← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10815

أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها

محمد بن محمد المختار الشنقيطي

Полный текст (672 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقد ذهب البعض إلى أن الطبيب إذا اتفق مع المريض ثم امتنع عن معالجته حتى مات فإنه يعتبر قاتلاً متعمدًا إذا كان امتناعه على وجه العمد، أو لأسباب واهية ويثبت القصد في الامتناع (١). وهذا القول ليس بمسلم على إطلاقه من الناحية الشرعية، فامتناع الطبيب عن المداواة إذا كان لأسباب واهية فإنه يعتبر وجودها شبهة موجبة لدرء الحد (٢) عنه خاصة إذا تأول فيها، فظن أنها مقنعة في نظره، وفي الحقيقة أنها ليست بمقنعة، وبظنه لكونها مقنعة ينتفي فيه قصد العمد. وأما إذا امتنع مع علمه بحصول الضرر فلا يخلو إما أن لا يغلب على ظنه موت المريض، وإما أن يغلب على ظنه موته. فإن لم يغلب على ظنه موت المريض فلا إشكال في أنه يعتبر ظنه شبهة مسقطة للحد أيضًا، والقصد لموته منتف على هذا الوجه فانتفى الحكم بوجوب قتله واعتباره متعمدًا. وأما إذا غلب على ظنه موت المريض فلا تخلو الجراحة التي امتنع عن فعلها من حالتين: الحالة الأولى: أن يغلب على ظنه عدم نجاة المريض بعدها، إما لاستفحال المرض واليأس من شفائه منه، أو غير ذلك من الأعذار، ففي هذه الحالة يعتبر المريض في حكم الأموات، والامتناع المذكور ليس فيه

стр. 457

توقف عن بذل السبب الموجب لنجاته بإذن الله تعالى، فانتفى فيه وصف السببية الموجب للحكم بوصف الطبيب قاتلاً. والحالة الثانية: أن يغلب على ظن الطبيب نجاة المريض بتلك الجراحة بمشيئة الله تعالى ويكون قاصدًا بامتناعه موت المريض وهلاكه، وهذه الحالة لها حكمها كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه في موضعه. فالحاصل أن إطلاق الحكم باعتبار الطبيب قاتلاً في هذه الحالة أمر مرفوض من الناحية الشرعية وأن الواجب تفصيل الحكم في هذه المسألة ... والله تعالى أعلم. رابعًا النصيحة للمرضى: تعتبر النصيحة للمرضى من أهم الواجبات التي ينبغي على الأطباء ومساعديهم مراعاتها والقيام بها على الوجه المطلوب. فمن حقوق المسلم على أخيه المسلم أن ينصح له فيرشده إلى أصلح الأمور وخير حاله في الدنيا والآخرة، ففي حديث تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال.: "الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" (١). وثبت في الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله ﵁ أنه قال: "بايعت رسول الله ﷺ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" (٢).

стр. 458

فالواجب على الأطباء ومساعديهم القيام بواجب النصح للمرضى، فيشيروا عليهم باختيار الأصلح، والأخف ضررًا سواء كان ذلك في مهمة الفحص الطبي أو كان في مهمة الجراحة نفسها. فالمرضى كما هو معلوم يجهلون حقائق هذه المهمات الطبية، والآثار المترتبة عليها، فهم محتاجون لنصح الأطباء ومساعديهم وتوجيهاتهم وإرشاداتهم. وعلى الأطباء ومساعديهم بذل النصح ولو كان في سبيل فوات المصلحة الدنيوية عليهم، فما عند الله خير وأبقى، فإذا علم أن فحص المريض بوسائل أخرى لا توجد عنده وهي موجودة عند غيره تتحقق بها المصلحة المرجوة بخلاف فحصه، فإن عليه أن يمحض المريض النصح فيخبره بحقيقة الأمر، وهكذا لو كانت تلك الوسائل مأمونة الضرر ووسائله بخلافها. وإذا علم الطبيب بالبديل الذي يمكن علاج المريض به وهو أخف ضررًا من الجراحة فإن عليه أن يخبر المريض بذلك، ولا يمتنع من نصحه خشية فوات مصلحته الدنيوية. وعلى الأطباء ومساعديهم أن ينصحوا لمرضاهم ببيان العواقب السيئة المترتبة على بعض المهمات التي يطلب المرضى فعلها حتى يكون المرضى على بينة من أمرهم فإن شاءوا أقدموا، وإن شاءوا أحجموا، ومما يعتبر من الغش، ومخالفة النصح الواجب أن يقوم الطبيب بخدع المريض وذلك بتهوين أمر الجراحة وتكاليفها بأسلوب يجذب المريض إلى فعلها مع اشتمالها على كثير من المخاطر والتكاليف المالية الباهظة. فقيام الأطباء أو مساعديهم بفعل ذلك يعتبر تقصيرًا منهم في واجب النصح، وظلمًا للمرضى وهم آثمون بفعله شرعًا، ومتحملون

стр. 459

للمسئولية من الناحية الأدبية. خامسًا حفظ عورة المريض: دلت الأدلة الشرعية على وجوب حفظ العورات وستر السوءات، وعدم النظر إليها بدون حاجة داعية إلى النظر. قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية) (١). وفي الصحيح عنه ﵊ من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة" (٢). وقد أجمع أهل العلم ﵏ على وجوب ستر العورة عن أعين الناس (٣). ومن ثم فإن الأطباء ومساعديهم مطالبون شرعًا بالتزام هذا الأدب ومراعاة حرمة العورة، فلا يجوز لهم أن يقوموا بمطالبة المرضى رجالاً كانوا أو نساء بالكشف عن موضع من العورة إلا بعد أن توجد الحاجة الداعية إلى ذلك الكشف بحيث يتعذر الفحص، والعلاج بطريقة لا

стр. 460

تشتمل عليه، كل ذلك مراعاة لهذا الأدب الواجب شرعًا. فإن أخلوا بهذا الواجب وطالبوا المريض بالكشف عن موضع من العورة أمكن فحصه، ومداواته بطريقة أو وسيلة لا تشتمل على كشفه، أو طالبوه بالكشف بدون وجود حاجة داعية إليه أصلاً، فإنهم يتحملون المسئولية عن الإخلال بهذا الأدب، والإقدام على انتهاك حرمة المريض باستباحة النظر إلى عورته وكشفها بدون حق وكان للقاضي أن يحكم بتعزيرهم بما يستحقونه من العقوبة. فهذه هي مجمل الآداب الشرعية التي ينبغي على الأطباء ومساعديهم التزامها أثناء قيامهم بالمهمات الطبية في الجراحة وغيرها. ومن خلالها يمكن أن نستخلص موجبات المسئولية الأدبية ، وذلك باعتبار الأوصاف المخالفة لهذه الواجبات وهي تتلخص في الموجبات الخمس التالية: الموجب الأول: الكذب. الموجب الثاني: عدم الوفاء بالمواعيد (خلف الوعد). الموجب الثالث: عدم الوفاء بالعقود. الموجب الرابع: الغش. الموجب الخامس: كشف العورات والنظر إليها بدون حاجة. فإذا وجد شيء من هذه الموجبات تحمل الشخص المسئولية عنه وعن الأضرار المترتبة عليه نظرًا لكونه متعاطيًا لسبب الضرر الموجب لوقوعه ... والله أعلم. * * *

стр. 461

المبحث الثالث في (المسئولية المهنية عن الجراحة الطبية) تمهيد يشتمل هذا المبحث على أربعة مطالب: المطلب الأول: في موجبات المسئولية المهنية. المطلب الثاني: في إثبات موجبات المسئولية المهنية. المطلب الثالث: في الجهة المسئولة عن الموجب. المطلب الرابع: في الآثار المترتبة على ثبوت الموجبات.

