← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مسألة: هل يجوز رتق غِشاء البِكارة ؟. هذه المسألة تعتبر من المسائل النازلة في هذا العصر، وكانت من ضمن المواضيع التي بحثت في ندوة الرؤية الإسلامية لبعض الممارسات الطبية المنعقدة في الكويت في عام ١٤٠٧ هـ، وكتب فيها فضيلة الشيخ عز الدين الخطيب التميمي بحثًا خلص فيه إلى القول بالتحريم، كما كتب أيضًا الدكتور محمد نعيم ياسين بحثًا خلص فيه إلى القول بالتفصيل في حكم هذه المسألة. ولهذا فإنه من المناسب ذكر كلا القولين، مع أدلتهما، ثم بعد ذلك أذكر ما يترجح في نظري منهما سائلاً لله أن يمدني بالعون والتوفيق للصواب. الأقوال: القول الأول: لا يجوز رتق غشاء البكارة مطلقًا. "الشيخ عز الدين الخطيب التميمي". القول الثاني: التفصيل: (١) إذا كان سبب التمزق حادثة أو فعلاً لا يعتبر في الشرع معصية، وليس وطئًا في عقد نكاح ينظر: أ- فإن غلب على الظن أن الفتاة ستلاقي عنتًا وظلمًا بسبب الأعراف، والتقاليد كان إجراؤه واجبًا. ب- وإن لم يغلب ذلك على ظن الطبيب كان إجراؤه مندوبًا.

стр. 422

(١) إذا كان سبب التمزق وطئًا في عقد نكاح كما في المطلقة، أو كان بسبب زنى اشتهر بين الناس فإنه يحرم إجراؤه. (٣) إذا كان سبب التمزق زنى لم يشتهر بين الناس كان الطبيب مخيرًا بين إجرائه وعدم إجرائه، وإجراؤه أولى. "الدكتور محمد نعيم ياسين". تحديد محل الخلاف: ينحصر محل الخلاف بين القولين في الحالة الأولى، والثالثة، أما في الحالة الثانية فإنهما متفقان على تحريم الرتق. الأدلة: (١) دليل القول الأول: "لا يجوز مطلقًا": أولاً: أن رتق غشاء البكارة قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فقد تحمل المرأة من الجماع السابق، ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها، وهذا يؤدي إلى إلحاق ذلك الحمل بالزوج واختلاط الحلال بالحرام. ثانيًا: أن رتق غشاء البكارة فيه اطلاع على المنكر. ثالثًا: أن رتق غشاء البكارة يسهل للفتيات ارتكاب جريمة الزنى لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الجماع. رابعًا: أنه إذا اجتمعت المصالح والمفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن

стр. 423

كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة كما قرر ذلك فقهاء الإسلام. وتطبيقاً لهذه القاعدة فإننا إذا نظرنا إلى رتق غشاء البكارة وما يترتب عليه من مفاسد حكمنا بعدم جواز الرتق لعظيم المفاسد المترتبة عليه. خامسًا: أن من قواعد الشريعة الإسلامية أن الضرر لا يزال بالضرر، ومن فروع هذه القاعدة "لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق على أرضه بإغراق أرض غيره"، ومثل ذلك لا يجوز للفتاة وأمها أن يزيلا الضرر عنهما برتق الغشاء ويلحقانه بالزوج. سادسًا: أن مبدأ رتق غشاء البكارة مبدأ غير شرعي لأنه نوع من الغش، والغش محرم شرعًا. سابعًا: أن رتق غشاء البكارة يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهليهن لإخفاء حقيقة السبب، والكذب محرم شرعًا. ثامنًا: أن رتق غشاء البكارة يفتح الباب للأطباء، أن يلجئوا إلى إجراء عمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة بحجة الستر (١). (٢) دليل القول الثاني: "التفصيل ": أولاً: أن النصوص الشرعية دالة على مشروعية الستر وندبه،

стр. 424

ورتق غشاء البكارة معين على تحقيق ذلك في الأحوال التي حكمنا بجواز فعله فيها. ثانيًا: أن المرأة بريئة من الفاحشة، فإذا أجزنا له فعل جراحة الرتق قفلنا باب سوء الظن فيها، فيكون في ذلك دفعٌ للظلم عنها، وتحقيقًا لما شهدت النصوص الشرعية باعتباره وقصده من حسن الظن بالمؤمنين والمؤمنات. ثالثا: أن رتق غشاء البكارة يعين على تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة فكما أن الرجل مهما فعل الفاحشة لا يترتب على فعله أي أثر مادي في جسده، ولا يثور حوله أي شك فكذلك ينبغي أن تكون المرأة، وتحقيق العدل بينهما مقصد شرعي، إلا في الأحوال المستثناة بدليل شرعي، وليست هذه الحالة منها. رابعًا: أن رتق غشاء البكارة يوجب دفع الضرر عن أهل المرأة، فلو تركت المرأة من غير رتق واطلع الزوج على ذلك لأضرها، وأضر بأهلها، وإذا شاع الأمر بين الناس فإن تلك الأسرة قد يمتنع من الزواج منهم، فلذلك يشرع لهم دفع ذلك الضرر لأنهم بريئون من سببه. خامسًا: أن قيام الطبيب المسلم بإخفاء تلك القرينة الوهمية في دلالتها على الفاحشة له أثر تربوي عام في المجتمع، وخاصة فيما يتعلق بنفسية الفتاة. سادسًا: أن مفسدة الغش في رتق غشاء البكارة ليست موجودة في

стр. 425

الأحوال التي حكمنا بجواز الرتق فيها (١). الترجيح: الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بعدم جواز رتق غشاء البكارة مطلقًا وذلك لما يأتي: أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول في استدلالهم. ثانيًا: وأما استدلال أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: الجواب عن الوجه الأول: أن الستر المطلوب هو الذي شهدت نصوص الشرع باعتبار وسيلته، ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك، بل الأصل حرمته لمكان كشف العورة، وفتح باب الفساد. الجواب عن الوجه الثاني: أن قفل باب سوء الظن يمكن تحقيقه عن طريق الإخبار قبل الزواج، فإن رضي الزوج بالمرأة وإلا عوضها الله غيره. الجواب عن الوجه الثالث: أن التعليل بمساواة المرأة على هذا الوجه فاسد، والتفاوت بين الرجل والمرأة في خفاء الجريمة على الوجه المذكور فطرة إلهيّة، فيكون التعليل بالمساواة على هذا الوجه فيه نوع من التهمة بعدم العدل

