرورة القصوى، وذلك لعظيم المفسدة المترتبة على نظر الرجل إلى فرج المرأة، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ ينصون عند بيانهم للختان على أنه ينبغي أن تسند مهمة الخفاض المتعلقة بالنساء إلى النساء، لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف (٣)، فينبغي اعتبار ذلك والتزامه ما أمكن ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 404
المبحث السابع في (إعادة الأعضاء المبتورة)
هذا النوع من المهمة الجراحية يشتمل على إعادة العضو المقطوع إلى موضعه بجراحة تعتبر من أدق أنواع الجراحة وأصعبها نظرًا لما تتطلبه من مهارة خاصة وصبر طويل، فقد يستغرق العمل الجراحي لإعادة أصبع واحدة على الأقل ست ساعات (١).
وليس كل الأعضاء المبتورة يمكن إعادتها إلى موضعها، بل ذلك مختص بأعضاء معينة، وشروط لابد من توفرها في ذلك العضو المبتور من أهمها عدم تلوثه بصورة تمنع من إعادته، وعدم وجود فاصل زمني طويل، لأن ذلك يحول دون نجاح عملية الوصل التي تحتاج إلى طراوة الموضع وقرب عهده بحادث البتر.
وتقوم هذه المهمة على تهيئة الطرفين الذين يراد وصلهما -طرف العضو المبتور ومكانه- ثم يقوم الطبيب الجراح بتوصيل الأوعية الدموية، وخياطة الأعصاب والأوتار (٢).
وهذه المهمة من حيث الأصل توفرت فيها الدواعي الموجبة للترخيص بفعلها، وذلك. لأن الإنسان يتضرر كثيرًا بفقده ليده، أو رجله، أو أصابعهما، فيشرع له دفع ذلك الضرر بفعل هذا النوع من الجراحة الذي يمكن بواسطته إعادة ذلك العضو الذي أبين، ولكن بشرط أن لا تكون إبانته مطلوبة شرعًا لحد أو قصاص كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.
стр. 405
ولأنه إذا جاز بتر العضو وإبانته من الجسم عند الحاجة فلأن يجوز رده عند وجودهما أولى وأحرى.
وقد حكى الإمام القرطبي ﵀ عن الإمام الشافعي (١)، وعطاء (٢) وسعيد بن المسيب (٣) ﵏ القول بعدم جواز إعادة الأذن المقطوعة، محتجين بأنها صارت نجسة بالانفصال، فلم تجز إعادتها لئلا تؤدي إلى بطلان العبادة (٤).
ونص غيرهم من أهل العلم ﵏ على جواز إعادتها بعد انفصالها (٥).
стр. 406
قال الإمام ابن العربي (١) ﵀ بعد حكايته للقول بمنع إعادة الأذن المقطوعة:
"وهذا غلط، وقد جهل من خفي عليه أن ردها وعودها بصورتها لا يوجب عودها بحكمها، لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها" اهـ.
فبين ﵀ أن إعادة الأذن المقطوعة لا يوجب الحكم بنجاستها، لأن النجاسة متعلقة بها حال الانفصال، وأما إذا عادت واتصلت فإنها ترجع إلى حكمها الأول من كونها طاهرة.
ولاشك في أن القول بجواز إعادتها هو الراجح لما يلي:
أولاً: أن فيه دفعًا للمشقة والحرج الموجود في حال فقد ذلك العضو المبتور، والشريعة الإسلامية راعت دفع الحرج والمشقة عن المكلفين.
ثانيًا: أن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة، فوجب أن يكون ذلك العضو الذي أبين طاهرًا، وإذا كان كذلك انتفى ما ذكروه من الحكم بنجاسته ومن ثم لم تلزم إبانتها ثانية.
ثالثًا: أن إيجاب قلع ذلك العضو بعد إعادته فيه ألم ومشقة، وقد
стр. 407
عهدنا من الشرع تحريم قطعه على وجه العقوبة فلا وجه للأمر به، وتعذيب المكلف بألمه.
لهذا كله فإنه يشرع للطبيب الجراح فعل هذه المهمة الجراحية، ويعتبر فعلها داخلاً في عموم ما ندب الله تعالى من الإصلاح في الأرض والله تعالى أعلم.
مسألة: هل تجوز إعادة العضو المقطوع حدًا أو قصاصًا ؟
اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
* القول الأول:
لا تجوز إعادة ما قطع بحد أو قصاص مطلقًا "سواء تاب مرتكب الجريمة أو لم يتب، وسواء أذن صاحب الحق -المجني عليه- أم لم يأذن".
