الحالة الثالثة: أن تكون المسئولية مشتركة بين الطبيب ومساعديه.
إذا كان الموجب للمسئولية ناشئًا عن فعل المساعد، وللطبيب أثر في ذلك الموجب، فإن المسئولية تكون مشتركة بينهما.
فعلى سبيل المثال إذا قام الطبيب الفاحص بإحالة المريض على المصور بالأشعة مع علمه بأن ذلك المصور ليس أهلاً للقيام بمهمة التصوير بالأشعة، أو أحاله على المصور بالمناظير الطبية، وهو يعلم عدم أهلية ذلك المصور للقيام بالمهمة المطلوبة، فتم تصوير المريض بطريقة لا تتفق مع الأصول المتبعة، ونشأ عن ذلك ضرر بالمريض مثل أن يزيد المصور الجرعة الإشعاعية فتؤدي زيادتها إلى تلف في جسمه، أو غيره من الأضرار، أو يقوم المصور بالمناظير بإدخال المناظير الطبية بطريقة لا تتفق مع الأصول المتبعة فأدى ذلك إلى جرح أمعاء المريض أو غير ذلك من الأضرار فإن المسئولية حينئذ تقع على المباشر للتصوير، والطبيب الذي قام بإحالة المريض عليه مع علمه بعدم أهليته.
أما إيجاب المسئولية على كل من المصور بالأشعة والمناظير فلا إشكال فيه لكونهما مباشرين لفعل موجب للمسئولية، قد تقدم أن المباشر لفعل الموجب مسئول عما يترتب على فعله من أضرار.
وأما إيجابها على الطبيب فذلك مبني على تسببه في إيقاع الموجب، وغلبة الظن بحصوله، إذ من المعلوم بداهة أن الشخص إذا قام بفعل شيء يجهل الطريقة المتبعة لفعله أنه لابد من أن يخطيء فيه غالبًا، إضافة إلى أنه غرر المريض بإحالته إياه على من ليس أهلاً لتصويره بالأشعة والمناظير، فالمريض إنما قام بتسليم نفسه، وتمكين المصور من المهمة المذكورة بناء على أن الطبيب لا يحيله إلا على من هو أهل لذلك، كما هو منصوص عليه في القوانين الطبية، وجار في
стр. 492
عرف الأطباء (١).
فهذا الفعل من الطبيب يعتبر سببًا قويًا في حدوث الضرر للمريض، فيعتبر متحملاً للمسئولية عنه من هذا الوجه، إلا أن مسئولية الضمان والقصاص تتعلق بالمباشر وهو المساعد دون المتسبب وهو الطبيب الفاحص لأنه إذا اجتمع السبب والمباشرة قدمت المباشرة (٢).
ثانيًا: المسئولية عن تشخيص المرض الجراحي:
تنقسم المسئولية في هذه المرحلة إلى الأقسام الثلاثة التي سبق ذكرها في مرحلة الفحص السابقة:
فيعتبر الطبيب مسئولاً وحده إذا كان الموجب للمسئولية ناشئًا عن تشخيصه ولم يكن لغيره تأثير في ذلك الموجب، فعلى سبيل المثال إذا ادعى إصابة المريض بداء جراحي واستند إلى الحدس والتخمين، أو إلى دلائل وأمارات لم تثبت دلالتها على وجود ذلك الداء، وترتب على هذا التشخيص الضرر الموجب للمسئولية فإنه حينئذ يعتبر مسئولاً وحده عن ذلك الضرر، ولا علاقة لمساعديه بذلك الموجب.
وكذلك الحال لو بنى تشخيصه على تقارير المحلل، أو المصور بالأشعة، والمناظير الطبية، وكانت تلك التقارير صحيحة مطابقة للحقيقة، ولكن الطبيب أشاء فهمها، وحملها على غير ما ينبغي أن تحمل عليه فأخطأ في تشخيصه، فإنه يتحمل المسئولية عن ذلك
стр. 493
التشخيص الخاطيء وحده.
كما يتحمل المساعدون للأطباء في مهمة التشخيص المسئولية وحدهم إذا كان الموجب للخطأ في التشخيص واقعًا بسببهم، ولا علاقة للطبيب في ذلك الموجب الناشيء عنهم.
فعلى سبيل المثال إذا كان الخطأ في التشخيص، مبنياً على خطأ التقارير التي كتبها هؤلاء المساعدون، فإنهم يتحملون المسئولية عنه كاملة، وتسقط المساءلة عن الطبيب إذا كانوا أهلاً للقيام بمهامهم، واتبع ذلك الطبيب الأصول المعتبرة طبيًا في بناء حكمه على تقاريرهم.
أما إذا لم يكونوا أهلاً للقيام بهذه المهام، أو خرج الطبيب في تشخيصه للداء بناء على تقاريرهم عن الأصول المعتبرة عند أهل الاختصاص فإنه يشترك معهم حينئذ في المسئولية كما سبق تقريره في مرحلة الفحص الطبي العام.
ثالثًا: المسئولية عن الإذن بفعل الجراحة:
يتحمل المسئولية عن موافقة المريض، وإذنه بالجراحة الطبيب الجراح، فقد تقدم في مبحث شروط الجراحة أنه لا يجوز له أن يقدم على فعل الجراحة إلا بعد أخذ موافقة المريض أو وليه.
فإذا أخل بذلك، وأقدم على فعلها بدون إذن كان مسئولاً عن كل ما ينجم عن فعله من أضرار، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ يعتبرون هذه المسئولية حينما نصوا على أن الحجام، والخاتن يضمن كل منهما سراية القطع والجرح إذا أقدما على فعل الختان، والحجامة بدون إذن المريض (١). وهذا يدل على أن الطبيب الجراح إذا أقدم على فعل الجراحة بدون إذن المريض كان مسئولاً عن كل ما ينتج عن فعلها
стр. 494
من أضرار.
رابعًا المسئولية عن الفحص الطبي الخاص بالجراحة:
هذه المرحلة يقصد منها أمران:
أحدهما: إثبات وجود المرض الجراحي الذي يستدعي العلاج بالجراحة.
الثاني: صلاحية المريض لتحمل متاعب الجراحة وأخطارها وذلك بإثبات سلامته من الآفات. والأمراض التي تحول دون نجاح الجراحة، وتتسبب في تعريضه للمتاعب والأخطار (١).
لذلك فإن التقصير والإهمال في مهام هذه المرحلة تترتب عليه نتائج سلبية وعواقب خطيرة قد تنتهي بوفاة المريض.
والمسئولية عن هذه العواقب، والنتائج السيئة مرتبطة بمسبباتها، لذلك فإنها تارة تتعلق بالطبيب الجراح، وتارة تتعلق بالطبيب الفاحص ومساعديه.
أما الطبيب الجراح فإنه يتحمل المسئولية في موضعين من هذه المرحلة:
الموضع الأول:
إذا امتنع عن إحالة المريض للفحص، وقام بإجراء الجراحة دون أن يتأكد من وجود المرض الجراحي، وأن المريض قادر على تحمل أخطارها.
