المقصد الثانى في (القصاص)
يعتبر القصاص أثرًا من الآثار المترتبة على ثبوت موجب المسئولية، وذلك في حالة واحدة، وهي ثبوت موجب العدوان، فإذا ثبت أن الطبيب كان قاصدًا لقتل المريض، أو إتلاف شيء من جسده، وأنه اتخذ من مهمة الجراحة ستارًا على جريمته فإنه يقتص منه سواء كان الضرر موجبًا لإتلاف النفس أو الأطراف، وتحققت الشروط المعتبرة للقصاص (١).
قال الشيخ خليل بن إسحاق المالكي (٢) ﵀ في مختصره عند بيانه للصور الموجبة للقصاص: "كطبيب زاد عمدًا" (٣) اهـ.
قال الشيخ أحمد الدردير (٤) ﵀ في شرحه: قوله
стр. 527
"كطبيب": المراد به من باشر القصاص من الجاني، "زاد" على المساحة المطلوبة، "عمدا" فيقتص منه بقدر ما زاد" (١) اهـ.
فلم يلتفت إلى وصف الطبيب، وإنما التفت إلى قصده، ولا يشكل على هذا ورود العبارة في حق الطبيب الذي يقوم على القصاص، لأنه في حكم الطبيب المداوي فكل منهما قائم بمهمة مأذون فيها شرعًا واختلاف الحالين لا تأثير له، ولذلك نص الشيخ محمد الدسوقي ﵀ (٢) على وجوب القصاص على الطبيب المداوي، إذا قصد الاعتداء وذلك بقوله: "إنما لم يقتص من الجاهل لأن الفرض أنه لم يقصد ضررًا، وإنما قصد نفع العليل، أو رجا ذلك، وأما لو قصد ضرره فإنه يُقْتَصُ منه" (٣) اهـ.
فدل هذا على مشروعية القصاص من الطبيب القاصد للاعتداء بالجراحة عمومًا "في النفس والأطراف".
وهذا الحكم الذي نص عليه هؤلاء الفقهاء ﵏ يتفق مع الأصل الشرعي الذي دلت عليه نصوص الكتاب العزيز. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٤).
стр. 528
وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢).
فدلت هذه الآيات الكريمة على وجوب القصاص في النفس والأطراف، وشملت بعمومها الأطباء وغيرهم، وقد أكدت السنة المطهرة ذلك، كما ثبت عنه ﵊ من حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يحل دم امريء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس ... " (٣).
وفي الصحيح من حديث أنس ﵁: "أن ابنة النضر لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فأتوا النبي ﷺ فأمر بالقصاص" (٤).
فدل هذان الحديثان على وجوب القصاص في النفس والأطراف، والطبيب داخل في عموم دلالتها وبتعمد الطبيب للقتل والقطع للعضو بقصد الضرر خرج عن كونه طبيبًا إلى كونه ظالمًا معتديًا وأصبح وصفه بكونه طبيبًا لا تأثير له لخروجه بتلك الجناية عن حدود الطب مع قصدها.
وهذا الأثر قل أن يوجد عند الأطباء لما عرف عنهم من الحرص
стр. 529
على نفع مرضاهم وهم محل حسن الظن، ولذلك نجد الفقهاء ﵏ يعتبرون هذا الأصل فيهم، ومن ثم قال بعضهم عند بيانه لعلة إسقاط القصاص عن الطبيب إذا قصر:
"والأصل عدم العداء إن ادعي علية بذلك" (١) اهـ.
فالأصل في الأطباء أنهم إنما يقصدون شفاء مرضاهم والإحسان إليهم، وإنما المقصود من إيراد هذا الأثر هنا بيان حكمه شرعًا على فرض وجوده ... والله أعلم.
* * *
стр. 530
المقصد الثالث في (التعزير)
يترتب هذا الأثر على موجب الجهل، وعدم اتباع الأصول العلمية المعتبرة عند المختصين.
فأما موجب الجهل فإنه لا إشكال في تعزير صاحبه، لما في التطبب من الكذب، والتدليس على الناس على وجه يتضمن الاستخفاف بحرمة أرواحهم وأجسادهم، الأمر الذي يوجب معاقبة صاحبه بما يردعه، ويزجر غيره عن فعله، فلو فتح هذا الباب للناس وترك المتطبِّبون على حالهم لأدى ذلك إلى مفسدة عظيمة فوجب قفل السبل المفضية إليها بتعزير كل من سولت له نفسه الإقدام على معالجة المرضى بدون علم ودراية.
ولذلك نجد من الفقهاء ﵏ من اعتبر هذا الأثر وحكم بعقوبة المتطبب الجاهل، قال الشيخ محمد بن يوسف العبدري المالكي ﵀: "فإن أخطأ كأن نزل يد الخاتن، أو يقلع غير الضرس التي أمر بها، فهى من جناية الخطأ إن كان من أهل المعرفة، وإن غَرَّ من نفسه عُوقِبَ" (١) اهـ.
فقوله- ﵀: "إن غَرَّ من نفسه عُوقبَ": المراد به أن يكون جاهلاً غرّ العليل فادعى علمه بالطب وأخطأ في مهمتة، وقوله: "عوقب" المراد به أنه يعزر، وقد ورد ذلك صريحاً في نقل الإمام
стр. 531
إبراهيم بن فرحون المالكي ﵀ عن بعض فقهاء المالكية ﵏ وذلك في قوله:
"قال ابن عبد السلام: وينفرد الجاهل بالأدب، ولا يؤدب المخطيء ... " (١) اهـ.
فالمراد بالأدب تعزيره بما يردعه عن العود إلى غش الناس وتعريض أرواحهم وأجسادهم للتلف.
