← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 997–1036 · переход к 1002.

стр. 997

هذَا الحديثُ أخرجهُ البيهقيُّ، وابنُ حبانَ منْ حديثِ جعفرِ بن محمدٍ عنْ أبيهِ، عنْ جابرٍ. وفي البابِ منْ حديثِ القاسم بن محمدٍ قالَ: "دخلتُ على عائشةَ فقلتُ: يا أماهُ اكشفي لي عنْ قبرِ رسولِ اللهِ ﷺ وصاحبيْهِ، فكشفت لهُ عنْ ثلاثةِ قبورٍ، لا مشرفةً، ولا لاطئةً، مبطوحةً ببطحةِ العرَصَةِ الحمراءِ"، أخرجهُ أبو داودَ (١)، والحاكمُ (٢). وزادَ: "ورأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ مقدَّمًا، وأبو بكرٍ رأسُهُ بينَ كتفي رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وعمرَ رأسُه عندَ رجلي رسولِ اللَّهِ ﷺ ". وأخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (٣) عنْ صالحٍ بن أبي صالحٍ قالَ: "رأيتُ قبرَ رسولِ اللَّهِ ﷺ شبرًا أو نحوَ شبرٍ"، ويعارضُه ما أخرجهُ البخاريُّ (٤) منْ حديثِ سفيانَ التَّمَّارِ: "أنهُ رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مسنَّمًا" أي: مرتفعًا كهيئةِ السَّنَامِ. وجمَعَ بينَهما البيهقي، بأنهُ كانَ أوَّلًا مسطَّحًا، ثمَّ لما سقطَ الجدارُ في زمنِ الوليدِ بن عبدِ الملكِ أصلحَ، فجُعِلَ مسنَّمًا. فائدة: كانتْ وفاتُهُ ﷺ يوم الاثنينِ عندَما (٥) زاغتِ الشمسُ لاثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ منْ ربيع الأولِ، ودُفِنَ يومَ الثلاثاءِ كما في الموطأِ (٦). وقالَ جماعةٌ: يومَ الأربعاءِ، وتولى غسلَهُ ودفنَهُ علي والعباسُ وأسامةُ.

стр. 998

أخرجهُ أبو داودُ (١) منْ حديثِ الشعبيِّ وزادَ: "وحدَّثني مرحبٌ" كذا في الشرحِ. والذي في التلخيصِ (٢): "مُرَحَّبٌ أو أبو مُرَحَّبٍ" بالشكِّ، "أنَّهمْ أدخلُوا معهم عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ"، وفي روايةِ البيهقي (٣) زيادةٌ معَ عليٍّ والعباسِ: "الفضلُ بنُ العباسِ، وصالحٌ وهوَ شقرانُ" ولم يذكرِ ابنُ عوفٍ. وفي روايةٍ لهُ، ولابنِ ماجهْ (٤): "عليٌّ والفضلُ وقثمُ وشقرانُ"، وزادَ: "وسوَّى لحده رجلٌ منَ الأنصارِ". وجُمِعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ مَنْ نَقَصَ فباعتبارِ ما رأَى أولَ الأمرِ، ومَنْ زَادَ أراد بهِ آخرَ الأمرِ. النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها ٤٦/ ٥٤٥ - وَلمُسْلِمٍ (٥) عَنْهُ ﵁: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنى عَلَيْهِ. [صحيح] (ولمسلمٍ عنهُ) أي: عنْ جابرٍ (نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القبرُ، وأنْ يُقْعَدَ عليهِ، وأنْ يبنَى عليهِ). الحديث دليلٌ على تحريمِ الثلاثةِ المذكورةِ لأنهُ الأصلُ في النهي. وذهبَ الجمهورُ إلى أن النهيَ في البناءِ والتجصيص للتنزيه، [وعن] (٦) القعودِ للتحريمِ، وهوَ جميعٌ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، ولا يعرفُ ما الصارفُ عنْ حملِ الجميعِ على الحقيقةِ التي هي أصلُ النهي. وقدْ وردتِ الأحاديثُ في النهي عن البناءِ على القبورِ، والكتْبِ عليها،

стр. 999

والتسريب، وأنْ يزادَ فيها، وأنْ توطأَ. فأخرجَ أبو داودَ (١)، والترمذيُّ (٢)، والنسائي (٣) منْ حديثِ ابن مسعود مرفوعًا: "لعنَ اللَّهُ زائراتِ القبورِ، والمتَّخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ"، وفي لفظٍ للنسائيِّ (٤): "نَهَى [عن] (٥) أنْ يُبْنَى على القبرِ، أو يزادَ عليهِ، أو يجصَّصَ، أو يكتبَ عليهِ". وأخرجَ البخاري (٦) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في مرضهِ الذي لمْ يقمْ منهُ: "لعنَ اللَّهُ اليهودَ [والنَّصارى] (٧)، اتخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ"، واتفقَا (٨) على إخراجِ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "لعنَ اللَّهُ اليهودَ [والنصارى] (٩) اتخذُوا قبورَ أنبيائِهمُ مساجدَ". وأخرجَ الترمذيُّ (١٠): "أن عليًا ﵇ قالَ لأبي الهياجِ الأسدي: أبعثُكَ على ما بعثَني عليهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، أنْ لا أدعَ قبرًا مشرفًا إلا سوَّيتَه، ولا تمثالًا إلا طمستَه"، قالَ الترمذي: حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ فكرهُوا أنْ يرفعَ القبرُ فوقَ الأرضِ. قالَ الشارحُ ﵀: وهذهِ الأخبارُ المعبَّرُ فيها باللعنِ والتشبيه بالوثن بقولهِ:

стр. 1000

"لا تجعلُوا قبري وَثَنًا يُعْبَدُ منْ دونِ اللَّهِ" (١)، [يفيدُ] (٢) التحريمَ للعمارةِ، والتزيينَ، والتجصيصَ، ووضعَ الصندوقِ المزخرفِ، ووضعَ الستائرِ على القبرِ، وعلى سمائهِ، والتمسُّحَ بجدارِ القبرِ، وأنَّ ذلكَ قدْ يفضي معَ بُعْدِ العهدِ، وفُشُوِّ الجهلِ إلى ما كانَ عليهِ الأممُ السابقةُ منْ عبادةِ الأوثانِ، فكانَ في المنعِ عنْ ذلكَ بالكليةِ قطعٌ لهذهِ الذريعةِ المفضيةِ إلى الفسادِ، وهوَ المناسبُ للحكمةِ المعتبرةِ في شرعِ الأحكامِ منْ جلبِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ، سواءٌ كانتْ بأنفسِها أو باعتبارِ ما تفضي إليه، انتهَى. وهذا كلامٌ حسنٌ. وقدْ وفَّيْنَا المقامَ حقَّه في مسئلةٍ مستقلةٍ. هل الحثي على القبر الميت مشروع ٤٧/ ٥٤٦ - وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ

стр. 1001

مَظْعُونٍ، وَأَتى الْقَبْرَ، فَحَثى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقطْنيُّ (١) [ضعيف] (وعنْ عامرِ بن ربيعةَ أن النبيَّ ﷺ صلَّى على عثمانَ بن مظعونِ، وأتَى القبرَ، فحثَى عليهِ ثلاثَ حثياتِ، وهوَ قائمٌ. رواة الدارقطنيُّ). [وأخرج] (٢) البزارُ (٣) وزادَ بعدَ قولهِ هوَ قائمٌ: "عندَ رأسهِ"، وزادَ أيضًا: " [فأمرَ] (٤) فرشَّ عليه الماءَ". ورَوى أبو الشيخِ في مكارمِ الأخلاقِ (٥) عنْ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ حثَى على مسلمٍ احتسابًا كُتِبَ لهُ بكلِّ ثراةٍ حسنةٌ"، وإسنادهُ ضعيفٌ. وأخرجَ ابنُ ماجهْ (٦) منْ حديثِ أبي هريرةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حثَى منْ قِبَلِ الرأسِ ثلاثًا"، إلَّا أنهُ قالَ أبو حاتمٍ (٧): حديثٌ باطلٌ. ورَوَى البيهقي (٨) منْ طريقِ محمدِ بن زيادٍ عنْ أبي أمامةَ قالَ: "توفيَ رجلٌ فلمْ تصبْ لهُ حسنةٌ إلا ثلاثَ حثياتٍ حثَاها على قبرٍ فغفرتْ له ذنوبُه". ولكنَّ هذهِ [شهدَ] (٩) بعضها لبعضٍ، وفيهِ دلالةٌ على مشروعيةِ الحثي على القبرِ ثلاثًا، وهوَ يكونُ باليدينِ معًا لثبوتهِ في حديثِ عامرٍ بن ربيعةَ؛ ففيهِ حثى بيديهِ، واستحبَّ