стр. 495
فإذا اجترأ على ذلك، وترتب الضرر على فعله مثل أن يكون المريض غير مصاب بالمرض الذي فعلت الجراحة من أجل علاجه.
أو أنه مصاب بآفة تسببت في تدهور صحة المريض أثناء الجراحة وبعدها، فإنه حينئذ يتحمل المسئولية الكاملة عن قراره الذي اتخذه بفعل الجراحة على هذا الوجه المشتمل على الإهمال، وعدم اتخاذ الحيطة اللازمة التي ينبغي عليه مراعاتها.
الموضع الثاني:
إذا قام بإحالة المريض إلى الفحص الطبي العام، واشتملت التقارير والنتائج على ما يوجب عليه الامتناع من فعل الجراحة، وذلك مثل أن تشتمل على نفي وجود المرض، أو أن المريض مصاب بمرض يحول نجاح الجراحة أو يعرقل مهامها، فأقدم على فعل الجراحة دون استناد إلى ما يوجب عليه فعلها، فإنه حينئذ يعتبر متعاطيًا للسبب الموجب للمسئولية الكاملة عن كل ما ينتج عن فعلها هذا من أضرار وعواقب وخيمة.
ولاشك في أن هذه الجرأة في كلا الموضعين تعتبر موجبة لمسئولية الآخرة أيضًا وذلك لأن إقدام الطبيب الجراح على فعل الجراحة على هذا الوجه يشتمل على تعريض الأرواح البريئة للخطر والهلاك دون وجود سبب أو مسوغ شرعي يجيز له فعل ذلك، مع أن الله تعالى يسر له الوسائل والآلات التي يمكن بواسطتها أن يتوصل إلى الطريق الأمثل في علاج المريض ومداواته، فكونه يعرض عن ذلك، أو يتجاهل التقارير الطبية المبنية على الفحص بهذه الوسائل والآلات يعد ضربًا من التهور والاستهتار، الأمر الذي يوجب تأثيمه واعتباره متجاوزًا لحدود الله وبذلك تتحقق المسئولية الأخروية.
стр. 496
وتستثنى من الحكم بمسئوليته في الموضع الأول الحالات الاضطرارية التي توجب إسعاف المريض بالجراحة فورًا، والتي يغلب فيها على الظن هلاك المريض إذا تأخر إسعافه بالجراحة مدة الفحص فإنه يجوز للطبيب الجراح أن يقدم فيها على فعل الجراحة، وتسقط المسئولية عنه نظرًا لوجود الموجب لإعفائه من واجب الفحص، ولأنه انتفى فيه موجب المسئولية إذ لم يكن إقدامه على فعل الجراحة في هذه الحالات مشتملاً على تقصير أو إهمال، بل هو مبني على هدف المحافظة على النفس الذي هو من الضروريات المهمة في الدين.
فهذه هي مجمل مسئولية الطبيب الجراح في هذه المرحلة.
أما الطبيب الفاحص ومساعدوه فإنهم يتحملون المسئولية في هذه المرحلة بالصورة التي سبق بيانها وتفصيلها في مرحلة الفحص الطبي الأول ... والله تعالى أعلم.
خامسًا المسئولية عن التخدير:
تتعلق المسئولية في هذه المرحلة بالطبيب الجراح، وأخصائي التخدير.
أما الطبيب الجراح فإنه يتحمل المسئولية عن أهلية الشخص المخدر، لأنه لا يجوز له أن يعهد بمهمة التخدير إلى أي شخص لا تتوفر فيه الأهلية المعتبرة للقيام بمهمة التخدير على ما جرت عليه الأعراف الطبية (١).
стр. 497
ومتى أخل بهذا الواجب وعهد بهذه المهمة إلى من لا تتوفر فيه الأهلية فإنه يتحمل حينئذ المسئولية من جهة السببية.
وكذلك يتحمل المسئولية في موضع آخر من هذه المرحلة وذلك في حالة عدوله عن قرار المخدر بعدم صلاحية المريض للتخدير، بناء على نتائج فحص جهاز تنفسه، وقلبه.
فإذا اجترأ على فعل الجراحة مع سبق تحذير أخصائي التخدير له، فإنه حينئذ يعتبر مقصرًا، وحكمه كما سبق بيانه في المرحلة السابقة.
وأما أخصائي التخدير فإنه يعتبر مسئولاً مسئولية مباشرة عن أهلية المريض للتخدير، والمواد المخدرة التي اختارها لتخديره، والجرعة التي حقنها من تلك المواد في جسم المريض، والطريقة التي اتبعها في تخديره.
فأي تقصير يقع منه في هذه الأمور فإنه يوجب تحمله للمسئولية عن كل الأضرار المترتبة على ذلك التقصير (١).
ومن أمثلة ذلك أن يقوم بتخدير المريض دون فحص سابق يتأكد من خلاله أن المريض يستطيع التجاوب مع المواد المخدرة فيتبين بعد تخديره أنه مصاب بمرض في قلبه أو تنفسه ونشأ عن ذلك ضرر.
أو يقوم باختيار مادة دون سبق تأكد من تجاوب المريض معها ويتضرر المريض بتلك المادة بسبب الحساسية المصاب بها.
أو يقوم بحقن جرعة زائدة عن القدر المعتبر عند أهل الاختصاص فيؤدي ذلك إلى وفاة المريض أو حصول شلل، ونحو ذلك.
стр. 498
أو يختار طريقًا للتخدير يشتمل على مخاطر ومضاعفات تلحق المريض من جراء التخدير بواسطته، كما في حالة التخدير عن طريق البزل القطني الذي يفضي إلى التهاب سحايا المخ، والنخاع الشوكي، ومضاعفاته.
ففي هذه الحالات وأمثالها يعتبر المخدر مسئولاً مسئولية كاملة عن الأضرار الناتجة عن مجاوزته للحدود المعتبرة عند أهل الاختصاص والمعرفة.
* * *
стр. 499
الفرع الثاني في (المسئولين عن مرحلة العمل الجراحي)
يتحمل الطبيب الجراح العبء الأكبر من المسئولية في هذه المرحلة، ولا تخلو مسئوليته فيها إما أن تكون مباشرة، أو سببية.
كما يتحمل مساعدوه المسئولية في هذه المرحلة، كل حسب المهمة المطلوبة منه ومجال عمله.
فأما الطبيب الجراح فإنه يتحمل المسئولية المباشرة عن عمله الجراحي، فهو مسئول في الأصل عن الالتزام بالقواعد المعتبرة عند أهل الاختصاص في مهمته الجراحية.
فينبغي عليه التقيد والالتزام بها، وعدم الخروج عنها.
فإذا أخل بهذا الواجب، وخرج عن الأصول والقواعد المتبعة عند أهل الاختصاص والمعرفة على وجه ينتفي فيه عذره شرعًا، فإنه يتحمل المسئولية الكاملة عن كل ما ينتج عن ذلك الخروج، وهكذا إهماله وتقصيره في مراعاة الأمور التي ينبغي عليه مراعاتها أثناء قيامه بمهمته.
