← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 962–1001 · переход к 967.

стр. 962

الثقاتِ (١). وقالَ البخاريُّ (٢): لا يتابعُ على حديثهِ. وعن عليٍّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تبرزْ فَخِذَكَ ولا تنظرْ إلى فخذِ حيٍّ ولا ميّتٍ"، رواهُ أبو داودَ (٣)، وابنُ ماجَهْ (٤)، وفي إسناده اختلافٌ. ٢٠/ ٥١٩ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵂: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِي ﵁. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (٥). [صحيح] (وعن أسماءَ بنت عُمَيْسٍ ﵂ أن فاطمةَ ﵂ أوصتْ أن يغسِّلَها عليٌّ ﵇. رواهُ الدارقطنيُّ). هذا يدلُّ على ما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ. وأمّا غسلُ المرأةِ زوجَها فيستدلُّ لهُ بما أخرجهُ أبو داودَ (٦) عن عائشةَ: "أنَّها قالتْ: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسَّلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ غيرُ نسائهِ"، وصحَّحهُ الحاكمُ وإنْ كان قولَ صحابيةٍ، وكذلكَ حديثُ فاطمةَ فهو يدلُّ على أنهُ كانَ أمرًا معروفًا في حياتهِ ﷺ ، ويؤيُّدُهُ ما رواهُ البيهقيُّ (٧): "من أنَّ أبا بكرٍ أوصَى امرأتَه

стр. 963

أسماءَ بنتَ عُمَيْسٍ أن تغسلَهُ، واستعانتْ بعبدِ الرحمنِ بن عوفٍ لضعفِها عن ذلكَ، ولم ينكرْهُ أحدٌ"، وهوَ قولُ الجمهورِ. والخلافُ فيهِ لأحمدَ بن حنبل قالَ: لارتفاعِ النكاحِ كذا في الشرحِ، والذي في دليلِ المطالبِ من كتبِ الحنابلةِ ما لفظُهُ: وللرجلِ أنْ يغسلَ زوجتَهُ وأمتَهُ وبنتًا دونَ سبعٍ، وللمرأة غسلُ زوجِها وسيِّدِها وابنٍ دونَ سبعٍ. الصلاة على المقتول في حدٍّ ٢١/ ٥٢٠ - وَعَنْ بُرَيْدَةَ - فِي قِصَّةِ الغَامِدِيَّةِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا فِي الزِّنَا - قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعن بُريدةَ في قصةِ الغامدية) [بالغينِ المعجمة، وبعدَ الميمِ دالٌ مهملةٌ، نسبةً إلى غامدٍ. وتأتي قصتُها في الحدودِ (التي أمرَ النبيُّ ﷺ برجمِها] في الزنى قالَ: ثمَّ أمرَ بها فصلِّيَ عليها ودفنتْ. رواهُ مسلمٌ)، فيهِ دليلٌ على أنهُ يُصلَّى على مَنْ قُتِلَ بحدٍّ، وليسَ فيهِ أنهُ ﷺ الذي صلَّى عليها. وقد قالَ مالكٌ: إنهُ لا يصلِّي الإمامُ على مقتولٍ في حدٍّ؛ لأنَّ الفضلاء لا يصلُّونَ على الفسَّاقِ زجرًا لهمْ. قلتُ: كذا في الشرحِ، لكنْ قد قالَ ﷺ في الغامديةِ: "إنَّها تابتْ توبةً لو قسمتْ بينَ أهلِ المدينةِ لوسعتْهم"، أو نحوَ هذا اللفظِ. وللعلماءِ خلافٌ في الصلاةِ على الفسَّاقِ، وعلى مَنْ قُتِلَ في حدٍّ، وعلى المحاربِ، وعلى ولدِ الزنى. وقالَ ابنُ العربيّ: مذهبُ العلماءِ كافةُ الصلاةُ على كلِّ مسلمٍ، ومحدودٍ، ومرجومٍ، وقاتلِ نفسهِ، وولدِ الزنى. وقد وردَ في قاتلِ نفسهِ الحديثُ: الصلاة على قاتل نفسه ٢٢/ ٥٢١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح]

стр. 964

(وعن جابرِ بن سمْرةَ قالَ: أُتِيَ النبيُّ ﷺ برجلٍ قَتَلَ نفسَه بمشاقصَ فلم يصلِّ عليهِ. رواهُ مسلمٌ). المشاقصُ جمعُ مشقصٍ، وهو نصلٌ عريضٌ. قالَ الخطابي: وتركُ الصلاةِ عليهِ معناهُ العقوبةُ لهُ [وردعٌ] (١) لغيرهِ عن مثلِ فعلهِ، وقدِ اختلفَ الناسُ في هذا. وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لا يَرَى الصلاةَ على مَنْ قتلَ نفسَه، وكذلكَ قالَ الأوزاعيُّ. وقالَ أكثرُ الفقهاءِ: يصلَّى عليهِ، انتهَى. وقالُوا في هذا الحديثِ: إنهُ صلَّى عليهِ الصحابةُ، قالُوا: وهذا كما تركَ النبيُّ ﷺ الصلاةَ على مَنْ ماتَ وعليهِ دينٌ أولَ الأمرِ، وأمرَهمْ بالصلاةِ على صاحبهم (٢). قلت: إنْ ثبتَ نقلُ أنهُ أمرَ ﷺ أصحابَهُ بالصلاةِ على [من قتل] (٣) نفسهُ، تَمَّ هذا القولُ، وإلَّا فرأيُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ أوفقُ بالحديثِ، إلَّا أن في روايةٍ للنسائيِّ (٤): "أما أنا فلا أصلِّي عليهِ"، فربما أخذَ منها أن غيرَه صلَّى عليهِ. الصلاة على قبر الميت بعد دفنه ٢٣/ ٥٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَسأَلَ عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: مَاتَتْ، فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، فَقَالَ: "دُلُّوني عَلَى قَبْرِهَا" فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، وَزَادَ مُسْلِمٌ (٦)، ثُمَّ قَالَ: "إِن هذِهِ الْقبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاِتي عَلَيهِمْ". [صحيح]

стр. 965

(وعن أبي هريرةَ ﵁ في قصةِ المرأةِ التي كانتْ تَقمُّ المسجدَ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ أي: تخرجُ القُمامةَ منهُ وهي الكُناسةُ، (فسألَ عنها النبيُّ ﷺ فقالُوا: ماتتْ، فقالَ: أفلا كنتمْ آذنتمونِي، فكأنَّهم صغَّرُوا أمرَها فقالَ: دلُّوني على قبرها) أي: بعدَ قولِهم في جوابِ سؤالهِ إنَّها ماتتْ (فدلُّوهُ [فصلَّى عليها] (١). متفقٌ عليه، وزادَ مسلمٌ) أي: من روايةِ أبي هريرةَ (ثمَّ قالَ) أي: النبيُّ ﷺ (إنَّ هذهِ القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن اللَّهَ ينوِّرُها [لهم] (٢) بصلاتي عليهم). وهذه الزيادةُ لم يخرجْها البخاريُّ؛ لأنَّها مدرجةٌ من مراسيلِ ثابتٍ كما قالَ أحمدُ. هذا والمصنفُ جزمَ أن القصةَ كانتْ معَ امرأةٍ، وفي البخاريِّ: أن رجلًا أسودَ أو امرأة سوداءَ، بالشكِّ من ثابتٍ الراوي، لكنهُ صرَّح في روايةٍ أُخْرَى في البخاريِّ عن ثابتٍ قالَ: "ولا أراهُ إلا امرأةً". وبهِ جزمَ ابنُ خزيمةَ من طريقٍ أُخْرَى عن أبي هريرةَ فقالَ: "امرأةٌ سوداءُ". ورواهُ البيهقيُّ أيضًا بإسنادٍ حسنٍ، وسمَّاها أمَّ محجنٍ، وأفادَ أن الذي أجابهُ ﷺ عن سؤالهِ هوَ أبو بكرٍ، وفي البخاري عوضُ "فسألَ عنها"، فقالَ: ("ما فعلَ ذلكَ الإنسانُ قالُوا: ماتَ يا رسولَ اللَّهِ" الحديثَ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ الصلاةِ على الميتِ بعدَ دفنهِ مطلقًا، سواءٌ صُلِّيَ عليهِ قبلَ الدفنِ أمْ لا. وإلى هذا ذهبَ الشافعيُّ. ويدلُّ لهُ أيضًا صلاتُهُ ﷺ على البراءِ بن معرورٍ (٣)؛ فإنهُ ماتَ والنبيُّ ﷺ بمكّةَ، فلمَّا قدمَ صلَّى على قبرهِ، وكانَ ذلكَ بعدَ شهرٍ من وفاتِهِ. ويدلُّ لَهُ أيضًا صلاتُهُ ﷺ على الغلامِ الأنصاري الذي دُفِنَ ليلًا ولم يُشْعَرْ ﷺ بموتهِ. أخرجهُ البخاريُّ (٤). ويدلُّ له أيضًا أحاديثُ وردتْ

стр. 966

في البابِ عن تسعةٍ منَ الصحابةِ (١)، أشارَ إليها في الشرحِ. وذهبَ أبو طالبٍ تحصيلًا لمذهبِ الهادي إلى أنهُ لا صلاةَ على القبرِ، واستدلَّ لهُ في البحرِ (٢) بحديثٍ لا يَقْوى على معارضةِ أحاديثِ المثبتينَ [لما] (٣) عرفتَ من صحَّتِها وكثرتِها. واختلفَ القائلونَ بالصلاةِ على القبرِ في المدةِ التي تشرعُ فيها الصلاةُ، فقيلَ: إلى شهرٍ بعدَ دفنهِ، وقيلَ: إلى أن يَبْلَى الميتُ؛ لأنهُ إذا بُلِيَ لم يبقَ ما يُصلّى عليهِ، وقيل: أبدًا؛ لأنَّ المرادَ منَ الصلاةِ عليهِ الدعاءُ وهوَ جائزٌ في كلِّ وقتٍ. قلتُ: هذا هوَ الحقُّ إذْ لا دليلَ على التحديدِ بمدةٍ. وأمّا القولُ بأنَّ الصلاةَ على القبرِ من خصائصهِ ﷺ فلا [تنهض] (٤)؛ لأنَّ دعوى الخصوصيةِ خلافُ الأصلِ. النهي عن النَّعْيِ كما في الجاهلية ٢٤/ ٥٢٣ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنِ النَّعْيِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَالتِّرْمِذيُّ وَحَسَّنَهُ (٦). [حسن] (وعن حذيفةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ كان يَنْهى عن النعي) في القاموس (٧): نعاهُ لهُ نعيًا أو نعيانًا أخبرَهُ بموتهِ. (رواهُ أحمدُ والترمذيّ وحسَّنهُ). وكأنَ صيغةَ النهي [هي] (٨) ما أخرجهُ الترمذيُّ (٩) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ عنهُ ﷺ : "إياكمُ والنعيَ؛ فإنَّ النعيَ منْ عملِ الجاهليةِ"، فإنَّ صيغةَ التحذيرِ في معنَى النَّهي.

