يؤثر، يأثرُه عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ الآيات (١)
عن جابر بن عبد الله، قال: اجتمعت قريش يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمْه، ولينظر ماذا يردّ عليه فقالوا: ما نعلم أحد غير عتبة بن ربيعة. ققالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة، فقال: يا محمَّد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: أنت خيرٌ أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال: إِن كنتَ تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْت، وإن كنت تزعم أنّك خيرٌ منهم، فتكلّم حتى نسمع قولك، إِنا والله ما رأينا أشأم على قومه منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأنّ في قريش كاهنًا، والله ما ننتظر إِلا مثل صيحة الحُبْلى، أن يقوم بعضنا إِلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل إِن كان إِنّما كان بك الحاجة، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وأن كان إِنّما بك الباءة، فاختر أيّ نساء قريش شئت، فلْنزوّجْك عشرًا. فقال رسول الله ﷺ : فرغت؟!. قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى أن بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢).
فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: لا. فرجع إِلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه إِلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟
стр. 107
فقال: نعم. ثم قال: لا، والذي نصبها بَنيّة (١)، ما فهمتُ شيئًا ممّا قال غير أنّه قد أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك، يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟! قال: لا والله، ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة (٢).
فكل هذه الروايات دلائل على أن القوم لديهم في أنفسهم اعتراف بالحقّ، وإصرار على الباطل، واعتصام بالدنيا، وركون إِلى الجاه والمنزلة، وانتهى الأمر بكبار هؤلاء إِلى قليب من قُلُب بدر الكبرى جيفة نتنة: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (٣).
دروس وعبر:
١ - ثبات النبي ﷺ على الحق والدعوة إِلى الإِسلام كما أمره الله، فبدأ أولًا سرًا، حتى إِذا وجد أنصارًا أمره الله بالإِعلان فأعلن ثابتًا غير هياب. والإِعلان والإِسرار في البلاغ هو بحسب الأحوال والمصالح الشرعية والأصل الإِعلان، والإِسرار استثناء.
٢ - تعرض رسول الله ﷺ لمغريات كثيرة من المشركين، ولم تغير من منهجه شيئًا حيث استمر في دعوته إِلى الحق بكل ثبات وطمأنينة إِلى ما معه من الحق.
٣ - أوذي أصحابه ﵃ وواجههم المشركون بألوان من الأذى والتعذيب، فصبروا حتى اجتازوا المحنة ونصرهم الله ومَكّن لهم.
٤ - تعدد الأساليب التي واجه بها المشركون دعوة الحق وتنوعها -معنوية وحسية-
стр. 108
وهكذا أهل الباطل في كل زمان يعملون بكل جد في نصرة باطلهم، لكن يجب على المسلمين الثبات والصبر والتعاون لرد عدوان المشركين بالأساليب المناسبة لكل حالة.
الهجرة إلى الحبشة وأسبابها
اشتدَّ أذى المشركين على من آمن، وفتنوا جماعة حتى إِنهم كانوا يضربونهم ويُلقونهم في الحرِّ ويضعون الصخرة العظيمة على صدر أحدهم في شدة الحرّ، حتى إِنّ أحدهم إِذا أُطْلِق لا يستطيع أن يجلس من شدة الألم، فيقولون لأحدهم: اللاتُ إِلهك من دون الله؟ فيقولُ مكرهَّا: نعم. حتى إِن الجُعل ليمر فيقولون: وهذا إِلهك من دون الله، فيقول: نعم (١).
وعن عبد الله بن مسعود قال: كان أول من أظهر إِسلامه سبعة، رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأمّا رسول الله ﷺ ، فمنعه الله بعمّه أبي طالب، وأمّا أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأمّا سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد، إِلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إِلا بلالًا، فإِنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد (٢).
كان بلال عبدًا لبعض بني جُمح مولَّدًا من مولّديهم، كان صادق الإِسلام، طاهر القلب، وكان أميّة بن خلف يُخْرِجُه إِذا حميتِ الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة
стр. 109
فتوضع علي صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفرَ بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول وهو في ذلك: أحدٌ أحد (١).
وكان رسول الله ﷺ إِذا مرّ بعمّار بن ياسر وأمّه وأهل بيته وهم يُعذّبون، يقول: "صبرًا آل ياسر، فإِنّ موعدكم الجنّة" (٢).
ومرَّ الخبيثُ عدوُ اللهِ أبو جهل عمرو بن هشام بسميّة أم عمار (٣)، وهي تعذَّب وزوجَها وابنَها، فطعنها بحربة في فرجها فقتلها، ﵂ وعن ابنها وزوجها (٤).
وكان الصديق رضي الله تعالى عنه إِذا مرّ بأحد من الموالي يعذَّب يشتريه من مواليه، ويعتقه، منهم: بلال وأمّه حمامة، وعامر بن فهيرة، وأم عبيس، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية بني عدي، كان عمر يعذّبها علي الإِسلام قبل أن يسلم (٥)؛ حتى قال أبوه أبو قحافة: (يا بني، أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أعتقت قومًا جُلْدًا يمنعونك. فقال له أبو بكر: إِنيّ أريد ما أريد. فيقالُ: إِنه نزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ إِلى أخر السورة (٦).
وكانت سيدة خبّاب بن الأرت ﵁ توقد نارًا فتلقيه عليها، فلا يطفئ لهيبها إِلاّ ودك ظهره (٧).
стр. 110
ولقد كان هذا الصبر من الصحابة رضوان الله عليهم نتاج تربية النبيّ ﷺ لهم، يقول خباب ابن الأرت ﵁: شكونا إِلى رسول الله ﷺ وهو متوسد ببردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيُجعَل فمِها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيُجعَل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ في صنعاء إِلى حضرموت لا يخاف إِلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (١).
فضرب الصحابة رضوان الله عليهم هذه النماذج العالية في الصبر والتضحية بأنفسهم في سبيل هذا الدين، يتحملون أنواع الأذى ليظهر الله دينه، فرفع الله منزلتهم في الدنيا والآخرة.
وقد أقرّ النبيُّ ﷺ الرخصة في اتّقاء عذاب المشركين بإظهار ما يريدون منهم، فقال لعمّار بن ياسر الذي ما تركه المشركون حتى نال من النبيّ ﷺ : "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنًا بالإِسلام. قال:"فإِن عادوا فعُدْ" (٢).
فلما اشتد البلاءُ وضاقت أرض مكة على المؤمنين أذن الله في الهجرة إِلى أرض الحبشة، وقال رسول الله ﷺ : إِن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه" (٣).
стр. 111
فسبب الهجرة إِلى الحبشة هو: الفرار بالدين، ووجود الأمان والعدل في مملكة الحبشة ذلك الزمان. وكان أول خروجهم من مكة في رجب سنة خمسٍ من البعثة (١)، وكان أول من خرج فارًا بدينه إِلى الحبشة عثمان بن عفان ﵁، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وتبعه الناس.
وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا، وأربع نسوة، خرجوا متسللين سرًا، فوفّق الله لهم ساعة وصولهم إِلى الساحل سفينتين للتجّار، فحملوهم فيهما إِلى أرض الحبشة.
ثم كانت الهجرة الثانية، وعلى رأسها جعفر بن أبي طالب، خرج وجماعات معه ﵃ وأرضاهم، وكانوا قريبًا من ثمانين رجلًا (٢).