وبهذا القول صدر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (١)، واختاره الشيخ بكر أبو زيد (٢)، والشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع (٣)، والشيخ محمد عبد الرحمن آل الشيخ (٤)،
стр. 408
والأستاذ محمد أحمد جمال (١).
* القول الثاني:
تجوز إعادة ما قطع بالحد والقصاص، وممن قال بهذا القول الدكتور وهبة الزحيلي (٢) إلا أنه اشترط في القصاص رضى المجني عليه.
* القول الثالث:
التوقف.
القاضي محمد تقي العثماني (٣).
أولاً: دليل القول الأول "المنع ":
استدلوا بدليل النقل والعقل:
أ- دليلهم من النقل:
١ - دليل الكتاب:
قوله تعالى في شأن الزاني والزانية: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٤).
стр. 409
* وجه الدلالة:
أن الآية الكريمة دلت على حرمة الرأفة بالمعتدي لحدود الله تعالى، والجاني بالسرقة والقطع لعضو غيره معتد لمحارم الله وحدوده، فلا تشرع الرأفة به بإعادة ما أبين منه بعد إقامة حد الله عليه (١).
قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
* وجه الدلالة: من وجهين.
* الوجه الأول:
أن الجزاء لا يتم إلا بالقطع، والنكال لا يتم إلا برؤية اليد المقطوعة، وإعادتها مفوت للثاني فلا تشرع لكونها مفوتة للنكال المنصوص عليه في الآية الكريمة (٣).
* الوجه الثاني:
أن هذا الحكم بالقطع يوجب فصلها عن البدن على التأبيد، وفي إعادتها مخالفة لحكم الشرع فلا يجوز فعلها (٤).
стр. 410
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (١).
وقوله سبحانه: ﴿وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢).
* وجه الدلالة من الآيتين:.
أن إعادة العضو الذي أبين بالقصاص تؤدي إلى عدم المماثلة التي أوجبتها الآيتان الكريمتان (٣).
٢ - دليل السنة:
حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن النبي ﷺ قال في السارق: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه" (٤).
* وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ أمر بحسم يد السارق، والحسم مانع من إعادتها (٥).
حديث فضالة ﵁: "أن النبي ﷺ أتي بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه" (٦).
стр. 411
* وجه الدلالة:
أن تعليق يد السارق في عنقه حكم شرعي يعتبر من تمام العقوبة والحد، وإعادتها توجب تفويت ذلك فلا يجوز فعلها (١).
ب- دليلهم من العقل:
استدلوا بالعقل من وجوه:
الوجه الأول:
أن في إعادة يد السارق ستر على جريمته الكبرى، والشرع قاصد لفضحه فلا يجوز فعلها.
* الوجه الثاني:
أن الحكمة من إيجاب الحد والقصاص منع المجرم من المعاودة إلى عدوانه وردع غيره من ارتكاب مثل جريمته، والإعادة مفوتة لهذه الحكمة فلا يشرع فعلها.
* الوجه الثالث:
أن إعادة العضو المقطوع بالحد أو القصاص يعتبر من تغيير خلق الله وهو محرم شرعًا، فلا يجوز فعل موجبه، ووجه كونه تغييرًا للخلقة: أن الله تعالى حكم بإبقاء يد السارق مقطوعة وهكذا عضو الجاني، فالإقدام على إعادة ذلك العضو يتضمن التغيير للخلقة من هذا الوجه.
стр. 412
الوجه الرابع:
أن بقاء اليد مقطوعة مقصود شرعًا بدليل أن السارق إذا حاول السرقة ثانية ذكرته اليد المقطوعة بالعقوبة والحد فانكف وانزجر عن فعل السرقة، وهذا المقصود يفوت بإعادة اليد فلا يشرع فعلها.
الوجه الخامس:
أن الحكم بجواز إعادة يد السارق والجاني يشجع أهل الإجرام على فعل الجرائم وارتكابها، وذلك يفوت المقصود من إقامة الحدود وشرع القصاص للزجر.
الوجه السادس:
أن هذا العضو الذي حكم الشرع بإبانته حدًا أو قصاصًا ارتفعت عنه حقوق المقطوع منه، فلا وجه للحكم بجواز إعادته له (١).
