وكان أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إِلى الكعبة في مسجده هي صلاة العصر كما في حديث البراء في الصحيح (١). ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلّى أنها الظهر (٢).
وخرج رجل بعد أن صلى مع رسول الله ﷺ إِلى الكعبة فمر على أهل مسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قِبلَ مكة، فداروا كما هم قِبلَ البيت (٣). وهذا المسجد هو مسجد القبلتين، فقد صليت فيه صلاة واحدة إِلى قبلتين مختلفتين. أما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر بتحويل القبلة إِلا في صلاة الفجر من اليوم الثاني كما في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إِذا جاءهم آت فقال: إِن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآنٌ، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها. وكانت وجوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة (٤).
٢ - فرض صيام شهر رمضان:
الصيام ركن من أركان الإِسلام، وهو مفروض على الأمم السابقة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٥)، وكان تشريع الصيام جاء متدرجا، فأول ما قدم النبي ﷺ المدينة كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إِن الله فرض عليه صيام شهر رمضان في شعبان من السنة الثانية من الهجرة، وكان صيامه أول الأمر على التخيير بين الصيام، والإطعام من
стр. 177
شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ثم إِن الله تعالى أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢)، فأثبت وجوب صيامه على المقيم الصحيح ورخّص فيه للمريض والمسافر على أن يصوم من أيام أخر، وأثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان -أي حالتان- وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون زوجاتهم ما لم يناموا، فإِذا ناموا امتنعوا بن ذلك حتى تغرب شمس اليوم الثاني، ثم أنزل الله التخفيف في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ... الآية﴾ (٣)، وبهذا استقر تشريع صيام شهر رمضان على اليسر ورفع الحرج والحمد لله رب العالمين (٤).
٣ - فرض الزكاة ذات الأنصبة:
الزكاة هي إخراج جزء محدد من المال، وفق شروط وضوابط، وصرفه لأهل الزكاة وهم ثمانية أصناف ذكرهم الله في كتابه فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥)، فالزكاة ركن من أركان الإِسلام، وهي من شرائع
стр. 178
الأنبياء السابقين، وورد الأمر بها في العهد المكي لكن من غير تحديد لمقدار ما يخرج ولا الأموال التي تخرج منها الزكاة، وبعد الهجرة في السنة الثانية في شهر رمضان شرعت الزكاة في الأموال بأنصبتها وتفصيلاتها، وكذا زكاة الفطر على الأبدان (١).
٤ - وفاة رقية بنت النبي ﷺ وزواج عثمان بأختيها أم كلثوم
وكان ذلك في شهر رمضان، وقد خَلّف النبيُّ ﷺ عثمانَ لتمريضها ولم يخرج معه إِلى بدر، وقد اعتبر رسول الله ﷺ عثمان من أهل بدر وضرب له بسهمه في غنائم بدر، وأجره عند الله يوم القيامة. وبعد وفاتها زوّجه النبيُ ﷺ بأختها أم كلثوم.
٥ - زواج علي بن أبي طالب من فاطمة بنت النبي ﷺ
كان ذلك في أواخر السنة الثانية بعد وقعة بدر لما ورد في الصحيحين (٢) من إِعطاء النبي ﷺ لعلي شارفا (أي جملا) من الغنيمة، وآخر من الخمس، وأراد علي ﵁ أن يبني بفاطمة ﵂. وكان يرحل الشارفين ويأتي عليهما بالأذخر ليجمع نفقة الزواج، ففي سنن أبي داوود (٣) عن ابن عباس ﵄ قال: لما تزوج علي فاطمة ﵄ قال له رسول الله ﷺ : "أعطها شيئًا، قال: ما عندي شيء. قال: أين درعك الحطمية؟ فأعطاها درعه. وروى البيهقي في الدلائل (٤) وأحمد في المسند (٥) عن علي، أن رسول الله ﷺ جهز فاطمة في خميل، وقربة، ووسادة من أدم حشوها أذخر.
قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلي حسنًا وحسينا ومحسّنا -مات صغيرا- وأم كلثوم وزينب (٦).
стр. 179
دورس وعبر:
١ - التدرج في التشريع من يسر الشريعة ورفع الحرج فيها، فكانت الصلاة ركعتين طرفي النهار، ثم صارت خمس صلوات بعد الإِسراء والمعراج، ثم بعد الهجرة إِلى المدينة أُتمت صلاة المقيم أربع ركعات، صلاة الظهر، وصلاة العصر، وصلاة العشاء، وثلاث ركعات صلاة المغرب لأنها بمثابة الوتر لصلاة النهار، وبقيت الفجر كما هي.
٢ - قال الإِمام النووي: ذكر العلماء في حكمة الأذان للصلاة أربعة أشياء: إِظهار شعائر الإِسلام وكلمة التوحيد، والإِعلام بدخول الوقت، وبمكانها، والدعاء إِلى الجماعة (١).
٣ - عظمة الأذان وفضله لما اشتمل عليه من مسائل التوحيد ونفي الشرك، وإِثبات الرسالة للنبي محمد ﷺ ، والدعوة إِلى الصلاة وشهود الجماعة والفلاح. ولذا شُرِع لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، ثم يصلي على النبي ﷺ ويسأل الله له الوسيلة وهي درجة عالية في الجنة، ومن فعل ذلك حلت عليه الشفاعة (٢). والمؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابس (٣).
٤ - سرعة مبادرة الصحابة إِلى تنفيذ أوامر الله ورسوله ﷺ ظاهر في تحويل القبلة، حيث استداروا وهم في صلاتهم إِلى القبلة الجديدة وأكملوا الصلاة ولم يبطلوا السابقة، وهذا من فقههم رضوان الله عليهم، وفيه دليل على أن العمل بالناسخ لا يلزم من تشريعه وإنما من بلوغه للمكلفين، فإِن أهل قباء لم يبلغهم إِلا في صلاة الفجر ولم يؤمروا بإِعادة.
стр. 180
٥ - في تشريع الصيام وتوقيت الإِمساك والافطار بكل دقة، تربية للنفس وضبطها للتغلب على سلطان الشهوات، وهو مظهر من مظاهر الانضباط والنظام ككثير من شرائع الاسلام.
٦ - في الصيام تعويد على الرقابة الذاتية على النفس، ولذلك يسمي العلماء الصيام عبادة السر. وقد جاء في الحديث القدسي: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي (١).
