← Сира

Сира · id 10816

صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر (صلى الله عليه وسلم)

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (307 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثم استصرخ عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من بني سُليم (رِعْل وذَكْوان وعُصَيّة) على بعث رسول الله ﷺ ، فقاتلوهم حتى قُتلوا إِلا كعب بن زيد الأنصاري الذي تُرك وبه رمق، فعاش حتى قُتِل في غزوة الخندق، ورجلين كانا في رحالهم هما: المنذر بن محمَّد بن عقبة الأنصاري، وعمرو بن أمية الضمري، فلما علما بقتل أصحابهم، قاتلهم الأنصاري حتى قُتِل، وأُسِر عمرو بن أمية، ثم أطلقه عامر بن الطفيل لمّا علم أنه من مضر برقبة كانت على أم عامر -كما زعم- فرجع عمرو الضمري إِلى المدينة، وقتل في الطريق رجلين من بني عامر بن كلاب وكان معهما أمان من رسول الله ﷺ ولم يعلم به، ولذا وداهما رسول الله ﷺ ووفىّ بذمته وعهده (١). وقد كان في القتلى عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر ورفيقه في الهجرة، وحصلت له كرامة بعد استشهاده فقد قال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية لما أسره: من هذا؟ وأشار إِلى أحد القتلى. قال عمرو: هذا عامر بن فهيره، قال: لقد رأيته بعد ما قتل رُفع إِلى السماء حتى إِني لأنظر إِلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع (٢). وقد وصل خبرهم إِلى رسول الله ﷺ من طريق الوحي، فقال: (إِن أصحابكم قد أصيبوا، وأنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إِخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا. فأخْبَرهَم عنهم) (٣). لقد كان القراء من خيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وأنفعهم للناس، حيث كانوا يقومون الليل، ويتدارسون القرآن ويتعلمون، وكانوا يحتطبون بالنهار، ويشترون بثمنه

стр. 212

الطعام لفقراء الصحابة من أهل الصفة (١). فحزن عليهم رسول الله ﷺ والصحابة حزنًا عظيمًا، وتزامنت هذه الحادثة مع التي قبلها (سرية الرجيع) وقنت ﵊ شهرًا كاملًا ثلاثين صباحًا يدعو على رِعل، وذكوان، وبني لحيان، وعُصَيّة، الذين عصوا الله ورسوله (٢). دروس وعبر: ١ - أن مسؤولية الدعوة إِلى الإِسلام يشترك فيها جميع المسلمين وليست محصورة بالأنبياء والرسل ﵈ (٣). ٢ - أن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديمًا وحديثًا، وينبغي أن يترفع عنها أتباع رسول الله ﷺ ولنا عبرة في قصة خبيب ﵁ الذي تخرج من مدرسة النبوة، وترفعه عن مقابلة الغدر بالغدر، فلم يقتل الطفل الذي درج إِليه في بيت بنت الحارث وقد تمكن منه لو أراد. ٣ - إِثبات كرامة الله لأوليائه، وهذا ظاهرُ من إكرام الله لخبيب ﵁ بإِطعامه العنب في غير زمانه (٤)، وكذلك حفظ الله لعاصم بن ثابت ﵁ من المشركين وإرسال الدَّبْر لمنع المشركين من أخذ جثمانه ﵁. ٤ - شدة محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله ﷺ ويظهر ذلك من خلال الحوار بين أبي سفيان، وزيد بن الدثنة ﵁، وهذا المستوى العظيم من المحبة لرسول الله ﷺ ينبغي أن يحرص عليه المسلم في كل عصر ومصر.

стр. 213

٥ - إِن للمسلم أن يمتنع عن قبول أمان الكافر، وعدم النزول على حكمه، وإِن أدى ذلك إِلى قتله، وهذا ظاهرٌ من صنيع عاصم بن ثابت ﵁ (١). ٦ - جواز الدعاء على المشركين عند وجود مناسبته. ٧ - مشروعية الصلاة عند القتل، وهذا مأخوذ من صنيع خبيب ﵁ والذي أقره عليه رسول الله ﷺ (٢). ٨ - شدة يقين الصحابة، وعمق إِيمانهم بما أخبر به المصطفى ﷺ عما أعد الله للشهداء من النعيم المقيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٣). وهذا ظاهرٌ من قول حرام بن ملحان ﵁: فزت ورب الكعبة. ٩ - مشروعية القنوت عند النوازل اقتداءً برسول الله ﷺ عندما جاءه خبر استشهاد القُرَّاء رضوان الله عليهم، وأهل الرجيع! غزوة بني النضير وقعت في السنة الرابعة من الهجرة النبوية، وسببها أن رسول الله ﷺ قد أتى إِليهم في جمع من أصحابه لطلب المعونة في دية الرجلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري -وكان معهما كتاب أمان من رسول الله ﷺ وهذا حسب العهد الذي كتبه النبي ﷺ مع اليهود أول قدومه المدينة، لكن اليهود غلب عليهم طبعهم في الخيانة والغدر، فرحبوا برسول الله ﷺ وأصحابه وأجلسوهم في ظل أطم من أطامهم، ثم تآمروا على الغدر واغتيال النبي ﷺ وذلك بأن يعلوا رجل منهم الحصن ثم يلقي

стр. 214

عليه حجرا فيقتله. لكن الله أطلع رسوله على غدرهم فقام ﷺ كأنما يقضي حاجته، فرجع إِلى المدينة، ثم لحق به أصحابه، فعزم ﷺ على غزوهم لنقضهم العهد والميثاق ولعزمهم على اغتيال رسول الله ﷺ (١). فسار إِليهم رسول الله ﷺ ، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم خمس عشرة ليلة وقطع بعض نخيلهم حتى نزلوا على حكمه، وهو الجلاء من المدينة، وأن لا يحملوا من متاعهم إِلا ما حملت الإِبل دون السلاح، فخرج أشرافهم إِلى خيبر، ومنهم من سار إِلى الشام (٢). وقد نزل في شأنهم سورة الحشر، وهي التي تسمى سورة بني النضير (٣)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤). دروس وعبر: ١ - عناية الباري برسوله ﷺ وعصمته من كيد الخائنين (٥). ٢ - أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإِتلافها منوط بما يراه الإِمام أو القائد من مصلحة النكاية بالأعداء، لأنها داخلة في باب السياسة الشرعية. وإن كان الأصل عدم الإتلاف (٦).

стр. 215

٣ - أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال -وهو الفيء- يعود النظر والتصرف فيه إِلى ما يراه الإِمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، وهو ما بينته سورة الحشر (١). غزوة ذات الرقاع بعد ما حصل للمسلمين في أُحد تجرأ الأعراب على المسلمين بتحريض من قريش، فكان لزامًا على الدولة الإِسلامية تدارك النتائج السلبية لغزوة أحد، واستعادة هيبة أمة الإِسلام، لذا فقد جاءت هذه الغزوة لكسر شوكة الأعراب، وقذف الرعب في قلب من تسول له نفسه غزو المدينة النبوية (٢). وقد كانت غزوة ذات الرقاع (٣) موجهة إِلى بعض جموع قبيلة غطفان في بلاد نجد، لكن لم يقع فيها قتال حيث آثر المشركون الانسحاب، بعد أن تواقفوا واستعدوا للقتال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وفي هذه الغزوة صلى رسول الله ﷺ بالمسلمين صلاة الخوف، ثم انصرف بالصحابة إِلى المدينة عندما انسحبت جموع غطفان دون قتال (٤). دروس وعبر: ١ - أن الباطل إِذا ترك انتفش وتطاول على أهل الحق، لذا فقد حرص رسول الله ﷺ على كسر شوكة الأعراب قبل أن يتجمعوا ويهاجموا المدينة النبوية.