стр. 967

وأخرجَ (١) حديثَ حذيفةَ. وفيه قصةٌ؛ فإنهُ ساقَ سندَه إلى حذيفةَ أنهُ قالَ لمنْ حضرَهُ: "إذا متُّ فلا [يؤذنُ أحدٌ] (٢)؛ فإني أخافُ أن يكون نعيًا؛ إني سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينْهى عن النعي"، هذا لفظه ولمْ يحسِّنْهُ. ثمَّ فسَّرَ الترمذيُّ النعيَ بأنهُ عندَهمْ أنْ ينادى في الناسِ إنَّ فلانًا ماتَ ليشهدُوا جنازتَهُ. وقالَ بعض أهلِ العلمِ: لا بأسَ أنْ يُعْلِمَ الرجلُ قرابتَهُ وإخوانَهُ. وعنْ إبراهيمَ [النخعي] (٣) أنهُ قالَ: لا بأسَ أنْ يُعلمَ الرجلُ قرابتَه، انتهَى. وقيلَ: المحرَّمُ ما كانتْ الجاهليةُ تفعلُه، كانُوا يرسلونَ مَنْ يُعلمُ بخبرِ موتِ الميتِ على أبوابِ الدورِ والأسواقِ. وفي النهايةِ (٤): "والمشهورُ في العربِ أنَّهم كانُوا إذا ماتَ فيهمْ شريفٌ أو قُتِلَ بعثُوا راكبًا إلى القبائلِ ينعاهُ إليهمْ يقولُ نعاءَ فلانًا، أو يا نَعَاءَ العربِ: أي: هلكَ فلانٌ أوْ هلكتِ العربُ بموتِ فلانِ"، انتهَى. ويقربُ عندي أنَّ هذا هوَ المنهيُّ عنهُ. قلتُ: ومنهُ النعيُ منْ أعلى المناراتِ كما [يعرفُ] (٥) في هذهِ الأعصارِ في موتِ العظماءِ. قالَ ابنُ العربي (٦): يؤخذُ منْ مجموعِ الأحاديثِ ثلاثُ حالاتٍ: الأُولى: إعلامُ الأهلِ والأصحابِ وأهلِ الصلاحِ، فهذهِ سنَّةٌ. الثانيةُ: دعْوى الجمجِ الكثيرِ للمفاخرةِ، فهذهِ تكرهُ. [الثالثةُ]: إعلامٌ بنوعٍ آخرَ كالنياحةِ ونحو ذلكَ، فهذَا يحرُمُ، انتهَى. وكأنهُ أخذَ سنيَّةَ [الأُولى] (٧) منْ أنهُ لا بد منْ جماعةٍ يخاطبونَ بالغسلِ والصلاةِ والدفنِ، ويدلُّ لهُ قولُهُ ﷺ : "ألا آذنتموني ونحوُهُ"، ومنهُ: الصلاة على الغائب ٢٥/ ٥٢٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَعَى

стр. 968

النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفّ بِهِمْ، وَكَبّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبي ﷺ نَعَى النجاشيَّ) بفضِ النونِ، وتخفيفِ الجيمِ، بعدَ الألفِ شينٌ معجمة، ثمَّ مثناةٌ تحتيةٌ مشددةٌ، وقيلَ: مخففة، لقبٌ لكلِّ منْ ملك الحبشةِ، واسمُه أصحمةُ (في اليومِ الذي ماتَ فيهِ، وخرجَ بهم إلى المصلَّى)، يحتملُ أنهُ مصلَّى العيدِ أوْ محلٌ اتُّخِذَ لصلاةِ الجنائزِ، (فصفَّ بهم وكبَّرَ أربعًا. متفقٌ عليهِ). فيهِ دلالةٌ على أن النعيَ اسمٌ للإعلامِ بالموتِ، وأنهُ لمجردِ الإعلام جائزٌ. وفيهِ دلالةٌ على شرعيةِ صلاةِ الجنازةِ على الغائبِ، وفيه أقوالٌ: الأولُ: تشرعُ مطلقًا، وبهِ قالَ الشافعيُّ (٢)، وأحمدُ (٣)، وغيرُهما. وقالَ ابنُ حزمٍ (٤): لم يأتِ عنْ أحد منَ السلفِ خلافُه. والثاني: منعهُ مطلقًا، وهوَ للهادويةِ، والحنفيةِ، ومالكٍ (٥). والثالثُ: يجوزُ في اليومِ الذي ماتَ فيهِ الميتُ أو ما قربَ منهُ إلا إذا طالتِ المدةُ. الرابعُ: يجوزُ ذلكَ إذا كانَ الميتُ في جهةِ القبلةِ، ووجهُ التفصيلِ في القولينِ معًا الجمودُ على قصة النجاشي. وقالَ: المانعُ مطلقًا أن صلاتَه ﷺ على النجاشي خاصةٌ بهِ. وقدْ [عرفت] (٦) أن الأصلَ عدمُ الخصوصيةِ، واعتذرُوا بما قالَهُ أهلُ القولِ الخامسِ، وهوَ أنْ يصلَّى على الغائبِ إذا ماتَ بأرضٍ لا يصلَّى عليهِ فيها كالنجاشي؛ فإنهُ ماتَ بأرضٍ لمْ يسلمْ أهلُها، واختارَهُ ابنُ تيميةَ. ونقلهُ المصنفُ في فتح الباري (٧) عن الخطابي، وأنهُ استحسنَهُ الروياني، ثمَّ قالَ: وهوَ محتملٌ إلا أنَّني لم أقفْ في شيء منَ الأخبارِ أنهُ لم يصلِّ عليهِ في بلدهِ أحدٌ. واستُدِلَّ بالحديثِ على كراهةِ الصلاةِ

стр. 969

على الجنازةِ في المسجدِ لخروجهِ ﷺ ، والقولُ بالكراهيةِ للحنفيةِ، والمالكيةِ. وردَ بأنهُ لم يكنْ في الحديث نهيٌ عن الصلاةِ فيهِ، وبأنَّ الذي كرههُ القائلُ بالكراهةِ إنَّما هوَ إدخالُ الميتِ المسجدَ، وإنَّما خرجَ ﷺ تعظيمًا لشأنِ النجاشي، ولتكثرَ الجماعةُ الذينَ يصلُّونَ عليهِ. وفيهِ شرعيةُ الصفوفِ على الجنازةِ لأنهُ أخرجَ البخاريُّ (١) في هذهِ القصةِ حديثَ جابرٍ، وأنهُ كانَ في الصفِّ الثاني، أوِ الثالثِ. وبوَّبَ لهُ البخاريُّ: (بابُ مَنْ صفَّ صفَّينِ أوْ ثلاثةً على الجنازةِ خلفَ الإمامِ) (٢). وفي الحديثِ منْ أعلامِ النبوةِ إعلامُهم بموتهِ في اليومِ الذي توفي فيهِ معَ بُعْد ما بينَ المدينةِ والحبشةِ. فضل كثرة المصلِّين على الميت ٢٦/ ٥٢٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيئًا، إِلَّا شَفعَهُمُ اللهُ فِيهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عباسِ سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: ما منْ رجلٍ مسلمٍ يموتُ، فيقومُ على جنازتهِ أربعونَ رجلًا، لا يشركونَ باللَّهِ شيئًا إلا شفَّعَهم اللَّهُ فيهِ. رواهُ مسلمٌ). في الحديثِ دليلٌ على فضيلةِ تكثيرِ الجماعةِ على الميتِ، وأنَّ شفاعةَ المؤمنِ نافعةٌ مقبولةٌ عندَهُ تعالَى. وفي روايةٍ (٤): "ما منْ مسلمٍ يصلّي عليهِ أمةٌ منَ المسلمينَ يبلغونَ كلُّهم مائةً يشفعونَ فيهِ إلا شُفِّعُوا فيهِ"، وفي روايةٍ (٥): "ثلاثةُ صفوفٍ"، رواهُ [أهل] (٦) السننِ.