ثانيًا: دليل القول الثاني: "تجوز إعادة العضو في الحد، أما في القصاص فبشرط رضا المجني عليه".
استدلوا بما يلي:
(١) أنه تم تنفيذ الحد بمجرد القطع والبتر، وبذلك تم إعمال النص الشرعي الآمر به وبقي ما عداه على أصل الإباحة الشرعية.
стр. 413
(٢) أنه لا سلطان للحاكم على المحدود بعد تنفيذ الحد، فإذا بادر السارق أو المحارب إلى إعادة يده أو رجله المقطوعة بعمل جراحي فلا يحق للحاكم أن يتدخل في شأنه، كما لا يحق له في الوقت الحاضر منعه من تركيب يد أو رجل صناعية، فتكون إعادة العضو الطبيعي أولي وأحرى بالسكوت عنها وتركها.
(٣) لقد تحققت جميع الأهداف المقصودة من إقامة الحد من إيلام، وزجر، وتشهير وكل ذلك تحقق بإقامة الحد الشرعي.
(٤) أن نقل وزراعة الأعضاء من إنسان لإنقاذ إنسان غيره أمر جائز، فمن باب أولى أن يجوز للإنسان أن يعيد ما قطع من أعضائه.
(٥) أن التوبة تسقط جميع الحدود التي حق الله ﵎، كما هو مذهب بعض العلماء وقد تاب المحدود فلا تشرع عقوبته بعد توبته بقطع العضو ثانية.
(٦) لو نبتت سن جديدة، أو أصبع جديدة بعد القصاص أو الحد لا تستأصل مرة أخرى على الراجح لدى الفقهاء، لأن النابت نعمة جديدة من الله تعالى، ليس للمجني عليه قلعها، وليس هو في حكم العضو المقطوع والمقلوع كما لا يشرع استئصالها لا يشرع استئصال اليد المعادة بعد الحد.
(٧) لاشك في أن إعادة اليد أو غيرها تعتبر مصلحة ضرورية لصاحبها، ولا تتصادم هذه المصلحة مع النصوص الشرعية الآمرة بتطبيق الحد، أو القصاص، إذ إن النص قد أعمل وفرغ منه، وهو ساكت عما وراء تنفيذ مقتضاه الواضح.
(٨) أن حقوق الله تعالى مبنية على الدرء والإسقاط والمسامحة
стр. 414
خلافًا لحقوق الآدميين.
(٩) ليس في إعادة اليد أو أي عضو قطع حدًا عبث أو تحايل على أحكام الشريعة، لأن العبث والتحايل في تعطيل تطبيق الشريعة، وأما النجاسة فيمكن تطهير اليد منها بالماء قبل تركيبها.
(١٠) أن الاعتبارات الإنسانية، وسماحة الإسلام، ورحمة الله بعباده تؤكد لنا القول بجواز إعادة اليد (١).
ثالثًا: دليل القول الثالث:
أن النظر في هذه المسألة موقوف على أن المقصود بالحد هل هو إيلام الجاني بفعل الإبانة فقط؟.
أو المقصود تفويت عضو بالكلية؟.
فعلى الأول تجوز الإعادة. وعلى الثاني لا تجوز، ولكلا الاحتمالين دلائل، ولا يجب علينا القطع بإحداهما الآن لكون المسألة غير متصورة الوقوع حتى اليوم ... " (٢).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بعدم جواز إعادة العضو الذي أبين في حد أو قصاص وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة دلالة النقل والعقل على هذا كما هو واضح في أدلة
стр. 415
أصحاب القول الأول.
ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
* الوجه الأول:
أن إعمال النص يستلزم القطع ثم الحسم ثم التعليق بالنسبة للحد، وكل من الحسم والتعليق يعتبر عائقًا عن نجاح إعادة المقطوع، وأما الإباحة المذكورة فهي غير معتبرة لأن استصحاب الأصل الطاريء عليها الذي دل عليه النص الموجب للحد وإبانة العضو يعتبر رافعًا لحكمها.
* الوجه الثاني:
أن هذا الوجه استدلال بالدعوى، وأما قياس إعادة العضو على تركيب الأعضاء المصنوعة فهو قياس مردود، لأنه قياس مع الفارق، فالعضو المعاد ثبت النص بإبعاده عن الجسم بالحد والقصاص، وأما العضو المصنوع فهو من الأشياء التي سخر الله للإنسان الانتفاع بها وأذن له بذلك، فلم يكن مثل العضو المقطوع في الحد والقصاص.