قال ابن إِسحاق: (فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إِليها من المسلمين -سوى أبنائهم الذبن خرجوا بهم صغارًا أو ولدوا بها- ثلاثة وثمانين رجلًا (٣).
فانحاز المهاجرون إِلى مملكة أصحمة النجاشي، فآواهم وأكرمهم، فكانوا عنده آمنين. عن أمّ المؤمنين أمّ سلمة ﵂ قالت: (لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمِنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إِلى النجاشيّ فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشيّ هدايا ممّا يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إِليه الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إِلّا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم،
стр. 112
وقالوا لهما: (ادفعوا إِلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشيَّ فيهم، ثم قدِّموا للنجاشيّ هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إِليكم قبل أن يكلمهم).
قالت: فخرجا فقدما على النجاشيّ، ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريقٌ إِلَّا دفعا إِليه هديته قبل أن يكلما النجاشيّ، ثم قالا لكل بطريق منهم: إِنه قد صبا إِلى بلد الملك منّا غِلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدلخوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إِلى الملك فيهم أشرافُ قومهم، ليردّهم إِليهم، فإِذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إِلينا، ولا يكلمهم، فإِنّ قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم.
ثم إِنّهما قرَّبا هداياهم إِلى النجاشي، فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: (أيها الملك، إِنّه قد صبا إِلى بلدك منّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إِليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردَّهم إِليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه).
قالت: ولم يكن شيءٌ أبغض إِلى عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشيُّ كلامَهم، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إِليهما.
قالت: فغضب النجاشيّ، ثم قال: (لا ها الله، أيم الله، إِذن لا أسلمهم إِليهما، ولا أكاد قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي؛ حتى أدعوهم، فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم، فإِن كانوا كما يقولان أسلمتهم إِليهما، ورددتهم إِلى قومهم، وإِن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني).
стр. 113
قالت: ثم أرسل إِلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلمّا جاءهم رسولَه اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إِذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبيّنا ﷺ ، كائن في ذلك ما هو كائن.
فلما جاءوه، وقد دعا النجاشيّ أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم، فقال: (ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم).
قالت: فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: (أيها الملك، كنّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويُّ منَّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منّا، نعرف نسبَه وصدقَه وأمانته وعفافَه، فدعانا إِلى إلله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام- قال: فعدَّد عليه أمور الإسلام- فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إِلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن تستحل ما كنّا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا، وظلمونا، وشقّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إِلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك، أيها الملك)،
قالت: فقال له النجاشيّ: (هل معك ممّا جاء به عن الله من شيء؟). قالت: فقال له جعفر: (نعم)، فقال له النجاشي: (فاقرأه عليّ).
стр. 114
فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، قالت: فبكى والله النجاشي؛ حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى، أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشيّ: (إنّ هذا والله، والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إِليكم أبدًا، ولا أكاد).
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: (والله، لأنبئنهم غدًا عيبهم عندهم، ثم أستأصل به خضراءهم).
قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة -وكان أتقى الرجلين فينا-: (لا تفعل، فإنّ لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا). قال: (والله، لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ).
قالت: ثم غدا عليه الغد، فقال له: (أيها الملك، إِنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسِلْ إِليهم فاسألهم عمّا يقولون فيه).
قالت: فأرسل إِليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثله، فاجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إِذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله، وما جاء به نبيّنا، كائنا في ذلك ما هو كائن.
فلما دخلوا عليه، قال لهم: (ما تقولون في عيسى بن مريم؟). فقال له جعفر بن أبي طالب: (نقول فيه الذي جاء به نبيّنا، هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إِلى مريم العذراء البتول).
قالت: فضرب النجاشيّ يده إِلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: (ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود). فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: (وإِن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، فما أحبُّ أن لي دَبْرًا ذهبًا، وأنّي آذيتُ رجلًا منكم- والدَّبْر بلسان
стр. 115
الحبشةِ الجبل- ردُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله، ما أخذ الله منّي الرشوةَ حين ردَّ عليَّ مُلكي، فآخذ الرشوةَ فيه، وما أطاع الناسَ فيَّ فأطيعهم فيه).
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار (١).
تلك قصة الهجرة إِلى الحبشة، هجرة قوم انخلعوا من دنياهم وفرّوا بدينهم، قصة قوم أرادوا لأرواحهم فسحة، يعبدون الله تعالى بعيدًا عن جبروت الجبابرة والطغاة، فلم يهنأ للجبابرة حال، ولم يهدأ لهم بال، حتى سعوا إِلى إِرجاعهم وأعدّوا للأمر عدته، وأرادوا أن ينالوا من عدل النجاشي بعرض شيءٍ من حطام الدنيا له، فوقف وقفته الصادقة مع قومٍ رأى الصدق عندهم بعد أن سمع منهم، ولم يأخذهم بما قيل عنهم دون أن يسمع منهم.
وأسلم النجاشيُّ وهو في أرض الحبشة، إِذ قاده العدلُ والإِنصاف إلى الإِيمان برسول الله ﷺ ،وأنه مصدّق با جاء عيسى ﵇، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢).
стр. 116
فقد قيل: إِنّ هذه الآية نزلت في النجاشيّ وأصحابٍ له أسلموا معه (١)، قال الطبري: (إِنّ ذلك كان منهم؛ لأنّ منهم أهل اجتهاد في العبادة، وترهُّب في الديارات والصوامع، وأنّ منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحقّ إِذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إِذا تبيّنوه، لأنّهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه) (٢).
وقد صلّى النبيّ ﷺ على النجاشي، ونعاه للصحابة ﵃ يوم موته، فعن جابر ﵁، قال النبيّ ﷺ حين مات النجاشيّ: "مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلّوا على أخيكم أصحمة" (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إِلى المصلَّى، فصفَّ بهم، وكبَّر عليه أربع تكبيرات (٤).
قال ابن كثير: (وشهود أبي هريرة ﵁ الصلاة على النجاشيّ دليلٌ على أنّه إِنّما مات بعد فتح خيبر، في السنة التي قدم فيها بقيّة المهاجرين إِلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب ﵁، يوم فتح خيبر) (٥).
стр. 117
إِسلام حمزة ﵁:
وفي أثناء هذه الأحداث التي كانت تشتدّ على المسلمين من أذيّة قريش، مرّ أبو جهل يومًا برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، فلم يكلّمه النبيّ ﷺ ، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدعان تسمع، ثم انصرف عنه، فعمد إِلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلْبثْ حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحًا سيفه، راجعًا من قنص له، وكان صاحب قنص، وكان إذا رجع من قنصه بدأ بالطواف بالكعبة، وكان أعزّ فتًى من قريش، وأشده شكيمة، فلما مرّ بالمولاة قالت له: يا أبا عُمارة، ما لقي ابن أخيك آنفًا من أبي الحكم، وجده ها هنا جالسًا فآذاه وسبّه وبلغ منه، ولم يكلّمه محمَّد. فاحتمل حمزةَ الغضبُ، لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لأبي جهل، فلما رآه جالسًا في القوم أقبل نحوه، حتى إِذا قام على رأسه رفع القوسَ، فضربه بها، فشجّه شجّةً منكرة، ثم قال: أتشتمه! فأنا على دينه، أقول ما يقول، فرُدّ عليَّ ذلك إِن استطعت.
فقامتْ رجالٌ من بني مخزوم إِلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فوالله لقد سببتُ ابن أخيه سبَّا قبيحًا.