стр. 970

قالَ القاضي قيلَ: هذهِ الأحاديثُ خرجتْ أجوبةً لسائلينَ سألُوا عنْ ذلكَ، فأجابَ كلُّ واحدٍ عنْ سؤالِهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ ﷺ أخبرَ بقَبولِ شفاعةِ كلِّ واحدٍ منْ هذهِ الأعدادِ، ولا تنافيَ بينَهما؛ إذْ مفهومُ العددِ يطرحُ معَ وجودِ النصِّ، فجميعُ الأحاديثِ معمولٌ بها، وتقبلُ الشفاعةُ بأدنَاها. أين يقوم الإمام من الميت ٢٧/ ٥٢٦ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبيِّ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسْطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ قالَ: صليتُ وراءَ النبي ﷺ على امرأتي ماتتْ في نفاسِها فقامَ وسطَها. متفقُ عليهِ)، فيهِ دليل على مشروعيةِ القيامِ عندَ وسطِ المرأةِ إِذا صُلِّيَ عليْها، [وهذا] (٢) مندوبٌ. وأما الواجبُ فإنَّما هوَ استقبالُ جزء منَ الميتِ رجُلًا [كان] (٣) أو امرأةً. واختلفَ العلماءُ في حكمِ الاستقبالِ في حقِّ الرجلِ والمرأةِ، فقالَ أبو حنيفةَ: إنَّهما سواءٌ. وعندَ الهادويةِ إنهُ يستقبلُ الامامُ سرَّةَ الرجلِ وثديي المرأةِ لروايةِ أهلِ البيتِ ﵈ عنْ عليّ ﵇. وقالَ القاسمُ: صدرُ المرأةِ وبينَه وبينَ السرَّة منَ الرجلِ، إذْ قدْ رُوِيَ قيامُه ﷺ عندَ صدرِها، ولا بدَّ منْ مخالفةٍ بينَها وبينَ الرجلِ. وعنِ الشافعيِّ أنهُ يقفُ حذاءَ رأسِ الرجلِ وعندَ عجيزتِها (٤) لما أخرجهُ أبو داودَ (٥)، والترمذيُّ (٦) منْ حديثِ أنسٍ: "أنهُ صلَّى على رجل فقامَ عندَ رأسهِ،

стр. 971

وصلَّى على المرأةِ فقامَ عندَ عجيزتها. قالَ لهُ العلاءُ بنُ زيادٍ: هكذَا كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يفعلُ؟ قالَ: نعمْ"، إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ في الفتحِ (١): إنَّ البخاريَّ أشارَ بإيرادِ حديثِ سمُرةَ [هذا] (٢) إلى تضعيفِ حديثِ أنسٍ. صلاة الجنازة في المسجد ٢٨/ ٥٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْني بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ قالتْ: واللَّهِ لقدْ صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ على ابني بيضاءَ)، هما سهلٌ وسهيلٌ، أبوهما وهبُ بنُ ربيعةَ، وأمُّهُما البيضاءُ، اسمُها دعدُ، والبيضاءُ صفةٌ لها (في المسجدِ. رواهُ مسلمٌ)، قالتهُ عائشةُ ردًّا على مَنْ أنكرَ عليها صلاتَها على سعدِ بن أبي وقاصٍ في المسجدِ فقالتْ: "ما أسرعَ [ما نسيَ] (٤) الناسُ، واللَّهِ لقدْ صلَّى"، الحديثَ. والحديثُ دليلٌ على ما ذهبَ إليهِ الجمهورُ منْ عدمِ كراهيةِ صلاةِ الجنازةِ في المسجدِ. وذهبَ أبو حنيفةَ ومالكٌ إلى أنَّها لا تصحُّ. وفي القدوري للحنفيةِ: ولا يصلَّى على ميتٍ في مسجدِ جماعةً، أو احتجا بما سلفَ منْ خروجهِ ﷺ إلى الفضاءِ للصلاةِ على النجاشي، وتقدمَ جوابُهُ، وبما أخرجهُ أبو داودَ (٥): "مَنْ صلَّى

стр. 972

على جنازةٍ في المسجدِ فلا شيءَ لَهُ". وأجيبَ بأنهُ نصَّ أحمدُ على ضعفهِ (١) لأنهُ تفردَ بهِ صالحٌ مولى التوأمةِ وهوَ ضعيفٌ (٢)، على أنهُ في النسخِ المشهورةِ منْ سننِ أبي داودَ [بلفظِ] (٣): "فلا شيءَ عليهِ". وقدْ رُوِيَ أن عمرَ صلَّى على أبي بكرٍ في المسجدِ (٤) وأنَّ صهيبًا صلَّى على عمرَ في المسجدِ (٥)، وعندَ الهادويةِ يكرهُ إدخالُ الميتِ المسجدَ كراهةَ تنزيهٍ، وتأوَّلُوا همْ والحنفيةُ [والمالكية] (٣) حديثَ عائشةَ بأنَّ المرادَ أنهُ ﷺ صلَّى علَى ابنيْ البيضاءِ وجنازتُهما خارجَ المسجدِ وهوَ ﷺ داخلَ المسجدِ، ولا يخفى بعدُهُ، وأنهُ لا يطابقُ احتجاجَ عائشةَ. عدد التكبير في صلاة الجنازة ٢٩/ ٥٢٨ - وَعَنْ عَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵁ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦)، وَالأَرْبَعَةُ (٧). [صحيح]

стр. 973

ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى (وعنْ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى) (١) هو أبو عيْسى عبدُ الرحمن بنُ أبي ليلَى، ولدَ لستِ سنينَ بقيتْ منْ خلافةِ عمرَ، سمعَ أباهُ وعليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵇ وجماعةً من الصحابةِ، ووفاتُه سنةَ اثنتينِ وثمانينَ، وفي سببِ وفاتهِ أقوالٌ، [قيلَ] (٢): فُقِدَ، وقيلَ: قتلَ، وقيلَ: غرقَ في نهرِ البصرةِ. (قالَ: كانَ زيدُ بن أرقمٍ يكبِّرُ على جنائزنا أربعًا، وأنهُ كبَّرَ على جنازةٍ خمسًا، فسألتهُ فقالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يكبِّرُها. رواهُ مسلمٌ والأربعة). تقدَّمَ في حديثِ أبي هريرةَ (٣) أنهُ ﷺ كبَّرَ في صلاتهِ على النجاشي أربعًا، ورُويتِ الأربعُ عن ابن مسعودٍ (٤)، وأبي هريرةَ (٥)، وعقبة بن عامرٍ (٦)، والبراءِ بن عازبٍ (٧)، وزيدِ بن ثابتٍ (٨). وفي الصحيحينِ (٩) عن ابن عباسٍ: "صلَّى على قبرٍ فكبَّرَ. أربعًا"، وأخرجَ ابنُ ماجهْ (١٠) عنْ أبي هريرةَ: "أن رسولَ الله ﷺ صلَّى على جنازةٍ فكبرَ أربعًا". قالَ ابنُ أبي داودَ: ليسَ في البابِ أصحُّ منهُ. فذهبَ إلى أنَّها أربعٌ لا غيرُ جمهورٌ منَ السلفِ والخلفِ، منهْمُ الفقهاءُ

стр. 974

الأربعةُ (١)، وروايةٌ عنْ زيدِ بن (٢) عليٍّ ﵁. [وذهبَ أكثرُ] (٣) الهادويةِ (٤) إلى أنهُ يكبرُ خمسَ تكبيراتٍ، واحتجُّوا بما رُويَ أن عليًا ﵇ على فاطمةَ خمسًا، وأنَّ الحسنَ كبَّر على أبيهِ خمسًا، وعن ابن الحنفيةِ أنهُ كبرَ على ابن عباسٍ خمسًا، وتأوَّلُوا روايةَ الأربعِ بأن المرادَ بها ما عدا تكبيرةَ الافتتاحِ وهوَ بعيدٌ. ٣٠/ ٥٢٩ - وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلٍ بن حُنَيْفٍ سِتًا، وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ. رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصَورٍ (٥)، وَأَصْلُهُ في الْبُخَارِيِّ (٦). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵇ أنه كبَّرَ على سهلِ بن حُنَيْفٍ) بضمِّ المهملةِ، فنونٍ فمثناةٍ تحتيةٍ ففاءٍ (ستًا وقالَ: إنه بدريٌّ) أي: ممنْ شهدَ وقعةَ بدرٍ ﷺ (رواهُ سعيد بن منصورٍ، وأصلُه في البخاري) الذي في البخاري: "أن عليًا كبَّرَ على سهلِ بن حنيفٍ" زادَ البرقاني في مستخرجهِ: ستًا، كذَا ذكرهُ البخاريّ في تاريخهِ. وقدِ اختلفتِ الرواياتُ في [عدةِ] (٧) تكبيراتِ الجنازةِ؛ فأخرجَ البيهقيُّ (٨) عنْ سعيدِ بن المسيبِ: "أن عمرَ قالَ: كلُّ ذلكَ قدْ كانَ، أربعًا، [وخمسًا] (٩)، فاجتمعْنا على أربعٍ" ورواهُ ابنُ المنذرِ (١٠) منْ وجهٍ آخرَ عنْ سعيدٍ، ورواهُ البيهقيُّ أيضًا (١١) عنْ أبي وائلٍ: "قالَ: كانُوا يكبِّرونَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أربعًا، وخمسًا، وستًا، وسبعًا، فجمعَ عمرُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ فأخبرَ كلٌّ بما رأى فجمعَهم

стр. 975

عمرُ على أربعِ تكبيراتٍ"، ورَوَى ابنُ عبدِ البرِّ في الاستذكار بإسنادهِ: "كانَ النبيُّ ﷺ يكبرُ على الجنائزِ أربعًا، وخمسًا، وستًا، وسبعًا، وثمانيًا حتَّى جاءَ موت النجاشي، فخرجَ إلى المصلَّى وصفَّ الناسَ [وزاد] (١): وكبَّرَ عليهِ أربعًا. [وثبت] (٢) النبيُّ ﷺ على أربعِ حتَّى توفَّاهُ اللَّهُ" (٣)، فإنْ صحَّ هذَا فكأنَّ عمرَ وَمنْ معهُ لمْ يعرفُوا استقرارَ الأمرِ على الأربعِ حتَّى جمعَهم وتشاورُوا في ذلكَ. ٣١/ ٥٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الأُولى. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (٤) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يكبِّرُ على جنائزِنَا أربعًا، ويقرأُ بفاتحةِ الكتابِ في التكبيرةِ الأُولى. رواهُ الشافعي بإسنادٍ ضعيفٍ). سقطَ هذَا الحديثُ منْ نسخةِ الشرحِ فلمْ يتكلمْ عليهِ الشارحُ ﵀. قال المصنفُ في الفتح (٥): إنهُ أفادَ شيخُه في شرحِ الترمذي أن سندَهُ ضعيفٌ. وفي التلخيصِ (٦) أنهُ رواهُ الشافعي عنْ إبراهيمَ بن محمدٍ، عنْ محمدٍ بن عبدِ اللَّهِ بن عقيلٍ، عنْ جابرٍ، انتهَى. وقدْ ضعَّفُوا ابن عقيلٍ. واعلمْ أنهُ اختلفَ العلماءُ في قراءةِ الفاتحةِ في صلاةِ الجنازةِ، فنقلَ ابنُ

стр. 976

المنذرِ (١) عن ابن مسعودٍ (٢)، والحسنِ بن عليٍّ، وابنِ الزبيرِ مشروعيتها، وبهِ قالَ الشافعيُّ (٣)، وأحمدُ (٤)، وإسحاقُ. ونقلَ عنْ أبي هريرةَ (٥)، وابنِ (٦) عمرَ [أنهُ] (٧) ليسَ فيها قراءةٌ، وهوَ قولُ مالكٍ (٨)، والكوفيينَ. واستدلَّ الأولونَ بما سلفَ، وهوَ وإنْ كانَ ضعيفًا فقدْ شهدَ لهُ قولُهُ: قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ٣٢/ ٥٣١ - وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ، فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٩). [صحيح] (وعنْ طلحةَ بن عبدِ اللَّهِ بن عوفٍ) أي: الخزاعي (قالَ: صلَّيتُ خلفَ ابن عباسٍ على جنازةٍ فقرأ فاتحةَ الكتابِ فقالَ: ليعلمُوا أنَّها سنةٌ. رواهُ البخاريّ)، وأخرجهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ (١٠)، والنسائيُّ (١١) بلفظِ: "فأخذتُ بيدهِ فسألتُه عنْ ذلكَ فقالَ: نعمْ يا ابنَ أخي إنهُ حقٌّ وسنةٌ". وأخرجَ النسائيُّ (١٢) أيضًا منْ طريقٍ أُخْرى بلفظِ: " [فقرأ] (١٣) بفاتحةِ الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال: سنَّة وحق".