وكما يعزر المتطبب في جسده كذلك يعزر بمنعه عن مهنة الطب التي يجهلها، فلولي الأمر الحق في الحجر على هذا الصنف ومنعه من أذية الناس والإضرار بهم، لأن ذلك محقق للمصلحة المنصب من أجل تحصيلها، وموجب لدرء المفسدة المنصب من أجل دفعها ورفعها، ولهذا نجد بعض الفقهاء ﵏ ينصون على الحجر على المتطبب الجاهل إعمالاً للقاعدة الشرعية التي تقول:
"يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام" (٢).
قال الشيخ زين الدين بن نجيم ﵀ عند بيانه لفروع هذه القاعدة: "ومنها جواز الحجر على البالغ العاقل الحر عند أبي حنيفة ﵀ في ثلاث: المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، دفعًا للضرر العام" (٣) اهـ.
стр. 532
فقوله دفعاً للضرر العام فيه إشارة إلى أن منع هذا الصنف من الأطباء، وإن كان يتضمن الإضرار بهم من ناحية كسبهم المادي إلا أنه مبني على دفع ضرر أعظم من ذلك الضرر الذي لحق بهم، وهو الضرر العام الذي سيلحق المجتمع بسبب المتطبب الجاهل.
وأما تعزير الطبيب الذي خرج عن الأصول العلمية فذلك إنما يكون في حالة عدم وجود عذر مقبول عند الأطباء المختصين لخروجه، بأن خرج على وجه الإهمال والتقصير فحينئذ ينبغي تعزيره من جهة أنه أخل بالواجب الذي ينبغي عليه القيام به على وجهه خاصة وأنه ملتزم بذلك في عقده مع المريض أو مع المستشفى، فإذا قصر أو أهمل فإنه ينبغي تأديبه على ذلك التقصير والإهمال صيانة لأرواح الناس ودمائهم، إذ لو ترك من دون عقوبة فإنه سيعود إلى ذلك الإهمال والتقصير ويعتاده في الغالب، وبالتعزير ينكف، وينزجر غيره، وتعزير الطبيب على هذا الوجه ليس فيه ظلم له، بل هي عقوبة مبنية على وجود ما يبررها ويدعو إليها.
وينبغي على القاضي أن يرد ذلك التقصير والإهمال إلى أهل الخبرة، ويتعرف عن طريقهم على عظيم جرم الطبيب في إخلاله، ومن ثم يقرر ما يراه مناسبًا لعقوبته، وزجر غيره والله تعالى أعلم.
стр. 533
مسألة: هل يعزر الطبيب الجراح إذا أقدم على فعل الجراحة بدون إذن المريض أو وليه ؟.
أشار إلى هذه المسألة الإمام إبراهيم بن فرحون المالكي ﵀ بقوله: "قال ابن عبد السلام: وينفرد الجاهل بالأدب، ولا يؤدب المخطيء، وهل يؤدب من لم يؤذن له فيه نظر" (١) اهـ.
فظاهر قوله: "فيه نظر" يدل على أن القول بتأديبه محتمل، ويقوى اعتباره إذا نظرنا إلى مخالفة الطبيب للشرط المعتبر لجواز فعل الجراحة، إضافة إلى أنه تسبب في أذية المريض وإيلامه بالجراحة، ثم إننا لو لم نقل بتعزيره خاصة في هذا الزمان لأدى ذلك إلى فتح باب الخصومات، والطبيب حريص على منفعته التي يجدها من وراء فعله للجراحة، فكان الأولى القول باعتبار التعزير في هذه الحالة.
لكي تستثنى من الحكم بتعزير الطبيب إذا أقدم على فعل الجراحة بدون إذن المريض الحالات الاضطرارية التي يجوز له فيها فعل الجراحة بدون موافقة المريض ووليه ... والله أعلم.
* * *
стр. 534
الفصل الثاني في (مسألة الجراحة الطبية)
стр. 535
تمهيد
يشتمل هذا الفصل على جملة من المسائل المتعلقة بالجراحة الطبية منها ما يرجع إلى الرخص المترتبة على الجراحة الطبية، ومنها ما يتعلق بشروط جواز الجراحة، ومنها ما يتعلق بالطواريء التي تحدث أثناء العمل الجراحي، ومنها ما يتعلق بالأعضاء، ومنها ما يتعلق بالتخدير، ومنها ما يتعلق بالإجارة على فعل الجراحة الطبية.
وبيان جميع هذه المسائل في هذا الفصل سيكون في ستة مباحث:
المبحث الأول: في رخص العبادات.
المبحث الثاني: في مسائل الشروط.
المبحث الثالث: في مسائل الطواريء.
المبحث الرابع: في مسائل الأعضاء.
المبحث الخامس: في مسائل التخدير.
المبحث السادس: في مسائل الإجارة.
وبيانها فيما يلي:
стр. 536
المبحث الأول رخص العبادات
لقد كان من نعم الله ﵎ على هذه الأمة أن يسر لها في الأحكام، وجعل شريعتها شريعة رحمة وتخفيف كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (١)، وقوله جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٢)، وقوله سبحانه مخاطبا نبيه ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فالشريعة في أصلها مشتملة على اليسر والرحمة، فإذا وجدت في المكلف موجبات التخفيف والرخص خفف الله عنه، ويسر عليه في الحكم أكثر، كما شهدت بذلك النصوص الشرعية، وبيَّنه أهل العلم ﵏ في كتبهم.
ومن تلك الموجبات، المرض الذي يعوق الإنسان، ويتسبب في حصول مشقة الآلام ومتاعبها، وعلاج هذا الألم قد يستلزم التخفيف أيضًا كالحال في الجراحة الطبية التي يترتب عليها منع المريض من فعل بعض الفرائض، وأركان العبادات حتى تعود الأعضاء والجروح إلى ْوضعها الطبيعي, كل ذلك ليتحقق الشفاء المطلوب من فعل الجراحة
стр. 537
بإذن الله .