стр. 426

بين الجنسين. والفطرة الموجبة للاختلاف سوية معتدلة لا تحتاج إلى استدراك وتقويم، كما قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (١). الجواب عن الوجه الرابع: أن المفسدة المذكورة لا تزول بالكلية بعملية الرتق لاحتمال اطلاعه على ذلك، ولو عن طريق إخبار الغير له، ثم إن هذه المفسدة تقع في حال تزويج المرأة بدون إخبار زوجها بزوال بكارتها، والمنبغي إخباره، واطلاعه، فإن أقدم زالت تلك المفاسد وكذلك الحال لو أحْجَمَ. الجواب عن الوجه الخامس: أن هذا الإخفاء كما أن له هذه المصلحة كذلك تترتب عليه المفاسد، ومنها تسهيل السبيل لفعل فاحشة الزنى، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة. الجواب عن الوجه السادس: أننا لا نسلم انتفاء الغش لأن هذه البكارة مستحدثة، وليست هي البكارة الأصلية، فلو سلمنا أن غش الزوج منتف في حال زوالها بالقفز ونحوه مما يوجب زوال البكارة طبيعة، فإننا لا نسلم أن غشه منتف في حال زوالها بالاعتداء عليها.

стр. 427

ثالثًا: أن سد الذريعة الذي اعتبره أصحاب القول الأول أمرٌ مهم جدًا خاصة فيما يعود إلى انتهاك حرمة الفروج، والأبضاع والمفسدة لاشك مترتبة على القول بجواز رتق غشاء البكارة. رابعًا: أن الأصل يقتضي حرمة كشف العورة ولمسها والنظر إليها، والأعذار التي ذكرها أصحاب القول الثاني ليست بقوية إلى درجة يمكن فيها الحكم باستثناء عملية الرتق من ذلك الأصل، فوجب البقاء عليه والحكم بحرمة فعل جراحة الرتق. خامسًا: أن مفسدة التهمة يمكن إزالتها عن طريق شهادة طبية بعد الحادثة تثبت براءة المرأة وهذا السبيل هو أمثل السبل، وعن طريقه تزول الحاجة إلى فعل جراحة الرتق. لهذا كله فإنه لا يجوز للطبيب ولا للمرأة فعل هذا النوع من الجراحة. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 428

المبحث العاشر في (الكيّ) الكي: إحراق الجلد أو الغشاء المخاطي بمواد كاوية، أو آلات ساخنة، أو تيار كهربائي (١). وهذه المهمة كما ورد في الموسوعة الطبية الحديثة يندر استعمالها اليوم إلا في حالات خاصة من الجراحة الطبية، ومن أمثلتها: ما يجرى في علاج قروح عنق الرحم، وكذلك في جراحة استئصال الزائدة الدودية حيث تكوى البقية منها بحمض الكربوليك "الفينول" (٢). والأصل في مشروعية هذا النوع من مهمات العمل الجراحي ما ثبت في الصحيح من حديث جابر ين عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ بعث إلى أبَيِّ بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" (٣). فقد دل هذا الحديث الشريف على مشروعية كي العروق عند الحاجة. قال بعض أهل العلم ﵏ في شرح هذا الحديث: "قوله (بعث إلى أبي ... ) يدل على أنه لا يلي عمل الشيء إلا من يعرفه، وعلى جواز الكي إذا صحت منفعته ودعت إليه حاجة، والنهي عنه إنما هو إذا وجد عنه غنى ... " (٤) اهـ. قلت: وعلى هذا فإنه يشرع فعل هذه المهمة خاصة وأن الحالات التي تستدعيها قليلة كما أشار إلى ذلك المختصون ... والله تعالى أعلم.

стр. 429

المبحث الحادي عشر في (الخياطة) وهي مهمة يقوم بها الطبيب في الغالب بعد الانتهاء من علاج العضو المصاب في جوف الإنسان، فبعد أن يقوم برد الأعضاء إلى موضعها يخيط الموضع المشقوق من البطن أو الصدر أو غيرها من المواضع الأخرى. وقد يلجأ الأطباء إلى الخياطة أثناء العمل الجراحي إذا لزم الأمر كما في الجراحة القلبية، حيث يقوم الطبيب الجراح في علاجه للضيق الموجود في الشريان الأورطي باستئصال الموضع الضيق من الشريان ثم يصل نهايتي الشريان المقطوعتين ببعضهما بواسطة الخياطة (١). ومن أمثلته أيضًا ما يجرى في علائم الشفة المفلوجة حيث يقوم الطبيب بوصل نهايتها بالخياطة اللازمة (٢). وهذه المهمة تعتبر ضرورية في حال الشق عن الجوف كما في جراحة القلب والبطن وغيرها من أنواع الجراحة الجوفية، لأنه لو ترك موضع الجراحة مفتوحًا فإن المريض سيموت قطعًا، لذلك فإن الخياطة تعتبر الحاجة إليها بالغة مبلغ الضرورة، وفعلها مشروع، ولذلك نجد من الفقهاء ﵏ من نص على أن الشخص لو منع إنسانًا مجروحًا بجائفة الخيط والإبرة حتى مات فإنه يضمن ديته". قال الشيخ محمد بن الحطاب المالكي (٣) ﵀: " ...

стр. 430

من أجيف ولم يستطع على خيط، وإبرة لخياطة جراحة إلا من عند رجل فمنعه حتى مات فإنه يضمن ديته" (١) اهـ. وأما الخياطة في الحالات الأخرى كخياطة الشفة المفلوجة ونحوها، فإنها تعتبر في مرتبة الحاجيات، فيشرع للطبيب فعلها، وهي من الإصلاح المحمود شرعًا، فلا حرج في فعله ... والله تعالى أعلم. فهذه هي مجمل المهمات المتعلقة بالعمل الجراحي، وقد اعتنيت باختيار أهمها خاصة ما تتعلق به المسائل والأحكام الفقهية، وهناك مهمات أخرى يمكن للطبيب من خلال هذه المهمات المذكورة أن يستخلص أصول حكمها، حيث ظهر مما تقدم أن المهمة إذا توقفت حياة المريض ونجاته على فعلها كانت ضرورية ورخص له وللطبيب الجراح أن يفعلها لمكان الضرورة، وأما إن كانت دون ذلك بأن بلغت مقام الحاجيات فإنها تنزل منزلة الضرورة ويرخص فيها أيضًا. وينبغي على الطبيب أن يوازن بين المفاسد والمصالح المترتبة على الإقدام والإحجام عن فعل المهمة المتعلقة بالعمل الجراحي، ثم يُقْدِمُ على ما ترجح اعتباره من المصالح، ويحجم عن ضده. ومن خلال نصوص الفقهاء المتقدمين ﵏ التي سبق ذكرها في هذه المهمات يتبين لنا بجلاء ثراء المادة الفقهية في الشريعة الإسلامية، وشمولية قواعدها الفقهية، ومرونتها في الأحكام، وأنها امتازت بالتأصيل الذي يسهل معه تخريج الفروع والنوازل عليه، وليس ذلك بغريب على هذه الشريعة المنزلة من الحكيم الخبير، الصالحة لكل زمان ومكان.

