← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1067–1106 · переход к 1072.

стр. 1067

الْحَاكِمُ (١) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة. [حسن] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن امرأةً) هي أسماءُ بنتُ يزيدَ بن السكنِ (أتتِ النبيَّ ﷺ ومعَها ابنةٌ لها، وفي يدِ ابنتِها مَسَكَتَانِ) بفتحِ الميمِ، وفتحِ السينِ المهملةِ، الواحدةُ مَسَكةٌ، وهي الإسورةُ والخلاخيلُ (منْ ذهبٍ، فقالَ لهَا: أتعطينَ زكاةَ [هذه] (٢)؟ قالتْ: لا، قالَ: أيسُّركِ أنْ يسِّورَكِ الله بهمَا يومَ القيامةِ سوارينِ منْ نارٍ؟ فألقتْهما. رواهُ الثلاثة وإسنادُهُ قويٌّ)، ورواهُ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ حسينٍ المعلمِ، وهوَ ثقةٌ. فقولُ الترمذي (٤) إنهُ [لا يعرفُ] (٥) إلَّا منْ طريقِ ابن لهيعةَ غيرُ صحيحٍ. (وصحَّحه الحاكمُ منْ حديثِ عائشةَ). وحديثُ عائشةَ أخرجهُ الحاكمُ وغيرُه ولفظهُ: "أنها دخلتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ فرأَى في يدِها فتخاتٍ منْ وَرِقٍ، فقالَ: "ما هذَا يا عائشةُ؟ "، فقالتْ: صغْتُهنَّ لأتزينَ لكَ بهنَّ يا رسولَ اللَّهِ، فقالَ: أتؤدِّينَ زكاتَهنَّ؟ قالتْ: لا، قالَ: هنَّ حسبُكِ منَ النارِ". قالَ الحاكمُ: إسنادُه على شرطِ الشيخينِ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في الحليةِ، وظاهرهُ أنهُ لا نصابَ لها لأمرِهِ ﷺ بتزكيةِ هذهِ المذكورةِ، ولا تكونُ خمسَ أواقي في الأغلبِ، وفي المسألةِ أربعةُ أقوالٍ: الأولُ: وجوبُ الزكاةِ (٦)، وهوَ مذهبُ الهادويةِ وجماعةٍ منَ السلفِ، وأحدُ أقوالِ الشافعي عملًا بهذهِ الأحاديثِ. والثاني: لا تجبُ الزكاةُ في الحليةِ (٧)، وهوَ مذهبُ مالكٍ، وأحمدَ،

стр. 1068

والشافعي في أحدِ أقوالهِ لآثارٍ وردتْ عن السلفِ قاضيةٍ بعدمِ وجوبها في الحليةِ، ولكنْ بعدَ صحةِ الحديثِ لا أثرَ للآثارِ. الثالثُ: أن زكاةَ الحليةِ عاريتُها، لما رَوَى الدارقطنيُّ عنْ أنسٍ (١)، وأسماءَ بنت أبي بكرٍ (٢). الرابعُ: أنَّها تجبُ فيها الزكاةُ مرةً واحدةً، رواهُ البيهقيُّ (٣) عنْ أنسٍ، وأظهرُ الأقوال دليلًا وجوبُها لصحةِ الحديثِ وقوتهِ، وأمَّا نصابُها فعندَ الموجبينَ نصابُ النقدينِ، وظاهرُ حديثِها الإطلاقُ، وكأنَّهم قيَّدُوهُ بأحاديثَ النقدينِ، ويقويِّ الوجوبَ قولُه: الزكاة في حلي النساء ٢١/ ٥٨٢ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵁ أَنّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَال: "إِذَا أَدَّيْتِ زَكاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، والدَّارَقُطْنيُّ (٥)، وَصَحّحَه الْحَاكِمُ (٦). [حسىن]

стр. 1069

(وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ أنَّها كانتْ تلبسُ أوضاحًا)، في النهايةِ (١): هي نوعٌ منَ الحليِّ يُعْمَلُ منَ الفضةِ سمِّيتْ بها لبياضِها، واحدُها وضْحٌ، انتهَى. وقولُه: (منْ ذهب) يدلُّ أنَّها تسمَّى إذا كانتْ منَ الذهبِ أوضاحًا، ([فقلتُ] (٢) يا رسولَ اللَّهِ، أكنزٌ هوَ؟) أي: فيدخلُ تحتَ آيةِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ﴾ (٣) الآيةَ؟ ([قال] (٤): إذا أديتِ زكاتَه فليسَ بكنزٍ. رواهُ أبو داودَ، والدارقطنيُّ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، فيهِ دليلٌ كما في الذي قبلَه على وجوبِ زكاةِ الحليةِ، وأنَّ كلَّ مالٍ أخرجَتْ زكاتُه فليسَ بكنرٍ فلا يشملُه الوعيدُ في الآيةِ. ٢٢/ ٥٨٣ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُنَا: "أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّهُ لِلْبَيْعِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَإِسْنَادُهُ لَيِّنٌ. [ضعيف] (وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ ﵁ قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمرُنا أنْ نخرجَ الصدقةَ

стр. 1070

منَ الذي نعدُّه للبيعِ. رواهُ أبو داودَ، وإسنادُه ليِّنٌ) لأنهُ منْ روايةِ سليمانَ بن سمرةَ وهوَ مجهولٌ، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (١)، والبزارُ (٢)، منْ حديثهِ أيضًا. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ. واستُدِلَّ للوجوبِ أيضًا بقولهِ تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (٣) الآيةَ. قالَ مجاهدٌ: نزلتْ في التجارةِ، وبما أخرجهُ الحاكمُ (٤) أنهُ ﷺ قالَ: "في الإبلِ صدقتُها، وفي البقرِ صدقتُها، وفي الغنم صدقتها، وفي البزِّ صدقتُه". والبزُّ بالباءِ الموحدةِ، والزاي المعجمةِ ما يبيعُه البزَّازونَ، كذا ضبطَهُ الدارقطنيُّ والبيهقيُّ. قالَ ابنُ المنذرِ (٥): الإجماعُ قائمٌ على وجوبِ الزكاةِ في مالِ التجارةِ، وممنْ قالَ بوجوبِها الفقهاءُ السبعةُ (٦). قالَ: لكنْ لا يكفرُ جاحدُها للاختلافِ فيْها.

стр. 1071

الرِّكاز الخمس ٢٣/ ٥٨٤ - وَعَن أَبي هرَيرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: وفي الرِّكازِ) بكسرِ الراءِ، آخِرَهُ زايٌ، المالُ المدفونُ يُؤْخَذُ منْ غيرِ أنْ يُطْلَبَ بكثيرِ عملٍ (الخُمُسُ. متفقٌ عليهِ). للعلماءِ في حقيقةِ الرِّكازِ قولانِ: الأولُ: أنهُ المالُ المدفونُ في الأرضِ منْ كنوزِ الجاهليةِ. الثاني: أنهُ المعادنُ. قالَ مالكٌ (٢) بالأولِ، قالَ: وأمَّا المعادنُ فتُؤْخَذُ فيها الزكاةُ لأنَّها بمنزلةِ الزرعِ، ومثلَه قالَ الشافعيُّ (٣)، وإلى الثاني ذهبتِ الهادويةُ، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ (٤)، ويدلُّ للأولِ قولُهُ ﷺ : "العجماءُ جُبارٌ، والمعدنُ جُبارٌ، وفي الركازِ الخُمُسُ" أخرجهُ البخاريُّ، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ غيرُ المعدِنِ، وخصَّ الشافعيُّ المعدِنَ بالذهبِ والفضةِ لِمَا أخرجهُ البيهقيُّ (٥): "أنَّهم قالُوا: وما الركازُ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذهبُ والفضةُ التي خُلِقَتْ في الأرضِ يومَ خُلِقَتْ"، إلَّا أنهُ قيلَ: إنَّ هذا التفسيرَ روايةٌ ضعيفةٌ. واعتبرَ النصابَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ عملًا بحديثِ:

стр. 1072

"ليسَ فيما دونَ خمسِ أواقٍ صدقةٌ" (١) في نصابِ الذهبِ والفضةِ، وإلى أنهُ يجبُ ربعُ العشرِ بحديثِ: "وفي الرِّقَةِ ربعُ العشرِ" (٢) بخلافِ الركازِ فيجبُ فيهِ الخمُسُ، ولا يعتبرُ فيهِ النصابُ. ووجهُ الحكمةِ في التفرقةِ أن أَخْذَ الركازِ بسهولةٍ منْ غيرِ تعبٍ بخلافِ المستخرَجِ منَ المعدنِ فإنهُ لا بدَّ فيهِ منَ المشقةِ. وذهبتِ الهادويةُ إلى أنهُ يجبُ الخمسُ في المعدنِ والركازِ، وأنهُ لا تقديرَ لهما بالنصاب، بلْ يجبُ في القليلِ والكثيرِ. وإلى أنهُ يعمُّ كلَّ ما استُخرِجَ منَ البحرِ والَبرِّ منْ ظاهرِهِما أو باطِنهما فيشملُ الرصاصَ، والنحاسَ، والحديدَ، والنفطَ، والملحَ، والحطبَ، والحشيشَ. والمتيقنُ بالنصِّ الذهبُ والفضةُ، وما عداهما الأصلُ فيهِ عدمُ الوجوبِ حتَّى يقومَ الدليلُ. وقدْ كانتْ هذهِ الأشياءُ موجودةً في عصرِ النبوةِ ولا يعلمُ أنهُ أخذَ فيها خمسًا. ولم يردْ إلَّا حديثُ الركازِ وهوَ في الأظهرِ في الذهبِ والفضةِ، وآيةُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) وهي في غنائمِ الحربِ. ٢٤/ ٥٨٥ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ - في كَنْزٍ وَجَدَهُ رَجُلٌ في خَرِبَةٍ - "إِنْ وَجَدْتَهُ في قَرْيَةٍ مَسْكُونَةٍ فَعَرِّفْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ فِي قَرْيَةٍ غَيرِ مَسْكُونَةِ فَفِيهِ وَفي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في كنزٍ وَجَدَهُ [رجل] (٥) في خَرِبَةٍ: إنْ وجدتَه في قريةٍ مسكونةٍ فعرِّفْه، وإنْ وجدتَه في قريةٍ غيرِ مسكونةٍ ففيهِ، وفي الركازِ الخمسُ. أخرجهُ ابنُ ماجهْ بإسنادٍ حَسَنٍ)، وفي قولهِ: ففيهِ وفي الركازِ الخمس بيانُ أنهُ قدْ صارَ مِلْكًا لواجدهِ، وأنهُ يجبُ عليهِ