والرخص المتعلقة بالعبادات والتي يحتاج إليها المريض بعد علاجه بالجراحة منها ما يرجع إلى الصلاة، ومنها ما يرجع إلى الصيام، ومنها ما يرجع إلى الحج، لذلك فإن بيانها في هذا المبحث سيكون في الثلاثة مطالب التالية:
стр. 538
المطلب الأول في (رخص الطهارة)
والأصل فيها قول الحق ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ... ﴾ (١).
فرخص الله للمريض أن يعدل عن فرض الوضوء إلى رخصة التيمم نظرًا لوجود الموجب للتخفيف وهو العجز عن استعمال الماء لكون المريض، والمتداوي بالجراحة قد يعجز عن استعمال الماء في طهارة الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، وذلك لأن الجروح تتأذى بغلسها بالماء، ولذلك عتب النبي ﷺ على الصحابة أمرهم للرجل الذي أصابته الجراح فأجنب بالغسل، فاغتسل فمات فقال ﵊: "قتلوه قتلهم الله" (٢).
فهذا يدل دلالة واضحة على أن وجود الجرح الذي يتضرر صاحبه بغسله يجيز لصاحبه العدول عن غسله إلى مسحه إن أمكن أو التيمم إن عم البدن أو جله، وغلب على ظن صاحبه التلف، أو حصول ضرر بالغسل والوضوء لو اغتسل وتوضأ.
стр. 539
ونظرًا لذلك نص الفقهاء ﵏ على العمل بهذه الرخصة فأجازوا للمريض الذي يخشى على نفسه الهلاك لو اغتسل أو يخشى تلف عضو من أعضائه لو اغتسل أو توضأ رخصوا له بالتيمم (١)، ولم يشترطوا في هذه الرخصة فقده للماء خلافًا لعطاء ﵀ الذي اشترط لصحة تيممه أن يفقد الماء (٢) لظاهر قوله سبحانه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣).
والصحيح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم ﵏ من الترخيص للجريح بالتيمم ولو لم يجد الماء لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (٤)، فقد دلت هذه الآية الكريمة على حرمة قتل الإنسان لنفسه، وذلك بتعاطي الأسباب الموجبة لهلاكها، والغسل والوضوء على هذا الوجه مفض إلى الهلاك فيعتبر من أسبابه فلا يشرع للجريح فعله.
وقد احتج عمرو بن العاص ﵁ بهذه الآية الكريمة لما خاف على نفسه الهلاك بالاغتسال في البرد، وعدل عنه إلى التيمم، فأقره النبي ﷺ على ذلك (٥)، فدل هذا على أن وجود السبب المفضي إلى الهلاك يعتبر من موجبات الترخيص بالعدول عن الغسل إلى التيمم، والجراحة متوفر فيها ذلك الوصف.
وقصة الصحابي الذي أمره أصحابه بالاغتسال مع الجراحة تعتبر
стр. 540
دليلاً واضحًا على أن مشقة الجراح توجب الترخيص بالتيمم.
وللجرح الموجب لرخصة التيمم عند الشافعية ﵏ شرط لابد من توفره، وهو خوف التلف (١)، ومفهومه أنه لا يتيمم عند عدم خوفه، لكن لما نصوا على أن خوف زيادة العلة، أو بطء البرء، أو شدة الضنا، أو الشين الفاحش يعتبر موجبًا للترخيص بالتيمم على الأظهر في المذهب (٢)، دل ذلك على أن الجراحة إذا لم يخف منها التلف، وخيف منها حصول الأضرار السابقة جاز لصاحبها أن يترخص بالتيمم.
والجراحة الطبية تشتمل في كثير من صورها على هذه الأضرار التي تترتب على الغسل والوضوء، فغسل موضعها يؤدي إلى التهابه وتسممه، وقد ينتهي ذلك بوفاة المريض في أغلب الأحيان.
لذلك فإنها إذا بلغت إلى مقام المشقة الضرورية الموجبة للترخيص بأن خيف فوات النفس أو العضو، أو الحاجية بأن خيف زيادة ألم، أو حصول مضاعفات توجب الضرر أو تأخر البرء، جاز لصاحبها أن يترخص بالتيمم بشرط أن تعم الجراحة البدن، وأعضاء الوضوء أو جلها (٣).
أما إذا كانت في جزء من الجسم بحيث يمكن غسل غيره، والمسح على ذلك الجزء، فإنه يجب على المريض غسل ما أمكن والمسح على غيره، ولم يجز له أن يترخص بالتيمم (٤)، وذلك لأن
стр. 541
الأصل في تلك الأعضاء أن تكون طهارتها بالماء سواء كان ذلك في وضوء أو غسل، فوجب عليه إعمال ذلك الأصل لكونه قادرًا عليه، وأما الجرح فإنه يترخص بمسحه لمكان المشقة الموجبة للترخيص بالمسح.
وإذا كانت على الجراح عصابة أو جبيرة، وخاف من نزعها الضرر جاز له أن يترخص بالمسح عليها لمكان المشقة المترتبة على النزع والغسل (١).
إلا أنه يشترط في جواز المسح على الجبيرة والعصابة الموضوعة على الجراح أن تكون مقتصرة على موضع الحاجة دون زيادة عليه.
فإن زادت عليه وجب على المريض غسل ذلك الجزء الزائد، ولم يجز له أن يترخص بالمسح على غطائه لعدم وجود الحاجة الموجبة للترخيص بذلك المسح (٢).
وعلى هذا فإنه ينبغي على الأطباء ومساعديهم من الممرضين إذا أرادوا عصب موضع الجراحة أن يتوفر في ذلك العصب شرطان:
أحدهما: أن توجد الحاجة الداعية إلى تغطية الجرح بتلك العصابة فإذا لم توجد وأرادوا عصب موضع الجراحة جاز لهم ذلك بشرط أن ينبهوا المرضى على نزعها عند الغسل والوضوء، وأن يمكنوهم من ذلك إذا طلبوا، فإذا لم يفعلوا أثموا شرعًا.