стр. 1002

أصحابُ الشافعي أنْ يقولَ عندَ ذلكَ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ الآيةَ (١). استغفار الحي للميت وثبوت سؤال القبر ٤٨/ ٥٤٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْألُوا لَهُ التثْبِيتَ، فَإنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ عثمانَ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا فرغَ منْ دفنِ الميتِ وقفَ عليهِ وقالَ: استغفرُوا لأَخِيْكم، واسألُوا لهُ التثبيتَ؛ فإنهُ الآنَ يُسألُ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه الحاكمُ). فيهِ دلالةٌ على انتفاعِ الميتِ باستغفارِ الحيِّ لهُ، وعليهِ وردَ قولُه تعالَى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٤)، وقولُه تعالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٥) ونحوِهما، وعلى أنهُ يُسْأَلُ في القبرِ. وقدْ وردتْ بهِ الأحاديثُ الصحيحةُ كما أخرجَ ذلكَ الشيخانِ. فمنْها: منْ حديثِ أنسٍ (٦) أنهُ ﷺ قالَ: إنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبرهِ وتولى عنهُ أصحابُه، إنهُ ليسمعُ قَرْعَ نعالِهم"، زادَ مسلمٌ (٧): "وإذا انصرَفُوا أتاهُ ملكانِ"، زادَ ابنُ حبانَ (٨)، والترمذيُّ (٩) منْ حديثِ أبي هريرةَ: "أزرقانِ أسودانِ، يقالُ

стр. 1003

لأحدِهما المنكرُ، والآخرِ النكيرُ"، زادَ الطبرانيُّ [في الأوسطِ] (١): "أعينُهما مثلُ قدورِ النحاسِ، وأنيابُهما مثلُ صياصي (٢) البقرِ، وأصواتُهما مثلُ الرعدِ"، زادَ عبدُ الرزاقِ (٣): "أو، (٤) يحفرانِ بأنيابهما، ويطآنِ في أشعارِهما معَهما مرزبَّةٌ لو اجتمعَ عليها أهلُ منَى لم يقلُّوها". وزادَ البخاريُّ منْ حديثِ البراءِ: "فيعادُ روحهُ في جسدِه". ويستفادُ منْ مجموعِ الأحاديثِ أنَّهما يسألانهِ فيقولانِ [له] (٥): "ما كنتَ تعبدُ؟ فإنْ [كان] (٩) هداهُ اللَّهُ فيقولُ: كنتُ أعبدُ اللَّهَ. فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ لمحمدٍ؛ فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنه عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ - وفي روايةٍ: "أشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، فيقالُ لهُ: صدقْتَ فلا يُسْأَلُ عنْ شيء غيرَها، ثمَّ يقالُ لهُ: على اليقينِ كنتَ، وعليهِ متَّ، وعليهِ تبعثُ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى". وفي لفظٍ: "فينادِي منادٍ منَ السماءِ أنْ صدقَ عبدي، فافرشوهُ منَ الجنةِ، وافتحُوا لهُ بابًا إلى الجنةِ، وألبسوهُ منَ الجنةِ، قالَ: فيأتيهِ منْ رَوْحِها وطيْبها، ويفسحُ لهُ مدَّ بصرِه ويقالُ لهُ: انظرْ إلى مقعدِك منَ النارِ قدْ أبدلَكَ اللَّهُ مقعدًا منَ الجنةِ فيراهما جميعًا، فيقولُ: دعوني حتَّى أذهبَ أبشرُ أهلي، فيقالُ لهُ اسكتْ: ويفسحُ لهُ في قبرهِ سبعونَ ذراعًا، ويملأُ خضرًا إلى يومِ القيامةِ"، وفي لفظٍ: " [ويقالُ] (٦) لهُ: نَمْ فينام نومة العروس لا يوقظهُ إلا أحب أهله. وأما الكافر والمنافق فيقول له الملكانِ: مَنْ ربُّكَ؟ فيقولُ: هاهْ (٧) هاهْ لا أدري، ويقولانِ: ما دينُكَ؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري، فيقولانِ: ما هذَا الرجلُ الذي بُعِثَ فيكمْ؟ فيقولُ: هاهْ هاهْ لا أدري، فيقالُ: لا دريتَ ولا تليتَ، أي: لا فهمتَ ولا تبعتَ مَنْ يفهمُ، ويُضْرَبُ بمطارقَ منْ حديدٍ ضربة لو ضُرِبَ بها جبل لصارَ ترابًا؛ فيصيحُ صيحة يسمعُها مَنْ يليهِ غيرَ الثقلينِ".

стр. 1004

هل القبر خاص بهذه الأمة؟ واعلمْ أنَّها قدْ وردتْ أحاديثُ دالةٌ على اختصاصِ هذهِ الأمةِ بالسؤالِ في القبرِ دونَ الأممِ السالفةِ، قالَ العلماءُ: والسرُّ فيهِ أن الأممَ كانتْ تأتيهمُ الرسلُ فإنْ أطاعُوهم، فالمرادُ، وإنْ عصوهُمْ، اعتزلُوهم وعوجلُوا بالعذابِ، فلمَّا أرسلَ الله محمدًا ﷺ رحمة للعالمينَ أمسكَ عنْهمُ العذابَ وقبلَ الإسلامَ ممنْ أظهرهُ سواءٌ أخلصَ أم لا، وقيَّضَ [اللَّهُ] (١) لهمْ مَنْ يسألُهم في القبورِ ليخرجَ اللَّهُ سرَّهم بالسؤال، وليميزَ اللَّهُ الخبيثَ منَ الطيبِ. وذهبَ ابنُ القيمِ إلى عمومِ المسئلةِ، وبسطَ المسئلةَ في كتابِ الروحِ (٢). ٤٩/ ٥٤٨ - وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ ﵁ أَحَدِ التَّابِعِينَ - قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ عَنْهُ. أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ، قُلْ لَا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ، قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِيني الإِسْلَامُ، وَنَبِيِّ مُحَمّدٌ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا (٣). [ضعيف] - وَلِلطَّبَرَانيِّ (٤) نَحْوُهُ مِنْ حَديثِ أَبي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلًا. [ضعيف] ترجمة ضمرة بن حبيب (وعنْ ضَمْرةَ) (٥) بفتحِ الضادِ المعجمةِ، وسكونِ الميمِ (ابن حبيب)، بالحاءِ المهملةِ، مفتوحة، فموحَّدةٌ، فمثناةٌ، فموحدةٌ (أحدِ التابعينَ) حمصيٌّ ثقةٌ، رَوَى عنْ شدادِ بن أوسٍ وغيرِه (قالَ: كانوا) ظاهرُه الصحابةُ الذينَ أدركَهمْ (يستحبونَ إذا شوِّيَ) بضمِّ السينِ المهملةِ، مغيَّرَ الصيغةِ منَ التسويةِ (على الميتِ قبرَهُ، وانصرفَ

стр. 1005

الناسُ عنهُ أنْ يقالَ عندَ قبرِه: يا فلانُ، قلْ لا إلهَ إلا اللهُ ثلاثَ مراتٍ، يا فلانُ قلْ: ربيَ اللهُ، وديني الإسلام، ونبيَّ محمدٌ. رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ موقوفًا) على ضمرةَ بن حبيب، (وللطبراني نحوُهُ منْ حديثِ أبي أمامةَ مرفوعًا مطولًا). ولفظُه عنْ أبي أمامةَ: "إذا أنا متُّ فاصنعُوا بي كما أمرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نصنعَ بموتانا؛ أمرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فقالَ: إذَا ماتَ أحَد منْ إخوانِكم فسوَّيتمُ الترابَ على قبرهِ، فليقمْ أحدُكم على رأسِ قبرهِ ثمَّ ليقلْ: يا فلانُ ابنُ فلانةَ؛ فإنهُ يسمعُه ولا يجيبُ، ثمَّ يقولُ: يا فلانُ بنُ فلانةَ؛ فإنهُ يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة؛ فإنه يقول: أرشدْنا يرحمكَ اللَّهُ، ولكنْ لا تشعرونَ فليقلْ: اذكرْ ما كنتَ عليهِ في الدنيا منْ شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأنَّكَ رضيتَ باللهِ ربًا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ نبيًا، وبالقرآنِ إمامًا، فإنَّ منكرًا ونكيرًا يأخذُ كلُّ واحدٍ منْهما بيدِ صاحبِه فيقولُ: انطلقْ بنَا ما يقعدُنا عندَ مَنْ قدْ لُقِّنَ حجَّتَهُ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، فإنْ لم يعرفْ أَمَّهُ قالَ: ينسبُهُ إلى أمهِ حواءَ يا فلانُ بنُ حواءَ". قالَ المصنفُ (١): إسنادُه صالحٌ، وقدْ قوَّاهُ أيضًا في الأحكامِ لهُ. قلت: قالَ الهيثميُّ (٢) بعدَ سياقهِ ما لفظهُ: أخرجهُ الطبراني في الكبيرِ"، وفي إسنادهِ [رجال] (٣) لمْ أعرفْهم، وفي هامشهِ: فيهِ عاصمُ بنُ عبدِ اللهِ ضعيفٌ. ثمَّ قالَ: والراوي عنْ أبي أمامةَ سعيدٌ الأزديِّ بيضَ لهُ أبو حاتمٍ. قالَ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بن حنبلٍ: هذَا الذي تصنعونهُ إذَا دفنَ الميتُ يقفُ الرجلُ ويقولُ: يا فلانُ ابنُ فلانةَ، قالَ: ما رأيتُ أحدًا يفعلُه إلَّا أهلَ الشامِ حينَ ماتَ أبو المغيرةِ يُرْوَى فيهِ عنْ أبي بكرٍ ابن أبي مريمَ عنْ أشياخِهم أنَّهم كانُوا يفعلونهُ. وقدْ ذهبَ إليهِ الشافعيةُ وقالَ في المنارِ (٤): إنَّ حديثَ التلقينِ هذَا حديثٌ لا يشُكُّ أهلُ المعرفةِ بالحديثِ في وضْعِهِ، وأنهُ أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سننهِ