стр. 1073

إخراجُ خُمُسِهِ، وهذا الذي وجده في قريةٍ لم يسمِّهِ الشارعُ رِكازًا؛ لأنهُ لم يستخرجْه منْ باطنِ الأرضِ، بلْ ظاهرُه أنهُ وُجِدَ في ظاهرِ القريةِ، وذهبَ الشافعيُّ ومَنْ تبعَهُ إلى أنهُ يشترطُ في الركازِ أمرانِ: كونُه جاهليًا، وكونُه في مواتٍ. فإنْ وُجِدَ في شارعٍ أو مسجدٍ فَلُقَطَةٌ؛ لأنَّ يدَ المسلمينَ عليهِ. وقدْ جُهِلَ مالكُه فيكونُ لقطةً وإنْ وجدَ في ملكِ شخصٍ فللشخصِ إنْ لم ينفِه عنْ ملكِه، فإنْ نفاهُ عنْ ملكهِ فلمنْ ملكَه عنهُ، وهكذا حتَّى ينتهيَ إلى المحيي للأرضِ، ووجهُ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ (١) ما أخرجهُ هوَ عنْ عمرِو بن شعيبٍ بلفظِ: "أن النبيَّ ﷺ قالَ في كنزٍ وَجَدَهُ رجلٌ في خربةٍ جاهليةٍ: إنْ وجدَتَهُ في قريةٍ مسكونةٍ أو طريقٍ ميتاء فعرِّفْه، وإنْ وجدتَهُ في خربةٍ جاهليةٍ أو قريةٍ غيرِ مسكونةٍ ففيهِ وفي الركازِ الخُمُسُ". ٢٥/ ٥٨٦ - وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ مِنَ الْمَعَادِنِ الْقَبَلِيّةِ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢). [ضعيف] (وعنْ بلالِ بن الحارثِ ﵁) (٣) هوَ المزنيُّ، وفدَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ سنةَ خمسٍ، وسكنَ المدينةَ، وكانَ أحدَ مَنْ يحملُ ألويةَ مُزينةَ يومَ الفتحِ، رَوَى عنهُ ابنهُ الحارثُ، ماتَ سنةَ ستينَ، ولهُ ثمانونَ سنة (أن رسولَ الله ﷺ أخذَ منَ المعادنِ القَبَلِيَّةِ) بفتحِ القافِ، وفتحِ الموحدةِ، وكسرِ اللامِ، وياءٍ مشددةٍ مفتوحةٍ، وهوَ موضعٌ بناحيةِ الفرعِ (الصدقةَ. رواهُ أبو داودَ) وفي الموطأِ (٤) عنْ ربيعةَ عنْ غيرِ

стр. 1074

واحدٍ منْ علمائِهم: "أنهُ ﷺ أقْطَعَ بلالَ بنَ الحارثِ المعادنَ القبليةَ، وأخذَ منْها الزكاةَ دونَ الخمسِ". قالَ الشافعيُّ (١) بعدَ أنْ رَوَى حديثَ مالكٍ: ليسَ هذا مما يثبتُه أهلُ الحديثِ، ولمْ يكنْ فيهِ روايةٌ عن النبيِّ ﷺ إلَّا إقطاعَه. وأما الزكاةُ في المعادنِ دونَ الخمسِ فليستْ مروية عن النبي ﷺ . قالَ البيهقيُّ: هوَ كما قالَ الشافعيُّ في روايةِ مالكٍ، والحديثُ يدلُّ على وجوبِ الصدقةِ في المعادنِ، ويحتملُ أنهُ أرِيدَ بها الخمسُ. وقدْ ذهبَ إلى الأولِ أحمدُ، وإسحاقُ. وذهبَ غيرُهم إلى الثاني، وهوَ وجوبُ الخمسِ لقولهِ: وفي الركازِ الخمسُ، وإنْ كانَ فيهِ احتمالٌ كما سلفَ. * * *

стр. 1075

[الباب الأول] باب صدقةِ الفطرِ أي: الإفطارُ، وأضيفتْ إليهِ لأنهُ سببُها كما يدلُّ لهُ ما في بعضِ رواياتِ البخاريِّ: زكاةُ الفطرِ منْ رمضانَ. وجوب صدقة الفطر ١/ ٥٨٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ: عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ قالَ: فرضَ رسول اللَّهِ ﷺ زكاةَ الفطرِ صاعًا) نصبَ على التمييزِ، أو بدلٌ منْ زكاةٍ بيانٌ لها (منْ تمرٍ أو صاعًا منْ شعيرٍ، على العبدِ، والحرِّ، والذكرِ، والأنثَى، والصغيرِ، والكبيرِ منَ المسلمينَ، وأمرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ صدقةِ الفطرِ لقولهِ: فرضَ، فإنهُ بمعنى ألزمَ وأوجبَ. قالَ إسحاقُ: هي واجبةٌ بالإجماعِ، [وكأنهُ ما علمَ] (٢) فيها الخلافُ

стр. 1076

لداودَ (١)، وبعضِ الشافعيةِ، فإنَّهم قائلونَ إنها سنةٌ، وتأوَّلُوا فرضَ بأنَّ المرادَ قدر، وردَّ هذا التأويلُ بأنهُ خلافُ الظاهرِ. وأما القولُ بأنَّها كانتْ فرضًا ثم نُسِخَتْ بالزكاةِ لحديثِ قيسِ بن سعدِ بن عبادةَ (٢): "أمَرَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ بصدقةِ الفطرِ قبلَ أن تنزلَ الزكاةُ، فلمَّا نزلتِ الزكاةُ لم يأمرْنا ولم ينْهنا"، فهوَ قولٌ غيرُ صحيحٍ، لأنَّ الحديثَ فيهِ راوٍ مجهولٌ ولوَ سلِمَ صحتُه فليسَ فيهِ دليل على النسخ لأنَّ عدمَ أمرِه لهم بصدقةِ الفطرِ ثانيًا لا يشعرُ بأنَّها نسختْ، فإنهُ يكفي الأمرُ الأَولُ ولا يرفعُه عدمُ الأمرِ. والحديثُ دليلٌ على عموم وجوبها علَى العبيدِ والأحرارِ، الذكورِ والإناثِ صغيرًا وكبيرًا غنيًا وفقيرًا. وقدْ أَخرجَ البيهقيُّ (٣) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن ثعلبةَ أو ثعلبةَ بن عبدِ اللَّهِ مرفوعًا: "أدُّوا صاعًا منْ قمحٍ عنْ كلِّ إنسانٍ ذكرٍ أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، حرٌّ أو مملوك. أما الغنيُّ فيزكيهِ اللَّهُ، وأمَّا الفقيرُ فيردُّ اللَّهُ عليهِ أكثرَ مما أعطَى". قالَ المنذريُّ في مختصرِ السننِ (٤): في إسنادهِ النعمانُ بنُ راشدٍ لا يُحْتَجُّ بحديثهِ، (نعمْ) العبدُ تلزمُ مولاهُ عندَ مَنْ يقولُ إنهُ لا يملكُ، ومَنْ يقولُ إنهُ يملكُ تَلزَمُه، وكذلك الزَّوْجَةُ يَلْزَمُ زَوْجَهَا، والخادِمُ

стр. 1077

مَخْدومَهُ، والقريبُ مَنْ تلزمهُ نفقتُه لحديثِ: "أدُّوا صدقةَ الفطرِ عمنْ تمونونَ" أخرجهُ الدارقطنيُّ (١)، والبيهقيُّ (٢)، وإسنادُه ضعيفٌ، ولذلكَ وقعَ الخلافُ في المسألةِ كما هوَ مبسوطٌ في الشرحِ وغيرهِ. وأما الصغيرُ فتلزمُ في مالهِ إنْ كانَ لهُ مالٌ كما تلزمُه الزكاةُ في مالِه. وإنْ لم يكنْ لهُ مالٌ لزمتْ منفقه كما يقُولُ الجمهورُ. وقيلَ: تلزمُ الأبَ مطلقًا، وقيلَ: لا تجبُ على الصغيرِ أصلًا لأنَّها شُرعَتْ طُهرةً للصائمِ منَ اللغوِ والرَّفَثِ، وطُعمةً للمساكينِ كما يأتي. وأجيبَ بأنهُ خرجَ علَى الأغلبِ فلا يقاومُه تصريحُ حديثِ ابن عمرَ بإيجابِها على الصغيرِ، وهوَ أيضًا دالٌ علَى أنهُ يجبُ صاعٌ (٣) على كلِّ إنسانٍ منَ التمرِ والشعيرِ، ولا خلافَ في ذلكَ، وكذلكَ وردَ صاعٌ منْ زبيبٍ.

стр. 1078

وقولُه في الحديثِ: (منَ المسلمينَ)، لأئمةِ الحديثِ كلامٌ طويلٌ في هذهِ الزيادةِ، لأنهُ لم يتفقْ عليْها الرواةُ لهذَا الحديثِ إلَّا أنَّها على كلِّ تقديرٍ زيادةٌ منْ عدْلٍ فتقبلُ، ويدلُّ على اشتراطِ الإسلامِ في وجوبِ صدقةِ الفطرِ، وأنَّها لا تجبُ على الكافرِ عنْ نفسهِ وهذَا متفقٌ عليهِ. وهلْ يخرجُها المسلمُ عنْ عبدهِ الكافرِ؟ فقالَ الجمهورُ: لا، وقالتِ الحنفيةُ وغيرُهم: تجبُ، مستدلينَ بحديثِ: "ليسَ على المسلم في عبدِه صدقةٌ إلَّا صدقةَ الفطرِ" (١)، وأجيبَ بأنَّ حديثَ البابِ خاصٌّ يقضِي على العامِّ، فعمومُ قولهِ: عبدَه مخصَّصٌ بقولِه منَ المسلمينَ، وأما قولُ الطحاوي: إنَّ منَ المسلمينَ صفةٌ للمخرجينَ لا للمخرَج عنْهم فإنهُ يأباهُ ظاهرُ الحديثِ، فإنَّ فيهِ العبدَ، وكذَا الصغيرَ، وهمْ ممنْ يخرجُ عنْهم، فدلَّ على أن صفةَ الإسلامِ لا تختصُّ بالمخرجينَ، يؤيدُه حديثُ مسلمٍ (٢) بلفظِ: "على كلِّ نفسٍ منَ المسلمينَ حرٍّ أو عبدٍ"، وقولُه: "وأمرَ بها أن تؤدَّى قبلَ خروجِ الناسِ إلى الصلاةِ" (٣) يدلُّ علَى أن المبادرةَ بها، هي المأمورُ بها، فلو أخَّرها عن الصلاةِ أَثِمَ، وخرجتْ عنْ كونِها صدقةَ فطرٍ وصارتْ صدقةً منَ الصدقاتِ، ويؤكدُ ذلكَ قولُه: ٢/ ٥٨٨ - وَلابْنِ عَدِيٍّ (٤)، وَالدَّارَقُطْنِيِّ (٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: "أَغْنُوهُمْ عَن الطَّوَافِ في هذَا الْيَوْمِ". [ضعيف] (ولابنِ عديٍّ والدارقطنيِّ) أي: منْ حديثِ ابن عمرَ (بإسنادٍ ضعيفٍ) لأنَّ فيهِ