стр. 462

المطلب الأول في (موجبات المسئولية المهنية) المراد بموجبات المسئولية المهنية الأسباب التي تترتب عليها مساءلة الطبيب ومساعديه من جهة المهمات التي قاموا بها. وهذه الموجبات منها ما هو ناشيء على وجه الخطأ، ومنها ما هو ناشيء على وجه الإهمال والتقصير وعدم الالتزام بالحدود التي ينبغي التزامها في المهمات المتعلقة بالجراحة، ومنها ما هو ناشيء عن الجهل بالمهمة، ومنها ما هو ناشيء عن الإضرار وقصد الإيذاء. ونظرًا لاختلاف هذه الموجبات رأيت من المناسب تقسيم الكلام عنها في هذا المطلب إلى المقاصد الأربعة التالية: المقصد الأول: عدم اتباع الأصول العلمية. المقصد الثاني: الخطأ. المقصد الثالث: الجهل. المقصد الرابع: الاعتداء.

стр. 463

المقصد الأول عدم اتباع الأصول العلمية للجراحة الطبية أصول علمية، وضعها العلماء المختصون، وهي في جملتها تحدد الطريق الذي ينبغي على الأطباء ومساعديهم سلوكه، والتقيد به أثناء قيامهم بمهماتهم المتعلقة بالجراحة. والخروج عن هذه الأصول العلمية، وعدم اتباعها أمر خطير يعرض حياة المرضى للهلاك المحقق في كثير من الحالات خاصة أثناء العمل الجراحي. فالمسئولية عن اتباع هذه الأصول والتقيد بهذه الضوابط مسئولية جسيمة، والخروج عنها أمر يثير الجدل المستفيض عن أسباب ذلك الخروج ودواعيه، وموقف أهل الخبرة من الأطباء وغيرهم من تلك الأسباب من حيث اعتبارهم لها وعدم اعتبارهم لها، ثم بعد ذلك موقف الشريعة الإسلامية من هذا الخروج والآثار المترتبة عليه. لذلك فإن هذه القضية تعتبر من أهم القضايا الطبية التي يعاني منها القضاة في العصر الحاضر، نظرًا لاختلاف الأطباء في حكمهم، مع عظم الآثار والنتائج السلبية المترتبة على ذلك الخروج المختلف فيه. ومن ثم كان من المناسب التعريف بالأصول العلمية، ثم بيان الأحوال التي يحكم فيها بكون الأطباء ومساعديهم قد خرجوا عن الأصول العلمية، ثم بيان موقف الشريعة الإسلامية من ذلك الخروج.

стр. 464

تعريف الأصول العلمية: عرفتها بعض المصادر الطبية بقولها: "هي الأصول الثابتة، والقواعد المتعارف عليها نظريًا، وعمليًا بين الأطباء، والتي يجب أن يُلم بها كل طبيب وقت قيامه بالعمل الطبي" (١) اهـ. وبناء على هذا التعريف فإن الأصول العلمية تشمل النوعين التاليين من المعارف الطبية: النوع الأول: العلوم الثابتة التي أقرها علماء الطب قديمًا وحديثًا في فروع الطب ومجالاته المختلفة، ومن أمثلتها المواد العلمية المقررة في الجامعات والمعاهد الطبية. فهذه المواد تعتبر علومًا أقرها أهل الاختصاص والمعرفة، فتطبيقها والسير على طريقتها يعتبر اتباعًا للأصول العلمية، بشرط أن يبقى اعتبارها طبيًا إلى حين تنفيذها (٢). النوع الثاني: العلوم المستجدة: وهي العلوم والمعارف التي يطرأ اكتشافها،

стр. 465

فتكون حديثة عند الأطباء، ومن أمثلتها: النظريات والأساليب التي يتوصل إليها الباحثون المختصون من خلال بحوثهم ودراساتهم. فهذه العلوم وإن كانت طارئة على الساحة الطبية إلا أنها تعتبر أصولاً علمية متى تحقق فيها الشرطان التاليان: الشرط الأول: أن تكون صادرة من جهة معتبرة مثل المدارس الطبية المختصة بالأبحاث والدراسات الطبية. الشرط الثاني: أن يشهد أهل الخبرة بكفاءتها وصلاحيتها للتطبيق (١). فإذا أثبت الطبيب المتهم بالخروج عن الأصول العلمية لاتباعه لنظرية حديثة وجود هذين الشرطين، حكم القاضي بسقوط الدعوى الموجهة ضده بذلك، ويعتبر صدورها من هذه الجهات وشهادة أهل الخبرة بصلاحيتها كافيًا في تبرئته ما دام أنه لم يعثر على خلل فني يوجب رد تلك النظرية وسقوطها. وقد ذهبت بعض القوانين الوضعية إلى اعتبار شرط ثالث وهو "إجراء التسجيل العلمي للإسلوب، أو الطريقة العلاجية قبل استخدامها

стр. 466

على الإنسان" (١). وهذا الشرط محل نظر، فإن كان المراد منه أنه لا يحكم القاضي باعتبار النظرية أو الأسلوب من الأصول العلمية إلا بعد إجراء التسجيل العلمي لذلك الأسلوب قبل استخدامه كما يفهم من ظاهر الشرط فهو أمر مردود. وذلك لأن العبرة بصدور النظرية والدراسة من الأهل، وشهادة المختصين بصلاحيتها، فهذان الأمران هما محور القضية من الناحية المهنية العلمية، أما إجراء التسجيل فهو أمر شكلي خارج عن جوهر القضية فلا يتوقف الحكم ببراءة الأطباء. ومساعديهم على وجوده ما دام قد تحقق الشرطان اللذان يثبتان صحة تلك النظرية وصلاحيتها للتطبيق. وأما إن كان المراد بهذا الشرط الأحوال الخاصة التي لها علاقة بجوهر النظرية مثل أن تعتذر الجهات الطبية عن تسجيلها علميًا لظهور خلل فني يوجب ردها، فإنه حينئذ يعتبر شرطا لازمًا، ومن ثم فإنه يحرم شرعًا على الأطباء ومساعديهم اتباع أي نظرية اعتذرت الجهات العلمية عن تسجيلها، والاعتراف بها لأسباب فنية توجب ردها، وإذا قاموا بتطبيق مثل هذه النظريات، والدراسات المردودة، وحدث الضرر المتوقع منها، فإنهم يعتبرون آثمين شرعًا، وللقاضي أن يحكم بخروجهم عن الأصول العلمية المتبعة عند أهل الاختصاص، ومن ثم يلزمهم بضمان ما أتلفوه. والمقصود أن الأصول العلمية ليست منحصرة في المواد، والقواعد الثابتة التي اشتهرت في حقبة معينة من الزمن، بل إنها تشتملها