ومن أمثلة الحالة الأولى تجاوزه للقدر المعتبر في الشق عند أهل الاختصاص، وزيادته في القدر المقطوع من العضو المراد قطعه دون موجب معتبر طبيًا.
ومن أمثلة الحالة الثانية إهماله لتنظيف الجرح، أو غسله، أو إهمال تعقيمه، وتركه لبقايا الشاش في داخل الجوف مما يؤدي إلى حدوث تسمم ينتهي بوفاة المريض وهلاكه.
стр. 500
فهذه الحالات، وأمثالها يتحمل فيها الطبيب الجراح المسئولية الكاملة عن تقصيره وإهماله ومجاوزته للحدود المعتبرة عند أهل الاختصاص.
ولاشك في تحمله لمسئولية الآخرة التي هي أشد وأعظم من مسئولية الدنيا.
وهذه المسئولية تعتبر مسئولية مباشرة لكون الطبيب الجراح باشر فعل الموجب لها وحده.
وأما المسئولية السببية فهي تتمثل في تعاطيه للسبب الموجب لحدوث الفعل الذي تترتب عليه المسئولية ويتولى مباشرة الفعل غيره من المساعدين له، كما في حالة إذنه للمساعدين الذين لم تتوفر فيهم الأهلية المعتبرة بأن يقوموا بفعل مهمة يجهلونها ثم يترتب على فعلهم ضرر مبني على جهلهم بالأصول المعتبرة، فحينئذ تعتبر مسئولية الطبيب الجراح عنهم مسئولية سببية، نظرًا لكونه تسبب في فعلهم من جهة إذنه لهم بالقيام بتلك المهمة، وأما المساعدون له فإنهم يتحملون المسئولية عن كل ضرر ينتج عن فعلهم كل حسب اختصاصه، ومجال عمله، وتعتبر مسئوليتهم على هذا الوجه مسئولية مباشرة، إذا قاموا بفعل الموجب للمسئولية بأنفسهم، وإلا كانت مسئولية سببية.
فالمخدر يتحمل المسئولية عن إهماله وتقصيره في اتخاذ الاستعدادات الكافية لحصول الهبوط المفاجيء في ضغط الدم.
وكذلك يتحمل المسئولية عن تقصيره في الإجراءات اللازمة لإسعاف المريض، وإرجاعه إلى الوضع الطبيعي الملائم كما في حالة توقف عمل القلب، وضعف تنفسه ونحو ذلك من الحالات الطارئة أثناء العمل الجراحي.
стр. 501
كما يعتبر مسئولاً عن تقصيره الذي أدى إلى انزلاق الأشياء الغريبة في حنجرة المريض مما يتسبب في انسداد مسالكها.
أو يقصر بعدم استعماله للأنبوبة المعدية في حالات القيء الأمر الذي ينشأ عنه اختناق المريض باستنشاق كمية من سائل القيء.
وكذلك يعتبر مسئولاً عن إهماله لبعض أجزاء الجسم بعدم العناية بوضعها المعتبر، كما في حالة تركه لذراع المريض ساقطة على حافة طاولة العمليات الجراحية مما يتسبب في حدوث الشلل في العص الكعبري أو الزندي (١).
فهذه الحالات وأمثالها يعتبر الضرر فيها ناشئًا عن إهمال أخصائي التخدير، وقد جرى العرف عند الأطباء. باعتبار المخدر مسئولاً عنها من الناحية العملية، فتقصيره في ذلك يوجب إلزامه بالعواقب المترتبة عليه.
وكذلك الممرض والممرضة يعتبر كل منهما مسئولاً عن أي تقصير وجد منه في المهمة المطلوبة منه أثناء العمل الجراحي.
فإذا قصر الممرض في إحضار الآلات المطلوبة في الوقت المحدد لها، أو قصر في تعقيمهما قبل الجراحة أو أثناءها وترتب على ذلك حصول تلوث في الجرح، فإنه يتحمل المسئولية عن تقصيره.
وكذلك لو أذن للطبيب الجراح بقفل موضع الجراحة دون تأكد من
стр. 502
اكتمال الآلات المستعملة في المهمة بعدِّها (١)، ثم تبين أن الطبيب الجراح قفل الجرح على شيء منها، فإن الممرض يتحمل المسئولية عن تقصيره في عد تلك الآلات، وإخباره للطبيب الجراح باكتمالها، لكن هل تعتبر مسئوليته في هذه الحالة مسئولية سبب أو مباشرة؟.
الذي يظهر أنها مسئولية سبب، نظرًا لعدم مباشرته لقفل موضع الجراحة، وإذا كان هؤلاء المساعدون جاهلين بالمهام التي قاموا بفعلها فإنه حينئذ تعتبر مسئوليتهم مسئولية مباشرة متى ترتب عليها ضرر بالمريض، وذلك لمكان رضاهم بالقيام بفعل تلك المهمات مع جهلهم لها، ولا تسقط مسئولية الجراح عنهم المسئولية المتعلقة بهم، فهم المباشرون لفعل السبب الموجب، وإذا كانت المهمات التي قاموا بفعلها مشتملة على مداواة للمريض كانوا داخلين في عموم قوله ﵊: "من تطبب بغير علم فهو ضامن" (٢)، وهم آثمون شرعًا بإقدامهم على فعل تلك المهمات نظرًا لما في ذلك من أذية للغير وإضرار به بدون حق، فتتعلق بهم المسئولية في الآخرة من هذا الوجه ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 503
الفرع الثالث في (المسئولين عن المراحل التى تعقب العمل الجراحي)
وهم: الطبيب الجراح، والمخدر، والممرض
فأما الطبيب الجراح:
فإنه يعتبر مسئولاً عن متابعة المريض إلى البرء الكامل من العملية فيتابع حالته الصحية، كما يقوم بمراقبة موضع الجراحة في فترات معينة خشية إصابته بالتلوث أو أضرار أخرى نتيجة سوء التمريض بعد العمل الجراحي.
كما أنه يتحمل المسئولية عن قرار خروج المريض من المستشفى (١).
فإذا قصر في أي جانب من هذه الجوانب، فإنه يتحمل المسئولية عن كل ما ينتج عن ذلك التقصير من أضرار.
وأما المخدر:
فإن مسئوليته بعد العمل الجراحي تنحصر في أمرين:
الأمر الأول:
إفاقة المريض من التخدير، وهي مسئولية مهنية (٢).
стр. 504
الأمر الثاني:
المحافظة على أسرار المريض التي يتلفظ بها أثناء الإفاقة وهي مسئولية أدبية (١).
فأما الأمر الأول فإنه يستلزم منه بذل العناية اللازمة حتى يفيق المريض من سبات المواد المخدرة ويتحمل المسئولية عن أي تقصير يقع منه في هذه المهمة.