стр. 216

٢ - أهمية الصلاة وجلالة قدرها، وأن المسلم مأمورٌ بالحفاظ عليها وأدائها جماعة مع المسلمين، حتى في حال الخوف ومواجهة العدو. ٣ - أن من أنواع النعم، وأنواع النصر، التي قد تغيب عن بعض المسلمين، كف أيدي المشركين، ورد كيدهم في نحورهم (١)، ومن ذلك عدم وقوع القتال في هذه الغزوة. وعن جنس هذه النعمة يقول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢). غزوة بدر الصغرى وتسمى غزوة بدر الموعد، حيث أن أبا سفيان قبل انصرافه من أُحد قال: يا محمَّد موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فكان ذلك من العام القابل، وقد خرج المسلمون بقيادة رسول الله ﷺ إِلى بدر الموعد في السنة الرابعة من الهجرة، ومكثوا هناك ثمانية أيام، لكن قريشًا بقيادة أبي سفيان، نكصوا وأخلفوا الموعد بحجة أن العام عام جدب، وأن الخروج للقتال لا يصلح إِلا في عام خصيب، فرجع الناس مع أبي سفيان بعد أن بلغوا عسفان، فسماهم أهل مكة جيش السويق، تهكمًا بهم، وقالوا: إِنما خرجتم تشربون السويق (٣). وقد كان توقيت المسلمين في الحضور إِلى بدر يوافق سوقًا تجتمع فيه العرب للبيع والشراء، فجلب المسلمون معهم من المدينة شيئًا من السِّلع لبيعها في ذلك السوق، فربحوا ثم رجعوا إِلى المدينة ولم يلقوا كيدًا (٤).

стр. 217

دروس وعبر: ١ - أسفرت هذه الغزوة عن استعادة المسلمين لهيبتهم بين القبائل في أعقاب غزوة أحد، وجردت قريشًا من كل مكاسبها السياسية التي نالتها عقب غزوة أحد (١). ٢ - أهمية استثمار الإِعلام في بسط هيبة الدولة الإِسلامية، ويظهر ذلك جليًا في اختيار رسول الله ﷺ المجيء لبدر الموعد، زمن سوق عظيم من أسواق العرب. غزوة بني المصطلق بنو المصطلق: فرع من قبيلة خزاعة، وهي من القبائل التي تجرأت على المسلمين في أعقاب غزوة أحد، لا سيما أنهم ممن عاون قريشًا على المسلمين، وقد أدى ذلك إِلى تأليبهم القبائل من أجل الإِغارة على المدينة، فلما جاءت الأخبار إِلى رسول الله ﷺ ، تهيأ لغزو بني المصطلق فسار إِليهم في شهر شعبان من السنة الخامسة من الهجرة، فلما وصل المسلمون إِلى ديار بني المصطلق عند ماء لهم يسمى المريسيع (٢)، قذف الله الرعب في قلوب المشركين، من هول المفاجأة، وأصبحوا بين قتيل وأسير (٣). وتزوج رسول الله ﷺ بعد هذه الغزوة من جويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق والتي أخذت في السبي، وكان هذا الزواج سبب خير وبركة على قومها، حيث أطلق المسلمون أسراهم (٤).

стр. 218

وفي هذه الغزوة ظهر كيد المنافقين من خلال حدثين عظيمين: الأول: إِثاوة العصبية الجاهلية والتطاول على رسول الله ﷺ . وابتداء هذا الأمر، أن غلامين أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين تشاجرا على الماء، فصرخ الأنصاري: يا معشر الأنصار. وصرخ المهاجري: يا معشر المهاجرين. فغضب المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، وكان ممن حضر الغزوة، فقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إِلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إِلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره منْ قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إِلى غير داركم (١) فسمع ذلك زيد بن أرقم ﵁، فأبلغ رسول الله ﷺ به، فأشار عمر على رسول الله ﷺ بقتل هذا المنافق، فقال له رسول الله: فكيف يا عمر إِذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا. ولكن أذِّن بالرحيل حتى ينشغل الناس عن حديث ابن سلول (٢). ثم أنزل الله سورة المنافقين في طريق عودة المسلمين إِلى المدينة، تفضح ابن سلول ومن كان على شاكلته من المنافقين، فجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، إِلى رسول الله يستأذنه في قتل أبيه فقال له نبي الرحمة ﷺ :بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا (٣).

стр. 219

الثاني: حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة ﵂ . وقصة هذه الحادثة أن عائشة ﵂ كانت مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فلما انتهت الغزوة أذن رسول الله ﷺ بالرحيل، وفي إِحدى مراحل الطريق رَحَل القوم ليلًا، فجاء الرجال الموكلون برحلها فحملوا الهودج ويظنوها به بينما هي قد ذهبت تقضي حاجتها، وفقدت عقدًا لها فأخذت تبحث عنه، فلما عادت عائشة ﵂ وجدت الناس قد ارتحلوا، فجلست في مكانها لعلمها أنهم إِذا فقدوها سيرجعون إِليها، فجاء الصحابي الأمين صفوان بن المعطل السلمي في الصباح، على راحلته، وكان قد أخذه النوم فتأخر عن الجيش، فلما رأى أم المؤمنين عائشة ﵂، قال: إِنا لله وإِنا إِليه راجعون، ثم قرب إِليها راحلته فركبت وسار بها حتى لحق الجيش، فلما رأى المنافقون -قاتلهم الله- هذا المنظر، تكلموا في عِرض رسول الله ﷺ واستطالوا في ذلك وزَلَّت بعض الأقدام، واهتم رسول الله ﷺ لذلك، واحتبس عنه الوحي في هذا الشأن شهرًا كاملًا، ثم نزل الوحي ببراءة أم المؤمنين عائشة ﵂، فاضحًا المنافقين الذين تطاولوا على عرض رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١). وقد بينت الآيات في سورة النور حقيقة ما حصل، والآداب التي ينبغي للمسلمين أن يتأدبوا بها في مثل هذه الحوادث (٢).

