بدء إسلام الأنصار:
وكان مما صنع الله لأنصاره من الأوس والخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة: إِنّ نبيَّا مبعوثٌ في هذا الزمن، ويتوعدونهم به إِذا حاربوهم، ويقولون: إِنّا سنقتلكم معه قتل عاد وإِرم، وكان الأنصار يحجّون البيتَ، وأمّا اليهود فلا، فلمّا رأى الأنصار رسولَ الله ﷺ يدعو الناسَ إِلى الله تعالى، ورأوا أمارات الصدق عليه، قالوا: والله، هذا الذي تُوْعِدُكم يهودُ به، فلا يسبقنّكم إِليه.
ثم إِن رسول الله ﷺ لقي عند العقبة في الموسم من السنة الحادية عشرة من البعثة نفرًا من الأنصار، كلهم من الخزرج، وهم:
١ - أبو أمامة أسعد بن زرارة بن عدس.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعة وهو ابن عفراء.
٣ - رافع بن مالك بن العجلان.
٤ - قطبة بن عامر بن حديدة.
٥ - عقبة بن عامر بن نابي.
٦ - جابر بن عبد الله بن رئاب.
فدعاهم رسول الله ﷺ إِلى الإِسلام فأسلموا مبادرة إِلى الخير، ثم رجعوا إِلى المدينة، فدعوا إِلى الإِسلام، ففشا الإِسلام فيها؛ حتى لم تبق دار إِلَّا وفيها ذكر للإِسلام (١).
هكذا كان انتشار الإِسلام في المدينة على يد هؤلاء الستة، فهم كانوا أول سفراء الخير في بلادهم، ظفروا بالنبيّ ﷺ دون العرب، فكانوا بداية انطلاقة جديدة للإِسلام خارج مكة.
стр. 142
بيعة العقبة الأولى:
فلما كان العام المقبل (السنة الثانية عشرة من البعثة) جاء من الأنصار اثنا عشر رجلًا؛ الستة الأوائل خلا جابر بن عبد الله بن رئاب، ومعهم سبعة هم:
١ - معاذ بن الحارث بن رفاعة أخو عوف المتقدّم.
٢ - ذكوان بن عبد قيس بن خلدة. وقد أقام ذكوان هذا بمكة حتى هاجر إلى المدينة، فيقال: إِنه مهاجري أنصاري.
٣ - عبادة بن الصامت بن قيس.
٤ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة.
٥ - العباس بن عبادة بن نضلة.
فهؤلاء من الخزرج، واثنان من الأوس هما:
١١ - أبو الهيثم مالك بن التيهان.
١٢ - عويم بن ساعدة.
فبايعوا رسول الله ﷺ بيعةً كبيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعدُ، فلما انصرفوا إِلى المدينة، بعث إِليهم رسول الله ﷺ مصعبَ بن عمير، يعلم من أسلم منهم القرآن، ويدعو إِلى الله ، ويؤمهم في الصلاة (١) ثم قدم عبد الله بن أم مكتوم بعد ذلك وكان له دور في الدعوة وتعليم القرآن (٢).
لقد كانت هذه البيعة تأكيدًا على تطبيق الإِسلام، حيث تضمن الالتزام بطاعة الله تعالى واجتناب معصيته؛ لأنّ هذه البيعة لها أثرٌ في البيعة التي تليها، البيعة على
стр. 143
النصرة والقتال، ذلك أن الذين لا يستطيعون الانتصار على شهواتهم وملذاتهم، ولا ينقادون إِلى الأمر والنهي، ولا يصبرون على الطاعة، والانتهاء عن المعصية، لا يمكن لهم أن ينتصروا في ميادين القتال والجهاد.
ونزل مصعب بن عمير، على أبي أمامة أسعد بن زرارة، وكان مصعب بن عمير يؤمّهم، ويعلمهم القرآن والإِسلام، فأسلم على يديه بشرٌ كثير، منهم: أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وأسلم بإِسلامهما يؤمئذ جميع بني عبد الأشهل الرجال والنساء، إِلَّا الأصيرم، وهو عمرو بن ثابت بن أقيش، فإِنه تأخر إِسلامه إِلى يوم أحد، فأسلم يومئذ، وقاتل فقُتِلَ قبل أن يسجد لله سجدة، فأُخْبِرَ عنه النبيّ ﷺ ، فقال: عملَ قليلًا، وأُجِرَ كثيرًا (١).
لقد كانت بركة هذين الرجلين: مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم على أهل المدينة عظيمةً، فاستطاعا أن يدخلا خلقًا كثيرًا في الإِسلام، بل استطاعا أن يؤثرا في ساداتهم ورؤوسهم، فلم يتخلف من قومهم أحدٌ، وهذا دليل على عمق التربية النبوية التي استطاع من خلالها أن يصنع رجالًا يحملون الإِسلام كما يحمله هو.
بيعة العقبة الثانية:
لما كثُرَ الإِسلام بالمدينة وظهر، اجتمع الانصار فقالوا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويُخاف؟ فعزموا على إِخراجه من مكة إِليهم (٢). وقدم مصعب إِلى مكة في حج السنة الثالثة عشرة من البعثة، ووافى الموسم ذلك العام خلق كثير من
стр. 144
الأنصار من المسلمين والمشركين، قال كعب بن مالك: خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيدنا، فلمّا توجّهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء، إِني قد رأيتُ والله رأيًا، وإِنّي والله ما أدري توافقوني عليه، أم لا؟ قال؛ قلنا له: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البِنْيَة مني بظهرٍ -يعني: الكعبة- وأن أصلي إِليها. قال: فقلنا: والله، ما بلغنا أن نبيّنا يصلِّي إِلَّا إِلى الشام، وما نريد أن نخالفه. فقال: إِنّي أصلي إِليها. قال: فقلنا له: لكنّا لا نفعل.
فكنّا إِذا حضرت الصلاة؟ صلينا إِلى الشام، وصلَّى إِلى الكعبة، حتى قدمنا مكة، قال: وقد كنّا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلَّا الإِقامة عليه، فلما قدمنا مكة، قال: يا ابن أخي، انطلق بنا إِلى رسول الله ﷺ ، فأسأله عمّا صنعتُ في سفري هذا، فإِنه والله قد وقع في نفسي منه شيءٌ لما رأيت من خلافكم إِيّاي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ ، وكنّا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلقينا رجل من أهل مكة؛، فسألناه عن رسول الله ﷺ ، فقال: هل تعرفانه؟ قال: قلنا: لا. قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمّه؟ قلنا: نعم. قال: وكنّا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا. قال: فإِذا دخلتما المسجد، فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد، فإِذا العباس جالس ورسول الله ﷺ معه جالس، فسلمنا، ثم جلسنا إِليه.
فقال رسول الله ﷺ للعباس: "هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ ". قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّدُ قومه، وهذا كعب بن مالك. قال: فوالله، ما أنسى قول رسول الله ﷺ : "الشاعر؟ ". قال: نعم. قال: فقال البراء بن معرور: يا نبي الله، إِنّي خرجتُ في سفري هذا، وهداني الله للإِسلام، فرأيتُ أن لا أجعل هذه البَنيّة منّي بظهر، فصليت إِليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك؛ حتى وقع في نفسي من ذلك شيءٌ، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: "لقد كنتَ على قبلة لو صبرتَ عليها".
стр. 145
قال: فرجع البراء إِلى قبلة رسول الله ﷺ ، فصلَّى معنا إِلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلَّى إِلى الكعبة، حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم.