وأما الأمر الثاني فإنه يستلزم منه كتمان تلك الأسرار، وعدم الإخبار بها سترًا على أخيه المسلم ويعتبر مسئولاً شرعًا في حال إفشائه لأي سر من تلك الأسرار.
وأما الممرض:
فإنه مطالب ببذل العناية اللازمة للمريض إلى حين مغادرته المستشفى، وتشتمل مهمته على تفقد موضع الجراحة وتفقد حرارة المريض، ونبضه، وتسجيل المعلومات التي توصل إليها ثم عرضها على الطبيب، وكذلك يتحمل المسئولية عن إخبار الطبيب عن أي تغير يحدث للمريض عقب العمل الجراحي، كما يقوم بإعطاء جرعات الأدوية المقررة لهذه المرحلة، ويحافظ على تغذية المريض عن طريق الأوردة (٢).
وفي جميع هذه المهمات يتحمل المسئولية عن أي تقصير أو إهمال يتسبب في حصول ضرر للمريض.
стр. 505
المقصد الثاني في (مسئولية المستشفيات)
تتحمل المستشفيات الحكومية والأهلية المسئولية عن الأشخاص العاملين بها من أطباء وممرضين ومخدرين وغيرهم. والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "كلكم راع، وكلكم مسئولٌ عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها، وهي مسئولة عنه، والعبد راع على مال سيده، وهو مسئول عنه، فكلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته" (١).
فقد دل هذا الحديث الشريف على أن المسئولية في الشريعة الإسلامية لا تختص بولاة الأمر من الحكام والقادة، بل هي عامة شاملة حتى الرقيق في مال سيده، وأنها تنشأ من ولاية الإنسان على الشيء، وقيامه على مصالحه، والنظر فيها.
قال الإمام النووي ﵀: (قوله ﷺ . "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته" قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينه، ودنياه، ومتعلقاته) (٢) اهـ.
قلت: وهذه الأوصاف التي اعتبرها أهل العلم ﵏
стр. 506
للحكم باعتبار الإنسان راعيًا، التي تتمثل في كونه مؤتمنًا وملتزمًا بصلاح ما قام عليه، متحققة في المستشفيات سواء كانت حكومية أو أهلية.
فهي مؤتمنة من قبل الجهات العليا، ومن قبل عامة الناس، وملتزمة بالمعالجة، ومداواة المرضى، وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص.
وبذلك تعتبر مسئولة عن جميع أفرادها الذين يقومون بعلاج المرضى، سواء كانوا من الأطباء أو من غيرهم كالصيدليين، والممرضين وغيرهم.
والمسئولية المتعلقة بهذه الجهة "المستشفى" تعتبر في الغالب من قبيل المسئولية السببية، وذلك لأن إدارتها العامة لا تباشر فعل الأمر الموجب للمسئولية، وإنما يباشر فعله الفرد من الأطباء ومساعديهم وغيرهم.
ولما كانت الأجهزة الإدارية العاملة في المستشفى ملزمة بتنظيم المستشفى، وإدارة أعماله على الوجه المطلوب، فإن أي إخلال ينشأ عنه ضرر بالمرضى سيكون متعلقًا بإدارة المستشفى أو أي شخص معين ملزم من قبل تلك الأجهزة الإدارية العاملة على رعاية المرضى والحيلولة دون وقوع ذلك الضرر بهم، وهذا بالإضافة إلى المسئولية المباشرة المتعلقة بذلك الفرد الذي باشر الفعل الناشيء عن الضرر.
ومن هنا تتوسع دائرة الأفراد الذين تشملهم المسئولية المتعلقة بهذه الجهة، فتكون الإدارة العامة للمستشفى هي المخاطبة من قبل الجهات من خارج المستشفى كالقضاء ونحوه، ثم تتوزع مسئوليتها على الدوائر ذات العلاقة بالفرد الذي نشأ عن فعله موجب المسئولية.
стр. 507
فعلى سبيل المثال يعتبر المحلل للدم إذا أخطأ في تحليله أو أهمل أو قصر مسئولاً مباشرًا عن نتيجة ذلك الخطأ والإهمال ثم يعتبر المسئول عن المختبر مسئولاً أيضًا في حال علمه بذلك الخطأ وعدم التنبيه عليه.
وكذلك الطبيب الجراح بجراحة العظام إذا أقدم على فعل جراحة داخلة أو خارجة عن اختصاصه على وجه ترتب عليه الإضرار بالمريض فإنه يعتبر المسئول عن قسم جراحة العظام في المستشفى مسئولاً عن علمه بذلك الخطأ، أو تقصيره في فعل الاحتياطات التي تحول دون مباشرة بذلك الطبيب لتلك الجراحة على وجه يوجب الضرر بالمريض.
وتتحمل المستشفيات المسئولية عن أفرادها من جهة أهليتهم لفعل المهمة التي تناط بكل فرد منهم، كالحال في الأطباء مع مساعديهم، فإن توفرت فيهم الأهلية سقطت المساءلة وإن لم تتوفر تحملوها على وجه السببية.
وكذلك تتحمل المستشفيات المسئولية عن الآلات والأجهزة وصلاحيتها للعمل، وتتوزع تلك المسئولية على الأفراد المسئولة عن تشغيل تلك الآلات ورعايتها بحسب ترتيب المستشفى وتنظيمه.
* * *
стр. 508
المطلب الرابع في (الآثار المترتبة على ثبوت الموجبات)
إذا أثبت المرضى موجب المسئولية فإنه يترتب على ذلك أثر شرعي يختلف بحسب اختلاف موجبات المسئولية.
فيترتب أثر الضمان على موجب الخروج عن الأصول العلمية، وموجب الجهل وموجب الخطأ.
كما يترتب أثر التعزير على موجب الجهل، وموجب الخروج عن الأصول العلمية إذا لم يكن عند الطبيب والمساعد عذر مقبول من الناحية الطبية.
ونظرًا لاختلاف نوعية هذه الآثار رأيت من المناسب بيان كل أثر منها على حده مع الاستشهاد بنصوص الشرع وقواعده وأقوال أهل العلم ﵏ في اعتباره وذلك في الثلاثة المقاصد التالية:
стр. 509
المقصد الأول: الضمان .
يجب على كل من الأطباء ومساعديهم ضمان التلف الناشيء عن فعلهم أثناء قيامهم بالمهمات المتعلقة بهم في الجراحة، وذلك في الصور التالية:
الصورة الأولى:
أن يكونوا جاهلين بالمهمة، وينتفي فيهم قصد الضرر، ولا يعلم المريض بجهلهم.
الصورة الثانية:
أن يكونوا عالمين بالمهمة، ولا يتقيدوا بأصولها المعتبرة عند أدائها.
الصورة الثالثة:
أن يكونوا عالمين بالمهمة، ويتقيدوا بأصولها، ولكن تزل أيديهم خطأ أثناء العمل.
الصورة الرابعة:
أن يكونوا عالمين بالمهمة، ويتقيدوا بأصولها، ولكن لم يأذن لهم المريض ولا وليه ولا السلطان بفعلها.