стр. 1079

محمدَ بنَ عمرَ الواقدي (١)، (أغنُوهم) أي: الفقراءَ (عن الطوافِ) في الأزقةِ والأسواقِ لطلب المعاشِ (في هذا اليومِ) أي: يومِ العيدِ، وإغناؤُهم يكونُ بإعطائِهم صدقتَه أَولَ اليومِ. مقدار ما يخرج من صدقة الفطر من كل نوع ٣/ ٥٨٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح]. وَفي رِوَايَةٍ: أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ. قَالَ أبُو سَعِيدٍ: أَمّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَلأَبي دَاوُدَ: لَا أُخْرِجُ أَبَدًا إِلَّا صَاعًا (٢). (وَعنْ أبي سعيدٍ ﵁ قالَ: كنَّا نعطِيْها) أي: صدقةَ الفطرِ، (في زمانِ النبيِّ ﷺ صاعًا منْ طعامٍ، أو صاعًا منْ تمرٍ، أوْ صاعًا منْ شعيرٍ، أوْ صاعًا منْ زبيبٍ، متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ) للبخاري: (أو صاعًا منْ أَقِطٍ) بفتحِ الهمزةِ، وهوَ لبنٌ مجففٌ يابسٌ مستحجرٌ يُطبخُ، كما في النهايةِ (٣)، ولا خلافَ فيما ذكرَ أنهُ يجبُ

стр. 1080

فيهِ صاعٌ، وإنَّما الخلافُ في الحِنْطَةِ؛ فإنه أَخْرجَ ابنُ خزيمةَ عنْ سفيانَ، عن ابن عمرَ أنهُ لما كانَ معاويةُ عدلَ الناسُ نصفَ صَاعٍ بُرٍّ بصاعِ شعير، وذلكَ أنهُ لم يأتِ نصٌّ في الحنطةِ أنهُ يخرجُ فيها صاعٌ، والقولُ بأنَّ أبا سعيدٍ أرادَ بالطعامِ الحنطةَ في حديثهِ هذا غيرُ صحيحٍ كما حققَهُ المصنفُ في فتحِ الباري (١)، قالَ ابنُ المنذرِ (٢): لا نعلمُ في القَمحِ خبرًا ثانيًا يعتمدُ عليه عن النَّبيِّ ﷺ ، ولمْ يكنِ البُرُّ في المدينةِ ذلكَ الوقتَ إلَّا الشيءَ اليسيرَ منهُ، فلمَّا كثرُ في زمنِ الصحابةِ رأوْا أن نصفَ صاعٍ منهُ يقومُ مقامَ صاعٍ منْ شعيرٍ، وهمْ الأئمةُ فغيرُ جائزٍ أنْ يعدلَ عنْ قولِهم إلَّا إلى قَوْلِ مثلِهم، ولا يخْفَى أنهُ قدْ خالفَ أبو سعيدٍ كما يفيدُه قولُه: قال الراوي: (قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزالُ أخرجُه) أي: الصاعَ (كما كنتُ أخرجُ في [زمان] (٣) رسولِ اللَّهِ ﷺ . ولأبي داودَ) عنْ أبي سعيدٍ: (لا أخرِجُ أبدًا إلا صاعًا) أي: منْ أي قوتٍ. أخرجَ ابنُ خزيمةَ (٤)، والحاكمُ (٥): "قالَ أبو سعيدٍ؛ وقدْ ذكرَ عنده صدقةُ رمضانَ فقال: لا أخرجُ إلّا ما كنتُ أخرِجُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ صاعًا منْ تمرٍ، أوْ صاعًا منْ حنطةٍ، أو صاعًا مِنْ شعيرٍ، أو صاعًا منْ أَقِطٍ، فقالَ لهُ رجلٌ منَ القومِ: أو مُدَّينِ منْ قمحٍ، قالَ: لا تلكَ فعلُ معاويةُ لا أقبلُها ولا أعملُ بها"، لكنهُ قالَ ابنُ خزيمةَ (٦): ذِكْرُ الحنطةِ في خبرِ أبي سعيدِ غيرُ محفوظٍ، ولا أدري ممَّن الوهمُ، وقالَ النوويُّ (٧): تمسَّكَ بقولِ معاويةَ مَنْ قالَ بالمدَّينِ منَ الحنطةِ وفيهِ نظرٌ، لأنهُ فعلُ صحابيٍّ. وقدْ خالفَه فيهِ أبو سعيدٍ وغيرُه منَ الصحابةِ ممنْ هوَ أطولُ صحبةً منهُ، وأعلمُ بحالِ النبيِّ ﷺ ؛ وقدْ صرَّحَ معاويةُ بأنهُ رأيٌ رآهُ لا أنهُ سمعهُ منَ النبيِّ ﷺ كما أخرجَهُ البيهقيُّ في السننِ (٨) منْ حديثِ أبي سعيدٍ: "أنهُ قَدِمَ معاويةُ حاجًا أوْ معتمرًا، فكلَّمَ الناسَ على المنبرِ، فكانَ فيما كلَّمَ بهِ الناسَ أنهُ قالَ: إني أرى مدَّينِ منْ سمراءِ الشامِ تعدلُ صاعًا منْ

стр. 1081

تمرٍ، فأخذَ بذلكَ الناسُ فقالَ أبو سعيدٍ: أما أنا فلا أزالُ أخرجُه"، الحديثُ المذكورُ في الكتابِ. فهذَا صريحٌ أنهُ رأيٌ من معاويةَ. قالَ البيهقيُّ (١) بعدَ إيرادِ أحاديثَ في البابِ ما لفظهُ: وقدْ وردتْ أخبارٌ عن النبيِّ ﷺ في صاعٍ منْ بُرِّ، ووردتْ أخبارٌ في نصفِ صاعٍ، ولا يصحُّ شيءٌ منْ ذلكَ. وقد بيَّنتُ علةَ كلِّ واحدٍ منْها في الخلافياتِ انتَهى. الصدقات تكفِّر السيئات ٤/ ٥٩٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ "طُهْرَةً لِلصَّائِم مِنَ الَّلغْوِ، وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَة لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، وصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٤). [حسن]. (وعنِ ابن عباس ﵄ قالَ: فرضَ رسولُ اللَّهِ ﷺ زكاةَ الفطرِ طهرةً للصائمِ منَ اللغوِ والرَّفَثِ) الواقعِ منهُ في صومهِ (وطعمةً للمساكينِ، فمنْ أداها قبلَ الصلاةِ) [أي: صلاةِ العيدِ] (٥) (فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومَنْ أداها بعدَ الصلاةِ فهيَ صدقةٌ منَ الصدقاتِ. رواهُ أبو داودَ وابن ماجه، وصحَّحهُ الحاكمُ). فيهِ دليلٌ على وجوبها لقولهِ: فَرضَ، كما سلفَ. ودليلٌ على أنَّ الصدقاتِ تكفِّرُ السيئاتِ. ودليلٌ على أَنَّ وقتَ إخراجِها قبلَ صلاةِ العيدِ، وأنَّ وجوبها مؤقتٌ، فقيلَ: تجبُ [منْ] (٦)

стр. 1082

فجرِ أولِ شوالَ لقوله: "أغنُوهم عن الطوافِ في هذا اليومِ" (١)، وقيلَ: تجبُ منْ غروبِ آخرِ يومٍ منْ رمضانَ لقولهِ: "طهرةً للصائمِ"، وقيلَ: تجبُ بمضيِّ الوقتينِ عملًا بالدليلينِ. وفي جوازِ تقديْمِها أقوالٌ: منْهم مَنْ ألحقَها بالزكاةِ فقالَ: يجوزُ تقديمُها ولو إلى عامينِ، ومنْهم مَنْ قالَ: يجوزُ في رمضانَ لا قبلَهُ، لأِنَّ لها سببينِ: الصومُ والإفطارُ، فلا تتقدمُهُمَا كالنصابِ والحولِ. وقيلَ: لا تُقَدَّمُ علَى وقتِ وجوبِها إلَّا ما يغتفرُ كاليومِ واليومينِ. وأدلةُ الأقوالِ كما تَرَى. وفي قولهِ: "طُعْمَةً للمساكينِ" دليلٌ على اختصاصِهم بها، وإليه ذهبَ جماعةٌ منَ الآلِ وذهبَ آخرونَ إلى أنَّها كالزكاةِ تُصْرَفُ في الثمانيةِ الأصنافِ واستقواهُ المهديُّ لعمومِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ (٢). والتنصيصُ على بعض الأصناف لا يلزم منه التخصيص، فإنه قد وقع ذلك في الزكاة، ولم يقل أحد بتخصيص مصرفِها، ففي حديثِ معاذٍ: "أُمْرِتُ أَنْ آخذَها منْ أغنيائِكم وأردَّها في فقرائِكم" (٣). * * *

стр. 1083

[الباب الثاني] بابُ صدقةِ التطوعِ أي النفلِ فضل صدقة التطوع ١/ ٥٩١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "سَبْعَة يُظِلُّهُم اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح]. (عنْ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: سبعةٌ يظلُّهمْ اللَّهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّه - فذكرَ الحديثَ) في تعدادِ السبعةِ، وهمْ: الإمامُ العادلُ، وشابٌّ نشأَ في عبادةِ ربِّهِ ، ورجلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ، ورجلانِ تحابَّا في الله اجتمعَا على ذلكَ وافترقَا عليهِ، ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمالٍ فقالَ إني أخافُ اللَّهَ، ورجلٌ ذكرَ اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ، (وفيهِ: ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفْاها حتَّى لا تعلمَ شمائه ما تنفق يمينُه. متفقٌ عليه). قيلَ: المُرادُ بالظِّلِّ الحِمَايةُ والكَنَفُ كمَا يُقالُ: أنا في ظِلِّ فُلانٍ، وَقِيلَ: المرادُ ظلُّ عرشهِ؛ ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٢) منْ حديثِ سلمانَ: "سبعةٌ يظلُّهم اللَّهُ في ظلِّ عرشهِ"، وبهِ جزمَ القرطبيُّ. وقولُه: (أخْفَى) بلفظِ الفعلِ الماضي حالٌ بتقديرِ قدْ،