قال: وخرجنا إِلى الحجّ، فواعدنا رسول الله ﷺ العقبةَ من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحجّ، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيّد من ساداتنا، وكنّا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إِنّك سيّد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإِنّا نرغب بك عمّا أنت فيه: أن تكون حطبًا للنار غدًا. ثم دعوته إِلى الإِسلام، وأخبرته بميعاد رسول الله ﷺ ؛ فأسلم، وشهد معنا العقبة، وكان نقيبًا. قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا فى رحالنا؛ حتى إِذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائهم، نسيبة بنت كعب أم عمارة إِحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن ثابت إِحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع.
قال: فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ ؛ حتى جاءنا، ومعه يومئذ عمّه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إِلَّا أنّه أحبّ أن يحضر أمرَ ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلسنا كان العباس بن عبد المطلب أوّلَ متكلم، فقال: يا معشر الخزرج -قال: وكانت العرب ممّا يسمّون هذا الحي من الأنصار الخزرج؛ أوسها وخزرجها- إِنّ محمدا منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا فيه، وهو في عزٍّ من قومه، ومنعة في بلده. قال: فقلنا: قد سمعنا ما قلتَ، فتكلَّمْ يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن ودعا إِلى الله ، ورَغّب في الإِسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". قال: فأخذ البراء
стр. 146
بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق، لنمنعنك ممّا نمنع منه أزرنا، فبايعْنا يا رسول الله، فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر.
قال: فاعترض القولَ -والبراء يُكلِّم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التيهان حليف بني عبد الأشهل، فقال: يا رسول الله، إِنّ بيننا وبن الرجال حبالًا، وإِنّا قاطعوها -يعني: العهود- فهل عسيتَ إِن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله: أن ترجع إِلى قومك، وتدعنا قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
وقد قال رسول الله ﷺ : "أخْرِجوا إِليَّ منكم اثني عشر نقيبًا، يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا منهم، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس (١).
قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم تتابع القوم، فلما بايعنا رسول الله ﷺ ؛صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب -والجباجب: المنازل- هل لكم في مذمم والصباة معه، قد أجمعوا على حربكم. فقال رسول الله ﷺ : "هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب، اسمع أيْ عدوَ الله، أما والله لأفرغنّ لك". ثم قال رسول الله ﷺ : "ارجعوا إِلى رحالكم". قال: فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق، لئن شئتَ لنميلنّ على أهل مني غدًا بأسيافنا. قال: فقال رسول الله ﷺ : "لم أومر بذلك".
قال: فرجعنا فنمنا، حتى أصبحنا، فلما أصبحنا، غدت علينا جلّة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إِنّه قد بلغنا أنّكم قد جئتم إِلى صاحبنا
стр. 147
هذا، تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، والله، إِنّه ما من العرب أحدٌ أبغض إِلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم. قال: فانبعث مَن هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منّا. قال: فبعضنا ينظر إِلى بعض، قال: وقام القوم، وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وعليه نعلان جديدان، قال: فقلتُ كلمة كأنّي أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا، ما تستطيع يا أبا جابر، وأنت سيد من ساداتنا: أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟. فسمعها الحارث فخلعهما، ثم رمى بهما إِليَّ، فقال: والله، لتنتعلنهما. قال: يقول أبو جابر: أحفظتَ والله الفتى، فارددْ عليه نعليه. قال: فقلتُ: والله لا أردهما فأل والله صالح، والله لئِن صدق الفأل لأسلبنّه (١).
ومن حديث البيعة أنّ رسول الله ﷺ قال لهم: "تبايعوني على السمع والطاعة، في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إِذا قدمتُ عليكم، وتمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنّة"، فقاموا ليبايعوه، فأخذ بيده أسعدُ بن زرارة، وهو أصغر السبعين، فقال: (رويدًا يا أهل يثرب، إِنّا لم نضرِبْ إِليه أكباد المطيّ إِلَّا ونحنُ نعلمُ إِنه رسول الله، وإن إِخراجَه اليومَ مفارقةُ العرب كافّة، وقتلُ خياركم، وأن تعضّكم السيوفُ، فإِمّا أن تصبروا على ذلك، فخذوه، وأجركُم على الله، وإمّا أنتم تخافون من أنفسكم خيفةً فذروه، فهو أعذرُ لكم عند الله)، فقالوا: يا أسعدُ، أمطْ عنّا يدَك، فوالله لا نقيل هذه البيعة، ولا نستقيلها)، فقاموا إِليه رجلًا رجلا، فأخذ عليهم وشرط، يعطيهم بذلك الجنّة) (٢).
стр. 148
هكذا تمت البيعة بسرّية تامة، ثم تتبعت قريش الخبر فثبت عندهم، ورحل البراء بن معرور فتقدَّم إِلى بطن يأجج، وتلاحق أصحابه من المسلمين، وتطلبتهم قريشٌ، فأدركوا سعدَ بن عبادة، فربطوا يديه إِلى عنقه بنسع رَحْلِه، وجعلوا يضربونه ويجرّونه، ويجذبونه بجمَّته؛ حتى أدخلوه مكةَ، فجاء مطعم بن عدي، والحارث بن حرب بن أميَّة، فخلَّصاه من أيديهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه: أن يكرُّوا إِليه، فإِذا سعدٌ قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعًا إِلى المدينه (١).
دروس وعبر:
١ - نلاحظ أن النبي ﷺ أثناء لقاءاته بوفود العرب وعرض الإِسلام عليهم يبدأ بتلاوة القرآن الكريم وهذا منهج ينبغي الانتباه له في الدعوة إِلى الله والمحاضرات والخطب في مواضعه المناسبة، فإِن كلام الله له أثر عظيم في النفوس قال تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (٣).
وقال جبير بن مطعم: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير (٤).
وكان جبير وقتها على شركه (٥).
٢ - كان رسول الله ﷺ يقول للناس وهو يتجول على القبائل في المواسم [يأيها
стр. 149
الناس قولوا لا إِله إِلا الله تفلحوا] فالبدء بالتوحيد وتعليم العقيدة والحث على مكارم الأخلاق هو المقدم كما فعل رسول الله ﷺ ، وكما تنزل القرآن عليه في مكة؛ لأن التكاليف وقبول التشريعات ثمرة للعقيدة وفرع عنها؛ فإِذا استقرت العقيدة في النفوس وقوي الإيمان واستقامت الأخلاق، حصلت الاستجابة والرضا والمسارعة إِلى تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي.
٣ - في استجابة الأنصار للدعوة واستعدادهم لحماية الرسول ﷺ بيان فضلهم وحكمة من الله بأن هذا الدين لايقوم على العصبية القبلية فقبيلته قريش وبلده مكة تخرجه ويجد عند غيرهم نصرة ومأوى.
٤ - إِنّ الدعاة إِلى الله تعالى بحاجة إِلى الحماية في دعوتهم من أذى أهل الباطل والإِفساد، فهذا خير البشر، المؤيّد من الله بملائكته وجنده، يطلب حماية الأنصار له، فغيره من باب أولى وهذا من اتخاذ الأسباب المأمور بها.
٥ - لقد كان الأنصار يعلمون وهم يعقدون هذه البيعة أن العرب سترميهم عن قوس واحدة، ولكنهم طلبوا الجنّة، ودفعوا مهرها، فكم للأنصار من أيام، ويوم بيعة العقبة من أيامهم الخالدة.