وبيان الأحكام المتعلقة بهذه الصور يتضح فيما يلي:
стр. 510
الصورة الأولى: أن يكونوا جاهلين بالمهمة، وينتفي فيهم قصد الضرر، ولا يعلم المريض بجهلهم:
وهذه الصورة تشمل الجهل الكلي، والجزئي بالمهمة، فمثال الأول أن يكون الطبيب الجراح جاهلاً بجميع معلومات الجراحة، وكيفية تطبيقها، وهكذا بالنسبة للمخدر، والمصور بالأشعة، والمناظير وغيرهم.
ومثال الثاني أن يكون الطبيب الجراح عالمًا بجزء من المهمة، أو بالمعلومات كلها، ولكن يجهل الطريقة التي يتم بها تطبيق تلك المعلومات.
وهذه الصورة الأصل في إيجاب ضمان الضرر الناشيء عن فعل الأطباء والمساعدين فيها ما ثبت في السنة عنه ﵊ من قوله: "مَن تَطَبَّبَ ولم يُعلَم منه الطبُّ قبل ذلك فهو ضامن"، حيث دل ظاهر هذا الحديث على أن الطبيب الجاهل ملزم بضمان ما نتج عن طبه، وقوله ﵊: "من تطبب" عام يشمل طب الأدوية، والجراحة.
قال الإمام ابن القيم ﵀ في شرحه لهذا الحديث: "والطبيب -في هذا الحديث- يتناول من يطبه بوصفه، وقوله، وهو الذي يخص باسم الطبائعي، وبمروده، وهو الكحال، وبمبضعه ومراهمه وهو الجرائحي، وبموساة وهو الخاتن، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام، وبخلعه ووصله ورباطه وهو المجبر، وبمكواته وناره وهو الكواء، وبقربته وهو الحاقن ... فاسم الطبيب يطلق لغة على هؤلاء كلهم، كما تقدم، وتخصيص الناس له ببعض أنواع الأطباء عرف حادث" (١) اهـ.
стр. 511
فبين ﵀ عموم دلالة قوله ﵊: "من تطبب"، ونص على أنه شامل للطبيب الجراح وأن تخصيص العرف للفظ الطب ببعض أنواعه، لا يمنع من اعتبار الأصل الموجب لشموله جميع فروع الطب ومنها الجراحة.
كما بين دخول الطبيب الواصف بالقول، والفعل، وفي حكمه الطبيب الفاحص.
ومن هذا كله نخلص إلى القول بإيجاب الضمان على كل من الطبيب الجراح، والطبيب الفاحص، إذا قاما بفعل أي مهمة من المهمات الجراحية في حال جهلهم، ونتج عنها ضرر بالمريض.
وكما دلت السنة على إيجاب الضمان على هذا الصنف من الأطباء، كذلك دل الإجماع.
قال ابن رشد الحفيد: "لا خلاف أنه إذا لم يكن من أهل الطب أنه يضمن لأنه متعد" (١) اهـ.
وهذا الإجماع وإن كان بصيغة غير جازمة في حكاية الاتفاق فإنه تؤكده عبارات الفقهاء ﵏ التي نصوا عليها في كتبهم على اختلاف مذاهبهم، وكلها دالة على إيجاب الضمان على الطبيب الجاهل.
قال الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن نجيم الحنفي (٢) ﵀:
стр. 512
" ... قطع الحجام لحمًا من عينه، وكان غير حاذق فعميت فعليه نصف الدية" (١) اهـ.
فقوله: "وكان غير حاذق" المراد أنه جاهل بتلك المهمة التي قام بفعلها، ثم بين حكمه وأنه يجب عليه ضمان نصف الدية، لأن العين من الأعضاء المثناة في جسم الإنسان تضمن الدية كاملة بتلف كلتا العينين ونصفها بتلف الواحدة منهما كما هو الحال في مسألتنا (٢).
وقال الشيخ أحمد بن غنيم النفراوي المالكي (٣) ﵀: " ... إن عالج بالطب المريض، ومات من مرضه لا شيء عليه، بخلاف الجاهل أو المقصر فإنه يضمن ما نشأ عن فعله ... " (٤) اهـ.
فاعتبر ﵀ الجهل بالفعل موجبًا لضمان ما نشأ عن ذلك الفعل من ضرر.
وقال الشيخ شهاب الدين القليوبي الشافعي ﵀: "شرط الطبيب أن يكون ماهرًا بمعنى أن يكون خطؤه نادرًا وإلم يكن
стр. 513
ماهرًا في العلم فيما يظهر، فتكتفي التجربة، وإن لم يكن كذلك لم يصح العقد، ويضمن ... " (١) اهـ.
فقوله: "إن لم يكن كذلك": أي لم يكن معروفًا بمهارته لا بالعلم، أو بالتجربة، وذلك هو الجاهل، ثم نص على حكمه بأنه لا يصح التعاقد معه، وألزمه الضمان وذلك إذا نتج عن فعله الضرر.
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي ﵀: " ... أن يكونوا ذوي خبرة في صناعتهم، ولهم بصارة ومعرفة، لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع، وإذا أقدم مع هذا كان فعلاً محرمًا فيضمن سرايته كالقطع ابتداء ... " (٢) اهـ.
فبين ﵀ أن الطبيب إذا كان جاهلاً وأقدم على فعل الجراحة كان ضامنًا لكل ما ينشأ عن فعله من ضرر.
وبهذه العبارات يتأكد ما تقدم من حكاية ابن رشد الحفيد الإجماع على إيجاب الضمان على الطبيب الجاهل.
وكما دل دليل النقل على إيجاب الضمان على هذا الصنف من الأطباء، كذلك دل دليل العقلى على إيجابه، وقد أشار الإمام ابن قدامة المقدسي ﵀ في عبارته المتقدمة إلى ذلك الدليل، وهو أن الطبيب الجاهل يجب الضمان عليه إذا باشر القطع كالجاني بجامع كون كل من الفعلين محرمًا شرعًا.
وبهذا كله تجتمع دلالة النقل والعقل على إيجاب الضمان على
стр. 514
الأطباء الجاهلين وعبارات العلماء ﵏ التي تقدمت وإن كانت في ظاهرها مختصة بالأطباء، إلا أنها تعتبر أصلاً نلحق به كل من كان في حكمهم كالمساعدين من المخدر، والمصور بالأشعة والمناظير، والممرضين ... ونحوهم، فكل هؤلاء ينزلون منزلة الأطباء في إيجاب الضمان عليهم إذا أقدموا على فعل أي مهمة وهم جاهلون بها علميًا أو نظريًا، أو علميًا ونظريًا، لاتحاد الموجب للضمان في كلتا الطائفتين "الأطباء، ومساعديهم" وهو إقدام الجميع على أداء مهمة في حال جهلهم بها.