стр. 1084

وقولُه: (حتَّى لا تعلمَ شمالُه) مبالغةٌ في الإخفاءِ، وتبعيدُ الصدقةِ عنْ مظانِّ الرياءِ، ويحتملُ أنهُ على حذف مضافٍ، أي: [من] (١) عنْ شمالهِ. وفيهِ دليلٌ على فضلِ إخفاءِ الصدقةِ على إبدائِها إلَّا أنْ يعلمَ أنَّ في إظهارِها ترغيبًا للناسِ في الاقتداءِ، وأنهُ يحرسُ سرَّهُ عن داعيةِ الرياءِ، وقدْ قالَ تعالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ (٢) الآية. والصدقةُ في الحديثِ عامةٌ للواجبةِ والنافلةِ، فلا يُظَنُّ أنَّها خاصةٌ بالنافلةِ حيثُ جعلَهُ المصنفُ في بابِها. واعلمْ أنهُ لا مفهومَ يعملُ بهِ في قولهِ: ورجلٌ تصدَّقَ؛ فإنَّ المرأةَ كذلكَ إلَّا في الإمامةِ، ولا مفهومَ أيضًا للعددِ، فقدْ وردتْ خصالٌ أُخْرى تقتضي الظلَّ وأبلغَها المصنفُ في الفتحِ (٣) إلى ثمانٍ وعشرينَ خصلةً، وزادَ عليها الحافظُ السيوطيُّ حتَّى أبلْغَها إلى سبعينَ، وأفردَها بالتأليفِ، ثمَّ لخَّصَها في كراسةٍ سمَّاها: "بزوغُ الهلالِ في الخصالِ المقتضيةِ للظلالِ" (٤). ٢/ ٥٩٢ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُل امْرِئٍ في ظلِّ صَدَقَتِهِ حَتى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (٥) وَالْحَاكِمُ (٦). [صحيح]

стр. 1085

(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتهِ) أي: يومَ القيامةِ أعمُّ منْ صدقتهِ الواجبةِ والنافلةِ (حتَّى يفْصَلَ بينَ الناسِ. رواهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ). فيهِ حثٌّ على الصدقةِ، وأمَّا كونُه في ظلِّها فيحتملُ الحقيقةَ، وأنَّها تأتي أعيانُ الصدقةِ فتدفعُ عنهُ حرَّ الشمسِ، أو المرادُ في كنفِها وحمايتِها. ومنْ فوائدِ صدقةِ النفلِ أنَّها تكونُ توفيةً لصدقةِ الفرضِ إنْ وجدتْ في الآخرةِ ناقصةً، كما أخرجهُ الحاكمُ في الكُنَى (١) منْ حديثِ ابن عمرَ وفيهِ: "وانظرُوا في زكاةِ عبدي فإنْ كانَ ضيَّعَ منْها شيئًا فانظُروا هلْ تجدونَ لعبدي نافلةً [منْ صدقةٍ لتُتِمُّوا] (٢) بها ما نقصَ منَ الزكاةِ"، فيؤخذُ ذلكَ على فرائضِ اللَّهِ، وذلكَ برحمةِ اللَّهِ وعدلِه. الحث على أنواع البر ٣/ ٥٩٣ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا مُسْلِمِ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣) وَفي إِسْنَادِهِ لِينٌ. [ضعيف] (وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: أيُّما مسلم كَسَا مسلمًا ثوبًا على عريٍ كساهُ اللَّهُ منْ خضْرِ الجنةِ) أي: منْ ثيابِها الخضرِ، (وأيُّما مسلمٍ أطعمَ

стр. 1086

مسلمًا) متصفًا بكونهِ (على جوعٍ أطعمة اللَّهُ منْ ثمارِ الجنةِ، وأيُّما مسلمٍ سقَى مسلمًا) متصفًا بكونهِ (على ظمأٍ سقاة اللَّهُ منَ الرحيقِ)، هوَ الخالصُ منَ الشرابِ الذي لا غِشَّ فيهِ، (المختومِ) الذي تختمُ أوانيهِ، وهوَ عبارةٌ عنْ نفاستِها، (رواهُ أبو داودَ وفى إسنادهِ لينٌ). لم يبينِ الشارحُ ﵀ وجَهُه، وفي مختصرِ السننِ للمنذري (١): في إسنادهِ أبو خالدٍ يزيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ المعروفُ بالدالاني، وقد أثنى عليهِ غيرُ واحدٍ، وتكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ. وفي الحديثِ الحثُّ على أنواعِ البرِّ وإعطائِها مَنْ هُوَ مفتقرٌ إليْها، وكونُ الجزاءِ عليها منْ جنسِ الفعلِ. خير الصدقة عن ظهر غنى ٤/ ٥٩٤ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَالَّلفظ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعنْ حكيمِ بن حزامٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: اليدِ العليا خيرٌ منَ اليدِ السّفْلَى، وابدأ بمنْ تعولُ، وخيرُ الصدقةِ عنْ ظهرِ غنَىً، ومَنْ يستعففْ يعفه اللَّهُ، ومَنْ يستغنِ يغنهِ اللَّهُ. متفقٌ عليه، واللفظُ للبخاريِّ). أكثرُ التفاسيرِ، وعليهِ الأكثرُ أن اليدَ العليا يدُ المعطِي، والسفلَى يدُ السائلِ، وقيلَ: يدُ المتعفِّفِ ولو بعدَ أنْ يمدَّ إليهِ المعطي وعلُوُّها معنويٌّ، وقيلَ: يدُ الآخذِ [لغيرِ] (٣) سؤالٍ، وقيلَ: العليا المعطِيةُ والسفلَى المانِعةُ. وقالَ قومٌ منَ المتصوفةِ: اليدُ الآخذةُ أفضلُ منَ المعطيةِ مطلقًا، قالَ ابنُ قتيبةَ: ما أَرى هؤلاءِ إلَّا قَوْمًا استطابُوا السؤالَ، فهمْ يحتجونَ للدناءةِ، ونِعْمَ ما قالَ. وقدْ وردَ التفسيرُ النبويُّ بأنَّ اليدَ العليا التي تعطي ولا تأخذُ. أخرجهُ إسحاق

стр. 1087

في مسندِه (١) عنْ حكيمِ بن حزامٍ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ ما اليدُ العليا؟ فذكرهُ. وفي الحديث دليلٌ على البداءةِ بنفسهِ وعيالهِ؛ [لأنه] (٢) الأهمُّ [فالأهم] (٣)، وفيه أنَّ أفضلَ الصدقةِ ما بقيَ بعدَ إخراجِها صاحبُها مستغنيًا؛ إذْ معنَى أفضلُ الصدقةِ ما أبقى المتصدقُ منْ مالهِ ما يستظهرُ بهِ على حوائجهِ ومصالحهِ؛ لأنَّ المتصدقَ بجميعِ مالهِ يندمُ غالبًا، ويحبُّ إذا احتاجَ أنهُ لم يتصدقْ، ولفظُ الظهرِ كما قالَ الخطابي: [أنه] (٤) يوردُ في مثلِ هذَا اتساعًا في الكلامِ، وقيلَ غير ذلكَ. واختلفَ العلماءُ في صدقةِ الرجلِ بجميعِ مالهِ، فقالَ القاضي عياضٌ (٥) ﵀: إنهُ جوَّزهُ العلماءُ وأئمةُ الأمصارِ، قال الطبرانيُّ (٦): ومعَ جوازهِ فالمستحب أنْ لا يفعلَه، وأنْ يقتصرَ على الثُّلُثِ. والأَوْلى أنْ يقالَ: مَنْ تصدَّقَ بمالهِ كلِّه، وكانَ صبورًا على الفاقةِ، ولا عيالَ لهُ أو لهَ عيالٌ يصبرونَ فلا كلامَ في حسْنِ ذلكَ. ويدلُّ له قولُه تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٧) الآيةَ، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٨)، ومنْ لمْ يكنْ بهذهِ المثابةِ كُرِهَ لهُ ذلكَ. وقولُه: (ومنْ يستعففْ) أي: عن المسألةِ يعينه اللَّهُ على العفةِ، (ومَنْ يستغنِ) بما عندَهُ ولو قلَّ (يغنهِ اللَّهُ) بإلْقَاءِ القناعةِ في قلبهِ والقُنوعِ بما عندَهُ. أفضل الصدقة جهد المقل ٥/ ٥٩٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأَ بِمَنْ تَعْولُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٩)، وَأَبُو دَاوُدَ (١٠)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١١) وَالْحَاكِمُ (١٢). [صحيح]

стр. 1088

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قالَ: جهدُ المقلِّ، وابدأ بمنْ تعولُ. أخرجه أحمد، وأبو داودَ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، وابنُ حبانَ). الجهدُ: بضمِّ الجيمِ، وسكونِ الهاءِ، الوسعُ والطاقةُ، وبالفتحِ المشقةُ، وقيلَ: المبالغةُ والغايةُ، وقيلَ: هما لغتانِ بمعنًى، قالَ في النهايةِ (١): أيْ: قَدْرُ ما يحتملُه القليلُ منَ المالِ وهَذَا بمعنَى حديثِ: "سبقَ درهمٌ مائةَ ألفِ درهمٍ، رجلٌ لهُ درهمانِ أخذَ أحدَهما فتصدَّقَ بهِ، ورجلٌ لهُ مالٌ كثيرٌ فأخذَ منْ عرضهِ مائةَ ألفِ درهمٍ فتصدَّقَ بها"، أخرجهُ النسائيُّ (٢) منْ حديثِ أبي ذرٍّ، وأخرجهُ ابنُ حبانَ (٣) والحاكمُ (٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ. ووجهُ الجمْع بينَ هذا الحديثِ والذي قبلَه ما [قالهَ] (٥) البيهقيُّ ولفظُه: والجمعُ بينَ قولهِ ﷺ : "خيرُ الصدقةِ ما كانَ عن ظهرِ غنىً"، [و] (٦) قولهُ: "أفضلُ الصدقةِ جهدُ المقلِّ" أنهُ يختلفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ في الصبرِ على الفاقة والشدةِ والاكتفاءِ بأقلِّ الكفايةِ، وساقَ أحاديثَ تدلُّ على ذلكَ. بيان الأولوية في التصدق ٦/ ٥٩٦ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: "تَصَدَّقْ عَلَى نَفْسِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ،

стр. 1089

قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "تَصَدّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ"، قَالَ: عِنْدي آخَرُ، قَالَ: "أنتَ أَبْصَرُ بِهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائيُّ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣)، وَالْحَاكِمُ (٤). [حسن]. (وعنهُ) أي: أبي هريرةَ ﵁ (قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : تصدَّقُوا، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، عندي دينارٌ، قالَ: تصدقْ بهِ على نفسِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: تصدَّقْ بهِ على ولدِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: تصدَّقْ بهِ على خادمِكَ، قالَ: عندي آخرُ، قالَ: أنتَ أبصرُ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والحاكم)، ولمْ يذكْر في هذا الحديثِ الزوجةَ. وقدْ وردتْ في صحيحِ مسلمٍ مقدمةً على الولدِ، وفيهِ أن النفقةَ على النفسِ صدقةٌ، وأنهُ يبدأُ بها، ثمَّ على الزوجةِ، ثمَّ على الولدِ، ثمَّ على العبدِ إنْ كانَ، أوْ مطلقِ مَنْ يخدمهُ، ثمَّ حيثُ [شاء] (٥). ويأتي في النفقاتِ تحقيقُ النفقةِ على مَنْ تجبُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا. تصدق المرأة من بيت زوجها جائز ٧/ ٥٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا أنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضِ شَيئًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح].