وتمَّ حمزةُ على إِسلامه، فلما أسلم، عرفتْ قريشٌ أن رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأنّ حمزة ﵁ سيمنعه، فكفُّهوا بعض الشيء (١).
إِنّ التحدي والحميّة هي التي دفعت بحمزة إِلى إِعلان إِسلامه، فقد كان يحلم أنّه لا أغيظ لأبي جهل منه، ولكن الله تعالى منّ عليه بالهداية، واطمأن قلب حمزة إِلى الإِسلام، فكانت مفتاحًا له إِلى الخير، الذي نال به لقب سيد الشهداء، وكان إسلامه سببًا في رفعة هذا الدين ونصرة أتباعه.
стр. 118
إِسلام عمر ﵁:
كان النبيّ ﷺ يتشوّف لإِسلام عمر بن الخطاب لما يرجوه بإِسلامه من خيرٍ للإِسلام والمسلمين، فكان يدعو: "اللهم أعزّ الإِسلام بأحبّ الرجلين إِليك؛ بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام" (١). وكان أحبُّهما إليه عمر بن الخطاب، قال ابن إِسحاق: (وكان إِسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله ﷺ إِلى الحبشة) (٢).
ومن أشهر ما يُروى في قصة إِسلامه أنّه خرج ﵁ يومًا متقلدًا سيفه، فلقيه رجل من بني عدي، فقال له: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا. قال: فكيفى تأمن في بني عبد مناف، وقد قتلت محمدًا؟ فقال: ما أراك إِلا قد صبوت. قال: أفلا أدلُّك على العجب، إِن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك. فمشى عمر فأتاهما، وعندهما خباب، فلما سممع بحسّ عمر توارى في البيت، فدخل فقال: ما هذه الهينمة؟ -أي القراءة- وكانوا يقرءون (سورة طه)، قالا: حديثًا تحدثناه بيننا. قال: لعلكما قد صبوتما؟ فقال له ختنُه: يا عمر، إِن كان الحق في غير دينك. فوثب عليه فوطئه وطئًا شديدًا، فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحة بيده فدمّى وجهها، فقالت وهي غضبى: وإن كان الحق في غير دينك إِني أشهد أن لا إِله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال عمر: أعطوني الكتابَ الذي هو عندكم فأقرأه. وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت له أخته: إِنك رجسٌ، وإِنه لا يمسه إِلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ ﴿طه﴾ حتَى انتهى إِلى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
فقال عمر: دلّونى على محمَّد، فلما سمع خباب قول عمر خرج. فقال: أبشر يا عمر
стр. 119
فإِني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: اللهم أعزّ الإِسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام. وكان رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا. -دار الأرقم بن أبي الأرقم- فانطلق عمر حتى أتى الدار، وعلى بابها حمزة، وطلحة، وناس، فقال حمزة: هذا عمر، إِن يُرْدِ الله به خيرًا يُسْلِم، وإن يُرْد غير ذلك يكن قتلُه علينا هيّنًا .. والنبيُّ ﷺ داخلٌ يُوحى إِليه، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: ما أنت منتهٍ يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة؟ فقال عمر: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأنك عبد الله ورسوله. فكبّر رسول الله تكبيرة عرف أهل الدار أن عمر أسلم (١).
قال سعيد بن المسيّب: أسلم عمر بعد أربعين رجلًا وعشر نسوة، فلما أسلم ظهر الإسلام بمكة (٢).
وهذا محمولٌ على من بقي من المسلمين بعد خروج عامّتهم إِلى الحبشة (٣).
لقد وجّه ذلك الزهري عمرَ إِلى أخته وختنه، وبذلك امتصّ غضبه على الرسول ﷺ وحوّله إِلى غيره، عاملًا بمبدأ ارتكاب أخف الضررين، فكان فتح الله بإِسلام عمر، ويرجع فضل ذلك إِلى ثبات فاطمة بنت الخطاب ووقوفها في وجه أخيها معلنة التحدي، الأمر الذي كسر غضب عمر، وألان جانبه، فهدأت نفسه ﵁، وهكذا يكون أثر المرأة المسلمة في الدعوة إِلى الله ودورها الريادي.
لقد جمع الله خصال أمّة في رجل واحد، يصنع العجائب بقدرة الله تعالى، لقد
стр. 120
كان إِسلام عمر فتحًا على المسلمين، لم يكن الصحابة يقدرون أن يصلوا عند الكعبة حتى أسلم عمر، فقد قاتل قريشًا حتى صلّى عند الكعبة وصلّوا معه.
يقول عبد الله بن مسعود: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (١).
وأسلم عمر يوم أسلم علانية، صدع بها في أوجه المشركين ليعلنها عليهم ويغيضهم من أول يوم، إِظهارًا للحق والتوحيد، ودحرًا للكفر والوثنية، فعن ابن عمر ﵄ قال: لمّا أسلم عمر قال: أيُّ قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي. فغدا عليه. قال عبد الله: وغدوتُ أتبعُ أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلامٌ أعقِلُ كلّ ما رأيتُ، حتى جاءه، فقال له: أعلِمْتَ يا جميلُ أني أسلمتُ، ودخلتُ في دين محمَّد؟ قال: فوالله، ما راجعه حتى قام يجرُّ رداءه، واتّبعه عمر، واتّبعتُ أبي، حتى إِذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إِن ابن الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكنّي أسلمتُ، وشهدتُ أن لا إِله إِلَّا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله. وثاروا إِليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلَح (أي: تعب) فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنّا ثلاث مئة رجل، لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. قال: فبينما هم على ذلك، إِذ أقبل شيخٌ من قريش، عليه حُلّة حَبِرَة وقميصٌ موشَّى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: صبأ عمر. قال: فمَهْ! رجلٌ اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟ أترون بني عديٍّ يُسْلمون لكم صاحبهم هكذا؟! خلُّوا عن الرجل. قال: فوالله، لكأنّما كانوا ثوبًا كُشِط عنه (٢).
стр. 121
صحيفة المقاطعة:
في أول يوم من شهر الله المحرم سنة سبع من البعثة (١)، رأت قريشٌ؛ أنّ محمدًا ﷺ وأصحابه قد عزّوا بإِسلام حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، فساءها ذلك، وأجمعوا على أن يتعاقدوا علي بني هاشم وبني المطلب؛ ابني عبد مناف، ألَّا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم؛ حتى يُسْلِموا إِليهم رسولَ الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلقوها في سقف الكعبة.
وانحاز إِلى الشعب بنو هاشم، وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم، إِلا أبا لهب، فإِنه ظاهر قريشًا، وبقوا علي تلك الحال لا يدخل عليهم أحد نحوًا من ثلاث سنين؛ حتى جهدوا، ولم يصل إِليهم شيءٌ إِلَّا سرًّا، مستخفيًا به من أراد صلتهم من قريش، وقد كان أبو جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد معه غلامٌ يحمل قمحًا، يريد به عمَّته خديجة بنت خويلد، وهي عند رسول الله ﷺ ، ومعه في الشعب، فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إِلى بني هاشم؟! والله، لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك في مكة. فجاءه أبو البختري بن هشام، فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم. فقال له أبو البختري: طعام كان لعمّته عنده، بعثت إِليه، أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟! خلِّ سبيل الرجل. قال: فأبى أبو جهل، حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ له أبو البختري لحى بعير، فضربه به فشجّه، ووطئه وطئًا شديدًا (٢).