стр. 977

وقدْ رَوَى الترمذيُّ (١) عن ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ قرأ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ"، ثمَّ قالَ: لا يصحُّ، والصحيحُ عن ابن عباسٍ قولُه: "منَ السنَّةِ". قالَ الحاكمُ: أجمعُوا علَى أن قولَ الصحابيِّ "منَ السنَّةِ" حديث مسندٌ. قالَ المصنفُ: كذَا نُقِلَ الإجماعُ معَ أن الخلافَ عندَ أهلِ الحديثِ، وعندَ الأصوليينَ شهيرٌ. والحديثُ دليلٌ على وجوب قراءةِ الفاتحةِ في صلاةِ الجنازةِ؛ لأنَّ المرادَ منَ السنةِ الطريقةُ المألوفةُ عنهُ ﷺ ، لا أن المرادَ بها ما يقابلُ الفريضةُ؛ فإنهُ اصطلاحٌ عُرْفيٌّ، وزادَ الوجوبَ تأكيدًا قولُهُ (حقٌّ) أيْ: ثابتٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ ماجهْ (٢) منْ حديثِ أمِّ شريكٍ قالتْ: "أمرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نقرأَ على الجنازةِ بفاتحةِ الكتابِ"، وفي إسنادهِ ضعفٌ يسيرٌ يجبرُهُ حديثُ ابن عباسٍ. والأمرُ منْ أدلةِ الوجوبِ وإلى وجوبها ذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهما منَ السلفِ والخلفِ. وذهبَ آخرونَ إلى عدم [شرعيتها] (٣) لقولِ ابن مسعودٍ (٤): "لم يوقّتْ لنا رسولُ اللَّهِ ﷺ قراءةً في صلاةِ الجنازةِ، بلْ قالَ: كبِّرْ إذا كبرَ الإمامُ، واخترْ منْ أطايبِ الكلامِ ما شئتَ"، إلَّا أنهُ لمْ يعزُهُ [في الانتصار] (٥) إلى كتابٍ حديثي لِتُعْرف صحتُه منْ عدمِها، على أنهُ نافٍ، وابنُ عباسٍ مثبتُ، وهوَ مقدَّم. وعنِ الهادي وجماعةٍ منَ الآلِ أن القراءةَ سنة عملًا بقولِ ابن عباسٍ سنةٌ. وقدْ عرفتَ المرادَ بها في لفظهِ. واستُدِلَّ للوجوبِ بأنَّهم اتفقُوا أنَّها صلاةٌ. وقد ثبتَ حديثُ: "لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ" (٦)؛ فهيَ داخلةٌ تحتَ العمومِ، وإخراجُها منهُ يحتاجُ إلى دليلٍ.

стр. 978

وأما موضعُ قراءةِ الفاتحةِ فإنهُ بعدَ التكبيرةِ الأُولى، ثمَّ يكبِّرُ فيصلِّي على النبي ﷺ ، ثمَّ يكبِّرُ فيدعُو للميتِ. وكيفيةُ الدعاءِ قدْ [أفادَها قولُهُ] (١): يدعو للميت بعدَ التكبيرةِ الثانية ٣٣/ ٥٣٢ - وَعَنْ عَوْفٍ بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اللَّهُمّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِن الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيتَ الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ عوفِ بن مالكٍ قالَ: صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ على جنازةٍ فحفظت منْ دعائِه: "اللهمَّ اغفرْ لهُ، وارحمْهُ، وعافِهِ، واعفُ عنهُ، وأكرمْ نُزُلَهُ، ووسِّعْ مدخلَه، واغسلْهُ بالماءِ والثلجِ والبردِ، ونقِّهِ منَ الخطايا كما نقيتَ الثوبَ الأبيضَ من الدنسِ، وأبدلْهُ دارًا خيرًا منْ دارِه، وأهلًا خيرًا منْ أهلِه، وأدخلْهُ الجنةَ، وقهِ فتنةَ القبرِ، وعذابَ النارِ. رواهُ مسلمٌ) يحتملُ أنهُ ﷺ جهرَ بهِ فحفظَهُ، ويحتملُ أنهُ سألهُ ما قالهُ فذكرهُ لهُ فحفظهُ. وقدْ قالَ الفقهاءُ: يندبُ الإسرارُ، ومنْهم مَنْ قالَ: يخيَّرُ، ومنْهم مَنْ قالَ: يسرُّ في النهارِ، ويجهرُ في الليل. والدعاءُ للميتِ ينبغي الإخلاصُ فيهِ لهُ لقولهِ ﷺ : "أخلصُوا لهُ الدعاءَ" (٣). وما ثبتَ عنهُ ﷺ أوْلَى. وأصحُّ

стр. 979

الأحاديثِ الواردةِ في ذلكَ هذا الحديثُ، وكذلك قوله: ٣٤/ ٥٣٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا، وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا، وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرنَا، وَكبِيرِنَا، وَذَكرِنَا، وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيتَهُ مِنَّا فَأَحْيهِ عَلى الإِسْلامِ، وَمَنْ تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. اللَّهُمّ لَا تَحْرِمْنَا أجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَالأَرْبَعَةُ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا صلَّى على جنازةٍ يقولُ: (اللهمَّ اغفرْ لحيِّنا، وميِّتِنا، وشاهدِنا) أي: حاضرنا (وغائِبنا، وصغيرنا) أي: ثبتهُ عندَ التكليفِ للأفعالِ الصالحةِ، وإلَّا فلا ذنبَ لهُ (وكبيرنا، وذكرنا، وأنثانا، اللهمَّ مَنْ أحييتَهُ منا فأحيهِ على الإسلامِ، ومنْ توفيتَه منا فتوفَّهُ على الإيمانِ، اللهمَّ لا تحرمْنا أجرَهُ، ولا تضلَّنا بعدَه. رواهُ مسلمٌ والأربعةُ). والأحاديثُ في الدعاءِ للميت كثيرةٌ، ففي سنن أبي داودَ (٣) عنْ أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ دَعَا في الصلاةِ على الجنازة: "اللهمَّ أنتَ ربُّها، وأنتَ خلقتَها، وأنتَ هديتَها للإسلام، وأنتَ قبضتَ روحَها، وأنتَ أعلمُ بسرِّها وعلانيتِها، جئْنا

стр. 980

شفعاءَ لهُ فاغفرْ لهُ ذنبهُ". وابنِ ماجهْ (١) منْ حديثِ واثلةَ بن الأسقعِ قالَ: "صلَّى بِنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ على جنازةِ رجلٍ منَ المسلمينَ فسمعتُهُ يقولُ: اللهمَّ إنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ في ذمَّتِكَ، وحَبْلِ جوارِكَ، قهِ فتنةَ القبرِ وعذابَ النارِ، وأنت أهلُ الوفاءِ والحمدِ، اللهمَّ فاغفرْ لهُ وارحمهُ؛ فإنكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ". واختلافُ الرواياتِ دالٌّ على أن الأمرَ متَّسِعٌ في ذلك ليس مقْصورًا على شيءٍ معينٍ. وقد اختار الهادوية أدعيةٍ أُخْرى، [واختار الشافعيُّ كذلك] (٢)، والكلُّ مسطورٌ في الشرحِ. وأما قراءةُ سورةٍ مع الحمدِ فقدْ ثبت ذلك كما عرفتَ في روايةِ النسائيِّ، ولمْ يردْ فيها تعيين، وإنَّما الشأن في إخلاصِ الدعاءِ للميتِ؛ لأنهُ الذي شرعتْ له الصلاة والذي ورد به الحديث. ٣٥/ ٥٣٤ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّيتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدعَاءَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [حسن] وهوَ قولُه: (وعنهُ) أي: أبي هريرةَ (أن النبيَّ ﷺ قال: إذا صليتمْ على الميتِ فأخلصُوا لهُ الدعاءَ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابنُ حبانَ)؛ لأنهمْ شفعاءُ، والشافعُ يبالغُ في طلبِها يريدُ قَبولَ شفاعتهِ فيهِ. وَرَوَى الطبراني (٥): "أن ابنَ عمرَ كانَ إذا رأى جنازةً قالَ: هذَا ما وعدَنَا اللَّهُ ورسولُه، وصدقَ اللَّهُ ورسولُه، اللهمَّ زدْنا