* الوجه الثالث:
أن الذي تحقق على قول من قال بجواز الإعادة هو القطع وحده، وأما الحسم والتعليق والتنكيل وزجر الغير فإنه لا يتم إلا بإبقاء اليد فترة بالنسبة للتعليق، وبإبقائها مقطوعة إلى الأبد بالنسبة للتعليق، وبإبقائها مقطوعة إلى الأبد بالنسبة للزجر والتنكيل.
* الوجة الرابع:
أن هذا قياس مع الفارق ووجهه: أن الفرع توفر فيه الموجب لحرمة زرعه وإعادته للجسم ثانية بخلاف الأصل الذي لم يتوفر فيه
стр. 416
ذلك.
* الوجه الخامس:
أن التوبة تسقط الحدود قبل تنفيذها وأما بعد التنفيذ والحكم الشرعي فإنه ينبغي عدم الالتفات إليها لكونها واقعة في غير موقعها، ثم إننا لا نسلم أن السرقة من جنس الحدود التي تسقط بالتوبة لكونها مشتملة على الحق المشترك "حق الله، وحق العبد"، وما كاد كذلك لم تؤثر التوبة في إسقاطه.
* الوجه السادس:
أن هذا قياس مردود لأنه قياس مع الفارق، فالأصبع والسن الجديدة، يصح وصفها بكونها نعمة متجددة، ومن ثم تعذر القول بوجوب قطعها لأن النص الوارد بالقطع حدًا وقصاصًا لم يرد فيها بخلاف اليد المعادة، فان النص ورد عليها حدًا وقصاصًا.
* الوجه السابع:
أن هذا استدلال بالدعوى وهو مردود من أصله، لأننا لا نسلم بأن ما بعد الحد مسكوت عنه، نظرًا لأن بقاء اليد مقطوعة ترجح اعتبار الشرع له بالأدلة النقلية والعقلية، ومن ثم كانت إعادة تلك اليد مصادمة لمصلحة الزجر والردع للغير.
* الوجه الثامن:
لا نسلم أن السرقة من حقوق الله تعالى المبنية على الدرء والإسقاط، ولو سلمنا ذلك فإننا نقول إنما يكون ذلك قبل التنفيذ أما بعده فلا خاصة إذا ثبت الموجب بشهادة الشهود.
стр. 417
* الوجه التاسع:
لا نسلم صحته لأنه استدلال بالدعوى أيضًا، بل إن التحايل المنفي موجود، لأن لازم القول بجواز إعادة العضو فيه إضاعة لمضمون حكم القاضي بقطع العضو حداً وقصاصًا.
* الوجه العاشر:
لا نسلم صحته لأن الرحمة إنما تكون من الشريعة بمن يستحقها لا بمن لا يستحقها، وهذا الصنف من الناس توفرت فيه الصفات الموجبة ْلعدم رحمته والتيسير عليه ولو سلمنا أنه يرحم فإننا نقول إن رحمته بإبقاء العضو مقطوعًا أبلغ لأنه يمنعه من المعاودة ثانية إلى فعل الجريمة وارتكابها.
ثالثًا: وأما اعتذار أصحاب القول الثالث بعدم القطع نظرًا لكون المسألة غير متصورة فيجاب عنه بحدوثها ووقوعها، الأمر الذي يوجب بيان حكم الله تعالى فيها بترجيح أحد القولين بدليله.
لهذا كله فإنه يترجح في نظري القول بعدم جواز إعادة العضو المقطوع في الحد أو القصاص والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 418
المبحث الثامن في (زرع الأعضاء المصنوعة)
يحتاج الأطباء في علاج بعض الأمراض الجراحية إلى زرع أعضاء تم صنعها لكي تقوم بمهمة العضو التالف بسبب المرض.
والحاجة الموجودة إلى زراعة هذه الأعضاء لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى:
أن تكون ضرورية، ومن أشهر أمثلتها ما يقوم به الأطباء من وصل شرايين القلب بطعوم صناعية في حالة استئصال جزء من تلك الشرايين وتعذر اتصال طرفي الشريان ببعضهما نظرًا لطول المسافة، فيقوم الطبيب الجراح بوضع تلك القطعة المصنوعة في موضع الاستئصال لكي تقوم بمهمة الجزء التالف (١).