٧ - الزكاة إِعانة للضعفاء، وكفاية لأصحاب الحاجات، وتخلص من الشح، وتعويد على بذل المعروف، فهي ذات أهداف أخلاقية واجتماعية، وهي تعبير عملي عن ترابط المجتمع الإسلامي والشعور بالأخوة والتكافل والتعاون، وهي تكفر الخطايا، وتدفع البلايا، وتوجب الرحمة قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ... الآية﴾ (٢).
٨ - في مقدار مهر فاطمة بنت النبي ﷺ وسيدة نساء العالمين، وقلة جهازها درس بليغ في التواضع والبساطة، والاقتصاد في النفقة، والابتعاد عن مظاهر الفخر والخيلاء والمغالات التي وقع فيها كثير من الناس في تكاليف الزواج وحفلاته.
стр. 181
الفصل الرابع: الجهاد النبوي
(المرحلة الأول)
стр. 182
الجهاد النبوي (المرحلة الأولى)
السياسة النبوية تجاه قريش:
لقد جاء تشريع الجهاد بعد الهجرة متزامنًا مع استكمال المصطفى ﷺ بناء الجبهة الداخلية، واستقلال الأمة عن عدوها بأرض وسلطان، لذا فقد كان من الطبيعي أن يسعى المسلمون إِلى الانتصار ممن ظلمهم، وذلك برفع الجور والظلم الذي أنزله كفار قريش بالمسلمين، والمتمثل بمحاربة الدعوة ومصادرة الأموال والممتلكات والتهجير من أم القرى.
وقد عمل الرسول ﷺ على رفع الظلم الواقع على أمة الإِسلام استجابة لقول الحق : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١). وهي أول آيه نزلت في الإِذن بالقتال الذي كان ممنوعا في العهد المكي.
وقد ركز رسول الله ﷺ عمله على ضرب سببين عظيمين من أسباب قوة قريش هما: الرخاء الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، وهما اللذان أمتن الله بهما على قريش، فلم يعبدوا الله رب البيت ويشكروه على نعمة الأمن، قال تعالى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢).
فالرخاء الاقتصادي الذي أنعم الله به على قريش زمن البعثة النبوية المباركة، والأمن الذي يتميز به أهل الحرم، لم يُقَابَلَ بالشكر للمنعم، بل قوبل بالكفر والجبروت من قبل أثرياء قريش الذين كذبوا رسول الله ﷺ وحاربوا دعوته (٣).
قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِلْهُمْ قَلِيلًا﴾ (٤).
стр. 183
من أجل ذلك نجد أن رسول الله ﷺ قد أخذ بالأسباب السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، لإِضعاف قريش وإِزاحتها عن طريق الدعوة، وقد شرع ﷺ في تنفيذ ذلك باتخاذ عدد من الخطوات والمواقف منها:
١ - السرايا والغزوات:
بدأ رسول الله ﷺ منذ استقراره بالمدينة إِعداد السرايا من أصحابه وقيادة الغزوات بنفسه الشريفة، وذلك للانتصار لهذا الدين ونشره، وإِعداد أصحابه للمواجهة الكبرى مع العدو إِذا لم يستجب للدعوة واستمر في عناده.
٢ - عقد المعاهدات:
لقد استطاعت قريش تأمين طرق قوافلها التجارية عن طريق عقد الإِيلاف والتحالف (١). لذا فقد حرص رسول الله ﷺ على تفكيك ذلك الإِيلاف وخاصةً مع القبائل الحجازية القاطنة غرب المدينة والتي تمر بأراضيها أضخم قوافل قريش التجارية قاطبة، والمتجهة إِلى بلاد الشام (٢).
وبعد جهود مضنية تمكن المسلمون من مهادنة وتحييد العديد من القبائل الحجازية التي تمر قوافل قريش بأراضيها مثل جهينة، وبني ضمرة، وبني مدلج، وغفار، وأسلم، وذلك عن طريق المعاهدات التي نظمت العلاقة بين المسلمين وتلك القبائل (٣).
стр. 184
هذا وقد أسهم قرب بعض هذه القبائل من المدينة التي هي سوقهم ومعاشهم إِلى السعي لأجل موادعة الدولة الإِسلامية الناشئة (١).
وهكذا نجد أن المسلمين قد استثمروا عامل المصالح المشتركة في تحييد تلك القبائل التي وجدت أن من مصلحتها الوقوف على الحياد وعدم الانحياز إِلى المسلمين أو قريش في المرحلة الراهنة، وهذا بحد ذاته مكسب عظيم للمسلمين.
أهداف السرايا والغزوات:
السرايا التي أرسلها النبي ﷺ والغزوات التي قادها كانت ذات أهداف محددة سعى المسلمون إِلى تحقيقها ومنها:
١ - الاستجابة لقول الحق في الانتصار ممن ظلمهم وصادر أموالهم وأخرجهم من ديارهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢).
٢ - رفع الذل والضعف الذي أشاعته قريش عن المسلمين قبل الهجرة، وما ينتج عن ذلك من ردع المتربصين بالدعوة في موطنها الجديد.
٣ - الدعوة إِلى الله ونشر دينه.
٤ - حماية الدعوة ممن عاداها وحاربها حتى تبلغ جميع الناس، ومن ثم تكون لهم الحرية في تحديد موقفهم منها (٣).
стр. 185
٥ - ضرب الاقتصاد القرشي المسخر لحرب الدعوة، وذلك من خلال التعرض لقوافل قريش التجارية في كل مكان (١).
٦ - إِقامة التحالفات السياسية والتجارية مع القبائل الحجازية التي تمر قوافل قريش بديارها، أو تحييدها على أقل تقدير (٢).
٧ - رفع جاهزية الجندي المسلم، وجعله في حالة استعداد دائم، لتفويت الفرصة أمام المتربصين بالدعوة، وكذللث اكتشاف الطاقات العسكرية للصحابة لاستثمارها والاستفادة منها على أكمل وجهَ (٣).
السرايا والغزوات قبل غزوة بدر
أولًا: السرايا الأولى:
١ - سرية حمزة بن المطلب ﵁
في شهر رمضان من السنة الأولى من الهجرة النبوية المباركة خرجت أول سرايا رسول الله ﷺ بقيادة حمزة بن عبد المطلب ﵁، في لواء (٤): أبيض عقده له رسول الله ﷺ ، ومعه ثلاثون صحابيًا من المهاجرين، متجهين إِلى ناحية البحر الأحمر من أجل اعتراض قافلة قريش القادمة من الشام، بقيادة أبي جهل، ويحرسها قرابة ثلاثمائة رجل، فأدركوا القافلة عند العيص (٥) من بلاد جهينة، ومنعوها من التقدم، فتأهب الفريقان للمبارزة غير أن تدخل أحد زعماء جهينة الذي كان حليفًا للفريقين وهو مجدي بن عمرو الجهني، حال دون المواجهة، وانصرف الجميع دون قتال (٦)
стр. 186
٢ - سرية عبيدة بن الحارث ﵁ .