стр. 542
الثاني: أن يتقيدوا في تلك العصابة بالقدر المحتاج إليه، فإذا كان القدر المحتاج إليه مثلاً ربع الساعد لم يجز لهم الزيادة على ذلك الربع إعمالاً للقاعدة الشرعية "الضرورات تقدر بقدرها" (١).
قال الإمام السيوطي ﵀ عند بيانه لفروع هذه القاعدة:
"والجبيرة يجب أن لا تستر من الصحيح إلا ما لابد منه للاستمساك" (٢) اهـ.
فإذا ستر الأطباء موضعًا غير محتاج إلى ستره وجب على المريض نزع ذلك الساتر عند الوضوء والغسل ولو اشتمل الستر على موضع محتاج إليه وقدر زائد وجب عليه كشف الموضع الزائد وغسله، والمسح على الموضع المحتاج إليه.
ومن ثم قال الإمام الكاساني ﵀: " ... وإن كان ذلك لا يضر بالجرح عليه أن يحل ويغسل حوالي الجراحة، ولا يجوز المسح عليها، لأن الجواز لمكان الضرورة فيقدر بقدر الضرورة" (٣).
ومتى زالت الحاجة لستر الجراحة بالعصابة وغيرها وجب الرجوع إلى الأصل الموجب للغسل، للقاعدة الشرعية. ما جاز لعذر بطل بزواله (٤) ... وينبغي على الأطباء والممرضين مراعاة ذلك بتفقد موضع الجراحة وتنبيه المرضى على غسله بعد زوال العذر.
стр. 543
وكما أن وجود الجراحة يوجب الترخيص في طهارة الحدث، كذلك الحال في طهارة الخبث فإنها توجب الترخيص فيها، فإذا كان موضع الجرح لا يرقأ نزفه، ولا ينقطع الدم والقيح والصديد الخارج منه ويشق على المريض غسله وتطهيره فإنه يجوز له أن يصلي على حالته، ولا يلزم بالأصل الموجب لطهارته (١) لمكان المشقة الموجبة للترخيص، والقاعدة "أن الأمر إذا ضاق اتسع" (٢)، فمثل هذا المريض يضيق عليه الحال لو أمرناه بغسل الموضع، وقد يتسبب ذلك في حدوث تسمم فيه، أو تأخر برء فلذلك يشرع له الترخص بترك الطهارة.
وهكذا الحال لو تعذر عليه الاستنجاء والاستجمار لمكان موضع الجراحة الموجود في القبل أو الدبر فإنه يجوز له أن يصلي على حالته والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 544
المطلب الثاني في (رخص الصلاة)
والأصل فيها ما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: كانت بي بواسير فسألت النبي ﷺ عن الصلاة؟ فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١).
فقد دل هذا الحديث على أن المريض إذا لم يستطع القيام جاز له أن يترخص بالصلاة قاعدًا، فإن لم يستطع القيام والقعود صلى على جنب (٢).
وقد اتفق العلماء ﵏ على أن المريض إذا لم يستطع القيام في الصلاة سقط عنه فرضه، قال الإمام ابن حزم ﵀: "واتفقوا على أن القيام فيها فرض لمن لا علة به .. " (٣) اهـ.
ومن ثم فإن المريض بعد الجراحة إذا لم يستطع القيام في صلاته جاز له أن يترخص بالقعود، وهل له إذا خاف تأخر البرء أو وجد مشقة شديدة فيه أن يترخص بترك القيام؟ قولان للعلماء (٤): أصحهما أنه
стр. 545
يجوز له ذلك، لأن خوف إبطاء البرء ووجوده مشقة الضنى يعتبر في حكم المشقة الحاجية الموجبة للترخيص على أصح الوجهين عند العلماء، قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀ عند بيانه لمراتب المشقة الموجبة للترخيص شرعًا: "الرتبة الثانية: مشقة دون المشقة في الرتبة كالخوف من حدوث المرض المخوف، فهذا ملحق بالرتبة العليا على الأصح.
الرتبة الثالثة: خوف إبطاء البرء، وشدة الضنى ففي إلحاقه بالرتبة الثانية خلاف، والأصح الإلحاق" (١) اهـ.
وعلى هذا فإنه يجوز للمريض أن يترخص بترك القيام في الصلاة إذا تعذر عليه ذلك كالحال في من أجريت له الجراحة في قدميه بحيث لا يستطيع القيام عليهما.
وكذلك يجوز له إذا أمكنه أن يقوم ولكن يؤدي ذلك إلى حصول ضرر كتأخر برءٍ، أو عدم نجاح الجراحة التي أجريت له , يجوز له أن يصلي قاعدًا في جميع ذلك.
ولو نصحه الأطباء بترك القعود أيضًا خوفًا من المفسدة نفسها، جاز له ترك القعود، وكذلك لو لم يستطع القعود كالحال في جراحة العمود الفقري، فإنه يجوز له أن يصلي على جنبه ومستلقيًا يوميء إيماء (٢)، لحديث عمران بن حصين ﵁ المتقدم، وفيه:
стр. 546
"فإن لم تستطع فعلى جنب".
وكذلك يجوز له ترك الركوع والسجود إذا كان غير مستطيع (١) للانحناء أو خشي من ركوعه وسجوده حصول ضرر أو تأخر برء، كالحال في القيام بجامع المشقة في كل، وكما يجوز له ترك هذه الأركان نظرًا لوجود المشقة الموجبة للترخيص، كذلك يجوز له ترك شروط الصحة من باب أولى، فيرخص له أن يصلي مستلقيًا على ظهره، وإلى غير القبلة إن حضرته الصلاة ولم يجد من يوجهه إليها، كما نص على ذلك بعض الفقهاء ﵏ (٢).