٦ - كبح جماح العاطفة والحماس والعجلة تحقيقا للمصلحة الشرعية، فعندما استأذن الأنصار النبي ﷺ أن يميلوا على أهل منى منعهم ﷺ وقال: لم أومر بذلك.
стр. 150
الفصل الثالث: الهجرة وترتيب أوضاع المدينة النبوية
стр. 151
الهجرة وترتيب أوضاع المدينة النبوية
الهجرة إِلى المدينة النبوية:
أذنَ النبيّ ﷺ للمسلمين من أهل مكة بعد بيعة العقبة الثانية في الهجرة إِلى المدينة، وقال لهم: "إِني أُريتُ دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين" (١). وهما الحرتان.
وكان من أسباب الهجرة (٢):
١ - وقوع البلاء والاضطهاد على المسلمين في مكة.
٢ - مخافة الفتنة في الدين.
٣ - وجود حماية للدعوة بعد بيعة العقبة الثانية.
٤ - تكذيب قريش للنبي ﷺ وإخراجه من مكة.
فهاجر من هاجر إِلى المدينة حين أذن بذلك رسول الله ﷺ ، ورجع إِلى المدينة بعض من كان هاجر إِلى أرض الحبشة، وتجهَّز أبو بكر مهاجرًا، فقال له رسول ال ﷺ : "علّي رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". قال أبو بكر: هل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: "نعم".
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعَلّف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر (٣).
فبادر المسلمون إِلى الهجرة، فكان أول من خرج إِلى المدينة من أهل مكة: أبو سلمة بن عبد الأسد هو وامرأته أم سلمة، وكان قد قدم من الحبشة إِلى مكة، فآذته قريشٌ،
стр. 152
فبادر بالهجرة إِلى المدينة من حين أذن النبيّ ﷺ ، ولكن أمّ سلمة احتبست دونه، ومُنِعَتْ من اللحاق به، وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد سنةٍ بولدها إِلى المدينة، وشيعها عثمان بن طلحة من مكة إِلى أن رأت بلدة قباء بالمدينة، ثم تركها وعاد إِلى مكة، وذلك قبل إِسلامه فرضي الله عنه (١). ثم خرج الناس أرسالًا يتبعُ بعضهم بعضًا.
هجرة رسول الله ﷺ :
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٢). قال قتادة: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، المدينة: ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، الهجرة من مكة: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾، كتاب الله وفرائضه وحدوده (٣).
لم يبق من المسلمين في مكة إِلَّا رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعليّ رضي الله تعالى عنهما -أقاما بأمره لهما- وخلا من اعتقله المشركون كرها، وقد أعّد أبو بكر ﵁ جهازه وجهاز رسول الله ﷺ منتظرًا؛ حتى يأذن الله لرسوله ﷺ في الخروج.
فلمّا رأى المشركون أصحابَ رسول الله قد تجهزوا، وخرجوا، وحملوا وساقوا الذراري والأطفال والأموال إِلى الأوس والخزرج، وعرفوا أنّ الدارَ دارُ مَنَعَة، وأنّ القومَ أهلُ حَلْقة وشوكة وبأس؛ خافوا خروجَ رسولِ الله إِليهم، ولحوقه بهم، فيشتد عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلفْ أحدٌ من أهل الرأيّ والحِجَا منهم؛ ليتشاوروا في أمره، وحضرهم وليُّهم إِبليسُ في صورة شيخ كبير من أهل نجد (٤)
стр. 153
مشتمل الصماء (١)، فتذاكروا أمرَ رسول الله، فأشار كل أحد منهم برأيّ، والشيخ يردُّه ولا يرضاه، إِلى أن قال أبو جهل: (قد فُرِقَ لي فيه رأيٌّ ما أراكم قد وقعتم عليه). قالوا: ما هو؟ قال: (أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريشٍ غلامًا نهدًا جلدًا، ثم نعطيه سيفًا صارمًا، فيضربونه ضربةَ رجل واحد، فيتفرق دمُه في القبائل، فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك كيف تصنع، ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق إِليهم ديته).
قال الشيخ: (لله درّ الفتى، هذا والله الرأيّ). قال: فاجتمعوا على ذلك. فجاءه جبريل بالوحي من عند ربه ﵎، فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليله (٢)، وجاء رسول الله إِلى أبي بكر نصف النهار -في ساعة لم يكن يأتيه فيها- متقنِعًا، فقال له: "أَخْرِجْ مَن عندك". فقال: (إِنّما هم أهلُك يا رسول الله). فقال: إِنّ الله قد أذن لي في الخروج.
فقال أبو بكر: (الصحابةَ يا رسول الله). فقال رسول الله: "نعم". فقال أبو بكر: (فخذ بأبي وأمي إِحدى راحلتى هاتين). فقال رسول الله: "بالثمن" (٣).
وأمر عليًّا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب، ويرصدونه، ويريدون بياته، ويأتمرون أيّهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله عليهم، فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذره على رؤوسهم، وهم لا يرونه.
ثم خلص إِلى بيت أبي بكر ﵁، فخرجا عن خوخة في دار أبي بكر ليلًا، وقد استأجرا عبد الله بن أريقط الليثي، وكان هاديًا خِريتًا ماهرًا بالدلالة إِلى أرض المدينة، وأمناه على ذلك، مع أنّه كان على دين قومه، وسلَّما إِليه راحلتيهما، وواعداه
стр. 154
بعد ثلاث، وذهبا إِلى غار ثور، وقد أعمى الله على قريش خبرهما، فلم يدروا أين ذهبا، وكان عامر بن فهيرة يريح عليهما غنمًا لأبي بكر، وكانت أسماء بنت أبي بكر تحمل لهما الزاد إِلى الغار، قالت عائشة ﵂: (وجهّزناهما أحب الجهاز، ووضعْنا لهم سُفْرة في جِراب، فقطعتْ أسماء بنت أبي بكر قطعةً من نِطاقها، فأوْكَتْ به الجِراب، وقطعتِ الأُخرى فصيّرتها عِصامًا لفم القربة، فلذلك لُقِّبتْ بذات النطاقين (١).
وكان عبد الله بن أبي بكر يتسمَّع ما يقال بمكة، ثم يذهب إِليهما بذلك، فيحترزان منه، وجاء المشركون في طلبهما إِلى ثور، وما هناك من الأماكن؛ حتى إِنهم مروا على باب الغار، وحاذت أقدامهم رسول الله ﷺ وصاحبه وعمَّى الله عليهم باب الغار (٢).
وحزن أبو بكر رضي الله تعالى عنه لشدة حرصه، حين مرّ المشركون، وقال: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر موضع قدميه، لرآنا. فقال له النبيّ ﷺ : "يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله ثالثهما" (٣).
ولما كان بعد الثلاث أتى ابن أريقط بالراحلتين، فركباهما، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة، وسار الدليل أمامهما على راحلته، وعين الله تكلؤهما، وتأييده يصحبهما، وإِسعاده يرحلهما ويُنزلهما.