стр. 220

دروس وعبر: ١ - لقد عززت هذه الغزوة مكانة المسلمين وهيبتهم بين القبائل العربية الأخرى التي كانت تفكر في غزو المدينة النبوية (١). ٢ - زواج رسول الله ﷺ من أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، ابنة زعيم بني المصطلق، فيه من الحِكم الدعوية العديدة، ومن ذلك حفظ كرامة هذه القبيلة العربية التي تعرضت للأسر، وما ترتب على ذلك من تسابق الصحابة في إِطلاق سراح أسرى بني المصطلق، أصهار رسول الله ﷺ ، وما نتج عن ذلك من إِسلام هذه القبيلة، بسبب هذا الزواج المبارك (٢). ٣ - حكمة رسول الله ﷺ في التعامل مع الشجار الذي حصل حول ماء المريسيع، وأَمْرُهُ النَّاسَ بالمسير، حتى ينشغلوا عن الحديث، وتوليد الكلام، في أمرٍ من أمور الجاهلية، والعصبية القبلية إِلى الاشتغال بأنفسهم (٣). ٤ - أن عقيدة الولاء والبراء هي التي تحكم تصرفات المسلم، وعلاقته مع الآخرين، ويظهر ذلك في موقف الصحابي الكريم عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، من والده المنافق، وفيه بيان أن رابطة العقيدة مقدمة على جميع الروابط الأخرى. ٥ - أما حادثة الإِفك فإِنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإِيذاء والمحن التي لقيها رسول الله ﷺ (٤)، ذلك من أجل تحطيم شخص رسول الله ﷺ وصرفه عن الدعوة بأي وسيلة، حتى ينشغل عن الدعوة إِلى الله بأهل بيته.

стр. 221

٦ - وفي حادثة الإِفك بيان لبشرية الرسول ﷺ ، إِذا يجري عليه من الابتلاء ما يجري على سائر الناس (١). قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). ٧ - في الحادثة بيان أن الوحي الإِلهي ليس شعورًا نفسيًا، أو أمرًا خاضعًا لإِرادته ﷺ كما يدعي الذين لا يعلمون، وإِلا لكان من السهل على المصطفى ﷺ أن ينهي تلك المعاناة في مهدها، دون أن ينتظر شهرًا كاملا من الألم هو وأهل بيته عليه الصلاة السلام (٣). ٨ - في حادثة الإِفك درسٌ في أهمية التثبت والتعامل مع الإشاعات، والتي لم ينج منها ومن شرها أي مجتمع على مر التاريخ (٤)، قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٥). ٩ - يلاحظ اهتمام القرآن بذكر أوصاف المنافقين والإِعراض عن أسمائهم، وفي هذا إِشارة إِلى أن هذا النوع من البشر يتجدد وجوده في كل عصر (٦). ١٠ - وعن تأخر الوحي شهرًا كاملًا يقول ابن القيم ﵀: (لتتم العبودية المرادة من الصِّدِّيقة، وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، لتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها، والافتقار إِلى الله والذل له، وحسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع

стр. 222

رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النُصرة والفرج على يد أحد من الخلق ... وأيضًا فإِن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامته عليهم، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون لرسول الله فيه عمل، ولا ينسب إِليه، بل يكون هو وحده المتولي لذلك ... وأيضًا فإِن رسول الله ﷺ كان هو المقصود بالأذى الذي رميت به زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها) (١). ١١ - إِجماع العلماء على كفر من قذف عائشة ﵂ مما برأها الله منه؛ لأن القرآن نزل ببراءتها، فمن قذفها فقد كذب بشيء من القرآن، والعياذ بالله. (٢). غزوة الأحزاب (الخندق) في شهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة وقعت غزوة الأحزاب، وسببها أن قريشًا، وزعماء اليهود في خيبر، أثارت مخاوفهم النجاحات التي أحرزها المسلمون، وأدت إِلى فرض هيبتهم على القبائل العربية، وحضورهم في كل الأحداث المهمة، مما أدى إِلى تضييق الخناق على قريش سياسيًا واقتصاديًا، فجاء وفد من يهود بني النضير الذين استقروا في خيبر بعد إِجلائهم من المدينة بزعامة حيي بن أخطب، وتفاهموا مع قريش على تنسيق الجهود وتأليب القبائل لاستئصال المسلمين بجهد جماعي يضم كل القبائل الموتورة والمتوجسة من دولة الإِسلام بقيادة رسول الله ﷺ (٣).

стр. 223

وكان من حديث يهود أن قريشا سألوا يهود: أديننا خير أم دين محمَّد، فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، وفي ذلك يقول الله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (١). ففرحت قريش بذلك الثناء من قبل اليهود (٢)، لا سيما أنهم كانوا أهل كتاب، وما ذلك إِلا لتستخدمه في دعايتها ضد رسول الله ﷺ . وبعد أن عزمت قريش على الحرب انضمت إِليها بنو سُليم، وغطفان، وأسد، وفزارة، ومُرَّة، وأشجع، وبذلك شكَّلوا قوة الأحزاب (٣). ولما جاءت الأخبار إِلى رسول الله ﷺ بعزم الأحزاب على مهاجمة المدينة واستئصال المسلمين، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي ﵁ بالبقاء في المدينة وأن يحفر خندقًا في الجهة الشمالية من المدينة وهي المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الأحزاب (٤). وشرع المسلمون بحفر الخندق بجدٍ ونشاطٍ ومعهم رسول الله ﷺ ، ووقع في أثناء الحفر بعض دلائل نبوته ﷺ ، ومن ذلك: البشارة بفتح الشام، والبشارة بفتح فارس،

стр. 224

والبشارة بفتح اليمن، وكذلك تكثير الطعام القليل الذي لا يكفي أهل بيت واحد، فإِذ به يشبع جيشًا كاملًا (١). استطاع رسول الله ﷺ حشد ثلاثة آلاف مقاتل، وتم وضع النساء والذراري في أحد الحصون، فلما وصلت قريش والأحزاب فوجئوا بالخندق ومن خلفه المسلمون بقيادة رسول الله ﷺ ، فقرروا حصار المدينة، ومراسلة يهود بني قريظة الذين كانوا داخل المدينة فمالت يهود بني قريظة إِلى الأحزاب (٢). واشتعل النفاق، وقد وصف الله هذا الموقف العصيب بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٣). وقد طال أمد الحصار، ونزل بالمسلمين من الكرب ما لا يعلمه إِلا الله، حتى أنهم شُغلوا عن أداء الصلاة في وقتها، فدعا عليهم رسول الله ﷺ : (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم) (٤)، فأرسل الله على الأحزاب جندًا من جنده لنصرة عباده الموحدين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٥). ونزل الرعب في قلوب الأحزاب، وأصبح هَمُّ كلُّ واحد منهم العودةَ إِلى دياره،

стр. 225

فانصرفوا مخذولين خائفين لم ينالوا شيئًا (١)، وعند ذلك قال رسول الله ﷺ مبشرًا أصحابه رضوان الله عليهم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا، ونحن نسير إليهم) (٢).