وينبغي على المريض أن يتيقن بوجود الحاجة كما تقدم في رخص الطهارة، فلو أمكن أن يقوم بعض الركعة دون بعضها فعل ذلك (٣)، كما ثبت عنه ﵊ في قيام الليل (٤)، ولو أمكنه الانحناء يسيرًا في الركوع والسجود لزمه فعله وهكذا، فإذا زال العذر بالكلية زالت الرخصة ورجع إلى حكم الأصل الموجب لفعل الأركان على الوجه المطلوب ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 547
المطلب الثالث في (رخص الصوم)
وهي تنحصر في رخصة الفطر في رمضان، والأصل فيها قول الحق ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١).
قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره: "قوله تعالى: ﴿مَرِيضًا﴾: للمريض حالتان:
إحداهما: ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبًا.
والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحق له الفطر ولا يصوم إلا جاهل ... وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤلمه، ويؤذيه، أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر" (٢) اهـ.
وعلى هذا فإن المريض بعد الجراحة إذا كان الصوم عليه متعذرًا
كان الفطر في حقه واجبًا، وأما إن كان يستطيعه بمشقة لا تصل إلى درجة الخوف على النفس فإنه يخير بينه وبين الفطر، وإذا لم ينصحه الأطباء بالفطر فصام ووجد المشقة جاز له أن يترخص بالفطر، ولا تتوقف الرخصة في هذه الحالة على نصيحة الأطباء، فهو أعلم بنفسه.
стр. 548
ويشرع للأطباء أن ينصحوا المرضى بالفطر فإذا خافوا تلف الأرواح وهلاكها وجب عليهم ذلك، وهكذا لو خافوا تلف العضو، لأن مشقة التلف في هذه الحالات وأمثالها تعتبر من أعظم مراتب المشقة وهي توجب الترخيص بالفطر وغيره.
قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀: "وأما الصوم فالأعذار فيه خفيفة كالسفر والمرض الذي يشق الصوم معه كمشقة الصوم على المسافر، وهذان عذران خفيفان وما كان أشد منهما كالخوف على الأطراف والأرواح كان أولى بجواز الفطر" (١) اهـ.
واعتبار هذه الرخصة محل إجماع من أهل العلم ﵏ كما أشار إلى ذلك الإمام ابن حزم (٢) ﵀ والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 549
المطلب الرابع في (رخص الحج)
الأصل في مشروعية فعل الجراحة للمحرم ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم (١).
فقد دل هذا الحديث على جواز التداوي بالجراحة، والإنسان محرم سواء كان إحرامه بحج أو عمرة، وقد تستلزم الجراحة الطبية فعل أشياء من محظورات الإحرام، كحلق الشعر، وعصب موضعها، وتغطيته، ومنع المريض من الخروج لإتمام نسكه، فهذه الأشياء كلها يرخص بفعلها للمحرم، والأصل في ذلك الترخيص قول الحق ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢).
فقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الحاج والمعتمر يرخص لكل منهما في الحلق وفعل محظور الإحرام إذا وجد عذر المرض، وقد ثبت في حديث كعب بن عجرة ﵁ أن النبي ﷺ مر عليه وهو ينفخ تحت قدْرٍ له فقال له: "أيؤذيك هو، أمُّ رأسكَ؟ قال: نعم، قال: فاحلَق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة" (٣).
стр. 550
ولهذا كله فإنه إذا احتاج المحرم إلى حلق رأسه لعلاج موضع فيه بالجراحة فإنه يرخص له في فعل ذلك الحلق كما هو الحال في بعض صور الجراحة العصبية التي تستلزم حلق مؤخر الرأس أو أحد شقيه لكي يتمكن الطبيب من فعل الجراحة اللازمة (١).
وكذلك لو احتاج إلى حلق الشعر في مواضع الجسد الأخرى كالعانة، والإبط، والصدر والساعد والساق وغيرها فإنه يجوز له ذلك، وتلزمه الفدية (٢).
أما لو احتاج الأطباء إلى قلع جلدة مشتملة على الشعر فإنه لا حرج عليهم في ذلك، وليس على المريض الفدية بناء على ما تقرر من عدم الضمان في التابع، والشعر هنا تابع للجلد، وليس مقصودًا في الأصل.
قال الإمام ابن قدامة ﵀: "إذا قلع جلدة عليها شعر فلا فدية عليه، لأنه أزال تابعًا لغيره والتابع لا يضمن كما لو قطع أشفار عيني إنسان، فإنه لا يضمن أهدابهما" (٣) اهـ.
وبناء على هذا الأصل الموجب لإسقاط ضمان التابع فإنه يتفرع عليه، إن قطع كف المحرم وأصابعه المشتملة على الشعر والظفر لا يوجب الفدية أيضًا كما أشار إلى ذلك الإمام النووي ﵀
стр. 551
بقوله: "لو قطع يده، أو بعض أصابعه، وعليها شعر وظفر فلا فدية عليه بلا خلاف (١) لأنهما تابعان، غير مقصودين، وشبه أصحابنا هذا بما لو كانت له امرأة صغيرة فأرضعتها أمه انفسخ النكاح، ولزم الأم مهرها، ولو قتلتها لم يلزمها المهر لاندراج البضع في القتل .. " (٢) اهـ.
فبين ﵀ عدم وجوب الفدية في قطع اليد والأصابع مع اشتمالها على الشعر والظفر للأصل الذي سبقت الإشارة إليه.
ويرخص الأطباء بفعل الجراحة الطبية اللازمة لإسعاف الحجاج، لو كانت مفضية إلى فوات الحج عليهم ما دام أن تأخيرها يفضي بهم إلى الهلاك، أو حصول ضرر عظيم كما هو الحال في الجراحة التي تجرى لإسعاف حوادث الطرق المشتملة على الحالات الخطيرة وما في حكمها، ويعتبر المرض في هذه الحالات موجبًا للترخيص في امتناعه عن الحج، فإذا فاته تحلل بعمرة بعد شفائه (٣)، ما لم يكن مشترطًا في إحرامه لحديث ضباعة بنت الزبير ﵂ وفيه أن النبي ﷺ قال لها: "لعلك أردت الحج؟ قالت: والله لا أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي واشترطي، قولي اللهم محلي حيث حبستني" (٤).