стр. 1090

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا أنفقتِ المرأةُ منْ طعامِ بيتِها غيرَ مفْسِدَةٍ)، كأنَّ المرادَ غيرُ مسرفةٍ في الإنفاقِ، (كانَ لها أجرُها بما أنفقتْ، ولزوجِها [أجرهُ] (١) بما اكتسبَ، وللخازن مثل ذلكَ، لا ينقُصُ بعضُهم من أجرِ بعضٍ شيئًا. متفق عليه). فيهِ دليلٌ على جوازِ تصدُّقِ المرأةِ منْ بيتِ زوجِها، والمرادُ إنفاقُها منَ الطعامِ الذي لها فيهِ تصرُّفٌ بصنعته للزوجِ ومنْ يتعلقُ بهِ، بشرطِ أنْ يكونَ ذلكَ بغيرِ إضرارٍ، وأنْ لا يخلَّ بنفقتِهم، قالَ ابنُ العربيِّ (٢) ﵀: قد اختلفَ السلفُ في ذلكَ، فمنهم مَنْ أجازهُ في الشيءِ اليسيرِ الذي لا يُؤْبَهُ لهُ ولا يظهرُ بهِ النقصانُ، ومنْهم مَنْ حملَه على ما إذَا أَذِنَ الزوجُ ولو بطريقِ الإجمالِ - وهوَ اختيارُ البخاريِّ - ويدلُّ لهُ ما أخرجهُ الترمذيُّ (٣) عنْ أبي أمامةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تنفقِ المرأةُ منْ بيتِ زوجِها إلَّا بإذنِه"، قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ولا الطعامَ؟ قالَ: "ذلكَ أفضلُ أموالنِا"، إلَّا أنهُ قدْ عارضَه ما أخرجهُ البخاريُّ (٤) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "إذا أنفقتِ المرأةُ منْ كَسْبِ زوجِها من غيرِ أَمْرِهِ فلَها نصفُ أجرهِ". ولعلَّه يقالُ في الجمْع بينَهما إنَّ إنفاقَها معَ إذنهِ تستحقُّ بهِ الأجرَ كاملًا، ومعَ عدم الإذنِ نصفُ الأجرِ، وإنَّ النَّهيَ عنْ إنفاقِها من غيرِ إذنِه إذا عرفتْ منهُ [القسا] (٥) أوَ البخلَ فلا يحلُّ لها الإنفاقُ إلَّا بإذنهِ بخلافِ ما إذا عرفتْ منهُ خلافَ ذلكَ؛ جازَ لها الإنفاقُ عن غيرِ إذنهِ ولها نصفُ أجرهِ، ومنْهم مَنْ قالَ: المرادُ بنفقةِ المرأةِ والعبدِ والخادمِ النفقةُ على عيالِ صاحبِ المالِ في مصالحهِ، وهوَ بعيدٌ منْ لفظِ الحديثِ. ومنْهم مَنْ فرَّقَ بينَ المرأةِ والخازن فقالَ: المرأةُ لها حقٌّ في مالِ الزوجِ، والتصرفُ في بيتهِ، فجازَ لها أنْ تتصدقَ بخلافِ الخازن؛ فليسَ لهُ تصرُّفٌ في مالِ مولاهُ فيشتَرطُ الإذنُ فيهِ. ويُرَدُّ عليه أن المرأةَ ليسَ لها التصرفُ إلَّا

стр. 1091

في القدْرِ الذي تستحقُّهُ، وإذا تصدقتْ منهُ اختصَّتْ بأجْرِهِ، ثمَّ ظاهرهُ أنَّهم سواءٌ في الأجرِ. ويحتملُ أن المرادَ بالمثلِ حصولُ الأجرِ في الجملةِ وإنْ كانَ أجرُ المكتسبِ أوفرَ، إلا أنَّ في حديث أبي هريرةَ: "ولها نصفُ أجرِهِ"، فهوَ يشعرُ بالمساواةِ. بيان أن الصدقة على الأقرب أفضل ٨/ ٥٩٨ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدَرِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ الْيَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُود أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أحَقُّ مَنْ أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) [صحيح]. (وعنْ أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قالَ: جاءتْ زينبُ امرأةُ ابن مسعودٍ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إِنكَ أمْرتَ اليومَ بالصدقةِ، وكانَ عندي حُلِيٌّ لي فأردت أنْ أتصدَّقَ بهِ، فزعمَ ابن مسعودٍ أنهُ [هو] (٢) وولده أحقُّ مَنْ أتصدَّق بهِ عليهمْ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "صدقَ ابن مسعودٍ، زوجُك وولدُك أحقُّ مَنْ تصدَّقتِ بهِ عليْهم. رواهُ البخاريُّ)، فيهِ دلالةٌ على أن الصدقةَ على مَنْ كانَ أقربَ منَ المتصدقِ أفضلُ وأَوْلَى. والحديثُ ظاهرٌ في صدقةِ الواجبِ، ويحتملُ أن المرادَ بها التطوعُ، والأولُ أوضحُ، ويؤيدهُ ما أخرجهُ البخاريُّ (٣): "عن زينبَ امرأةِ ابن مسعودٍ أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُجْزِي عنَّا أنْ نجعلَ الصدقةَ في زوجٍ فقيرٍ وأبناء (٤) أخ أيتام في حجورِنا؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : لكِ أجرُ الصدقةِ وأجرُ الصلةِ"، وأخرجهُ أَيضًا مسلمٌ (٥)، وهوَ أوضحُ في صدقةِ الواجبِ لقولِها: أيُجزي، ولقولهِ: صدقةٌ وصلةٌ؛ إذِ الصدقةُ عندَ الإطلاقِ [تتبادرُ] (٦) في الواجبةِ، بهذا جزمَ المازري (٧)، وهوَ دليلٌ

стр. 1092

علَى جواز صرْفِ زكاةِ المرأةِ في زوجِها وهوَ قولُ الجمهورِ (١)، وفيهِ خلافٌ لأبي حنيفةَ (٢)، ولا دليل يقاوِمُ النصَّ المذكورَ. ومَنِ استدلَّ لهُ بأنَّها تعودُ إليها بالنفقةِ فكأنَّها ما خرجتْ عنْها فقدْ أوردَ عليهِ أنهُ يلزمُه منعُ صرفِها صدقةُ التطوعِ في زوجِها معَ أنَّها يجوزُ صرفُها فيهِ اتفاقًا. وأما الزوجُ فاتفقُوا على أنهُ لا يجوزُ لهُ صرفُ واجبةٍ في زوجتهِ، قالُوا: لأنَّ نفقتَها واجبةٌ عليهِ فتستغني بها عن الزكاةِ، قالَه المصنفُ في الفتحِ (٣)، وعندي في هذا الأخيرِ تَوَقُّفٌ؛ لأنَّ غِنَى المرأةِ بوجوبِ النفقةِ على زوجِها لا يصيِّرُها غنيةً، الغِنَى الذي يمنعُ منْ حلِّ الزكاةِ لها. وفي قولهِ: (وولدُهُ) ما يدلُّ على إجزائِها في الولدِ إلَّا أنهُ ادَّعى ابنُ المنذرِ الإجماعَ (٤) على عدمِ جوازِ صرفِها إلى الولدِ، وحملُوا الحديثَ على أنهُ في غيرِ الواجبةِ، وأن الصرفَ إلى الزوجِ وهوَ المنفقُ على الأولادِ، أوْ أن الأولادَ للزوجِ ولمْ يكونُوا منها كما يُشْعِرُ بهِ ما وقعَ في روايةٍ أُخْرى: "على زوجِها وأيتامٍ في حجرِها"، ولعلَّهم أولادَ زوجِها سُمُّوا أيتامًا باعتبارِ اليُتْمِ منَ الأمِّ. النهي عن المسألة ٩/ ٥٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتى يَأتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ في وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْم"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥) [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : لا يزال الرجلُ) والمرأةُ (يسألُ الناسَ) أموالَهم (حتَّى يأتيَ يومَ القيامةِ وليسَ في وجهِهِ مُزْعَةُ)،

