← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1032–1071 · переход к 1037.

стр. 1032

شَاةٌ. فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَفي الرِّقَةِ: رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ"، رَواهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنْ أَنسٍ (٢) أن أبا بكرٍ الصديقَ ﵁ كتبَ لهُ) لما وجَّههُ إلى البحرينِ عاملًا (هذهِ فريضة الصدقةِ) أي: نسخةُ فريضةِ الصدقةِ، حذفَ المضافُ للعلمِ بهِ، وفيهِ جوازُ إطلاقِ الصدقةِ على الزكاةِ خلافًا لمنْ منعَ ذلكَ. واعلمْ أنَّ في البخاري تصديرَ الكتابِ هذا ببسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، (التي فرضَها رسولُ اللهِ ﷺ على المسلمينَ) فيهِ دلالةٌ على أن الحديثَ مرفوعٌ، والمرادُ بفرضِها قدرُها، لأنَّ وجوبَها ثابتٌ بنصق القرآنِ كما يدلُّ لهُ قولُه: (والتي أمرَ الله بها رسولَه) أي: أنَّهُ أمرَهُ تعالى بتقديرِ أنواعِها وأجناسِها، والقدرُ المخرجُ منْها كما بيَّنهُ التفصيلُ بقولهِ: (في كلِّ أربعٍ وعشرينَ منَ الإبلِ فما دونَها الغنمُ) هوَ مبتدأٌ مؤخرٌ، وخبرُه قولُهُ في كلِّ أربعٍ وعشرينَ إلى فما دونَها (في كلِّ خمسٍ شاةٌ)، [فيه] (٣) تعيينُ إخراجِ الغنمِ في مثلِ ذلكَ، وهوَ قولُ مالك (٤)، وأحمدُ (٥). فلوْ أخرجَ بعيرًا لم

стр. 1033

يجزِهِ، وقالَ الجمهورُ: يجزيهِ، قالُوا: لأنَّ الأصل أنْ تجبَ منْ جنس المالِ، وإنَّما عدلَ عنهُ رِفقًا بالمالكِ فإذا رجعَ باختيارهِ إلى الأصلِ أجزأهُ، فإنْ كانتْ قيمةُ البعيرِ الذي يخرجُه دونَ قيمةِ الأربعِ الشياهِ ففيهِ خلافٌ عندَ الشافعيةِ وغيرِهم. قالَ المصنفُ في الفتحِ (١): والأقيسُ أنْ لا يجزئَ، ([فإذا] (٢) بلغتْ) أي: الإبلُ (خمسًا وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثينَ ففيها بنت مخاضٍ أنثَى) زادهُ تأكيدًا وإلَّا فقدْ عُلِمَتْ، والمخَاضُ بفتحِ الميم، وتخفيفِ المعجمةِ، آخرُه معجمةٌ، وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الأُولى ودخلَ في الثانيةِ إلى آخرِها، سمِّي بذلكَ ذَكَرًا كانَ أو أنثىَ لأنَّ أمَّهُ منَ المخاضِ أي: الحواملِ، لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ، والماخضُ الحاملُ التي دخلَ وقتُ حملِها وإنْ لمْ تحملْ، وضميرُ "فيها" للإبلِ التي بلغتْ خمسًا وعشرينَ، فإنَّها تجبُ فيها بنتُ مخاضٍ منْ حينَ تبلغُ عدَّتُها خمسًا وعشرينَ إلى أن تنتهيَ إلى خمسٍ وثلاثين، وبهذَا قالَ الجمهورُ، ورُوِيَ عن عليٍّ (٣) ﵇ "أنهُ يجبُ في الخمسِ والعشرينَ خمسُ شياهٍ" لحديثٍ مرفوعٍ وردَ بذلكَ، وحديث موقوفٍ عنْ عليِّ ﵇، ولكنَّ المرفوعَ ضعيفٌ والموقوفَ ليسَ بحجةٍ، فلذا لم يقلْ بهِ الجمهورُ، (فإنْ لم تكنْ) أي: توجدُ (فابن لبونٍ ذكرٍ) هوَ منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثانيةَ ودخلَ في الثالثةِ إلى تمامِها، سمِّيَ بذلكَ لأنَّ أمَّهُ ذاتُ لبنٍ ويقالُ: بنتُ اللبونِ للأنثى، وإنَّما زادَ قولَه: "ذكرٍ" معَ قولِه ابنُ لبونٍ للتأكيدِ كما عَرفْتَ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ أنثَى، فإذَا بلغتْ ستًا وأربعينَ إلى ستينَ ففيها حِقَّةٌ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ القافِ وهي منَ الإبلِ ما استكملَ السنةَ الثالثةَ ودخلَ في الرابعةِ إلى تمامِها ويقالُ: للذكرِ حِقٌّ، سُمِّيَتْ بذلكَ لاستحقاقِها أنْ يحملَ عليها، ويركبَها الفحلُ، ولذلكَ قالَ: (طَروقَة الجملِ) بفتح أولهِ، أي: [مطروقتهُ] (٤)، فعولةٌ بمعنَى مفعولةٌ،

стр. 1034

والمرادُ منْ شأنُها أنْ تقبلَ ذلكَ وإنْ لم يطرقْها (فإذَا بلغتْ) [أي] (١): الإبلُ (واحدةً وستينَ إلى خمسٍ وسبعينَ ففيها جَذَعةٌ) بفتح الجيمِ والذالِ المعجمةِ، وهي التي أتتْ عليها أربعُ سنينَ ودخلتْ في الخامسةِ، (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (ستًا وسبعينَ إلى تسعينَ ففيها بنتا لبونٍ) تقدمَ بيانُه. (فإذا بلغتْ) أي: الإبلُ (إحدى وتسعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ ففيها حقتانِ طروقتا الجملِ) تقدمَ بيانهُ. (فإذا زادتْ) أي: الإبلُ (على عشرينَ ومائةٍ) أي: واحدةً فصاعدًا كما هوَ قول الجمهورِ، ويدلُّ لهُ كتابُ عمرَ ﵁: "فإذا كانتْ إحدى وعشرينَ ومائةً ففيها ثلاثُ بناتٍ لبونٍ حتَّى تبلغَ تسعًا وعشرينَ ومائةً". ومقتضاهُ أن ما زادَ على ذلكَ [فزكاته] (٢) بالإبلِ، وإذا كانت بالإبلِ فلا تجبُ زكاتُها إلَّا إذا بلغتْ مائةً وثلاثينَ، فإنهُ يجبُ فيها بنتا لبونٍ وحقةٌ، فإذا بلغتْ مائةً وأربعينَ ففيها بنتُ لبونٍ وحقتانِ. [وعند] (٣) أبي حنيفةَ (٤) إذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ رجعتْ إلى فريضةِ الغنمِ فيكونُ في كلِّ خمسٍ وعشرينَ ومائةٍ ثلاثُ بناتِ لبونٍ وشاةٌ. قلتُ: والحديثُ إنَّما ذكرَ فيهِ حكمُ كلِّ أربعينَ وخمسينَ، فمعَ بلوغِها إحدى وعشرينَ ومائةٍ يلزمُ ثلاثُ بناتٍ لبونٍ عنْ كلِّ أربعينَ بنتِ لبونٍ، ولمْ يبيِّنْ فيهِ الحكمَ في الخمسِ والعشرينَ ونحوِها، فيحتملُ ما قالهُ أبو حنيفةَ، ويحتملُ أنها وقصٌ (٥) حتَّى تبلغَ مائةً وثلاثينَ كما قدَّمناهُ، واللَّهُ أعلمُ. (ففي كلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ وفي كلِّ خمسينَ حقةٌ، ومنْ لم يكنْ معهُ إلَّا أربعٌ منَ الإبلِ فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) أي: أنْ يخرجَ [عنها] (٦) نفلًا منهُ وإلَّا

стр. 1035

فلا واجبَ عليهِ، فهوَ استثناءٌ منقطعٌ ذُكِرَ لدفعِ توهُّمٍ نشأَ منْ قوله: فليسَ فيها صدقةٌ، أن المنفيَ مطلقُ الصدقةِ لاحتمالِ اللفظِ لهُ وإن كانَ غيرَ مقصودٍ. فهذهِ صدقةُ الإبلِ الواجبةِ فصِّلتْ في هذا الحديثِ الجليلِ. وظاهرُهُ وجوبُ أعيانِ ما ذكرَ إلَّا أنهُ سيأتي قريبًا أن مَنْ لمْ يجدِ العينَ الواجبةَ أجزأهُ غيرُها. وأما زكاةُ الغنمِ فقدْ بيَّنَها قولُه: (وفي صدقةِ الغنمِ في سائمتِها) بدلٌ منْ صدقةِ الغنمِ بإعادةِ العاملِ، وهوَ خبرٌ مقدَّمٌ، والسائمةُ منَ الغنمِ الراعيةُ غيرُ المعلوفةِ. واعلمْ أنهُ أفادَ مفهومُ السَّومِ أنهُ شرطٌ في وجوبِ زكاةِ الغنمِ، وقالَ بهِ الجمهورُ، وقالَ مالكٌ (١) وربيعةُ: لا يشترطُ. وقالَ داودُ (٢): يُشْتَرطُ في الغنمِ لهذا الحديثِ، قلْنا: وفي الإبلِ ما أخرجهُ أبو داودَ (٣)، والنسائيُّ (٤) منْ حديثِ بَهْزِ بن حكيمٍ بلفظِ: "في كلِّ سائمةٍ إبلٌ" وسيأتي (٥). نعمْ البقرُ لم يأتِ فيها ذكرُ السَّومِ وإنما قاسُوها على الإبل والغنمِ، (إذا كانتْ أربعينَ إلى عشرينَ ومائةٍ شاةٍ) بالجرِّ تمييزُ مائةِ، والشاةُ تعمُّ الذكرَ والأنثَى والضأنَ والمعزَ، (شاةٌ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه في صدقةِ الغنمِ، فإنَّ في الأربعينَ شاةً إلى عشرينَ ومائةِ، (فإذا زادتْ على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتينِ ففيهَا شاتانِ، فإذا زادتْ على مائتين إلى ثلثمائةِ ففيها ثلاثُ شياهٍ، فإذَا زادتْ على ثلثمائةِ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ)، ظاهرُه [أنَّها] (٦) لا تجبُ الشاةُ الرابعةُ حتَّى تفيَ أربعمائةٍ وهوَ قولُ الجمهورِ (٧)، وفي روايةِ عنْ أحمد (٨)، وبعضِ الكوفيينَ إذا زادتْ على ثلثمائةٍ واحدةٌ وجبتِ الأربعُ، (فإذا كانتْ سائمةُ الرجلِ ناقصة عنْ أربعينَ شاةٍ شاةً [واحدة] (٩) فليسَ فيها صدقةٌ) واجبةٌ (إلا أنْ يشاءَ ربُّها) إخراجُ صدقةٍ نفلًا كما سلفَ، (ولا يُجْمَعُ) بالبناءِ للمفعولِ (بينَ متفرِّقٍ ولا يفرَّقُ)، مثلُه مشدَّدُ الراءِ (بينَ