فقد دل هذا الحديث على مشروعية الاشتراط في الحج، وأن من حج مشترطًا حل من أحرامه عند وجود العذر الحابس دون أن يلزم بشىء (٥).
стр. 552
وإذا احتاج المحرم بعد فعل الجراحة إلى عصب موضعها جاز له ذلك لمكان العذر الموجب للرخصة ولزمته الفدية بذلك (١)، ويتقيد فيها بالحاجة فإذا زالت وجب عليها نزعها ... والله أعلم.
* * *
стр. 553
المبحث الثاني في (مسائل الشروط)
تتعلق بهذا المبحث جملة من المسائل منها ما يرجع إلى الأطباء، ومنها ما يرجع إلى شرط غلبة الظن بسلامة المريض، ومنها ما يرجع إلى شرط وجود الحاجة الداعية إلى فعل الجراحة، ومنها ما يرجع إلى اشتراط الإذن، ومنها ما يتعلق بجنس المريض والطبيب.
ونظرًا لاختلاف نوعية هذه المسائل المتعلقة بشروط الجراحة فإن بيانها سيكون في المطالب التالية:
стр. 554
المطلب الأول هل يشترط إسلام الطبيب الجراح
مما عمت به البلوى في هذه الأزمنة معالجة الطبيب الكافر للمسلم، سواء كان ذلك الطبيب الكافر من أهل الكتاب كاليهود والنصارى، أو من غيرهم من ملل الكفر الأخرى.
ومن المعلوم أن الكافر أيّاً كان كتابيًا أو غير كتابي يعتبر عدوًا للمسلم كما بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ (١)، والغالب في العدو أن تحمله العداوة على الإضرار بمن يعاديه، خاصة إذا كانت تلك العداوة في الدين، فقد يتقرب لمعبوده بإيصال الضرر وإيقاعه بمن يعاديه، ولو أدى ذلك إلى هلاكه وموته.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يرد السؤال عن حكم قيام الأطباء الكفار بمعالجة مرضى المسلمين خاصة بالجراحة الطبية التي تشتمل على المراحل الخطيرة التي يسهل معها إيصال الضرر للمريض؟.
والجواب: أنه لا حرج على المسلم إذا احتاج إلى معالجة الكافر أن يتعالج عنده، ولكن بشرط أن يعرف ذلك الكافر بالنصح والأمانة في معاملته.
ففي الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ وأبو بكر استأجرا رجلاً من بني الدَّيْلِ هاديًا خرّيتًا وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ... " (٢).
стр. 555
فكون النبي ﷺ يستأجره وهو على دين كفار قريش ويأمنه على نفسه وعلى أبي بكر ﵁ مع أن السفر يسهل معه إيصال الضرر خاصة وأنه استأجره للدلالة على الطريق المأمون، وائتمنه على سر الهجرة قبل أن يخرج بثلاث ليال كل ذلك يدل دلالة واضحة على جواز معاملة الكافر إذا عرفت منه الأمانة والنصيحة، ولو كانت تلك المعاملة في شيء يتضمن الخطر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وإذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه كما يجوز له أن يودعه المال، وأن يعامله، وقد استأجر رسول الله ﷺ رجلاً مشركًا لما هاجر، وكان هاديًا خريتًا ماهرًا بالهداية إلى الطريق من مكة إلى المدينة، وائتمنه على نفسه، وماله.
وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ مسلمهم، وكافرهم، وقد روي أن الحارث بن كلدة -وكان كافراً- أمرهم رسول الله ﷺ أن يستطبوه.
وإذا وجد طبيبًا مسلمًا فهو أولى، وأما إن لم يجد إلا كافرًا فله ذلك، وإذا خاطبه بالتي هي أحسنُ كان حسنًا" (١) اهـ.
فبين ﵀ جواز استطباب الطبيب الكافر، وأنه ينبغي مراعاة تقديم الطبيب المسلم عليه من باب الأفضلية، وذلك لأمن ضرره، ولأنه أحق بالنفع من الكافر.
وبين من فعل النبي ﷺ ما يدل على صحة هذا الحكم من كونه ائتمن الكافر على الدلالة في السفر وعمل بخبر خزاعة مسلمهم
стр. 556
وكافرهم مع أن كافرهم يخشى منه خديعة المسلمين بالكذب، وكذلك أمره صحابته ﵃ أن يتعالجوا عند الحارث بن كلدة وهو كافر.
فكل هذا يدل دلالة واضحة على جواز معالجة الطبيب الكافر للمسلم، إلا أنه إن تعالج عنده لا يعمل بوصفه للدواء المحرم، ولا يسمع قوله في الفطر في رمضان، والصلاة ونحوها من العبادات، بل ينبغي عليه أن يرجع إلى الأطباء المسلمين العدول في ذلك لأن شهادة الكافر مردودة في مثل هذا.
قال الإمام موفق الدين عبد اللطيف البغدادي ﵀: "قال أحمد: يجوز الرجوع إلى الطبيب من أهل الذمة في الدواء المباح، ولا يسمع قوله إذا وصف دواء محرمًا كالخمر ونحوه، وكذلك لا يسمع قوله في الفطر والصلاة والصوم ونحو ذلك، ولا يقبل مثل هذا إلا من مسلمين عدلين من أهل الطب" (١) اهـ.
وبناء على هذا فإنه لا يشترط إسلام الطبيب الجراح، لكن الأولى أن يتعالج عند المسلم، وإذا عالجه الطبيب الكافر لم يعمل بقوله في رخص العبادات ... والله أعلم.