في شهر شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة بعث رسول الله ﷺ عبيدة بن الحارث ﵁ في ستين من المهاجرين إِلى رابغ لاعتراض عير قريش، فلقي أبا سفيان ومعه مائتا رجل، فكان بينهم الرمي بالسهام ولم يسلوا السيوف، وكان سعد بن أبي وقاص ﵁ في هذه السرية وهو أول من رمى بسهم في الإِسلام، وتعد هذه المواجهة أول اصطدام عسكرى بين الطرفين، لكنها كانت مواجهة محدودة اقتصرت على السهام دون السيوف، ثم انصرف الفريقان، غير أن اثنين من المسلمين كانا في قافلة قريش هما: عتبة بن غزوان، والمقداد الأسود ﵃ قد تمكنا من الفرار إِلى معسكر المسلمين وعادا معهم إِلى المدينة (١).
٣ - سرية سعد بن أبي وقاص ﵁ .
خرجت في شهر ذي القعدة من السنة الأولى من الهجرة وكان هدفها اللحاق بقافلة لقريش عائدة من الشام عند ماء الخرار بالجحفة (٢) لكن القافلة أفلتت (٣)، ورجع سعد ولم يلق كيدا.
٤ - سرية عبد الله بن جحش الأسدي ﵁ .
في شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش ﵁ قِبَلَ مكة ومعه ثمانية من المهاجرين يرصدون أخبار قريش، وكتب معه رسول الله ﷺ كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما سار يومين عن المدينة تجاه مكة
стр. 187
فتح الكتاب، فإِذا فيه: أمر من رسول الله ﷺ بالتوجه إِلى نخلة (١) بين مكة والطائف، ليرصد أخبار قريش، ولا يستكره أحدًا من أصحابه على مرافقته في تلك المهمة، فلما علم أفراد السرية بذلك قالوا: سمعًا وطاعة لرسول ﷺ ، ومضوا مع عبد الله بن جحش حتى وصلوا وادي نخلة، فرصدوا عيرًا لقريش، فتشاور عبد الله مع أصحابه وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإِن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، لكنهم عزموا على مهاجمة العير، فتم لهم ذلك وهجموا على المشركين فقتلوا أحدهم، وأسروا اثنين وأفلت الرابع، ثم قدموا بالعير والأسيرين على رسول الله ﷺ ، فأنكر عليهم ما قاموا به في الشهر الحرام، ولما علمت قريش بذلك استغلت الحدث، وقالت: إِن محمدًا قد سفك الدم في الشهر الحرام، وأخذ فيه المال، وأسر فيه الرجال، واستحل الشهر الحرام.
لكن الله أنزل في هذا الشأن قرآنًا يتلى إِلى يوم القيامة فيه رفع للحرج عن رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين، وتضمنت الآية التعيير والتوبيخ لقريش التي تتبجح برعاية الحرمات (٢).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
стр. 188
قال العلامة ابن سعدي ﵀: (هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، وعيَّرهم المشركون بالقتال في الأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إِذ فيهم من القبائح، ما بعضه أعظم مما عيَّروا به المسلمين ... ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإِنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارًا بعد إِيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير ... وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم -أي من السلمين- حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصًا أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، ألَّفوا الجمعيات، ونشروا الدعاة وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس لجذب الأمم لدينهم، وإِدخالهم عليهم كل ما يمكنهم من الشُّبه التي تشككهم في دينهم، ولكن المرجو من الله تعالى الذي مَنَّ على المؤمنين بالإِسلام ... أن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره ... وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم) (١).
ثانيًا: الغزوات:
١ - غزوة ودَّان (٢) (الأبواء)
هي أول غزوة يقودها رسول الله ﷺ بنفسه، وقد كانت في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة، وحمل لواءه عمه حمزة بن عبد الطلب ﵁، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة ﵁، وخرج في جمع من المهاجرين يطلب قافلة لقريش، لكن القافلة تمكنت من الإِفلات، وفي هذه الغزوة وادع رسول الله ﷺ مخشي بن عمرو الضمري سيد بني ضمرة، ثم عاد إِلى المدينة (٣).
стр. 189
٢ - غزوة بُوَاط (١)
في شهر ربيع الأول من السنة الثانية من الهجرة خرج رسول الله ﷺ غازيًا إِلى بُوَاط، يعترض قافلةً لقريش، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ ﵁، وحمل لواءه، سعد بن أبي وقاص ﵁، لكن القافلة أفلتت، فعاد ﵊ إِلى المدينة (٢).
٣ - غزوة بدر الأولى
خرج رسول الله ﷺ في طلب كرز بن جابر الفهري الذي أغار على سرح المدينة، فاستخلف على المدينة زيد بن حارثة ﵁، وحمل لواءه، علي بن أبي طالب ﵁، وتمت مطاردة كرز الفهري حتى وادي سفوان قرب بدر لكنه تمكن من الفرار، فعاد رسول الله ﷺ إِلى المدينة. (٣)
٤ - غزوة العُشَيْرَة . (٤)
في جمادى الآخرة من السنة الثانية من الهجرة النبوية، خرج رسول الله ﷺ في طلب قافلة لقريش ذاهبة إِلى الشام، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي ﵁، وحمل لواءه، حمزة بن عبد الطلب ﵁، في خمسين ومائة، ويقال مائتين من المهاجرين، فبلغ العُشيرة بناحية ينبع فوجد القافلة قد فاتته، وفي هذه الغزوة وادع ﵊ بني مدلج وحلفاءهم، ثم رجع إِلى المدينة. وقد كانت تلك القافلة من أعظم قوافل قريش، وهي التي كانت بسببها غزوة بدر الكبرى عندما عادت من الشام (٥).
стр. 190
دروس وعبر
١ - جواز التعرض لأموال الكفار الحربيين دون غيرهم من المعاهدين أو المستأمَنين. لقد كانت السرايا والغزوات السابقة موجهة لضرب القوافل التجارية القرشية دون غيرها من القبائل، لأن قريشًا قد كفرت بربها، وكذبت رسوله ﷺ ، وأخرجته ومن معه من المسلمين من مكة، واستولت على دورهم وأموالهم، ووقفت في سبيل الدعوة، فهم في حالة حرب مع المسلمين، لذا فقد كان من الحكمة ضرب الاقتصاد القرشي الذي ازداد نموًا بعد الاستيلاء على أموال وممتلكات المسلمين في مكة، وفي ذلك إِضعاف لقوة ظالمة تقف في سبيل الدعوة، والمقصود الأعظم من الجهاد هو إِعلاء كلمة الله، والذب عن الملة، وأما الغنائم فتابعة له (١).