стр. 467

وتشمل غيرها من النظريات والدراسات الجديدة المفيدة التي أقرها أهل الاختصاص والمعرفة. وبناء على ذلك فإنه لا حرج على الأطباء ومساعديهم في أخذهم بالجديد المفيد شريطة أن يثبت اعتباره عند أهل الاختصاص، بل يجب عليهم ذلك خاصة في الحالات التي يكون فيها ذلك الجديد أكثر أمانًا وأخف ضررًا من سابقه، لأن ذلك يتفق مع مقاصد الشريعة الموجبة لحفظ الأنفس (١) ودفع الضرر (٢). ولأهمية ذلك نجد القوانين المنظمة للعمل تنص على وجوب اطلاع الأطباء على أحدث الوسائل المعتبرة للتشخيص، والعلاج بالجراحة (٣). الأحوال التي يخرج فيها الأطباء، ومساعدوهم عن الأصول العلمية: لكل مهمة من المهمات المتعلقة بالجراحة الطبية جانبان: الأول: علمي نظري. والثاني: عملي تطبيقي.

стр. 468

وبناءً على ذلك فإن الأطباء ومساعديهم إذا خرجوا عن الأصول العلمية أثناء قيامهم بمهامهم، فإنهم إما أن يخرجوا بالكلية وذلك بعدم اتباعهم للأصول العلمية من الناحيتين النظرية والتطبيقية. وإما أن يخرجوا في إحدى الناحيتين إما النظرية، وإما التطبيقية. وعلى هذا فإن خروجهم عن الأصول العلمية ينحصر في الثلاث الحالات التالية: الحالة الأولى أن يخرجوا عن الأصول العلمية من الناحيتين النظرية والتطبيقية: وهذه الحالة أكثر ما تقع في الجراحة التجريبية التي يقوم الطبيب الجراح بإجرائها للمريض مستندًا على اجتهاداته الشخصية دون مراعاة للضوابط والحدود التي ينبغي مراعاتها في أثناء أداء مهمة الجراحة. كما أنه يعتبر مخالفًا للأصول العلمية من الناحية النظرية، لأن هذه الجراحة لم يثبت اعتبارها علميًا من قبل الأطباء المختصين. كما أنه يعتبر مخالفًا للأصول العلمية من الناحية التطبيقية لأن الطريقة الاجتهادية التي سار عليها في عمله لم تستند إلى منهج صحيح معتبر عند الأطباء المختصين. وهذه الحالة تعتبر مخالفة الأطباء والمساعدين فيها للأصول العلمية أشد الحالات الثلاث، نظرًا لجرأتهم واستخفافهم بحرمة الأجساد والأرواح وتعريضها للخطر المحقق. الحالة الثانية أن يخرجوا عن الأصول العلمية من الناحية التطبيقية: وفي هذه الحالة تكون الجراحة معتبرة من الناحية النظرية، ولها

стр. 469

طريقتها المعينة لتطبيقها عند أهل الاختصاص والمعرفة، فيخرج الطبيب عند قيامه بمهمته عن تلك الطريقة أو يجاوز حدودها المعتبرة، مثل أن يشق في موضع غير الموضع الذي ينبغي أن يكون الشق فيه، أو يزيد في مساحة الشق عن القدر المحدد الذي نبه أهل الاختصاص على التزامه. فالمهمة الجراحية المذكورة ثابتة من الناحية النظرية، ولكن الطريقة التي قام الجراح بفعلها مخالفة للأصول العلمية، ومن ثم فإن المخالفة منحصرة في الناحية العملية دون الناحية العلمية. الحالة الثالثة أن يخرجوا عن الأصول العلمية من الناحية النظرية: وفي هذه الحالة يتفق العمل مع القواعد والأصول العلمية، ولكن الجراحة نفسها غير معتبرة من الناحية النظرية عند أهل الاختصاص. ومن أمثلة هذه الحالة الملغاة، وهي الجراحة التي جرى العمل بها حقبة من الزمن ثم ألغيت بسبب وجود البديل عنها، فهذه الجراحة إذا قام الطبيب بفعلها مع علمه بإلغائها وإمكان قيامه بفعل البديل عنها فإنه يعتبر خارجًا عن الأصول العلمية من الناحية النظرية إذا طبق معلومات تلك الجراحة على الوجه المطلوب. فعمله موافق للمنهج الذي سبق إقرار الأطباء واعتبارهم له فهو متفق مع الأصول العلمية من هذا الوجه، إلا أن نظرية الجراحة ملغاة طبيًا فكان التزامها مخالفًا للأصول العلمية، ومن ثم فإن مخالفته تنحصر في الناحية العلمية دون الناحية العملية أي عكس الحالة السابقة.

стр. 470

موقف الشريعة الإسلامية من خروج الأطباء ومساعديهم عن الأصول العلمية: أجازت الشريعة الإسلامية فعل الجراحة الطبية رحمة بالعباد، ودفعًا لضرر الأسقام والأمراض عنهم فأذنت للأطباء، ومساعديهم بفعل الأمور التي تستلزمها الجراحة مع أنها محرمة عليهم في الأصل. كل ذلك طلبًا لتلك المصالح التي يرجى تحققها وحصولها بعد الجراحة، ودفعًا لضرر الأسقام والأمراض الذي يرهق كاهل المرضى ويهدد حياتهم بالخطر. لكن هذا الإذن بفعل الجراحة إنما تعني به الشريعة فعلاً مخصوصًا شهد الأطباء المختصون بكونه الطريق الذي ينبغي التزامه وسلوكه للوصول إلى ما حقق تلك المصالح الجلية، ويدفع تلك المفاسد العظيمة، بناء على الغالب. فإذا خرج الأطباء ومساعدوهم عن ذلك الطريق، فإن أفعالهم ترجع إلى حكم الأصل الموجب لمنعهم من المساس بالجسد على وجه يعرضه للهلاك والتلف. وقد أشار بعض فقهاء الإسلام ﵏ إلى ذلك حينما حكموا بوجوب الضمان على الخاتن الذي تجاوز في قطعه الحد المعتبر، والقاطع للسلعة الذي تجاوز الموضع، أو قطع في غير زمان القطع أو بآلة كآلة يكثر ألمها، وقاسوه على الجاني المعتمد. قال الإمام ابن قدامة ﵀: "فأما إن كان حاذقًا وجنت يده مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع الصلعة من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة كآلة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ضمن فيه كله، لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فأشبه إتلاف