* * *
стр. 557
المطلب الثاني هل يجوز إجراء الجراحة عند استواء الاحتمالين
تقدم عند الكلام على الشروط المعتبرة لجواز الجراحة الطبية أن من شرطها أن يغلب على ظن الطبيب الجراح نجاح الجراحة، وبناء عليه فإنه يرد السؤال عن حكم إقدامه على فعل الجراحة إذا استوى في ظنه الاحتمالات؟.
والجواب: أن الذي يظهر هو القول بالتوقف، والامتناع عن فعل الجراحة حتى يترجح أحد الاحتمالين على الآخر فمن ثم يقدم بعده على فعلها أو يحجم بحسب ذلك الظن الراجح، وقد أشار الإمام العز بن عبد السلام إلى ذلك بقوله ﵀: "وكما لا يحل الإقدام للمتوقف في الرجحان في المصالح الدينية حتى يظهر له الراجع، فكذلك لا يحل للطبيب الإقدام مع التوقف في الرجحان إلى أن يظهر له الراجح" (١) اهـ.
فبين ﵀ أنه يجب على الطبيب أن يتوقف عن المداواة في حال عدم ترجح احتمال السلامة وعدمها قياسًا على التوقف في المصالح الدينية.
وهذا الحكم نص على خلافه بعض فقهاء الحنفية، ففي الفتاوي الهندية ما نصه: " ... في الجراحات المخوفة، والقروح العظيمة، والحصاة الواقعة في المثانة ونحوها إن قيل قد ينجو وقد يموت، أو ينجو ولا يموت يعالج، وإن قيل لا ينجو أصلاً لا يداوى بل يترك كذا في الظهيرية" (٢) اهـ.
стр. 558
فظاهر هذه العبارة جواز فعل الجراحة عند استواء الاحتمالين وذلك لقوله: "قد ينجو، وقد يموت ... يعالج".
والقول بالتوقف الذي سبقت حكايته عن الإمام العز بن عبد السلام ﵀ أولى بالاعتبار لصحة قياسه، ثم إنه يقوى بالأصل، فالجراحة الأصل فيها أنها محرمة، وإنما جازت لمكان المصلحة المترتبة على فعلها فإذا أصبحت مترددة بين المصلحة والمفسدة، رجح جانب المفسدة بالأصل الموجب للمنع، أو نقول سقط اعتبار المصلحة والمفسدة ورجع إلى حكم الأصل الموجب للمنع والله أعلم.
* * *
стр. 559
المطلب الثالث بم تثبت الحاجة إلى فعل الجراحة الطبية ؟
تقدم في مبحث شروط جواز فعل الجراحة الطبية أن من شروطها أن توجد الحاجة الداعية إلى فعلها، وبناء على ذلك فإنه يرد السؤال عن ثبوت تلك الحاجة بم يكون؟.
والجواب: أن الحاجة إلى الجراحة تثبت بشهادة الأطباء المختصين بأنها علاج الألم أو الآفة التي يشتكي منها المريض، وذلك لأن الشريعة تعتبر شهادة أهل كل علم فيما يعود إلى علمهم، ولما كانت الجراحة فرعًا من فروع علم الطب، وجب الرجوع إلى شهادة المختصين من الأطباء في علم الجراحة، ثم ينظر إلى أهل الاختصاص بموضع الألم وجراحته، فيرجع في جراحة أمراض العيون إلى الطبيب الجراح المختص بالعيون، وفي جراحة الأسنان إلى الطبيب المختص بأمراض الأسنان، وقد نص الفقهاء ﵏ على اعتبار شهادة الأطباء المختصين بالحاجة إلى الجراحة ومنهم الإمام النووي ﵀ حيث يقول: "قلع السن الوجعة، إنما يجوز إذا صعب الألم، وقال أهل الخبرة: إنه يزيل الألم، وقطع اليد المتآكلة إنما يجوز إذا قال أهل الخبرة: إنه نافع ... " (١) اهـ.
فاشترط ﵀ لجواز فعل القلع والقطع شهادة الأطباء الذين عبر عنهم بأهل الخبرة بأن ذلك القلع والقطع يزيل الألم، وفي ذلك دليل ظاهر على اعتبار شهادتهم، وأنه ينبغي الرجوع إليهم لإثبات الحاجة إلى فعل الجراحة.
стр. 560
وإذا ثبت اعتبار شهادة الأطباء بوجود الجراحة ولزوم الرجوع إليهم في ذلك فإنه يرد السؤال هل يشترط فيهم العدد أو تكفي شهادة الطبيب الواحد منهم؟.
والجواب: الذي يظهر أن شهادة الطبيب الواحد كافية في إثبات الحاجة إلى فعل الجراحة، ويشهد لذلك ما ثبت في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ بعث إلى أبيٍّ طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" (١).
فهذا يدل دلالة واضحة على أن شهادة الطبيب الواحد تعتبر كافية في ثبوت الحاجة إلى فعل الجراحة الطبية، حيث لم ينكر النبي ﷺ فعله الذي استند فيه إلى شهادته وحده، ولم يلزمه بشهادة طبيب آخر معه.
وقال الشيخ أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيثمي ﵀: "أما إذا حل قلعها كأن صعب ألمها، وقال طبيب عدل، ولو عدل رواية فيما يظهر فيهما أنه يزول بالقلع فيجوز استئجار له ... واليد المتآكلة كالسن الوجعة" (٢) اهـ.
فنص ﵀ على اعتبار شهادة الطبيب الواحد، إلا أنه قيده بوصف العدل، وهو وصف معتبر لقبول الشهادة شرعًا (٣)، والحكم
стр. 561
بالحاجة ضرب من الشهادة، لكن يرد السؤال عن الحالة التي عمت بها الآن من قلة العدول من الأطباء وغيرهم هل يجب البقاء على هذا الأصل وفي ذلك حرج عظيم، أم يرخص للناس في تركه؟.