стр. 1036

مجتمعٍ خشيةَ الصدقةِ) مفعولٌ لهُ. والجمعُ بينَ المفترقِ صورتُه أنْ يكونَ ثلاثةَ نفرٍ مثلًا ولكلِّ واحدٍ أربعونَ شاةً، وقدْ وجبَ على كلِّ واحدٍ منْهمُ الصدقةُ، فإذا وصلَ إليهمُ المصدقُ جمعُوها ليكونَ عليهمْ فيها شاةٌ واحدة فَنُهُوا عن ذلك. وصورة التفريق بين مجتمع أن الخليطين لكل منهما مائةُ شاةٍ وشاةٌ فيكونُ عليهما فيها ثلاثُ شياهٍ؛ فإذا وصلَ إليهما المصدقُ فرَّقا غنَمَهما فلمْ يكنْ على كلِّ واحدٍ منْهما سوى شاةٍ واحدةٍ فَنُهُوا عنْ ذلكَ. قالَ ابنُ الأثيرِ: هذا الذي سمعتُه في ذلكَ. وقالَ الخطابيُّ: قالَ الشافعيُّ: الخطابُ في هذا للمصدقِ ولربِّ المالِ، قالَ: والخشيةُ خشيتانِ: خشيةُ الساعي أنْ تقلَّ الصدقةُ، وخشيةُ ربّ المالِ أنْ يقلَّ مالُه، فأمرَ كلَّ واحدٍ منْهما أنْ لا يحدِثَ في المالِ شيئًا منَ الجمعِ والتفريقِ خشيةَ الصدقةِ، (وما كانَ منْ خليطينِ فإنَّهما يتراجعانِ بينَهما) والتراجعُ بينَ الخليطينِ أنْ يكونَ لأحدِهما مثلًا أربعونَ بقرةً، وللآخرَ ثلاثونَ بقرةً، ومالُهما مشتركٌ، فيأخذُ الساعي عن الأربعينَ مسنَّة، وعنِ الثلاثينَ تبيعًا، فيرجعُ باذلُ المسنَّةِ بثلاثةِ أسباعِها على خليطه، وباذلُ التبيعِ بأربعةِ أسباعهِ على خليطهِ، لأنَّ كلَّ واحدٍ منَ [السنينِ] (١) واجبٌ على الشيوعِ كأنَّ المالَ ملكُ واحدٍ. وفي قولهِ: (بالسويةِ) دليلٌ على أن الساعي إذا ظلمَ أحدَهما فأخذَ منْه زيادةً على فرضِهِ، فإنهُ لا يرجعُ بها علَى شريكهِ، وإنَّما يغرمُ لهُ قيمةُ ما يخصُّهُ منَ الواجبِ دونَ [الزيادةِ، كذَا في الشرحِ. ولَو قيلَ مثلًا: إنهُ يدلُّ أنَّهما يتساويان في الحقّ والظلم لما بَعُدَ الحديثُ عنْ إفادةِ] (٢) ذلكَ. (ولا يُخْرَجُ) مبنيٌّ للمجهولِ (في الصدقةِ هَرِمةٌ) بفتحِ الهاءِ، وكسرِ الراءِ، الكبيرةُ التي سقطتْ أسنانُها، (ولا ذاتُ عَوارٍ) بفتحِ العينِ المهملةِ وضمِّها، وقيلَ: بالفتحِ معيبةُ العينِ، وبالضمِّ [عوراءُ] (٣) العينِ، ويدخلُ في ذلكَ المرضُ، والأَوْلى أنْ تكونَ مفتوحةً لتشملَ ذاتَ العيبِ فيدخلُ ما أفادَهُ حديث أبي داودَ: "لا تُعْطَى الهرمةُ، ولا الدرنةُ، ولا المريضةُ، ولا [الشرَط] (٤) اللَّئيمةُ ولكنْ منْ وسطِ أموالِكم؛ فإنَّ اللَّهَ لم يسألْكم خيرَهُ ولا أمَركم بشرِّه"، انتهَى.

стр. 1037

والدرنةُ الجرباءُ منَ الدرنِ الوسخِ، والشرطاءُ اللئيمةُ هي أرذلُ المال، وقيلَ: صغارُه [وشرارُه] (١)، قالُه في النهايةِ (٢). (ولا تيسٌ إلَّا أنْ يشاءَ المصدقُ)، اختُلفَ في ضبطهِ فالأكثرُ على أنهُ بالتشديد، وأصلُه المتصدِّقُ أدغمتِ التاءُ بعدَ قلْبِها صادًا والمرادُ بهِ المالكُ، والاستثناءُ راجعٌ إلى الآخرِ، وهوَ التيسُ، وذلكَ أنهُ إذا لم يكنْ معدًا للإنزاءِ فهوَ منَ الخيارِ، وللمالكِ أنْ يخرجَ الأفضلَ، ويحتملُ ردُّهُ إلى الجميعِ، ويفيدُ أن للمالكِ إخراجَ الهرمةِ وذاتِ العوارِ إذا كانتْ سمينةً قيمتُها أكثرُ منَ الوسطِ الواجبِ. وفي هذا خلافٌ بينَ المفرِّعينِ، وقيلَ: إنَّ ضبطَهُ بالتخفيفِ والمرادُ بهِ الساعي فيدلُّ على أن لهُ الاجتهادَ في نظرِ الأصلحِ للفقراءِ، وأنهُ كالْوَكيلِ فَتُقَيَّدُ مشيئتُه بالمصلحةِ فيعودُ الاستثناءُ إلى الجميعِ على هذَا، وهذَا إذا كانتِ الغنمُ مختلفةً، فلوْ كانتْ معيبةً كلُّها أو تيوسًا أجزأهُ إخراجُ واحدةٍ، وعنِ المالكيةِ يشتري شاةً مُجْزئَةً عملًا بظاهرِ الحديثِ، وهذهِ زكاةُ الغنمِ وتقدَّمتْ زكاةُ الإبلِ وتأتي زكاةُ البقرِ. وأما الفضةُ فقدْ أفادَ الواجبَ منْها قولُه: (وفي الرِقةِ) بكسرِ الراءِ وتخفيفِ القافِ، وهي الفضةُ الخالصةُ [في مائتي درهم] (٣) (ربعُ العشرِ) أي يجبُ إخراجُ ربعِ عُشْرها زكاةً، ويأتي النصُّ على الذهبِ، (فإنْ لم تكنْ) أي: الفضةُ (إلا تسعينَ) دِرْهمًا (ومائةً فليسَ فيها صدقةٌ إلَّا أنْ يشاءَ ربُّها) كما عرفتَ، وفي قولِه: تسعينَ ومائةً ما يوهمُ أنَّها إذا زادتْ على التسعينَ والمائةِ قبلَ بلوغِ المائتينِ أن فِيْها صدقةً وليسَ كذلكَ، بلْ إنَّما ذكرَهُ لأنهُ آخرُ عقدٍ قبلَ المائةِ، والحسابُ إذا جاوزَ الآحادَ كانَ تركيبهُ بالعقودِ كالعشراتِ والمئينَ والألوفِ فذكرَ التسعينَ لذلكَ ثمَّ ذكرَ حكمًا منْ أحكامِ زكاةِ الإبلِ قدْ أشرْنا إلى أنهُ يأتي بقولهِ: (ومَنْ بلغتْ عندَهُ منَ الإبلِ (٤) صدقةُ الجذعةِ). وقدْ عرفتَ في صدرِ الحديثِ العدةَ التي تجبُ فيها الجذعةُ (وليستْ عندَهُ جذعة) أي: في ملكهِ، (وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تقبلُ منهُ) عوضًا عن الجذعةِ (ويجعلُ معَها) أي: توفيةً لها

стр. 1038

(شاتينِ إن استيسرتَا لهُ أو عشرينَ دِرهمًا) إذا لم [يتيسر] (١) لهُ الشاتان. وفي الحديثِ دليلٌ أن هذَا القدْرَ هوَ جبرُ التفاوتِ ما بينَ الجَذْعةِ والحقَّةِ. (ومَنْ بلغتْ عندَهُ صدقةُ الحِقَّةِ) التي عرفتَ قدْرَها (وليستْ عندَه الحِقَّةُ وعندَه الجذعة فإنها تُقْبَل منهُ الجذعةُ) وإنْ كانتْ زائدةً على ما يلزمُه فلا يكلَّفُ تحصيلُ ما ليسَ عندَه (ويعطيهِ المصدقُ) مقابلَ ما زادَ عندَهُ (عشرينَ دِرْهَمًا أو شاتينِ) كما سلفَ في عكسه (رواهُ البخاريُّ). وقد اختُلِفَ في قدْر التفاوتِ في سائرِ الأسنانِ، فذهبَ الشافعيُّ إلى أن التفاوتَ بينَ كلِّ سنينَ كما ذُكِرَ [في الحديث] (٢)، وذهبَ الهادويةُ إلى أن الواجبَ هوَ زيادةُ فضل القيمةِ منْ ربِّ المالِ أو ردَّ الفضلَ منَ المصدقِ، ويرجعُ في ذلكَ إلى التقويمِ قالُوا: بدليلِ أنهُ وردَ في روايةِ عشرةِ دراهمَ أو شاةٍ وَمَا [ذلكَ] (٣) إلَّا أن التقويمَ يختلفُ باختلافِ الزمانِ والمكانِ فيجبُ الرجوعُ إلى التقويمِ. وقدْ أشارَ البخاريُّ إلى ذلكَ، فإنهُ أوردَ حديثَ أبي بكرٍ في بابِ أخْذِ العَرُوضِ منَ الزكاةِ وذكرَ في ذلكَ قولَ معاذٍ لأهلِ اليمنِ: "ائتوني بعرضِ (٤) ثيابِكم خميصٍ أو لبيسٍ في الصدقةِ مكانَ الشعيرِ والذرةِ أهونُ عليكم، وخيرٌ لأصحاب محمد ﷺ بالمدينةِ"، ويأتي استيفاءُ ذلكَ. زكاة البقر ونصابها ٣/ ٥٦٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ النَّبيّ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مُعَافِريًا. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٥)، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَشَارَ إِلَى اخْتِلَافٍ في وَصْلِهِ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٦) وَالْحَاكِمُ (٧). [صحيح]

стр. 1039

(وعنْ معاذٍ بن جبلَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ بعثَة إلى اليمنِ، فأمرة أنْ يأخذَ منْ كلِّ ثلاثينَ بقرةً تبيعًا أو تبيعةً). فيهِ أنهُ مخيَّرٌ بينَ الأمرينِ، والتبيعُ ذو الحولِ ذَكَرًا كانَ أو أُنْثَى، (ومنْ كلِّ أربعينَ مُسَّنةً)، وهي ذاتُ الحولينِ (ومنْ كلِّ حالمٍ دينارًا) أي: محتلِمٍ. وقدْ أخرجهُ بهذا اللفظِ أبو داودَ (١). والمرادُ بهِ الجزيةُ ممنْ لم يُسلمْ، (أو عَدْلَهُ) بفتحِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الدالِ المهملةِ، (مُعافِريًا) نسبةً إلى معافرٍ [بزنة] (٢) مساجدَ حيٌّ في اليمنِ إليهمْ تنسبُ الثيابُ المعافريةُ، يقالُ: ثوبٌ معافريٌّ (رواهُ الخمسةُ، واللفظُ لأحمدَ، وحسَّنهُ الترمذيُّ. وأشارَ إلى اختلافٍ في وصلهِ)، لفظُ الترمذيِّ بعدَ إخراجهِ (٣): وَرَوى بعضُهم هذا الحديثَ عن الأعمشِ عنْ أبي وائلٍ عنْ مسروقٍ: "أن النبيَّ ﷺ بعثَ معاذًا إلى اليمنِ فأمرَهُ أنْ يأخذَ" قالَ: وهذا أصحُّ، أي: منْ روايتهِ عنْ مسروقٍ عن معاذٍ عن النبيِّ ﷺ ، (وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ)، وإنَّما رجَّحَ الترمذيُّ الروايةَ المرسلةَ، [لأنَّ رواية الاتصال اعتُرضتْ] (٤) بأن مسروقًا لمْ يلقَ معاذًا، وأجيبَ عنهُ بأنَّ مسروقًا همدانيُّ النسبِ منْ وادعةَ يمانيُّ الدارِ. وقدْ كان في أيامِ معاذِ باليمنِ، فاللقاءُ ممكن بينَهما، فهوَ محكومٌ باتصالهِ على رأي الجمهورِ. قلت: وكانَ رأيُ الترمذيِّ رأيَ البخاريِّ أنهُ لا بدَّ منْ تحقُّق اللقاءِ.