стр. 226

غزوة بني قريظة بعد رحيل الأحزاب، وضع رسول الله ﷺ سلاحه واغتسل، فجاءه جبريل ﵇ وقال له: قد وضعت السلاح!، والله ما وضعناه، فاخرج. قال: فإِلى أين؟ قال: ها هنا، وأشار إِلى بني قريظة (١). وسبب ذلك أن بني قريظة ارتكبوا الخيانة العظمى، واتفقوا مع الأحزاب على الغدر بالمسلمين من الداخل، لكن الله خذلهم وكبتهم، فسار إِليهم رسول الله ﷺ وحاصرهم، فنزلوا ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ ﵁ فجىء بسعد، وكان يعالج من جراحه فقال سعد: (فإِني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم) (٢). فقال له رسول الله ﷺ : (قضيت فيهم بحكم الله) (٣). دروس وعبر: ١ - الكفر ملة واحدة في كل زمان ومكان، ويظهر ذلك من تَحزُّب المشركين واليهود لحرب المسلمين، وأن ذلك هو ديدنهم في كل عصر، وهذا ما نعيشه اليوم من التحالف الدولي من الكفار ضد المسلمين ومصالحهم. ٢ - أهمية الأخذ بالأسباب المادية في قتال الأعداء، مثل حفر الخندق، وأن الاستفادة مما لدى المشركين من أسباب مادية، يعد من الأمور المباحة ما لم يتعارض مع ثوابت الإِسلام، أو يكون سببًا لهدم الدين (٤). ٣ - على الداعية والقائد المطاع إِذا أمر بخير أن يكون أول المبادرين إِليه والمسهمين فيه، ويظهر ذلك من اشتراك الرسول ﷺ مع أصحابه في حفر الخندق (٥).

стр. 227

٤ - الثقة بنصر الله، وأن جند الله هم الغالبون، رغم المخذلين والمرجفين، ويظهر ذلك من تبشير المصطفى ﷺ لأصحابه بفتح الشام، وفارس، واليمن، وهم في تلك الحالة من الكرب العظيم، وفي ذلك تحذير للأمة من الخذلان والشك في نصر الله، والواجب على الدعاة تحذير الأمة من الخذلان، والعمل على تثبيت الناس في الشدائد التي قد تطيش فيها العقول (١). ٥ - إِن أسباب انتصار المسلمين في غزوة الأحزاب هي نفسها التي كانت سببًا للنصر في غزوة بدر، ألا وهو التضرع إِلى الله، والإِقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، وإِخلاص العبودية لله ، مع الأخذ بالأسباب والاستعداد بالمستطاع من القوة المادية (٢). ٦ - وجوب قضاء الصلاة الفائته، وهو ما فعله رسول الله ﷺ وأصحابه عندما شغلهم الأحزاب عن الصلاة (٣)، عن جابر بن عبد الله ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، وجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، قال النبي ﷺ : والله ما صليتها. فنزلنا مع النبي ﷺ بُطحان (٤)، فتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٥). ٧ - جواز قتال من نقض العهد وخان الأمة (٦).

стр. 228

٨ - جواز تحكيم أهل العلم والعدالة والصلاح في أمور المسلمين ومهامهم العظام، وهذا مأخوذٌ من جعل رسول الله ﷺ أَمْر بني قريظة إِلى سعد بن معاذ ﵁. ٩ - أن يهود بني قريظة عُوقبوا بجنس ما كانوا يريدون فعله بالمسلمين لو انتصر الأحزاب، وهذا الحكم موافق لما صرحت به توراتهم، في حق العدو المهزوم، ففي سفر التثنية، الإِصحاح ١٣، فقرة ١٣، ١٤: (وإذا دفعها الرب إِلهك إِلى يدك فاضرب جميع ذكورهم بالسيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إِلهك). وهكذا فإِن ما حكم به سعد ﵁ لم يخرج عما حكمت به التوراة، وهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب، بل خائنون غادرون، غير وافين بالعهد (١). وقد أقره النبي ﷺ وأخبره أنه موافق لحكم الله. غزوة بني لحيان في شهر جماد الأولى من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله ﷺ لغزو بني لحيان الذين غدروا بخبيب ﵁ وأصحابه من القراء في السنة الرابعة من الهجرة، فلما وصل المسلمون ديار بني لحيان (قرب عسفان) وجدوهم قد حَذِرُوا المسلمين، وتفرقوا في رؤوس الجبال، فعاد ﵊ إِلى المدينة (٢). ومن فوائد هذه الغزوة: أن المسلمين لا ينسون شهداءهم الذين ضحوا في سبيل الدعوة إِلى الله، بل يثأرون لهم ولو بعد حين.

стр. 229

غزوة الغابة وقعت في السنة السادسة من الهجرة، حيث أغار الأعراب على سرح رسول الله ﷺ فأخذوا الإِبل وقتلوا راعيها، فطاردهم المسلمون حتى استنقذوها منهم، واضطروهم للهرب (١). ويظهر في إِصرار المسلمين على مطاردة الأعراب وتأديبهم الحرص على ترسيخ هيبْة الدولة الإِسلامية ومعاقبة كل من يعمل على الانتقاص من سيادة أمة الإِسلام. صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله ﷺ في ألف وخمسمائة من أصحابه إِلى مكة معتمرًا، حيث أحرم وساق الهدي وأشعره، فلما علمت قريش بذلك تهيأت لحرب المسلمين وصدهم (٢)، وحين بلغ رسول الله ﷺ ذلك تفادى الصدام معهم وحَوّل طريقه عن مقاتليهم حتى وصل الحديبية، وبركت ناقته فقال الناس: خلأت القصواء. فقال النبي ﷺ ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إِلا أعطيتهم إِياها) (٣). ثم عسكر رسول الله ﷺ في الحديبية، فقامت قريش بإِرسال عدة رسل لمفاوضة رسول الله ﷺ ، حتى انتهى الأمر إِلى سهيل بن عمرو الذي عقد مع رسول الله ﷺ صلح الحديبية نيابة عن قريش، وقد تم الاتفاق على البنود التالية (٤):

стр. 230

١ - تضع الحرب أوزارها بين المسلمين وقريش مدة عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. ٢ - أنه من أتى رسول الله ﷺ من قريش بغير إِذن وليه يرده على قريش، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردوه عليه. ٣ - أنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش دخل فيه. ٤ - أن يرجع المسلمون هذا العام دون أن يدخلوا مكة على أن يأتوها معتمرين العام القادم. بيعة الرضوان حصلت هذه البيعة في أثناء غزوة الحديبية وذلك أن رسول الله ﷺ ، أرسل عثمان بن عفان ﵁ إِلى قريش ليستطلع أخبارهم، فأشيع أنه قد قتِل، فدعا رسول الله ﷺ الصحابة إِلى قتال قريش انتصارًا لعثمان ﵁ فبايعوه على مناجزة قريشٍ، وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة (١)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢). دروس وعبر: تضمنت صلح الحديبية حكمًا وفوائد جمة، قال عنها ابن القيم: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إِلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده (٣).