٢ - جواز الانصراف عن العدو من غير قتال إِذا ضعف المسلمون عن قتال عدوهم، أو لمصلحة يراها أميرهم، كما حصل في سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ (٢).
٣ - وجوب اتخاذ أمير للسرية قلَّت أو كثرت، وكذلك جواز اتخاذ الألوية في الحرب (٣).
٤ - أُسْنِدت قيادة معظم السرايا السابقة إِلى أهل بيت رسول الله ﷺ وأقاربه، ليكونوا أول من يضحي في سبيل الدعوة، حتى لا يقال؛ إِن رسول الله ﷺ ضن بأهل بيته عن القتل وضحى بغيرهم من الناس، وليعطي بذلك القدوة الحسنة للدعاة في كل زمان ومكان (٤).
стр. 191
٥ - اقتصرت السرايا والغزوات السابقة على المهاجرين دون الأنصار من أجل إِحياء قضيتهم في نفوسهم وفي نفوس غيرهم، لأن المهاجرين أصحاب حق سليب، أخوجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا، وهم أولى الناس بالانتصار ممن ظلمهم (١)، قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). ولأن البيعة مع الأنصار مختصة بالحماية في المدينة.
٦ - حرص الرسول ﷺ على اكتشاف قدرات أصحابه العسكرية والسياسية والإدارية، من خلال تنويعه في اختيار قادة السرايا، ومن خلال تعدد نوابه الذين يستخلفهم على المدينة عند خروجه غازيًا ﷺ .
٧ - جواز قتال الكفار المحاربين في الأشهر الحرم، وهذا ما دلت عليه سرية عبد الله بن جحش ﵁، وما تلاها من غزوات رسول الله ﷺ ، لكن تعظيم حرمة تلك الأشهر باقٍ وإِن أبيح فيها القتال (٣).
غزوة بدر الكبرى
كانت في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، حيث جاءت الأخبار إِلى رسول الله ﷺ أن قافلة قريش التي أفلتت من المسلمين في غزوة العشيرة -وهي ذاهبة إِلى الشام- قد بدأت رحلة العودة إِلى مكة بقيادة أبي سفيان، فندب رسول الله ﷺ من كان
стр. 192
حاضرًا من أصحابه للخروج لتلقي القافلة، وقال ﵊: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إِليها لعل الله ينفلكموها) (١)، وكان أبو سفيان لما اقترب من مناطق نفوذ المسلمين غربي المدينة، جعل يتحسس الأخبار حتى علم بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إِلى مكة يستنفر قريشًا، لنجدة القافلة، فتجهزت قريش وخرجت لملاقاة المسلمين وهي تقول: أيظن محمَّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي (٢)، كلَّا والله ليعلمن غير ذلك (٣). لقد خرج رسول الله ﷺ من المدينة يريد قافلة قريش ومعه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا من أصحابه رضوان الله عليهم، كما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إِلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا ...) (٤).
لقد كان هدف المسلمين هو قافلة قريش لكن الله أراد لهم أمرًا آخر، أراد لهم التمكين في الأرض، والانتصار ممن حادَّ الله ورسوله، فعن كعب بن مالك ﵁ قال: (... إِنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) (٥). قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٦).
стр. 193
وعند علم رسول الله ﷺ فوات عير قريش أراد الاستيثاق من أمر الأنصار الذين كانوا قد وعدوه في بيعة العقبة أن ينصروه داخل المدينة، فكان يقول: أشيروا علي أيها الناس، وهو يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ ﵁: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإِنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد ونشَّطَهُ. ثم قال: سيروا وأبشروا، فإِن الله تعالى قد وعدني إِحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إِلى مصارع القوم (١).
فسار رسول الله ﷺ وأصحابه إِلى بدر وهناك علم أن عير قريش قد نجت وأن جيشهم قد نزل ببدر، وفي ذلك يقول الحق : ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
стр. 194
خريطة موقعة بدر
وعن ليلة السابع عشر من رمضان، وهي ليلة بدر يحدثنا علي ﵁ فيقول: (لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إِلا نائم، إِلا رسول الله ﷺ ، فإِنه كان يصلي إِلى شجرة ويدعو حتى أصبح، فلما طلع الفجر نادى، الصلاة عباد الله، فجاء الناس فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرض على القتال (١).
стр. 195
ومِن دعاء رسول الله ﷺ يوم بدر ما رواه عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إِلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مَدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إِن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض، فمازال يهتف بربه مادًا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإِنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١). فأمده الله بالملائكة (٢).
وعن الحكمة من اشتراك الملائكة في القتال يوم بدر بهذا العدد الكبير، مع أن جبريل ﵇ قادرٌ على إِهلاك المشركين بريشة من جناحه يقول الشيخ تقي الدين السبكي: (سُئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي ﷺ ، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإِرادة الله أن يكون الفعل من النبي ﷺ وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة الجيوش، رعايةً لصورة الأسباب وسننها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو مالك الجميع، والله أعلم) (٣).
ولما بدأ القتال كان رسول الله ﷺ يباشر القتال بنفسه وفي ذلك يقول علي ﵁: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله ﷺ ، وهو أقربنا إِلى العدو، وكان من أشد الناس بأسًا) (٤).
стр. 196
وكعادة القتال في ذلك العصر فقد بدأت المعركة بالمبارزة، حيث خرج من قريش عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فتصدى لهم من المسلمين حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث ﵃، فقتلوهم وكبَّر المسلمون، ثم التحم الجيشان، ودارت الدائرة على قريش فُقتل أبو جهل بعد أن انقض عليه غلامان من الأنصار هما أبناء عفراء، معاذ بن عمرو بن الجموح، وأخوه معوذ ﵄، بعد أن دلهما عليه عبد الرحمن بن عوف ﵁، حيث أخبراه أنهما يريدان قتل أبي جهل لأنه كان يسب رسول الله ﷺ (١) وأخذ المشركون يتساقطون في أرض المعركة، حتى قُتِل منهم سبعون، وأسر سبعون، وفرّ الباقون تاركين خلفهم غنائم كثيرة (٢).
هذا وقد أشكل موضوع الأسرى والغنائم على المسلمين، وفي ذلك يقول عبد الله بن عباس ﵄: (فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى: فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : ما ترى يا ابن الخطاب. قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضْرب أعناقهم، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر (٣) وأخذ رسول الله ﷺ الفداء، لكن القرآن نزل موافقًا لرأي عمر ﵁ في الأسرى (٤)، وأجاز تصرف النبي ﷺ في أخذ الفداء.