ولما يئس المشركون من الظّفر بهما؛ جعلت قريش لمن جاء بهما دية كل واحد منهما، أي: مائةً من الإِبل، فجدّ الناسُ في الطلب، والله غالب على أمره، فلمّا مرّوا بحيٍّ من مدلج مصعدين من قديد، بصر بهم رجلٌ من الحيّ، فوقف على الحيّ فقال: (لقد رأيتُ آنفًا أسوِدةً ما أُراها إِلا محمدًا وأصحابَه)، ففطِنَ بالأمرِ سراقةُ بن مالك بن جعشم سيّد
стр. 155
مدلج، فأراد أن يكون الظفر له خاصة، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه، فقال: (بل هم فلان وفلان، خرجا في طلب حاجة لهم)، ثم مكث قليلًا، ثم قام فدخل خِباءَه، وقال لخادمه: (اُخْرُجْ بالفرس من وراء الخباء، وموعدك وراء الأكمة)، ثم أخذ رمحه، وخفض عاليه يخطُّ به الأرض حتى ركب فرسَه، وسار في طلبهم، فلما قرب منهم، سمع قراءة النبي ﷺ ، وأبو بكر ﵁ يكثر الالتفات حذرًا على رسول الله ﷺ ، وهو ﷺ لا يلتفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هذا رجل قد رهقنا. فدعا عليه رسول الله ﷺ فساخت يدا فرسه في الأرض، فقال: رُمِيتُ إِن الذي أصابني بدعائكما، فادعوَا الله لي، ولكما عليّ أن أردَّ الناسَ عنكما، فدعا له رسول الله ﷺ ، فأُطْلِق، وسأل رسول الله ﷺ أن يكتبَ له كتابًا، فكتب له أبو بكر في أدم، وعرض عليهما الحملان والزاد، ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ها هنا (١).
وكان أول النهار جاهدًا عليهما، وآخره حارسًا لهما.
وقد جاء مسلمًا عام حجة الوداع، ودفع إِلى رسول الله ﷺ الكتابَ الذي كتبه له، فوفَّى له رسول الله ﷺ بما وعده، وهو لذلك أهلٌ.
في خيمة أمّ معبد:
ومرّ رسول الله ﷺ في مسيره ذلك بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزةً جلْدةٌ تحتبي بفناء الخيمة، ثم تُطْعم وتسقي من مرّ بها، فسألاها: هل عندك شيءٌ؟ فقالت: والله، لو كان عندنا شيءٌ ما أعُوزَكم القِرَى، والشاء عازبٌ.
وكانت سنة شهباء، فنظر رسول الله ﷺ إِلى شاةٍ في كِسْرِ الخيمة (٢)، فقال: ما هذه
стр. 156
الشاةُ يا أمّ معبد؟. قالت: هي أجهدُ شاةٍ، خلفها الجَهْدُ عن الغنم. فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهدُ من ذلك. فقال: هل تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي وأمي، إِن رأيتَ بها حَلْبًا فاحلُبْها.
فمسحَ رسول الله ﷺ بيده ضَرْعها، وسمّى الله ودعا، فتفاجّت عليه (١)، ودرّت، فدعا بإِناء لها يُرْبض الرَّهطَ، فحلب فيه حتى علته الرّغوة، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا، حتى ملأ الإِناء، ثم غادره عندها، فارتحلوا، فقلّما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا، يتساوكن هُزالًا (٢)، فلما رأى اللبن، عجِب، فقال: من أين لك هذا، والشاة عازب؟ ولا حلوبة في البيت؟ فقالت: لا والله، إِلَّا أنّه مرّ بنا رجلٌ مبارك، كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا. قال: والله إِني لأُراه صاحبَ قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد. قالت: ظاهرُ الوضاءة (٣)، أبلج الوجه (٤)، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة (٥)، ولم تزر به صعله (٦)، وسيم قسيم (٧)، في عينيه دَعَج (٨)، وفي أشفاره وَطَف (٩)، وفي
стр. 157
صوته صحل (١)، وفي عنقه سطع (٢)، أحور أكحل، أزج أقرن (٣)، شديد سواد الشعر، إِذا صمت علاه الوقار، وإِن تكلم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصلٌ لا نزر ولا هذر، كأنّ منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة، لا تقحمه عين من قصر، ولا تشنؤه من طول، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إِذا قال، استمعوا لقوله، وإِذا أمر، تبادروا إِلى أمره، محفود محشود (٤)، لا عابس ولا مفند (٥).
فقال أبو معبد: والله، هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إِن وجدت إِلى ذلك سبيلًا.
وأصبح صوتٌ بمكة عاليًا، يسمعونه ولا يرون القائل:
جزى الله رب العرش خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمَّد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسؤدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإِنائها ... فإِنكم إن تسألوا الشاء تشهد
قالت أسماء بنت أبي بكر: ما درينا أين توجّه رسولُ الله ﷺ حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه، ويسمعون صوته ولا يرونه؛
стр. 158
حتى خرج من أعلاها. قالت: فلما سمعنا قوله؛ عرفنا حيث توجه رسول الله، وأن وجهه إِلى المدينة (١).
ذكر البخاري بعض المواقف في طريق الهجرة، منها أنهم لقوا بعض المسافرين ورجال القبائل الذين يسكنون في طريق الهجرة، وهم يعرفون أبا بكر لسفره بالتجارة ولا يعرفون رسول الله ﷺ ، فيسألونه من هذا الرجل الذي معك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال فيحسب الحاسب أنه إِنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير (٢).
ومنها أنهم لقوا الزبير بن العوام في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضا (٣).
دروس وعبر:
١ - عداوة المشركين والشياطين للحق وأهله، وأنهم لما عجزوا عن مواجهة الحجة بالحجة لجأوا إِلى منطق القوة والتأمر لتصفية رأس الدعوة وقتله.
٢ - حفظ الله لرسوله ﷺ ورعايته له حيث أطلعه على مؤامرتهم، وأمره أن لا يبيت في فراشه تلك الليلة التي تواعدوا فيها للغدر به.
٣ - التخطيط الدقيق للإِفلات من مؤامرة الأعداء، والأخذ بالأسباب المشروعة وهذا لا ينافي التوكل على الله.
٤ - في الهجرة منقبة عظيمة لأبي بكر الصديق حيث اختاره رسول الله ﷺ ليكون رفيقه في الهجرة، وأيضًا منقبة لعلي بن أبي طالب الذي تعرض للمخاطر
стр. 159
ونام في فراش النبي ﷺ غير مبال بما يصيبه في سبيل نجاة رسول الله ﷺ من الخطر.
٥ - الهجرة حدث عظيم في تاريخ الأمة ولهذا أرخ بها المسلمون تاريخهم، ولم يكن انتقال الصحابة من أرضهم سياحة وإِنما خرجوا قسرا إِلى أرض ذات وباء تاركين أموالهم وأولادهم وأرضهم، لكن الله عوضهم خيرا، فصححها لهم وبارك لهم في مُدِّها وصاعِها.
٦ - أمانة المسلم ونظافة سلوكه جعلت المشركين يضعون ما يخافون عليه أمانة عند رسول الله ﷺ ، وقد وفي رسول الله بذمته ولم يغدر بهم وهم أعداء، وقد أبقى عليًا ليرد الأمانات التي عنده إِلى أهلها.
٧ - من قول أبي بكر الصديق ﵁: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. وقول رسول الله ﷺ : ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ندرك مصداق قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ (١)، فالوهن مزروع في كيد الكافر، ولا يمكن فصل الوهن من كيده، فالكفرة هنا بذلوا كل ما يستطيعون وأعلنوا الجوائز، وتسابق الناس يبحثون عن الرسول ﷺ وأبي بكر ﵁ طمعا في الجائزة، فقلبوا الحجارة وصعدوا الجبال وهبطوا الأودية حتى وقفوا على باب الغار، فصرفهم الله جل شأنه فلم يبصروهم وقد وقفوا عليهم (٢).