الحالة الثانية:
أن تكون حاجية، ومن أشهر أمثلتها المفاصل الصناعية التي يقوم الأطباء بوضعها موضع المفصل الخلقي نظرًا لإصابته بالآفة الموجبة لاستئصاله ووضع ذلك البديل مكانه كما يجرى ذلك في حالة إصابته بالروماتيزم الغضروفي المزمن، أو التهاب المفاصل التيبسي كما يسميه الأطباء (٢).
стр. 419
ومن أمثلتها أيضًا ما يجرى في جراحة الأسنان التعويضية من وضع الجسور المصنوعة بين الأسنان، وكذلك شد الأسنان بالأسلاك، وغيرها من الحالات التي يحتاج فيها إلى وجود الأعضاء المصنوعة (١).
وهاتان الحالتان توفرت فيهما الدواعي الموجبة للترخيص بفعل الجراحة، فالضرورة تبيح المحظور (٢)، والحاجة منزلة منزلتها (٣)، وعليه فإنه لا حرج على الأطباء في فعل الجراحة وزرع تلك الأعضاء، وهي وإن كانت من صنع البشر لكنها من مخلوقات الله التي أوجدها الله لكي ينتفع بها الإنسان عند حاجته إليها كما أشار الحق ﵎ إلى ذلك بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٤).
فمن نعم الله ﵎ على عباده أن هدى الأطباء وسهل لهم السبل للوصول إلى هذا النوع من الجراحة الموجب لزوال الآلام والمتاعب المترتبة على الأمراض الجراحية فله الحمد وله الشكر.
* * *
стр. 420
المبحث التاسع في (الرتق (١))
المراد بالرتق سد موضع الفتق (٢)، وهذه المهمة يلجأ إليها الأطباء لعلاج الفتوق الموجودة في الجسم، ومن أشهرها ما يلي:
(١) الفتوق السرية.
(٢) الفتق الفخذي.
(٣) الفتق المثاني.
(٤) فتوق المعي الغليظة (٣).
وهذه الفتوق وجدت الحاجة الموجبة لعلاجها بالرتق فهي تشتمل في كثير من الأحيان على آلام، وقد يترتب على تركها ضرر في موضع الفتق أو في الجسم عامة، والرتق يعتبر إصلاح الفساد الناشيء عن الفتق، ونظرًا لهذه الحاجة وخوف الضرر فإنه يرخص للمرضى والأطباء في فعله، للقاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة" فالمريض يعتبر محتاجًا إلى فعل جراحة الفتق لمكان الآلام وخوف الضرر المترتب على ترك الفتق بدون علاج.
стр. 421
مسألة: هل يجوز رتق غِشاء البِكارة ؟.
هذه المسألة تعتبر من المسائل النازلة في هذا العصر، وكانت من ضمن المواضيع التي بحثت في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة في الكويت في عام ١٤٠٧ هـ، وكتب فيها فضيلة الشيخ عز الدين الخطيب التميمي بحثًا خلص فيه إلى القول بالتحريم، كما كتب أيضًا الدكتور محمد نعيم ياسين بحثًا خلص فيه إلى القول بالتفصيل في حكم هذه المسألة.
ولهذا فإنه من المناسب ذكر كلا القولين، مع أدلتهما، ثم بعد ذلك أذكر ما يترجح في نظري منهما سائلاً لله أن يمدني بالعون والتوفيق للصواب.
الأقوال:
القول الأول:
لا يجوز رتق غشاء البكارة مطلقًا. "الشيخ عز الدين الخطيب التميمي".
القول الثاني: التفصيل:
(١) إذا كان سبب التمزق حادثة أو فعلاً لا يعتبر في الشرع معصية، وليس وطئًا في عقد نكاح ينظر:
أ- فإن غلب على الظن أن الفتاة ستلاقي عنتًا وظلمًا بسبب الأعراف، والتقاليد كان إجراؤه واجبًا.
ب- وإن لم يغلب ذلك على ظن الطبيب كان إجراؤه مندوبًا.
стр. 422
(١) إذا كان سبب التمزق وطئًا في عقد نكاح كما في المطلقة، أو كان بسبب زنى اشتهر بين الناس فإنه يحرم إجراؤه.
(٣) إذا كان سبب التمزق زنى لم يشتهر بين الناس كان الطبيب مخيرًا بين إجرائه وعدم إجرائه، وإجراؤه أولى. "الدكتور محمد نعيم ياسين".
تحديد محل الخلاف:
ينحصر محل الخلاف بين القولين في الحالة الأولى، والثالثة، أما في الحالة الثانية فإنهما متفقان على تحريم الرتق.