стр. 1040

والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في البقر، وأنَّ نصابَها ما ذُكِرَ، وهوَ مُجْمَعٌ [عليهِ في] (١) الأمرينِ. وقالَ ابنُ عبد البرِّ (٢): لا خلافَ بينَ العلماءِ أن السنةَ في زكاةِ البقر على ما في حديثِ معاذٍ، وأنهُ النصابُ المجمعُ عليهِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يجبُ فيما دون الثلاثينَ شيءٌ، وفيهِ خلافٌ [عن الزهري] (٣) فقالَ: يجبُ في كلِّ خمسٍ شاةٌ قياسًا على الإبلِ. وأجابَ الجمهورُ بأنَّ النصابَ لا يثبتُ بالقياسِ وبأنهُ قدْ رُوِيَ: "ليسَ فيما دونَ ثلاثينَ منَ البقر شيءٌ" (٤)، وهوَ وإنْ كانَ مجهولَ الإسنادِ فمفهومُ حديثِ معاذٍ يؤيدُه. تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم ٤/ ٥٦٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "تُؤخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ" رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥). وَلأَبي دَاوُدَ (٦) أيضًا: "لَا تُؤخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهمْ". [حسن لغيره] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : تُؤْخَذُ صدقاتُ المسلمينَ على مياهِهم. رواهُ أحمدُ، ولأبي داودَ) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ (أيضًا: ولا تؤخذُ صدقاتُهم إلَّا في دورِهم)، وعندَ النسائيِّ (٧) وأبي داودَ (٨) في لفظٍ منْ حديثِ عمرٍو أيضًا: "لا جلَبَ، ولا جنَبَ، ولا تؤخذُ صدقاتُهم إلَّا في دورهِم"، أي: لا تجلبُ الماشيةُ إلى المصدقِ؛ بلْ هوَ الذي يأتي إلى ربِّ

стр. 1041

المالِ، ومعنى لا جنبَ [أنهُ] (١) حيثُ يكونُ المصَدِّقُ بأقصَى مواضعِ أصحابِ الصدقةِ فتجنبُ إليه فنهيَ عنْ ذلكَ، وفيهِ تفسيرٌ آخرُ يخرجهُ عنْ هذا البابِ. والأحاديثُ دلَّتْ على أن المصَدِّقَ هوَ الذي يأتي إلى ربِّ المالِ، فيأخذُ الصدقةَ. ولفظُ أحمدَ خاصٌّ بزكاةِ الماشيةِ، ولفظُ أبي داودَ عام لكلِّ صدقةٍ، وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٢) عن جابرٍ بن عُتَيْكٍ مرفوعًا: "سيأتيكمْ رَكْبٌ مبغضونَ، فإذا أتوكُم فرحِّبُوا بهم، وخلوا بينَهم وبينَ ما يبتغونَ، فإنْ عدلُوا فلأنفسِهم، وإن ظلمُوا فعليها، وأرضُوهم؛ فإنَّ تمام زكاتِكم رضاهُم". فهذا يدلُّ أنَّهم ينزلونَ بأهلِ الأموالِ، وأنَّهم يرضونَهم وإن ظلمُوهم. وعندَ أحمدَ (٣) منْ حديثِ أنسٍ قال: "أتى رجلٌ منْ بني تميمٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إذا أدَّيتُ الزكاةَ إلى رسولكَ فقدْ برئتُ منْها إلى اللَّهِ ورسولهِ؟ قالَ: نَعَمْ ولكَ أجرُها، وإثمها على مَنْ بدَّلها"، وأخرجَ مسلمٌ (٤) حديثَ جابرٍ مرفوعًا: "أرضُوا مصدّقكم"، في جوابِ ناس منَ الأعرابِ أَتَوْه ﷺ فقالُوا: إنَّ ناسًا من المصدِّقينَ يأتونَنَا فيظلمونَنَا"، إلَّا أن في البخاري أن مَنْ سُئِلَ أكثرَ مما وَجَبَ عليهِ فلا يعطيهِ المصدقَ. وجُمِعَ بينهُ وبينَ هذهِ الأحاديثِ أن ذلكَ حيثُ يطلبُ الزيادةَ على الواجبِ منْ غيرِ تأويلٍ، وهذهِ الأحاديثُ حيثُ طلبَها متأولًا وإنْ رآهُ صاحبُ المالِ ظالمًا. ٥/ ٥٦٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥)، وَلمُسْلِمٍ (٦): "لَيْسَ في الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ". [صحيح]

стр. 1042

(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : ليسَ على المسلمِ في عبدِه ولا فرسه صدقةٌ. رواهُ البخاريُّ، ولمسلمٍ) أي: منْ روايةِ أبي هريرةَ: (ليسَ في العبدِ صدقةٌ إلَّا صدقةُ الفطرِ). الحديثُ نصَّ على أنهُ لا زكاةَ في العبيدِ ولا الخيلِ، وهوَ إجماعٌ فيما كانَ للخدمةِ والركوبِ، وأما الخيلُ المعدَّةُ للنتاجِ ففيها خلافٌ للحنفيةِ، وتفاصيلُ. واحتجُّوا بحديثِ: "في كلِّ فرسٍ سائمةٍ دينارٌ أو عشرَةُ دراهمَ" أخرجهُ الدارقطنيُّ (١)، والبيهقيُّ (٢)، وضعَّفاهُ. وأجيبَ بأنهُ لا يقاومُ حديثَ النفي الصحيحَ، واتفقتْ هذهِ الواقعةُ في زمنِ مروانَ فشاورَ الصحابةَ في ذلكَ، فرَوَى أبو هريرةَ الحديثَ: "ليسَ على الرجلِ في عبدهِ ولا فرسهِ صدقةٌ"، فقالَ مروانُ لزيدِ بن ثابتٍ: ما تقولُ يا أبا سعيدٍ؟ فقالَ أبو هريرةَ: عجبًا منْ مروانَ أحدِّثُهُ بحديثِ رسولِ الله ﷺ وهوَ يقولُ: ما تقولُ يا أبا سعيدٍ، فقالَ زيدٌ: صدقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أرادَ بهِ الفرسَ الغازيَ، فأما تاجرٌ يطلبُ نسلَها ففيها الصدقةُ، فقالَ: كمْ؟ قالَ: "في كلِّ فرسٍ دينارٌ أوْ عشرةُ دراهمَ". وقالتِ الظاهريةُ (٣): لا تجبُ الزكاةُ في الخيلِ ولو كانتْ للتجارةِ، وأجيبَ بأنَّ زكاةَ التجارةِ واجبةٌ بالإجماعِ كما نقلهُ ابنُ المنذرِ (٤). قلتُ: كيفَ الإجماعُ وهذا خلافُ الظاهريةِ. للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا ٦/ ٥٦٧ - وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "في كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ: في أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤتَجِرًا بِهَا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ،

стр. 1043

عَزْمَةٌ مِن عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدِ مِنْهَا شَيْءٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٤)، وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ (٥) الْقَوْلَ بِهِ عَلَى ثُبُوتِهِ. [حسن] (وعنْ بَهْزِ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الهاءِ، وبالزاي (ابن حكيمٍ) بن معاويةَ بن حيدةَ بفتحِ الحاءِ المهملةِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وفتحِ الدالِ المهملةِ، القشيري، بضمِّ القافِ، وفتحِ المعجمةِ. وبهزٌ تابعيٌّ مختلفٌ في الاحتجاجِ بهِ، فقال يحيى بنُ معينٍ (٦) في هذهِ الترجمةِ إسنادٌ صحيحٌ إذا كانَ منْ دون بَهْزٍ ثقةٌ. وقالَ أبو حاتمٍ: هوَ شيخٌ يُكْتَبُ حديثُه، ولا يحتجُّ بهِ. وقالَ الشافعيُّ: ليسَ بحجةٍ. وقالَ الذهبيُّ: ما تركهُ عالمٌ قطُّ (٧) (عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ) هوَ معاويةُ بنُ حيدةَ صحابيُّ (قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : في كلِّ سائمةِ إبلٍ في أربعينَ بنتُ لبونٍ) تقدمَ في حديثِ أنسٍ (٨) أن بنتَ اللبونِ تجبُ منْ ستٍّ وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ، فهوَ يصدقُ على أنهُ يجبُ في الأربعينَ بنتُ لبونٍ، ومفهومُ العددِ هنَا مطرحُ زيادةٍ ونقصانٍ، لأنهُ عارضَهُ المنطوقُ الصريحُ، وهوَ حديثُ أنسٍ: (لا تفرقُ إبلٌ عنْ

стр. 1044

حسابِها). معناهُ أن المالكَ لا يفرقُ ملكَهُ عنْ ملكِ غيرهِ حيثُ كانا خليطينِ كما تقدَّمَ، (مَنْ أعطاها مؤتجرًا بها) أي: قاصدًا للأجرِ بإعطائِها (فلهُ أجرُها، ومنْ منعَها فإنَّا آخذوها وشطرَ مالهِ عزمةٌ) يجوزُ رفعهُ على أنهُ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، ونصبُه على المصدريةِ، وهوَ مصدرٌ مؤكدٌ لنفسهِ مثلُ: لهُ عليَّ ألفُ درهمٍ اعترافًا، والناصبُ لهُ فعلٌ يدلُّ عليهِ [جملة] (١): فإنَّا آخذُوها، والعزمةُ الجدُّ في الأمرِ، يعني أن أخذَ ذلكَ بجدٍّ فيهِ لأنهُ واجبٌ مفروضٌ (منْ عزماتِ ربِّنا، لا يحلُّ لآلِ محمدٍ منْها شيءٌ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحه الحاكئم، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على ثبوتهِ) فإنهُ قالَ: هذا الحديثُ لا يثبتهُ أهلُ العلم بالحديثِ، لو ثبتَ لقُلْنا بهِ. وقالَ ابنُ حبانَ (٢): كانَ - يعني بهزًا - يخطئُ كثيرًا، ولولا هذا الحديثُ لأدخلتهُ في الثقاتِ، وهوَ مَنْ أستخيرُ اللَّهَ فيهِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يأخذُ الإمامُ الزكاةَ قَهْرًا ممَّنْ منعَها، والظاهرُ أنهُ مجمعٌ عليهِ، وأن نيةَ الإمامِ كافيةٌ، وأنها تجزئُ مَنْ هي عليهِ وإنْ فاتهُ الأجرُ فقدْ سقطَ عنهُ الوجوبُ. وقولُه: وشطرَ مالِه هوَ عطفٌ على الضميرِ المنصوبِ في آخذوها، والمرادُ من الشطرِ البعضُ، وظاهرهُ أن ذلكَ عقوبةٌ بأخذِ جزءِ منَ المالِ على منعهِ إخراجِ الزكاةِ. وقدْ قيلَ: إنَّ ذلكَ منسوخٌ أوْ لم يقمْ مدَّعي النسخِ دليلًا على النسخِ، بلْ دلَّ على عدمهِ أحاديثُ أُخَرُ ذكرَها في الشرحِ. وأما قولُ (٣) المصنفِ: إنهُ لا دليلَ في حديثِ بهز على جوازِ العقوبةِ بالمالِ لأنَّ الروايةَ: "وشُطّرَ مالهِ " بضمِّ الشينِ، فعلٌ مبني للمجهولِ، أي: جعلَ ماله شطرينِ ويتخيرُ عليهِ المصدقُ ويأخذُ الصدقةَ منْ خيرِ الشطرينِ عقوبةً لمنعهِ الزكاةَ. قلتُ: وفي النهايةِ (٤) ما لفظُه: قالَ الحربيُّ: غَلِطَ الرُّاوي في لفظِ الرّوايةِ إنَّما هيَ وشُطِّرَ مالهُ، أي: يُجْعَلُ مالهُ شَطْرَينِ إلى آخرِ ما ذكرهُ المصنفُ. وإلى مثلهِ جنحَ صاحبُ ضوءِ النهارِ (٥) فيهِ وفي غيرهِ منْ رسائِله، وذكرْنا في