стр. 1006

عنْ ضمرة بن حبيبٍ، عنْ أشياخٍ لهُ منْ أهل حمصَ؛ [فالمسئلة] (١) حمصيةٌ، وأما جعلُ اسألُوا لهُ التثبيتَ فإنهُ الآن يسئلُ (٢): شاهدًا لهُ - فلا شهادةَ فيهِ، وكذلكَ أمرُ عمرِو بن العاصِ (٣) بالوقوفِ عندَ قبرِه مقدارَ ما يُنْحَرُ جزورٌ ليستأنسَ بهمْ عندَ مراجعةِ رسلِ ربِّه لا شهادةَ فيهِ على التلقينِ. وابنُ القيمِ جزمَ في الهدي (٤) بمثلِ كلامِ المنارِ. وأما في كتابِ الروحِ (٥) فإنهُ جعلَ حديثَ التلقينِ منْ أدلةِ سماعِ الميتِ لكلامِ الأحياءِ، وجعلَ اتصالَ العملِ بحديثِ التلقينِ منْ غيرِ نكيرٍ كافيًا في العملِ بهِ ولمْ يحكمْ لهُ بالصحةِ، بلْ قالَ في كتابِ الروحِ: إنهُ حديثٌ ضعيفٌ. ويتحصَّلُ منْ كلامِ أئمةِ التحقيقِ أنهُ حديثٌ ضعيفٌ، والعملُ بهِ بدعةٌ، ولا يُغْتَرُّ بكثرةِ مَنْ يفعلُهُ. ٥٠/ ٥٤٩ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كُنْتُ نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦)، زَادَ الترْمِذِيُّ (٧): "فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ". [صحيح] (وعنْ بريدةَ بن الحصيبِ الأسلميِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كنتُ نهيتُكم عنْ

стр. 1007

زيارةِ القبورِ فزورُوها. رواه مسلم، [و] (١) زادَ الترمذيُّ) أي: منْ حديثِ بريدةَ: (فإنَّها تذكرُ الآخرةَ). ٥١/ ٥٥٠ - زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ (٢) حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَتُزَهِّدُ في الدنْيَا". [ضعيف] (زادَ ابنُ ماجه (٤) منْ حديثِ ابن مسعودٍ)، وهوَ الحديثُ [الخمسون] (٣) السابقُ بلفظ ما مضَى وزادَ: (وتزهِّدُ في الدنيا). وفي الباب أحاديثُ عنْ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (٤)، وعن ابن مسعودٍ عندَ ابن ماجه (٥)، والحاكم (٦)، وعنْ أبي سعيدٍ عند أحمدَ (٧) والحاكمِ (٨)، وعنْ عليٍّ ﵇ عندَ أحمدَ (٩)، وعنْ عائشةَ عندَ ابن ماجهْ (١٠). والكلُّ [دالٌّ] (١١) على مشروعيةِ زيارةِ القبورِ وبيانِ الحكمةِ فيها،

стр. 1008

وأنَّها للاعتبارِ؛ [فإنهُ] (١) في لفظِ حديثِ ابن مسعودٍ: "فإنَّها عبرةٌ وذكرٌ للآخرةِ والتزهيدِ في الدنيا"؛ فإذا خلتْ [منْ] (٢) هذهِ لم تكنْ مرادة شرعًا، وحديثُ بريدةَ جمعَ فيهِ بينَ ذكرِ أنهُ ﷺ كانَ نَهَى أو، عنْ زيارتِها ثمَّ أذِنَ فيها أُخْرى. وفي قولهِ: فزورُوها، أمرٌ للرجالِ بالزيارةِ، وهوَ أمرُ ندبٍ اتفاقًا، ويتأكدُ في حقِّ الوالدينِ لآثارٍ في ذلكَ. وأما ما يقولُه الزائرُ عندَ وصولهِ المقابرَ [فهو] (٣): (السلامُ عليكمْ ديارَ قومٍ مؤمنينَ، ورحمةُ اللَّهِ وبركاتُه، [ثم] (٤) يدعُو لهم بالمغفرة ونحوها). وسيأتي حديثُ مسلمٍ (٥) في ذلكَ قريبًا، وأما قراءةُ القرآنِ ونحوها عندَ القبرِ فسيأتي الكلامُ فيها قريبًا (٦). زيارة النساء المقابر ٥٢/ ٥٥١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ. أَخْرَجَهُ التّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ (٧) ابْنُ حِبَّانَ (٨). [حسن] (وعنْ أبي هريرةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ لعنَ زائراتِ القبورِ. أخرجه الترمذيُّ وصحَّحهُ ابن حبانَ)، وقالَ الترمذيُّ بعدَ إخراجهِ: هذا حديثٌ حسنٌ. وفي البابِ عن ابن عباسٍ (٩)، وحسانَ (١٠).

стр. 1009

وقدْ قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: إنَّ هذا كانَ قبلَ أنْ يرخِّصَ النبيُّ ﷺ في زيارةِ القبورِ، فلما رخَّصَ دخلَ في رخصتهِ الرجالُ والنساءُ. وقال بعضُهم: إنَّما كرهَ زيارةَ القبورِ للنساءِ لقلةِ صبرهنَّ، وكثرةِ جَزَعِهنَّ، ثمَّ ساقَ بسندهِ: أن عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ تُوُفيَ ودُفِنَ في مكةَ وأتتْ عائشةُ قبرَه (١) ثمَّ قالتْ: وكنَّا كنَدَمَانَيْ جَذِيمَةَ برهةً … منَ الدهرِ حتَّى قيلَ لنْ يتصدَّعا وعِشْنا بخيرٍ في الحياةِ وقبلنا … أصابَ المنايا رهطُ كسرى وتُبَّعَا ولما تفرَّقْنا كأني ومالِكًا … لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معَا انتهَى. ويدلُّ لما قالُه بعضُ أهل العلم ما أخرجهُ مسلمٌ (٢) عن عائشةَ "قالتْ: كيفَ

стр. 1010

أقولُ يا رسول اللَّهِ إذا زرتُ القبورَ؟ قال: قولي: السلامُ على أهلِ الديارِ منَ المسلمينَ والمؤمنينَ، يرحمُ اللَّهُ المتقدِّمينَ مِنَّا والمتأخِّرينَ، وإنا إن شاءَ اللَّهُ بكمْ لاحقونَ"، وما أخرجَ الحاكمُ (١) منْ حديثِ على بن الحسينِ: "أن فاطمةَ ﵍ كانتْ تزورُ قبرَ عمِّها حمزةَ كلَّ جمعةٍ فتصلِّي وتبكي عندَهُ". قلت: وهوَ حديثٌ مُرْسلٌ، فإنَّ عليَّ بنَ الحسينِ لمْ يدركْ فاطمةَ بنتَ محمدٍ ﷺ . وعمومُ ما أخرجهُ البيهقي في شعبِ الإيمانِ (٢) مرسلًا: "مَنْ زارَ قبرَ الوالدينِ أو أحدَهما في كلِّ جمعةٍ غُفِرَ لهُ وكُتِبَ بارًا". ترحيم النياحة وجواز البكاء ٥٣/ ٥٥٢ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). [ضعيف] (وعنْ أبي سعيدٍ ﵁ قالَ: لعنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ النائحةَ والمستمعةَ. رواهُ أبو داودَ). النُّوْحُ [هو] (٤) رفعُ الصوتِ بتعديد شمائل الميِّت [ومَحاسنِ] (٥) أفعالهِ، والحديثُ دليلٌ على تحريم ذلكَ، وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ. ٥٤/ ٥٥٣ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نَنُوحَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 1011

(وعنْ أُمِّ عطيةَ قالتْ: أخذَ علينا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ لا ننوحَ. متفقٌ عليهِ). كانَ أخذُه عليهنَّ ذلكَ وقتَ المبايعةِ على الإسلامِ، والحديثانِ دالَّانِ على تحريمِ النياحةِ، وتحريمِ استماعِها؛ إذْ لا يكونُ اللعنُ إلا على محرَّمٍ. وفي البابِ عن ابن مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ليسَ منا مَنْ ضربَ الخدودَ، وشقَّ الجيوبَ، ودعا بدعوى الجاهليةِ" متفقٌ عليهِ (١). وأخرجا (٢) منْ حديث أبي موسى: أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "أنا بريءٌ ممنْ حلقَ وسلقَ وخرقَ". وفي البابِ غيرُ ذلكَ. ولا يعارضُ ذلكَ ما أخرجَ أحمدُ (٣)، وابنُ ماجة (٤)، وصحَّحهُ الحاكمُ (٥) عن ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ مرَّ بنساءِ ابن عبدِ الأشهلِ يبكينَ هَلْكَاهُنَّ يومَ أُحُد، فقالَ: لكنَّ حمزةَ لا بواكيَ [له] (٦)، فجاء نساءُ الأنصارِ يبكينَ حمزةَ. الحديثَ"، فإنهُ منسوخ بما في آخرهِ بلفظِ: "فلا تبكينَ على هالكٍ بعدَ اليومِ". وهوَ يدلُّ على أنهُ عبَّرَ عن النياحةِ بالبكاءِ، فإنَّ البكاءَ غيرُ منْهى عنهُ كما يدلُّ بهِ ما أخرجهُ النسائيُّ (٧) عنْ أبي هريرةَ قالَ: "ماتَ ميتٌ منْ آلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فاجتمعَ النساءُ يبكينَ عليهِ، فقامَ عمرُ ينهاهنَّ ويطردُهنَّ، فقالَ لهُ ﷺ : دعْهنَّ يا عمرُ، فإنَّ العينَ تدمعُ، والقلبُ مصابٌ، والعهدُ قريبٌ"، والميتُ هي زينبُ بنتُهُ ﷺ كما صرَّحَ بهِ