стр. 981

إيمانًا وتسليمًا"، ثمَّ أسندَ عن النبيِّ ﷺ : "أنهُ قالَ: مَنْ رَأى جنازةً فقالَ: اللَّهُ أكبرُ، صدقَ اللَّهُ ورسولُه، هذَا ما وعدَ اللَّهُ ورسولُه، اللهمَّ زدْنا إيمانًا وتسليمًا، تكتبُ لهُ عشرونَ حسنةً". الندب إلى الإسراع بالجنازة ٣٦/ ٥٣٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبي ﷺ قَالَ: "أَسْرِعُوا بالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : قالَ أسرعُوا بالجنازةِ فإنْ تكُ) أي: الجنازةُ، والمرادُ بها الميتُ (صالحةً فخيرٌ)؛ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهوَ خيرٌ، ومثلُه شرٌّ الآتي (تقدمونَها إليهِ، وإنْ تكُ سِوى ذلكَ فشرٌّ تضعونَه عنْ رِقابِكمِ. متفقٌ عليهِ)، نقل ابنُ قدامةُ (٢) أن الأمرَ بالإسراعِ للندب بلا خلافٍ بينَ العلماءِ، وسئلَ ابنُ حزمٍ (٣) فقالَ بوجوبهِ، والمرادُ بهِ شدةُ المَشي، وعلى ذلكَ حملَهُ بعضُ السلفِ. وعندَ الشافعيِّ والجمهورِ المرادُ بالإسراعَ ما فوقَ سجيةِ المشي المعتادِ، ويكرهُ الإسراعُ الشديدُ. والحاصلُ أنهُ يستحبُّ الإسراعُ بها لكنْ بحيثُ إنهُ لا ينتهي إلى شدةٍ يخافُ معَها حدوثُ مفسدةٍ بالميتِ، أو مشقةٍ على الحاملِ والمشيِّعِ. وقالَ القرطبيُّ (٤): مقصودُ الحديثِ أن لا يتباطأَ بالميتِ عن الدفنِ، ولأن البطء ربما أدَّى إلى التباهي والاختيال؛ هذا بناء على أن المراد بقوله بالجنازةِ بحملها إلى قبرِها. وقيلَ: المرادُ الإسراعُ بتجهيزِها فهوَ أعمُّ منَ الأولِ. قال النوويُّ: وهذَا باطلٌ مردودٌ بقولهِ في الحديثِ: تضعونَهُ عنْ رقابِكم،

стр. 982

وتُعُقِّبَ بأنَّ الحملَ على الرقابِ قدْ يعبرُ بهِ عن المعاني كما تقولُ: حملَ فلانٌ على رقبتِه ديونًا، قالَ: ويؤيدُه أن الكلَّ لا يحملونَه. قالَ المصنفُ بعدَ نقلهِ في الفتحِ (١): ويؤيدُه حديثُ ابن عمرَ: "سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إذا ماتَ أحدُكم فلا تحبسُوهُ، وأسرعُوا به إلى قبرِه". أخرجهُ الطبراني (٢) بإسنادٍ حَسَنٍ. ولأبي داودَ (٣) مرفوعًا: "لا ينبغي لجيفةِ مسلمٍ أنْ تبقى بينَ ظهراني أهلهِ". والحديثُ دليلٌ على المبادرةِ بتجهيزِ الميتِ ودفنِه، وهذا في غيرِ المفلوجِ ونحوهِ فإنهُ ينبغي التثبتُ في أمرهِ. الترغيب في اتباع الجنازة والصلاة عليها ٣٧/ ٥٣٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ الْجَنَازَةَ حَتى يُصَلِّيَ عَلَيهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الْجَبَلَينِ الْعَظِيمَينِ" مُتفَقٌ عَلَيْهِ (٤). وَلَمُسْلمِ (٥): "حَتى تُوضَعَ في اللَّحْدِ". [صحيح] - وَللْبُخَارِيِّ أَيْضًا (٦) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ: "مَنْ تَبعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ معه حَتى يُصَلَّى عَلَيهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإنَّهُ يَرْجعُ بِقِيرَاطَينِ، كُلُّ قِيرَاطِ مِثْلُ أُحُدٍ". (وعنهُ) أي: أبي هريرةَ (قَالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ مَنْ شهدَ الجنازةَ حتى

стр. 983

يصلَّى عليْها فلهُ قيراطٌ، ومنْ شهدَها حتَّى تُدْفَنَ فلهُ قيراطانِ. وقيلَ:) صرَّحَ أبو عوانةَ بأنَّ القائلَ وما القيراطانِ هوَ أبو هريرةَ، (وما القيراطانِ؟ قالَ: مثلُ الجبلينِ العظيمينِ. متفقٌ عليهِ، ولمسلمٍ) أي: [منْ] (١) حديثِ أبي هريرةَ: (حتَّى يوضعَ في اللَّحد. وللبخاري أيضًا منْ حديثِ أبي هريرةَ: منْ تبعَ جنازةَ مسلمٍ إيمانًا واحتسابًا، وكانَ معهُ حتَّى يصلَّى عليها ويُفْرَغَ منْ دفنِها؛ فإنهُ يرجعُ بقيراطينِ، كلُّ قيراطٍ مثلُ أُحُدٍ)، فاتفقَا على صدرِ الحديثِ، ثمَّ انفردَ كلُّ واحدٍ منْهما بلفظٍ. وهذَا الحديثُ رواهُ اثنا عشرَ صحابيًا. قولُه: "إيمانًا واحتسابًا" قيدَ بهِ لأنهُ لا بدَّ منهُ؛ لأنَّ ترتُّبَ الثواب على العملِ يستدعي سبقَ النية فيخرجُ مَنْ فعلَ ذلكَ على سبيلِ المكافأةِ المجرَّدةِ، أو على سبيلِ المحاباة، ذكرهُ المصنفُ في الفتح (٢). وقولُه: "مثلُ أُحُدٍ". ووقعَ في روايةِ النَّسَائِي (٣): (فلهُ قيراطانِ منَ الأجرِ كلُّ واحدٍ منْهما أعظمُ منْ أُحُدٍ)، وفي روايةٍ لمسلمٍ (٤): "أصغرُهما مثلُ أُحُدٍ"، وعندَ ابن عديٍّ (٥) منْ روايةِ واثلةَ: "كُتِبَ لهُ قيراطان منَ الأجرِ أخفُّهما في ميزانهِ يومَ القيامةِ أثقلُ منْ جبلِ أُحُدٍ". والشهودُ: الحضورُ، وظاهرهُ الحضورُ معَها من ابتداءِ الخروجِ بها. وقدْ وردَ في لفظِ مسلمٍ (٦): "مَنْ خرجَ معَ جنازةٍ منْ بيتها، ثمَّ تبعَها حتَّى تدفنَ، كانَ لهُ قيراطانِ منَ الأجرِ، كل قيراطٍ مثل أُحُدٍ، ومن صلَّى عليها ثم رجع كان له قيراطٌ". والروايات إذا رُدَّ بعضُها إلى بعضٍ تقضي بأنهُ لا يستحقُّ الأجرَ المذكورَ إلَّا مَنْ صلَّى عليْها ثمَّ تبعَها. وقالَ المصنفُ ﵀: الذي يظهرُ لي أنهُ يحصلُ الأجرُ لمنْ صلَّى وإنْ لم يتبعْ؛ لأنَّ ذلكَ وسيلةٌ إلى الصلاةِ، لكنْ يكونُ قيراطُ مَنْ صلَّى فقطْ دونَ قيراطِ مَنْ صلَّى وتَبعَ.

стр. 984

[وقد] (١) أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (٢) منْ حديثِ عروةَ عنْ زيدِ بن ثابتٍ: "إذا صلَّيتَ على جنازةٍ فقدْ قضيتَ ما عليكَ"، أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٣) بلفظِ: "إذا صلَّيتُم" وزادَ في آخرِه: - "فخلُّوا بينَها وبينَ أهلِها". ومعناهُ قدْ قضيتَ حقَّ الميتِ، وإن زدت الاتباعَ فلكَ زيادةُ أجرٍ. وعلَّقَ البخاريُّ (٤) قولَ حميدِ بن هلالٍ: "ما علمْنا على الجنازةِ إذنًا ولكنْ مَنْ صلَّى ورجعَ فلهُ قيراطٌ". وأما حديثُ أبي هريرةَ: "أميرانِ وليسا أميرينِ، الرجلُ يكونُ معَ الجنازةِ يصلِّي عليها فليسَ لهُ أنْ يرجعَ حتَّى يستأذنَ وليَّها"، أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (٥)، فإنه حديثٌ منقطعٌ موقوفٌ. وقدْ رويتْ في معناهُ أحاديثُ مرفوعةٌ كلُّها ضعيفةٌ. ولما كانَ وزنُ الأعمالِ في الآخرةِ ليسَ لنا طريقٌ إلى معرفةِ حقيقتهِ، ولا يعلمهُ إلَّا اللَّهُ، ولمْ يكنْ تعريفُنا لذلكَ إلا بتشبيههِ بما نعرفُه منْ أحوالِ المقاديرِ شُبِّهَ قدْرُ الأجرِ الحاصلِ منْ ذلكَ بالقيراطِ ليبرزَ لنا المعقولَ في صورةِ المحسوسِ. ولما كانَ القيراطُ حقيرَ القدرِ بالنسبةِ إلى ما نعرفُهُ في الدنيا نبَّهَ على معرفةِ قدْرِهِ بأنهُ كأُحُدٍ، الجبلُ المعروفُ بالمدينةِ. وقولُه: "حتَّى تدفنُ" ظاهرٌ في وقوعِ مطلقِ الدفن، وإنْ لم يفرغْ منهُ كلُّه. ولفظُ: "حتَّى توضعَ في اللحدِ" كذلكَ، وفي الروايةِ الأُخْرى لمسلمٍ (٦): "حتَّى يفرغَ منْ دفنِها"؛ ففِيْها بيانٌ لما في غيرِها. والحديثُ ترغيبٌ في حضورِ الميتِ والصلاةِ عليهِ ودفنهِ، وفيهِ دلالةٌ علَى عِظَمِ فضلِ اللَّهِ وتكريمهِ للميتِ، وإكرامهِ بجزيلِ الإثابةِ لمنْ أحسنَ إليه بعدَ موتهِ. تنبيهٌ في حملِ الجنازةِ: أخرجَ البيهقيُّ في "السنن الكبرى" (٧) بسنده إلى