стр. 1045

حواشيهِ (١) أنهُ على هذهِ الروايةِ أيضًا دالٌّ على جوازِ العقوبةِ بالمالِ؛ إذ الأخذُ منْ خيرِ الشطرينِ عقوبةٌ بأخذِ زيادةٍ على الواجبِ؛ إذِ الواجبُ الوسطُ غيرُ الخيارِ، ثمَّ رأيتُ الشارحَ أشارَ إلى هذا الذي قلناهُ في حواشي ضوءِ النهارِ قبلَ الوقوفِ علَى كلامهِ، ثمَّ رأيتُ النوويَّ بعدَ مدةٍ طويلةٍ ذ كرَ ما ذكرناهُ بعينهِ ردًا على مَنْ قالَ إنهُ علَى تلكَ الروايةِ لا [دليل] (٢) فيهِ على جوازِ العقوبةِ بالمالِ، ولفظهُ: إذا تخيَّرَ المصدقُ وأخذَ مِنْ خيرِ الشطرينِ فقدْ أخذَ زيادةً على الواجبِ وهي عقوبةٌ بالمالِ، إلَّا أن حديثَ بهزٍ هذا لو صحَّ فلا يدلُّ إلَّا على هذهِ العقوبةِ بخصوصِها في مانعِ الزكاةِ لا غيرُ. وهذا الشطرُ المأخوذُ يكونُ زكاةً كلُّه أي: حكمهُ حكمُها أخذًا ومصرِفًا، ولا يلحقُ بالزكاةِ غيرُها في ذلكَ لأنهُ إلحاقٌ بالقياسِ ولا نصَّ على علتهِ، وغيرُ النصِّ منْ أدلةِ العلةِ لا يفيدُ ظنًا يعملُ بهِ سيَّما وقدْ تقرَّرتْ حرمةُ مالِ المسلمِ بالأدلةِ القطعيةِ كحرمةِ دمهِ، فلا يحلُّ أخذُ شيءٍ منهُ إلَّا بدليلٍ قاطع، ولا دليلَ بلْ هذا الواردُ في حديثِ بهزٍ آحادي لا يفيدُ إلَّا الظنَّ فكيفَ يُؤْخَذُ بهِ ويُقَدَّمُ على القطعي. ولقدِ استرسلَ أهلُ الأمرِ في هذه الأعصارِ في أخذِ [الأموالِ في العقوبةِ] (٣) استرسالًا ينكرهُ العقلُ والشرعُ، وصارتْ [تناطُ] (٤) الولاياتُ بجهَّالٍ لا يعرفونَ مِنَ الشرعِ شيئًا، ولا مِنَ الدينِ أمرًا، فليسَ همُّهم إلَّا [أخذ] (٥) المالِ منْ كلِّ مَنْ لهمْ عليهِ ولايةٌ يسمونَهُ أدبًا وتأديبًا، ويصرفونَهُ في حاجاتِهم وأقواتِهم، وكسبِ الأطيانِ، وعمارةِ المساكنِ في الأوطانِ، فإنا للَّهِ وإنَّا إليهِ راجعونَ. ومنْهم مَنْ يضيِّعُ حدَّ السرقةِ أو شربَ المسكرِ ويقبضُ عليهِ مالًا. ومنهم مَنْ يجمعُ بينَهما فيقيمُ الحدَّ ويقبضُ المالَ، وكلُّ ذلكَ محرَّمٌ ضرورةً دينيةً، لكنهُ شابَ عليهِ الكبيرُ، وشبَّ عليهِ الصغيرُ، وتركَ العلماءُ النكيرَ، فزادَ الشرُّ في الأمرِ الخطيرِ. وقولُه: " [لا تحلُّ] (٦) لآلِ محمدٍ" يأتي الكلامُ في هذا الحكمِ مستوفَى إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.

стр. 1046

نصاب الفضة والذهب ٧/ ٥٦٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا كَانَتْ لَكَ مِائَتَا دِرْهَم - وَحَالَ عَلَيهَا الْحَوْلُ - فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمٍ، وَلَيسَ عَلَيْكَ شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ، وَلَيْسَ في مالٍ زَكاةٌ حَتى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ. [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵇ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : إذا كانتْ لكَ مائتا درهمٍ وحالَ عليها الحولُ ففيها خمسةُ دراهمَ) ربعُ عُشْرِها (وليسَ عليك شيءٌ) أي: في الذَّهبِ (حتَّى يكونَ لكَ عشرونَ دينارًا، وحالَ عليْها الحولُ ففيْها نصفُ دينارٍ، فما زادَ فبحسابِ ذلكَ، وليسَ في مالٍ زكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ. رواهُ أبو داودَ، وهوَ حسنٌ، وقد اختُلِف في رفعهِ). أخرجَ الحديثَ أبو داودَ مرفوعًا منْ حديثِ الحارثِ الأعورِ إلَّا قولَه: "فما زادَ فبحساب ذلكَ"، قالَ: فلا أدري [أعليٌّ] (٢) يقولُ فبحسابِ ذلكَ، أو يرفعُهُ إلى النبيِّ ﷺ ، وإلَّا قولَه: "ليسَ في المالِ زكاةٌ إلى آخرهِ" انتهَى. فأفادَ كلامُ أبي داودَ أن في رفعهِ بجُملتِه اختلافًا ونبَّهَ المصنفُ في التلخيصِ (٣) على أنهُ معلولٌ وبيَّنَ عِلَّتَهُ، ولكنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ (٤) الجملةَ [الأخرى] (٥) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا [بلفظ] (٦): "لا زكاةَ في مالِ امرئٍ حتَّى يحولَ عليه الحولُ"، وأخرجَ أيضًا (٧) عنْ عائشةَ مرفوعًا: "ليسَ في المالِ

стр. 1047

زكاةٌ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ"، ولهُ [طريقٌ] (١) أُخْرى [عنهما] (٢). والحديثُ دليل على أن نصابَ الفضةِ مائتا درهمٍ، وهوَ إجماعٌ (٣)، وإنَّما الخلافُ في قدر الدرهمِ (٤)؛ فإنَّ فيهِ خلافًا كثيرًا سَرَدَهُ في الشرحِ، ولم يأتِ بما يشفي وتسكنُ إليهِ النفسُ في قدْرِه. وفي شرحِ الدّميْرِي أن كلَّ درهمٍ ستةُ دوانيقَ، وكلَّ عشرةِ دراهمَ سبعةُ مثاقيلَ، والمثقالُ لم يتغيرْ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، قالَ: وأجمعَ المسلمون على هذَا، وقرَّرَ في المنارِ (٥) بعدَ بحثٍ طويلٍ أن نصابَ الفضةِ منَ القروشِ الموجودةِ على رأي الهادويةِ ثلاثةَ عشرَ قرشًا، وعلى رأي الشافعيةِ أربعةَ عشرَ، وعلى رأي الحنفيةِ عشرونَ، وتزيدُ قليلًا، وأنَّ نصابَ الذهبِ عندَ الهادويةِ خمسةَ عشرَ أحمرَ، وعشرونَ عندَ الحنفيةِ، ثمَّ قالَ: وهذا تقريبٌ. وفيهِ أن قدْرَ زكاةِ المائتي الدرهمِ ربعُ العشرِ وهوَ إجماعٌ. وقولُه: "فما زادَ فبحسابِ ذلكَ"، قدْ عرفتَ أن في رفعهِ خلافًا وعلى ثبوتهِ، فيدلُّ على أنهُ يجبُ في الزائدِ. وقالَ بذلكَ جماعةٌ منَ العلماءِ، ورُويَ عنْ عليٍّ (٦)، وعنِ ابن عمرَ (٧) أنَّهما قالا: ما زادَ على النصابِ منَ الذهبِ والفضةِ ففيهِ - أي: الزائدِ - ربعُ العشرِ في قليلهِ وكثيرهِ، وأنهُ لا وقْصَ فيهما، ولعلَّهم يحملونَ حديثَ جابرٍ الآتي (٨) بلفظِ: "وليسَ فيما دونَ خمسِ أواقي صدقةٌ"، علَى مَا إذا انفردتْ عنْ نصابٍ منْهما لا إذا كانتْ مضافةً إلى نصابٍ منْهما. وهذَا الخلافُ في الذهبِ والفضةِ، وأما

стр. 1048

الحبوبُ فقالَ النوويُّ في شرح مسلمٍ (١): أنَّهم أجمعُوا فيما زادَ على خمسةِ أوسُقٍ أنَّها تجبُ زكاتُه بحسابهِ، وأنهُ لا أوقاصَ فيها. انتهى. وحملُوا ما يأتي منْ حديثِ أبي سعيدٍ (٢) بلفظِ: "وليسَ فيما دونَ خمسةِ أوساقٍ منْ تمرٍ ولا حبٍّ صدقةٌ"، على ما لمْ ينضمَّ إلى خمسةِ أوسقٍ، وهذا يقوي مذهبَ عليٍّ وابنِ عمرَ ﵄ الذي قدَّمناهُ في النقدينِ. وقولُه: "وليسَ عليكَ شيءٌ حتَّى يكونُ لكَ عشرونَ دينارًا"، فيهِ حكمُ نصابِ الذهبِ، وقدرُ زكاتهِ، وأنهُ عشرونَ دينارًا، وفيها نصفُ دينارٍ، وهوَ أيضًا ربعُ عُشْرها، وهوَ عامٌّ لكلِّ فضةٍ وذهبٍ مضروبَيْنِ أو غيرِ مضروبينِ. وفي حديثِ أبي سعيدٍ مرفوعًا أخرجهُ الدارقطنيٌّ (٣) وفيهِ: "ولا يحلُّ في الورقِ زكاةٌ حتَّى [تبلغ] (٤) خمس أواقٍ"، وأخرجَ أيضًا (٥) منْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا: "ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ منَ الورِقِ صدقةٌ". وأمَّا الذهبُ ففيهِ هذا الحديثُ. ونقلَ المصنفُ عن الشافعي أنهُ قالَ: فرضَ رسولُ الله ﷺ الورِق صدقةً، فأخذَ المسلمونَ بعدَهُ في الذهبِ صدقةً إما بخبر لم يبلغْنا، وإما قياسًا. وقال ابنُ عبد البرِّ: لم يثبتْ عنِ النبيِّ ﷺ الذهب شيءٌ منْ جهةِ نقلِ الآحادِ الثقاتِ، وذكرَ هذا الحديثَ الذي أخرجهُ أبو داودَ وأخرجهُ الدارقطنيُّ. قلتُ: لكنَّ قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٦) الآيةَ، منبهٌ على أن في الذهب حقًّا لله. وأخرج البخاريُّ (٧) وأبو داودَ (٨)، وابنُ المنذر، وابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ

стр. 1049

مردويه (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما منْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدي حقَّهُما إلا جُعِلَتْ لهُ يومَ القيامةِ صفائحُ وأُحمِيَ عليه" الحديثَ. فحقُّها هوَ زكاتُها. وفي البابِ عدةُ أحاديثَ يشدُّ بعضُها بعضًا سردَها في الدرِّ المنثورِ (٢). ولا بدَّ في نصابٍ الذهبِ والفضةِ منْ أنْ يكونا خالصينِ منَ الغشِّ. وفي شرحِ الدَّميري على المنهاجِ (٣): أنهُ إذا كانَ الغشُّ يماثلُ أجرةَ الضربِ والتخليصِ فَيُتَسامَحُ بهِ، وبهِ عملَ الناسُ علَى الإخراجِ منْها. ودلَّ الحديثُ على أنهُ لا زكاةَ في المالِ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ، وهوَ قولُ الجماهيرِ، وفيهِ خلافٌ لجماعةٍ منَ الصحابةِ والتابعينَ، وبعضِ الآلِ، وداودَ فقالُوا: إنهُ لا يُشْتَرَطُ الحولُ لإطلاقِ حديثِ: "في الرقةِ ربعُ العُشْرِ" (٤). وأجيبَ بأنهُ مقيدٌ بهذَا الحديثِ وما عضَّدَهُ منَ الشواهدِ، ومنْ شواهدِه أيضًا: لا زكاة على المال إلا بعد حولان الحول عليه ٨/ ٥٦٩ - وَللتِّرْمِذِيِّ (٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: مَنِ اسْتَفَادَ مَالًا، فَلَا زَكَاةَ

стр. 1050

عَلَيْهِ حَتى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ. وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. [صحيح بشواهده] (وللترمذي [عن] (١) ابن عمرَ: منِ استفادَ مالًا فلا زكاةَ عليهِ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ) رواهُ مرفوعًا (والراجحُ وقْفُهُ)، إلَّا أنَّ لهُ حكمَ الرفعِ إذْ لا مسرحَ للاجتهادِ فيهِ، وتؤيدُه آثارٌ صحيحةٌ عن الخلفاءِ الأربعةِ وغيرِهم، فإذَا حالَ عليهِ الحولُ فينبغي المبادرةُ بإخراجِها. فقدْ أخرجَ الشافعيُّ (٢)، والبخاريُّ (٣) في التاريخِ منْ

стр. 1051

حديثِ عائشةَ مرفوعًا: "ما خالطتِ الصدقةُ مالًا قطُّ إلا أهلكَتْهُ"، وأخرجهُ الحميديُّ (١) وزادَ: "يكونُ قدْ وجبَ عليكَ في مالكَ صدقةٌ فلا تخرجُها فَيُهلِكَ الحرامُ الحلالَ". قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقى (٢): قدِ احتَجَّ بهِ مَنْ يرى تعلَّقَ الزكاةِ بالعينِ. ٩/ ٥٧٠ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَيْسَ في الْبَقَرِ الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣) وَالدَّارَقُطْنيُّ (٤)، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ أَيْضًا. [ضعيف] (وعنْ عليٍّ ﵇ قالَ: ليسَ في البقر العواملِ صدقةٌ. رواة أبو داودَ، والدارقطنيُّ، والراجحُ وقْفُهُ). قالَ المُصنِّفُ: قال البيهقي (٥): رواه النفيليُّ عن زُهيْرِ بالشَّكِّ في وقفه ورفعه، إلَّا أنّه ذكره المصنفُ بلفظِ: "ليسَ في البقرِ العواملِ شيءٌ"، ورواهُ بلفظِ الكتاب منْ حديثِ ابن عباسٍ ونسبهُ للدارقطنيِّ (٦)، وفيهِ متروكٌ. وأخرجهُ الدارقطنيُّ (٧) منْ حديثِ عليٍّ ﵇. وأخرجهُ (٨) منْ حديثِ جابرِ إلَّا أنهُ بلفظِ: "ليسَ في البقرِ المثيرةِ صدقةٌ"، وضعَّفَ البيهقيُّ إسنادَهُ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ في البقرِ العواملِ شيءٌ، وظاهرُه سواءٌ كانتْ سائمةً أو معلوفةً.

стр. 1052

وقدْ ثبتتْ شرطِيةُ السَّومِ في الغنمِ في البخاريِّ (١)، وفي الإبلِ في حديثِ بَهْزٍ (٢) عندَ أبي داودَ والنسائيِّ، قالَ الدميريُّ: وأُلْحِقَتِ البقرُ بهِمَا. ١٠/ ٥٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَلِيَ يَتِيمًا لَهُ مَالٌ، فَلْيَتَّجِرْ لَهُ وَلَا يَتْرُكْهُ حَتى تَأكُلُهُ الصَّدَقَةُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٤)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (٥). [ضعيف] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ، عنْ جدِّه، عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَنْ وَلِيَ يتيمًا لهُ مالٌ فليتجرْ لهُ، ولا يتركْهُ حتَّى تأكلَه الصدقةُ. رواهُ الترمذيُّ، والدارقطنيُّ، وإسنادُه ضعيفٌ)؛ لأنَّ فيهِ المثنَّى بنَ الصباح في روايةِ الترمذيِّ، والمثنَّى ضعيفٌ، وروايةُ الدارقطنيِّ فيها مندلُ بنُ عليٍّ ضعيفٌ، والعزرميُّ متروكٌ، ولكنْ قالَ المصنفُ: (ولهُ) أي: لحديثِ عمرٍو (شاهدٌ مرسلٌ عندَ الشافعيِّ) هوَ قولُه ﷺ : "ابتغُوا في أموالِ [اليتامى] (٦)، لَا تأكلُها الزكاةُ"، أخرجهُ منْ روايةِ ابن جُرَيْجٍ عنْ يونسَ بن ماهكٍ مرسلًا، وأكَّدَهُ الشافعيُّ لعمومِ الأحاديثِ الصحيحةِ في

стр. 1053

إيجابِ الزكاةِ مطلقًا. وقدْ رُوِيَ مثلُ حديثِ عمرِو أيضًا عنْ أنسٍ (١)، وعنِ ابن عمرَ موقوفًا (٢)، وعنْ عليٍّ ﵇ فإنهُ أخرجَ الدارقطنيُّ (٣) منْ حديثِ أبي رافعٍ قالَ: كانتْ لآلِ بني رافعٍ أموالٌ عندَ عليٍّ، فلمَّا دفعَها إليهمْ وجدُوها تنقصُ، فحسبُوها معَ الزكاةِ فوجدُوها تامةً، فأتَوْا عليًا فقالَ: كنتمُ ترونَ أنْ يكونَ عندي مالٌ لا أزكيهِ. وعنْ عائشةَ أخرجهُ مالكٌ في الموطأِ (٤) أنَّها كانتْ تخرجُ زكاةَ أيتامٍ كانُوا في حجرها، ففي الكلِّ دلالةٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ الصبيِّ كالمكلفِ، ويجبُ على وليِّهِ الإخراجُ، وهو رأيُ الجمهورِ (٥). ورُويَ عن ابن مسعودٍ (٦) أنهُ يخرجهُ الصبيُّ بعدَ تكليفهِ، وذهبَ ابنُ عباسٍ (٧) وجماعةٌ إلى أنهُ يلزمهُ إخراجُ العشرِ منْ مالهِ لعمومِ أدلتهِ لا غيرَهُ لحديثِ: "رُفِعَ القلمُ" (٨). قلتُ: ولا يَخْفَى [أنهُ لا دِلالةَ فيهِ، و] (٩) أن العمومَ في العشرِ حاصلٌ أيضًا في غيرِه كحديثِ: "في الرقةِ ربعُ العشرِ" (١٠) ونحوِهِ.

стр. 1054

الدعاء لمخرج الزكاة ١١/ ٥٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: "اللهُمّ صَلِّ عَلَيْهِمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أوفَى قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتاهُ قومٌ بصدقتِهم قالَ: اللهمَّ صلِّ عليهمْ. متفقٌ عليهِ). هذا منهُ ﷺ امتثالًا لقولهِ تَعَالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ - إلى قولهِ - وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (٢)، فإنهُ أمرَهُ اللَّهُ بالصلاةِ عليهمْ ففعلَها بلفظِها حيثُ قالَ: "اللهمَّ صلِّ على آلِ أبي فلانٍ". وقدْ وردَ أنهُ دعا لهمْ بالبركةِ كما أخرجهُ النسائيُّ (٣) أنهُ قالَ في رجلٍ بعثَ بالزكاةِ: "اللهمَّ باركْ فيه وفي [إبله] (٤) ". وقالَ بعضُ الظاهريةِ بوجوبِ ذلكَ على الإمام، كأنهُ أخذهُ منَ الأمرِ في الآيةِ، وردّ بأنهُ لو وجبَ لعلَّمَهُ ﷺ السعاةَ [ولم ينقلْ] (٥)، فالأمرُ محمولٌ في الآيةِ على أنهُ خاصٌ بهِ ﷺ ؛ فإنهُ الذي صلاتهُ سكنٌ لهمْ. واستدلَّ بالحديثِ على جوازِ الصلاةِ على غيرِ الأنبياءِ، وأنهُ يدعو المصدِّقُ بهذا الدعاءِ لمن أَتَى بصدقتهِ، وكرهَهُ مالكٌ، وقالَ الخطابيُّ: أصلُ الصلاةِ الدعاءُ إلَّا أنهُ يختلِفُ بحسبِ المدعوِّ لهُ، فصلاةُ النبيِّ ﷺ على أمتهِ دعاءٌ لهم بالمغفرةِ، وصلاتُهم عليهِ دعاءٌ لهُ بزيادةِ القربةِ والزُّلْفَى، ولذلكَ كان لا يليقُ بغيرِه. تعجيل الزكاة قبل مجيء وقتها ١٢/ ٥٧٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ في تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ في ذلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وَالْحَاكِمُ (٧). [حسن]