стр. 1012

في حديثِ ابن عباسٍ أخرجهُ أحمدُ (١)، وفيهِ أنهُ قالَ لهنَّ: "إياكنَّ ونعيقَ الشيطانِ؛ فإنه مهْما كانَ منَ العينِ ومنَ القلبِ فمنَ اللَّهِ ومنَ الرحمةِ، وما كانَ مِنَ اليدِ واللسانِ فمنَ الشيطان"؛ فإنهُ يدلُّ على جوازِ البكاءِ، وأنهُ إنَّما نَهَى عن الصوتِ. ومنهُ قولُهُ ﷺ (٢): "العينُ تدمعُ ويحزنُ القلبُ ولا نقولُ إلا ما يُرْضِي الربَّ"، قالهُ في وفاةِ ولدهِ إبراهيمَ. وأخرجَ البخاريُّ (٣) مِنْ حديثِ ابن عمرَ: "إنَّ اللَّهَ لا يعذِّبُ بدمع العينِ، ولا بحزنِ القلبِ، ولكنْ يعذبُ بهذَا، وأشارَ إلى لسانهِ، أوْ يرحمُ". وأمَا ما في حديثِ عائشةَ عندَ الشيخين (٤) في قولهِ ﷺ لمنْ أمرهُ أنْ ينْهى النساءَ المجتمعاتِ للبكاءِ على جعفرِ بن أبي طالب: "أحثُ في [وجْهِهِنَّ] (٥) الترابَ"، فيُحملُ على أنهُ كانَ بكاءً بتصويتِ النياحةِ، فأمرَ بالنهي عنهُ، ولو بِحَثْوِ الترابِ في أفواههنَّ. يعذَّب الميت بما نِيْحَ بِهِ عليه ٥٥/ ٥٥٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]. - وَلَهُمَا (٧) نحوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. (وعنِ ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: الميت يعذَّبُ في قبرهِ بما نيحَ عليهِ. متفقٌ عليهِ، ولهمَا) أي: الشيخينِ كما دلَّ لهُ متفقٌ عليهِ، فإنَّهما المرادُ بهِ نحوُهُ أي: نحوُ حديثِ ابن عمرَ، وهوَ (عن المغيرةِ بن شعبةَ).

стр. 1013

الأحاديثُ في البابِ كثيرةٌ وفيها دلالةٌ على تعذيبِ الميتِ بسببِ النياحةِ عليهِ. وقدِ استشكلَ ذلكَ لأنهُ تعذيبُه بفعلِ غيرِهِ، واختلفتِ الجواباتُ، فأنكرتْ عائشةُ (١) ذلكَ على عمرَ وابنهِ عبدِ اللَّهِ، واحتجتْ بقولهِ تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وكذلكَ أنكرهُ أبو هريرةَ، واستبعدَ القرطبي إنكارَ عائشةَ، وذكرَ أنهُ رواهُ عدةٌ منَ الصحابةِ فلا وجهَ لإنكارِها معَ إمكانِ تأويلهِ، ثمَّ جمعَ القرطبي بينَ حديثِ التعذيبِ والآيةِ بأنْ قالَ: حال البرزخِ يلحقُ بأحوالِ الدنيا، وقدْ جَرى التعذيبُ فيها بسبب ذنب الغيرِ كما يشيرُ إليه قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٣)، فلا يعارضُ حديثَ التعذيبِ آيةُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٤)، لأنَّ المرادَ بها الإخبارُ عنْ حالِ الآخرةِ، واستقواهُ الشارحُ. وذهبَ الأكثرونَ إلى تأويلهِ بوجوهٍ: الأولُ: للبخاريِّ أنهُ يعذَّبُ بذلكَ إذا كان سنتُهُ وطريقتُهُ. وقدْ أقرَّ أهلَه عليهِ في حياتهِ، فيعذَّبُ لذلكَ، وإنْ لمْ يكنْ طريقتُه فإنهُ لا يعذَّبُ، فالمرادُ علَى هذَا أنهُ يعذبُ ببعضِ بكاءِ أهلهِ، وحاصلُه أنهُ قدْ يعذَّبُ العبدُ بفعلِ غيرهِ إذا كانَ لهُ فيهِ سببٌ. الثاني: [أن] (٥) المرادَ أنهُ يعذَّبُ إذا أَوْصَى بأنْ [يناح] (٦) عليهِ، وهوَ تأويلُ الجمهورِ، قالُوا: وقدْ كانَ معروفًا عندَ القدماءِ كما قالَ طَرَفَةُ بنُ العبدِ (٧): إذا متُّ فابكيني بما أنا أهلُهُ … وشُقِّي عليَّ الجيبَ يا أمَّ مَعْبَدِ ولا يلزمُ منْ وقوعِ النياحةِ منْ أهلِ الميتِ امتثالًا لهُ أنْ لا يعذَّبَ لوْ لم

стр. 1014

يمتثلُوا، بلْ يعذَّبُ [بمجرد] (١) الإيصاءِ، فإن امتثلوهُ وناحُوا عذِّبَ على الأمرينِ: الإيصاءُ لأنهُ فعلُه، والنياحةُ لأنَّها بسببهِ. الثالثُ: أنهُ خاصٌّ بالكافرِ وأن المؤمنَ لا يعذَّبُ بذنبِ غيرهِ أصلًا، وفيهِ بُعْدٌ [كما] (٢) لا يخْفَى؛ فإنَّ الكافرَ لا يُحْمَلُ عليهِ ذنبُ غيرهِ أيضًا لقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). الرابعُ: أن معنَى التعذيبِ: توبيخُ الملائكةِ للميتِ بما يندبُه بهِ أهلُه، كما رَوَى أحمدُ (٤) منْ حديثِ أبي موسى مرفوعًا: "الميتُ يعذَّبُ ببكاءِ الحيِّ إذا قالتِ النائحةُ: واعضدَاهُ، واناصراهُ، واكاسياهُ، جُلِدَ الميتُ. وقالَ: أنتَ عضدُها، أنتَ ناصرُها، أنتَ كاسيْها". وأخرجَ معناهُ ابنُ ماجه (٥)، والترمذي (٦). الخامسُ: أن معنَى التعذيبِ تألمُّ الميتِ بما يقعُ منْ أهلهِ منَ النياحةِ وغيرِها، فإنهُ يرق لهم، وإلى هذا التأويلِ ذهبَ محمدُ بنُ جريرٍ وغيرُه، وقالَ القاضي عياضُ: هوَ أَوْلى الأقوالِ. واحتحوا بحديثٍ فيهِ: "أنهُ ﷺ زجرَ امرأةً عن البكاءِ على ابنِها وقالَ: إنَّ أحدَكم إذا بكَى استعبرَ لهُ صويحبُه، [فيا عباد] (٧) اللهِ لا تعذِّبُوا إخوانَكم" (٨).

стр. 1015

واستدلَّ لهُ أيضًا أن أعمالَ العبادِ تعرضُ على موتاهمُ، وهوَ صحيحٌ. [وثمةَ] (١) تأويلاتٌ أُخَرُ، وما ذكرناهُ أشفُّ ما في البابِ. جواز البكاء على الميت ٥٦/ ٥٥٥ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تُدْفَنُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ عِنْدَ الْقَبْرِ. فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعنْ أنسٍ قالَ: شهدتُ بنتًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ تُدْفَنُ ورسولُ اللهِ ﷺ جالسٌ عندَ القبرِ فرأيتُ عينيهِ تدمعانِ. رواهُ البخارفيُّ). قدْ بيَّنَ الواقديُّ وغيرُه في روايتهِ أن البنتَ أمُّ كلثوم. وقدْ ردَّ البخاريُّ قول مَنْ قالَ: إنَّها رقيةُ بأنَّها ماتتْ ورسولُ اللَّهِ ﷺ في بدرٍ، فلم يشهدْ ﷺ دفنَها. والحديثُ دليلٌ على جوازِ البكاءِ على الميتِ بعدَ موتهِ. وتقدَّمَ ما يدلُّ لهُ أيضًا إلَّا أنهُ عُورضَ بحديثِ: "فإذا وَجَبَتْ فلا تبكيَنَّ باكيةٌ" (٣). وجُمعَ بينَهما بأنهُ