стр. 985

عبدِ الله بن مسعودٍ: "أنهُ قالَ: إذا تبعَ أحدُكم الجنازةَ فليأخذْ بجوانبِ السريرِ الأربعةِ، ثمَّ ليتطوعْ بعدُ، أوْ يذر، فإنهُ منَ السنةِ". وأخرجَ بسندهِ (١): "أن عثمانَ بنَ عفانَ حملَ بينَ العمودينِ سريرَ أمِّه، فلمْ يفارقْهُ حتَّى وضعَهُ"، وأخرجَ أيضًا (٢): "أن أبا هريرةَ ﵁ حملَ بينَ عموديْ سريرِ سعدِ بن أبي وقاصٍ"، وأخرجَ (٣) [أيضًا] (٤): "أن ابنَ الزبيرِ حملَ بينَ عموديْ سريرِ المسوّرِ بن مخرمةَ"، وأخرجَ (٥) منْ حديثِ يوسفَ بن ماهكٍ "قالَ: شهدتُ جنازةَ رافع بن خُدَيْجٍ، وفيْها ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ، فانطلقَ ابنُ عمرَ حتَّى أخذَ بمقدَّمِ السريرِ بينَ [القائمتين] (٦) فوضعَهُ على كاهلهِ ثمَّ مشَى بها"، انتهَى. أيهما أفضل المشي أمام الجنازة أم خلفها ٣٨/ ٥٣٧ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄: أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَهُمْ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٧) وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٨)،

стр. 986

وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ (١) وَطَائِفَةٌ بِالإِرْسَالِ (٢). [صحيح] ترجمة سالم بن عبد الله (وعنْ سالمٍ) (٣) هو أبو عبدِ اللَّهِ، أو أبو عمر سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ بن الخطابِ أحدُ فقهاءِ المدينةِ، من ساداتِ التابعينَ وأعيانِ علمائِهم، رَوَى عنْ أبيهِ وغيرِه، ماتَ سنةَ ستٍ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ) هو عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ (أنه رَأى النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، وعمرَ، وهمْ يمشونَ أمامَ الجنازةِ. رواهُ الخمسة، وصحَّحهُ ابن حبانَ، وأعلَّهُ النَّسَائِيُّ وطائفةٌ بالإرسال). اختُلِفَ في وصلِه وإرسالِه فقالَ: أحمدُ: إنَّما هوَ عن الزهريِّ مرسل، وحديثُ سالمٍ موقوفٌ على ابن عمرَ منْ فعلهِ.

стр. 987

قال الترمذيُّ (١): أهلُ الحديثِ يرونَ المرسلَ أصحَّ، وأخرجهُ ابن حبانَ في صحيحهِ (٢) عن الزهريِّ، عنْ سالمِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ: "كانَ يمشي بينَ يديْها، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ". قال الزهريُّ: وكذلكَ السنةُ. وقدْ ذكرَ الدارقطنيُّ في العِلَلِ اختلافًا كثيرًا فيهِ عن الزهريِّ قال: والصحيحُ قول مَنْ قال عن الزهري عنْ سالم عنْ أبيهِ: "أنهُ كانَ يمشي"، قال: "وقدْ مَشَى رسول اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ وعمرُ ﵄[يعني] (٣) بينَ يديْها"، وهذَا مرسلٌ. وقال البيهقيُّ (٤): إنَّ الموصول أرجحُ؛ لأنهُ منْ روايةِ ابن عيينةَ، وهوَ ثقةٌ حافظٌ، وعنْ علي بن المديني قالَ: قلتُ لابن عيينةَ: "يا أبا محمدٍ، خالفكَ الناسُ في هذا الحديثِ، فقال: استيقنَ الزهريُّ حدثنيهِ مرارًا لستُ أحصيهِ يعيدُه ويُبْدِيهِ، سمعتُه منْ فيهِ عنْ سالمٍ عنْ أبيهِ". قال المصنفُ (٥): وهذَا لا ينفي الوهمَ لأنهُ ضبطَ أنهُ سمعهُ منهُ عنْ سالمٍ عنْ أبيهِ والأمرُ كذلكَ، إلَّا أن فيهِ إدراجًا، ولعلَّ الزهريَّ أدمَجه وحدَّثَ بهِ ابنُ عيينةَ، [وفصَّله لغيره] (٦). وللاختلافِ في الحديثِ اختلفَ العلماءُ على [خمسة] (٧) أقوالٍ: الأولُ: أن المشيَ أمامَ الجنازةِ أفضلُ لورودِه منْ فعلهِ ﷺ ، وفعلِ الخلفاءِ. وذهبَ إليهِ الجمهور والشافعي. والثاني: للهادويةِ والحنفيةِ أنَّ المشيَ خلفَها أفضلُ لما رواهُ ابنُ طاوسٍ عن

стр. 988

أبيهِ: "ما مشَى رسولُ اللَّهِ ﷺ حتَّى ماتَ إلا خلفَ الجنازةِ" (١)، ولما رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٢) منْ حديثِ عليٍّ ﵇ "قالَ: المشيُ خلفَها أفضلُ منَ المشي أمامَها، كفضلِ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ"، إسنادهُ حسنٌ، وهوَ موقوفٌ لهُ حكمُ الرفعِ. وحَكَى الأثرمُ أن أحمدَ تكلَّمَ في إسنادهِ. والثالثُ: أنهُ يمشي بينَ يديْها، وخلفَها، وعنْ يمينِها، وعنْ شمالِها. علَّقَهُ البخاريُّ (٣) عنْ أنسٍ، وأخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤) موصولًا، وكذَا عبدُ الرزاقِ (٥). وفيهِ التوسعةُ على المشيِّعينَ وهوَ يوافقُ سنةَ الإسراعِ بالجنازةِ، وأنَّهم لا يلزمونَ مكانًا واحدًا يمشونَ فيهِ لئلَّا يشقَّ عليْهم أو على بعضِهم. القولُ الرابعُ: للثوريِّ أن الماشي يمشي حيثُ شاءَ، والراكبُ خلفَها، لما أخرجهُ أصحابُ السننِ (٦)، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ (٧)، والحاكمُ (٨) منْ حديثِ المغيرةِ مرفوعًا: "الراكبُ خلفَ الجنازةِ والماشي حيثُ شاءَ منْها". القولُ الخامسُ: للنخعي إنْ كانَ معَ الجنازةِ نساءٌ مشيَ أمامَها وإلَّا فخلفَها. النهي عن اتباع النساء الجنازة ٣٩/ ٥٣٨ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتّباعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩). [صحيح]

стр. 989

(وعنْ أمِّ عطيةَ قالتْ: نُهينا) مبني للمجهولِ (عن اتباعِ الجنازةِ ولمْ يُعْزَمْ علينَا. [متفق عليهِ]) (١). جمهورُ أهلِ الأصولِ والمحدِّثينَ أن قولَ الصحابيِّ نُهينَا، أوْ أُمِرْنا بعدمِ ذكرِ الفاعلِ لهُ حكمُ المرفوعِ؛ إذِ الظاهرُ [منْ ذلكَ] (٢) أنَّ الآمرَ والناهيَ هوَ النبيُّ ﷺ ، وأمَّا هذَا الحديثُ فقدْ ثبتَ رفعُه، [وأنهُ] (٣) أخرجهُ البخاريُّ في باب الحيضِ عنْ أمِّ عطيةَ بلفظ: "نهانَا رسولُ اللهِ ﷺ الحديثَ" إلَّا أنهُ مرسلٌ لأنَّ أَمَّ عطيةَ لم تسمعُه منهُ لما أخرجهُ الطبراني (٤) عنْها "قالتْ: لما دخلَ النبيُّ ﷺ المدينةَ جمعَ النساءَ في بيتٍ، ثمَّ بعثَ إلينا عمرُ فقالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعثني إليكنَّ لأبايعكنَّ على أنْ لا تسرقْنَ" الحديثَ، وفيهِ: "نهانا أنْ نخرج في جنازةٍ". وقولُها: ولمْ يعزمْ علينَا ظاهرٌ في أن النهيَ للكراهةِ لا للتحريمِ، كأنَّها فهمتْهُ منْ قرينةٍ، وإلَّا فأصلُهُ التحريمُ وإلى أنهُ للكراهةِ ذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ، ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبة (٥) منْ حديثِ أبي هريرةَ: "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في جنازةٍ فرأى عمرُ امرأةً فصاحَ بها فقالَ: دعْها يا عمرُ" الحديثَ، وأخرجهُ النَّسَائِيُّ (٦)، وابنُ ماجه (٧) منْ طريقٍ أُخْرى [ورجاله] (٨) ثقاتٌ.

стр. 990

القيام للجنازة ٤٠/ ٥٣٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلا يَجْلِسْ حَتى تُوضَعَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي سعيدٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إذا رأيتُم الجنازةَ فقومُوا، فمنْ تبعَها فلا يجلسْ حتَّى توضعَ. متفقٌ عليهِ). الأمرُ ظاهرٌ في وجوب القيامِ للجنازةِ إذا مرتْ بالمكلفِ، وإنْ لمْ يقصدْ تشييعَها، وظاهرهُ [عمومُ] (٢) كلِّ جنازةٍ منْ مؤمنٍ وغيرِه، ويؤيدُه أنهُ أخرجَ البخاريُّ (٣) "قيامَهُ ﷺ لجنازةِ يهوديٍّ مرَّتْ بهِ"، وعلَّلَ ذلكَ بأنَّ الموتَ فزعٌ، وفي روايةٍ (٤): "أليستْ نفسًا". وأخرجَ الحاكمُ (٥): "إنَّما قُمنَا للملائكةِ"، وأخرجَ أحمدُ (٦)، والحاكمُ (٧)، [وابنُ (٨) حبانَ] (٢)، إنَّما نقومُ إعظامًا للذي يقبضُ النفوسَ"، ولفظُ ابن حبانَ: "إعظامًا للَّهِ"، ولا منافاةَ بينَ التعليلينِ. وقدْ عارضَ هذَا الأمرَ حديثُ عليٍّ ﵇ عندَ مسلمٍ (٩): "إنهُ ﷺ قامَ للجنازةِ ثمَّ قعدَ"، والقولُ بأنهُ يحتملُ أن مرادَهُ قامَ ثمَّ قعدَ لما بعدتْ عنهُ يدفعُه أن عليًا أشارَ إلى قومٍ بأنْ يقعدُوا ثمَّ حدَّثَهم الحديثَ. ولما تعارضَ الحديثانِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ الشافعيُّ إلى أن حديثَ علي ناسخٌ للأمرِ بالقيامِ،