стр. 431

الباب الرابع في المسئولية عن الجراحة, والمسائل يشتمل هذا الباب على فصلين الفصل الأول: في المسئولية عن الجراحة الطبية. الفصل الثاني: في مسائل الجراحة الطبية.

стр. 432

الفصل الأول في (المسئولية عن الجراحة الطبية) تمهيد يشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في أركان المسئولية، وأقسامها، ومشروعيتها. المبحث الثاني: في المسئولية الأخلاقية في الجراحة. المبحث الثالث: في المسئولية المهنية في الجراحة. وبيانها فيما يلي:

стр. 433

المبحث الأول في (أركان المسئولية وأقسامها ومشروعيتها) يشتمل هذا المبحث على أربعة مطالب: المطلب الأول: في أركان المسئولية الطبية. المطلب الثاني: في أقسام المسئولية الطبية الجراحية. المطلب الثالث: في أدلة مشروعية المسئولية الطبية. المطلب الرابع: في موقف الشريعة من جناية الطبيب.

стр. 434

المطلب الأول في (أركان المسئولية الطبية) أركان المسئولية الطبية: تقوم المسئولية الطبية على أربعة أركان هي: الركن الأول: السائل: وهو الشخص الذي يملك الحق في مساءلة الطبيب، ومساعديه، كالقاضي ونحوه. الركن الثاني: المسئول: وهو الذي يوجه إليه السؤال، ويكلف الجواب عن مضمونه، سواء كان فردًا كالطبيب، أو جهة كالمستشفى. الركن الثالث: المسئول عنه: وهو محل المسئولية والمراد به الضرر وسببه، الناشئان عن فعل الطبيب أو مساعديه أو عنهما معًا. الركن الرابع: صيغة السؤال: وهي العبارة المتضمنة للسؤال الوارد من السائل إلى المسئول. فإذا وجدت هذه الأركان الأربعة، وجدت المسئولية الطبية، وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن المسئولية الطبية تقوم على

стр. 435

ثلاثة أركان (١) هي: الخطأ الطبي (٢)، والضرر، والرابطة السببية بين الخطأ والضرر (٣)، والواقع أن هذه الأمور الثلاثة ليست أركانًا للمسئولية الطبية. فأما الخطأ الطبي فإنه في الحقيقة يعتبر سببًا موجبًا للمسئولية لا ركنًا من أركانها لعدم توقف ماهية المسئولية عليه. فإذا أخطأ الطبيب أو مساعده كان خطؤهما موجباً للمسئولية وليس موجدًا لها بحيث يتوقف وجود المسئولية في الخارج على هذا السبب. وأما الضرر فهو أثر من آثار الخطأ الطبي، يقوى به اعتبار السبب الموجب للمسئولية، فهو بهذه الصورة لا تتوقف عليه ماهية المسئولية. وأما الرابطة السببية بين الخطأ والضرر فهي شرط في اعتبارهما، وليست من أركان المسئولية أيضًا ... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 436

المطلب الثاني في (أقسام المسئولية الطبية الجراحية) المسئولية الطبية في الشريعة الإسلامية جانبان: أحدهما: يتعلق بالآداب والأخلاق، وهو جانب السلوك. والثاني: يتعلق بالأعمال، والطريقة التي تم بها أداؤها وهو جانب العمل وعلى هذا فإن المسئولية عن الجراحة الطبية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: المسئولية الأخلاقية (الأدبية). القسم الثاني: المسئولية المهنية (العملية). فأما القسم الأول: فإنه يسأل فيه الطبيب ومساعدوه عن القضايا المتعلقة بسلوكهم، وآدابهم، ومن أمثلته: قضايا الغش، والكذب التي تصدر ضد الأطباء، ومساعديهم، فيتهم الطبيب بغش المريض بأن يدعي إصابته بمرض جراحي، أو يقوم المحلل أو المصور بالأشعة أو المناظير الطبية بالتزوير والكذب في التقارير التي قام بكتابتها كل ذلك طلبًا لأغراض ومطامع شخصية.

стр. 437

فهذه القضايا وأمثالها تجب فيها مساءلة الطبيب ومساعديه عن صحة دعواها، وعند ثبوتها يحكم بإدانتهم أخلاقيًا فيتم تعزيرهم بما يستحقون، كما يحكم بتضمينهم، أو الاقصاص منهم، إذا ترتبت أضرار على تزويرهم وكذبهم. وأما القسم الثاني: فإنه يسأل فيه الطبيب ومساعدوه. عن القضايا المتعلقة بأعمالهم الطبية، وما ترتب عليها من أضرار ومن أمثلته: قضايا الخطأ الطبي سواء كان واقعًا من الطبيب الفاحص أو الطبيب الجراح، أو من المساعدين لهما، أو كان مشتركًا من الجميع. فيتهم هؤلاء مثلاً بكونهم خرجوا في أثناء قيامهم بمهامهم عن الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، فنتج عن خروجهم الضرر الموجود في جسم المريض المدعي. فهذه القضايا وأمثالها تجب فيها مساءلة الأطباء ومساعديهم عن صحة الدعوى، وإذا ثبتت يحكم بالقصاص منهم، أو تضمينهم على التفصيل الذي سيأتي بيانه في موضعه بمشيئة الله تعالى وتوفيقه. * * *