стр. 1016

محمولٌ على رفعِ الصوتِ، [أو أنهُ] (١) مخصوصٌ بالنساءِ، لأنهُ قد يفضي بكاؤُهنَّ إلى النياحةِ، فيكونُ منْ بابِ سدِّ الذريعةِ. النهي عن دفن الميت ليلًا إلا لضرورة ٥٧/ ٥٥٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيلِ إلَّا أَنْ تُضْطَرُّوَا". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَأَصْلُهُ في مُسْلِم (٣)، لكِنْ قَالَ: زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتى يُصَلَّى عَلَيْهِ. [صحيح] (وعنْ جابرٍ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا تدفنُوا موتَاكم بالليلِ إلَّا أن تُضْطَرُّوا. أخرجهُ ابنُ ماجهْ. وأصلُه في مسلمٍ، لكنْ قالَ: زَجَرَ) بالزاي والجيمِ والراءِ، عوضَ "نهى"، (أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلَّى عليه)، دلَّ على النهي عن الدفن للميتِ ليلًا إلا لضرورةٍ. وقدْ ذهبَ إلى هذا الحسنِ، ووردَ تعليلُ النَّهي عنْ ذلكَ بأنَّ ملائكةَ النهارِ أرأفُ منْ ملائكةِ الليلِ في حديثٍ قالَ الشارحُ: اللَّهُ أعلمُ بصحَّتهِ. وقولُهُ: "وأصلُهُ في مسلمٍ"، لفظُ الحديثِ الذي فيهِ: "أنهُ ﷺ خطبَ يومًا فذكرَ رجلًا منْ أصحابهِ قبضَ وكفِّنَ في كفنٍ غيرِ طائلٍ، وقُبرَ ليلًا، وَزَجَرَ أنْ يُقْبَرَ الرجلُ بالليلِ حتَّى يصلَّى عليهِ إلَّا أنْ يُضْطَّرَّ الإنسانُ إلى ذلكَ". وهوَ ظاهرٌ أنَّ النهيَ إنما هوَ حيثُ كانَ مظنةَ حصولِ التقصيرِ في حقِّ الميتِ بتركِ الصلاةِ أوْ عدمِ إحسانِ الكفنِ، فإذا كانَ يحصلُ [بتأخرِ] (٤) الميتِ إلى النهارِ كثرةُ المصلينَ أو حضورُ مَنْ يُرْجَى دعاؤه حَسُنَ تأخرُهُ، وعلى هذا فيؤخرُ عن المسارعةِ بدفنه لذلكَ ولوْ في النهارِ، ودلَّ لذلكَ دفنُ عليٍّ ﵇ ﵍ ليلًا، ودفنُ الصحابةِ لأبي بكرٍ ليلًا.

стр. 1017

وأخرجَ الترمذيُّ (١) منْ حديثِ ابن عباسٍ: "أن النبيَّ ﷺ دخلَ قبرًا ليلًا، فأُسرِجَ لهُ سراجٌ فأخذَ منْ قبلِ القبلةِ فقالَ: رحمكَ اللَّهُ إنْ كنتَ لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآنِ" الحديثَ. قالَ: هوَ حديثٌ حَسَنٌ، قالَ: وقدْ رخَّصَ أكثرُ أهلِ العلمِ في الدفنَ ليلًا. وقالَ ابنُ حزمٍ (٢): لا يدفنُ أحدٌ ليلًا إلا أن يضطرَّ إلى ذلكَ، قالَ: ومَنْ دُفِنَ ليلًا مِنْ أصحابِه ﷺ وأزواجهِ فإنهُ لضرورةٍ أوجبتْ ذلكَ منْ خوف زحامٍ أو خوفِ الحرِّ على مَنْ حضرَ، أو خوفِ تغيرٍ، أو غيرِ ذلكَ مما يبيحُ الدفنَ ليلًا. ولا يحلُّ لأحدٍ أنْ يظنَّ بهمْ ﵃ خلافَ ذلكَ، انتهَى. تنبيهٌ: تقدمَ في الأوقاتِ حديثُ عقبةَ بن عامرٍ (٣): "ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نصليَ فيهنَّ، وأنْ نقبرَ فيهنَّ موتانا، حينَ تطلعُ الشمسُ بازغةً حتَّى ترتفعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظهيرةِ حتَّى تزولَ الشمسُ، وحينَ تضيفُ

стр. 1018

الشمسُ للغروبِ حتَّى تغربَ"، انتهَى. وكانَ يحسنُ ذكرُ المصنفِ لهُ هنَا. إيناس أهل الميت بصنع الطعام ٥٨/ ٥٥٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ - حِينَ قُتِلَ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ"، أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (١). [حسن] (وعنِ عبدِ اللهِ بن جعفرٍ ﵄ قالَ: لما جاءَ نعيم جعفرٍ حينَ قُتِلَ، قالَ النبيُّ ﷺ : اصنعُوا لآل جعفرٍ طعامًا فقدْ أتاهم ما يشغلُهم. أخرجهُ الخمسة إلا النسائيَّ). فيهِ [دليلٌ] (٢) على شرعيةِ إيناسِ أهلِ الميتِ بصنعِ الطعام لهمْ لما همْ فيهِ مِنَ الشغلِ بالموتِ، ولكنهُ أخرجَ أحمدُ منْ حديثِ جريرِ بن عبدِ اللهِ البجليِّ: "كنَّا نعدُّ الاجتماعَ إلى أهلِ الميتِ، وصنعةَ الطعامِ بعدَ دفنه منَ النياحةِ" (٣)، فيحملُ حديثُ جرير [بن عبد الله البجلي] (٤) على أن المرادَ صنعةُ أهلِ الميتِ [الطعامَ] (٥) لمنْ يدفنُ معهم ويحضرُ لديْهم كما هوَ عرفُ بعضِ [أهلِ] (٦) الجهاتِ، وأما الإحسانُ إليهم بحملِ الطعامِ لهمْ فلا بأسَ بهِ، وهوَ الذي أفادهُ حديثُ جعفرٍ. ومما يحرمُ بعدَ الموتِ العقرُ عندَ القبرِ لورودِ النهي عنهُ؛ فإنهُ أخرجَ أحمدُ (٧)، وأبو داود (٨) من

стр. 1019

حديث أنسٍ: "أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا عقرَ في الإسلامِ"، قالَ عبدُ الرزاقِ: كانُوا يعقرونَ عندَ القبرِ بقرة أو شاة. قالَ الخطابيُّ (١): "كانَ أهلُ الجاهليةِ يعقرونَ الإبلَ على قبرِ الرجلِ الجوادِ، يقولونَ: نجازيهِ على فعلهِ لأنهُ كانَ يعقرُها في حياتهِ فيطعمُها الأضيافَ، فنحنُ نعقرُها عندَ قبرِه حتَّى تأكلَها السباعُ والطيرُ، فيكونُ مُطعمًا بعدَ وفاتهِ كما كانَ يطعمُ في حياتهِ. ومنْهم مَنْ كانَ يذهبُ إلى أنهُ إذا عُقِرَتْ راحلتُه عندَ قبرهِ حُشِرَ في القيامةِ راكبًا، ومَنْ لم يعقرْ عندَه حُشِرَ راجلًا، وكانَ هذا على مذهبِ مَنْ يقولُ منهم بالبعثِ"، فهذا فعلٌ جاهليٌّ محرَّمٌ (٢). ما يقول ويفعل في زيارة القبور ٥٩/ ٥٥٨ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ أَنْ يَقُولُوا: "السّلَامُ على أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ لَاحِقُونَ، أَسْالُ الله لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ"، رَوَاهُ مُسْلِم (٣). [صحيح] (وعنْ سليمانَ بن بريدةَ) (٤) هوَ الأسلميُّ، رَوَى عنْ أبيهِ، وعمرانَ بن

стр. 1020

حصينٍ وجماعةٍ، ماتَ سنةَ خمسَ عشرةَ ومائةٍ (عنْ أبيهِ) أي: بريدةَ (قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يعلِّمُهم) أي: أصحابَهُ (إذا خرجُوا إلى المقابرِ) أي: أنْ يقولُوا: (السلامُ على أهلِ الديارِ منَ المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنا إنْ شاءَ اللَّهُ بكمْ لاحقونَ، أسألُ الله لنا ولكمْ العافيةَ. رواهُ مسلمٌ). وأخرجه أيضًا منْ حديثِ عائشةَ (١) وفيهِ زيادةُ: "ويرحمُ اللَّهُ المتقدِّمينَ منَّا والمتأخرينَ". والحديثُ دليل على [مشروعية] (٢) زيارةِ القبورِ، والسلامِ على مَنْ فيْهَا مِنَ الأمواتِ، وأنهُ بلفظِ السلامِ على الأحياءِ. قال الخطابي: فيهِ أن اسمَ الدارِ يقعُ على المقابرِ، وهوَ صحيحٌ؛ فإنَّ الدارَ في اللغةِ تقعُ على الرَّبعِ المسكونِ، وعلى الخرابِ غيرِ المأهولِ. والتقييدُ بالمشيئةِ للتبرُّكِ، وامتثالًا لقولهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣)، وقيلَ: المشيئة عائدةٌ إلى تلكَ التربةِ بعينِها. وسؤالهُ العافيةَ دليلٌ على أنَّها مِنْ أهمِّ ما يطلبُ، وأشرفِ ما يسئلُ. والعافيةُ للميتِ بسلامتِه منَ العذابِ ومناقشةِ الحسابِ. ومقصودُ زيارةِ القبورِ الدعاءُ لهمْ والإحسانُ إليهمْ، وتذكُّرُ الآخرةِ والزهدُ في الدنيا، وأما ما أحدثهُ العامةُ مِنْ خلافِ هذَا كدعائِهم الميتَ، والاستصراخِ بهِ، والاستغاثةِ بهِ، وسؤالِ اللَّهِ بحقِّهِ، وطلبِ الحاجاتِ إليهِ تعالى بهِ، فهذَا مِنَ البدعِ والجهالاتِ. وتقدمَ شيءٌ منْ هذَا. ٦٠/ ٥٥٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: مَرّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "السّلامُ عَلَيكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بالأَثَرِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٤)، وَقَالَ: حَسَنٌ. [ضعيف]