стр. 231

ومن تلك الدروس والحكم: ١ - توجه رسول الله ﷺ إِلى مكة معتمرًا وهي بأيدي الكفار وتحت سلطانهم هو من باب السياسة الشرعية، ويعرف في السياسة المعاصرة بقلب الطاولة على العدو وإِحراجه في المفاوضات، فإِن قريشًا تدعي حماية البيت واحترام من جاءه حاجًا ومعتمرًا فكيف تصد المسلمين وهم جاءوا عمارًا؟ ٢ - ذهب أكثر أهل العلم إِلى أن مقدار المدة التي تجوز بها مهادنة المشركين لا تزيد على عشر سنين، وتجدد إِن كان هناك ضرورة أو مصلحة عليا للأمة يراها الإِمام (١). ٣ - في معارضة بعض الصحابة لصلح الحديبية في أول الأمر، نأخذ منه اتهام العقل أمام النصوص الشرعية، والحذر من معارضة نصوص الشرع بالعقل والرأي (٢). ٤ - من فوائد الصلح اعتراف قريش بالدولة الإِسلامية، حيث جلست معهم وعاملتهم معاملة الند للند (٣). ٥ - تحييد قريش وتوقيف الصراع معها، وتفرغ الرسول ﷺ للدعوة، ومراسلة ملوك الأرض، وكذلك تفرغه ﷺ لتصفية وكر التآمر اليهودي في خيبر (٤). ٦ - لقد كانت الحديبية ابتداء الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع بين الطرفين من الأمن ورفع الحرب، فتمكن من يخشى قريشًا من الدخول في الإِسلام الوصول إِلى المدينة، ثم تتابعت الأسباب إِلى أن كمل الفتح بفتح مكة (٥). قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٦).

стр. 232

٧ - فضل من شهد بيعة الرضوان، وفضل عثمان ﵁ الذي حصلت لأجله تلك البيعة (١). غزوة خيبر بعد رجوع رسول الله ﷺ من الحديبية إِلى المدينة، مكث فيها إلى دخول شهر محرم من السنة السابعة من الهجرة ثم خرج إِلى خيبر لتصفية وكر التآمر اليهودي الذي طالما حال الدسائس والمؤامرات على أمة الإِسلام. فخرج رسول الله ومعه الذين حضروا الحديبية من الصحابة متوجهين إِلى خيبر واستخدم ﷺ خطتين: الأولى: المفاجأة للعدو، فما علمت اليهود إِلا وقد نزل بهم. الثانية: قطع الإِمداد عنهم، حيث أظهر أنه يريد غطفان، فخافت غطفان ولم تتمكن من إِمداد اليهود. ولما نزل بهم حاصرهم في حصونهم حتى تمكن من فتحها جميعًا عنوة، وقد قسم أرضها بين الفاتحين. (٢) وتبع ذلك تسليم فدك من غير قتال، ثم غزا ﷺ تيماء، ووادي القرى، وهي من مراكز تجمعاتهم، واستسلمت له، وبهذا تمكن رسول الله ﷺ من القضاء على قواهم السياسية وإِن عاشوا في المجتمع المسلم أهل ذمة وعهد. وقد استعمل النبي ﷺ يهود خيبر عمالًا في المزارع على شطر ما يخرج منها (٣). وذلك لخبرتهم في الزراعة، ولما رأى فيه من المصلحة بعدم اشغال الصحابة بالزراعة مما يؤثر على تفرغهم للجهاد والدعوة، وكانت أرض خيبر خصبة غنية بالزراعة، ووفيرة الإِنتاج، تقول عائشة ﵂: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر (٤).

стр. 233

ويقول عبد الله بن عمر ﵄: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر (١). وقد تزوج النبي ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب حيث وقعت في الأسر فأعتقها ﷺ وتزوجها، فجعل عتاقها صداقها (٢). وبنى بها في طريق عودته إِلى المدينة (٣). وعند فتح خيبر قدم عليه جعفر بن أبي طالب عائدًا من هجرته إِلى الحبشة ومعه جمع من المهاجرين فيهم أبو موسى الأشعري وجماعته، وقد قسم لهم رسول الله ﷺ من الغنيمة (٤). وقد استعمل النبي ﷺ سواد بن غزية من بني عدي بن النجار أميرًا على خيبر (٥). دروس وعبر: ١ - تأمين الحدود الشمالية لدولة الإِسلام من عدو طالما حاك المؤامرات والدسائس على الإِسلام والمسلمين. ٢ - التفرغ للدعوة ونشر الإِسلام ومخاطبة ملوك الأرض. ٣ - أخذ الحيطة والحذر من اليهود وعدم الاغترار والانخداع بهم، مع الحزم في التعامل معهم. ٤ - أهمية المباغتة للعدو وحصاره وقطع الإمداد عنه. ٥ - في هذه الغزوة وقعت بعض دلائل النبوة مثل، نعي النبي ﷺ لعامر بن الأكوع قبل استشهاده (٦)، وتفله في عين علي ﵁ لما أصابه الرمد فشفي مباشرة (٧)،

стр. 234

وإخبار ذراع الشاة المسمومة له أن بها سُمًا (١)، وكانت قد أهدتها له إِحدى نساء اليهود، وهي من دسائسهم وكيدهم. ٦ - الحرص على هداية الناس إِلى دين الحق وإن كانوا أعداءً ومجرمين كما في وصية النبي ﷺ لعلي ﵁ عندما أعطاه الراية وقال له: أُنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إِلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم (٢).

стр. 235

الفصل الخامس: انتشار الإسلام ودخول الناس في دين الله أفواجا

стр. 236

الجهاد النبوي (المرحلة الثانية) نشر الدعوة الإِسلامية: صلح الحديبية سماه الله فتحا مبينا، وقد ساد الأمن بين القبائل زمن الصلح، وانفتح الباب للدعوة إِلى الإِسلام، فقد تفرغ النبي ﷺ لمراسلة الملوك والزعماء في داخل الجزيرة العربية وخارجها، فأرسل إِلى هرقل عظيم الروم رسالة مع دحية الكلبي ورد نصها في الصحيح "بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد عبد الله ورسوله إِلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإِني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإِن توليت فإِن عليك إِثم الأريسيين (١). ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ومع الرد الحسن من هرقل إِلا أن حرصه على منصبه منعه أن يسلم. كذلك أرسل ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي إلى ملك البحرين، ومن ثم أوصلها إِلى كسرى الذي غضب ومزق الرسالة (٣)، وأرسل إِلى واليه على اليمن يأمره بإِرسال من يعتقل النبي ﷺ ويوصله إِليه. وبالفعل أرسل والي اليمن رجلين وصلا إِلى المدينة، فأخبرهما ﷺ بأن ربه أهلك ربهما (٤)، حيث استجاب الله دعاء النبي ﷺ على كسرى فوقعت ثورة قتل فيها، ثم ما زال أمرهم في نقص حتى تمزقت الدولة الفارسية وانمحت من الوجود فيما بعد في عهد الخلفاء الراشدين.