٨ - بقاء رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام، وهو تجويف في الجبل مظلم موحش، مأوى للحشرات والهوام، ومع ذلك كان في طمأنينة وسكينة؛ لأن طمأنينة المؤمن في قلبه وسكينته في نفسه، ومتى استقر الإيمان وانشرح الصدر تحول
стр. 160
الغار وكأنه قصر شامخ منيف يطل على الناس من علو، ومتى افتقد صاحب القصر الإِيمان أصبح قصره أضيق عليه من قبره.
٩ - في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ .... الآية﴾ (١)، فما النصر؟ إِن النصر الذي يحتفي به القرآن هو النصر المرتبط بتحقيق أهداف أخروية، والمسلم لا يرى هذه الدنيا إِلا وسيلة لتحقيق النصر الذي يرفع منزلته في الآخرة، وهذا النصر هو الذي تقوم به العدالة في الدنيا وتستقيم الحياة وتطمئن النفوس، والنصر قسمان:
الأول: نصر المسلمين إِذا طمعوا في عدوهم، فيتم الله لهم ما طلبوا ويظهروا عليهم.
الثاني: نصر المستضعف الذي طمع فيه عدوه القادر، فنصر الله له أن يرد عنه عدوه. وهذا النصر هو أنفع النصرين، ونصر الله لرسوله ﷺ أذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين
من هذا النوع (٢).
دخوله ﵊ المدينة:
لقد بلغ الأنصار مخرجُه من مكة، وقصدُه إِيّاهم، فكانوا كلّ يوم يخرجون إِلى الحرّة ينتظرونه أولَ النهار، فإِذا اشتد حرُّ الشمس رجعوا إِلى منازلهم، فلما كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من نبوته ﷺ ، وافاهم رسول الله ﷺ حين اشتدّ الضحى، بعد أن رجعوا إِلى بيوتهم، وكان أولَ من بصر به رجلٌ من اليهود، وكان على سطح أطمة له (أي حصن)، فنادى بأعلى صوته: يا بني قيلة، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون.
فبادر الأنصار إِلى السلاح ليتلقَّوا رسول الله ﷺ ، وسُمِعَت الرجّة والتكبير في بني
стр. 161
عمرو ابن عوف، وكبَّر المسلمون فرحًا بقدومه، وخرجوا للقائه، فتلقّوْهُ وحيَّوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مطيفين حولَه، والسكينة تغشاه، والوحي ينزِل عليه، فسار حتى نزل ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم. وجاء المسلمون يسلِّمون على رسول الله ﷺ ، وأكثرهم لم يره بعدُ، وكان بعضهم أو أكثرهم يظنُّه أبا بكر لكثرة شيبة، فلما اشتدَّ الحرُّ قام أبو بكر بثوب يُظلِلُ على رسول الله ﷺ ، فتحقق الناسُ حينئذ رسولَ الله ﵊ (١).
وكان النبيُّ ﷺ قد خرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين (٢)، واستغرقت الهجرة النبوية الشريفة خمسة عشر يومًا، قضى منها ﷺ ثلاثة أيّام في غار ثور متخفيًا (٣).
استقراره ﵊ بالدينة:
فأقام رسول الله ﷺ بقباء أربعة عشر يومًا، وأسس مسجد قباء، ثم ركب بأمر الله تعالى فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلاّها في المسجد الذي في بطن رانونا (٤)، ورغب إِليه أهلُ تلك الدار أن ينزل عليهم، فقال: "دعوها، فإِنّها مأمورة"، فلم تزل ناقته سائرة به لا تمرّ بدار من دور الأنصار، إِلَّا رغبوا إِليه في النزول عليهم، فيقول: "دعوها، فإِنّها مأمورة".
فلما جاءت موضع مسجدِه اليومَ بركت، ولم ينزل عنها ﷺ ، حتى نهضت وسارت قليلًا، ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها ﷺ ، وذلك في دار
стр. 162
بني النجار، فحمل أبو أيوب ﵁ رحلَ رسول الله ﷺ إِلى منزله (١)، ولما سأل رسول الله ﷺ عن رحله قيل عند أبي أيوب فقال: "المرءُ مع رحله" (٢).
قال البراء: "أوّل من قدم علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وابن أمّ مكتوم، فجعلا يقرئان الناسَ القرآن، ثم جاء عمّار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب ﵁ في عشرين راكبًا، ثم جاء رسول الله ﷺ ، فما رأيتُ الناسَ فرحوا بشيءٍ كفرحِهِم به؛ حتى رأيتُ النساء والصبيان والإِماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء" (٣).
وقال أنسُ بن مالك: "شهدتُه -أي: النبيّ ﷺ يوم دخل المدينة فما رأيتُ يومًا قطُّ كان أحسن ولا أضوأَ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدتُه يوم مات، فما رأيتُ يومًا قطُّ كان أقبح ولا أظلمَ من يوم مات" (٤).
فأقام في منزل أبي أيوب سبعة أشهر (٥)؛ حتى بني حجره ومسجده، وبعث رسول الله ﷺ وهو في منزل أبي أيوبَ- زيدَ بن حارثة، وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمس مئة درهم إِلى مكة، فقدما عليه بفاطمة، وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد وأمّه أم أيمن.
وأما زينب بنت رسول الله ﷺ فبقيت مع زوجها أبو العاص بن الربيع، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان (٦).
стр. 163
تنظيم المجتمع وبناء المؤسسات
لما استقر النبي ﷺ بالمدينة النبوية أخذ في تنظيم أمور المجتع وبناء مؤسساته الإِدارية والعلمية والاجتماعية التي تضمن له الأمن والاستقرار داخليا وخارجيا فكان من ذلك.
١ - بناء المسجد:
بركت ناقة النبي ﷺ في موضع مسجده، وكانت مأمورة كما قال ﷺ ، والمكان مربد لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، فساوَم رسولُ الله الغلامين بالمربد ليتَّخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. فأبي رسول الله، فابتاعه منهما (١). وكان فيه شجر غرقد وخِرَب ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله بالقبور فنبشت، وبالخرب فسُوِّيت، وبالنخل والشجر فقطعت، وصُفَّت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إِلى مؤخره مئة ذراع، والجانبين مثل ذلك، أو دونه، وجعل أساسه قريبًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللِّبن، وجعل رسول الله يبني معهم، وينقل اللّبنْ والحجارة بنفسه، ويقول:
اللهم لا عيش إِلا عيش الآخرةْ ... فاغفر للأنصار والمهاجرةْ
وكان يقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبرُّ رَبَّنا وأطهر
وجعلوا يرتجزون، وهم ينقلون اللِّبن، ويقول بعضهم في رجزه:
لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل
وجعل قبلته إِلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، بابا في مؤخره، وبابا يقال
стр. 164
له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله، وجعل عمده الجذوع، وسقفه بالجريد. وبنى إِلى جنبه بيوت أزواجه باللِّبن، وسقفها بالجريد والجذوع، فلما فرغ من البناء؛ بني بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، وهو مكان حجرته اليوم، وجعل لسودة بنت زمعة بيتًا آخر (١).
وهكذا شرفتْ المد ينة بهجرة النبيّ ﷺ إِليها، وسكناه ﵊ بها، فصارت كهفًا لأولياء الله وعباده الصالحين، ومعقلًا وحصنًا منيعًا للمسلمين، ودار هدًى للعالمين، قال رسول الله ﷺ : "إِنّ الإِيمان ليأرز إِلى المدينة كما تأرز الحيّة إِلى جحرها" (٢).