стр. 1093

بضمِّ الميمِ، وسكونِ الزاي، فعينٍ مهملةٍ، (لحم. متفقٌ عليه). الحديثُ دليلٌ على قبْحِ كثرةِ السؤالِ، وأنَّ كلَّ مسألةٍ تُذْهِبُ منْ وجهِه قطعةَ لحمٍ حتَّى لا يبقَى فيهِ شيءٌ، لقولهِ: لا يزالُ، ولفظُ الناسِ عامٌّ مخصوصٌ بالسلطانِ كما يأتي. والحديثُ مُطْلَقٌ في قُبْحِ السؤالِ مطلقًا، وقيدَهُ البخاريُّ بمَنْ يسألُ تكثُّرًا كما يأتي، يعني: مَنْ سألَ وهوَ غنيٌّ فإنهُ ترجمَ لهُ: ببابِ (١) مَنْ سأَلَ تكثُّرًا لا مَنْ سألَ لحاجةٍ؛ فإنهُ يباحُ لهُ ذلكَ، ويأتي قريبًا بيانُ الغنَى الذي يمنعُ منَ السؤالِ، قالَ الخطابي: معنَى قولهِ: "وليسَ في وجههِ مزعةُ لحمٍ"، يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ بهِ يأتي ساقطًا لا قدرَ لهُ ولا جاهَ، أو يعذبُ في [وجهه] (٢) حتَّى يسقطَ لحمُه عُقُوبَةً لهُ في موضعِ الجنايةِ؛ لكونهِ أذلَّ وجهَه بالسؤالِ، وأنهُ يُبْعَثُ ووجههُ عَظْمٌ ليكونَ ذلكَ شعارَهُ الذي يُعْرَفُ بهِ. ويؤيدُ الأولَ ما أخرجهُ الطبرانيُّ (٣)، والبزارُ (٤) منْ حديثِ مسعودِ بن عمروٍ: "لا يزالُ العبدُ يسألُ وهوَ غنيٌّ حتَّى يَخْلَقَ وجههُ، فلا يكونُ لهُ عندَ اللهِ وَجْهٌ"، وفيهِ أقوالُ أُخَرُ. [النهي عن كثرة المسألة] ١٠/ ٦٠٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَسْأَلِ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ يسألِ الناسَ أموالَهم تكثرًا، فإنَّما يسألُ جَمْرًا، فليستقلَّ أو لِيستكثرْ. رواهُ مسلمٌ). قالَ ابنُ العربيِّ ﵀: إنَّ قولَهُ: "فإنَّما يسألُ جَمْرًا" معناهُ: أنهُ يعاقبُ بالنارِ، ويحتملُ أنْ يكونَ حقيقةً أي: أنهُ يصيرُ ما يأخذُه جَمْرًا يُكْوَى بهِ كما في مانعِ الزكاةِ، وقولهُ: "فليستقلَّ" أمرٌ للتهكمِ، ومثلُهُ ما عطفَ عليهِ، أو للتهديدِ منْ بابِ (اعملُوا ما شئْتُم)، وهوَ مُشْعِرٌ بتحريمٍ السؤالِ للاستكثار.

стр. 1094

[الترغيب في الأكل من عمل اليد] ١١/ ٦٠١ - وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لأَنْ يَأخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأَتِيَ بِحُزْمَةٍ مِنَ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ الله بِهَا وَجْهَهُ، خَيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوهُ أَوْ مَنَعُوهُ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ الزبيرِ بن العوَّامِ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لأَنْ يأخذَ أحدُكم حبلَه، فيأتي بحزمةٍ من الحطبِ على ظهرهِ، فيبيعَها، فيكفَّ الله بها) أي: بقيمتها (وجهَهُ، خيرٌ لهُ منْ أنْ يسألَ [الناس] (٢) أعطَوْهُ أو منعُوهُ. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دلَّ علَى ما دلَّ الذي قبلَه عليهِ منْ قبحِ السؤالِ معَ الحاجةِ، وزادَ بالحثِّ على [الاكتسابِ] (٣)، ولو أدخلَ على نفسهِ المشقةَ؛ وذلكَ لما يدخلُ السائلُ على نفسهِ منْ ذلِّ السؤالِ وذلةِ الردِّ إنْ لمْ يعطِهِ المسؤولُ؛ ولما يدخلُ على المسؤولِ منَ الضّيقِ في مالهِ إنْ أعطَى كلَّ مَنْ يسألُ. وللشافعيةِ وجهانِ في سؤالِ مَنْ لهُ قدرةٌ على التكسبِ، أصحُّهما أنهُ حرام لظاهرِ الأحاديثِ، والثاني أنهُ مكروهٌ بثلاثةِ شروط: [أنهُ] (٤) لا يذلُّ نفسَه، ولا يلحُّ في السؤالِ، ولا يؤذي المسؤولَ، فإنْ فقدَ أحدها فهوَ حرامٌ بالاتفاقِ. [المسألة كدٌّ يكَدُّ بها الرجل وجهه] ١٢/ ٦٠٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكَدُّ بِهَا الرّجُلُ وَجْهَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا، أَوْ في أَمْرٍ لَا بُدّ مِنْهُ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحّحَهُ (٥). [صحيح] (وعنْ سمُرةَ بن جندب ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : المسألةُ كدٌّ يَكَدُّ بها الرجل وجهَهُ، إلَّا أن يسألَ الرجل سلطانًا، أو في أمرٍ لا بدَّ منهُ. رواة الترمذيُّ

стр. 1095

وصحَّحهُ)، أي: سؤالُ الرجلِ أموالَ الناسِ كدٌّ بفتح الكاف، أي: خدْشٌ، وهوَ الأثرُ. وفي روايةٍ كُدوحٌ بضمِّ الكافِ، [وإن سأله] (١) منَ السلطانِ فإنهُ لا مذمَّةَ فيهِ؛ لأنهُ إنَّما يسألُ مما هوَ حقٌّ لهُ في بيتِ المالِ، ولا منَّةَ للسلطانِ على السائلِ؛ لأنهُ وكيلٌ، فهوَ كسؤالِ الإنسانِ وكيله أنْ يعطيهُ منْ حقِّه الذي لديهِ، وظاهرهُ أنهُ وإنْ سألَ السلطانَ تكثُّرًا فإنهُ لا بأسَ (٢) فيهِ، لأنهُ جعلهُ قسيمًا للأمرِ الذي لا بدَّ منهُ. وقدْ فسَّرَ الأمرَ الذي لا بدَّ منهُ حديثُ قبيصةَ، وفيهِ: "لا يحلُّ السؤالُ إلَّا لثلاثةٍ: ذي فقرٍ مدقعٍ، أو دمٍ موجعٍ، أو غُرْمٍ مفظعٍ" (٣) الحديثَ. وقولُه: (أو في أمرٍ لا بدَّ منهُ) أي: لا يتمُّ لهُ حصولُه مع ضرورتِهِ إلَّا بالسؤال. * * *

стр. 1096

[الباب الثالث] بابُ قسمةِ الصدقاتِ أي قسمةُ اللهِ للصدقاتِ بينَ مصارِفها [حدُّ الغني الذي يمتنع به أخذ الصدقة] ١/ ٦٠٣ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدقَةُ لغَنيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيهَا، أَوْ رَجُلٍ اشتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَو غَازٍ في سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مسْكِينٍ تُصُدِّقَ علَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنيٍّ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأبُو دَاوُدَ (٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٤)، وَأُعِلَّ بِالإِرْسَالِ (٥). [صحيح]. (عنْ أبي سعيدِ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلَّا

стр. 1097

لخمسةٍ: لعاملٍ عليْها، أو رجلٍ اشتراها بمالهِ، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيلِ اللهِ، أو مسكينٍ تصُدِّقَ عليهِ منها، فأهدَى منْها لغنيٍّ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، وصحَّحهُ الحاكمُ، وأُعِلَّ بالإرسالِ). ظاهرهُ إعلالُ ما أخرجهُ المذكورونَ جميعًا. وفي الشرحِ أنَّ التي أُعِلَّتْ بالإرسالِ روايةُ الحاكمِ التي حكم بِصِحَّتِها. وقولُه: لغني، قد اختلفتِ الأقوالُ في حدِّ الغنَى الذي يحرُمُ بهِ قبضُ الصدقةِ على أقوالٍ، وليسَ عليها ما تسكنُ له النفسُ منَ الاستدلالِ؛ لأنَّ المبحثَ ليسَ لغويًا حتى يُرْجَعَ فيهِ إلى تفسيرِ لغةٍ؛ ولأنهُ في اللغةِ أمرٌ نسبيٌّ لا يتعينُ في قدرٍ. وقد وردتْ أحاديثُ معينةٌ لقدرِ الغنَى الذي يحرمُ بهِ السؤالُ كحديثِ أبي سعيدٍ عندَ النسائيِّ (١): "مَنْ سألَ ولهُ أوقيةٌ فقدْ ألحفَ"، وعندَ أبي داودَ (٢): "مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أوقيةٌ أَوْ عَدْلُها فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا"، وَأخرَجَ أيْضًا (٣): "مَنْ سألَ ولهُ ما يغنيهِ [فإنما] (٤) يستكثرُ منَ النارِ. قالُوا: وما يُغنيه؟ قالَ: قدرُ ما يعشِّيهِ ويغدِّيهِ" صحّحهُ ابنُ حبانَ (٥)، فهذَا قدرُ الغنَى الذي يحرمُ معهُ السؤالُ. وأما الغِنَى الذي يحرُمُ معهُ قبضُ الزكاةِ فالظاهرُ أنهُ مَنْ تجبُ عليهِ الزكاةُ؛ وهوَ مَنْ يملكُ مائتي درهمٍ، لقولِه ﷺ : "أُمرِتُ أنْ آخذَها منْ أغنيائكم، وأردَّها في فقرائِكم" (٦)، فقابلَ بين الغَنِيِّ، وأفادَ أنهُ مَنْ تجبُ عليهِ الصدقةُ، وبَيَّنَ الفقيرَ وأخبرَ أنهُ مَنْ تردُ فيهِ الصدقةُ، هذا أقربُ ما يقالُ فيه، وقدْ بيَّنَاهُ في رسالةِ: "جوابِ سؤالٍ" (٧).

стр. 1098

وأفادَ حديثُ البابِ حلَّها للعاملِ عليها وإنْ كانَ غنيًا؛ لأنهُ يأخذُ أجرَه على عملهِ لا لفقرِه، وكذلكَ من اشتراها بمالهِ فإنَّها قدْ وافقتْ مصرفَها، وصارتْ ملكًا لهُ، فإذَا باعَها فقدْ باعِ ما ليس بَزكاةِ حينَ البيعِ، بلْ ما هوُ مِلْكٌ لَهُ، وكذلكَ الغارمُ [تحل له] (١) وإنْ كان غنيًا، وكذلكَ الغازي يحلُّ لهُ أنْ يتجهَّزَ منَ الزكاةِ وإنْ كان غنيًا، لأنهُ ساعٍ في سبيلِ اللَّهِ. قالَ الشارحُ ﵀: ويلحقُ بهِ مَنْ كانَ قائمًا بمصلحةٍ عامةٍ مِنْ مَصَالِحِ المُسلمينَ كَالقَضَاءِ، وَالإفِتْاءِ، وَالتَّدرِيسِ، وَإنْ كَان غَنيًّا، وَأَدخَلَ أبُو عُبَيْدٍ مَنْ كانَ في مصلحةٍ عامةٍ في العاملين، وأشارَ إليه البخاريُّ حيثُ قالَ: (بابُ رزقِ الحاكمِ والعاملينَ عليها)، وأرادَ بالرزقِ ما يرزقُهُ الإمامُ منْ بيتِ المالِ لمنَ يقومُ بمصالحِ المسلمينَ، كالقضاءِ، والفُتيا، والتدريس، فلهُ الأخذُ منَ الزكاةِ فيما يقومُ به مدةَ القيامِ بالمصلحةِ، وإنْ كان غنيًا. قالَ الطبريُّ: إنهُ ذهبَ الجمهورُ إلى جوازِ أخذ القاضي الأجرةَ على الحكمِ؛ لأنهُ يشغلُه الحكمُ عن القيام بمصالحهِ. غيرَ أن طائفةً مِنَ السلفِ كرِهُوا ذلكَ ولمْ يحرِّموهُ. وقالتْ طائفةٌ: أخْذ الرزقِ على القضاءِ إنْ كانتْ جهةُ الأخذِ مِنَ الحلالِ كانَ جائزًا إجماعًا، ومَنْ تركهُ فإنَّما تركهُ تورُّعًا، وأما إذا كانتْ هناكَ شبهةٌ فالأَوْلى التركُ. ويحرمُ إذا كانَ المالُ يُؤْخَذُ لبيتِ المالِ منْ غيرِ وجههِ. واختُلِفَ إذا كانَ الغالبُ حرامًا. وأما الأخذُ من المتحاكمينَ ففي جوازهِ خلافٌ، ومَنْ جوَّزَهُ فقدْ شرَطَ لهُ شرائطَ، ويأتي ذكرُ ذلكَ في بابِ القضاءِ، وإنما لمَّا تعرَّضَ لهُ الشارحُ ﵀ هنا تعرَّضْنا لهُ. [تحريم الصدقة على الغني] ٢/ ٦٠٤ - وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ ﵁، أَنْ رَجُلَيْنِ حَدَّثَاهُ أَنَّهُمَا أَتَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْأَلَانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا النَّظَرَ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنيٍّ، وَلَا لِقَوِيِّ مُكْتَسِبٍ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَقَوّاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَالنَّسَائِيُّ (٤). [صحيح].