الأدلة:
(١) دليل القول الأول: "لا يجوز مطلقًا":
أولاً: أن رتق غشاء البكارة قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فقد تحمل المرأة من الجماع السابق، ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها، وهذا يؤدي إلى إلحاق ذلك الحمل بالزوج واختلاط الحلال بالحرام.
ثانيًا: أن رتق غشاء البكارة فيه اطلاع على المنكر.
ثالثًا: أن رتق غشاء البكارة يسهل للفتيات ارتكاب جريمة الزنى لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الجماع.
رابعًا: أنه إذا اجتمعت المصالح والمفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن
стр. 423
كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة كما قرر ذلك فقهاء الإسلام.
وتطبيقاً لهذه القاعدة فإننا إذا نظرنا إلى رتق غشاء البكارة وما يترتب عليه من مفاسد حكمنا بعدم جواز الرتق لعظيم المفاسد المترتبة عليه.
خامسًا: أن من قواعد الشريعة الإسلامية أن الضرر لا يزال بالضرر، ومن فروع هذه القاعدة "لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق على أرضه بإغراق أرض غيره"، ومثل ذلك لا يجوز للفتاة وأمها أن يزيلا الضرر عنهما برتق الغشاء ويلحقانه بالزوج.
سادسًا: أن مبدأ رتق غشاء البكارة مبدأ غير شرعي لأنه نوع من الغش، والغش محرم شرعًا.
سابعًا: أن رتق غشاء البكارة يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهليهن لإخفاء حقيقة السبب، والكذب محرم شرعًا.
ثامنًا: أن رتق غشاء البكارة يفتح الباب للأطباء، أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة بحجة الستر (١).
(٢) دليل القول الثاني: "التفصيل ":
أولاً: أن النصوص الشرعية دالة على مشروعية الستر وندبه،
стр. 424
ورتق غشاء البكارة معين على تحقيق ذلك في الأحوال التي حكمنا بجواز فعله فيها.
ثانيًا: أن المرأة بريئة من الفاحشة، فإذا أجزنا له فعل جراحة الرتق قفلنا باب سوء الظن فيها، فيكون في ذلك دفعٌ للظلم عنها، وتحقيقًا لما شهدت النصوص الشرعية باعتباره وقصده من حسن الظن بالمؤمنين والمؤمنات.
ثالثا: أن رتق غشاء البكارة يعين على تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة فكما أن الرجل مهما فعل الفاحشة لا يترتب على فعله أي أثر مادي في جسده، ولا يثور حوله أي شك فكذلك ينبغي أن تكون المرأة، وتحقيق العدل بينهما مقصد شرعي، إلا في الأحوال المستثناة بدليل شرعي، وليست هذه الحالة منها.
رابعًا: أن رتق غشاء البكارة يوجب دفع الضرر عن أهل المرأة، فلو تركت المرأة من غير رتق واطلع الزوج على ذلك لأضرها، وأضر بأهلها، وإذا شاع الأمر بين الناس فإن تلك الأسرة قد يمتنع من الزواج منهم، فلذلك يشرع لهم دفع ذلك الضرر لأنهم بريئون من سببه.
خامسًا: أن قيام الطبيب المسلم بإخفاء تلك القرينة الوهمية في دلالتها على الفاحشة له أثر تربوي عام في المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بنفسية الفتاة.
سادسًا: أن مفسدة الغش في رتق غشاء البكارة ليست موجودة في
стр. 425
الأحوال التي حكمنا بجواز الرتق فيها (١).
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بعدم جواز رتق غشاء البكارة مطلقًا وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول في استدلالهم.
ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
الجواب عن الوجه الأول:
أن الستر المطلوب هو الذي شهدت نصوص الشرع باعتبار وسيلته، ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك، بل الأصل حرمته لمكان كشف العورة، وفتح باب الفساد.
الجواب عن الوجه الثاني:
أن قفل باب سوء الظن يمكن تحقيقه عن طريق الإخبار قبل الزواج، فإن رضي الزوج بالمرأة وإلا عوضها الله غيره.
الجواب عن الوجه الثالث:
أن التعليل بمساواة المرأة على هذا الوجه فاسد، والتفاوت بين الرجل والمرأة في خفاء الجريمة على الوجه المذكور فطرة إلهيّة، فيكون التعليل بالمساواة على هذا الوجه فيه نوع من التهمة بعدم العدل