стр. 237

وممن راسله ﷺ المقوقس ملك الإسكندرية الذي قابل الرسالة بالاحترام والتقدير الذي يليق بها، وأكرم حاملها حاطب بن أبي بلتعة ورده محملا بالهدايا مع أنه لم يسلم (١). وكذلك أرسل ﷺ إِلى النجاشي أصحمه، وقد أسلم ومات في حياة النبي ﷺ ونعاه إِلى الصحابة وصلى عليه صلاة الغائب، ثم راسل مَنْ خَلَفَه ولم يكن مسلما (٢). أما ملوك الجزيرة العربية الذين راسلهم رسول الله ﷺ ودعاهم إِلى الإِسلام فمنهم: المنذر بن ساوى أمير البحرين، الذي أسلم فأقره الرسول ﷺ على بلده. وهوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة أرسل له النبي ﷺ سليط بن عمرو ﵁ برسالة ولم يسلم. وملكا عمان جيفر وعمار ابنا الجلندي اللذان وصلهما العلاء بن الحضرمي فأسلما (٣). دروس وعبر: ١ - الدلالة على عالمية الإِسلام. ٢ - احترام وتقدير الزعامات بعبارات الاحترام والتفخيم اللائقة. ٣ - انتشار الإِسلام في الجزيرة وخارجها حتى صار يُتحدث به، بل دخل فيه بعض الأفراد من خارج الجزيرة العربية. ٤ - كان النبي ﷺ يزاوج في نشر الإِسلام والدعوة إِليه بين السلم والحرب بحسب مواقف الدول والقبائل من الدعوة، فيقدم ﵊ الدعوة؛ لكن إِذا حصلت عقبة توجب المواجهة العسكرية فإِنه لا يتردد في المواجهة، كما في الغزوات التي وقعت بعد صلح الحديبية.

стр. 238

غزوة مؤتة وقعت في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وسميت غزوة خلافا لغيرها من السرايا بسبب كثرة عدد الجيش حيث بلغ ثلاثة الآف مقاتل، وتعدد الأمراء، وحصول القتال فيها. وسبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ أرسل من ضمن رسله إِلى ملوك الأَّرض وأمرائها، الحارث بن عمير الأزدي رسولًا إِلى ملك بُصْرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني واعتقله وضرب عنقه، فغضب المصطفى ﷺ وجهز جيشا أمّر عليه ثلاثة أمراء خلافا لسراياه، حيث جعل الأمير زيد بن حارثة، فإِن قُتِل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة (١)، وأرسل الجيش إِلى المكان الذي قُتِل فيه رسوله الحارث بن عمير، وأمرهم بدعوة من هناك إِلى الإِسلام، فإن أجابوا وإِلا قاتلوهم، وخرج مودعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، وقال لهم "اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم، إِنكم ستدخلون الشام وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة، ولا صغيرا، ولا كبيرًا فانيا، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بناءً" (٢)، وعندما وصل الخبر الروم جهز هرقل مائة ألف مقاتل، وتبعه مائة ألف أخرى من العرب، من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي، فلما بلغ جيش المسلمين مَعّان تشاوروا في أمرهم وقالوا: نكتب إِلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإِما أن يمدنا بالرجال، وإِما أن يأمرنا بأمره فنمضي، فشجعهم عبد الله بن رواحة قائلا: يا قوم إِن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إِلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإِنما هي إِحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: قد صدق والله عبد الله بن رواحة (٣).

стр. 239

وتحرك جيش المسلمين والتقى بالروم عند قرية مؤتة، وهناك دارت رحى معركة غير متكافئة في العَدد والعُدد، ولكن الله ثبت عباده ووفقهم، حيث أثخنوا في جيش العدو، قال خالد بن الوليد: انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف (١). فهذه الأسياف التي انقطعت في يده كم من الرقاب والدماء أزالت وأسالت؟ وقُتِل القائد الأول زيد بن حارثة برماح الأعداء، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فاقتحم عن فرسه ثم عقرها حتى لا يستفيد منها العدو، وثبت ثبات الأبطال حتى قطعت يده التي تحمل الراية، فأخذ الراية باليسرى؛ وظل يقاتل فقطعت أيضًا فحملها بعضديه فصرعه أحد الفرسان، وقد عوضه الله بجناحين يطير بهما في الجنة (٢). وأخذ الراية عبد الله بن رواحة وتردد قليلًا ثم جالد الأعداء حتى سقط صريعا، ولما سقطت راية المسلمين حملها ثابت بن أقرم الأنصاري وقال: يا قوم اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت، فقال: ما أنا بفاعل. ثم اصطلح الناس على خالد بن الوليد فدفعها إِليه (٣). وكان ذلك في آخر النهار، وقد بَرَد القتال، فاتخذ خالد خطة حربية محكمة حيث غير مواقع الجند، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدمة مؤخرة، والمؤخرة مقدمة، واختار عددًا من الفرسان وأمرهم بأن يثيروا الغبار فيظن العدو بأن هناك مددا قادما، فأوقع الله في قلوب الروم الرعب فانسحبوا وبذلك نصر الله جنده، ودليل النصر وهزيمه الكفار قوله ﷺ : ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (٤). ومع ما حصل من قتل القادة والشدة على جيش المسلمين إِلا أن عدد القتلى من

стр. 240

المسلمين كان من القلة بمكان. قال ابن كثير: وهذا عظيم جدًا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف أخرى، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إِلا اثنا عشر رجلًا، وقد قتل من المشركين خلق كثير (١). دروس وعبر ١ - أن النصر ليس بالكثرة بل هو بالثبات والصبر وتقوى الله. ٢ - قتل الرسل والسفراء جريمة من الجرائم الشنيعة في عرف العقلاء. ٣ - ميزان التفاضل هو التقوى لا غير، ولذا وَلّى ﷺ زيد بن حارثة مولاه وقَدّمه على ابن عمه الشريف القرشي، وابن رواحة الأنصاري. ٤ - منزلة جعفر ومن معه من القادة وأنهم من أهل الجنة (٢). ٥ - خالد بن الوليد سيف من سيوف الله كما قال المصطفى ﷺ ، وقد وهبه الله عبقرية عسكرية نادرة. ٦ - مؤتة أول لقاء بين المسلمين والروم، واكتسب المسلمون خبرة أفادتهم عند الفتوحات الإِسلامية لبلاد الشام. ٧ - الوصية النبوية للجيش تمثل الرحمة وقمة الإِنسانية واحترام الإِنسان، فلا تدمير للممتلكات، ولا قتل للضعفاء والعجزة وغير المقاتلين.

стр. 241

فتح مكة المشرفة كان من شروط صلح الحديبية أن لكل قبيلة الحق في أن تتحالف مع من شاءت. فأعلنت خزاعة تحالفها مع محمَّد ﷺ ، وأعلنت بنو بكر تحالفها مع قريش، وكان بين هاتين القبيلتين ثارات جاهلية، وآخرها تمكن خزاعة من قتل أشراف بني كنانة من بني الأسود بن رَزْن الدِّيلي عند أنصاب الحرم من جهة عرفة، وقد حجز الإِسلام بينهم حتى كانت السنة الثامنة للهجرة حيث حانت فرصة لبني الأسود بن رَزن الديلي للأخذ بثأرهم، حين اجتمعت خزاعة على ماء يقال له الوتير (١) بأسفل مكة فهجدوهم ليلًا، وكان الأمر مباغتا لخزاعة فلم تستعد لقتال، ولذا فروا من المكان باتجاه الحرم، وحينما دخلوا حدود الحرم قال أناس من بني الديل لزعيمهم نوفل بن معاوية الديلي: إِلاهك، إِلاهك، فقال كلمة عظيمة: "لا إِله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم" فقاتلوا في الحرم وانتهكوا حرمته. وكان المفترض أن قريشا تمنع مثل هذا الاعتداء وتستنكره، ولكنها أعانت على خزاعة بالسلاح وقيل بل شارك بعضهم كسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وغيرهما. وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إِلى المدينة ووقف أمام النبي ﷺ وقال منشدًا هذه الأبيات: يا رب إِني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتموا وُلدًا وبها والدا ... ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا فانصر، هداك الله، نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله، قد تجردا ... إِن سيم خسفا وجهه تربدا