стр. 1099

(وعنْ عبيدِ اللهِ بن عديِّ بن الخيارِ) (١) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، فمثناةِ تحتيةٍ آخرهُ راءٌ، وعبيدُ اللهِ يقالُ: إنهُ وُلدَ عَلى عهدِ رسُولِ اللهِ ﷺ ، يعدُّ في التابعينَ، رَوَى عنْ عمرَ وعثمانَ وغيرِهما، (أن رجلينِ حدَّثَاهُ أنَّهما أتيا رسولَ اللهِ ﷺ يسألانِه منَ الصدقةِ، فقلَّبَ النظرَ فيهما)، [فسَّرتْ] (٢) ذلكَ الروايةُ الأُخرى، فرفعَ فينا النظرَ وخفَّضَه، (فرآهُما جلْدَيْنِ فقالَ: إنْ شئتُما أعطيتُكما، ولا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مُكْتَسِبٍ. رواهُ أحمدُ، وقوَّاهُ أبو داودَ والنسائيُّ)، قالَ أحمدُ بن حنبلٍ (٣): ما أجودَهُ منْ حديثٍ، وقولُه: إن شئتُما، أي: أن أخْذَ الصدقةِ ذلّةٌ، فإنْ رضيتُما بها أعطيتُكما، أو أنَّها حرامٌ على الجَلْدِ، فإنْ شئتُما تناولُ الحرامِ أعطيتُكما، قالهُ توبيخًا وتغليظًا. والحديثُ منْ أدلةِ تحريمِ الصدقةِ على الغنيِّ، وهو تصريحٌ بمفهومِ الآيةِ، وإنِ اختُلِفَ في تحقيقِ الغنيِّ كما سلفَ، وعلى القويِّ المكتسبِ؛ لأن حرفتَه صيَّرتْهُ في حكم الغنيِّ، ومَنْ أجازَ له تأوَّلَ الحديثَ بما لا يقبلُ. [تحريم المسألة إلا لثلاثة] ٣/ ٦٠٥ - وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَاليِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذِوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يَأكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤)، وَأَبُو

стр. 1100

دَاوُدَ (١)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٢)، وَابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح]. (وعنْ قبيصةَ) (٤) بفتحِ القافِ، فموحدةٍ مكسورةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ فصادٍ مهملةٍ (ابن مخارقٍ) بضمِّ الميمِ، فخاءٍ معجمةٍ، فراءٍ مكسورةٍ بعدَ الألفِ فقافٍ (الهلاليِّ)، وفدَ علىَ النبيِّ ﷺ ، عِدَادُهُ في أهلِ البصرةِ، رَوَى عنهُ ابنهُ فطنُ وغيرُه (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إن المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٍ) بالكسرِ بدلًا منْ ثلاثةٍ، ويصحُّ رفعهُ بتقديرِ أحدُهم (تحمَّلَ حَمَالة) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وهوَ المالُ يتحمَّلُه الإنسانُ عنْ غيرهِ، (فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَها، ثمَّ يمسكُ، ورجلٌ أصابتْه جائحةٌ) أي: آفةٌ (اجتاحتْ) أي أهلكتْ (مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَ قِوامًا)، بكسرِ القافِ ما يقومُ بحاجتهِ، وسدِّ خلتهِ (منْ عيشٍ، ورجلٍ أصابْته فاقةٌ) أي: حاجةٌ (حتى يقومَ ثلاثةٌ منْ ذوي الحِجَى) بكسرِ المهملةِ، والجيمِ مقصورٌ العقلُ (منْ قومهِ)، لأنَّهم أخبرُ بحالهِ، يقولونَ أو قائلينَ: (لقدْ أصابتْ فلانًا فاقةٌ فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يصيبَ قِوامًا)، بكسرِ القافِ (منْ عيشٍ، فما سواهنَّ منَ المسألةِ يا قبيصة سحتٌ) بضمِّ السينِ المهملةِ، (يأكلُها) أي: الصدقةَ أُنِّثَ؛ لأنهُ جعلَ السحتَ عبارةً عنْها، وإلا فالضميرُ لهُ، (سحتًا) السحتُ: الحرامُ الذي لا يحلُّ كسبهُ؛ لأنهُ يسحتُ البركةَ أي: يُذْهِبُها، (رواهُ مسلمٌ، وأبو داودَ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ دليلٌ على أنَّها تحرمُ المسألةُ إلا لثلاثةٍ: الأولُ: لمنْ تحمَّلَ حمالةً، وذلكَ أنْ يتحمَّلَ الإنسانُ عنْ غيرهِ دَيْنًا، أوْ ديةٌ، أوْ يصالحُ بمالٍ بينَ طائفتينِ؛ فإنَّها تحلُّ لهُ المسألةُ. وظاهرهُ وإنْ كانَ غنيًا،

стр. 1101

فإنهُ لا يلزمهُ تسليمهُ منْ مالهِ، وهذَا هوَ أحدُ الخمسةِ الذينَ يحلُّ لهمْ أخذُ الصدقةِ وإنْ كانُوا أغنياءَ كما سلفَ في حديثِ أبي سعيدٍ (١). والثاني: مَنْ أصابَ مالَهُ آفةٌ سماويةٌ أو أرضيةٌ، كالبرَدِ والغرقِ ونحوِه، بحيثُ لمْ يبقَ لهُ ما يقومُ بعيشهِ؛ حلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يحصلَ لهُ ما يقومَ بحالهِ ويسدَّ خلَّتَهُ. والثالث: مَنْ أصابته فاقةٌ، ولكنْ لا تحلُّ لهُ المسألةُ إلَّا بشرطٍ أنْ يشهدَ لهُ - منْ أهلِ بلدِه لأنَّهم أخبرُ بحالهِ - ثلاثةٌ منْ ذوي العقولِ، لا مَنْ غلبَ عليهِ الغباوةُ والتغفيلُ، وإلى كونِهم ثلاثةً ذهبتِ الشافعيةُ للنصِّ فقالُوا: لا يقبلَ في الإعسارِ أقلُّ منْ ثلاثةٍ. وذهبَ غيرُهم إلى كفايةِ الاثنينِ قياسًا على سائرِ الشهاداتِ، وحملُوا الحديثَ على الندبِ. ثمَّ هذا محمولٌ على مَنْ كانَ معروفًا بالغِنَى ثم افتقرَ، أمَّا إذا لمْ يكنْ كذلكَ فإنهُ يحلُّ لهُ السؤالُ، وإنْ لمْ يشهدُوا لهُ بالفاقةِ يقبلُ قولُه. وقد ذهبَ إلى تحريمِ السؤالِ ابنُ أبي ليلَى، وأنَّها تسقطُ بهِ العدالةُ. والظاهرُ منَ الأحاديثِ تحريمُ السؤالِ إلَّا للثلاثةِ المذكورينَ، أو أنْ يكونَ المسؤولُ السلطانَ كما سلف. [الصدقة لا تحل للنبي ﷺ ولا لآله] ٤/ ٦٠٦ - وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ". وَفي رِوَايَةِ: "وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمّدٍ وَلَا لآلِ مُحَمّد"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنْ عبدِ المطلبِ بن ربيعةَ بن الحارث)، بن عبدِ المطلبِ بن هاشمٍ، سكنَ المدينةَ ثمَّ تحولَ عنْها إلى دمشقَ، وماتَ بها سنةَ اثنتينِ وستينَ، وكانَ قدْ أَتَى إلى

стр. 1102

رسولِ اللهِ ﷺ يطلبُ منهُ أنْ يجعلَهُ عاملًا على بعضِ الزكاةِ، فقالَ لهُ رسول اللهِ ﷺ الحديثَ، وفيهِ قصةٌ، (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الصدقةَ لا تنبغي لآل محمدٍ، إنما هو أوساخُ الناس). هوَ بيانٌ لعلةِ التحريمِ، (وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عنْ عبدِ المطلبِ: (فإنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ. رواه مسلمٌ)؛ فأفادَ أن لفظَ لا تنبغي أرادَ بهِ لا تحلُّ فيفيدُ التحريمَ أيضًا. وليْسَ لعبدِ المطلبِ المذكورِ في الكتبِ الستةِ غيرُ هذا الحديثِ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الزكاةِ على محمدٍ ﷺ وعلَى آلهِ، فأمَّا عليه ﷺ فإنهُ إجماعٌ، وكذا ادَّعَى الإجماعَ على حرمتِها على آله أبو طالبٍ، وابنُ قدامةَ (١). ونقلَ [جوازٌ] (٢) عنْ أبي حنيفةَ (٣). وقيلَ: إنْ مُنِعُوا خمسَ الخمسِ، والتحريمُ هوَ الذي دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ، ومَنْ قالَ بخلافِها قالَ متأوِّلًا لها ولا حاجةَ للتأَويل، وإنما يجبُ التأويلُ إذا قامَ على الحاجةِ إليهِ دليلٌ، والتعليلُ بأنَّها أوساخُ الناسِ قاضٍ بتحريمِ الصدقةِ الواجبةِ عليهم لا النافلةِ؛ لأنَّها هي التي يطهرُ بها مَنْ يخرجُها كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤)، إلَّا أن الآيةَ نزلتْ في صدقةِ النفلِ كما هوَ معروفٌ في كتبِ التفسيرِ. وقدْ ذهبَ طائفةٌ إلى تحريمِ صدقةِ النفل أيضًا على الآلِ، واختْرنَاهُ في حواشي ضوء النهارِ (٥) لعمومِ الأدلةِ، وفيهِ أنهُ ﷺ كرَّمَ آلَهُ عنْ أنْ يكونُوا محلًّا للغُسالةِ، وشرَّفَهم عنها، وهذهِ هي العلةُ المنصوصةُ. وقدْ وردَ التعليلُ عندَ