стр. 471

المال، ولأن هذا فعل محرم فيضمن سرايته كالقطع ابتداءً" (١) اهـ. فبين ﵀ أن مجاوزة الخاتن والقاطع للحدود المعتبرة للختان، والقطع أمر موجب للضمان، وحكم بحرمته في قوله: "ولأن هذا فعل محرم" فرده إلى الأصل، كما اعتبره بمثابة القطع على وجه الجناية وذلك بقوله: "كالقطع ابتداء". وهذا كله يدل دلالة واضحة على وجوب اعتبار الأصول العلمية والتقيد بها أثناء القيام بمهام الجراحة الطبية، وأن مخالفتها والخروج عنها أمر محرم وموجب للمسئولية، وهو الأمر الذي أكده الإمام الشافعي ﵀ من قبل بقوله: "وإذا أمر الرجل أن يحجمه، أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصناعة فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح وكان عالمًا به فهو ضامن ... " (٢). فاعتبر ﵀ الأصول العلمية المتبعة عند أهل العلم بمهمة الجراحة فأسقط الضمان بالتزامها وأوجبه بالخروج عنها. وهذا الاعتبار الذي تضمنه كلام هذين الإمامين الجليلين نجده محل اتفاق بين أهل العلم ﵏، كما أشار إلى ذلك العلامة ابن القيم ﵀ فقال: "وإن كان الخاتن عارفًا بالصناعة، وختن المولود في الزمن الذي يختن فيه مثله، وأعطى الصناعة حقها، لم يضمن سراية الجرح اتفاقًا" (٣) اهـ. ومن هذا كله نخلص إلى القول باعتبار الشريعة الإسلامية لخروج الأطباء، ومساعديهم عن الأصول العلمية أمرًا موجبًا للمسئولية المهنية ... والله أعلم.

стр. 472

المقصد الثاني في (الخطأ) عرف بعض العلماء ﵏ الخطأ بقوله: "هو ما ليس للإنسان فيه قصد" (١)، فانتفاء قصد الشيء من فاعله موجب لوصفه بكونه مخطئًا، وهكذا الحال هنا حيث يوصف الأطباء ومساعدوهم بكونهم مخطئين في حال وقوع ما يوجب الضرر من دون قصده. ومن أمثلته: أن تزلّ يد الطبيب الجراح، أو أخصائي التخدير، أو الممرض أو المصور بالأشعة والمناظير، وينشأ عن ذلك ضرر بجسم المريض. وهذا النوع من الموجبات لا يترتب عليه تأثيم فاعله، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢). ومن ثم لا تتعلق به مسئولية الآخرة، لكن يُلزم صاحبه بضمان ما نشأ عن خطئه، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند الكلام على الآثار. والمقصود هنا الإشارة إلى كونه من الأسباب الموجبة للمسئولية.

стр. 473

المقصد الثالث في (الجهل) والمراد به أن يقدم الإنسان على فعل أي مهمة من المهمات المتعلقة بالجراحة الطبية دون أن يكون أهلاً لفعلها. وبهذا المعنى يشمل الجهل بنوعيه الكلي، والجزئي، لكن لما تقدم في المقصد الأول عند الكلام على الحالات التي يخرج فيها الأطباء عن الأصول بيان خروج الطبيب ومساعديه النظري والعملي انحصر الكلام هنا فيمن يقدم على فعل مهمات الجراحة وهو جاهل بها بالكلية، وهو ما يسميه العلماء ﵏ بالمتطبب (١)، أخذًا من قوله ﵊: "من تطبّب ولم يُعرف منه طبٌ قَبْلَ ذَلكَ" (٢). وهذا النوع من الموجبات يعتبر من أشدها وأعظمها جرمًا بعد موجب العدوان، نظرًا لما يشتمل عليه من الاستخفاف بحرمة الأجساد والأرواح وتعريضها للتلف، وقد اتفق العلماء ﵏ على اعتباره موجبًا للمسئولية فحكموا بوجوب الضمان فيه، وتأديب الشخص المرتكب له بما يوجب كفه، وزجر غيره عن الإقدام على مثل فعله كما سيأتي إن شاء الله بيانه في المطلب الثاني عند الحديث على الآثار المترتبة على ثبوت الموجبات. والمقصود هنا الإشارة إلى كون الجهل من موجبات المسئولية.

стр. 474

المقصد الرابع في (الاعتداء) المراد بهذا الموجب الإقدام على فعل ما يوجب الضرر بالمريض سواء بالجراحة أو بما تستلزمه من مهام، كالفحص، والتخدير، مع قصده. فيقوم الطبيب بإجراء جراحة تضر المريض مع علمه بآثارها السيئة وقصده لها. أو يقوم الطبيب الفاحص بادعاء إصابة المريض بمرض يستلزم التدخل بجراحة إذا أجريت له هلك أو تضرر في جسده مع علمه بتلك العواقب السيئة، وقصده لها. وهكذا المخدر يقوم باختيار نوعية من المواد المخدرة التي لا تتفق مع المريض أو يزيد في جرعة التخدير مع علمه بالنتائج السلبية المترتبة على فعله وقصده لها. فهذه الصور وأمثالها يتحقق بها موجب الاعتداء، وهي صور في الحقيقة يُجلُّ عنها الأطباء ومساعدوهم الذين ندروا حياتهم لخدمة المرضى ورعايتهم. والغالب فيهم السلامة والبعد عن هذا الموجب الذي لا يتخلق به إلا أصحاب النفوس الدنيئة التي لا تخاف الله تعالى، ولا ترعى حدوده ومحارمه، لذلك فإنه قل أن يوجد في الأطباء ومساعديهم من يسعى

стр. 475

للإضرار بالناس على هذا الوجه. ويعتبر هذا النوع أشنع الموجبات نظرًا لما يتضمنه من الاستهتار بحرمة الأجساد والأرواح كما أنه من الصعب إثباته نظرًا لارتباطه بالقصد الباعث على فعل جريمته. والغالب في إثباته أن يكون بدليل الإقرار نظرًا لصعوبة الاطلاع على القصد الموجود في القلب إلا أنه يمكن الاهتداء إليه بواسطة القرائن القوية التي تشير إلى وجود قصده مع دلالة الحال الظاهرة من حصول الضرر بطريقة واضحة. ومن أمثلة تلك القرائن: أن تقع الخصومة والمنازعة بين الشخص المتهم، والمريض أو ذويه، أو يثبت بالبينة سبق التهديد من الشخص المتهم ونحو ذلك من القرائن. * * *

стр. 476

المطلب الثاني في (إثبات موجبات المسئولية) ويشتمل هذا المطلب على المقصدين التاليين: المقصد الأول: في مشروعية إثبات الموجبة تفتقر الدعوى المتضمنة لما يوجب المسئولية إلى وجود الدليل الذي يشهد بصحتها، وثبوتها، وهذا مبني على الأصل الذي قررته الشريعة الإسلامية من أن الدعاوي لا تقبل مجردة عن الأدلة التي تثبتها. قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). وفي الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لو يُعْطى الناس بدعواهم لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ، وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٢). وفي رواية للبيهقي وغيره: "ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر" (٣). فدلت هذه النصوص على أن الدعوى لا تقبل مجردة عن الدليل الذي يشهد بصحتها، وأن صاحبها مطالب بإقامته لكي يحكم