стр. 242

إِن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله ﷺ : نصرت يا عمرو بن سالم. ونظر إِلى السماء فإِذا سحابُ فقال: إِن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب (١). وقد شعرت قريش بخطورة الأمر ولذا سار زعيمها أبو سفيان بن حرب إِلى المدينة مسرعا لاستجلاء الأوضاع، وقابل في الطريق بديل بن ورقاء الخزاعي في جماعة من خزاعة عند عسفان، فسأله: متى عهدكم بيثرب؟ فقال بديل: لا علم لنا بذلك، فعلم أنهم كتموا أمرهم، وحاول استجلاء الخبر فلم يصل إِلى شيء، وعند رحيلهم جاء مبرك نوقهم فوجد بعرها ففته فوجد نوى التمر فقال: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدًا (٢) وعندما وصل المدينة اتجه لابنته أم حبيبة أم المؤمنين ودخل عليها وعندما هَمّ بالجلوس طوت الفراش عنه فقال: "يا بنية أراغبة بالفراش عني؟ أم بي عنه؟ " فأجابته: "بل به عنك، لأنه فراش الرسول ﷺ ، وأنت رجل مشرك، نجس". فغضب منها، وقال: "والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر". فقالت: "لا والله بل خير" (٣). وحاول تجديد العقد (٤) ولكنه فشل في ذلك حيث حاول مع أبي بكر أن يكلم رسول الله فقال: ما أنا بفاعل. ثم سار إِلى عمر فقال له عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله؟ والله لو لم أجد إِلا الذر لجاهدتكم به.

стр. 243

وأخيرا انتهى إِلى أن قام بالمسجد قائلا -أمام رسول الله ﷺ أيها الناس إِني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد. فقال رسول الله ﷺ : "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة" وهذا عدم إِقرار لكلامه ورد له. ثم عاد إِلى مكة وأخبر قريشًا الخبر، فقالت: ما فعلت شيئًا (١). وحرص رسول الله ﷺ عند التجهز إِخفاء أمره حتى يباغت قريشًا فلا تستعد للقتال حتى لا يحصل بمكة قتال لتعظيم الله ورسوله لها. ولكن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ كتب لقريش يخبرهم بعزم الرسول الله ﷺ المسير إِليهم، وأخبر الله رسوله بخبر الرسالة، وأنها مع امرأة في روضة خاخ (٢)، فبعث عليا، والمقداد، والزبير بن العوام، فلما طلبوا منها الكتاب أنكرت فقال علي: إِني أحلف بالله ما كَذب رسول الله ﷺ ، ولا كُذب ولتخرجن الكتاب أو لنكشفنك. فقالت: أعرضوا، وحَلّت قرون رأسها واستخرجت الكتاب، ودعا رسول الله ﷺ حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله. إِني أمروء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر، فقال رسول الله ﷺ : إِنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإِن الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر أن الله اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (٣).

стр. 244

وقد مَوّه ﷺ كعادته في الخروج للغزو فأرسل أبا قتادة بن ربعي إِلى بطن إِضم (١)، ليظن الظان أنه متوجه صوب تلك المنطقة، وخرج رسول الله ﷺ في العاشر من رمضان بعد العصر وخَيرّ الناس بين الصوم والفطر، وسار حتى كان بالعرج (٢)، وهو صائم فصب على رأسه ووجهه الماء من العطش، وعند الجحفه لقيه عمه العباس مسلمًا مهاجرًا بأهله، فأرسل أهله إِلى المدينة وسار هو مع رسول الله ﷺ . ولما بلغ قديدًا (٣) لقيته سُليم، وعقد الألوية والرايات ودفعها للقبائل في قديد. وكان قد لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة بنيق العقاب (٤). فردهما فتوجهت لهم أم المؤمنين أم سلمة وقالت: لا يكون ابن عمك وصهرك أشقى الناس بك، فقبلهما وأسلما (٥)، وعندما بلغ الكديد (٦) أفطر وقت العصر وهو على دابته حتى يراه الناس، وبقي مفطرًا حتى آخر الشهر (٧).

стр. 245

وعسكر جيش الرسول ﷺ في مر الظهران (١)، وأمر الناس بإِيقاد النيران، واستأذن العباس رسول الله ﷺ أن يأخذ بغلته لعله يجد أحدًا من الحطَّابة أو غيرهم حتى يُبلِّغوا أهل مكة بالسارعة إِلى لقاء رسول الله ﷺ ويطلبوا الأمان، فسار على بغلة الرسول ﷺ ، وإِذا بصوت أبي سفيان يحادث بُديل بن ورقاء قائلا: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرا!. فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، وهنا سمع العباس الصوت وعرفه. فقال: يا أبا حنظلة، فقال: لبيك يا أبا الفضل. فقال العباس: ويلك هذا رسول الله ﷺ في عشرة الآف، فقال: واصباح قريش والله، بأبي أنت وأمي فما تأمرني هل من حيلة؟ قال: نعم اركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله ﷺ فأستأمنه لك. فحمله العباس وسار وكلما مر بنار، قال الناس: من هذا؟ حتى مر بنار عمر بن الخطاب فعرفه عمر فقال: أي عدو الله!! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد فأسرع العباس يركض البغلة حتى دخل على رسول الله ﷺ عليه، وقبل أن يتكلم وإِذا بعمر يقول: يا رسول الله: هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى فلأضرب عنقه. قال العباس: يا رسول الله إِني قد أجرته، ولكن عمر كان يلح، فغضب العباس وقال: مهلًا ياعمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب إِلي من إِسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إِلا أني قد عرفت أن إِسلامك كان أحب إِلى رسول الله من إِسلام الخطاب لو أسلم (٢). واستأذن العباس بأن يأخذ أبا سفيان في رَحْلِه، وفي الصباح جاء به إِلى رسول الله ﷺ فأسلم، وأوقفه العباس بأمر

стр. 246

رسول الله في عرجة الوادي حتى يرى قوة جيش المسلمين وسارت أمامه الكتائب حتى مَرّ به سعد بن عبادة فقال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا، فاشتكى أبو سفيان للرسول ﷺ فقال ﷺ : بل اليوم تعظم الكعبة، اليوم أعز الله قريشًا، وعزل سعدًا وولى ابنه قيس (١). وقال أبو سفيان للعباس: لقد عظم ملك ابن أخيك اليوم، فقال العباس: إِنها النبوة. قال: نعم. وأعطى الرسول ﷺ سفيان فضلا وشرفًا حيث قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن (٢). وقسم رسول الله ﷺ الجيش إِلى كتائب: منها كتيبة عليها الزبير وأمرها أن تدخل مكة من كَداء (الحجون). وكتيبة يقودها خالد بن الوليد وأمرها أن تدخل مكة من أسفلها من كُدَى (جبل الكعبة). وقد جمع بعض زعماء مكة قوة صغيرة عليها عكرمة، وصفوان، وسهيل، عند جبل خندمه، ومعهم شاب يقال له حماس بن قيس، رأته امرأته يصلح سلاحه فقالت: لمن تفعل هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: إِني والله أرى أني سأخدمك بعض أصحابه، فخرج وبعد وقت ليس بالطويل عاد وَجِلًا خائفا، وأغلق الباب، وقال لامرأته: أحكمي غلق الباب. قالت: أين الخدم؟ فقال: إِنك لو شهدت يوم الحندمه ... إِذ فر صفوان وفر عكرمة وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربًا فلا يُسمع إِلا غمغمه لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة (٣)