стр. 197
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، ثم إِن الله بمنِّه ولطفه بهذه الأمة أحل لها الغنائم، ولم تحل لأمة قبلها، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال رسول الله ﷺ : أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ... وذكر منها وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي (٣)، وكانت الأمم السابقة من أتباع الرسل يجمعون الغنائم في مكان ولا يأخذون منها شيئًا، فتأتي نار بقدر الله فتحرقها (٤). وقد أمر رسول الله ﷺ بسحب قتلى المشركين إِلى إِحدى الآبار، فقُذفوا فيها. وكان رسول الله ﷺ إِذا ظهر على قوم أقام بساحتهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث مشى إِلى البئر الذي طُرِح فيه قتلى المشركين (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ... أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإِنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا. فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (٥)، أما شهداء المسلمين وعدتهم أربعة عشر شهيدًا فقد دُفنوا في مصارعهم كما هي السنة في ذلك (٦). ثم ارتحل رسول الله ﷺ مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله، ومعه الأسرى والمغانم، ودخل المدينة، وقد خافه كل عدو بالمدينة وحولها، فأسلم كثير من الناس،
стр. 198
وظهر النفاق، حيث دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإِسلام ظاهرًا (١). وقد نزلت في قصة بدر سورة الأنفال بتمامها، وقد تضمنت ذكر مشاهد من المعركة وتوجيهات تربوية، ونداءات للمؤمنين، كما تضمنت جملة من البشارات والمؤيدات التي أيد الله بها رسوله ﷺ والمؤمنين، على طريقة القرآن في التربية بالأحداث، وفيها بيان لحكم الغنيمة وأنها من الحلال الطيب.
دروس وعبر:
١ - لقد كانت غزوة بدر معركة من معارك العقيدة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وانتصار الحق على الباطل سُنّة جارية، ووعد دائم لا يخلف إِلا إِذا أخلف الناس؛ ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣).
٢ - إِن الانتصار في معارك العقيدة لا تحكمه الحسابات المادية وحدها، بل يخضع لتطبيق المسلمين لشروط النصر الواردة في القرآن والسنة، من إِقامة الدين، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والصبر والثبات، ولزوم الطاعة، والاجتماع وعدم الفرقة، والاعداد بما يستطاع من القوة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).
стр. 199
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ... الآية﴾ (١).
٣ - ظهور عقيدة الولاء والبراء بأوضح صورها، حيث تقابل أبناء القبيلة الواحدة، والأسرة الواحدة، بل الإِخوة والآباء والأبناء، بأسيافهم، لأن قيم الإِيمان جعلت ولاءهم لله ولرسوله ﷺ ، وأصبحت رابطة العقيدة بين أفراد المجتمع المسلم تعلو فوق كل الروابط الأخرى، فهي ليست معركة اقتصادية على مصالح مادية، ولا معركة قومية، وإِنما كانت معركة عقيدة، وفي هذا رد على الذين يفسرون تاريخ المسلمين تفسيرا قوميا أو اقتصاديا.
٤ - في استشارة الرسول ﷺ لأصحابه تربية للأمة من بعده على هذا المبدأ العظيم الذي ينبغي أن يتجذّر في ثقافة الأمة (٢).
٥ - في قضاء الرسول ﷺ ليلة بدر في الدعاء والاستغاثة والتضرع إِلى الله، بيان لأهمية الفزع إِلى الله واللجوء إِليه وخاصة في الشدائد، مع اتخاذ الوسائل المادية والمعنوية (٣).
٦ - في وقوف رسول الله ﷺ على البئر ومخاطبته قتلى المشركين، إِثبات للحياة البرزخية للأموات، وما فيها من النعيم والعذاب (٤).
٧ - استثمار النصر وتثبيته والانتقال إِلى مواقع متقدمة، فبعد رجوعه ﷺ من بدر بسبعة أيام خرج لغزو بني سُلَيم فلم يقم له أحد، وفي ذي الحجة خرج لقتال
стр. 200
أبي سفيان في غزوة السويق، وفي آخر ذي الحجة خرج إلى نجد يريد غطفان في غزوة ذي أمر.
غزوة بني قينقاع
لما عاد رسول الله ﷺ من غزوة بدر مؤيدًا منصورًا، شرقت بذلك نفوس يهود بني قينقاع، فذهب إِليهم رسول الله ﷺ ، وجمعهم في سوقهم وقال لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر، فقالوا: إِنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتَلتْنَا لعرفت أنَّا الرجال!، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (١).
لقد أظهر يهود بني قينقاع روحًا عدائية تجاه المجتمع المسلم، ثم توجوا ذلك بما حصل في سوقهم من كشف عورة إِمرأة مسلمة، وقتل الصحابي الذي انتصر لتلك الصحابية (٢).
لقد أدت تلك الأقوال والأعمال العدائية من قبل يهود بني قينقاع إِلى تماديهم في غيهم، ونقضهم العهد مع رسول الله ﷺ (٣)، ووقوعهم في الخيانة العظمى حيث اتضح أنهم كانوا عينًا لكفار قريش، ينقلون إِليهم أخبار المسلمين ويدلونهم على عوراتهم (٤).
فسار إليهم رسول الله ﷺ في منتصف شهر شوال من السنة الثانية، وحاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، ثم شفع فيهم المنافق عبد الله بن أبي
стр. 201
بن سلول عن القتل، وكان حليفًا لهم، فأجلاهم رسول الله ﷺ عن المدينة، وقد كان عبادة بن الصامت ﵁ حليفًا لبني قينقاع، لكنه تبرأ منهم ومن حلفهم، وقال لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم (١).
فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وقد رحلوا إِلى أذرعات من أرض الشام، فأهلكهم الله ولم يعد لهم ذكر في التاريخ.
دروس وعبر:
١ - إن السيطرة على الاقتصاد هي مفتاح السيطرة على المجتمعات، وهذا ما يفعله اليهود قديمًا وحديثًا، لذا فحريٌ بنا أن نقتدي برسول الله ﷺ ، في حماية اقتصاد الأمة من الارتهان للشرق أو الغرب.
٢ - مع أن يهود بني قينقاع من الذين وقَّعوا على وثيقة المدينة، فإِن ذلك لم يردهم عن الخيانة ونقض العهد، وهذا ما ينبغي أن يكون حاضرًا في ذهن الأمة المسلمة في كل زمان.