وقال ﷺ : "أمرتُ بقرية تأكل القُرى، يقولون: يثرب. وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد" (٣).
٢ - المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).
لقد آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار ليوجد التآلف بينهم، ويرفع عن المهاجرين أثر الغربة، ويحصل لهم الارتفاق مع إِخوانهم الأنصار، ومن ذلك ما كان في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار (٥)، آخى بينهم
стр. 165
على المواساة، وكانوا يتوارثون بهذه المؤاخاة بعد الموت دون ذوي الأرحام إِلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله : ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) ردّ التوارث إِلى الرحم دون عقد الأخوة (٢).
وقد كانت استجابة الأنصار لعقد المؤاخاة من أيّام الأنصار الخالدة، وكم للأنصار من أيّام؟!، قال أنس بن مالك: قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبيّ ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاريّ، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك؛ دلّني على السوق. فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبيّ ﷺ بعد أيام، وعليه وضر من صفرة، فقال النبي ﷺ : (مهيم يا عبد الرحمن؟). قال: يا رسول الله، تزوجت امرأة من الأنصار. قال: (فما سقت فيها؟). فقال: وزن نواة من ذهب. فقال النبيّ ﷺ : (أوْلِم ولو بشاة) (٣)،
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبيّ ﷺ : اقْسِمْ بيننا وبين إِخواننا النخيل. قال: "لا". فقال: "تكفونا المئونة، ونشرككم في الثمرة". قالوا: سمعنا وأطعنا (٤).
وعن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلًا من كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كلّه. قال: "لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم لهم" (٥).
٣ - موادعة اليهود في المدينة
وادع رسول الله ﷺ مَن بالمدينة من اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، أعطاهم فيه الآمان على النفس والمال والعرض، ما أحبوا البقاء، وبهذا توفر الأمن الداخلي للمجتمع
стр. 166
بكل طوائفه. وكان اليهود بالمدينة ثلاث قبائل؛ بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. ولكنهم نقضوا العهد قبيلة بعد الأخرى، وحاربوه ﷺ فمنَّ على بني قينقاع، وأجلاهم، كما أجلى بني النضير، ونزلت فيهم سورة الحشر، وقتل المقاتلة من بني قريظة، وسبى ذريتهم؛ لأنهم غدروا في ميدان المعركة، ونزلت فيهم سورة الأحزاب (١). وهذا هو منهج الإِسلام في معاملة غير المسلمين؛ لهم الأمن والأمان ما لم يحدث منهم ما يخل بالعهد والميثاق.
وقد تضمنت الوثيقة بنودًا عدّة، منها:
١ - أنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين .
وفي هذا إِلزام اليهود بدفع قسط من نفقات الحرب الدفاعية عن المدينة لاشتراكهم في الوطن.
٢ - أن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين .
وفي هذا تحديد للعلاقة مع المتهوِّدين من الأوس والخزرج؛ وقد نسبتهم الوثيقة إِلى عشائرهم، وأقرّت حلفهم مع المسلمين.
٣ - لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم .
وفي هذا إِقرار لهم على دينهم الذي كانوا عليه. وعدم إِكراههم على الدين الإسلامي.
٤ - إِلا من ظلم وأثم، فإِنّه لا يوتغ إِلا نفسه وأهل بيته .
وفي هذا تحديد المسؤولية عن الجرائم، وحصرها على مرتكبيها.
٥ - أنّه لا تُجار قريشٌ ولا من نصرها .
стр. 167
وفي هذا بيان بأن الدولة الإِسلامية في ذلك الوقت تحارب قريشًا، فلا يجار أحد منهم أو من ناصرهم على المسلمين.
٦ - وإنّه لا يأثم امرؤ بحليفه .
وفي هذا تحديد أن العقوبة لا تتجاوز مرتكبها إِلى حلفائه، وهو مبدأ قصر العقوبة على مرتكبيها.
٧ - وإِن النصر للمظلوم .
في هذا محاربة للظلم وتقرير للعدل.
٨ - وإِنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة .
وفي هذا إِشاعة للأمن الداخلي، ومنع الحروب الأهلية.
٩ - وأنه لا يخرج أحد من اليهود إِلا بإِذن النبيّ ﷺ .
وهذا القيد على تحركاتهم يستهدف منعهم من القيام بأي نشاط عسكري خارج المدينة؛ لأنّه يؤثر على أمن الدولة الإِسلامية الاقتصادي وسلمها الاجتماعي (١).
٤ - كتابة عهد وميثاق ينظم علاقة المسلمين بعضهم ببعض:
وذلك لبيان المسؤليات وتحديد الواجبات والحقوق على كل طرف، وقد نصت وثيقة العهد على أنها بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، وأنهم أمة واحدة من دون الناس (٢). وبهذا النص أحل النبي ﷺ رابطة الدين والعقيدة محل رابطة النسب والقبيلة كجامع عام، مع الإِبقاء على العلاقات والروابط من النسب، والحلف الذي لا يتعارض مع الرابطة الأساس (الإيمان والعقيدة).
стр. 168
وأشارت الوثيقة إِلى التعاون على البر والتقوى، ونصرة المظلوم، وإِطعام الجائع، وأن تتعاقل كل قبيلة معاقلهم الأولى، وختمت بأن كل خلاف يقع بين أهل هذه الصحيفة فإِن مرجعه إِلى النبي ﷺ .
٥ - تأسيس الجيش الإسلامي:
من المؤسسات التي أقامها رسول الله ﷺ بعد قدومه المدينة العمل على تأسيس الجيش الإِسلامي الذي يحفظ للأمة هيبتها، ويصون كرامتها، ويسهم في نشر دين الله في الأرض، وقتال الكفار المعاندين، حيث بدأ رسول الله ﷺ بعد أقل من سنة من استقراره بالمدينة في إِرسال السرايا، وقيادة الغزوات لنشر الدعوة، وعقد المعاهدات مع القبائل المحيطة بالمدينة لتوفير الأمن الخارجي لسكان المدينة من المسلمين وغيرهم، وكسب الخبرات العسكرية بالتدريب العملي، ودراسة أوضاع المنطقة لمعرفة مسالكها وقدراتها ومواردها وغير ذلك من المنافع والأغراض التي استفاد منها المسلمون عند المواجهة مع العدو. وقد جاءت هذه الخطوة في أعقاب الهجرة النبوية حيث أذن الله للمسلمين بجهاد الأعداء وشرع لهم القتال، وجعله كتابًا مفروضا قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... الآية﴾ (١).
دروس وعبر:
١ - محبة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ فقد كانوا يخرجون كل يوم ينظرون مقدمه ولا يعودون حتى يشتد عليهم حر الشمس، يقول البراء ﵁: فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ ، حتى جعل الإماء
стр. 169
يقلن: قدم رسول الله، هذا رسول الله" (١).
٢ - نزول رسول الله ﷺ في قباء على كلثوم بن الهدم لأنه كبيرهم. وهذا من حسن الخلق واحترام ذوي الهيئات.
٣ - حسن اعتذار رسول الله ﷺ من زعماء قبائل الأنصار الذين طلبوا منه النزول عندهم، فكان يقول: "خلوا سبيلها فإِنها مأمورة". أي من الله وهي معجزة ظاهرة ولا تصرف له مع أمر الله، وبهذا يرضَى الجميع.