стр. 247

ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر (ريع ذاخر) ورأى السيوف تلمع فقال: ما هذا ألم أنه عن القتال؟ فقالوا: يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل ولو لم يُقَاتل ما قَاتَل، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا ليخالف أمرك، فقال رسول الله ﷺ : قضاء خير. ودخل رسول الله ﷺ مكة ومن تواضعه وشكره لله على نعمته أن فتح الله عليه البلد الحرام، كانت لحيته تكاد تمس رحله. وسار حتى وصل البيت الحرام وفي يده قوس فصار كلما مر بصنم أشار إِليه وطعنه في عينيه؛ والأصنام تتساقط وهي ثلاثمائة وستون صنمًا وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١). ثم دخل دار أم هانيء بنت أبي طالب فقدمت له كسر خبز يابس فكسرهن بالماء والخل، وصلى في دارها ثماني ركعات (٢). قال بعض العلماء إِنها صلاة الشكر وقد فعلها سعد بن أبي وقاص يوم دخل المدائن، وقال بعضهم بل هي صلاة الضحى. وكان قد أمر برجال ونساء أن يقتلوا أينما وجدوا، منهم: عبد الله بن خطل، وجد متعلقا بأستار الكعبة فَقُتِل وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وقد فَرّا بعد الهزيمة جهة اليمن كل على حده، فأسلمت أم حكيم امرأة عكرمة، وطلبت الآمان لزوجها، فوهبه لها رسول الله ﷺ ، فلحقت به حتى أعادته إِلى مكة، واستقبله رسول الله ﷺ ، وأوصى أصحابه قائلا: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه فإِن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت (٣). ولما أقبل على النبي ﷺ قال له: مرحبا بالراكب المهاجر.

стр. 248

وأما صفوان فطلب صاحبه عمير بن وهب الجمحي من رسول الله ﷺ أن يؤمنه شهرين، وسار عمير حتى لحق به، وأخبره الخبر، وعاد صفوان ولا زال الخوف والوجل في قلبه فلما وقف على الرسول الله ﷺ وقد صلى بالناس العصر في المسجد، قال له صائحًا: يا محمد، إِن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إِلى القدوم عليك، فإِن رضيتُ أمرًا وإِلا سيرتني شهرين، فقال: إِنزل أبا وهب، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: بل لك تسيير أربعة أشهر، فنزل صفوان (١). وكان ممن أهدر دمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح وكان قد أسلم ثم ارتد. وجاء به أخوه من الرضاعة عثمان بن عفان ورسول الله ﷺ في جماعة، وصار يستشفع له ويطلب الصفح عنه ورسول الله ﷺ لا يتكلم، حتى طال الوقت فأعطاه الآمان، فخرج مع عثمان، فقال ﷺ : أما فيكم رجلٌ رشيد يقوم إِلى هذا حين رأى أني قد صَمَتُّ فيقتله. فقالوا: يا رسول الله، هَلّا أومأت إِلينا بم فقال: إِنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (٢). وأمر ﷺ بلالًا أن يصعد على الكعبة ليؤذن لصلاة الظهر؛ وليغيظ المشركين، وبالفعل حصل هذا فقال أحدهم: لقد أكرم الله أبي أن لا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، وقال الآخر: أما والله لو أعلم أنه مُحِقّ لاتبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فقال لهم رسول الله ﷺ : "قد علمت الذي قلتم" (٣) وخطب رسول الله ﷺ بمكة خطبة عظيمة أبانت عن كرم خلقه وحلمه وعفوه وتجاوزه، حيث قال فيها: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن

стр. 249

أخ كريم وقد قَدِرْتَ فقال رسول الله ﷺ "فإِني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء" (١). وكان ﷺ قد أخذ مفتاح الكعبة فدخلها بعد أن طُهِّرت من الصور التي بداخلها وكَبّر في نواحيها وصلى ركعتين، ثم سَلّم مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وقال له: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إِلا ظالم (٢). وأرسل رسول الله ﷺ السرايا لهدم الأصنام ودعوة القبائل المحيطة بمكة، فأرسل خالد بن الوليد لهدم العزى، وخالد بن سعيد بن العاص إلى عُرَنه، وهشام بن العاص قِبَل يلملم، وسعد بن زيد الأشهلي إِلى مناة الطاغية عند المشلّل من قديد، وعمرو بن العاص إِلى رهاط لهدم الصنم سواع. وبقي رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة (٣). وفي البخاري روايتان: الأولى، عن أنس: أنهم أقاموا عشرًا، والثانية، عن ابن عباس: تسع عشرة ليلة (٤). وقد رتب رسول الله ﷺ أمور مكة فعين عليها عتاب بن أسيد أميرًا عندما خرج إِلى حنين، كما عين أبا محذورة مؤذنًا للمسجد الحرام، وأمر معاذ بن جبل بتعليم الناس السنن والفقه والتدريس في المسجد الحرام، وأضاف معه بعد رجوعه من الطائف أبا موسى الأشعري.

стр. 250

وبعث تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم (١). وخطب ﷺ في الناس موضحا حرمة مكة، وقال: إِن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وقد أذن الله له بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كما كانت (٢). دروس وعبر: ١ - كان فتح مكة من أهم الإِنجازات التي قام بها رسول الله ﷺ حيث كانت قريش تمثل القيادة للعرب وبسقوطها سقطت بقية البلاد بسهولة، فقد روى البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كانت العرب تتلوم بإِسلامها الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإِنه إِن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح؛ بادر كل قوم بإِسلامهم، وبدر أبي قومه بإِسلامهم (٣). ٢ - حرمة مكة وتأكيد الرسول الله ﷺ على ذلك بفعله وقوله. ٣ - تواضع الرسول ﷺ عند دخوله مكة فاتحًا وهذه من أخلاق الأنبياء. ٤ - العصببية والتفاخر باللون والنسب من سمات أهل الجاهلية. ٥ - قوة إِيمان عمر ﵁ حيث يقدم ما يحب رسول الله ﷺ على ما تحبه نفسه. ٦ - تحطيم الأصنام التي حول الكعبة وطمس الصور التي على جدرانها، وإِزالة الأصنام الكبار حول مكة مثل العزى، وسواع، ومناة، مما أزال عن الناس الرهبة والخوف من تلك الأصنام الذي سيطر على قلوبهم زمنًا طويلًا مما جعلهم يدخلون في دين الله أفواجًا.
следующие страницы →