стр. 991

ورُدَّ بأنَّ حديثَ عليٍّ ليسَ نصًا في النسخِ، لاحتمالِ أن قعودَهُ ﷺ كانَ لبيانِ الجوازِ، ولذَا قالَ النوويُّ: المختارُ أنهُ مستحبٌّ، وأمَّا حديثُ عبادةَ بن الصامتِ: "أنهُ كانَ ﷺ يقومُ للجنازةِ فمرَّ به حبرٌ منَ اليهودِ فقالَ: هكذا نفعلُ، فقالَ: اجلسُوا وخالفُوهم"، أخرجهُ أحمدُ (١)، وأصحابُ السننِ (٢)، إلَّا النسائيَّ، وابنَ ماجهْ، والبزارَ، والبيهقيَّ؛ فإنهُ حديثٌ ضعيفٌ فيهِ بشرُ بنُ رافعٍ (٣)، قالَ البزارُ: [تفرد] (٤) به بشرٌ [بن رافع] (٥)، وهوَ لينٌ الحديثَ. وقولُهُ: "ومَنْ تبعَها فلا يجلسْ حتَّى تُوضعَ"، أفاد النهيَ لمنْ شيَّعَها عن الجلوسِ حتَّى توضعَ، ويحتملُ أنَّ المرادَ [حتّى] (٦) توضعَ في الأرضِ، أو توضعَ في اللَّحدِ. وقدْ رُوِيَ الحديثُ باللفظينِ إلَّا أنهُ رجحَ البخاريُّ وغيرُه روايةَ: "توضعُ في الأرضِ"، فذهبَ بعضُ السلفِ إلى وجوب القيامِ حتَّى توضعَ الجنازةُ لما يفيدُه النهيُ هنَا، ولما عندَ النَّسَائِي (٧) منْ حديثِ أَبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ: "ما رأينَا رسولَ اللَّهِ ﷺ شهدَ جنازة قطُّ، فجلسَ حتَّى توضعَ". وقالَ الجمهورُ: إنهُ مستحبٌّ. وقدْ رَوَى البيهقيُّ (٨) منْ حديثِ أبي هريرةَ وغيره: "أن القائمَ كالحاملِ في الأجرِ". إدخالُ الميتِ القبرَ من جهةِ رأسه أو رجليه ٤١/ ٥٤٠ - وَعَنْ أَبي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَدْخَلَ الْمَيِّتَ مِنْ

стр. 992

قِبَلِ رِجْلَي الْقَبْرِ. وَقَال: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١). [صحيح] ترجمة أبي إسحاق (وعنْ أبي إسحاقَ) (٢) هوَ السبيعيُّ بفتحِ السينِ المهملةِ، وكسرِ الباءِ الموحدةِ، والعينِ المهملةِ، الهمدانيِّ الكوفيِّ، رأى عليًا ﵇ وغيرَهُ منَ الصحابةِ، وهوَ تابعيٌّ مشهورٌ كثيرُ الروايةِ، ولدَ لسنتينِ منْ خلافةِ عثمانَ، وماتَ سنةَ تسعٍ وعشرينَ ومائةٍ، (أن عبدَ اللَّهِ بنَ يزيدَ) هوَ عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ الخطميِّ بالخاءِ المعجمةِ، الأوسيِّ، كوفيٌّ شهدَ الحديبيةَ وهوَ ابنُ سبعَ عشرةَ سنةً، وكانَ أميرًا على الكوفةِ، وشهدَ معَ عليٍّ ﵁ صِفِّينَ والجملَ، ذكرهُ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ (٣). (أدخلَ الميتَ منْ قبلِ رجلي القبرِ) أي: منِ جهةِ المحلِّ الذي يوضعُ فيهِ رِجْلَا الميتِ فهوَ منْ إطلاقِ الحالِ على المحلِّ (وقالَ هذَا من السنةِ. أخرجهُ أبو داودَ). ورُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁ قال: "صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ على جنازةِ رجلٍ منْ ولدِ عبدِ المطلبِ، فأمرَ بالسريرِ فوُضِعَ منْ قِبَلِ رجلي اللحدِ، ثمَّ أمرَ بهِ فسُلَّ سلًّا". ذكرهُ الشارحُ ولمْ يخرجْهُ (٤). وفي المسألةِ ثلاثةُ أقوال: الأولُ: ما ذُكِرَ، وإليهِ ذهبتِ الهادويةُ، والشافعيُّ، وأحمدُ (٥). والثاني: يُسَلَّ منْ قِبَلِ رأسهِ لما رَوَى الشافعيُّ (٦) عن الثقةِ مرفوعًا منْ

стр. 993

حديثِ ابن عباسٍ: "أنهُ ﷺ سلَّ ميتًا منْ قِبَلِ رأسهِ". وهذا أحدُ قوليْ الشافعيِّ. والثالثُ: لأبي حنيفةَ أنهُ يُسَلَّ منْ قبلِ القبلةِ معترضًا إذْ هوَ أيسرُ. قلت: بلْ وردَ بهِ النصُّ كما يأتي في شرحِ حديثِ جابرٍ (١) في النهي عن الدفنِ ليلًا. فإنهُ أخرجَ الترمذيُّ (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ما [هوَ نصُّ] (٣) في إدخالِ الميتِ منْ قبلِ القبلةِ، ويأتي أنهُ حديثٌ حسنٌ؛ فيستفادُ منَ المجموعِ أنهُ فعلٌ مخيَّرٌ فيهِ. فائدةٌ: اختلفَ في تجليل القبرِ بالثوبِ عندَ مواراةِ الميتِ؛ فقيلَ: يُجَلَّلُ سواءٌ كانَ المدفونُ امرأة أو رجلًا لما أخرجهُ البيهقيُّ (٤) [لا أحفظهُ] (٥) إلَّا منْ حديثِ ابن عباسٍ قالَ: "جلَّلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قبرَ سعدٍ بثوبِهِ"، قالَ البيهقيُّ: لا أحفظُهُ إلَّا منْ حديثِ يحيى بن عقبةَ بن أبي العيزارِ، وهوَ ضعيفٌ. وقيلَ: يختصُّ بالنساءِ لما أخرجهُ البيهقيُّ (٦) أيضًا منْ حديثِ أبي إسحاقَ: "أنهُ حضرَ جنازةَ الحارِثِ الأعورِ، فأبى عبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ أن يبسطُوا عليهِ ثوبًا وقالَ: إنهُ رجلٌ". قالَ البيهقيُّ: وهذَا إسنادهُ صحيحٌ وإنْ كانَ موقوفًا. قلتُ: ويؤيدُه ما أخرجهُ البيهقيُّ (٧) أيضًا عنْ رجلٍ منْ أهلِ الكوفةِ: "أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ أتاهمْ يدفنونَ ميْتًا، وقدْ بُسطَ الثوبَ على قبرِه، فجذبَ الثوبَ منْ القبرِ، وقالَ: إنَّما يُصنعُ هذَا بالنساءِ".

стр. 994

ما يقال عند دفن الميت ٤٢/ ٥٤١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ في الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِي (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤)، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بالْوَقْفِ (٥). [صحيح] (وعنِ ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: إذا وضعتمْ موتاكم في القبورِ فقولُوا: بسمِ اللهِ وعلى ملَّةِ رسولِ اللهِ. أخرجهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالوقْفِ)، ورجَّحَ النسائيُّ وقْفَهُ على ابن عمرَ أيضًا إلَّا أنهُ لهُ شواهدُ مرفوعةٌ ذكرَها في الشرحِ (٦). وأخرجَ الحاكمُ (٧)، والبيهقي (٨) بسندٍ ضعيفٍ: "أنَّها لما وُضِعَتْ أمّ كلثوم بنتُ النبيِّ ﷺ في القبرِ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، بسمِ اللَّهِ وفي سبيلِ اللَّهِ، وعلى ملَّةِ رسولِ اللَّهِ"، وللشافعيِّ (٩)

стр. 995

دعاءٌ آخرُ استحسنهُ. فدلَّ كلامُه [على] (١) أنهُ يختارُ الدافنُ منَ الدعاءِ للميتِ ما يراهُ، وأنهُ ليسَ فيهِ حدٌّ محدودٌ (٢). يمتنع عن إيذاء الميت بما يَتَأَذَّى به الحيُّ ٤٣/ ٥٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (٣). [صحيح] - وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ (٤) مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: "في الإِثْمِ". [صحيح] (وعنْ عائشةُ ﵂ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: كسرُ عظمِ الميتِ ككسرهِ حيًا. رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ على شرطِ مسلمٍ، وزادَ ابنُ ماجهْ) أي: في الحديثِ [هذَا] (٥)، وهوَ قولهُ: (منْ حديثِ أمِّ سلمةَ: في الأثمِ) بيانٌ للمثليةِ. فيهِ دلالةٌ على وجوبِ احترامِ الميتِ كما يُحتَرمُ الحيُّ، ولكنْ بزيادةِ: "في الإثمِ" [إثبات] (٦) أنهُ يفارقُه منْ حيثُ إنهُ لا يجبُ الضمانُ، وهوَ يحتملُ أن الميتَ يتألمُ كما يتألمُ الحيُّ. وقدْ وردَ بهِ حديث. اللَّحد والشق في القبر ٤٤/ ٥٤٣ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ قَالَ: الْحَدُوا لي لَحْدًا، وَانْصِبُوا

стр. 996

عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ قالَ: الحَدُوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللَّبنَ نصْبًا كما صُنِعَ برسولِ اللَّهِ ﷺ . رواهُ مسلمٌ). هذَا الكلامُ قالهُ سعدٌ لما قيلَ لهُ: ألا نتَّخذ لكَ شيئًا كأنهُ الصندوقُ منَ الخشبِ؟ فقالَ: [بل] (٢) اصنعُوا فذكرهُ، واللحدُ بفتحِ اللامِ وضمِّها، هوَ الحفرُ تحتَ الجانبِ القبلي منَ القبرِ، وفيهِ دلالةٌ أنهُ لُحِدَ لهُ ﷺ . وقدْ أخرجهُ أحمدُ (٣)، وابنُ ماجهْ (٤) بإسنادٍ حسنٍ "أنهُ كانَ بالمدينةِ رجلانِ، رجلٌ يَلْحَدُ، ورجلٌ يشقُّ، فبعثَ الصحابةُ في طلبهمَا فقالُوا: أيُّهما جاءَ عملَ عملَهُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فجاءَ الذي يُلحدُ فلحدَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، ومثلُهُ عن ابن عباسٍ عندَ أحمدَ (٥)، والترمذيِّ (٦): "وأن الذي كان يشق هو أبو عبيدة، وأنَّ الذي كانَ يلحد هوَ أبو طلحةَ الأنصاريِّ"، وفي إسنادهِ ضعفٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنّ اللَّحدَ أفضل. ٤٥/ ٥٤٤ - وَللْبَيْهَقيِّ (٧) عَنْ جَابرٍ ﵁ نَحْوَهُ، وَزَادَ: وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ. وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٨). [صحيح] (وللبيهقي) أي: رَوَى البيهقيُّ (عنْ جابرٍ نحوَهُ) أي: نحوَ حديثِ سعدٍ (وزادَ: ورُفِعَ قبرُهُ أعنِ [الأرضِ] (٩) قدْرَ شبرٍ، وصحَّحهُ بنُ حبانَ).