стр. 1055

(وعنْ عليٍّ ﵇ أن العباسَ ﵁ سأل النبيَّ ﷺ تعجيلِ صدقتهِ قبلَ أنْ تحلَّ فرخَّصَ لهُ في ذلكَ. رواهُ الترمذيُّ والحاكمُ). قالَ الترمذيُّ (١): وفي البابِ عن ابن عباسٍ قالَ: وقدْ اختلَفَ أهلُ العلمِ في تعجيلِ الزكاةِ قبلَ محلِّها، ورأى طائفةٌ مِنْ أهلِ العلمِ أن لا يعجلَها وبهِ يقولُ سفيانُ. وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: إنْ عجَّلَها قبلَ محلِّها أجزأتْ عنهُ انتهَى. وقدْ رَوَى الحديثَ أحمدُ، وأصحابُ السننِ، والبيهقيُّ (٢) وقالَ: قال الشافعيُّ (٣): "رُوِيَ أنهُ ﷺ تسلَّفَ صدقةَ مالِ العباسِ قبلَ أنْ تحلَّ"، ولا أدري أثبتَ أمْ لا؟ قالَ البيهقيُّ: عَنَى بذلكَ هذا الحديثَ، وهوَ معتضدٌ بحديثِ أبي البختري عنْ عليٍّ ﵇ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "إنَّا كنَّا احتجْنا فأسلفَنَا العباسُ صدقةَ عامينِ" رجالهُ ثقاتٌ، إلَّا أنهُ منقطعٌ. وقدْ وَرَدَ هذا منْ طُرقٍ بألفاظٍ مجموعُها يدلُّ على أنهُ ﷺ تقدَّمَ منَ العباسِ زكاةَ عامينِ. واختلفتِ الرواياتُ هلْ هو استلفَ ذلكَ أو تقدَّمهُ، ولعلَّهما واقعانِ معًا، وهوَ دليلٌ على جوازِ تعجيلِ الزكاةِ. وإليهِ ذهبَ الأكثرُ كما قالهُ الترمذيُّ وغيرُه، ولكنهُ مخصوصٌ جوازُه بالمالكِ، ولا يصحُّ منَ المتصرفِ بالوصايةِ والولايةِ. واستدلَّ مَنْ منعَ التعجيلَ مطلقًا بحديثِ: "إنهُ لا زكاةَ حتَّى يحولَ الحولُ" (٤) كما دلَّتْ لهُ الأحاديثُ التي تقدَّمتْ، والجوابُ أنهُ لا وجوبَ حتَّى يحولَ عليهِ الحولُ، وهذا لا ينفي جوازَ التعجيلِ، وبأنهُ كالصلاةِ قبلَ الوقتِ، وأجيبَ بأنهُ لا قياسَ معَ النصِّ.

стр. 1056

بيان مفاهيم الأعداد في الأنصباء ١٣/ ٥٧٤ - وَعَنْ جَابِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَة أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَة"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ جابرٍ عنْ رسولِ الله ﷺ قالَ: ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ) وقعَ في مسلمٍ أواقي بالياءِ، وفي غيرِه بحذفِها، وكلاهُما صحيحٌ؛ فإنهُ جمعُ أوقيَّةٍ، ويجوزُ في جمعِها الوجهانِ كما صرَّحَ بهِ أهلُ اللغةِ. (منَ الورقِ) بفتحِ الواوِ وكسرِها، وكسرِ الراءِ، وإسكانِها، الفضةُ مطلقًا (صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسِ ذودٍ) بفتحِ الذالِ المعجمةِ، وسكونِ الواوِ المهملةِ، [هي] (٢) ما بينَ الثلاثِ إلى العشرِ، (منَ الإبلِ) لا واحدَ لهُ منْ لفظهِ: (صدقةٌ، وليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ منَ التمرِ) بالمثلثةِ مفتوحةً والميمِ (٣) (صدقةٌ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ صرَّحَ بمفاهيمِ الأعدادِ التي سلفتْ في بيانِ الأنصباءِ؛ إذْ قدْ عرفتَ أنهُ تقدمَ أن نصابَ الإبلِ خمسٌ ونصابُ الفضةِ مائتا درهمٍ، وهي خمسُ أواقٍ، وأما نصابُ الطعامِ فلمْ يتقدمْ وإنما عُرِفَ [هنا] (٤) بنفي الواجبِ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ أنهُ يجبُ في الخمسةِ بمفهومِ النفي، (ولهُ) أي: لمسلمٍ وهوَ: ١٤/ ٥٧٥ - وَلَهُ (٥) مِنْ حَدِيثِ أَبي سَعِيدِ ﵁: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ"، وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبي سَعِيدٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (منْ حديثِ أبي سعيد ﵁: ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ (٧) منْ تمرٍ) بالمثناةِ الفوقيةِ، (ولا حبٍّ صدقةٌ. وأصل حديثِ أبي سعيدٍ متفقٌ عليهِ). الحديثُ تصريحٌ أيضًا بما سلفَ منْ مفاهيمِ الأحاديثِ إلا التمرَ، فلم يتقدَّمْ فيهِ شيءٌ. والأوساقُ جمعُ وَسْقٍ بفتحِ الواوِ وكسرِها، والوسقُ ستونَ صاعًا، والصاعُ أربعةُ أمدادٍ، فالخمسةُ الأوساقِ ثلاثمائةِ صاعٍ، والمدُّ رطلٌ وثلثُ.

стр. 1057

قالَ الداووديُّ: معيارهُ الذي لا يختلفُ أربعُ حفناتٍ بكفَّيْ الرجلِ الذي ليسَ بعظيمِ الكفينِ ولا صغيرِهما. قالَ صاحبُ القاموسِ (١) بعدَ حكايتهِ لهذا القولِ: وجربتُ ذلكَ فوجدتُه صحيحًا، انتهَى. والحديثُ دليلٌ [على] (٢) أنهُ لا زكاةَ فيما لم يبلغْ هذهِ المقاديرَ منَ الورِقِ والإبلِ والثمرِ والتمرِ لطفًا منَ اللَّهِ بعبادهِ وتخفيفًا، وهوَ اتفاقٌ في الأوَّلَينِ، وأما الثالثُ ففيهِ خلافٌ بسببِ ما عارضَهُ. ١٥/ ٥٧٦ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ" رَوَاهُ الْبُخارِيُّ (٣)، وَلأبِي دَاوُدَ (٤): "إِذَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسّوَانِي أَوِ النَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ". [صحيح] وهوَ قولُه: (وعنْ سالمٍ بن عبدِ اللَّهِ) بن عمرَ (عنْ أبيهِ) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، (عن النبيِّ ﷺ قالَ: فيما سقتِ السماءُ) بمطرٍ أو ثلجٍ أو بَرَدٍ أو طلِّ، (والعيون) الأنهارُ الجاريةُ التي يُسْقَى منها بإساحةِ الماءِ منْ غيرِ اغترافٍ لهُ، (أو كان عَثَرِيًا) بفتحِ المهملةِ، وفتحِ المثلثةِ، وكسرِ الراءِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ. قالَ الخطابيُّ (٥): هو الذي يشربُ بعروقهِ لأنهُ عثرَ على الماءِ، وذلكَ حيثُ كانَ الماءُ قريبًا منْ وجهِ الأرضِ، فيغرسُ عليهِ فيصلُ الماءُ إلى العروقِ منْ غيرِ سَقْيٍ، وفيهِ أقوالٌ أُخَرُ، وما ذكرْنَاه أقربُها. (العشرُ) مبتدأٌ خبرُه ما تقدَّمَ منْ قولِه فيما سقتْ [السماء] (٦)، أوْ أنهُ فاعلُ [فعل] (٦) محذوفٍ، أي: فيما ذكرَ يجبُ، (وفيما سقي بالنضحِ)، النَّضحُ بفتحِ النونِ، وسكونِ الضادِ [المعجمة] (٦)، فحاءٍ مهملةٍ: السانِيةُ منَ الإبلِ والبقرِ

стр. 1058

وغيرِها منَ الرجالِ (نصفُ العشرِ. رواهُ البخاريُّ، ولأبي داودَ) منْ حديثِ سالمٍ: (إذا كانَ بَعْلًا) عوضًا عنْ قولِه: عَثَرِيًا، وهوَ بفتحِ الموحدةِ، وضمِّ العينِ المهملةِ، كذا في الشرحِ، وفي القاموسِ (١) أنهُ ساكنُ العينِ، وفسَّرَهُ بأنهُ كلُّ نخلٍ وشجرٍ وزرعٍ لا يُسْقَى، أو ما سقتْهُ السماءُ، وهوَ النخلُ الذي يشربُ بعروقِهِ (العشرُ، وفيما سُقِيَ بالسواني أو النضحِ) دلَّ عطفُهُ عليهِ على التغايرِ، وأنَّ السواني المرادُ بها الدوابُّ، والنضحُ ما كانَ بغيرِها كنضحِ الرجالِ بالآلةِ، والمرادُ منَ الكلِّ ما كانَ سقيهُ بتعبٍ وعَنَاءٍ (نصفُ العشرِ). وهذَا الحديثُ دلَّ على التفرقةِ بينَ ما يُسقى بالسواني، وبينَ ما يُسقى [بماءِ السماءِ و] (٢) الأنهارِ، وحكمتهُ واضحةٌ، وهوَ زيادةُ التعبِ والعناءِ فنقصَ بعضُ ما يجبُ رِفقًا منَ اللَّهِ تعالى بعبادهِ، ودلَّ علَى أنهُ يجبُ في قليلِ ما أخرجتِ الأرضُ وكثيرِه الزكاةُ على ما ذُكِرَ، وهذا معارَضٌ بحديثِ جابرٍ، وحديثِ أبي سعيدٍ، واختلَفَ العلماءُ في الحكمِ في ذلكَ. فالجمهورُ أن حديثَ الأوساقِ مخصِّصٌ لحديثِ سالمٍ، وأنهُ لا زكاةَ فيما لم يبلغِ الخمسةَ الأوساقِ. وذهبَ جماعةٌ منهمْ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ لا يخصُّ بلْ يُعْمَلُ بعمومهِ، فيجبُ في قليلِ ما أخرجتِ الأرضُ وكثيرِه، والحقُّ معَ أهلِ القولِ الأولِ لأنَّ حديثَ الأوساقِ حديثٌ صحيحٌ وردَ لبيانِ القدْر الذي تجبُ فيهِ الزكاةُ كما وردَ حديثُ مائتي الدرهمِ لبيانِ ذلكَ معَ ورودِ: "في الرقةِ ربعُ العشرِ" (٣)، ولم يقلْ أحدٌ: إنهُ يجبُ في قليلِ الفضةِ وكثيرِها الزكاةُ، وإنَّما الخلافُ هلْ يجبُ في القليلِ منْها إذا كانتْ قدْ بلغتِ النصابَ كما عرفتَ، وذلكَ لأنهُ لم يردْ حديثُ: "في الرقةِ ربعُ العشرِ" (٣) إلَّا لبيانِ أنَّ هذا الجنسَ يَجبُ فيهِ [الزكاةُ] (٤)، وأما [بيان] (٥) ما يجبُ فيهِ فموكولٌ إلى حديثِ التبيينِ لهُ بمائتي درهم، فكذَا هنَا قولُهُ: "فيما سقتِ السماءُ العشرُ"، أي: في هذا الجنسِ يجبُ العشرُ، وأما بيانُ ما يجبُ فيهِ فموكولٌ إلى حديثِ الأوساقِ، وزادهُ إيضاحًا قولُه في الحديثِ [هذا و] (٦): "ليس فيما دونَ