стр. 1021

(وعنِ ابن عباسٍ ﵁ قالَ: مرَّ رسول اللهِ ﷺ بقبورِ المدينةِ، فأقبلَ عليهمْ بوجهه فقالَ: السلامُ عليكمْ يا أهلَ القبورِ، يغفرُ اللهُ لنا ولكمْ، أنتمْ سلفنا ونحنُ بالأثرِ. رواة الترمذيُّ وقالَ: حسنٌ)، فيهِ أنهُ يسلِّمُ عليهمْ إذا مر بالمقبرة، وإن لم يقصد الزيارة لهم، وفيه أنهم يعلمون بالمارِّ بهم وسلامه عليهم، وإلَّا كانَ إضاعة، وظاهرهُ في جمعةٍ وغيرِها. وفي الحديثينِ الأُوَلِ وهذا دليلٌ [على] (١) أن الإنسانَ إذا دعا لأحدٍ، أو استغفَر له يبدأُ بالدعاءِ لنفسهِ والاستغفارِ لها، وعليهِ وردتِ الأدعيةُ القرآنيةُ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ (٢)، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) وغيرُ ذلكَ. وفيهِ أن هذهِ الأدعيةَ ونحوَها نافعةٌ للميتِ بلا خلافٍ، وأما غيرُها منْ قراءةِ القرآنِ لهُ فالشافعيُّ يقولُ: لا يصلُ ذلكَ إليهِ. وذهبَ أحمدُ وجماعةٌ منَ العلماءِ إلى وصولِ ذلكَ إليهِ. وذهبَ جماعةٌ منْ أهلِ السنةِ والحنفيةُ إلى أن للإنسانِ أنْ يجعلَ ثوابَ عملهِ لغيرِه صلاةً كان، أو صومًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةَ قرآنٍ، أو ذكرًا، أو أيَّ أنواعِ القُرَبِ. وهذا هوَ القولُ الأرجحُ دليلًا (٤)، وقدْ

стр. 1022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1025

أخرجَ الدارقطني (١): "أن رجلًا سألَ النبيَّ ﷺ أنهُ كيفَ يبرُّ أبويهِ بعدَ موتِهما، فأجابهُ بأنهُ يصلِّي لهما معَ صلاتِه، ويصومُ لهما معَ [صيامهِ] " (٢). وأخرجَ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ معقلِ بن يسار عنهُ ﷺ : "اقرأوا على موتاكم

стр. 1026

سورةَ يسَ"، وهوَ شاملٌ للميتِ بلْ هوَ الحقيقةُ فيهِ. وأخرجَ الشيخانِ (١): "أنهُ ﷺ كانَ يضحِّي عنْ نفسهِ بكبشٍ، وعنْ أمتهِ بكبشٍ". وفيه إشارةٌ إلى أن الإنسانَ ينفعُه عملُ غيره. وقد بسَطنا الكلامَ في حواشي ضوءِ النهارِ بما يتضحُ منهُ قوةُ هذا المذهبِ. النهي عن سبِّ الأموات ٦١/ ٥٦٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا

стр. 1027

الأَمْوَاتَ، فَإنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) [صحيح] (وعنْ عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ الله ﷺ : لا تسبُّوا الأمواتَ فإنَّهم قدْ أفْضَوْا) أي: وصلُوا (إلى ما قدَّموا) من الأعمالِ (رواهُ البخاري). الحديثُ دليل على تحريم سبِّ الأمواتِ، وظاهرُه العمومُ للمسلمِ والكافرِ، وفي الشرحِ الظاهرُ أنهُ مخصَّصٌ بجوازِ سبِّ الكافرِ لما حكاهُ اللَّهُ منْ ذمِّ الكفارِ في كتابهِ العزيزِ كعادٍ وثمودَ وأشباهِهم. قلتُ: لكنَّ قولَه: قدْ أفْضَوْا إلى ما قدَّمُوا علةٌ عامةٌ للفريقين معناها أنهُ لا فائدةَ تحتَ سبِّهم والتفكُّهِ بأعراضِهم، وأما ذكرُه تعالى للأمم الخاليةِ بما كانُوا فيهِ منَ الضلالِ فليسَ المقصودُ ذمَّهم بل تحذيرًا للأمةِ منْ تلكَ الأفعالِ التي أفضتْ بفاعِلها إلى الوبالِ، وبيانِ محرَّمات ارتكبوهَا. وذكرُ الفاجرِ بخصالِ فجورِه لغرضٍ جائزٌ، وليسَ منَ السبِّ المنهيِّ عنهُ فلا تخصيصَ بالكفارِ. نَعَمْ الحديثُ مخصَّصٌ ببعضِ المؤمنينَ كما في الحديثِ: "أنهُ مرَّ عليه ﷺ بجنازةٍ فأثنُوا عليها شَرًّا" الحديثَ. وأقرَّهم ﷺ على ذلكَ بلْ قالَ: وجبتْ، أي: النارُ، ثمَّ قالَ: أنتمْ شهداءُ اللَّهِ" (٢). ولا يُقالُ: إنَّ الذي أثْنَوا عليهِ شرًا ليس بمؤمن، لأنهُ قدْ أخرجَ الحاكمُ في ذَمِّهِ: بئسَ المرءُ كانَ، لقدْ كانَ فظًا غليظًا"، والظاهرُ أنهُ مسلمٌ إذْ لو كانَ كافرًا لما تعرَّضُوا لذمِّهِ بغيرِ كُفْرِهِ. وقدْ أجابَ القرطبيُّ عنْ سبِّهم لهُ، وإقرارِهِ ﷺ لهمْ بأنهُ يحتملُ أنهُ كانَ مستظهِرًا بالشرِّ ليكونَ منْ بابِ لا غيبةَ لفاسقٍ، أوْ بأنهُ يحملُ النهيَ عنْ سبِّ الأمواتِ على ما بعدَ الدفنِ. قلتُ: وهوَ الذي يناسبُ التعليلَ بإفضائِهم إلى ما قدَّموا؛ فإنَّ الإفضاءَ الحقيقيَّ بعدَ الدفنِ. ٦٢/ ٥٦١ - وَرَوى التِّرْمِذِيُّ (٣) عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ نَحْوَهُ، لكِنْ قَالَ: "فَتُؤْذُوا الأَحْيَاءَ". [صحيح]

стр. 1028

(وَرَوَى الترمذيُّ عن المغيرةِ نحوَه) أي: نحوَ حديثِ عائشةَ في النَّهيِ عنْ سبِّ الأمواتِ (لكنْ قالَ) عوضَ قولهِ: "فإنَّهم قدْ أفضُوا إلى ما قدَّموا"، (فتؤذُوا الأحياءَ) قالَ ابنُ رشدٍ (١): إنَّ سبَّ الكافرِ [يحرمُ] (٢) إذا تأذَّى به الحيُّ المسلمُ، ويحلُّ إذا لمْ تحصلْ بهِ الأذِيةُ. وأما المسلمُ فيحرمُ إلَّا إذا دعتْ إليهِ الضرورةُ، كأنْ تكونَ فيهِ مصلحةٌ للميتِ إذا أريدَ تخليصُه منْ مظلمةٍ وقعتْ منهُ فإنهُ يحسنُ، بلْ يجبُ إذا اقتضَى ذلكَ سبَّهُ، وهوَ نظيرُ ما استُثْنِيَ منْ جوازِ الغيبةِ لجماعة منَ الأحياءِ لأمورٍ. تنبيهٌ: من الأذيةِ للميتِ القعودُ على قبرهِ لِمَا أخرجَهُ أحمدُ (٣). قال الحافظُ ابنُ حجرٍ بإسنادٍ صحيحٍ منْ حديثِ عمرٍو بن حزمٍ الأنصاريِّ: قالَ: رآني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا متَّكئٌ على قبرٍ فقالَ: "لا تؤذِ صاحبَ القبرِ"، وأخرجَ مسلمٌ (٤) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ أنهُ قال رسولُ الله ﷺ : "لأَنْ يجلِسَ أحدُكم على جمرةٍ، فتحرقَ ثيابَهُ، فتخلُصَ إلى جلدهِ، خيرٌ لهُ من الجلوسِ عليهِ"، وأخرجَ مسلمٌ (٥) عنْ أبي مرثدٍ مرفوعًا: "لا تجلسُوا على القبورِ، ولا تصلُّوا إليها". والنهيُ ظاهر في التحريمِ. وقالَ المصنفُ في فتحِ الباري (٦) نقلًا عن النوويّ: إنَّ الجمهورَ يقولونَ

стр. 1029

بكراهةِ القعودِ عليهِ. وقالَ مالكٌ (١): المرادُ بالقعودِ: الحدثُ، وهوَ تأويلٌ ضعيفٌ، أو باطلٌ، انتهَى. وبمثلِ قول مالكٌ قالَ أبو حنيفةَ (٢)، كما في الفتحِ. قلتُ: والدليلُ يقتضي تحريمَ القعودِ عليهِ، والمرورِ فوقَه، لأنَّ قولَه: "لا تؤذِ صاحبَ القبرِ"، نهيٌ عنْ أذيةِ المقبورِ منَ المؤمنينَ، وأذيةُ المؤمنِ محرَّمة بنصِّ القرآنِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٣). تم بحمد الله المجلَّد الثالث من "سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المَرام" ولله الحمد والمنَّة ويليه المجد الرابع وأوله: [الكتاب الرابع] كتابُ الزكاة * * *