стр. 477

باعتبارها، وعلى ذلك أجمع أهل العلم ﵏ (١). وبناءً على هذا الأصل فإن المرضى وذويهم إذا دعوا ما يوجب مسئولية الأطباء ومساعديهم فإنهم مطالبون بإقامة الدليل الذي يثبت صحة دعواهم إذا أنكر الأطباء ومساعدوهم تلك الدعوى. ولاشك في أن اعتبار الشريعة الإسلامية للبينة في الدعاوى عمومًا، وفي مسئولية الأطباء خصوصًا فيه دليل واضح على عدلها، وسمو منهجها التشريعي. ذلك لأنها لم تحكم باعتبار دعوى المرضى ضد الأطباء ومساعديهم على وجه الإطلاق -أي مجردة عن الدليل الذي يوجب ثبوتها-، لما في ذلك من ظلم للأطباء ومساعديهم، الأمر الذي قد يدعوهم إلى ترك مهنهم خوفًا من المسئولية، فتتعرض أرواح الناس وأجسادهم بذلك للهلاك والتلف. كذلك أيضًا لم تحكم برد دعوى المرضى ضد الأطباء ومساعديهم على وجه الإطلاق -أي مع وجود الدليل الذي يشهد بثبوتها- لما في ذلك من ظلم للمرضى وذويهم فتضيع حقوقهم المشروعة وإضافة إلى ذلك فإن فيه تجرئة المعتدين من الأطباء والمساعدين على اعتدائهم وتقصيرهم وذلك أيضًا موجب الضرر بأرواح الناس وأجسادهم. لم تحكم الشريعة الغراء بهذا ولا بذاك، ولكنها حكمت بالقصد والعدل الذي يوجب إيصال الحقوق المشروعة لأهلها، كما يوجب سير مهام الجراحة في طريقها المستقيم وبذلك حفظت للناس أرواحهم وحقوقهم من الهلاك والضياع.

стр. 478

المقصد الثاني في (أدلة الإثبات) يعتمد القاضي في إثبات موجب المسئولية المهنية على الأدلة المعتبرة شرعًا في إثبات الحقوق وهي: ١ - الإقرار. ٢ - الشهادة. ٣ - المستندات الخطية. ١ - فأما الإقرار: فإنه يعتبر أقوى هذه الأدلة نظرًا لكونه شهادة من الإنسان على نفسه وهو أعلم بها من غيره، والغالب فيه أنه لا يشهد على نفسه بما يوجب الضرر بها إلا وهو صادق في شهادته، ويعتبر القاضي في إقرار الطبيب ما ينبغي اعتباره من توفر شروط أهلية المقر، فلا يقبل إقراره في حال سكر أو جنون أو إكراه ونحوها من الحالات التي لم تتوفر فيها الشروط المعتبرة لقبول الإقرار (١). ٢ - وأما الشهادة: فإنها تكون برجلين عدلين إذا ترتب على الحكم بها إثبات القصاص والتعزير (٢)، أما إذا كان المترتب عليه من الحقوق المالية

стр. 479

كالضمان فإنه يقبل شهادة النسوة منفردات، ومشتركات مع الرجال بناء على الأصل الموجب لقبول شهادتين بالأموال وما يرجع إليها (١). ويتخرج على القول بقبول شهادة النساء منفردات، قبول شهادة الممرضات بما يوجب الحقوق غير المالية إذا كان الموجب واقعًا في موضع يتعذر اطلاع الغير عليه، كما هو الحال في أثناء العمل الجراحي. فإذا شهدت الممرضات منفردات أو مع الرجال بما يوجب ثبوت حق لا تقبل فيه شهادتهن فإنه يسوغ للقاضي قبول شهادتهن على هذا الوجه لمكان الضرورة. وينبغي على القاضي أن يراعي في الشاهد ما ينبغي مراعاته من الشروط المعتبرة لقبول الشهادة (٢) خاصة فيما يرجع إلى شرط انتفاء التهمة، فقد يشهد الممرضون والممرضات على الطبيب الجراح، أو على أخصائي التخدير بأمر يتضمن إثباته دفع الضرر عنهم، وفي هذه الحالة يينبغي رد شهادتهم على الأصل المقرر من عدم اعتبار الشهادة في حال وجود التهمة المؤثرة فيها (٣). قال الشيخ أحمد الرملي الشافعي ﵀: "من يطبب ولا

стр. 480

يعرف الطب فتلف شيء ضمن، ويعرف ذلك بقول طبيبين عدلين، غير عدوين له ولا خصمين .. " (١) اهـ. فنص ﵀ على اشتراط العدد والعدالة وانتفاء التهمة، كل ذلك لكي تحمل الثقة بقول الشهود ويحكم بتضمين الطبيب بتلك الشهادة العادلة. وينبغي أن يكون الأطباء الذين يعتمد القاضي على شهادتهم من أهل الخبرة والدراية الواسعة التي تمكنهم من إنصاف الأطباء المتهمين، وتوجب حصول الثقة والطمأنينة بصحة حكمهم. وقد أشار الإمام الشافعي ﵀ إلى اعتبار شهادة أهل الخبرة والعلم بصنعة الجراحة وذلك بقوله: "وإذا أمر الرجل أن يحجمه، أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته، فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعل مثله مما فيه الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بتلك الصناعة فلا ضمان عليه" (٢) اهـ. فاشترط ﵀ في انتفاء المسئولية عنه أن يكون فعله عند أهل الصنعة والمعرفة فعل صلاح، فدل هذا على اعتباره لشهادتهم وقولهم، لأنه لا يمكن لنا أن نعلم أن فعل الحجامة والختان والبيطرة فعلاً متضمنًا لصلاح المفعول به إلا عن طريق أهل العلم بالصنعة.

стр. 481

الحالة الثانية: أن تختلف فيشهد بعضهم بكونه فعلاً صحيحًا ويشهد الآخرون بالعكس. فإن اتفقت شهادتهم فلا إشكال في اعتبارها والعمل بها سواء اتفقوا على اعتبار الطبيب خارجًا عن الأصول، أو اتفقوا على اعتباره موافقًا لها. وأما إن اختلفت شهادتهم فلا يخلو الأمر من ثلاثة أضرب: ْالضرب الأول: أن يكتمل نصاب الشهادتين. الضرب الثاني: أن لا يكتمل نصاب الشهادتين. الضرب الثالث: أن يكتمل نصاب إحداهما دون نصاب الآخرى. فإن اكتمل نصاب الشهادتين بأن شهد طبيبان عدلان بكونه موافقًا للرسم المعتبر، وشهد آخران بالعكس فحينئذ يحكم بشهادة المثبتين لموافقته للرسم، وذلك لأن شهادتهما تضمنت إثباتًا وشهادة الآخرين تضمنت نفيًا، والإثبات مقدم على النفي، ثم إن شهادة المثبتين موافقة للأصل الموجب لبراءة الطبيب وشهادة الآخرين مخالفة له، فرجحت شهادة النفي بالأصل، وقد أشار بعض فقهاء الحنفية ﵏ إلى تقديم شهادة الإثبات بقوله ﵀: "وفي الخلاصة: الكحال إذا صب الدواء في عين رجل فذهب ضوءه لم يضمن كالختان إلا إذا غلط، فإن قال رجلان: إنه ليس بأهل، وقال رجلان هو أهل لم يضمن" (١) اهـ.