стр. 1059

خمسةِ أوسقٍ صدقةٌ"، كأنهُ ما وردَ إلا لدفعِ ما يُتَوَهَّمُ منْ عمومِ: "فيما سقتِ السماءُ ربعُ العشرِ"، كما وردَ ذلكَ في قولهِ: "وليسَ فيما دونَ خمسةِ أواقي منَ الورِقِ صدقةٌ"، ثمَّ إذا تعارضَ العامُّ والخاصُّ كان العملُ بالخاصِّ عندَ جهلِ التاريخِ كما هنا؛ فإنهُ أظهرُ الأقوالِ في الأصولِ. أصناف الحبوب التي تجب فيها الزكاة ١٦/ ٥٧٧ - وَعَنْ أَبي مُوسى الأَشعَرِيِّ وَمُعَاذٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمَا: "لَا تَأخُذُوا في الصَّدَقَةِ إلَّا مِنْ هذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيب، وَالتَّمْرِ"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (١)، وَالْحَاكِمُ (٢). [حسن] (وعنْ أبي موسى الأشعريِّ ومعاذٍ أن النبيَّ ﷺ قالَ لهما) حينَ بعثَهما إلى اليمنِ يعلِّمانِ الناسَ أمرَ دينِهم: (لا تأخذَا في الصدقةِ إلَّا منْ هذهِ الأصنافِ الأربعةِ: الشعيرِ، والحنطةِ، والزبيبِ، والتمرِ. رواهُ الطبرانيُّ، والحاكمُ)، والدارقطنيُّ (٣). قالَ البيهقيُّ (٤): رواتهُ ثقاتٌ وهوَ متَّصلٌ. ورَوَى الطبرانيُّ (٥) منْ حديثِ موسَى بن طلحةَ عنْ عمرَ: "إنَّما سنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ الزكاةَ في هذهِ الأربعةِ فذكرَها". قالَ أبو زرعةَ (٦): إنهُ مرسلٌ، [وساق في الباب أحاديث تفيد ما ذكر، ثم قال: - أي البيهقي - وهذه المراسيل طُرقها مختلفة وهي تؤكد بعضها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى، ومعاذ،

стр. 1060

ومعهما قول عمر، وعلي، وعائشة ﵂: ليس في الخضروات زكاة] (١). والحديثُ دليلٌ على [أنهُ] (٢) لا تجبُ الزكاة إلا في الأربعة المذكورةِ لا غيرُ، وإلى ذلكَ ذهبَ الحسنُ البصريُّ، والحسنُ بن صالحٍ، والثوريُّ، والشعبيُّ، وابنُ سيرينَ. ورُويَ عَنْ أحمدَ ولا يجبُ عندَهم في الذرةِ [ونحوها] (٣). وأما حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه فذكرَ الأربعةَ وفيهِ زيادةُ الذرةِ. رواهُ الدارقطنيُّ (٤) منْ دونِ ذكرِ الذرةِ، وابنُ ماجة (٥) بذكرِها، فقدْ قالَ المصنفُ: إنهُ حديثٌ واه؛ قال: لأنه من رواية محمد بن عبيد الله العزرمي الكوفي، وهو متروك، انتهى. وفي الباب مراسيلُ فيها ذكرُ الذرةِ، قالَ البيهقيُّ (٦): إنهُ يقوي بعضُها بعضًا كذَا قالَ، [والظاهر] (٧) أنَّها لا تقاومُ حديثَ الكتابِ وما فيهِ منَ الحصْرِ، وقدْ ألحقَ الشافعيُّ الذرةَ بالقياسِ على الأربعةِ المذكورةِ، بجامعِ الاقتياتِ في الاختيارِ، واحترزَ بالاختيارِ عما يُقْتَاتُ في المجاعاتِ، فإنَّها لا تجبُ فيهِ، فمنْ كانَ رأيهُ العملُ بالقياسِ لزمَهُ هذَا إنْ قامَ الدليلُ علَى أن العلةَ الاقتياتُ، ومَنْ لا يراهُ دليلًا لم يقلْ بهِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنَّها تجبُ في كلِّ ما أخرجتِ الأَرْضُ لعمومِ الأدلةِ نحوِ: "فيما سقتِ السماءُ العُشرُ" (٨) إلا الحشيشَ والحطبَ لقولِه ﷺ : "الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ" (٩)، وقاسُوا الحطبَ على الحشيشِ.

стр. 1061

قالَ الشارحُ: والحديثُ - أي: حديثُ أبي موسى ومعاذٍ - وأردٌ على الجميعِ، والظاهرُ معَ مَنْ قالَ بهِ. قلتُ: لأنهُ حصْرٌ لا يقاومُه العمومُ ولا القياسُ، وبهِ يُعْرَفُ أنهُ لا يقاومُه حديثُ: "خُذِ الحبَّ مِنَ الحبِّ"، الحديثُ أخرجهُ أبو داودَ (١)، لأنهُ عمومٌ فالأوضحُ دليلًا معَ الحاصرينَ للوجوبِ في الأربعةِ. وقالَ في المنارِ (٢): إنَّ ما عدا الأربعةَ محلُّ [احتياطٍ] (٣) أخذًا وتركًا، والذي يقوى أنهُ لا يؤخذُ منْ غيرِها. قلتُ: الأصلُ المقطوعُ بهِ حرمةُ مالِ المسلم ولا يخرجُ عنهُ إلا بدليلٍ قاطعٍ، وهذَا المذكورُ لا يرفعُ ذلكَ الأصلَ، وأيضًا فالأصلُ براءةُ الذمةِ، وهذانِ الأصلانِ لم يرفعْهما دليل يقاومُهما فليسَ محلَّ الاحتياطِ إلَّا تركُ الأخذِ منَ الذرةِ وغيرِها مما لم يأتِ بهِ إلَّا مجردُ العمومِ الذي قد ثبتَ تخصيصهُ. ١٧/ ٥٧٨ - وَللدَّارَقُطْنيِّ (٤)، عَنْ مُعَاذٍ ﵁ قَالَ: فَأَمّا الْقِثَّاءُ، وَالْبِطِّيخُ

стр. 1062

وَالرُّمَّانُ وَالْقَصَبُ، فَقَدْ عَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ضعيف] (وللدارقطنيِّ عنْ معاذٍ قالَ: فأما القثَّاءُ والبطيخُ والرمَّانُ والقصبُ) بالقافِ والصادِ المهملةِ، والضادِ المعجمةِ معًا (فقدْ عفَا عنهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ . وإسنادُه ضعيفٌ)، لأنَّ في إسنادِهِ محمدَ بنَ عبدِ اللَّهِ العزرمي، بفتح العينِ المهملةِ، وسكونِ الزاي، وفتحِ الراءِ، كذا في حواشي بلوغ المرامِ بخطِّ السيدِ محمدٍ بن إبراهيمَ بن المفضلِ ﵀، والذي في الدارقطنيِّ (١) منْ حديثِ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: "سئلَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو عنْ نباتِ الأرضِ البقلِ والقثاءِ والخيارِ فقالَ: ليسَ في البقولِ زكاةٌ"؛ فهذَا الذي منْ روايةِ محمدٍ بن عبدِ اللَّهِ العرزميِّ (٢)، وأما روايةُ معاذٍ التي في الكتاب فقالَ المصنفُ في التلخيصِ (٣): فيها ضعفٌ وانقطاعٌ إلَّا أن معناهُ قدْ أفادَه الحصَرُ في الأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديثِ الأولِ. وحديثُ: "ليسَ في الخضرواتِ صدقةٌ" أخرجهُ الدارقطنيُّ (٤) مرفوعًا منْ طريقِ [موسَى] (٥) بن طلحةَ، ومعاذٍ. وقول الترمذيِّ (٦): لمْ يصحَّ رفعُه إنَّما هوَ مرسلٌ منْ حديثِ موسَى بن طلحةَ عن النبيِّ ﷺ ، فموسَى بن طلحةَ تابعيٌّ عدْلٌ يلزمُ مَنْ يقبلُ المراسيلَ قبولَ ما أرسلَهُ. وقد ثبتَ عنْ عليٍّ (٧) وعمرَ (٨) موقوفًا ولهُ حكمُ الرفعِ، والخضرواتُ ما لا يُكَالُ ولا يُقْتَاتُ. ١٨/ ٥٧٩ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ ﵁ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ، فَإنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ"، رَوَاهُ

стр. 1063

الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ (١)، وَصَحّحَهُ ابْنِ حِبَّانَ (٢)، وَالْحَاكِمُ (٣). [ضعيف] (وعنِ سهلِ بن أبي حَثمةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ المثلثةِ (قالَ: أمرنا رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا خرصتُم فخذُوا ودعُوا الثلثَ) لأهلِ المالِ، (فإنْ لم تدَعُوا الثلثَ فدَعُوا الربعَ. [رواهُ] (٤) الخمسة إلا ابنَ ماجه، وصحَّحه ابن حبانَ والحاكمُ)، وفي إسنادهِ مجهولُ الحالِ كما قالَ ابنُ القطانِ، لكنْ قالَ الحاكمُ: لهُ شاهدٌ متفقٌ على صحَّتهِ "أن عمرَ أمرَ بهِ"، كأنهُ يشيرُ إلى ما أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (٥)، وابنُ أبي شيبةَ (٦)، وأبو عبيدٍ (٧): "أن عمرَ كانَ يقولُ للخارصِ: دعْ لهم قَدْرَ ما يأكلونَ، وقَدْرَ ما يقعُ". [وأخرجهُ] (٨) ابنُ عبدِ البرِّ (٩) عنْ جابرٍ مرفُوعًا: "خَفِّفُوا في الخرْصِ، فإنَّ في المالِ العريةَ والوطيةَ والأكلةَ". وقدِ اختُلِفَ في معنَى الحديثِ على قولينِ: أحدُهما: أن يتركَ الثلثُ أو الربعُ منَ العشرِ.

стр. 1064

وثانيهما: أن يتركَ ذلكَ من نفسِ الثمرِ قبلَ أنْ يعشَّرَ. وقالَ الشافعيُّ: معناهُ أن يدعَ ثلثَ الزكاةِ أو ربعَها ليفرقَها هو بنفسهِ على أقاربهِ وجيرانهِ، وقيلَ: يدعُ لهُ ولأهلهِ قَدْرَ ما يأكلونَ ولا يخرصُ. قالَ في الشرحِ: والأَوْلى الرجوعُ إلى ما صرَّحتْ بهِ روايةُ جابرٍ، وهوَ التخفيفُ في الخرصِ ويتركُ منَ العشرِ قدرَ الربعِ أو الثلثِ. فإنَّ الأمورَ المذكورةَ قدْ لا تدركُ الحصادَ فلا تجبُ فيها الزكاةُ. قالَ ابنُ تيميةَ ﵀: إنَّ الحديثَ جارٍ على قواعدِ الشريعةِ ومحاسنِها، موافقٌ لقولهِ ﷺ : "ليسَ في الخضرواتِ صدقةٌ" (١)، [لأنها] (٢) قدْ جرتِ العادةُ أنهُ لا بدَّ لربِّ المالِ بعدَ كمالِ الصلاحِ أنْ يأكلَ هو وعيالُه ويطعِمُوا الناسَ ما لا يدَّخرُ ولا يبقى، فكانَ ما جَرَى العرفُ بإطعامهِ وأكلِه بمنزلةِ الخضرواتِ التي لا تُدَّخَرُ، [وضح] (٣) ذلكَ بأنّ هذا العرفَ الجاريَ بمنزلةِ ما لا يمكنُ تركُه فإنه لا بدَّ للنفوسِ منَ الأكلِ منَ الثمارِ الرطبةِ، ولا بدَّ من الطعامِ بحيثُ يكونُ تركُ ذلكَ مُضِرًا بها وشاقًّا عليها، انتهَى. ١٩/ ٥٨٠ - وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذَ زَكَاتُهُ زَبِيبًا"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٤)، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. [ضعيف] (وعنْ عتَّابِ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ المثناةِ الفوقيةِ، آخرُه موحدةٌ (ابن أسيدٍ)