٤ - المبادرة إِلى بناء المسجد لأنه أهم المؤسسات الإِسلامية، ففيه تقام الصلاة جماعة، ويؤدي وظيفة تعليمية وتوجيهية واجتماعية.
٥ - المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، دليل على شمول الإِسلام لأمور الدين والدنيا، ففيها الاهتمام بعلاقة المسلم بأخيه المسلم، وكان غايتها كما يقول السهيلي: ليذهب عن المهاجرين وحشة الغربة، ويؤنسهم من مفارقة إلأهل والعشيرة، ويشد أزر بعضهم ببعض (٢). والمؤاخاة بين المؤمنين من أعظم النعم التي يذكر بها القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (٣)، فنعمة الأخوة ونعمة الإِيمان التي أنقذهم الله بها من النار هي أعظم النعم.
٦ - في عقد المؤاخاة ظهر فضل الأنصار وكرمهم ومواساتهم لإِخوانهم من المهاجرين، بل تعدوا ذلك إِلى الإيثار ولو كان بهم خصاصة، فاستحقوا ثناء الله ومدحه لهم.
стр. 170
٧ - في المعاهدة التي كتبها النبيّ ﷺ مع اليهود يظهر كمال التشريع الإِسلامي الذي ينظم علاقة المسلم مع غير المسلمين الذين يعيشون داخل المجتمع الإِسلامي أو خارجه، كما نظم علاقة المسلم بربه وعلاقته بإِخوانه المسلمين.
٨ - وفاء رسول الله ﷺ حيث التزم بالعهد، قابله خبث اليهود وسوء طويتهم وعداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين، فقد تتابعوا على الغدر ونقض العهد قبيلة بعد أخرى في زمن وجيز، وقد لاقوا ثمرة غدرهم ونقضهم جزاء وفاقا لسوء عملهم (١).
٩ - إخراج الرسول ﷺ لليهود كان بعد وقوع الغدر منهم والإِخلال بالعهد الذي وافقوا عليه.
أحداث السنة الأولى من الهجرة
١ - إسلام عبد الله بن سلام حبر اليهود
قال عبد الله بن سلام: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَله، قالوا: قدم رسول الله ﷺ . فجئتُ لأنظر، فلما رأيتُه عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذّاب. فكان أول شيءٍ سمعتُه منه أن قال: أيها الناس، أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصِلوا الأرحام، وصلَّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنّة بسلام (٢).
فقد بادر حبر اليهود وعالمهم عبد الله بن سلام، بالمجيء إِلى النبيَّ ﷺ أوّل مقدمه المدينة، فقال: إِني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إِلَّا نبيّ، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إِلى أبيه أو إِلى أمه؟ قال ﷺ "أخبرني بهن
стр. 171
جبريل آنفًا". قال: جبريل؟ قال: "نعم". قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة. فقرأ ﷺ هذه الآية ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) "أمّا أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إِلى المغرب، وأمّا أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وإِذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت". قال: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إِن اليهود قومٌ بُهتٌ، وإِنهم إِن يعلموا بإِسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبيّ ﷺ : "أيّ رجل عبد الله فيكم؟ ". قالوا: خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا. قال: "أرأيتم إِن أسلم عبد الله بن سلام". فقالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إِله إِلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا. وانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله (٢).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) قال سعد بن أبي وقاص ﵁: نزلت في عبد الله بن سلام ﵁ (٤).
٢ - موت أسعد بن زُرارة نقيب بني النجّار .
مات أسعد بن زرارة ﵁ في شوال بعد مقدم النبيّ ﷺ المدينة بسبعة أشهر (٥)، توفي قبل أن يفرغ من بناء المسجد.
وهو أول من جمّع بالمدينة في نقيع الخَضِمات في هَزْمِ النّبيت (٦).
стр. 172
ولم يجعلْ النبيُّ ﷺ لبني النجار نقيبًا، وقال: أنا نقيبكم (١)، فكان من فضل بني النجار الذي يعتدون به على قومهم، أن كان رسول الله ﷺ نقيبهم (٢).
٣ - مولد عبد الله بن الزبير بن العوام:
ولد عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي في شوال من السنة الأولى من الهجرة، فكان أول مولود في الإِسلام من المهاجرين، كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد في الإِسلام للأنصار ﵄ (٣).
قالت أسماء بنت أبي بكر: (خرجت وأنا متمٌّ، فأتيت المدينة فنزلت بقباء، فولدته بقباء، ثم أتيتُ به النبيَّ ﷺ فوضعته في حِجْره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيءٍ دخل جوفَه ريقُ رسول الله ﷺ ، ثم حنَّكه بتمرة، ثم دعا له، وبرَّك عليه، وكان أول مولود ولد في الإِسلام) (٤).
وقد فرح به المسلمون فرحًا عظيمًا، وضجت المدينة بالتكبير يوم مولده، ذلك أن اليهود زعموا أنهم سحروا المهاجرين، حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد، فأكذب الله اليهود فيما زعموا (٥).
٤ - بناؤه ﷺ بعائشة ﵂:
وبنى رسول الله ﷺ بعائشة في شوال من هذه السنة.
قالت عائشة ﵂: (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأيّ نساء رسول الله ﷺ كان أحظى عنده منّي) (٦). وكانت تستحب زفاف نسائها في
стр. 173
شوال؛ لأن العرب كانت تتشاءم من الزواج في شوال، فأرادت عائشة ﵂ أن تبطل هذه العادة والخرافة.
٥ - زيادة ركعتين في صلاة الحضر:
قال ابن جرير: (وفي السنة الأولى من الهجرة زيد في صلاة الحضر، فيما قيل: ركعتان، وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين، وذلك بعد مقدم النبيّ ﷺ بشهر، في ربيع الآخر لمضيّ اثنتي عشرة ليلة منه) (١).
وعن عائشة ﵂: (فرضت الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، فأُقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر) (٢).
٦ - تشريع الأذان:
كانوا يجتمعون للصلاة في مواقيتها من غير نداء لها، فتفوت الصلاة بعضهم، ثم تشاوروا في ذلك، وذكروا أن اليهود والنصارى يضربون بالبوق والأجراس، وكره رسول الله ﷺ ذلك ثم اتفقوا على أن يبعثوا مناديًا إِذا حضرت الصلاة يدعو لها بقوله: الصلاة، الصلاة (٣)، ثم إِن عبد الله بن زيد أُري الأذان في المنام فجاء إِلى رسول الله ﷺ وأخبره، فقال رسول الله ﷺ : هذه رؤيا حق، قم فالقه إِلى بلال فليؤذن به، فإِنه أندى منك صوتًا. فعلمه بلال وأخذ يؤذن به (٤)، وبهذا شرع الأذان الذي هو من أهم شعائر المسلمين الظاهرة.
وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينة وقبل وقعة بدر بشهرين (١).
قال محمَّد بن كعب القرظي: ما خالف نبيٌّ نبيًّا قطّ في قبلة، ولا في سُنَّة إِلَّا أنّ رسول الله ﷺ استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا. ثم قرأ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... الآية﴾ (٢).
وكان لله في جعل القبلة إِلى بيت المقدس، ثم تحويلها إِلى الكعبة، حِكَمٌ عظيمة، ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.
فأمّا المسلمون، فقالوا: سمعنا وأطعنا: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ... الآية﴾ (٣) وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم.
وأمّا المشركون، فقالوا: كما رجع إِلى قبلتنا (أي الكعبة)؛ يوشك أن يرجع إِلى ديننا، وما رجع إِليها إِلَّا أنّه الحقّ.