стр. 1030

[الكتاب الرابع] كتابُ الزكاةِ الزكاةُ لغةً مشتركةٌ بينَ النماءِ والطهارةِ، وتطلقُ على الصدقةِ الواجبةِ والمندوبةِ، والنفقةِ والعفوِ والحقِّ، وهي أحدُ أركانِ الإسلامِ الخمسةُ بإجماعِ الأمةِ، وبما عُلِمَ منْ ضرورةِ الدينِ. واختُلِفَ في أي سنةٍ فُرضَتْ، فقالَ الأكثرُ: إنَّها فُرضتْ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ قبلَ فرضِ رمضانَ. ويأتي بيانُ متَى فُرِضَ في باب هِ. الإمام أو نائبه يتولَّى قبض الزكاة ١/ ٥٦٢ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄: أَنَّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: "إنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيهِمْ صَدَقَةً في أَمْوَالِهِمْ تُؤخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). [صحيح] (عن ابن عباسٍ أن النبيَّ ﷺ بعثَ معاذًا إلى اليمنِ فذكرَ الحديثَ وفيهِ: إنَّ اللَّهَ قدِ افترضَ عليهمْ صدقةً في أموالهم تُؤْخَذُ منْ أغنيائِهم فتردُّ في فقرائِهم. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). كانَ بعثهُ ﷺ لمعاذٍ إلى اليمنِ سنةِ عشرٍ قبل حجّ النبي ﷺ كما ذكره البخاري في أواخر المغازي. وقيل كان آخر سنة تسع عندَ مُنْصَرَفِهِ ﷺ منْ غزوةِ تبوكٍ. وقيلَ: سنةَ ثمانٍ بعدَ الفتحِ، وبقي فيه إلى خلافةِ أبي بكرٍ. والحديثُ في البخاريِّ ولفظهُ: "عن ابن عباسٍ أنهُ ﷺ لَمَّا بعثَ معاذًا إلى

стр. 1031

اليمنِ قالَ لهُ: إنكَ تَقْدُمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ فليكنْ أولُ ما تدعوهم إليهِ عبادةَ اللَّهِ، فإذا عرفُوا اللَّهَ فأخبرهم أن الله قدْ فرضَ عليهمْ خمسَ صلواتٍ في يومهم وليلتِهم، فإذا فعلُوا فأخبرهم أن الله قدْ فرضَ عليهمُ الزكاةَ في أموالِهم تُوخَذُ مِنْ أغنيائِهم وتُرَدُّ في فقرائِهم، فإذَا أطاعُوكَ فخذْ منهم وتَوَقَّ كرائمَ أموالِ الناسِ". واستُدِلَّ بقولِه: تؤخذُ منْ أموالِهم، أن الإمامَ هوَ الذي يتولَّى قبض الزكاةِ وصرفَها إما بنفسهِ أو بنائبهِ، فمنِ امتنعَ منْها أُخِذَتْ منْهُ قهرًا. وقدْ بيَّنَ ﷺ المرادَ منْ ذلكَ ببعثِه السعاةَ. واستُدلَّ بقوله: تردُّ على فقرائِهم، أنهُ يكفي إخراجُ الزكاةِ في صنفٍ واحدٍ، وقيلَ: يحتملُ أنهُ خصَّ الفقراءَ لكونِهم الغالبَ في ذلكَ، فلا دليلَ على ما ذُكِرَ. ولعلُه أريدَ بالفقيرِ مَنْ يحلُّ إليهِ الصرفُ فيدخلُ المسكينُ عندَ مَنْ يقولُ إنَّ المسكينَ أعلى حالًا منَ الفقيرِ، ومَنْ قالَ بالعكسِ فالأمرُ واضحٌ. كتاب أبي بكر إلى أنس في الزكاة ٢/ ٥٦٣ - وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ كَتَبَ لَهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتي فَرَضَهَا رَسُولُ الله ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، والَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولُه: "فِي كُلِّ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ، في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْس وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فإذا بلغت ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُون، وفي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفي صَدَقَةِ الْغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إلَى مِائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمَائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ

стр. 1032

شَاةٌ. فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَفي الرِّقَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ"، رَواهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنْ أَنسٍ (٢) أن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ كتبَ لهُ) لما وجَّههُ إلى البحرينِ عاملًا (هذهِ فريضة الصدقةِ) أي: نسخةُ فريضةِ الصدقةِ، حذفَ المضافُ للعلمِ بهِ، وفيهِ جوازُ إطلاقِ الصدقةِ على الزكاةِ خلافًا لمنْ منعَ ذلكَ. واعلمْ أنَّ في البخاري تصديرَ الكتابِ هذا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، (التي فرضَها رسولُ اللهِ ﷺ على المسلمينَ) فيهِ دلالةٌ على أن الحديثَ مرفوعٌ، والمرادُ بفرضِها قدرُها، لأنَّ وجوبَها ثابتٌ بنصق القرآنِ كما يدلُّ لهُ قولُه: (والتي أمرَ الله بها رسولَه) أي: أنَّهُ أمرَهُ تعالى بتقديرِ أنواعِها وأجناسِها، والقدرُ المخرجُ منْها كما بيَّنهُ التفصيلُ بقولهِ: (في كلِّ أربعٍ وعشرينَ منَ الإبلِ فما دونَها الغنمُ) هوَ مبتدأٌ مؤخرٌ، وخبرُه قولُهُ في كلِّ أربعٍ وعشرينَ إلى فما دونَها (في كلِّ خمسٍ شاةٌ)، [فيه] (٣) تعيينُ إخراجِ الغنمِ في مثلِ ذلكَ، وهوَ قولُ مالك (٤)، وأحمدُ (٥). فلوْ أخرجَ بعيرًا لم

стр. 1033

يجزِهِ، وقالَ الجمهورُ: يجزيهِ، قالُوا: لأنَّ الأصل أنْ تجبَ منْ جنس المالِ، وإنَّما عدلَ عنهُ رِفقًا بالمالكِ فإذا رجعَ باختيارهِ إلى الأصلِ أجزأهُ، فإنْ كانتْ قيمةُ البعيرِ الذي يخرجُه دونَ قيمةِ الأربعِ الشياهِ ففيهِ خلافٌ عندَ الشافعيةِ وغيرِهم. قالَ المصنفُ في الفتحِ (١): والأقيسُ أنْ لا يجزئَ، ([فإذا] (٢) بلغتْ) أي: الإبلُ (خمسًا وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثينَ ففيها بنت مخاضٍ أنثَى) زادهُ تأكيدًا وإلَّا فقدْ عُلِمَتْ، والمخَاضُ بفتحِ الميم، وتخفيفِ المعجمةِ، آخرُه معجمةٌ، وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الأُولى ودخلَ في الثانيةِ إلى آخرِها، سمِّي بذلكَ ذَكَرًا كانَ أو أنثىَ لأنَّ أمَّهُ منَ المخاضِ أي: الحواملِ، لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ، والماخضُ الحاملُ التي دخلَ وقتُ حملِها وإنْ لمْ تحملْ، وضميرُ "فيها" للإبلِ التي بلغتْ خمسًا وعشرينَ، فإنَّها تجبُ فيها بنتُ مخاضٍ منْ حينَ تبلغُ عدَّتُها خمسًا وعشرينَ إلى أن تنتهيَ إلى خمسٍ وثلاثين، وبهذَا قالَ الجمهورُ، ورُوِيَ عن عليٍّ (٣) ﵇ "أنهُ يجبُ في الخمسِ والعشرينَ خمسُ شياهٍ" لحديثٍ مرفوعٍ وردَ بذلكَ، وحديث موقوفٍ عنْ عليِّ ﵇، ولكنَّ المرفوعَ ضعيفٌ والموقوفَ ليسَ بحجةٍ، فلذا لم يقلْ بهِ الجمهورُ، (فإنْ لم تكنْ) أي: توجدُ (فابن لبونٍ ذكرٍ) هوَ منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثانيةَ ودخلَ في الثالثةِ إلى تمامِها، سمِّيَ بذلكَ لأنَّ أمَّهُ ذاتُ لبنٍ ويقالُ: بنتُ اللبونِ للأنثى، وإنَّما زادَ قولَه: "ذكرٍ" معَ قولِه ابنُ لبونٍ للتأكيدِ كما عَرفْتَ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ أنثَى، فإذَا بلغتْ ستًا وأربعينَ إلى ستينَ ففيها حِقَّةٌ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ القافِ وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثالثةَ ودخلَ في الرابعةِ إلى تمامِها ويقالُ: للذكرِ حِقٌّ، سُمِّيَتْ بذلكَ لاستحقاقِها أنْ يحملَ عليها، ويركبَها الفحلُ، ولذلكَ قالَ: (طَروقَة الجملِ) بفتح أولهِ، أي: [مطروقتهُ] (٤)، فعولةٌ بمعنَى مفعولةٌ،