стр. 997

هذَا الحديثُ أخرجهُ البيهقيُّ، وابنُ حبانَ منْ حديثِ جعفرِ بن محمدٍ عنْ أبيهِ، عنْ جابرٍ. وفي البابِ منْ حديثِ القاسم بن محمدٍ قالَ: "دخلتُ على عائشةَ فقلتُ: يا أماهُ اكشفي لي عنْ قبرِ رسولِ اللهِ ﷺ وصاحبيْهِ، فكشفت لهُ عنْ ثلاثةِ قبورٍ، لا مشرفةً، ولا لاطئةً، مبطوحةً ببطحةِ العرَصَةِ الحمراءِ"، أخرجهُ أبو داودَ (١)، والحاكمُ (٢). وزادَ: "ورأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ مقدَّمًا، وأبو بكرٍ رأسُهُ بينَ كتفي رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وعمرَ رأسُه عندَ رجلي رسولِ اللَّهِ ﷺ ". وأخرجَ أبو داودَ في المراسيلِ (٣) عنْ صالحٍ بن أبي صالحٍ قالَ: "رأيتُ قبرَ رسولِ اللَّهِ ﷺ شبرًا أو نحوَ شبرٍ"، ويعارضُه ما أخرجهُ البخاريُّ (٤) منْ حديثِ سفيانَ التَّمَّارِ: "أنهُ رأى قبرَ النبيِّ ﷺ مسنَّمًا" أي: مرتفعًا كهيئةِ السَّنَامِ. وجمَعَ بينَهما البيهقي، بأنهُ كانَ أوَّلًا مسطَّحًا، ثمَّ لما سقطَ الجدارُ في زمنِ الوليدِ بن عبدِ الملكِ أصلحَ، فجُعِلَ مسنَّمًا. فائدة: كانتْ وفاتُهُ ﷺ يوم الاثنينِ عندَما (٥) زاغتِ الشمسُ لاثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ منْ ربيع الأولِ، ودُفِنَ يومَ الثلاثاءِ كما في الموطأِ (٦). وقالَ جماعةٌ: يومَ الأربعاءِ، وتولى غسلَهُ ودفنَهُ علي والعباسُ وأسامةُ.

стр. 998

أخرجهُ أبو داودُ (١) منْ حديثِ الشعبيِّ وزادَ: "وحدَّثني مرحبٌ" كذا في الشرحِ. والذي في التلخيصِ (٢): "مُرَحَّبٌ أو أبو مُرَحَّبٍ" بالشكِّ، "أنَّهمْ أدخلُوا معهم عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ"، وفي روايةِ البيهقي (٣) زيادةٌ معَ عليٍّ والعباسِ: "الفضلُ بنُ العباسِ، وصالحٌ وهوَ شقرانُ" ولم يذكرِ ابنُ عوفٍ. وفي روايةٍ لهُ، ولابنِ ماجهْ (٤): "عليٌّ والفضلُ وقثمُ وشقرانُ"، وزادَ: "وسوَّى لحده رجلٌ منَ الأنصارِ". وجُمِعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ مَنْ نَقَصَ فباعتبارِ ما رأَى أولَ الأمرِ، ومَنْ زَادَ أراد بهِ آخرَ الأمرِ. النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها ٤٦/ ٥٤٥ - وَلمُسْلِمٍ (٥) عَنْهُ ﵁: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنى عَلَيْهِ. [صحيح] (ولمسلمٍ عنهُ) أي: عنْ جابرٍ (نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القبرُ، وأنْ يُقْعَدَ عليهِ، وأنْ يبنَى عليهِ). الحديث دليلٌ على تحريمِ الثلاثةِ المذكورةِ لأنهُ الأصلُ في النهي. وذهبَ الجمهورُ إلى أن النهيَ في البناءِ والتجصيص للتنزيه، [وعن] (٦) القعودِ للتحريمِ، وهوَ جميعٌ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، ولا يعرفُ ما الصارفُ عنْ حملِ الجميعِ على الحقيقةِ التي هي أصلُ النهي. وقدْ وردتِ الأحاديثُ في النهي عن البناءِ على القبورِ، والكتْبِ عليها،

стр. 999

والتسريب، وأنْ يزادَ فيها، وأنْ توطأَ. فأخرجَ أبو داودَ (١)، والترمذيُّ (٢)، والنسائي (٣) منْ حديثِ ابن مسعود مرفوعًا: "لعنَ اللَّهُ زائراتِ القبورِ، والمتَّخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُجَ"، وفي لفظٍ للنسائيِّ (٤): "نَهَى [عن] (٥) أنْ يُبْنَى على القبرِ، أو يزادَ عليهِ، أو يجصَّصَ، أو يكتبَ عليهِ". وأخرجَ البخاري (٦) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في مرضهِ الذي لمْ يقمْ منهُ: "لعنَ اللَّهُ اليهودَ [والنَّصارى] (٧)، اتخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ"، واتفقَا (٨) على إخراجِ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "لعنَ اللَّهُ اليهودَ [والنصارى] (٩) اتخذُوا قبورَ أنبيائِهمُ مساجدَ". وأخرجَ الترمذيُّ (١٠): "أن عليًا ﵇ قالَ لأبي الهياجِ الأسدي: أبعثُكَ على ما بعثَني عليهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، أنْ لا أدعَ قبرًا مشرفًا إلا سوَّيتَه، ولا تمثالًا إلا طمستَه"، قالَ الترمذي: حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ فكرهُوا أنْ يرفعَ القبرُ فوقَ الأرضِ. قالَ الشارحُ ﵀: وهذهِ الأخبارُ المعبَّرُ فيها باللعنِ والتشبيه بالوثن بقولهِ:

стр. 1000

"لا تجعلُوا قبري وَثَنًا يُعْبَدُ منْ دونِ اللَّهِ" (١)، [يفيدُ] (٢) التحريمَ للعمارةِ، والتزيينَ، والتجصيصَ، ووضعَ الصندوقِ المزخرفِ، ووضعَ الستائرِ على القبرِ، وعلى سمائهِ، والتمسُّحَ بجدارِ القبرِ، وأنَّ ذلكَ قدْ يفضي معَ بُعْدِ العهدِ، وفُشُوِّ الجهلِ إلى ما كانَ عليهِ الأممُ السابقةُ منْ عبادةِ الأوثانِ، فكانَ في المنعِ عنْ ذلكَ بالكليةِ قطعٌ لهذهِ الذريعةِ المفضيةِ إلى الفسادِ، وهوَ المناسبُ للحكمةِ المعتبرةِ في شرعِ الأحكامِ منْ جلبِ المصالحِ ودفعِ المفاسدِ، سواءٌ كانتْ بأنفسِها أو باعتبارِ ما تفضي إليه، انتهَى. وهذا كلامٌ حسنٌ. وقدْ وفَّيْنَا المقامَ حقَّه في مسئلةٍ مستقلةٍ. هل الحثي على القبر الميت مشروع ٤٧/ ٥٤٦ - وَعَنْ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ

стр. 1001

مَظْعُونٍ، وَأَتى الْقَبْرَ، فَحَثى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ وَهُوَ قَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقطْنيُّ (١) [ضعيف] (وعنْ عامرِ بن ربيعةَ أن النبيَّ ﷺ صلَّى على عثمانَ بن مظعونِ، وأتَى القبرَ، فحثَى عليهِ ثلاثَ حثياتِ، وهوَ قائمٌ. رواة الدارقطنيُّ). [وأخرج] (٢) البزارُ (٣) وزادَ بعدَ قولهِ هوَ قائمٌ: "عندَ رأسهِ"، وزادَ أيضًا: " [فأمرَ] (٤) فرشَّ عليه الماءَ". ورَوى أبو الشيخِ في مكارمِ الأخلاقِ (٥) عنْ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ حثَى على مسلمٍ احتسابًا كُتِبَ لهُ بكلِّ ثراةٍ حسنةٌ"، وإسنادهُ ضعيفٌ. وأخرجَ ابنُ ماجهْ (٦) منْ حديثِ أبي هريرةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حثَى منْ قِبَلِ الرأسِ ثلاثًا"، إلَّا أنهُ قالَ أبو حاتمٍ (٧): حديثٌ باطلٌ. ورَوَى البيهقي (٨) منْ طريقِ محمدِ بن زيادٍ عنْ أبي أمامةَ قالَ: "توفيَ رجلٌ فلمْ تصبْ لهُ حسنةٌ إلا ثلاثَ حثياتٍ حثَاها على قبرٍ فغفرتْ له ذنوبُه". ولكنَّ هذهِ [شهدَ] (٩) بعضها لبعضٍ، وفيهِ دلالةٌ على مشروعيةِ الحثي على القبرِ ثلاثًا، وهوَ يكونُ باليدينِ معًا لثبوتهِ في حديثِ عامرٍ بن ربيعةَ؛ ففيهِ حثى بيديهِ، واستحبَّ
следующие страницы →