وكانت قريشٌ في ذلك بين راضٍ وكاره، فسعى في نقض تلك الصحيفة من كان كارهًا لها، وكان القائم في أمر ذلك هشام بن عمرو بن ربيعة، مشى في ذلك إِلى مطعم بن عدي وجماعة من قريش، فأجابوه إلى ذلك.
стр. 122
ثم أطلع اللهُ رسولَه ﷺ على أمر صحيفتهم، وأنّه أرسل عليها اللأرَضَة فأكلتْ جميع مما فيها من جَوْر وقطيعة وظلم، إِلَّا ذكرُ الله ، فأخبر بذلك عمَّه، فخرج إِلى قريش وأخبرهم أنّ ابن أخيه قد قال كذا وكذا، فإِن كان كاذبًا خلَّينا بينكم وبيته، وإِن كان صادقًا رجعتُم عن قطيعتنا وظُلْمنا، قالوا: قد أنصفتَ
فأنزلوا الصحيفة، فلمّا رأوا الأمرَ كما أخبر به رسول الله ﷺ ، ازدادوا كُفرًا إِلى كفرهم، وخرج رسول الله ﷺ ومَن معه من الشِّعب (١).
لقد بقي المسلمون ثلاث سنوات داخل الشعب، ومع ذلك الحصار الشديد أكلوا فيه أوراق الشجر، ترتفع فيه أصوات أبنائهم بالبكاء جوعًا وعطشًا، بل إِنّ سعد بن أبي وقاص بال ذات ليلة فسمع قعقعة تحته، فإِذا هي قطعة من جلد بعير، فأخذها وغسلها ثم حرقها تم سحقها؛ ثم استفّها، وشرب عليها الماء، فتقوّى بها ثلاثة أيّام (٢)، وقد ضربوا بذلك أروع الأمثلة في الثبات على الحق، والصبر على الأذى، والاعتصام بالله تعالى في الشدة،
وإِن وقوف طائفة من المشركين مع المسلمين لدليل على أن المسلمين كانوا في نظر هذه الطائفة أهلًا للمعروف ومحلًا للكرامة، لجميل أخلاقهم وصدق تعاملهم، كما أن أولئك المشركين لديهم من سلامة الفطرة واحترام أواصر القربى ما دفعهم لذلك الموقف.
ثم خرج بنو هاشم وبنو المطلب من شعبهم؛ وكان ذلك في السنة العاشرة من البعثة (٣)، وحصل الصلح برغمٍ من أبي جهل عمرو بن هشام، واتصل الخبر بالذين هم بالحبشة أنّ قريشًا أسلموا، فقدم مكةَ منهم جماعةٌ فوجدوا البلاء والشدة كما كانا،
стр. 123
فاستمروا بمكة إِلى أن هاجروا إِلى المدينة، إِلا السكران بن عمرو زوج سودة بنت زمعة، فإِنّه مات بعد مقدمه من الحبشة بمكة قبل الهجرة إِلى المدينة، وإِلا سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، فإِنهما احتبسا مستضعفين، وإِلا عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى، فإِنه حُبِس، فلما كان يوم بدر هرب من المشركين إِلى المسلمين (١).
ومن جملة الأخبار التي حملت بعض المهاجرين في أرض الحبشة إِلى العودة إِلى مكة ظنًّا منهم بأن أهلها قد أسلموا أنّ النبيّ ﷺ تلا على قريش يومًا سورة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فأخذتهم روعة التنزيل، وقوة البيان، حتى إِذا بلغ النبيّ ﷺ قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (٢)؛ سجد، فسجد المشركون مأخوذين بروعة القرآن وقوة تأثيره، فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قرأ النبيّ ﷺ النجم بمكة، فسجد فيها، وسجد من معه، غير شيخ أخذ كفًّا من حصًى أو تراب، فرفعه إِلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. فرأيتُه بعدُ قُتِل كافرًا (٣).
فظنّ الناقل لمّا رأى المشركين قد سجدوا متابعةً لرسول الله ﷺ ، أنهم أسلموا واصطلحوا معه، ولم يبق نزاع بينهم، فطار الخبر بذلك، وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها، فظنوا صحة ذلك، فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك، وثبتت جماعة، وكلاهما محسن مصيبٌ فيما فعل.
وكان العائدون قرابة ثلاثة وثلاثين رجلًا، منهم: أبو سلمة وزوجه ﵄ (٤).
стр. 124
موت أبي طالب عمّ النبيّ ﷺ :
ثم هلك أبو طالب قبل الهجرة النبوية بثلاث سنين، وهي السنة نفسها التي توفيت فيها خديجة بنت خويلد زوج النبيّ ﷺ (١)، ولمّا حضرت أبا طالب الوفاةُ، دخل عليه النبيّ ﷺ فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله ابن أبي أميّة بن المغيرة، مؤكدين بهذا الحضور تفانيهم في الدفاع عن باطلهم، واغتنامهم الفرص للهجوم على المعتقدات التي يرون أنها تهدد باطلهم. فقال له النبيّ ﷺ : يا عمّ، قل: لا إِله إِلَّا الله، أحاجُّ لك بها عند الله. فقالا: أيْ أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمة أن قال: على ملة عبد المطلب. وقد حزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا، إِذ كان حريصًا على إسلام عمّه، حتى إِنه قال بعد أن حال الموت بين عمّه وبين كلمة التوحيد: "لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك"، فجاء النهي عن الاستغفار لأبي طالب والعتب على الحزن الشديد على فوات من لم يرد الله هدايته لحكمة يعلمها فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣).
وآية التوبة لم تنزل في حق أبي طالب خاصة لأنها مدنية، وإِنما المراد أنها عامة في حق أبي طالب وغيره، أما الآية الثانية فقد نزلت في حق أبي طالب، وهذه الآية وسبب نزولها يؤكدان أن أبا طالب لم يمت على الإِسلام، ويشيران إِلى ضعف رواية ابن إِسحاق: أن
стр. 125
العباس نظر إِلى أبي طالب فرآه يحرك شفتيه فأصغى إِليه، فقال: (يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها) (١).
وكان أبو طالب شقيق عبد الله والد رسول الله ﷺ ، ولذلك أوصى به عبد المطلب عند موته فكفله إِلى أن كبُر، وكان يذبُّ عن النبيّ ﷺ ويردُّ عنه كل من يؤذيه، وهو مقيم على دين قومه، وأخباره في حياطة النبي والذب عنه معروفة مشهورة، وممّا اشتهر من شعره في ذلك قوله:
والله لن يصلوا إِليك بجمعهم ... حتى أوسّدَ في التراب دفينا (٢)
وقوله:
كذبتم وبيتِ اللهِ نُبْزى محمدًا ... ولمَّا نقاتل حولَه ونناضلُ (٣)
ولم تكن قريش تنال من النبيّ ﷺ ما تريد حتى مات أبو طالب (٤).
موت خديجة بنت خويلد زوج النبيّ ﷺ :
وماتت بعد أبي طالب، خديجة ﵂ التي كانت وزير صدق على الإِسلام، وكان ﷺ يسكن إِليها، وهي أول من أسلم.
وتوفيت ﵂ بمكة، ودفنت بالحجون، وعاشت خمسًا وستين سنة، قضت منها أربعًا وعشرين سنة مع النبيّ ﷺ (٥).