стр. 438

المطلب الثالث (أدلة مشروعية المسئولية الطبية) دلت أدلة الشريعة الإسلامية عن النقل، والعقل على اعتبار المسئولية الطبية، ففي حديث عمرو بن شعيب (١) عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "من تَطبَّبَ ولَمْ يُعْلم مِنْهُ طِب قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ" (٢). فهذا الحديث الشريف يعتبر أصلاً عند أهل العلم ﵏ في تضمين المتطبب الجاهل إذا عالج غيره واستضر بعلاجه (٣). وقد دل الحديث على اعتبار المسئولية الطبية التي عبر عنها بأثرها وهو وجوب الضمان على هذا النوع ممن يدعي الطب وهو جاهل به، وهو عام شامل لمن تطبب بجراحة أو غيرها من فروع الطب، ويدخل فيه من كان في حكم الأطباء كالمحللين، والممرضين، والمخدرين، والمصورين بالأشعة والمناظير الطبية. وإذا كان الجهل هو الموجب للمسئولية كما يدل عليه ظاهر

стр. 439

الحديث (١)، فإنه يستوي فيه الجاهل بالكلية وهو الشخص الذي لم يتعلم الطب، والجاهل بالجزئية وهو الشخص الذي علم الطب، وبرع في فرع من فروعه، ولكنه يجهل الفرع الذي عالج فيه، مثل الطبيب الجراح المختص بجراحة العيون، إذا قام بجراحة خارجة عن اختصاصه ويجهلها، أو قام بفعل جراجة داخلة في اختصاصه لا علم له بمراحلها أو لا قدرة عنده على تطبيقها على الوجه المطلوب، وهكذا الحكم بالنسبة لمساعدي الأطباء، كل هؤلاء يتحملون المسئولية عن الأضرار الناتجة عن أعمالهم التي أقدموا على فعلها مع جهلهم بأصولها المعتبرة عند أهل الاختصاص والمعرفة. والمقصود أن هذا الحديث الشريف دل على اعتبار المسئولية الطبية التي عبر عنها بأثرها وهو الضمان وأن دلالته شاملة لمن تطبب وكان جاهلاً بالطب كلية أو كان جاهلاً بالجزئية التي تطبب فيها وأنه يدخل في حكم التطبب التمريض، والتحليل، ونقل الدم، والتخدير، والتصوير بالأشعة والمناظير الطبية. وكما دلت السنة النبوية على مشروعية تحميل الطبيب عبء المسئولية عن الأضرار الناتجة عن خطئه، كذلك دل الإجماع على مشروعية ذلك واعتباره. فقد أجمع أهل العلم ﵏ على تضمين الطبيب الجاهل، وكذلك تضمين الطبيب المتعدي الذي يجاوز الحدود والضوابط المعتبرة عند أهل المعرفة والاختصاص.

стр. 440

فإيجاب الضمان على الطبيب الجاهل، فإذا تعاطى علم الطب، وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هجم بجهله على إتلاف النفوس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر (١) بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، وهذا إجماع من أهل العلم" (٢) اهـ. فقد بين ﵀ إجماع أهل العلم ﵏ على تضمين الطبيب الجاهل وهذا يتعلق بالنوع الأول الذي سبقت الإشارة إليه. أما النوع الثاني وهو الطبيب المتعدي فقد أشار إلى اعتبار مسئوليته وتضمينه بما نقله عن الإمام الخطابي (٣) ﵀ بقوله: "قال الخطابى: لا أعلم خلافًا في أن المعالج إذا تعدى، فتلف المريض كان ضامنًا" (٤) اهـ. وكما دل دليل النقل على اعتبار المسئولية الطبية وثبوتها شرعًا في حال الجهل، والتعدي، كذلك دل دليل العقل على مشروعيتها وذلك من الوجوه التالية: الوجه الأول القياس: أ- يضمن الطبيب الجاهل ما أتلفته يداه، كما يضمن الجاني

стр. 441

سراية جنايته، بجامع كون كل منهما سراية جرح لم يجز الإقدام عليه (١). ب- يضمن الطبيب المتعدي ما أتلفت يداه، كما يضمن الجاني سراية جنايته، بجامع كون كل منهما فعلاً محرمًا (٢). الوجه الثاني النظر: أن الشريعة الإسلامية راعت العدل بين العباد، ودفع الظلم عنهم والمسئولية الطبية عن الجراحة الطبية معينة على تحقيق ذلك، فوجب اعتبارها. وبهذه الأدلة النقلية، والعقلية، يتبين لنا ثبوت المسئولية عن الجراحة الطبية واعتبار الشريعة الإسلامية لها. وهذه الأدلة الشرعية صريحة في الأطباء الذين يتولون العلاج ويدخل في حكمهم الممرضون، والمحللون، والمخدرون، والمصورون بالأشعة والمناظير الطبية، وغيرهم ممن له علاقة بعلاج المريض سواء كان ذلك في المراحل الممهدة للجراحة أو في مراحل المهمة الجراحية، أو ما بعدها.

стр. 442

المطلب الرابع في (موقف الشريعة من جناية الطبيب) لجسد المسلم وروحه حرمة عظيمة عند الله ﵎ (١)، دلت نصوص الكتاب العزيز، وأحاديث النبي الكريم ﷺ عليها، وحذرت العباد من الاستخفاف بها، وتوعدت من سعى في هلاك الأرواح وتلك الأجساد بغير حق بشديد العذاب وأليمه (٢). لذلك فإنه لا يجوز للإنسان أن يقدم على العبث بأجساد الناس، وتغيير خلقتهم السوية التي أوجدهم الله تعالى عليها وامتن بها عليهم، فقال سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ

стр. 443

خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ (٢). ولما وجدت الحاجة الداعية إلى التداوي والعلاج بالجراحة أجازت الشريعة الإسلامية لأهل الاختصاص من الأطباء ومساعديهم الإقدام على فعل الجراحة الطبية اللازمة، والتي تشتمل في كثير من صورها على تصرفات مختلفة في أعضاء الإنسان، لكن الشريعة الإسلامية راعت أمرًا مهمًا لابد من الحذر منه، ووضع الزواجر الكفيلة بدفع ضرره، ذلك أن الأطباء ومساعديهم بشر يعتريهم ما يعتري النفس البشرية الضعيفة، فقد يخرجون في بعض الأحيان عن القيود الشرعية ويتجاوزونها معرضين أرواح الناس وأجسادهم للهلاك والتلف المحقق إما طلبًا لعرض الدنيا وجاهها من مال أو شهرة ودعاية، أو إسرافًا وبغيًا واستهتارًا بحرمة تلك الأرواح والأجساد البريئة. وهذا الصنف من الأطباء وغيرهم كما يعتبر متجاوزًا لحدود الشرع ومحارمه كذلك يعتبر متجاوزًا لواجباته الطبية التي ينبغي عليه التزامها، وأخذ عليه العهد بأدائها على الوجه المطلوب. لذلك فإن الشريعة الإسلامية الحكيمة العادلة لم تغض الطرف عن هذه النوعية التي تهدد أرواح الناس، وأجسادهم بالهلاك، والتلف، المحقق، بل وضعت الزواجر والعقوبات البدنية والمالية والتعزيرية