стр. 1065

بفتحِ الهمزةِ، وكسرِ السينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ (قالَ: أمرَ رسول اللَّهِ ﷺ أنْ يخرصَ العنبُ كما يخرصُ النخلُ، وتؤخذُ زكاتُه زبيبًا. رواهُ الخمسةُ وفيهِ انقطاعُ)، لأنه رواهُ سعيدُ بنُ المسيبِ عنْ عتابٍ (١). وقدْ قالَ أبو داودَ (٢): إنهُ لم يسمعْ منهُ. قالَ أبو حاتمٍ (٣): الصحيحُ عنْ سعيد بن المسيبِ أن النبيَّ ﷺ أمرَ عتابًا (مرسلٌ)، قالَ النوويُّ (٤): وهوَ إنْ كانَ مرسلًا فهوَ يعتضدُ بقولِ الأئمةِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ خرصِ التمرِ والعنبِ، لأنَّ قولَ الراوي: "أمرَ"، يفهمُ أنهُ أَتَى ﷺ بصيغةٍ تفيدُ الأمرَ والأصلُ فيهِ الوجوبُ، وبالوجوبِ قالَ الشافعيُّ (٥) ﵀، وقالتِ الهادويةُ: أنهُ مندوبٌ. وقالَ أبو حنيفةَ (٦): إنهُ محرَّمٌ لأنهُ رجمٌ بالغيبِ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ عملٌ بالظنِّ وردَ بهِ أمرُ الشارعِ، ويكفي فيهِ خارصٌ واحدٌ عَدْلٌ لأنَّ الفاسقَ لا يَقْبَلُ خبرَه، عارفٌ؛ لأنَّ الجاهلَ بالشيءِ ليسَ منْ أهلِ الاجتهادِ فيهِ لأنهُ ﷺ كانَ يبعثُ عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ (٧) وحدَه يخرصُ على أهلِ خيبرَ، ولأنهُ كالحاكمِ يجتهدُ ويعملُ، فإنْ أصابتِ الثمرةَ جائحةٌ بعدَ الخرصِ فقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعَ مَنْ يحفَظُ عنهُ العلمُ أن المخروصَ إذا أصابتْهُ جائحةٌ قبلَ الجذاذِ فلا ضمانَ. وفائدةُ الخرصِ أمنُ الخيانةِ منْ ربِّ المالِ، ولذلكَ يجبُ عليهِ البيِّنةُ في دعْوى النقصِ بعدَ الخرصِ، وضبطُ حقِّ الفقراءِ على المالكِ،

стр. 1066

ومطالبةُ المصدقِ بقدرِ ما خرصَه (١)، وانتفاعُ المالكِ بالأكلِ ونحوِه. وأعلمْ أن النصَّ وردَ بخرصِ النخلِ والعنبِ، قيلَ: ويقاسُ عليهِ غيرُه مما يمكنُ ضبطهُ وإحاطةُ النظرِ بهِ، وقيلَ: يقتصرُ على محلِّ النصِّ وهوَ الأقربُ لعدمِ النصِ على العلةِ، وعندَ الهادويةِ والشافعيةِ أنهُ لا خرصَ في الزرعِ لتعذرِ ضبطهِ لاستتارهِ بالقشرِ، وإذا ادَّعَى المخروصُ عليهِ النقصَ بسببٍ يمكنُ إقامةُ البينةِ عليهِ وجبَ إقامتُها وإلَّا صُدِّقَ بيمينهِ. وصفةُ الخرصِ أنْ يطوفَ بالشجرةِ ويرى جميعَ ثمرتِها ويقولَ خَرْصُها كذا وكذا رطبًا، ويجيءُ كذَا وكذَا يابسًا. دليل وجوب الزكاة في حلي النساء ٢٠/ ٥٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه ﵄: أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا: "أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هذَا؟ "، قَالَتْ: لَا، قَالَ: "أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟ " فَأَلْقَتْهُمَا، رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ (٢)، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَصَحّحَهُ

стр. 1067

الْحَاكِمُ (١) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة. [حسن] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن امرأةً) هي أسماءُ بنتُ يزيدَ بن السكنِ (أتتِ النبيَّ ﷺ ومعَها ابنةٌ لها، وفي يدِ ابنتِها مَسَكَتَانِ) بفتحِ الميمِ، وفتحِ السينِ المهملةِ، الواحدةُ مَسَكةٌ، وهي الإسورةُ والخلاخيلُ (منْ ذهبٍ، فقالَ لهَا: أتعطينَ زكاةَ [هذه] (٢)؟ قالتْ: لا، قالَ: أيسُّركِ أنْ يسِّورَكِ الله بهمَا يومَ القيامةِ سوارينِ منْ نارٍ؟ فألقتْهما. رواهُ الثلاثة وإسنادُهُ قويٌّ)، ورواهُ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ حسينٍ المعلمِ، وهوَ ثقةٌ. فقولُ الترمذي (٤) إنهُ [لا يعرفُ] (٥) إلَّا منْ طريقِ ابن لهيعةَ غيرُ صحيحٍ. (وصحَّحه الحاكمُ منْ حديثِ عائشةَ). وحديثُ عائشةَ أخرجهُ الحاكمُ وغيرُه ولفظهُ: "أنها دخلتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فرأَى في يدِها فتخاتٍ منْ وَرِقٍ، فقالَ: "ما هذَا يا عائشةُ؟ "، فقالتْ: صغْتُهنَّ لأتزينَ لكَ بهنَّ يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: أتؤدِّينَ زكاتَهنَّ؟ قالتْ: لا، قالَ: هنَّ حسبُكِ منَ النارِ". قالَ الحاكمُ: إسنادُه على شرطِ الشيخينِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في الحليةِ، وظاهرهُ أنهُ لا نصابَ لها لأمرِهِ ﷺ بتزكيةِ هذهِ المذكورةِ، ولا تكونُ خمسَ أواقي في الأغلبِ، وفي المسألةِ أربعةُ أقوالٍ: الأولُ: وجوبُ الزكاةِ (٦)، وهوَ مذهبُ الهادويةِ وجماعةٍ منَ السلفِ، وأحدُ أقوالِ الشافعي عملًا بهذهِ الأحاديثِ. والثاني: لا تجبُ الزكاةُ في الحليةِ (٧)، وهوَ مذهبُ مالكٍ، وأحمدَ،

стр. 1068

والشافعي في أحدِ أقوالهِ لآثارٍ وردتْ عن السلفِ قاضيةٍ بعدمِ وجوبها في الحليةِ، ولكنْ بعدَ صحةِ الحديثِ لا أثرَ للآثارِ. الثالثُ: أن زكاةَ الحليةِ عاريتُها، لما رَوَى الدارقطنيُّ عنْ أنسٍ (١)، وأسماءَ بنت أبي بكرٍ (٢). الرابعُ: أنَّها تجبُ فيها الزكاةُ مرةً واحدةً، رواهُ البيهقيُّ (٣) عنْ أنسٍ، وأظهرُ الأقوال دليلًا وجوبُها لصحةِ الحديثِ وقوتهِ، وأمَّا نصابُها فعندَ الموجبينَ نصابُ النقدينِ، وظاهرُ حديثِها الإطلاقُ، وكأنَّهم قيَّدُوهُ بأحاديثَ النقدينِ، ويقويِّ الوجوبَ قولُه: الزكاة في حلي النساء ٢١/ ٥٨٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁ أَنّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَال: "إِذَا أَدَّيْتِ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، والدَّارَقُطْنيُّ (٥)، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ (٦). [حسىن]

стр. 1069

(وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ أنَّها كانتْ تلبسُ أوضاحًا)، في النهايةِ (١): هي نوعٌ منَ الحليِّ يُعْمَلُ منَ الفضةِ سمِّيتْ بها لبياضِها، واحدُها وضْحٌ، انتهَى. وقولُه: (منْ ذهب) يدلُّ أنَّها تسمَّى إذا كانتْ منَ الذهبِ أوضاحًا، ([فقلتُ] (٢) يا رسولَ اللَّهِ، أكنزٌ هوَ؟) أي: فيدخلُ تحتَ آيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ (٣) الآيةَ؟ ([قال] (٤): إذا أديتِ زكاتَه فليسَ بكنزٍ. رواهُ أبو داودَ، والدارقطنيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، فيهِ دليلٌ كما في الذي قبلَه على وجوبِ زكاةِ الحليةِ، وأنَّ كلَّ مالٍ أخرجَتْ زكاتُه فليسَ بكنرٍ فلا يشملُه الوعيدُ في الآيةِ. ٢٢/ ٥٨٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُنَا: "أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ. [ضعيف] (وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمرُنا أنْ نخرجَ الصدقةَ

стр. 1070

منَ الذي نعدُّه للبيعِ. رواهُ أبو داودَ، وإسنادُه ليِّنٌ) لأنهُ منْ روايةِ سليمانَ بن سمرةَ وهوَ مجهولٌ، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (١)، والبزارُ (٢)، منْ حديثهِ أيضًا. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ. واستُدِلَّ للوجوبِ أيضًا بقولهِ تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٣) الآيةَ. قالَ مجاهدٌ: نزلتْ في التجارةِ، وبما أخرجهُ الحاكمُ (٤) أنهُ ﷺ قالَ: "في الإبلِ صدقتُها، وفي البقرِ صدقتُها، وفي الغنم صدقتها، وفي البزِّ صدقتُه". والبزُّ بالباءِ الموحدةِ، والزاي المعجمةِ ما يبيعُه البزَّازونَ، كذا ضبطَهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ. قالَ ابنُ المنذرِ (٥): الإجماعُ قائمٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ، وممنْ قالَ بوجوبِها الفقهاءُ السبعةُ (٦). قالَ: لكنْ لا يكفرُ جاحدُها للاختلافِ فيْها.

стр. 1071

الرِّكاز الخمس ٢٣/ ٥٨٤ - وَعَن أَبي هرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: وفي الرِّكازِ) بكسرِ الراءِ، آخِرَهُ زايٌ، المالُ المدفونُ يُؤْخَذُ منْ غيرِ أنْ يُطْلَبَ بكثيرِ عملٍ (الخُمُسُ. متفقٌ عليهِ). للعلماءِ في حقيقةِ الرِّكازِ قولانِ: الأولُ: أنهُ المالُ المدفونُ في الأرضِ منْ كنوزِ الجاهليةِ. الثاني: أنهُ المعادنُ. قالَ مالكٌ (٢) بالأولِ، قالَ: وأمَّا المعادنُ فتُؤْخَذُ فيها الزكاةُ لأنَّها بمنزلةِ الزرعِ، ومثلَه قالَ الشافعيُّ (٣)، وإلى الثاني ذهبتِ الهادويةُ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ (٤)، ويدلُّ للأولِ قولُهُ ﷺ : "العجماءُ جُبارٌ، والمعدنُ جُبارٌ، وفي الركازِ الخُمُسُ" أخرجهُ البخاريُّ، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ غيرُ المعدِنِ، وخصَّ الشافعيُّ المعدِنَ بالذهبِ والفضةِ لِمَا أخرجهُ البيهقيُّ (٥): "أنَّهم قالُوا: وما الركازُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذهبُ والفضةُ التي خُلِقَتْ في الأرضِ يومَ خُلِقَتْ"، إلَّا أنهُ قيلَ: إنَّ هذا التفسيرَ روايةٌ ضعيفةٌ. واعتبرَ النصابَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ عملًا بحديثِ:
следующие страницы →