قالت عائشة ﵂: (ما غِرتُ على امرأة ما غرت على خديجة، ممّا كنتُ أسمع من ذكر رسول الله ﷺ لها، وما تزوّجني إِلا بعد موتها بثلاث سنين (٦).
стр. 126
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبيّ ﷺ ، فقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إِناءٌ فيه إِدام -أو طعام، أو شراب- فإِذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشِّرْها ببيتٍ في الجنّة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" (١).
قال السهيلي: وإِنّما بشّرها ببيت في الجنّة من قصب، أي: لؤلؤ؛ لأنّها حازت قصب السَّبْق إِلى الإِيمان. لا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها لم ترفع صوتها على النبي ﷺ ، ولم تُتْعبه يومًا من الدهر، فلم تصخب عليه يومًا، ولا آذته أبدًا (٢).
وكان النبيّ ﷺ على بعد عهده بها، لا يزال يذكر صوتها، قالت عائشة ﵂: استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك (٣)، فقال: "اللهم هالة بنت خويلد". فغرتُ، فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرًا منها (٤).
فقال النبيّ ﷺ : "ما أبدلني الله خيرًا منها، قد آمنتْ بي إِذ كفر بي الناس، وصدَّقتني إِذ كذبني الناس، وواستني بمالها إِذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إِذ حرمني أولاد النساء" (٥).
وقال البيهقيّ: (بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام، ذكره أبو عبد الله بن منده في كتاب المعرفة، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ) (٦).
стр. 127
ومع فقده ﷺ لهذين الحاميين، إِلَّا أنّه لم يضعف وقريش تكشر له عن أنيابها، ولم يتراجع عن دعوته، بل امتدت دعوته إِلى خارج مكة، وشرع يبحث عن أرض أخرى تقبل دعوته، وتنصر دين الله تعالى.
دروس وعبر:
١ - التضحية في سبيل الله حفاظًا على الدين.
٢ - جواز الهجرة من بلد الشرك إِلى بلد الشرك والكفر إِذا كان في ذلك مصلحة للدين، وقد سَمّى الله فعلهم ذلك هجرة شرعية ومدحهم بها.
٣ - جواز اللجوء إِلى غير المسلم والدخول في حمايته، إِذا لم يترتب على ذلك مضرة على الدين وحصل فيها نفع.
٤ - بلاغة خطبة جعفر ﵁ حيث اشتملت على كشف مساوئ الجاهلية، وبيان محاسن الإِسلام.
٥ - كل شدة يعقبها فرج، فبعد خروج المهاجرين إِلى الحبشة أسلم حمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب، فاعتز المسلمون في مكة بإِسلامهم، واستطاعوا المجاهرة به حتى صلوا بالمسجد الحرام علانية.
٦ - الحصار الاقتصادي سلاح يلجأ إِليه الأعداء لإِلحاق الضرر بالمسلمين، ولكن رسول الله ﷺ وأصحابه صبروا وثبتوا على دينهم حتى انتهى الحصار رغم طول المدة، فخرجوا من المحنة أقوى مما كانوا.
٧ - فقد النبي ﷺ نصيرين لهما مكانة عنده وأثر في الدفاع عنه، ومع ذلك استمر على طريقته ومنهجه في الدعوة، بل تطلع إِلى الانتشار خارج مكة، فبدأ يدعوا في المواسم، وخرج إِلى الطائف لطلب النصرة ونشر الدين وتبليغه.
стр. 128
خروج النبيّ ﷺ إلى الطائف
لما نُقِضَتِ الصحيفةُ وخرج المسلمون من الحصار وافق موتُ أبي طالب، موتُ خديجةَ ﵂ فاشتد البلاء على رسول الله ﷺ من سفهاء قومه، واجترؤوا عليه، وكاشفوه بالأذى، فخرج رسول الله ﷺ إِلى الطائف رجاء أن يؤوه وينصروه على قومه، ويمنعوه منهم، ودعاهم إِلى الله ، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرًا، وآذوه أذًى عظيمًا لم ينل قومه منه أكثر مّما نالوا منه، وكان معه مولاه زيد بن حارثة، وكان قد عمد إِلى نفرٍ من ثقيف، ثم سادات ثقيف وأشرافهم، وهم إِخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إِليهم، فدعاهم إِلى الله، وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال أحدهم: هو يمرطُ ثياب الكعبة إِن كان الله قد أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا ليرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلَّمك أبدًا؛ لئِن كنتَ رسولًا من الله كما تقول؛ لأنت أعظم خطرًا من أن أردَّ عليك الكلام، ولئن كنتَ تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلّمك. فقام رسول الله ﷺ من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم: "إِن فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليَّ". وقد أقام في الطائف عشرة أيام لا يدعُ أحدًا من أشرافهم إِلَّا جاءه وكلَّمه، فقالوا: اخرجْ من بلدنا. وأغْرَوا به سفهاءهم، فوقفوا له صفين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دمِيَتْ قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه شِجاج في رأسه، فانصرف راجعًا من الطائف إِلى مكة محزونًا، وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور دعاء المهموم: "اللهم إِليك أشكو ضعف قوتي، وقلّة حيلتي، وهوَاني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إِلى من تكلني، إِلى بعيد يتجهمني؟ أو إِلى عدوٍ ملَّكْتَه أمري، إِن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أُبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذُ بنور وجهك الذي
стр. 129
أشرقت له الظلمات، وصَلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرة، أن يَحُلَّ عليَّ غضبُك، أو أن ينزلَ بي سخطُكَ، لك العُتْبَى حتّى ترضى، ولا حولَ ولا قوّةَ إِلَّا بك" (١).
فلما رآه ابنا ربيعة؛ عتبة وشيبة وما لقيَ، تحرّكتْ له رحمهما، فدعوا له غلامًا نصرانيا، يقال له: عدّاس.
فقالا له: خذْ قِطْفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إِلى ذلك الرجل، فقل له يأكلْ منه. ففعل عدّاس، ثم ذهب به حتى وضعه بين يديْ رسول الله ﷺ ، ثم قال له: كُلْ. فلّما وضع رسول الله ﷺ يده فيه، قال: "بسم الله". ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله، إِنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!، فقال له رسول الله ﷺ : "ومن أيّ بلاد أنت يا عدّاس؟ وما دينك؟ ".
قال: نصرانيّ، وأنا من أهل نينوى. فقال له رسول الله ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ ". فقال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟! فقال رسول الله ﷺ : "ذاك أخي، كان نبيَّا وأنا نبيٌّ". فأكبَّ عداسٌ على رسول الله ﷺ يقبِّل رأسه ويديه وقدميه.
فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أمّا غلامك؛ فقد أفسده عليك! فلمّا جاءهما عدّاس قالا له: ويلك يا عدّاس، مالك تقبِّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي، ما في الأرض شيءٌ خيرٌ من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إِلَّا نبيٌّ. قالا له: ويحك يا عدّاس، لا يصرفنّك عن دينك، فإِنّ دينك خيرٌ من دينه (٢).
стр. 130
لقد كان موقف ثقيف شديدًا على النبيّ ﷺ ، تأثّر منهم تأثّرًا بالغًا، ولكنه لجأ إِلى الله بذلك الدعاء المأثور، بل إِن أحداثها لم تمحها ما لحقه من المشركين يوم أحد، قالت عائشة: قلت للنبيّ ﷺ : هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة إِذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إِلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إِلَّا وأنا بقرن الثعالب (١)، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإِذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إِنّ الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إِليك ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم. فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمَّد، ذلك فيما شئتَ، إِن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبيّ ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا" (٢).