стр. 444

المناسبة، وبذلك تكفلت بزجرهم وكف أذاهم عن العباد. فاعتنى فقهاء الشريعة ببيان القواعد العامة التي تتفرع عنها الأحكام المتعلقة بتضمين الطبيب، بل نجد من الفقهاء من نص على مسائل معينة من الضمان تحمل الطبيب فيها المسئولية كاملة عن نتائج عمله الذي خرج فيه عن الحدود المعتبرة (١). إن اعتناء فقهاء الإسلام ﵏ ببيان موقف الشريعة الإسلامية من تصرفات الأطباء، ومساعديهم الخارجة عن الحدود والضوابط المعتبرة في مجال أعمالهم، فيه دليل بيّن على شمولية أحكام الشريعة الإسلامية وتصوراتها. ذلك أن فرض وجود هذه النوعية التي تستخف بحرمة الأرواح والأجساد، وتخرج عن الضوابط المعتبرة عند أهل الاختصاص يعتبر ثابتًا حسًا وعقلاً، فيعتبر السكوت عن بيان حكمه قصورًا في التصور برأت منه شريعة الإسلام الخالدة. كما أن حكم الشريعة بمحاسبتهم، ومؤاخذتهم بإساءتهم، فيه دليل على عدها وإنصافها، ومراعاتها لدفع الأضرار والمفاسد عن العباد وذلك من قواعدها. فهي لم تطلق العنان لهذه الأيدي الآثمة لكي تعبث بأرواح الناس وأجسادهم وتعرضها للهلاك والتلف المحقق، ولم تترك تصرفاتهم الجانية تمر دون محاسبة عادله توجب النظر فيها، والحكم عليها،

стр. 445

وإلزام أصحابها بتحمل تبعاتها، ورد الحقوق المترتبة عليها إلى أصحابها من المرضى، وذويهم كاملة غير منقوصة لا يَظلمُون ولا يُظلَمُون. وهي بهذا المسلك القويم تخالف ما ذهب إليه بعض فقهاء القوانين الوضعية من إسقاط المسئولية عن الأطباء مطلقًا، وذلك بحجة أن قصد الاعتداء منتف في فعل الطبيب بالكلية، ولا يمكن أن يقصده. وإذا انتفى قصد الاعتداء فإنه ينتفي وصف الفعل بالجناية، ومن ثم تنتفي مساءلة الطبيب عن فعله لانتفاء موجبها (١). وهذا التصور من بعض فقهاء القوانين الوضعية يعتبر تصورًا خاطئًا، ذلك لأنه لا خلاف في أن قصد الجناية يعتبر أحد شقي القصد المفترضين في الأعمال المبنية على المقاصد الباعثة على فعلها. فكل من قام بعمل له قصد باعث على فعله، ولا يخلو ذلك القصد إما أن يكون حسنًا، أو يكون سيئًا وهذا الافتراض لا دليل على انتفاء أحد شقية -وهو القصد السيء- في الطبيب ومساعديه كما لا دليل على انتفاء -القصد الحسن- فيهم، فوجب إبقاء الفرض كما هو، والعمل بالدلائل والأمارات الظاهرة الموجبة لترجيح أحد القصدين على الآخر. وهذا هو ما راعته الشريعة الإسلامية، فإن الأطباء ومساعديهم

стр. 446

بشر يعتريهم ما يعتري البشر وليس بمستحيل لا عقلاً ولا حسًا أن يتعرضوا للمغريات والدوافع السيئة التي توجب صرفهم عن المقاصد الحسنة إلى ضدها. وعلى هذا فإن إلغاء قصد الجناية عند الأطباء ومساعديهم يعتبر ضربًا من المكابرة فيما ثبت اعتباره عقلاً وحسًا أن يتعرضوا للمغريات والدوافع السيئة التي توجب صرفهم عن المقاصد الحسنة إلى ضدها. وعلى هذا فان إلغاء قصد الجناية عند الأطباء ومساعديهم يعتبر ضربًا من المكابرة فيما ثبت اعتباره عقلاً وحسًا، وإذا ثبت وجود القصد السيء عند الأطباء ومساعديهم ثبتت المسئولية الجنائية لثبوت موجبها (١)، ووجبت محاسبة الطبيب ومساعديه على تلك التصرفات الآثمة ومؤاخذتهم عليها بحسب جرمهم وخطيئتهم. * * *

стр. 447

المبحث الثاني في (المسئولية الأخلاقية في الجراحة الطبية) اعتنت الشريعة الإسلامية بجانب الآداب والأخلاق، فجاءت نصوص الكتاب والسنة داعية للتحلي بها، والتزامها، ووعدت من فعل ذلك بالأجر والثواب الجزيل، كما أنها حذرت من مخالفتها، والتخلق برذائلها المحرمة، وتوعدت من فعل ذلك بأليم العذاب، وشديد العقاب (١). كل ذلك لما يترتب على الالتزام بهذه الأخلاق والآداب المحمودة من العواقب الحميدة، وما تتضمنه من المصالح الجليلة التي لا يقتصر خيرها، ونفعها على الفرد وحده بل يتعداه إلى غيره من سائر أفراد المجتمع. كما أن ترك هذه الأخلاق، والتخلق بضدها من الأخلاق والآداب المذمومة يتضمن العواقب السيئة والمفاسد العظيمة التي لا يقتصر