وهذا الحكم من شريعتنا الغراء يعتبر غاية في العدل، وفيه صيانة لأرواح الناس وأجسادهم من عبث الأيدي الآثمة التي لا تخاف الله، ولا تتقيه، فتقدم على معالجة الناس غشًا وزورًا بادعائها للمعرفة والعلم.
فأما وجه العدل فلأن هؤلاء تسببوا في التلف والإضرار بأجساد الآخرين، ولم يتوفر في مثلهم الإذن الشرعي بجواز إقدامهم على ذلك الفعل الموجب للتلف، فكان المرضى مظلومين بما أصابهم من ضرر فوجب إنصافهم بتضمين هؤلاء الجاهلين، كالحال في غيرهم ممن يخطيء ويتسبب في ضرر بغيره.
ولا يشكل على الحكم بوجوب الضمان عليهم أن يقال: إن هؤلاء الأطباء الجاهلين إذا كانوا كالمعتدين والجانين، كما يفهم من كلام الإمام ابن قدامة ﵀ الموجب لضمانهم، فإنه كان من المنبغي إيجاب القصاص عليهم لا الضمان لأن ذلك هو حكم القاطع المعتدي في قطعه.
لأنه يجاب بكون هؤلاء وإن كانوا في حكم المعتدى من جهة
стр. 515
إقدامهم على فعل غير مأذون به شرعًا، إلا أنه قد تخلف فيهم قصد الاعتداء لاعتبار فعلهم جناية عمد موجبة للقصاص، بل إنهم في الغالب إنما يقصدون الإحسان ويتمنون زوال الآلام لما في ذلك من ربح لهم بأخذ الأجرة المستحقة، فكانت هذه شبهة موجبة لدرء القصاص عنهم (١)، ولذلك كان من شرط هذه الصورة انتفاء قصد الإضرار كما بينته في عنوانها، إخراجًا للحالة الأخرى المشتملة على قصده وهي الموجبة للقصاص.
وأما صيانة الشريعة لأرواح الناس وأجسادهم بهذا الحكم فلأنه يتضمن زجر الغير عن الإقدام على فعل أي مهمة بغيره -خاصة إذا كانت خطرة كالجراحة- في حال جهله بتلك المهمة، إذ بمجرد علمه أنه سيضمن كل ما يترتب على فعله من ضرر فإنه سيرعوي وينكف عن الإقدام على فعلها دفعًا لضرر الضمان عن نفسه، وحينئذ لا يقدم على علاج الناس في أجسادهم إلا من كان واثقًا بعلمه وعمله، فتسلم تلك الأجساد من تدخل الجاهلين وأضرارهم.
وأما اشتراط علم المريض بجهل الطبيب، فذلك مبني على أنه لو علم بجهله ومكنه من فعل المهمة التي يجهلها فإنه حينئذ يعتبر راضيًا بما ينشأ عن فعله من أضرار، ومن ثم يسقط حقه في المطالبة بضمان ما أتلفه ذلك الطبيب الذي أذن له بالعمل.
ولا يشكل على إيجاب الضمان في هذه الصورة وجود إذن المريض بالفعل نفسه الذي نتج عنه الضرر، لأنه إنما أذن بناء على تغرير الأطباء، ومساعديهم له بادعائهم المعرفة والعلم بتلك المهمة، ولو
стр. 516
علم أنهم جاهلون بها فإنه في الغالب سيمتنع من تسليم نفسه إليهم وتمكينهم من معالجته.
فنظرًا لمكان هذا التدليس كان إذنه غير مؤثر في إسقاط المسئولية عنهم (١)، بخلاف إذنه للأطباء الذين توفرت فيهم الأهلية المعتبرة.
ومن ثم قال الإمام ابن القيم ﵀: "إذا تعاطى علم الطب وعمله، ولم يتقدم له به معرفة، فقد هجم على إتلاف الأنفس، وأقدم بالتهور على ما لم يعلمه، فيكون قد غرر بالعليل، فيلزمه الضمان لذلك، وهذا إجماع من أهل العلم" (٢) اهـ.
الصورة الثانية: أن يكونوا عالمين بالمهمة ولا يتقيدوا بأصولها المعتبرة عند أدائها:
وتشتمل هذه الصورة على نوعين من الإخلال:
أحدهما: مجاوزة الحد المعتبر عند أهل الاختصاص.
الثاني: التقصير في أداء الواجب.
فأما النوع الأول فمن أمثلته في الطبيب الجراح مجاوزته في قطع الختان، والآفة الحد المعتبر عند أهل الاختصاص فيزيد في قدر الجزء المقطوع.
ومن أمثلته في المخدر أن يزيد في قدر المواد المخدرة، أو يختار
стр. 517
مادة أشد ضررًا من غيرها بدون وجود دواع موجبة لذلك الاختيار.
ومن أمثلته في المصور بالأشعة أن يزيد في قدر الجرعة الإشعاعية التي يسقطها على الموضع المراد تصويره، أو يكرر تصوير المريض بالأشعة مرات عديدة بدون وجود حاجة داعية لذلك التكرار فيعرض المريض لضرر الأشعة والأخطار المترتبة عليها.
وأما النوع الثاني فمن أمثلته: اقتصار الطبيب الجراح على استئصال بعض الداء، وترك باقيه مع قدرته على استئصاله، ودون وجود موانع معتبرة طبيًا تحول دون قطع ذلك الجزء المتبقي.
وكذلك المخدر يختار مادة ضعيفة التأثير فينتج عن ذلك تضرر المريض بالإفاقة أثناء الجراحة، ويتألم حينها بسبب ضعف المادة المخدرة وعدم إزالتها للإحساس الموجود في موضع الجراحة.
ففي كلا هذين النوعين يعتبر الأطباء ومساعدوهم مخلين بالأصول المعتبرة عند المختصين وقد نص الفقهاء ﵏ على إيجاب الضمان في حال المجاوزة للموضع المعتبر عند المختصين، أو التقصير في أداء ما يجب على الطبيب فعله.
قال الشيخ محمد بن الحسين الطوري الحنفي (١) ﵀: "ويستفاد من مجموع الروايتين اشتراط عدم التجاوز والإذن لعدم وجوب الضمان حتى إذا عدم أحدهما، أو كلاهما يجب الضمان .. " (٢).
стр. 518
فبين ﵀ بقوله: "حتى إذا عدم أحدهما ... " أن الطبيب لو تجاوز الموضع المحدد في مهمته فإنه يلزمه الضمان.
وقال الإمام إبراهيم بن فرحون المالكي ﵀: "أما إذا كان جاهلاً أو فعل غير ما أذن له فيه خطأ أو تجاوز الحد فيما أذن له فيه، أو قصر عن المقدار المطلوب ضمن" (١) اهـ.