إِنّ هذا البلاء الذي تعرّض له النبيّ ﷺ ، والذي من أثره أنّه خرج هائمًا على وجهه لا يشعر بما حوله حتى بلغ قرن الثعالب لدليل على علو مكانته عند الله تعالى؛ لأنّ المرء يُبتلى على قدر دينه (٣).
стр. 131
استماع الجنّ لقراءة النبيّ ﷺ
فلما نزل بوادي نخلة اليمانية مرجعه إِلى مكة، قام يصلي من الليل، فصُرِف إِليه نفرٌ من الجنّ، فاستمعوا قراءته، ولم يشعرْ بهم رسول الله ﷺ حتى نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
هذا الذي ذكره كُتّاب السيرة النبوية أن استماع الجن لقراءته كان عند رجوعه من الطائف، والذي ذكره البخاري في صحيحه (٢)، أن استماعهم كان في أول البعثة عندما ذهب إِلى سوق عكاظ ومعه طائفة من أصحابه ولعل الحادثة تكررت.
وأقام بنخلة أيامًا، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم، وقد أخرجوك؟ فقال: "يا زيدُ، إِنّ الله جاعلٌ لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإنّ الله ناصرٌ دينه ومظهرٌ نبيّه" (٣).
فلما انتهى إِلى قرب مكة أرسل رجلًا من خُزاعة إِلى مطعم بن عدي: "أدخلُ في جوارك؟ ". فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه، فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإِنّي قد أجرْتُ محمدًا، فدخل رسولُ الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة، حتى انتهى إِلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته، فنادى: يا معشرَ قريش إِنّي قد أجرتُ محمدًا، فلا يَهِجْهُ أحدٌ منكم.
стр. 132
فانتهى رسول الله ﷺ إِلى الركن، فاسْتلمه، وصلّى ركعتين، وانصرف إِلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدِقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).
دروس وعبر:
١ - دخل رسول الله ﷺ مكة في جوار رجلٍ من أشرافها، وهو القادر على أن يأمر ملك الجبال فيطبق على أهلها الأخشبين عندما أرسله الله إِليه، إِنها المفارقة العجيبة. قريش تريد أن تفتك به، وهو يحمل لها في قلبه أملًا في أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا.
فأيّ درس يحمله هذا الموقف من النبيّ ﷺ إِلى الدعاة والمصلحين، لا انتصار للنفس، ولا تشفٍ من الخلق، بل نصح وإرشاد، وشفقة ومحبّة.
٢ - لقد كان ثمرة الصبر واللجوء إِلى الله سلسلة من الإِكرامات التي أكرم الله بها رسوله ﷺ :
أولها: إِسلام عداس ذلك الغلام النصراني.
ثانيها: إِرسال ملك الجبال إِليه ليأمره بأمره في أعدائه لكنه ﷺ صفح وصبر ورحمهم من الهلاك رغم كفرهم، ورجا الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده، فصار منهم من عبد الله فضلًا عن ذرياتهم.
ثالثها: أن الله صرف له طائفة من الجن استمعوا قراءته وآمنوا بالله وصدقوا رسوله.
رابعها: قمة الإِكرامات والفضائل من الله لرسوله، الرحلة العظيمة العجيبة في ملكوت السماوات والأرض في الإِسراء والمعراج.
стр. 133
الإسراء والمعراج
قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١).
قال الزهريّ: (أُسْريَ برسول الله ﷺ قبل خروجه إِلى المدينة بسنة) (٢).
أسْرِيَ به ﷺ بجسده يقظة لا مناما -على الصحيح من قول الصحابة والعلماء- من المسجد الحرام إِلى بيت المقدس راكبًا البُراق صحبةَ جبريل ﵇، فنزل ثَمَّ، وأمَّ بالأنبياء ببيت المقدس فصلَّى بهم (٣)، وربط البُراق بحلقة باب المسجد.
وقد عُرِجَ به تلك الليلة إِلى السماء الدنيا، ثم للتي تليها، ثم الثالثة، ثم إِلى التي تليها، ثم الخامسة، ثم التي تليها، ثم السابعة، ورأى الأنبياء في السموات على منازلهم، ثم عرج به إِلى سدرة المنتهى، ورأى عندها جبريل على الصورة التي خلقه الله عليها، وفرض الله عليه الصلوات الخمس تلك الليلة (٤).
وقد ساق الإمام البخاري حديث الإسراء والمعراج عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄: أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به: (بينما أنا في الحطيم، وربما قال في الحِجر، مضطجعا، إِذ أتاني آت قال: وسمعته يقول: فشق -ما بين هذه إِلى هذه- فقلت للجارود وهو إِلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إِلى شِعْرته، فاستخرج قلبي، ثم أُتِيت بطست من ذهب مملوءة إِيمانا، فغسل قلبي، ثم حُشي ثم أعيد، ثم أُتِيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض- فقال له الجارود: هو
стр. 134
البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يضع خطوه عند أقصى طَرْفِه، فحُمِلت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإِذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى إذا أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إِذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إِلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إِذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: أوقد أرسل إِليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إِذا إِدريس، قال: هذا إِدريس فسلم عليه فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي، حتى إِذا أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد ﷺ ، قيل: وقد أرسل إِليه، قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإِذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى إِذا أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل
стр. 135
إِليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإِذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إِلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إِليه، قال: نعم، قال: مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإِذا إِبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد السلام، قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإِذا نبقها مثل قلال هجر، وإِذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإِذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رُفِع لي البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك. ثم أُتِيت بإِناء من خمر وإناء من لبن وإِناء من عسل، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإِني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إِسرائيل أشد المعالجة، فارجع إِلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إِلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إِلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إِلى موسى فقال مثله، فرجحت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إِلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إِن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم،
стр. 136
وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إِسرائيل أشد المعالجة، فأرجع إِلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي (١).
ولما أصبح رسول الله ﷺ ، أخبرهم بما أراه الله من آياته الكبرى، فاشتد تكذيبهم له وأذاهم، واستجراؤهم عليه.
وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلَّاه الله له حتى عاينه، فطفق يخبرهم عن آياته وهو ينظر إِليه (٢).
وأخبرهم عن عِيْرِهم -أي قافلتهم- في مسراه ورجوعه، وأخبرهم عن وقت قدومها، وأخبرهم عن البعير الذي يقدُمُها، وكان الأمرُ كما قال، فلم يزدهم ذلك إِلَّا نفورًا، وأبى الظالمون إِلَّا كفورًا (٣).
دروس وعبر:
١ - لقد كانت حادثة الإِسراء والمعراج تسلية للنبيّ ﷺ مّما أصابه من فقد زوجه خديجة ﵂، وموت عمّه أبي طالب، وأذى المشركين له، وإِكرام من الله له ليريه من آياته الكبرى.
٢ - وقد كانت فتنة لبعض الناس، وعظُم تكذيب قريش له، ولم يتصورا قدرة الله وإِنما نظروا للأمر نظرة مادية، فقد كانوا يضربون أكباد الإِبل إلى بيت المقدس شهرًا، ويعودون منها شهرًا، والنبيّ ﷺ يذهب إِليها ويعود منها من ليلته!!. والذين كذبوا رسول الله ﷺ في قصة الإِسراء واستبعدوا وقوعه غفلوا عن شيء
стр. 137
مهم في الآية، فالله يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ فالله هو الذي أسرى بعبده، ولم ينسب الرسول ﷺ الإسراء إِلى نفسه، فالذي يكذب بالإسراء إِنما يطعن في قدرة الله (١).