٣ - بالنسبة لمعاملة المنافق في الإِسلام، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، ومن على شاكلته من أصحاب المذاهب والأفكار الإِلحادية، فإِنه يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم، إِلا إِذا ظهر منه دليل واضح يدل على كفره وخيانته للأمة، فعند ذلك تطبق عليه أحكام الإِسلام (٣).
стр. 202
٤ - أهمية تحرير عقيدة الولاء والبراء، وخطورة موالاة المشركين (١).
٥ - إِن الأسواق من مواطن الشر التي ينبغي على الأسرة المسلمة أخذ الحيطة والحذر عند النزول إِليها.
غزوة أُحُد
في شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة توجهت قريش في ثلاثة آلاف مقاتل إِلى المدينة لقتال المسلمين انتقامًا لهزيمتها في غزوة بدر، واستعادةً لهيبتها ومكانتها التي اهتزت بين القبائل العربية في أعقاب بدر، وكذلك من أجل تأمين طريق تجارتها إلى الشام (٢).
وجاءت الأخبار إِلى رسول الله ﷺ فاستشار أصحابه في أن يتم قتال قريش داخل المدينة، فقالت الأكثرية: ما دُخل علينا فيها في جاهلية فكيف يدخل علينا في الإِسلام؟ ورغبوا في ملاقاتهم خارج المدينة، فدخل رسول الله ﷺ بيته ولبس عدة الحرب، فلما خرج قالت الأنصار: ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، فقال: (ما ينبغي لنبي إِذا لبس لأمته (٣) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبن عدوه) (٤).
ولما وصل كفار قريش إِلى المدينة عسكروا عند جبل أحد فخرج لهم رسول الله ﷺ في جيش عدته ألف مقاتل، وفي الطريق إِلى أحد تظاهر المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بالغضب، وقال: أطاعهم وعصاني؛ لأنه كان من المؤيدين للقتال داخل المدينة، ورجع معه ثلث الجيش ممن كانوا على شاكلته من النفاق والشك (٥).
стр. 203
وفي ميدان المعركة جعل رسول الله ﷺ جبل أحد خلفه، ووضع قوةً من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير ﵁ على جبل عينين والذي عرف فيما بعد بجبل الرماة، لتأمين الحماية للجيش، ومنع المشركين من اقتحام صفوف المسلمين، وقال لهم: لا تبرحوا، إِن رأيتمونا ظهرنا عليهم، وإِن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا (١).
خريطة موقعة أحد
стр. 204
وبدأت المعركة بالمبارزة ثم التحم الجيشان، فدارت الدائرة على المشركين أول النهار فولوا مدبرين حتى انتهوا إِلى نسائهم في مؤخرة الجيش، فلما رأى الرماة هزيمة قريش، قالوا: الغنيمة، الغنيمة، فنهاهم أميرهم وذكرهم عهد رسول الله ﷺ ، فلم يستجيبوا له، وحسبوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وعندما رأى خالد بن الوليد ما فعل الرماة، استغل هذا الأمر وجاء إِلى من بقي من الرماة فقتلهم، ثم التف على المسلمين، وعند ذلك كرَّ كفار قريش على المسلمين من كل اتجاه، فاضطرب المسلمون، واختل نظامهم، وثبت رسول الله ﷺ في مكانه، وأصيب ﷺ ، وسالت الدماء من وجهه الشريف وأشيع أنه قُتل، فتراجع بعض المسلمين إلى المدينة، وقعد بعضهم عن القتال، واستُشهد سبعون صحابيًا منهم، حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير حامل اللّواء، وسعد بن الربيع رضوان الله عليهم جميعًا (١).
ولما برد القتال أشرف أبو سفيان على المسلمين ونادى: (أفي القوم محمَّد؟ فقال رسول الله ﷺ : لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: ﷺ لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إِن هؤلا قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله لك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعلُ هُبل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مُثلةً، لم آمر بها ولم تسؤني فقال رسول الله ﷺ : أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (٢). ثم انسحبت قريش عائدة إِلى مكة دون أن تستثمر نتيجة المعركة فلم تأخذ أسيرًا ولا غنيمة.
стр. 205
وقد أنزل الله في هذه الغزوة آيات مباركات من سورة آل عمران فيها وصف لهذه الغزوة وتبيان لما فيها من الأحكام والحكم والغايات المحمودة، وقد أشار الله إِلى أمهاتها وأصولها، حيث افتتح القصة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). إِلى تمام ستين آية من سورة آل عمران (٢).
دروس وعبر:
١ - أن الشدائد تطهر الصف المسلم وتنقيه من الخبث، ويتضح ذلك من انسحاب المنافق ابن أبي بن سلول بثلث الجيش، وانكشاف المنافقين المندسين داخل الصف المسلم، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
٢ - الحذر من الحرص على الدنيا، وكيف أن فرحة بعض الرماة بالغنائم جعلتهم يتركون أماكنهم وينسون وصية رسول الله ﷺ لهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
стр. 206
٣ - معرفة سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي أصاب المسلمين يوم أحد إِنما هو بشؤم ذلك، فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظةً، وتحرزًا من أسباب الخذلان (١).
٤ - إِن ما نتج من خبر إِشاعة مقتل رسول الله ﷺ ، وتردد بعض المسلمين في القتال، ورجوعهم إِلى المدينة، يبين لنا أهمية التثبت في قبول الأخبار، كما يوضح خطورة الإِشاعة على الصف المسلم (٢).
٥ - أن دين الله لا يتعلق بالأشخاص، وهذا ما نبه الله المسلمين إِليه، عندما أشيع أن رسول الله ﷺ قد قتل، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣).
٦ - أهمية الرجوع إِلى أهل العلم فيما يشكل من الأمور، وهذا واضح من قول الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ : ما نقول؟ في ردهم على أبي سفيان (٤).
٧ - تحذير الجماعة المؤمنة من الهزيمة النفسية في كل زمان ومكان، وأنها أشد فتكًا بالأمة من الهزيمة المادية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).
стр. 207
فجمع لهم في الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء عزائمهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إِدالة الكفار عليهم، فأنتم وإن استويتم معهم في القرح والألم، فإِنكم قد تباينتم في الرجاء والثواب، فما بالكم تهنون وتضعفون لما أصابكم يوم أُحد وأنتم قد أُصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي، في حين أن ما أصاب الكفار يوم بدر كان في سبيل الشيطان (١).