فقوله: "أو تجاوز الحد فيما أذن فيه" متعلق بحالة الزيادة عن القدر المطلوب عمله أثناء المهمة الجراحية وقوله "أو قصر فيه عن المقدار المطلوب"، متعلق بحالة النقص عن القدر المطلوب عمله أثناء المهمة. فاعتبر ﵀ كلتا الحالتين موجبة للتضمين.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري الشافعي ﵀: "وإن ختن الأجير حرًا أو فصده، أو حجمه بلا تقصير وكذا إن كان المفعول به ذلك عبدًا، ولا تقصير فمات ... لم يضمن لعدم ثبوت اليد على الحر، ولعدم التفريط في غيره" (٢).
ومفهوم قوله "بلا تقصير" أنه إن قصر ضمن ويشهد لذلك قوله عند بيانه لعلة الحكم بعدم التضمين "لعدم التفريط".
وقال الإمام أبو محمد عبد الله بن قدامة المقدسي الحنبلي ﵀:
"وأما إذا كان حاذقًا وجنت يده مثل أن يتجاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها، أو قطع في غير محل القطع، أو يقطع السلعة
стр. 519
من إنسان فيتجاوزها، أو يقطع بآلة يكثر ألمها، أو في وقت لا يصلح القطع فيه وأشباه هذا ضمن فيه كله ... " (١) اهـ.
فبين ﵀ وجوب الضمان على الطبيب إذا تجاوز الحدود المعتبرة في عمله الجراحي، أو قصر فيها بأن استعمل آلات لا تصلح للعمل الجراحي بالشكل المطلوب، أو كان عمله في وقت لا تصلح فيه الجراحة.
ومن هذا كله نخلص إلى اعتبار الفقهاء ﵏ لإيجاب الضمان في هذه الصورة المشتملة على المجاوزة للحدود المعتبرة عند أهل المعرفة أو التقصير فيها ... والله تعالى أعلم.
الصورة الثالثة: أن يكونوا عالمين بالمهمة، ويتقيدوا بأصولها، ولكن تزل أيديهم خطأ أثناء العمل:
وفي هذه الصورة يتضرر المريض بفعل غير مقصود من قبل الطبيب وليس من جنس العمل الطبي، ومن أمثلتها: أن تتحرك يد الطبيب الجراح بلا شعور منه فيقطع شريانًا أو يجرح موضعًا فيتضرر المريض بذلك.
وفي التصوير بالأشعة: تنحرف يد المصور فَتَسْقط الأشعة على موضع غير الموضع المراد تصويره ويؤدي ذلك إلى حدوث تلف في الجلد ونحو ذلك.
وفي التصوير بالمناظير: تتحرك يد المصور بها أثناء إدخاله أو
стр. 520
إخراجه لها فتؤدي تلك الحركة غير المقصودة إلى حدوث خدش في الأمعاء.
ولما كان الفعل الموجب للضرر في هذه الصورة ليس من الأفعال المتعلقة بالمهمة بل هو خارج عنها فإنه يعتبر من قبيل جناية الخطأ، يطالب الأطباء ومساعدوهم بضمانه، إعمالاً للأصل المقرر عند العلماء ﵏ من وجوب ضمان جناية الخطأ سواء أدت إلى تلف النفس أو شيء من الأطراف.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ... الآية﴾ (١).
فقد دلت هذه الآية الكريمة على وجوب ضمان النفس المتلفة خطأ.
وهي عامة شاملة للخطأ الناشيء عن الأطباء وغيرهم.
وقد حكى الإمام ابن المنذر (٢) ﵀ الإجماع على وجوب تضمين الطبيب الذي أخطأ فأدى خطؤه إلى التلف، فقال ﵀: "وأجمعوا على أن قطغ الخاتن إذا أخطأ فقطع الذكر
стр. 521
والحشفة أو بعضها فعليه ما أخطأ به يعقله عنه العاقلة" (١) اهـ.
ولا يشكل على هذا ما تقدم غيره مرة من نصوص الفقهاء ﵏ التي تدل على إسقاط الضمان عن الطبيب في حال عدم تعديه، لأن المراد بتلك الحالة أن يكون الفعل الذي نشأ عنه الضرر واقعًا على النحو المعتبر عند أهل الاختصاص، وهذا مخالف لما نحن فيه لأن الفعل الذي نشأ عنه الضرر لم يقع موافقًا لما اعتبره أهل الاختصاص، بل هو خارج بالكلية عنه، فوجب إلحاقه بالجناية غير المقصودة ... والله أعلم.
الصورة الرابعة: أن يكونوا عالمين بالمهمة ويتقيدوا بأصولها، ولكن لم يأذن لهم المريض ولا وليه ولا السلطان بفعلها:
وفي هذه الصورة يتخلف الإذن بفعل الجراحة من قبل المريض ووليه، وتقع الجراحة وفق الأصول المتبعة عند أهل الاختصاص، لكن يشاء الله تعالى أنها تتسبب في حدوث ضرر بجسم المريض، سواء أدى إلى وفاته أو لم يؤد إليها.
وهنا ينشأ السؤال: هل يلزم الطبيب بضمان ذلك الضرر الناتج عن فعل الجراحة نظرًا لعدم وجود إذن المريض ووليه، أو لا يلزم بذلك نظرًا لعدم تعديه في الفعل؟.
اختلف الفقهاء ﵏ في هذه المسألة وذلك على
стр. 522
قولين:
القول الأول يلزمه ضمان ذلك الضرر:
وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤) ﵏.
القول الثاني لا يلزمه ضمان ذلك الضرر:
وبه قال الإمام ابن حزم الظاهري (٥) وبعض فقهاء الحنابلة (٦) ﵏.
الأدلة:
أولاً دليل القول الأول:
أن الأصل يقتضي إيجاب الضمان، فإذا أذن المكلف كان مسقطًا لحقه بذلك الإذن، وإذا لم يأذن بقي حكم الأصل الموجب للتضمين (٧).
стр. 523
ثانيًا دليل القول الثاني:
استدل القائلون بإسقاط الضمان بدليل الكتاب والسنة:
أ- دليلهم من الكتاب استدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
وجه الدلالة:
أن الطبيب إذا أقدم على فعل الجراحة قاصدًا نفع المريض، ولم يتعد في فعله كان معينًا لذلك المريض على الطاعة والبر بشفائه من علته التي تعيقه عن تلك المصالح الدينية (٢).
٢ - قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣).
وجه الدلالة:
أن الطبيب محسن بفعله، فلا سبيل عليه بالضمان (٤).
ب- دليلهم من السنة:
حديث أسامة بن شريك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء ... " (٥).
وجه الدلالة:
أن الطبيب ممتثل لأمر الشرع بمداواته للغير ولو بغير إذنه (٦).
стр. 524
الترجيح:
الذي يترجح في نظري والعلم عند الله هو القول بتضمين الجراح إذا أقدم على فعل الجراحة بغير إذن المريض وذلك لما يأتي:
أولاً: لصحة ما ذكره أصحاب هذا القول.
ثانيًا: أما استدلال القائلين بعدم تضمينه فيجاب عليه بما يلي:
أ- دليلهم من الكتاب:
أما الآية الأولى:
فيجاب عنها: بأنه ليس من البر أن يقدم الطبيب على إيلام المريض وأذيته بالجراحة بدون رضا منه، وبذلك ينتفي وصف الجراحة بكونها من البر على هذا الوجه، بل هي متضمنة للاعتداء والأذية ما دام أن المريض غير راض بفعلها.