٣ - قالت عائشة ﵂: (لمّا أُسْري بالنبيّ ﷺ إلى المسجد إلاقصى، أصبح يتحدّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممّن آمن، وسعوا إِلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنّه أُسْريَ به الليلة إِلى بيت المقدس! قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: وتصدِّقه! قال: نعم، إِني لأصدِّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدِّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة. فلذلك سُمِّي الصدِّيق) (٢).
٤ - لقد كان إِخبار النبيّ ﷺ لقريشٍ عن حادثة الإِسراء والعراج شيئًا يعجز الإِنسان عن وصفه، فقد أبان النبيّ ﷺ عن شجاعة نادرة، وقوة في الحقّ لا يخشى فيه أحدًا من الخلق.
٥ - لقد وقف ﷺ بالحجر يخبرهم عن قصته بكل ثبات، وبكل ثقة، لا يبالي من صدّقه أو كذّبه، فهو يخبر بقضيّة عاشها بكل ذرّات جسده، عاشها بكل لحظاتها، فانطلق يصفها بكل تفاصيلها، وقد أكرمه الله برفع الحجب بينه وبين بيت القدس وجلاّه له ينظر إِليه ويصفه لهم.
٦ - في اختصاص الصلاة بتشريعها في العراج بيان لمكانتها، فهي عمود الإِسلام، وكونها شرعت في أول الأمر خمسين صلاة ثم خفضت إِلى خمس صلوات في
стр. 138
الفعل، وهي خمسون صلاة في الميزان (٢). دليل على محبة الله لفعلها لما لها من الأثر في سلوك السلم، فإِنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد جعلت قرة عين رسول الله ﷺ في الصلاة.
٧ - إِن الربط بين المسجدين -المسجد الحرام والمسجد الأقصى- له دلالة عظيمة، فهما أقدم المساجد التي وضعت للناس، وبانيهما على التوحيد والإِخلاص لله هو أبو الأنبياء إِبراهيم الخليل، ومحمد النبي الخاتم وأمته هم الوارثون لها والمسئولون عنها وعن حراستها والعناية بها.
٨ - فضل موسى ﵇ على هذه الأمة ونصحه لرسول الله ﷺ وأمته حينما عرض عليه أن يعود ويراجع الله ويطلبه التخفيف، وموسى ﵇ صاحب تجربة، يقول ابن حجر: والتجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة (٢).
انشقاق القمر
من الآيات العظيمة التي أيد الله بها رسوله ﷺ انشقاق القمر، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣).
وقد أجمع المسلمون على أنها حدثت بمكة، قال عبد الله بن مسعود ﵁: انفلق القمرُ، ونحن مع رسول الله ﷺ فصارت فلقةٌ من وراء الجبل، وفلقة من دونه، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا" (٤). وعن أنس بن مالك ﵁: أنّ أهل مكة سألوا رسول
стр. 139
الله ﷺ أن يريهم آيةً، فأراهم القمر شقتين؛ حتى رأوا حراء بينهما (١).
فقالت قريشٌ: هذا سحر ابن أبي كبشة. فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السُّفار، فإِنّ محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم، فجاء السُّفار. فقالوا: ذلك صحيح (٢).
تعرضُه ﷺ للقبائل في المواسم
وجعل رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم، ويقول: "مَن رجل يحملني إِلى قومه؟ فيمنعني حتى أبلِّغ رسالة ربي، فإِنّ قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي" (٣).
وكان يقول لهم: "يا أيّها الناسُ قولوا: لا إِله إِلَّا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذِلُّ لكم بها العجمَ، فإِذا آمنتم، كنتم ملوكًا في الجنّة". وعمّه أبو لهب وراءه يقول للناس: (لا تطيعوه فإِنّه صابئ كذّاب) (٤).
فكان أحياء العرب يتحامونه لما يسمعون من قريش عنه؛ إِنه كاذب، إِنه ساحر، إِنه كاهن، إِنه شاعر، أكاذيب يقذفونه بها من تلقاء أنفسهم، فيصغي إِليهم من لا تمييز له من أحياء العرب، وكان أكثرهم يردُّون عليه أقبح الردّ، ويؤذونه، ويقولون: (أسرتُك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتّبعوك).
وأما الألباء؛ فإِنهم إِذا سمعوا كلامَه وتفهموه، شهدوا بأنّ ما يقول حقٌ، وأنهم مفترون عليه، فيسلمون (٥).
فانظر كيف السباق بين الحقّ والباطل؟ داعٍ يدعو إِلى الحق غير عابئ بسخرية
стр. 140
الساخرين، وجفاء الجافين، يريد أن يوصل الكلمة الطيّبة، ويبلغ رسالة ربّه، لا يسأم من صدودهم، ولا يضجر من أذاهم.
وداعٍ يدأب في تكذيب الحقّ، ويدور معه حيث دار، حريص على أحجاره التي يعبدها مع الله، حدِبٍ على سيادته التي أصبح رمزها هذه النصب والأصنام.
ولكن الباطل أحقر من أن يكتم صوت الحقّ، وأن يحول دون وصوله إِلى العقول الحرّة الأبيّة، فتخفق أرواحهم لدى سماعها، وتذعن أفئدتهم لصدق كلماتها.
حديث سويد بن الصامت وإِسلام إِياس بن معاذ:
كان سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف من الأوس، قد قدم مكة في السنة التاسعة من البعثة، فدعاه رسول الله ﷺ إِلى الإِسلام وتلى عليه القرآن، فلم يُبْعِدْ ولم يُجِبْ، وقال: إِن هذا القول حسن. ثم انصرف إِلى المدينة، فقُتِلَ في بعض حروبهم، وكان رجال من قومه ليقولون إِنا لنراه قد قتل وهو مسلم (١).
ثم قدم مكة في السنة العاشرة أبو الحيسر أنس بن رافع في فتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل، يطلبون الحِلْفَ لوقعة بُعاث التي وقعت بين الأوس والخزرج، فدعاهم رسول الله ﷺ إِلى الإِسلام وتلى عليهم القرآن، فقال إِياس بن معاذ وكان شابًا حدثًا: يا قوم، هذا والله خيرٌ مما جئنا له، فضربه أبو الحيسر، وانتهره، فسكت، ثم لم يتم لهم الحلف، فانصرفوا إِلى بلادهم إِلى المدينة، ثم لم يلبث إِياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبّره ويحمده ويسبّحه حتى مات، وكانوا لا يشكّون أنه مات مسلمًا، وكان قد استشعر الإِسلام من ذلك المجلس حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع، فيقال: إِن إِياس بن معاذ مات مسلمًا (٢).
стр. 141
بدء إسلام الأنصار:
وكان مما صنع الله لأنصاره من الأوس والخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة: إِنّ نبيَّا مبعوثٌ في هذا الزمن، ويتوعدونهم به إِذا حاربوهم، ويقولون: إِنّا سنقتلكم معه قتل عاد وإِرم، وكان الأنصار يحجّون البيتَ، وأمّا اليهود فلا، فلمّا رأى الأنصار رسولَ الله ﷺ يدعو الناسَ إِلى الله تعالى، ورأوا أمارات الصدق عليه، قالوا: والله، هذا الذي تُوْعِدُكم يهودُ به، فلا يسبقنّكم إِليه.