من آثار غزوة أحد:
لقد كان من نتائج غزوة أحد وما حصل فيها من نكسة واستشهاد عدد من المسلمين تضعضع هيبة المسلمين في نفوس المشركين، فتجرأ الأعراب عليهم، وبدأوا في التجمع لغزو المدينة، ومن ذلك ما ظهر من تحركات عسكرية وتجميع للمقاتلة من قبل طليحة الأسدي في نجد، وخالد بن سفيان الهذلي في قبائل هذيل وحلفائهم، ولكن المسلمين تمكنوا من وأد تلك التحركات في مهدها.
حيث أغارت خيل رسول الله ﷺ بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد ﵁ علي جموع طليحة الأسدي فتفرقوا لهول المفاجأة، وغنم المسلمون معسكرهم وماشيتهم (٢).
وأما خالد بن سفيان الهذلي، فقد أرسل له رسول الله ﷺ أحد مغاوير الصحابة وهو عبد الله بن أنيس الجهني ﵁، فتمكن من قتله وإِخماد فتنته (٣).
لقد كانت الدعوة إِلى الله في ظل تلك الظروف العدائية محفوفة بالمخاطر، لا سيما أن قريشًا لم تتوقف لحظةً واحدة عن تأليب القبائل العربية على المسلمين، ومع ذلك فقد كانت الدعوة إِلى الله هي الشغل الشاغل لرسول الله ﷺ رغم كثرة المعوقات، وكان
стр. 208
رسول الله ﷺ على يقين أن طريق الدعوة إلى الله ملئ بالتضحيات بالأموال والأنفس، لكن عاقبته نجاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (١). أي إِما النصر والغنيمة، وإما الموت والشهادة (٢).
لقد كان رسول الله ﷺ حريصًا على استثمار كل مناسبة في الدعوة إِلى الله، ومهما كانت التضحيات عظيمة وجسيمة، وقد حاول المشركون المخادعة والغدر بالمسلمين فطلبوا من رسول الله ﷺ إِرسال بعوث من قبله للدعوة بين الأعراب عسى أن يستجيبوا للحق، فبعث رسول الله ﷺ بعثين للدعوة إِلى الله ونشر الإِسلام .
الأول: بعث الرجيع .
في أواخر السنة الثالثة من الهجرة، وقيل في أوائل السنة الرابعة، فقد سعت قبيلة هذيل للانتقام لقتل زعيمها خالد بن سفيان الهذلي، فاتفقت مع قبيلتين من مضر هما: عضل والقارة، على إِرسال وفد من هاتين القبيلتين إِلى المدينة ليحتالوا في إِحضار بعض الصحابة ليقتلوهم انتقامًا لزعيمهم، ويبيعوا البعض الآخر لقريش (فإنهم ليسوا لشيء أحب إِليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمَّد، يمثلون به ويقتلونه بمن قُتِل منهم ببدر) (٣). فجاء رهط من عضل والقارة إِلى المدينة فقالوا: (يا رسول الله، إِن فينا إِسلامًا، فأبعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإِسلام) (٤).
فبعث معهم رسول الله ﷺ نفرًا من أصحابة بقيادة عاصم بن ثابت الأنصاري ﵁، فلما اقترب الصحابة من عسفان ثار عليهم بطن من هذيل يقال لهم لحيان،
стр. 209
فلجأ الصحابة إِلى مرتفع ليتحصنوا به، فأحاط بهم المشركون وقالوا لهم: (لكم العهد والميثاق إِن نزلتم إِلينا أن لا نقتل منكم رجلًا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قَتَلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خُبيب بن عَدِي، وزيد بن الدِّثنة، وعبد الله بن طارق، فأعطوهم العهد والميثاق أن لا يقتلوهم فنزلوا إِليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قِسِّيهم فربطوهم بها، فقال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو حارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيبًا قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إِذا أجمعوا على قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها، فأعارته، قالت: فغفلتُ عن صبي لي، فدرج إِليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك منى، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟! ما كنت لأفعل ذاك إِن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما في مكة يؤمئذ ثمرة، وإِنه لموثق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه (١)، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إِليهم بعد أن صلّى فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدتُ، فكان أول من سَنّ الركعتين عند القتل، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بِدَدَا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قال:
ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإِن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ مُمَزَّعِ
ثم قام إِليه عقبة بن الحارث فقتله بعد أن رفعوه على خشبة.
стр. 210
وبعثت قريش إِلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قَتَلَ عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلَّة من الدَّبْرِ فحمته من رُسُلهِم، فلم يقدروا منه على شيء) (١).
وأما زيد بن الدثنة ﵁ فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وبعث به صفوان إِلى التنعيم ليقتل خارج الحرم! فلما اجتمعت إِليه قريش قبيل قتله قال له أبو سفيان: (يا زيد، أَتُحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كَحُبِّ أصحاب محمدٍ محمدًا) (٢).
الثاني: بعث بئر معونة
في شهر صفر من السنة الرابعة من الهجرة بعث رسول الله ﷺ سبعين صحابيًا من القُرَّاء في بعثة تعليمية بقيادة المنذر بن عمرو الساعدي ﵁، مع عامر بن مالك الملقب بملاعب الأسنة، إِلى أهل نجد ليعلموهم أمور دينهم، فلما وصلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر بن صعصعة من هوازن وأرض بني سُليم، اعترضهم عدو الله عامر بن الطفيل العامري الهوزني، فندبوا له حرام بن ملحان ﵁ ليكلمه، فبينما هو يكلمه أشار عامر بن الطفيل إِلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه غدرًا ﵁ (٣)، فقام حرام بن ملحان بنضح الدم على وجهه ورأسه وقال: (الله أكبر، فزت ورب الكعبة) (٤).
стр. 211
ثم استصرخ عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من بني سُليم (رِعْل وذَكْوان وعُصَيّة) على بعث رسول الله ﷺ ، فقاتلوهم حتى قُتلوا إِلا كعب بن زيد الأنصاري الذي تُرك وبه رمق، فعاش حتى قُتِل في غزوة الخندق، ورجلين كانا في رحالهم هما: المنذر بن محمَّد بن عقبة الأنصاري، وعمرو بن أمية الضمري، فلما علما بقتل أصحابهم، قاتلهم الأنصاري حتى قُتِل، وأُسِر عمرو بن أمية، ثم أطلقه عامر بن الطفيل لمّا علم أنه من مضر برقبة كانت على أم عامر -كما زعم- فرجع عمرو الضمري إِلى المدينة، وقتل في الطريق رجلين من بني عامر بن كلاب وكان معهما أمان من رسول الله ﷺ ولم يعلم به، ولذا وداهما رسول الله ﷺ ووفىّ بذمته وعهده (١).