стр. 482

فاعتبر ﵀ الشهادة المتضمنة للأهلية وعبر عن ذلك الاعتبار بقوله: "لم يضمن" لأن إسقاط المسئولية مبني على وجود الأهلية في الجراح. وأما إن لم يكتمل نصاب الشهادتين فإنه تقدم شهادة الإثبات أيضًا لمكان الأصل لترجيحها، ولأن شهادة النفي معارضة بشهادة الإثبات، فسقطت كلتا الشهادتين، وبقي حكم الأصل على ما هو عليه من انتفاء المسئولية. وأما إن اكتمل نصاب إحدى الشهادتين، ولم يكتمل نصاب الأخرى فإنه تقدم الشهادة التي اكتمل نصابها، لأن الأخرى لا تقوى على معارضتها والأصل يزول بشهادة العدلين. وقد أشار إلى ذلك بعض فقهاء الحنفية ﵏ في تمام المسألة السابقة فقال: "فإن كان في جانب الكحال واحد وفي جانب الآخر اثنان ضمن" (١) اهـ. فاعتبر الشهادة الموجبة للتضمين، وأسقط حكم الأصل الموجب لبراءة الطبيب من التهمة بناء على اكتمال نصاب البينة. ٣ - وأما المستندات الخطية: فالمراد بها التقارير المكتوبة من قبل الأطباء ومساعديهم، فتعتبر حجة في حال العثور عليها في سجلات المستشفيات، لأن المقصود من تسجيلها وكتابتها الرجوع إليها عند الحاجة. فإن وجد فيها ما يوجب

стр. 483

مؤاخذة الأطباء ومساعديهم فإنها تعتبر مستندًا شرعيًا، ما لم يُقِمْ الأطباء ومساعدوهم الدليل على تزويرها أو العبث في مضمونها، وأما إذا كانت تلك التقارير والمستندات عند المرضى فإنها لا تعتبر حجة إذا أنكرها الأطباء ومساعدوهم، أو ادعوا وجود تزوير وعبث فيها، ويرجع الأمر إلى القاضي في دراسة تلك التقارير والمستندات الطبية التي اختلف فيها، وله الحكم بما أداه اجتهاده من غلبة الظن بصحتها، أو كذبها .... والله تعالى أعلم. * * *

стр. 484

المطلب الثالث في (الجهة المسئولة عن الموجب) تعتبر الجهة المسئولة عن الجراحة الطبية هي الجهة المتحملة عبئها، والآثار المترتبة عليها، وهي المصدر الذي نشأ عنه موجب المسئولية سواء كان ذلك عن طريق المباشرة كما في الطبيب الجراح الذي يقوم بمباشرة العمل الجراحي الخارج عن اختصاصه والذي تسبب في حصول الضرر. أو كان ذلك عن طريق السببية كما في الطبيب الفاحص الذي يقوم بإحالة المريض إلى مصور بالأشعة يعلم عدم أهليته للقيام بمهمة التصوير، ثم ينتج الضرر عن تصويره للمريض. وهذه الجهة المسئولة عن الأضرار، والآثار السيئة التي باشرت أو تسبب في وقوعها تشتمل على طائفتين: الطائفة الأولى: الأطباء، ومساعدوهم. الطائفة الثانية: المستشفيات الحكومية، والأهلية. وبيان حدود مسئولية كلتا الطائفتين يتضح في المقصدين التاليين:

стр. 485

المقصد الأول في (مسئولية الأطباء ومساعديهم) المسئولية المتعلقة بهذه الطائفة في الغالب تعتبر من المسئولية المباشرة، بمعنى أن الأشخاص المسئولين من هذه الطائفة هم المباشرون لفعل السبب الموجب للمسئولية في أغلب الأحوال. وقد تكون مسئولية جامعة بين السببية، والمباشرة، كما في حال وجود الموجب المشترك الذي يكون فيه الضرر ناشئًا عن مباشرة الفاعل، وتسبب شخص آخر منهم في إحالة المريض مع علمه بعدم أهلية المباشرة، كما في الطبيب الفاحص إذا قام بإحالة المريض إلى مصور بالأشعة يعلم جهله بالمهمة. وتشتمل هذه الطائفة على ما يلي: ١ - الأطباء الذين يقومون بمهمة الفحص الطبي. ٢ - أخصائي الأشعة. ٣ - أخصائي المختبر. ٤ - أخصائي المناظير الطبية. ٥ - أخصائي التخدير. ٦ - الطبيب الجراح. ٧ - الممرضون، والممرضات.

стр. 486

ومسئولية هؤلاء الأشخاص تختلف بحسب اختلاف المراحل التي تتم بها الجراحة والمهمات التي يقومون بأدائها. فمنهم من يعتبر مسئولاً في المراحل الممهدة للعمل الجراحي، ومنهم من يعتبر مسئولاً في مراحل العمل الجراحي، ومنهم من يعتبر مسئولاً في المراحل التي تعقب العمل الجراحي. وبيان حدود مسئولياتهم يتضح في الفروع التالية:

стр. 487

الفرع الأول: في المسئولين عن المراحل الممهدة للعمل الجراحي تشتمل المراحل الممهدة للعمل الجراحي على خمس مراحل: المرحلة الأولى: الفحص الطبي العام. المرحلة الثانية: تشخيص المرض الجراحي. المرحلة الثالثة: الإذن بفعل الجراحة. المرحلة الرابعة: الفحص الطبي الخاص بالجراحة. المرحلة الخامسة: التخدير. وبيان حدود المسئولية في هذه المراحل يتضح فيما يلي: أولاً المسئولية عن الفحص الطبي العام: يشتمل الفحص الطبي العام على دراسة الطبيب الفاحص لحال المريض وشكواه، ثم يقوم بعد ذلك بإجراء الفحص السريري، وإذا لزم الأمر قام بطلب إجراء الفحوصات الأخرى التي يستعان بها للوصول إلى معرفة المرض الجراحي. وبناء على ذلك فإن المسئولية في هذه المرحلة تتعلق بالطبيب الفاحص من حيث الأصل، إلا أنها تكون متعلقة به خاصة في حالة مباشرته لفعل الموجب لمسئولية وتكون متعلقة به وبغيره في حال الاشتراك معه في الموجب عن طريق السببية، أو تكون متعلقة بالغير وحده في حال انعدامها، وانفراد ذلك الغير بفعل الموجب.