ثم إِن رسول الله ﷺ لقي عند العقبة في الموسم من السنة الحادية عشرة من البعثة نفرًا من الأنصار، كلهم من الخزرج، وهم:
١ - أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء.
٣ - رافع بن مالك بن العجلان.
٤ - قطبة بن عامر بن حديدة.
٥ - عقبة بن عامر بن نابي.
٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب.
فدعاهم رسول الله ﷺ إِلى الإِسلام فأسلموا مبادرة إِلى الخير، ثم رجعوا إِلى المدينة، فدعوا إِلى الإِسلام، ففشا الإِسلام فيها؛ حتى لم تبق دار إِلَّا وفيها ذكر للإِسلام (١).
هكذا كان انتشار الإِسلام في المدينة على يد هؤلاء الستة، فهم كانوا أول سفراء الخير في بلادهم، ظفروا بالنبيّ ﷺ دون العرب، فكانوا بداية انطلاقة جديدة للإِسلام خارج مكة.
стр. 142
بيعة العقبة الأولى:
فلما كان العام المقبل (السنة الثانية عشرة من البعثة) جاء من الأنصار اثنا عشر رجلًا؛ الستة الأوائل خلا جابر بن عبد الله بن رئاب، ومعهم سبعة هم:
١ - معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدّم.
٢ - ذكوان بن عبد قيس بن خلدة. وقد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إِنه مهاجري أنصاري.
٣ - عبادة بن الصامت بن قيس.
٤ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة.
٥ - العباس بن عبادة بن نضلة.
فهؤلاء من الخزرج، واثنان من الأوس هما:
١١ - أبو الهيثم مالك بن التيهان.
١٢ - عويم بن ساعدة.
فبايعوا رسول الله ﷺ بيعةً كبيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعدُ، فلما انصرفوا إِلى المدينة، بعث إِليهم رسول الله ﷺ مصعبَ بن عمير، يعلم من أسلم منهم القرآن، ويدعو إِلى الله ، ويؤمهم في الصلاة (١) ثم قدم عبد الله بن أم مكتوم بعد ذلك وكان له دور في الدعوة وتعليم القرآن (٢).
لقد كانت هذه البيعة تأكيدًا على تطبيق الإِسلام، حيث تضمن الالتزام بطاعة الله تعالى واجتناب معصيته؛ لأنّ هذه البيعة لها أثرٌ في البيعة التي تليها، البيعة على
стр. 143
النصرة والقتال، ذلك أن الذين لا يستطيعون الانتصار على شهواتهم وملذاتهم، ولا ينقادون إِلى الأمر والنهي، ولا يصبرون على الطاعة، والانتهاء عن المعصية، لا يمكن لهم أن ينتصروا في ميادين القتال والجهاد.
ونزل مصعب بن عمير، على أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان مصعب بن عمير يؤمّهم، ويعلمهم القرآن والإِسلام، فأسلم على يديه بشرٌ كثير، منهم: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وأسلم بإِسلامهما يؤمئذ جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء، إِلَّا الأصيرم، وهو عمرو بن ثابت بن أقيش، فإِنه تأخر إِسلامه إِلى يوم أحد، فأسلم يومئذ، وقاتل فقُتِلَ قبل أن يسجد لله سجدة، فأُخْبِرَ عنه النبيّ ﷺ ، فقال: عملَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا (١).
لقد كانت بركة هذين الرجلين: مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم على أهل المدينة عظيمةً، فاستطاعا أن يدخلا خلقًا كثيرًا في الإِسلام، بل استطاعا أن يؤثرا في ساداتهم ورؤوسهم، فلم يتخلف من قومهم أحدٌ، وهذا دليل على عمق التربية النبوية التي استطاع من خلالها أن يصنع رجالًا يحملون الإِسلام كما يحمله هو.
بيعة العقبة الثانية:
لما كثُرَ الإِسلام بالمدينة وظهر، اجتمع الانصار فقالوا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويُخاف؟ فعزموا على إِخراجه من مكة إِليهم (٢). وقدم مصعب إِلى مكة في حج السنة الثالثة عشرة من البعثة، ووافى الموسم ذلك العام خلق كثير من
стр. 144
الأنصار من المسلمين والمشركين، قال كعب بن مالك: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، فلمّا توجّهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء، إِني قد رأيتُ والله رأيًا، وإِنّي والله ما أدري توافقوني عليه، أم لا؟ قال؛ قلنا له: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البِنْيَة مني بظهرٍ -يعني: الكعبة- وأن أصلي إِليها. قال: فقلنا: والله، ما بلغنا أن نبيّنا يصلِّي إِلَّا إِلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إِنّي أصلي إِليها. قال: فقلنا له: لكنّا لا نفعل.
فكنّا إِذا حضرت الصلاة؟ صلينا إِلى الشام، وصلَّى إِلى الكعبة، حتى قدمنا مكة، قال: وقد كنّا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلَّا الإِقامة عليه، فلما قدمنا مكة، قال: يا ابن أخي، انطلق بنا إِلى رسول الله ﷺ ، فأسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإِنه والله قد وقع في نفسي منه شيءٌ لما رأيت من خلافكم إِيّاي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ ، وكنّا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلقينا رجل من أهل مكة؛، فسألناه عن رسول الله ﷺ ، فقال: هل تعرفانه؟ قال: قلنا: لا. قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمّه؟ قلنا: نعم. قال: وكنّا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا. قال: فإِذا دخلتما المسجد، فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد، فإِذا العباس جالس ورسول الله ﷺ معه جالس، فسلمنا، ثم جلسنا إِليه.
فقال رسول الله ﷺ للعباس: "هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ ". قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّدُ قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله، ما أنسى قول رسول الله ﷺ : "الشاعر؟ ". قال: نعم. قال: فقال البراء بن معرور: يا نبي الله، إِنّي خرجتُ في سفري هذا، وهداني الله للإِسلام، فرأيتُ أن لا أجعل هذه البَنيّة منّي بظهر، فصليت إِليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيءٌ، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: "لقد كنتَ على قبلة لو صبرتَ عليها".
стр. 145
قال: فرجع البراء إِلى قبلة رسول الله ﷺ ، فصلَّى معنا إِلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلَّى إِلى الكعبة، حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم.
قال: وخرجنا إِلى الحجّ، فواعدنا رسول الله ﷺ العقبةَ من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحجّ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيّد من ساداتنا، وكنّا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إِنّك سيّد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإِنّا نرغب بك عمّا أنت فيه: أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعوته إِلى الإِسلام، وأخبرته بميعاد رسول الله ﷺ ؛ فأسلم، وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا فى رحالنا؛ حتى إِذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائهم، نسيبة بنت كعب أم عمارة إِحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إِحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع.
قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ ؛ حتى جاءنا، ومعه يومئذ عمّه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إِلَّا أنّه أحبّ أن يحضر أمرَ ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أوّلَ متكلم، فقال: يا معشر الخزرج -قال: وكانت العرب ممّا يسمّون هذا الحي من الأنصار الخزرج؛ أوسها وخزرجها- إِنّ محمدا منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عزٍّ من قومه، ومنعة في بلده. قال: فقلنا: قد سمعنا ما قلتَ، فتكلَّمْ يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن ودعا إِلى الله ، ورَغّب في الإِسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". قال: فأخذ البراء