стр. 448

ضررها على الفرد وحده بل يتعداه إلى غيره من سائر أفراد المجتمع. وبهذه العناية هذبت الشريعة الإسلامية سلوك المؤمن، وزكت نفسه، وطهرت فؤاده، وتصرفاته من رذائل الأخلاق وسيئها، فجعلته وفيًا بوعده وعهده، صادقًا في قوله، أمينًا في معاملته. فبريء من خلف الوعد، ونقض العهد، ونكث المواثيق، وابتعد عن الكذب والغش والتزوير وغيرها من الأخلاق الرذيلة. والجراحة الطبية كغيرها من مهام الطب مفتقرة إلى هذه الشخصية المحافظة على هذه الآداب والأخلاق الحميدة التي تعين على الوصول للأهداف المقصودة من مهمة الجراحة، لكن النفوس الدنيئة قد جبلت على مخالفة هذه الأخلاق، ونبذ هذه الآداب، والإعراض عنها في سبيل الحصول على الحظوظ والشهوات الدنيوية الزائلة. فاستغلت بذلك هذه المهنة النبيلة التي قصد منها تخفيف الآلام، ودفع ضرر الأمراض والأسقام عن الأرواح والأجسام، لكي تصبح على العكس من ذلك، فتسلطت بالضرر على الأجساد والأرواح المحرمة بغير حق. فتارة تجد الطبيب من هذا الصنف يدعي أن المريض مصاب بداء جراحي، ويصر على وجوب إجراء الجراحة فورًا بحجة أن حياة المريض مهددة بالخطر. ويستعين في إثبات دعواه الكاذبة بمساعديه الذين يقومون بتزوير النتائج التي توصلوا إليها من خلال التحاليل، والتصوير بالأشعة والمناظير الطبية. وتارة تجد الطبيب من هذا الصنف يقوم بفحص المريض ويتبين له

стр. 449

أن المريض مصاب بداء جراحي يستلزم التدخل بالجراحة اللازمة لإنقاذ ذلك المريض من آلام ذلك المرض وخطره الذي يهدد حياته، ومع ذلك يقوم بإعطائه بعض العقاقير والأدوية المهدئة، ويعطيه موعدًا في المستقبل قد يطول زمانه مع علمه بخطورة ذلك المرض وما يترتب على تأخير إجراء الجراحة اللازمة له من متاعب وأضرار جسدية ونفسية تؤذي المريض مستقبلاً. فيمتنع في هذه الحالة من المبادرة بفعل الجراحة لأمور لا تعتبر عذرًا، ولو فرض أنها تعتبر عذرًا فإنه كان بإمكانه أن يقوم بإحالة المريض على غيره من الأطباء الآخرين، ولكنه امتنع من ذلك رجاء الكسب المادي المترتب على قيامه بفعل تلك الجراحة دون نظر إلى مصلحة المريض. وقد يقوم بعض هؤلاء بوعد المريض حتى إذا جاءه في الزمان المحدد اعتذر عن موعده، وقدم غيره لمكان الكسب المادي أو المعنوي المتعلق بتقديم هذا المريض المتأخر على ذلك المريض السابق له. ومن هنا نشأت المسئولية الأخلاقية المتعلقة بالجراحة وإن كانت في الحقيقة ثابتة في شرعنا وديننا الحنيف الذي أرسى قواعدها منذ قرون سبقت وجود الجراحة الطبية المعاصرة بحقبة بعيدة من الزمن. ونظرًا لوجود هذه القضايا الأخلاقية وأمثالها، وانتشارها في هذا الزمان الذي ضعف فيه وازع الدين، وقوي سلطان الشهوات الدنيوية على النفوس، وجب النظر في هذه التصرفات الناشئة عن السلوك الشاذ عن المنهج السوي الذي أوجب الله التزامه، وأمر بالأخذ على أيدي المعتدين لحدوده والخارجين عن رسمه وقيوده، خاصة في مثل هذه

стр. 450

المهمات التي تهدد أرواح العباد البريئة وأجسادهم بالهلاك والتلف. ولكي تتضح الصورة عن موقف الشريعة الإسلامية من هذه القضايا الأخلاقية لابد من بيان جملة من الآداب والأخلاق التي يجب على الطبيب ومساعديه التزامها حتى يتسنى بعد ذلك موجبات المسئولية الأخلاقية المترتبة على الإخلال بتلك الواجبات، وما هي الآثار المترتبة على وجودها. الأخلاق والآداب الواجبة على الأطباء ومساعديهم في الجراحة الطبية: على الأطباء ومساعديهم آداب ينبغي لهم مراعاتها شرعًا وهي تنحصر فيما يلي: أولاً الصدق: فلا يمكن للأطباء ومساعديهم أن تستقيم معاملتهم للمرضى وذويهم إلا بعد مراعاة هذا الواجب والتزامه، فتكون أقوالهم وأخبارهم متفقة مع الحقيقة والواقع، ومن ثم تحمل الثقة والطمأنينة إليهم، وتندفع الشكوك والظنون السيئة عنهم، ويكون المريض وذووه على علم مطابق للواقع. وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوب التزام المسلم بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١)، فهذا أمر فيه دليل ظاهر على وجوب الصدق، بل ورد

стр. 451

ما يؤكده من الوعيد الشديد لمن خالفه، فلم يصدق في قوله. ففي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" (١). فقد تضمن هذا الحديث وجوب الصدق، وذلك في قوله عليكم بالصدق، كما دل على حرمة الكذب، وذلك في قوله وإياكم والكذب فعليكم صيغة إلزام، وإياكم صيغة تحذير والأولى دالة على وجوب التزام الصدق، والثانية دالة على حرمة الكذب. وهذه النصوص تشمل بعمومها الأطباء والمساعدين فهم ملزمون شرعًا بالصدق فيما يقولونه ويخبرون به من أحوال المريض ومرضه. فيحرم عليهم أن يخبروا بما يخالف الحقيقة والواقع، ويعتبر كل واحد منهم مسئولاً عن جميع الأقوال الصادرة عنهم، ومتحملاً للأضرار المترتبة عليها إذا كذب فيها وترتب على كذبه ضرر. وقد نصت قوانين الطب المنظمة لسلوك الأطباء ومساعديهم على أنه لا يجوز للطبيب أن يبالغ في حقيقة المرض، بل يجب عليه أن يحيط مريضه بحقيقة دائه ودرجة خطورته (٢).