стр. 488

وعلى هذا فإن المسئولية في هذه المرحلة لا تخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون متعلقة بالطبيب الفاحص. الحالة الثانية: أن تكون متعلقة بمساعديه. الحالة الثالثة: أن تكون مشتركة بين الطبيب ومساعديه. وبيان هذه الحالات يتضح فيما يلي: الحالة الأولى: أن تكون المسئولية متعلقة بالطبيب الفاحص وحده إذا كان الموجب للمسئولية ناشئًا عن فعل الطبيب الفاحص، فإنه يتحمل المسئولية عنه وحده ولا يتحمل مساعدوه من تلك المسئولية إذا انتفت العلاقة بينهم، وبين ذلك الموجب، وإنما يتحمل الطبيب الفاحص المسئولية وحده لأن الضرر ناشيء عن فعله، وهؤلاء المساعدون له لم يكن لهم أي تأثير في وجود الضرر، وإن كان ظاهر حالهم أنهم مشاركون للطبيب في مهمة الفحص، لكن هذا الوصف لا تأثير له في إيجاب المسئولية عليهم ما دام أن فعل الموجب ناشيء عن الطبيب الفاحص وحده وهم غير مشاركين له لا على وجه السببية ولا على وجه المباشرة في ذلك الفعل. فالشريعة الإسلامية إنما تجهل المسئولية الشخص الفاعل لموجبها، ولا تعتبر الأوصاف التي لا تأثير لها في حقيقة الأمر. وفي التنزيل يقول الحق ﵎: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، فقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الإنسان يتحمل وزر نفسه، ولا يتحمل غيره شيئًا من وزره ما دام أن ذلك الوزر ناشيء عنه وحده.

стр. 489

ويقول سبحانه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١). فبين أن لكل كسبه، وأن الإنسان لا يسأل عن كسب غيره واجتراحه، ومن هذا المنطلق تعتبر المسئولية شرعًا متعلقة بالشخص الفاعل لموجبها وحده، ولا يتحمل غيره شيئًا منها بشرط أن لا يكون لذلك الغير تأثير في وقوعها من الشخص الفاعل. ومن أمثلة هذه الحالة التي يحكم فيها بتحمل الطبيب الفاحص وحده للمسئولية الكاملة عن فعله أن يقدم على تشخيص المرض عن طريق الحدس والتخمين مع توفر الوسائل والآلات التي يمكن بواسطتها التأكد من وجود المرض وعدمه. فكل ما ينتج عن تشخيصه على هذا الوجه من أضرار يعتبر الطبيب الفاحص مسئولاً عنه وحده. الحالة الثانية: أن تكون المسئولية متعلقة بالمساعدين: إذا كان الموجب للمسئولية ناشئًا عن فعل الشخص المساعد للطبيب، فإن ذلك المساعد يعتبر متحملاً للمسئولية وحده، ولا يتحمل الطبيب الفاحص، ولا غيره من المساعدين الآخرين شيئًا من هذه المسئولية ما دام أنهم لم يتسببوا في إيجاد ذلك الموجب ووقوعه. فيتحمل المحلل للدم، والبول، والبراز المسئولية كاملة عن أي خطأ يقع في تحليله كما يتحمل المسئولية عن الطريقة التي اختارها وسار عليها للوصول إلى نتائج التحليل التي اعتمدها الطبيب الفاحص.

стр. 490

فالخطأ في هذين الموضعين متعلق به وحده دون غيره. وكذلك يتحمل أخصائي الأشعة المسئولية عن طريقة التصوير التي اختارها لتصوير المريض، وكذلك عن مقدار الجرعة الإشعاعية التي أرسلها على جسمه، وما ترتب عليها من أضرار. كما يتحمل المسئولية عن التقارير التى كتبها للطبيب وما تضمنته من نتائج. ويتحمل المصور بالمناظير الطبية المسئولية عن الطريقة التي اتبعها وسار عليا في إدخال المناظير إلى جسم المريض، وما نشأ عنها من أضرار. كما يتحمل المسئولية عن تقاريره التي يكتبها للطبيب. فجميع هؤلاء المساعدين يتحملون المسئولية كاملة عن مهامهم، كل بحسب اختصاصه ومجال عمله، ولا يعتبر الطبيب الفاحص مشاركًا لهم بشرط أن يكونوا أهلاً للقيام بهذه المهمة التي طلب منهم فعلها، وإعطاء التقارير الطبية المتعلقة بها. وإنما تعلقت بهم المسئولية وحدهم على الصفة المذكورة لأن الموجب لها ناشيء عن فعلهم لا عن فعل غيرهم، فهم المتحملون للأضرار المترتبة عليه لا غيرهم ممن لا تأثير له في إيجاد ذلك الموجب. وقد تقدم في الحالة الأولى بيان أصل الشرع في مثل هذه الحالة من كونه يلزم الشخص الفاعل للضرر بعاقبة فعله وجرمه دون غيره ممن لم يتسبب في إيجاد ذلك الفعل الموجب للضرر.

стр. 491

الحالة الثالثة: أن تكون المسئولية مشتركة بين الطبيب ومساعديه. إذا كان الموجب للمسئولية ناشئًا عن فعل المساعد، وللطبيب أثر في ذلك الموجب، فإن المسئولية تكون مشتركة بينهما. فعلى سبيل المثال إذا قام الطبيب الفاحص بإحالة المريض على المصور بالأشعة مع علمه بأن ذلك المصور ليس أهلاً للقيام بمهمة التصوير بالأشعة، أو أحاله على المصور بالمناظير الطبية، وهو يعلم عدم أهلية ذلك المصور للقيام بالمهمة المطلوبة، فتم تصوير المريض بطريقة لا تتفق مع الأصول المتبعة، ونشأ عن ذلك ضرر بالمريض مثل أن يزيد المصور الجرعة الإشعاعية فتؤدي زيادتها إلى تلف في جسمه، أو غيره من الأضرار، أو يقوم المصور بالمناظير بإدخال المناظير الطبية بطريقة لا تتفق مع الأصول المتبعة فأدى ذلك إلى جرح أمعاء المريض أو غير ذلك من الأضرار فإن المسئولية حينئذ تقع على المباشر للتصوير، والطبيب الذي قام بإحالة المريض عليه مع علمه بعدم أهليته. أما إيجاب المسئولية على كل من المصور بالأشعة والمناظير فلا إشكال فيه لكونهما مباشرين لفعل موجب للمسئولية، قد تقدم أن المباشر لفعل الموجب مسئول عما يترتب على فعله من أضرار. وأما إيجابها على الطبيب فذلك مبني على تسببه في إيقاع الموجب، وغلبة الظن بحصوله، إذ من المعلوم بداهة أن الشخص إذا قام بفعل شيء يجهل الطريقة المتبعة لفعله أنه لابد من أن يخطيء فيه غالبًا، إضافة إلى أنه غرر المريض بإحالته إياه على من ليس أهلاً لتصويره بالأشعة والمناظير، فالمريض إنما قام بتسليم نفسه، وتمكين المصور من المهمة المذكورة بناء على أن الطبيب لا يحيله إلا على من هو أهل لذلك، كما هو منصوص عليه في القوانين الطبية، وجار في