وقد كان في القتلى عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر ورفيقه في الهجرة، وحصلت له كرامة بعد استشهاده فقد قال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية لما أسره: من هذا؟ وأشار إِلى أحد القتلى. قال عمرو: هذا عامر بن فهيره، قال: لقد رأيته بعد ما قتل رُفع إِلى السماء حتى إِني لأنظر إِلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع (٢).
وقد وصل خبرهم إِلى رسول الله ﷺ من طريق الوحي، فقال: (إِن أصحابكم قد أصيبوا، وأنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إِخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا. فأخْبَرهَم عنهم) (٣).
لقد كان القراء من خيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وأنفعهم للناس، حيث كانوا يقومون الليل، ويتدارسون القرآن ويتعلمون، وكانوا يحتطبون بالنهار، ويشترون بثمنه
стр. 212
الطعام لفقراء الصحابة من أهل الصفة (١). فحزن عليهم رسول الله ﷺ والصحابة حزنًا عظيمًا، وتزامنت هذه الحادثة مع التي قبلها (سرية الرجيع) وقنت ﵊ شهرًا كاملًا ثلاثين صباحًا يدعو على رِعل، وذكوان، وبني لحيان، وعُصَيّة، الذين عصوا الله ورسوله (٢).
دروس وعبر:
١ - أن مسؤولية الدعوة إِلى الإِسلام يشترك فيها جميع المسلمين وليست محصورة بالأنبياء والرسل ﵈ (٣).
٢ - أن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديمًا وحديثًا، وينبغي أن يترفع عنها أتباع رسول الله ﷺ ولنا عبرة في قصة خبيب ﵁ الذي تخرج من مدرسة النبوة، وترفعه عن مقابلة الغدر بالغدر، فلم يقتل الطفل الذي درج إِليه في بيت بنت الحارث وقد تمكن منه لو أراد.
٣ - إِثبات كرامة الله لأوليائه، وهذا ظاهرُ من إكرام الله لخبيب ﵁ بإِطعامه العنب في غير زمانه (٤)، وكذلك حفظ الله لعاصم بن ثابت ﵁ من المشركين وإرسال الدَّبْر لمنع المشركين من أخذ جثمانه ﵁.
٤ - شدة محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ ويظهر ذلك من خلال الحوار بين أبي سفيان، وزيد بن الدثنة ﵁، وهذا المستوى العظيم من المحبة لرسول الله ﷺ ينبغي أن يحرص عليه المسلم في كل عصر ومصر.
стр. 213
٥ - إِن للمسلم أن يمتنع عن قبول أمان الكافر، وعدم النزول على حكمه، وإِن أدى ذلك إِلى قتله، وهذا ظاهرٌ من صنيع عاصم بن ثابت ﵁ (١).
٦ - جواز الدعاء على المشركين عند وجود مناسبته.
٧ - مشروعية الصلاة عند القتل، وهذا مأخوذ من صنيع خبيب ﵁ والذي أقره عليه رسول الله ﷺ (٢).
٨ - شدة يقين الصحابة، وعمق إِيمانهم بما أخبر به المصطفى ﷺ عما أعد الله للشهداء من النعيم المقيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٣).
وهذا ظاهرٌ من قول حرام بن ملحان ﵁: فزت ورب الكعبة.
٩ - مشروعية القنوت عند النوازل اقتداءً برسول الله ﷺ عندما جاءه خبر استشهاد القُرَّاء رضوان الله عليهم، وأهل الرجيع!
غزوة بني النضير
وقعت في السنة الرابعة من الهجرة النبوية، وسببها أن رسول الله ﷺ قد أتى إِليهم في جمع من أصحابه لطلب المعونة في دية الرجلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري -وكان معهما كتاب أمان من رسول الله ﷺ وهذا حسب العهد الذي كتبه النبي ﷺ مع اليهود أول قدومه المدينة، لكن اليهود غلب عليهم طبعهم في الخيانة والغدر، فرحبوا برسول الله ﷺ وأصحابه وأجلسوهم في ظل أطم من أطامهم، ثم تآمروا على الغدر واغتيال النبي ﷺ وذلك بأن يعلوا رجل منهم الحصن ثم يلقي
стр. 214
عليه حجرا فيقتله. لكن الله أطلع رسوله على غدرهم فقام ﷺ كأنما يقضي حاجته، فرجع إِلى المدينة، ثم لحق به أصحابه، فعزم ﷺ على غزوهم لنقضهم العهد والميثاق ولعزمهم على اغتيال رسول الله ﷺ (١).
فسار إِليهم رسول الله ﷺ ، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم خمس عشرة ليلة وقطع بعض نخيلهم حتى نزلوا على حكمه، وهو الجلاء من المدينة، وأن لا يحملوا من متاعهم إِلا ما حملت الإِبل دون السلاح، فخرج أشرافهم إِلى خيبر، ومنهم من سار إِلى الشام (٢).
وقد نزل في شأنهم سورة الحشر، وهي التي تسمى سورة بني النضير (٣)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤).
دروس وعبر:
١ - عناية الباري برسوله ﷺ وعصمته من كيد الخائنين (٥).
٢ - أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإِتلافها منوط بما يراه الإِمام أو القائد من مصلحة النكاية بالأعداء، لأنها داخلة في باب السياسة الشرعية. وإن كان الأصل عدم الإتلاف (٦).
стр. 215
٣ - أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال -وهو الفيء- يعود النظر والتصرف فيه إِلى ما يراه الإِمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، وهو ما بينته سورة الحشر (١).
غزوة ذات الرقاع
بعد ما حصل للمسلمين في أُحد تجرأ الأعراب على المسلمين بتحريض من قريش، فكان لزامًا على الدولة الإِسلامية تدارك النتائج السلبية لغزوة أحد، واستعادة هيبة أمة الإِسلام، لذا فقد جاءت هذه الغزوة لكسر شوكة الأعراب، وقذف الرعب في قلب من تسول له نفسه غزو المدينة النبوية (٢).
وقد كانت غزوة ذات الرقاع (٣) موجهة إِلى بعض جموع قبيلة غطفان في بلاد نجد، لكن لم يقع فيها قتال حيث آثر المشركون الانسحاب، بعد أن تواقفوا واستعدوا للقتال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وفي هذه الغزوة صلى رسول الله ﷺ بالمسلمين صلاة الخوف، ثم انصرف بالصحابة إِلى المدينة عندما انسحبت جموع غطفان دون قتال (٤).
دروس وعبر:
١ - أن الباطل إِذا ترك انتفش وتطاول على أهل الحق، لذا فقد حرص رسول الله ﷺ على كسر شوكة الأعراب قبل أن يتجمعوا ويهاجموا المدينة النبوية.