стр. 452

وهذا يتفق مع ما اعتبرته الشريعة الإسلامية من وجوب التزام الأطباء، ومساعديهم بالصدق كما سبق بيانه. وإذا قلنا بوجوب التزام الأطباء ومساعديهم بالصدق في جميع ما يخبرون به المرضى وذويهم فإنه يرد السؤال عن الحالات الخطيرة التي يخشى فيها على المريض لو أخبر بأنه مصاب بمرض جراحي مميت، فلو قام الطبيب بفحص المريض فوجده مصابًا بمرض السرطان فهل يجب عليه أن يصدقه فيخبره بالواقع مع أن ذلك قد يضر المريض نفسيًا، فتزداد حالته سوءًا، أم أنه يجوز له أن يكذب، مراعاة لهذه الظروف الحرجة، ويعتبر ذلك مستثنى من الأصل لمكان الحاجة؟. فالذي يظهر، والعلم عند الله، أنه لا يجوز للأطباء ومساعديهم أن يكذبوا على المريض في هذه الحالة وأمثالها وذلك لما يأتي: أولاً: لعموم الأدلة الدالة على تحريم الكذب. ثانيًا: إن أخبر المريض بحقيقة أمره في هذه الحالة تترتب عليه مصالح شرعية، إذ يمكنه ذلك من الاحتياط لنفسه بالوصية بحقوق الآخرين، وتحصيل الأجر بالاستعداد بخصال الخير من ذكر وصدقه ونحو ذلك من وجوه الطاعة والبر. وفي الكذب عليه وخديعته ما يفوت هذه المصالح، ويوجب ضدها من المفاسد التي قد تشتمل على إضاعة حقوق الآخرين وذلك مما لا يجوز فعله. ثالثًا: أن الطبيب إذا خشى على المريض الضرر فيما لو أخبره، فإنه يقوم بإخبار وليه أو قريبه لكي يقوم بإخبار المريض بطريقة مناسبة

стр. 453

يخف لها وقع الخبر على نفسه، فقرابة الإنسان هم أعلم الناس بحاله. وبهذا يخف وقع الخبر ومن ثم يخف الضرر المتوقع حصوله أو ينتفي بالكلية، ولو فرض الخوف على المريض في هذه الحالة أيضًا، فإنه يمكن للأولياء والقرابة أن يمتنعوا عن إخباره ثم هم يقومون بعد ذلك بما يجب فعله في مثل هذه الحالات، فيسألونه عن الحقوق التي له وعليه ويرغبونه في الزيادة من خصال البر والخير، وبهذا يندفع الضرر، وتحقق المصالح الشرعية المطلوبة، مع المحافظة على أصل الشرع الموجب للبعد عن الكذب واجتنابه ... والله أعلم. ثانيًا الوفاء بالمواعيد: تتضمن معاملة الأطباء ومساعديهم مع المرض بعض الالتزامات المرتبطة بمواعيد محددة يقوم المرضى بمراجعتهم فيها لإجراء الفحوصات والتحاليل والعلاج اللازم وهذه المواعيد محترمة شرعًا، فيجب عليهم ألا يقدموا على مواعدة المرضى إلا بعد تحققهم أو غلبة ظنهم بالوفاء بها، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (١). وعلى هذا فإن الأطباء والمساعدين ملزمون شرعًا بالوفاء بهذه الوعود، والقيام بالمهمات التي التزموا بها للمرضى في مواعيدها، ولا يجوز لهم شرعًا أن يقدموا على تأخير تلك المواعيد، والعبث بها حسب أهوائهم وهم آثمون بذلك إلا في حال وجود العذر الموجب للتأخير، والتخلف عن أداء هذه الالتزامات.

стр. 454

فإذا وجد ذلك العذر الذي يعتبر شرعًا مجيزًا للتخلف عن أداء هذه الالتزامات في المواعيد المحددة جاز تأخيرها بحسب الحاجة دون زيادة عليها أو نقص للقاعدة الشرعية "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها" (١). ومن أمثلة ذلك ما يجرى في بعض الأحيان من مواعدة المرضى لإجراء الفحص أو العلاج اللازم ثم يشاء الله فتطرأ حالة اضطرارية تحتاج إلى إسعاف عاجل لإنقاذ مريض خشي موته، أو تلف عضو من أعضائه، أو حصول مضاعفات خطيرة تضره مستقبلاً. وانقاذ هذه الحالة يستدعي إرجاء المواعيد السابقة التي وضعت لفحص أو علاج المريض الأول. ففي هذه الحالة ينبغي على الأطباء ومساعديهم أن يقوموا بالموازنة بين الضررين، والنظر في العواقب والمفاسد المترتبة على تأخير كل منهما. فإذا كانت المفاسد المترتبة على تأخير الحالة الطارئة أعظم قدم إنقاذها على الحالة السابقة (٢) للقاعدة الشرعية "إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما" (٣)، ولكن ينبغي أن يقيد

стр. 455

الحكم بالجواز في هذه الحالة بشرط وهو عدم وجود طبيب، أو محلل، أو مصور آخر يمكنه أن يقوم بالمهمة اللازمة، فإن وجد ذلك لم يجز للطبيب أن يلغي وعد المريض الأول لوجود البديل الذي يمكن صرف المريض الطاريء إليه لكي يقوم بالمهمة اللازمة لعلاجه. وإذا احتاج الأطباء ومساعدوهم إلى إلغاء مواعيد المرضى أو تأخير، نظرًا لوجود العذر الشرعي الموجب لذلك، فإنه ينبغي عليهم أن يقوموا بإخبار المرضى والاتصال بهم إن أمكنهم ذلك، لأن إبقاءهم على حالة الرجاء فيه إضرار بهم من جهة تحملهم لمشقة الحضور، وتعطيلهم لمصالحهم فوجب إعلامهم لكي يحتاطوا لأنفسهم. ثالثًا الوفاء بالعقود: يقوم الأطباء ومساعدوهم في بعض الأحيان بالتعاقد مع المرضى للقيام بالمهمات الطبية اللازمة لعلاجهم، وهذه العقود يجب عليهم الوفاء بها، وأداؤها على الوجه المطلوب لأنها داخلة في عموم ما أمر الله ﵎ بالوفاء به من العقود في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١). وإذا امتنع الطبيب أو مساعدوه من الوفاء بهذه العقود بدون وجود عذر شرعي فإنهم يأثمون شرعًا كما أنهم يتحملون المسئولية عن الأضرار الناتجة عن امتناعهم خاصة في الحالات التي يتعذر فيها إحالة المريض على غيرهم، إما لعدم وجوده، أو صعوبة قيامه بالمهمة اللازمة في حينها.