стр. 492

عرف الأطباء (١). فهذا الفعل من الطبيب يعتبر سببًا قويًا في حدوث الضرر للمريض، فيعتبر متحملاً للمسئولية عنه من هذا الوجه، إلا أن مسئولية الضمان والقصاص تتعلق بالمباشر وهو المساعد دون المتسبب وهو الطبيب الفاحص لأنه إذا اجتمع السبب والمباشرة قدمت المباشرة (٢). ثانيًا: المسئولية عن تشخيص المرض الجراحي: تنقسم المسئولية في هذه المرحلة إلى الأقسام الثلاثة التي سبق ذكرها في مرحلة الفحص السابقة: فيعتبر الطبيب مسئولاً وحده إذا كان الموجب للمسئولية ناشئًا عن تشخيصه ولم يكن لغيره تأثير في ذلك الموجب، فعلى سبيل المثال إذا ادعى إصابة المريض بداء جراحي واستند إلى الحدس والتخمين، أو إلى دلائل وأمارات لم تثبت دلالتها على وجود ذلك الداء، وترتب على هذا التشخيص الضرر الموجب للمسئولية فإنه حينئذ يعتبر مسئولاً وحده عن ذلك الضرر، ولا علاقة لمساعديه بذلك الموجب. وكذلك الحال لو بنى تشخيصه على تقارير المحلل، أو المصور بالأشعة، والمناظير الطبية، وكانت تلك التقارير صحيحة مطابقة للحقيقة، ولكن الطبيب أشاء فهمها، وحملها على غير ما ينبغي أن تحمل عليه فأخطأ في تشخيصه، فإنه يتحمل المسئولية عن ذلك

стр. 493

التشخيص الخاطيء وحده. كما يتحمل المساعدون للأطباء في مهمة التشخيص المسئولية وحدهم إذا كان الموجب للخطأ في التشخيص واقعًا بسببهم، ولا علاقة للطبيب في ذلك الموجب الناشيء عنهم. فعلى سبيل المثال إذا كان الخطأ في التشخيص، مبنياً على خطأ التقارير التي كتبها هؤلاء المساعدون، فإنهم يتحملون المسئولية عنه كاملة، وتسقط المساءلة عن الطبيب إذا كانوا أهلاً للقيام بمهامهم، واتبع ذلك الطبيب الأصول المعتبرة طبيًا في بناء حكمه على تقاريرهم. أما إذا لم يكونوا أهلاً للقيام بهذه المهام، أو خرج الطبيب في تشخيصه للداء بناء على تقاريرهم عن الأصول المعتبرة عند أهل الاختصاص فإنه يشترك معهم حينئذ في المسئولية كما سبق تقريره في مرحلة الفحص الطبي العام. ثالثًا: المسئولية عن الإذن بفعل الجراحة: يتحمل المسئولية عن موافقة المريض، وإذنه بالجراحة الطبيب الجراح، فقد تقدم في مبحث شروط الجراحة أنه لا يجوز له أن يقدم على فعل الجراحة إلا بعد أخذ موافقة المريض أو وليه. فإذا أخل بذلك، وأقدم على فعلها بدون إذن كان مسئولاً عن كل ما ينجم عن فعله من أضرار، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ يعتبرون هذه المسئولية حينما نصوا على أن الحجام، والخاتن يضمن كل منهما سراية القطع والجرح إذا أقدما على فعل الختان، والحجامة بدون إذن المريض (١). وهذا يدل على أن الطبيب الجراح إذا أقدم على فعل الجراحة بدون إذن المريض كان مسئولاً عن كل ما ينتج عن فعلها

стр. 494

من أضرار. رابعًا المسئولية عن الفحص الطبي الخاص بالجراحة: هذه المرحلة يقصد منها أمران: أحدهما: إثبات وجود المرض الجراحي الذي يستدعي العلاج بالجراحة. الثاني: صلاحية المريض لتحمل متاعب الجراحة وأخطارها وذلك بإثبات سلامته من الآفات. والأمراض التي تحول دون نجاح الجراحة، وتتسبب في تعريضه للمتاعب والأخطار (١). لذلك فإن التقصير والإهمال في مهام هذه المرحلة تترتب عليه نتائج سلبية وعواقب خطيرة قد تنتهي بوفاة المريض. والمسئولية عن هذه العواقب، والنتائج السيئة مرتبطة بمسبباتها، لذلك فإنها تارة تتعلق بالطبيب الجراح، وتارة تتعلق بالطبيب الفاحص ومساعديه. أما الطبيب الجراح فإنه يتحمل المسئولية في موضعين من هذه المرحلة: الموضع الأول: إذا امتنع عن إحالة المريض للفحص، وقام بإجراء الجراحة دون أن يتأكد من وجود المرض الجراحي، وأن المريض قادر على تحمل أخطارها.

стр. 495

فإذا اجترأ على ذلك، وترتب الضرر على فعله مثل أن يكون المريض غير مصاب بالمرض الذي فعلت الجراحة من أجل علاجه. أو أنه مصاب بآفة تسببت في تدهور صحة المريض أثناء الجراحة وبعدها، فإنه حينئذ يتحمل المسئولية الكاملة عن قراره الذي اتخذه بفعل الجراحة على هذا الوجه المشتمل على الإهمال، وعدم اتخاذ الحيطة اللازمة التي ينبغي عليه مراعاتها. الموضع الثاني: إذا قام بإحالة المريض إلى الفحص الطبي العام، واشتملت التقارير والنتائج على ما يوجب عليه الامتناع من فعل الجراحة، وذلك مثل أن تشتمل على نفي وجود المرض، أو أن المريض مصاب بمرض يحول نجاح الجراحة أو يعرقل مهامها، فأقدم على فعل الجراحة دون استناد إلى ما يوجب عليه فعلها، فإنه حينئذ يعتبر متعاطيًا للسبب الموجب للمسئولية الكاملة عن كل ما ينتج عن فعلها هذا من أضرار وعواقب وخيمة. ولاشك في أن هذه الجرأة في كلا الموضعين تعتبر موجبة لمسئولية الآخرة أيضًا وذلك لأن إقدام الطبيب الجراح على فعل الجراحة على هذا الوجه يشتمل على تعريض الأرواح البريئة للخطر والهلاك دون وجود سبب أو مسوغ شرعي يجيز له فعل ذلك، مع أن الله تعالى يسر له الوسائل والآلات التي يمكن بواسطتها أن يتوصل إلى الطريق الأمثل في علاج المريض ومداواته، فكونه يعرض عن ذلك، أو يتجاهل التقارير الطبية المبنية على الفحص بهذه الوسائل والآلات يعد ضربًا من التهور والاستهتار، الأمر الذي يوجب تأثيمه واعتباره متجاوزًا لحدود الله وبذلك تتحقق المسئولية الأخروية.
следующие страницы →