وأمّا اليهود؛ فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبيَّا لكان يصلي إِلى قبلة الأنبياء. وأمّا المنافقون؛ فقالوا: ما يدري محمَّد أين يتوجّه، إِن كانت الأولى حقَّا فقد تركها، وإِن كانت الثانية هي الحق؛ فقد كان على باطل.
وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله تعالى.: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (٤)، وكانت محنة من الله امتحن بها عباده، ليرى من يتبع الرسول منهم ممن ينقلب على عقبيه (٥).
стр. 176
وكان أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إِلى الكعبة في مسجده هي صلاة العصر كما في حديث البراء في الصحيح (١). ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلّى أنها الظهر (٢).
وخرج رجل بعد أن صلى مع رسول الله ﷺ إِلى الكعبة فمر على أهل مسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبلَ مكة، فداروا كما هم قِبلَ البيت (٣). وهذا المسجد هو مسجد القبلتين، فقد صليت فيه صلاة واحدة إِلى قبلتين مختلفتين. أما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر بتحويل القبلة إِلا في صلاة الفجر من اليوم الثاني كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إِذا جاءهم آت فقال: إِن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنٌ، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة (٤).
٢ - فرض صيام شهر رمضان:
الصيام ركن من أركان الإِسلام، وهو مفروض على الأمم السابقة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥)، وكان تشريع الصيام جاء متدرجا، فأول ما قدم النبي ﷺ المدينة كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إِن الله فرض عليه صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، وكان صيامه أول الأمر على التخيير بين الصيام، والإطعام من
стр. 177
شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ثم إِن الله تعالى أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، فأثبت وجوب صيامه على المقيم الصحيح ورخّص فيه للمريض والمسافر على أن يصوم من أيام أخر، وأثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان -أي حالتان- وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون زوجاتهم ما لم يناموا، فإِذا ناموا امتنعوا بن ذلك حتى تغرب شمس اليوم الثاني، ثم أنزل الله التخفيف في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... الآية﴾ (٣)، وبهذا استقر تشريع صيام شهر رمضان على اليسر ورفع الحرج والحمد لله رب العالمين (٤).
٣ - فرض الزكاة ذات الأنصبة:
الزكاة هي إخراج جزء محدد من المال، وفق شروط وضوابط، وصرفه لأهل الزكاة وهم ثمانية أصناف ذكرهم الله في كتابه فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥)، فالزكاة ركن من أركان الإِسلام، وهي من شرائع
стр. 178
الأنبياء السابقين، وورد الأمر بها في العهد المكي لكن من غير تحديد لمقدار ما يخرج ولا الأموال التي تخرج منها الزكاة، وبعد الهجرة في السنة الثانية في شهر رمضان شرعت الزكاة في الأموال بأنصبتها وتفصيلاتها، وكذا زكاة الفطر على الأبدان (١).
٤ - وفاة رقية بنت النبي ﷺ وزواج عثمان بأختيها أم كلثوم
وكان ذلك في شهر رمضان، وقد خَلّف النبيُّ ﷺ عثمانَ لتمريضها ولم يخرج معه إِلى بدر، وقد اعتبر رسول الله ﷺ عثمان من أهل بدر وضرب له بسهمه في غنائم بدر، وأجره عند الله يوم القيامة. وبعد وفاتها زوّجه النبيُ ﷺ بأختها أم كلثوم.
٥ - زواج علي بن أبي طالب من فاطمة بنت النبي ﷺ
كان ذلك في أواخر السنة الثانية بعد وقعة بدر لما ورد في الصحيحين (٢) من إِعطاء النبي ﷺ لعلي شارفا (أي جملا) من الغنيمة، وآخر من الخمس، وأراد علي ﵁ أن يبني بفاطمة ﵂. وكان يرحل الشارفين ويأتي عليهما بالأذخر ليجمع نفقة الزواج، ففي سنن أبي داوود (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: لما تزوج علي فاطمة ﵄ قال له رسول الله ﷺ : "أعطها شيئًا، قال: ما عندي شيء. قال: أين درعك الحطمية؟ فأعطاها درعه. وروى البيهقي في الدلائل (٤) وأحمد في المسند (٥) عن علي، أن رسول الله ﷺ جهز فاطمة في خميل، وقربة، ووسادة من أدم حشوها أذخر.
قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلي حسنًا وحسينا ومحسّنا -مات صغيرا- وأم كلثوم وزينب (٦).
стр. 179
دورس وعبر:
١ - التدرج في التشريع من يسر الشريعة ورفع الحرج فيها، فكانت الصلاة ركعتين طرفي النهار، ثم صارت خمس صلوات بعد الإِسراء والمعراج، ثم بعد الهجرة إِلى المدينة أُتمت صلاة المقيم أربع ركعات، صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة العشاء، وثلاث ركعات صلاة المغرب لأنها بمثابة الوتر لصلاة النهار، وبقيت الفجر كما هي.
٢ - قال الإِمام النووي: ذكر العلماء في حكمة الأذان للصلاة أربعة أشياء: إِظهار شعائر الإِسلام وكلمة التوحيد، والإِعلام بدخول الوقت، وبمكانها، والدعاء إِلى الجماعة (١).
٣ - عظمة الأذان وفضله لما اشتمل عليه من مسائل التوحيد ونفي الشرك، وإِثبات الرسالة للنبي محمد ﷺ ، والدعوة إِلى الصلاة وشهود الجماعة والفلاح. ولذا شُرِع لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، ثم يصلي على النبي ﷺ ويسأل الله له الوسيلة وهي درجة عالية في الجنة، ومن فعل ذلك حلت عليه الشفاعة (٢). والمؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس (٣).
٤ - سرعة مبادرة الصحابة إِلى تنفيذ أوامر الله ورسوله ﷺ ظاهر في تحويل القبلة، حيث استداروا وهم في صلاتهم إِلى القبلة الجديدة وأكملوا الصلاة ولم يبطلوا السابقة، وهذا من فقههم رضوان الله عليهم، وفيه دليل على أن العمل بالناسخ لا يلزم من تشريعه وإنما من بلوغه للمكلفين، فإِن أهل قباء لم يبلغهم إِلا في صلاة الفجر ولم يؤمروا بإِعادة.
стр. 180
٥ - في تشريع الصيام وتوقيت الإِمساك والافطار بكل دقة، تربية للنفس وضبطها للتغلب على سلطان الشهوات، وهو مظهر من مظاهر الانضباط والنظام ككثير من شرائع الاسلام.
٦ - في الصيام تعويد على الرقابة الذاتية على النفس، ولذلك يسمي العلماء الصيام عبادة السر. وقد جاء في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي (١).
٧ - الزكاة إِعانة للضعفاء، وكفاية لأصحاب الحاجات، وتخلص من الشح، وتعويد على بذل المعروف، فهي ذات أهداف أخلاقية واجتماعية، وهي تعبير عملي عن ترابط المجتمع الإسلامي والشعور بالأخوة والتكافل والتعاون، وهي تكفر الخطايا، وتدفع البلايا، وتوجب الرحمة قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... الآية﴾ (٢).
٨ - في مقدار مهر فاطمة بنت النبي ﷺ وسيدة نساء العالمين، وقلة جهازها درس بليغ في التواضع والبساطة، والاقتصاد في النفقة، والابتعاد عن مظاهر الفخر والخيلاء والمغالات التي وقع فيها كثير من الناس في تكاليف الزواج وحفلاته.