стр. 456

وقد ذهب البعض إلى أن الطبيب إذا اتفق مع المريض ثم امتنع عن معالجته حتى مات فإنه يعتبر قاتلاً متعمدًا إذا كان امتناعه على وجه العمد، أو لأسباب واهية ويثبت القصد في الامتناع (١). وهذا القول ليس بمسلم على إطلاقه من الناحية الشرعية، فامتناع الطبيب عن المداواة إذا كان لأسباب واهية فإنه يعتبر وجودها شبهة موجبة لدرء الحد (٢) عنه خاصة إذا تأول فيها، فظن أنها مقنعة في نظره، وفي الحقيقة أنها ليست بمقنعة، وبظنه لكونها مقنعة ينتفي فيه قصد العمد. وأما إذا امتنع مع علمه بحصول الضرر فلا يخلو إما أن لا يغلب على ظنه موت المريض، وإما أن يغلب على ظنه موته. فإن لم يغلب على ظنه موت المريض فلا إشكال في أنه يعتبر ظنه شبهة مسقطة للحد أيضًا، والقصد لموته منتف على هذا الوجه فانتفى الحكم بوجوب قتله واعتباره متعمدًا. وأما إذا غلب على ظنه موت المريض فلا تخلو الجراحة التي امتنع عن فعلها من حالتين: الحالة الأولى: أن يغلب على ظنه عدم نجاة المريض بعدها، إما لاستفحال المرض واليأس من شفائه منه، أو غير ذلك من الأعذار، ففي هذه الحالة يعتبر المريض في حكم الأموات، والامتناع المذكور ليس فيه

стр. 457

توقف عن بذل السبب الموجب لنجاته بإذن الله تعالى، فانتفى فيه وصف السببية الموجب للحكم بوصف الطبيب قاتلاً. والحالة الثانية: أن يغلب على ظن الطبيب نجاة المريض بتلك الجراحة بمشيئة الله تعالى ويكون قاصدًا بامتناعه موت المريض وهلاكه، وهذه الحالة لها حكمها كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في موضعه. فالحاصل أن إطلاق الحكم باعتبار الطبيب قاتلاً في هذه الحالة أمر مرفوض من الناحية الشرعية وأن الواجب تفصيل الحكم في هذه المسألة ... والله تعالى أعلم. رابعًا النصيحة للمرضى: تعتبر النصيحة للمرضى من أهم الواجبات التي ينبغي على الأطباء ومساعديهم مراعاتها والقيام بها على الوجه المطلوب. فمن حقوق المسلم على أخيه المسلم أن ينصح له فيرشده إلى أصلح الأمور وخير حاله في الدنيا والآخرة، ففي حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال.: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). وثبت في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله ﵁ أنه قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" (٢).

стр. 458

فالواجب على الأطباء ومساعديهم القيام بواجب النصح للمرضى، فيشيروا عليهم باختيار الأصلح، والأخف ضررًا سواء كان ذلك في مهمة الفحص الطبي أو كان في مهمة الجراحة نفسها. فالمرضى كما هو معلوم يجهلون حقائق هذه المهمات الطبية، والآثار المترتبة عليها، فهم محتاجون لنصح الأطباء ومساعديهم وتوجيهاتهم وإرشاداتهم. وعلى الأطباء ومساعديهم بذل النصح ولو كان في سبيل فوات المصلحة الدنيوية عليهم، فما عند الله خير وأبقى، فإذا علم أن فحص المريض بوسائل أخرى لا توجد عنده وهي موجودة عند غيره تتحقق بها المصلحة المرجوة بخلاف فحصه، فإن عليه أن يمحض المريض النصح فيخبره بحقيقة الأمر، وهكذا لو كانت تلك الوسائل مأمونة الضرر ووسائله بخلافها. وإذا علم الطبيب بالبديل الذي يمكن علاج المريض به وهو أخف ضررًا من الجراحة فإن عليه أن يخبر المريض بذلك، ولا يمتنع من نصحه خشية فوات مصلحته الدنيوية. وعلى الأطباء ومساعديهم أن ينصحوا لمرضاهم ببيان العواقب السيئة المترتبة على بعض المهمات التي يطلب المرضى فعلها حتى يكون المرضى على بينة من أمرهم فإن شاءوا أقدموا، وإن شاءوا أحجموا، ومما يعتبر من الغش، ومخالفة النصح الواجب أن يقوم الطبيب بخدع المريض وذلك بتهوين أمر الجراحة وتكاليفها بأسلوب يجذب المريض إلى فعلها مع اشتمالها على كثير من المخاطر والتكاليف المالية الباهظة. فقيام الأطباء أو مساعديهم بفعل ذلك يعتبر تقصيرًا منهم في واجب النصح، وظلمًا للمرضى وهم آثمون بفعله شرعًا، ومتحملون

стр. 459

للمسئولية من الناحية الأدبية. خامسًا حفظ عورة المريض: دلت الأدلة الشرعية على وجوب حفظ العورات وستر السوءات، وعدم النظر إليها بدون حاجة داعية إلى النظر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية) (١). وفي الصحيح عنه ﵊ من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة" (٢). وقد أجمع أهل العلم ﵏ على وجوب ستر العورة عن أعين الناس (٣). ومن ثم فإن الأطباء ومساعديهم مطالبون شرعًا بالتزام هذا الأدب ومراعاة حرمة العورة، فلا يجوز لهم أن يقوموا بمطالبة المرضى رجالاً كانوا أو نساء بالكشف عن موضع من العورة إلا بعد أن توجد الحاجة الداعية إلى ذلك الكشف بحيث يتعذر الفحص، والعلاج بطريقة لا

стр. 460

تشتمل عليه، كل ذلك مراعاة لهذا الأدب الواجب شرعًا. فإن أخلوا بهذا الواجب وطالبوا المريض بالكشف عن موضع من العورة أمكن فحصه، ومداواته بطريقة أو وسيلة لا تشتمل على كشفه، أو طالبوه بالكشف بدون وجود حاجة داعية إليه أصلاً، فإنهم يتحملون المسئولية عن الإخلال بهذا الأدب، والإقدام على انتهاك حرمة المريض باستباحة النظر إلى عورته وكشفها بدون حق وكان للقاضي أن يحكم بتعزيرهم بما يستحقونه من العقوبة. فهذه هي مجمل الآداب الشرعية التي ينبغي على الأطباء ومساعديهم التزامها أثناء قيامهم بالمهمات الطبية في الجراحة وغيرها. ومن خلالها يمكن أن نستخلص موجبات المسئولية الأدبية ، وذلك باعتبار الأوصاف المخالفة لهذه الواجبات وهي تتلخص في الموجبات الخمس التالية: الموجب الأول: الكذب. الموجب الثاني: عدم الوفاء بالمواعيد (خلف الوعد). الموجب الثالث: عدم الوفاء بالعقود. الموجب الرابع: الغش. الموجب الخامس: كشف العورات والنظر إليها بدون حاجة. فإذا وجد شيء من هذه الموجبات تحمل الشخص المسئولية عنه وعن الأضرار المترتبة عليه نظرًا لكونه متعاطيًا لسبب الضرر الموجب لوقوعه ... والله أعلم. * * *
следующие страницы →