ثم لو قلنا بجواز فعل الأطباء للجراحة بدون إذن المرضى بناء على أنهم قاصدون للبر، للزم منه أن يقال بجواز أخذ التجار "الذين يحسنون صنعة التجارة" لأموال الناس ولو بغير رضاهم ليتاجروا بها، وينفعوهم بتلك المتاجرة، وإذا خسروا لا ضمان عليهم إذ لم يتعدوا، وهذا لم يقل به أحد، فإذا انتفى اعتبار ذلك في الأموال فمن باب أولى أن ينتفي اعتباره في الأبدان التي هي أعظم حرمة عند الله تعالى وتلفها لا يمكن تعويضه بخلاف المال.
وأما الآية الثانية: فإنه يجاب عنها بأن الطبيب لا يعتبر محسنًا في حال إقدامه على جرح الغير وأذيته بفعل الجراحة من غير إذنه ورضاه، بل هو مسيء إلى ذلك الغير بإيلامه والتسبب في جرحه بدون إذنه.
стр. 525
ب- دليلهم من السنة:
أما حديث أسامة ﵁ فيجاب عنه:
بأن الاستدلال به مبني على أن التداوي واجب بناء على ظاهر الأمر الوارد فيه، والصحيح أن التداوي مندوب لورود الدليل الصارف لهذا الأمر عن ظاهره كما تقدم بيانه عند الكلام على حكم التداوي بالجراحة.
لهذا كله فإنه يترجح القول بوجوب تضمين الطبيب الجراح إذا أقدم على فعل الجراحة بدون إذن المريض وترتب الضرر على فعلها ... والله تعالى أعلم.
стр. 526
المقصد الثانى في (القصاص)
يعتبر القصاص أثرًا من الآثار المترتبة على ثبوت موجب المسئولية، وذلك في حالة واحدة، وهي ثبوت موجب العدوان، فإذا ثبت أن الطبيب كان قاصدًا لقتل المريض، أو إتلاف شيء من جسده، وأنه اتخذ من مهمة الجراحة ستارًا على جريمته فإنه يقتص منه سواء كان الضرر موجبًا لإتلاف النفس أو الأطراف، وتحققت الشروط المعتبرة للقصاص (١).
قال الشيخ خليل بن إسحاق المالكي (٢) ﵀ في مختصره عند بيانه للصور الموجبة للقصاص: "كطبيب زاد عمدًا" (٣) اهـ.
قال الشيخ أحمد الدردير (٤) ﵀ في شرحه: قوله
стр. 527
"كطبيب": المراد به من باشر القصاص من الجاني، "زاد" على المساحة المطلوبة، "عمدا" فيقتص منه بقدر ما زاد" (١) اهـ.
فلم يلتفت إلى وصف الطبيب، وإنما التفت إلى قصده، ولا يشكل على هذا ورود العبارة في حق الطبيب الذي يقوم على القصاص، لأنه في حكم الطبيب المداوي فكل منهما قائم بمهمة مأذون فيها شرعًا واختلاف الحالين لا تأثير له، ولذلك نص الشيخ محمد الدسوقي ﵀ (٢) على وجوب القصاص على الطبيب المداوي، إذا قصد الاعتداء وذلك بقوله: "إنما لم يقتص من الجاهل لأن الفرض أنه لم يقصد ضررًا، وإنما قصد نفع العليل، أو رجا ذلك، وأما لو قصد ضرره فإنه يُقْتَصُ منه" (٣) اهـ.
فدل هذا على مشروعية القصاص من الطبيب القاصد للاعتداء بالجراحة عمومًا "في النفس والأطراف".
وهذا الحكم الذي نص عليه هؤلاء الفقهاء ﵏ يتفق مع الأصل الشرعي الذي دلت عليه نصوص الكتاب العزيز. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٤).
стр. 528
وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢).
فدلت هذه الآيات الكريمة على وجوب القصاص في النفس والأطراف، وشملت بعمومها الأطباء وغيرهم، وقد أكدت السنة المطهرة ذلك، كما ثبت عنه ﵊ من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس ... " (٣).
وفي الصحيح من حديث أنس ﵁: "أن ابنة النضر لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص" (٤).
فدل هذان الحديثان على وجوب القصاص في النفس والأطراف، والطبيب داخل في عموم دلالتها وبتعمد الطبيب للقتل والقطع للعضو بقصد الضرر خرج عن كونه طبيبًا إلى كونه ظالمًا معتديًا وأصبح وصفه بكونه طبيبًا لا تأثير له لخروجه بتلك الجناية عن حدود الطب مع قصدها.
وهذا الأثر قل أن يوجد عند الأطباء لما عرف عنهم من الحرص
стр. 529
على نفع مرضاهم وهم محل حسن الظن، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ يعتبرون هذا الأصل فيهم، ومن ثم قال بعضهم عند بيانه لعلة إسقاط القصاص عن الطبيب إذا قصر:
"والأصل عدم العداء إن ادعي علية بذلك" (١) اهـ.
فالأصل في الأطباء أنهم إنما يقصدون شفاء مرضاهم والإحسان إليهم، وإنما المقصود من إيراد هذا الأثر هنا بيان حكمه شرعًا على فرض وجوده ... والله أعلم.
* * *
стр. 530
المقصد الثالث في (التعزير)
يترتب هذا الأثر على موجب الجهل، وعدم اتباع الأصول العلمية المعتبرة عند المختصين.
فأما موجب الجهل فإنه لا إشكال في تعزير صاحبه، لما في التطبب من الكذب، والتدليس على الناس على وجه يتضمن الاستخفاف بحرمة أرواحهم وأجسادهم، الأمر الذي يوجب معاقبة صاحبه بما يردعه، ويزجر غيره عن فعله، فلو فتح هذا الباب للناس وترك المتطبِّبون على حالهم لأدى ذلك إلى مفسدة عظيمة فوجب قفل السبل المفضية إليها بتعزير كل من سولت له نفسه الإقدام على معالجة المرضى بدون علم ودراية.
ولذلك نجد من الفقهاء ﵏ من اعتبر هذا الأثر وحكم بعقوبة المتطبب الجاهل، قال الشيخ محمد بن يوسف العبدري المالكي ﵀: "فإن أخطأ كأن نزل يد الخاتن، أو يقلع غير الضرس التي أمر بها، فهى من جناية الخطأ إن كان من أهل المعرفة، وإن غَرَّ من نفسه عُوقِبَ" (١) اهـ.
فقوله- ﵀: "إن غَرَّ من نفسه عُوقبَ": المراد به أن يكون جاهلاً غرّ العليل فادعى علمه بالطب وأخطأ في مهمتة، وقوله: "عوقب" المراد به أنه يعزر، وقد ورد ذلك صريحاً في نقل الإمام