والجواب: أنه بناء على ما قرره شيخ الإسلام - ابن تيمية ﵀ من اعتبار شهادة الأمثل فالأمثل من الفساق عند تعذر العدل (١) يمكن أن يتخرج عليه اعتبار شهادة الأمثل فالأمثل من الأطباء في هذه المسألة ... والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 562
المطلب الرابع هل يشترط إذن الوالي بفعل الجراحة الخطيرة ؟
لما كان المقصود من نصب الوالي رعايته لمصالح الأمة بتحصيلها عند فقدها، والمحافظة عليها حال وجودها، فإنه لا شك في شرعية استئذانه في فعل الجراحة الطبية الخطيرة، وذلك لأن هذا النوع من الجراحة يشتمل على أخطار توجب الرجوع إلى ولي الأمر لكي ينظر في عظيم الغرر الموجود فيها، فإن كانت مشتملة على ما يوجب الضرر والمفسدة العامة كان من حقه منع الطبيب، وإذا كانت مشتملة على المصلحة الراجحة أذن له بفعلها.
وقد صح عن النبي ﷺ في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أنه "بعث إلى أبي بن كعب ﵁ طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه" (١). ومع ذلك لم يستأذن أبيًا.
فدل هذا على أحقية ولي الأمر في الإذن بفعل الجراحة وعدمه.
والمريض قد يتعجل في الإذن بالجراحة الخطيرة، نظرًا لتعجله الشفاء وحرصه على تحصيله، ومن ثم قد يستدرك عليه ولي الأمر بنظره في هذا النوع من الجراحة ما قد يفوت بسبب استعجاله وإقدامه على فعلها بدون ترو وتأمل.
ثم إن الجراحة الخطيرة من شأنها أنها تفضي إلى النزاع إذا انتهت بوفاة المريض -لا سمح الله- وهذا النوع من حق ولي الأمر أن يتحفظ
стр. 563
في دفعه قبل وقوعه لئلا يؤدي إلى ضرر بالمجتمع، ونظرًا لذلك فإننا نجد من الفقهاء المتقدمين ﵏ من اعتبر إذن ولي الأمر في الجراحة الخطيرة واستحبه. قال الإمام مالك (١) ﵀: " ... إني لأحب للإمام أن يتقدم إلى هؤلاء الأطباء في قطع العروق، وما أشبهه، ألا يقدم أحد منهم على عمله إلا بإذنه، فإني لا أزال أسمع بطبيب قد عالج رجلاً فقطع عرقه، أو صنع به شيئًا فأعنته فمات منه، ولم أره يجعل على الذي عرف بالعلاج فيعالج بما يعرف شيئًا، ولكنه يستحب أن ينهى عن الأشياء التي فيها هلاك الناس إلا بإذن الإمام .. " (٢) اهـ.
فبين ﵀ شرعية الرجوع إلى ولي الأمر في الجراحة الطبية الخطيرة، نظرًا لما يترتب عليها من هلاك الناس، وأن له الحق في نهي الأطباء عن الأشياء التي فيها هلاك للناس، ويعرف ذلك عن طريق سؤاله لأهل الخبرة، كما بين ذلك الإمام ابن رشد الجد ﵀ في شرحه لكلام الإمام مالك المتقدم بقوله ﵀:
"وإذا تقدم السلطان إلى الأطباء ألا يداوي أحدهم ما يخاف منه، وفيه غرر إلا بإذنه فوجه العمل في ذلك إذا استؤذن أن يجمع أهل تلك الصناعة، فإن رأوا أن يداوي العليل بذلك الدواء المخوف داواه به، ولم يكن عليه شيء ولا على عاقلته، إن مات منه، وإن رأوا ألا يجبر عليه بذلك الدواء المخوف نهاه عن سقيه إياه، فإن تعدى ضمن في
стр. 564
ماله، وقيل على العاقلة" (١) اهـ.
فاعتبر ﵀ شهادة أهل الخبرة، وعلق حكم السلطان بالإذن للطبيب وعدمه على حكمهم، فإن أجازوا أذن، وإن لم يجيزوا لم يأذن.
ثم نص على اعتبار نهي السلطان للطبيب عن أن يداوي بما فيه خطر وغرر حيث ألزمه بالضمان.
ونظرًا لما تيسر في العصر الحاضر من تنظيم الطب وفروعه، فإنه ينبغي اعتبار إذن ولي الأمر بالجراحة الطبية الخطيرة، وتعتبر إدارات الشئون الصحية مخولة في النظر في ذلك نظرًا لكونها الجهة المسئولة عن الشئون الصحية، ومن ثم كان لها الحق في منع الأطباء من فعل هذا النوع من الجراحة الخطيرة والإذن لهم بذلك حسب ما يظهر الأطباء المختصين والله تعالى أعلم.
стр. 565
المطلب الخامس هل يجوز للرجال أن يقوموا بمعالجة النساء بالجراحة والعكس ؟
دلت النصوص الشرعية على وجوب استتار النساء، وحفظهن لعوراتهن، وعدم إبدائها للرجال إلا لمن استثنى الله تعالى منهم (١).
والمداواة بالجراحة تستلزم النظر إلى المرأة الأجنبية، وعورتها، وعورة الرجل الأجنبي، واللمس، والكشف عن تلك المواضع، ومن ثم فإنه يرد السؤال:
هل يجوز قيام الرجال بمداواة النساء بالجراحة، والعكس؟ وإذا كان ذلك جائزًا فما هو دليل جوازه؟ ثم ما هي القيود والضوابط التي ينبغي مراعاتها في ذلك؟.
والجواب: أنه تجوز مداواة الرجال للنساء بالجراحة والعكس بشرط عدم وجود النظير، وأن توجد الحاجة الداعية للمداواة.
وأما دليل ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث الرُّبَيع بنت مُعَوِّذ ﵂ أنها قالت: "كنا نغزوا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى" (٢)، ولفظ الجرحى المراد به الرجال، وهم بلا شك أجانب