стр. 1034

والمرادُ منْ شأنُها أنْ تقبلَ ذلكَ وإنْ لم يطرقْها (فإذَا بلغتْ) [أي] (١): الإبلُ (واحدةً وستينَ إلى خمسٍ وسبعينَ ففيها جَذَعةٌ) بفتح الجيمِ والذالِ المعجمةِ، وهي التي أتتْ عليها أربعُ سنينَ ودخلتْ في الخامسةِ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وسبعينَ إلى تسعينَ ففيها بنتا لبونٍ) تقدمَ بيانُه. (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (إحدى وتسعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ ففيها حقتانِ طروقتا الجملِ) تقدمَ بيانهُ. (فإذا زادتْ) أي: الإبلُ (على عشرينَ ومائةٍ) أي: واحدةً فصاعدًا كما هوَ قول الجمهورِ، ويدلُّ لهُ كتابُ عمرَ ﵁: "فإذا كانتْ إحدى وعشرينَ ومائةً ففيها ثلاثُ بناتٍ لبونٍ حتَّى تبلغَ تسعًا وعشرينَ ومائةً". ومقتضاهُ أن ما زادَ على ذلكَ [فزكاته] (٢) بالإبلِ، وإذا كانت بالإبلِ فلا تجبُ زكاتُها إلَّا إذا بلغتْ مائةً وثلاثينَ، فإنهُ يجبُ فيها بنتا لبونٍ وحقةٌ، فإذا بلغتْ مائةً وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ وحقتانِ. [وعند] (٣) أبي حنيفةَ (٤) إذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ رجعتْ إلى فريضةِ الغنمِ فيكونُ في كلِّ خمسٍ وعشرينَ ومائةٍ ثلاثُ بناتِ لبونٍ وشاةٌ. قلتُ: والحديثُ إنَّما ذكرَ فيهِ حكمُ كلِّ أربعينَ وخمسينَ، فمعَ بلوغِها إحدى وعشرينَ ومائةٍ يلزمُ ثلاثُ بناتٍ لبونٍ عنْ كلِّ أربعينَ بنتِ لبونٍ، ولمْ يبيِّنْ فيهِ الحكمَ في الخمسِ والعشرينَ ونحوِها، فيحتملُ ما قالهُ أبو حنيفةَ، ويحتملُ أنها وقصٌ (٥) حتَّى تبلغَ مائةً وثلاثينَ كما قدَّمناهُ، واللَّهُ أعلمُ. (ففي كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ وفي كلِّ خمسينَ حقةٌ، ومنْ لم يكنْ معهُ إلَّا أربعٌ منَ الإبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) أي: أنْ يخرجَ [عنها] (٦) نفلًا منهُ وإلَّا

стр. 1035

فلا واجبَ عليهِ، فهوَ استثناءٌ منقطعٌ ذُكِرَ لدفعِ توهُّمٍ نشأَ منْ قوله: فليسَ فيها صدقةٌ، أن المنفيَ مطلقُ الصدقةِ لاحتمالِ اللفظِ لهُ وإن كانَ غيرَ مقصودٍ. فهذهِ صدقةُ الإبلِ الواجبةِ فصِّلتْ في هذا الحديثِ الجليلِ. وظاهرُهُ وجوبُ أعيانِ ما ذكرَ إلَّا أنهُ سيأتي قريبًا أن مَنْ لمْ يجدِ العينَ الواجبةَ أجزأهُ غيرُها. وأما زكاةُ الغنمِ فقدْ بيَّنَها قولُه: (وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتِها) بدلٌ منْ صدقةِ الغنمِ بإعادةِ العاملِ، وهوَ خبرٌ مقدَّمٌ، والسائمةُ منَ الغنمِ الراعيةُ غيرُ المعلوفةِ. واعلمْ أنهُ أفادَ مفهومُ السَّومِ أنهُ شرطٌ في وجوبِ زكاةِ الغنمِ، وقالَ بهِ الجمهورُ، وقالَ مالكٌ (١) وربيعةُ: لا يشترطُ. وقالَ داودُ (٢): يُشْتَرطُ في الغنمِ لهذا الحديثِ، قلْنا: وفي الإبلِ ما أخرجهُ أبو داودَ (٣)، والنسائيُّ (٤) منْ حديثِ بَهْزِ بن حكيمٍ بلفظِ: "في كلِّ سائمةٍ إبلٌ" وسيأتي (٥). نعمْ البقرُ لم يأتِ فيها ذكرُ السَّومِ وإنما قاسُوها على الإبل والغنمِ، (إذا كانتْ أربعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ شاةٍ) بالجرِّ تمييزُ مائةِ، والشاةُ تعمُّ الذكرَ والأنثَى والضأنَ والمعزَ، (شاةٌ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه في صدقةِ الغنمِ، فإنَّ في الأربعينَ شاةً إلى عشرينَ ومائةِ، (فإذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتينِ ففيهَا شاتانِ، فإذا زادتْ على مائتين إلى ثلثمائةِ ففيها ثلاثُ شياهٍ، فإذَا زادتْ على ثلثمائةِ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ)، ظاهرُه [أنَّها] (٦) لا تجبُ الشاةُ الرابعةُ حتَّى تفيَ أربعمائةٍ وهوَ قولُ الجمهورِ (٧)، وفي روايةِ عنْ أحمد (٨)، وبعضِ الكوفيينَ إذا زادتْ على ثلثمائةٍ واحدةٌ وجبتِ الأربعُ، (فإذا كانتْ سائمةُ الرجلِ ناقصة عنْ أربعينَ شاةٍ شاةً [واحدة] (٩) فليسَ فيها صدقةٌ) واجبةٌ (إلا أنْ يشاءَ ربُّها) إخراجُ صدقةٍ نفلًا كما سلفَ، (ولا يُجْمَعُ) بالبناءِ للمفعولِ (بينَ متفرِّقٍ ولا يفرَّقُ)، مثلُه مشدَّدُ الراءِ (بينَ

стр. 1036

مجتمعٍ خشيةَ الصدقةِ) مفعولٌ لهُ. والجمعُ بينَ المفترقِ صورتُه أنْ يكونَ ثلاثةَ نفرٍ مثلًا ولكلِّ واحدٍ أربعونَ شاةً، وقدْ وجبَ على كلِّ واحدٍ منْهمُ الصدقةُ، فإذا وصلَ إليهمُ المصدقُ جمعُوها ليكونَ عليهمْ فيها شاةٌ واحدة فَنُهُوا عن ذلك. وصورة التفريق بين مجتمع أن الخليطين لكل منهما مائةُ شاةٍ وشاةٌ فيكونُ عليهما فيها ثلاثُ شياهٍ؛ فإذا وصلَ إليهما المصدقُ فرَّقا غنَمَهما فلمْ يكنْ على كلِّ واحدٍ منْهما سوى شاةٍ واحدةٍ فَنُهُوا عنْ ذلكَ. قالَ ابنُ الأثيرِ: هذا الذي سمعتُه في ذلكَ. وقالَ الخطابيُّ: قالَ الشافعيُّ: الخطابُ في هذا للمصدقِ ولربِّ المالِ، قالَ: والخشيةُ خشيتانِ: خشيةُ الساعي أنْ تقلَّ الصدقةُ، وخشيةُ ربّ المالِ أنْ يقلَّ مالُه، فأمرَ كلَّ واحدٍ منْهما أنْ لا يحدِثَ في المالِ شيئًا منَ الجمعِ والتفريقِ خشيةَ الصدقةِ، (وما كانَ منْ خليطينِ فإنَّهما يتراجعانِ بينَهما) والتراجعُ بينَ الخليطينِ أنْ يكونَ لأحدِهما مثلًا أربعونَ بقرةً، وللآخرَ ثلاثونَ بقرةً، ومالُهما مشتركٌ، فيأخذُ الساعي عن الأربعينَ مسنَّة، وعنِ الثلاثينَ تبيعًا، فيرجعُ باذلُ المسنَّةِ بثلاثةِ أسباعِها على خليطه، وباذلُ التبيعِ بأربعةِ أسباعهِ على خليطهِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منَ [السنينِ] (١) واجبٌ على الشيوعِ كأنَّ المالَ ملكُ واحدٍ. وفي قولهِ: (بالسويةِ) دليلٌ على أن الساعي إذا ظلمَ أحدَهما فأخذَ منْه زيادةً على فرضِهِ، فإنهُ لا يرجعُ بها علَى شريكهِ، وإنَّما يغرمُ لهُ قيمةُ ما يخصُّهُ منَ الواجبِ دونَ [الزيادةِ، كذَا في الشرحِ. ولَو قيلَ مثلًا: إنهُ يدلُّ أنَّهما يتساويان في الحقّ والظلم لما بَعُدَ الحديثُ عنْ إفادةِ] (٢) ذلكَ. (ولا يُخْرَجُ) مبنيٌّ للمجهولِ (في الصدقةِ هَرِمةٌ) بفتحِ الهاءِ، وكسرِ الراءِ، الكبيرةُ التي سقطتْ أسنانُها، (ولا ذاتُ عَوارٍ) بفتحِ العينِ المهملةِ وضمِّها، وقيلَ: بالفتحِ معيبةُ العينِ، وبالضمِّ [عوراءُ] (٣) العينِ، ويدخلُ في ذلكَ المرضُ، والأَوْلى أنْ تكونَ مفتوحةً لتشملَ ذاتَ العيبِ فيدخلُ ما أفادَهُ حديث أبي داودَ: "لا تُعْطَى الهرمةُ، ولا الدرنةُ، ولا المريضةُ، ولا [الشرَط] (٤) اللَّئيمةُ ولكنْ منْ وسطِ أموالِكم؛ فإنَّ اللَّهَ لم يسألْكم خيرَهُ ولا أمَركم بشرِّه"، انتهَى.
следующие страницы →