стр. 1103

أبي نعيمٍ مرفوعًا: بأنَّ لهمْ في خمسِ الخمسِ ما يكفيهم ويغنيْهم، فهما علَّتانِ منصوصتانِ، ولا يلزمُ في منعهم الخُمُسَ أنْ تحلَّ لهم؛ فإنَّ مَنْ مَنَعَ الإنسانَ عن مالهِ وحقِّه لا يكونُ منعُه له محلِّلًا مَا حُرِّمَ عليه. وقدْ بسَطْنا القولَ في رسالةٍ مستقلةٍ (١). وفي المرادِ بالآلِ خلافٌ، والأقربُ ما فسَّرَهم بهِ الراوي وهوَ زيدُ بنُ أرقمَ بأنَّهم: آلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عقيلٍ، انتهَى. قلتُ: ويريدُ وآلُ الحارثِ بن عبدِ المطلبِ لهذا الحديثِ، فهوَ تفسيرُ الراوي، وهوَ مقدَّمٌ على تفسيرِ غيرهِ، فالرجوعُ إليه [من تفسير] (٢) آل محمدٍ هُنَا هوَ الظاهرُ؛ لأنَّ لفظَ الآلِ مشتركٌ، وتفسيرُ راويهِ دليلٌ على المرادِ منْ معانيهِ، فهؤلاءِ الذينَ فسَّرهم بهِ زيدُ بنُ أرقمَ وهوَ في صحيحِ مسلمٍ (٣). وأمَّا تفسيرُهم هنا ببني هاشمٍ اللازمُ منهُ دخولُ مَنْ أسلمَ منْ أولادِ أبي لهبٍ ونحوِهم، فهوَ تفسيرٌ بخلاف تفسير الراوي، وكذلكَ يدخلُ في تحريمِ الزكاةِ عليهمْ بنُو المطلبِ بن عبدِ منافٍ كما يدخلونَ معَهم في قسمةِ الخمسِ كما يفيدُهُ: [من هم آل النبي ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة؟] ٥/ ٦٠٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَني الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما بَنُو الْمُطَّلِبِ وبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ (٤). [صحيح]. وهوَ قَولهُ: (وعَنْ جبيرِ) بضمِّ الجيمِ، وفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الياءِ التحتيةِ (ابن مطعمٍ) بضمِّ الميمِ، وسكونِ الطاءِ، وكسرِ العين المهملةِ، ابن نوفلِ بن عبدِ منافٍ القرشيِّ، أسلمَ قبلَ الفتحِ، ونزلَ المدينةَ، وماتَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ،

стр. 1104

وقيلَ غيرُ ذلكَ. (قالَ: مشيتُ أنا وعثمان بنُ عفانَ إلى النبيِّ ﷺ فقلْنا: يا رسول اللهِ، أعطيتَ بني المطَّلبِ منْ خُمسِ خبيرَ وتركْتَنَا ونحنْ وهمْ بمنزلةِ واحدةٍ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّما بنُو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ) المرادُ ببني هاشم: آلُ جعفر، وآل عليٍّ، وآلُ عقيل، وآلُ العباسِ، وآلُ الحارثِ، ولمْ يُدخِلْ آلَ أبي لهبٍ في ذلكَ؛ لأنهُ لم يسلمْ في عصرِهِ ﷺ منهم أحدٌ، وقيلَ: بلْ أسلمْ منْهم [عتبةُ] (١) ومعتبٌ ابنا أبي لهب، وثبتَا معهُ ﷺ في حنين (شيءٌ واحدٌ. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على أن بني المطَّلبِ يشاركونَ [بني هاشم] (٢) في سهمٍ ذوي القُربى، وتحريمِ الزكاةِ أيضًا دونَ مَنْ عداهُم وإنْ كانُوا في النسبِ سواءً، وعلَّلَهُ ﷺ باستمرارهم على المُوَالَاةِ كما في لفظٍ آخرَ تعليلُه: "بأنَّهم لم يفارقونا في جاهليةٍ ولا إسلامٍ"، [وصاروا] (٣) كالشيءِ الواحدِ في الأحكامِ، وهوَ دليلٌ واضحٌ في ذلكَ، وذَهَبَ إليهِ الشافعيُّ (٤)، وخالفَهُ الجمهورُ (٥) وقالُوا: إنهُ ﷺ أعطاهُم على جهةِ التفضلِ لا الاستحقاقِ، وهوَ خلافُ الظاهر، بلْ قولُه شيءٌ واحدٌ دليلٌ أنهَّم [مشتركون] (٦) في استحقاقِ الخمسِ وتحريمِ الزكاةِ. (واعلمْ) أن بني المطلبِ همْ أولادُ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وجبيرِ بن مطعمٍ منْ أولادِ نوفلِ بن عبدِ منافٍ، وعثمانُ منْ أولادِ عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، فبنُو المطلبِ، وبنُو عبدِ شمسٍ، وبنُو نوفلِ أولادُ عمٍّ في درجةٍ واحدةً؛ فلذا قال عُثمانُ وجُبير بنُ مُطعِمٍ للنبيِّ ﷺ إِنَّهم وبنو المطَّلب بمنزِلةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الكلَّ أبناءُ عمٍّ. (واعلم) أنه كان لعبد مناف أربعة أولاد: هاشم، والمطَّلب، ونوفل، وعبد شمس، ولهاشم من الأولادِ عبد المطّلب، وصيفي، وأبو صيفي، وأسد، ولعبد المطَّلبِ من الأولاد عبد الله، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، والحارث، وعبد العُزَّى، ومحل، ومقوم، والفيداق، وضرار، وزبير.

стр. 1105

[حكم موالي آل محمد حكمهم في تحريم الصدقة] ٦/ ٦٠٨ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَني مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبي رَافِعٍ: اصْحَبْني، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتى آتيَ النَّبيَّ ﷺ ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفسِهِمْ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالثَّلَاثَةُ (٢)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي رافعٍ) هو أبو رافعٍ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ قيلَ: اسمُه إبراهيمَ، وقيلَ: هرمزُ، وقيلَ: كان للعباسِ فوهبَهُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، قلما أسْلمَ العباسُ بشَّرَ أبو رافعٍ رسولَ اللهِ ﷺ بإسلامهِ فأعتقه. ماتَ في خلافةِ عليٍّ كما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (٥). (أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ رجلًا على الصدقةِ) أي: على قبضِها (منْ بني مخزومٍ) اسمُه الأرقمُ (فقالَ لأبي رافعٍ: اصحبني فإنكَ تصيبُ منْها، فقالَ: حتَّى آتيَ النبيَّ ﷺ ، فأتاة فسألَهُ فقالَ: مولى القوم مِنْ أنفسِهم، وإنَّها لا تحلُّ لنا الصدقةُ. رواهُ أحمدُ، والثلاثةُ، وابن خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ دليلٌ على أنَّ حكمَ موالي آلِ محمدٍ ﷺ حكمْهم في تحريمِ الصدقةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في التمهيدِ (٦): إنهُ لا خلافَ بينَ المسلمينَ في عدمِ حلِّ الصدقةِ للنبي ﷺ ، ولبني هاشمٍ، ولمواليهِمْ انتهَى. وذهبتْ جماعةٌ إلى عدم تحريمِها عليهمْ لعدمِ المشاركةِ في النسبِ، ولأنهُ ليسَ لهم في الخُمُسِ سَهْمٌ، وأَجيبَ بأنَّ النصَّ لا تُقدَّمُ عليهِ هذهِ العللُ؛ فهي مردودةٌ فإنَّها ترفعُ النصَّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧):

стр. 1106

هذَا خلافُ الثابتِ منَ النصِّ، ثمَّ هذَا نصٌّ على تحريمِ العمالةِ على الموالي، وبالأَوْلى على آلِ محمدٍ ﷺ ؛ لأنهُ أرادَ الرجلَ الذي عرضَ على أبي رافعٍ أنْ يولِّيَهُ بعضَ عَمَلِهِ الذي ولَّاهُ النبيُّ ﷺ فينالُ عمالةً لا أن أرادَ أنهُ يعطيَهُ من أجرتِهِ فإنهُ جائزٌ لأبي رافعٍ أخذُهُ؛ إذْ هوَ داخلٌ تحتَ الخمسِ الذينَ تحلُّ لهم، لأنهُ قدْ ملكَ ذلكَ الرجلُ أجرتَه فيعطيه منْ ملكهِ، فهوَ حلالٌ لأبي رافعٍ، فهوَ نظيرُ قولِه فيما سلفَ: ورجلٌ تصدَّقَ عليهِ منْها فأُهدِي منْها. [ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس فخذه] ٧/ ٦٠٩ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِني، فَيَقُولُ: "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح]. (وعنْ سالمِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ عنْ أبيهِ أن رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يعطي عمر العطاءَ فيقولُ: أعطِهِ أفقرَ منِّي، فيقولُ: خذْهُ فتموَّلْه أو تصدَّقْ بهِ، وما جاءكَ منْ هذا المالِ وأنت غيرُ مشرفٍ) بالشين المعجمة، والراء والفاء من الإشراف؛ وهو التعرُّض للشيء، والحرص عليه، (ولا سائلِ فخذْه، [وما لا] (٢) فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ) أي: لا تعلِّقْها بطلبهِ (رواهُ مسلمٌ). الحديثُ أفادَ أن العاملَ ينبغي لهُ أنْ يأخذَ العمالةَ ولا يردَّها؛ فإنَّ الحديثَ في العمالةِ كما صرَّحَ بهِ في روايةِ مسلمٍ. والأكثرُ على أن الأمرَ في قولهِ: فخذْهُ، للندبِ، وقيلَ: للوجوبِ، قيلَ: وهو مندوبٌ في كلِّ عطيةٍ يُعطاها الإنسانُ، فإنهُ يندبُ لهُ قبولُها بالشرطينِ المذكورينِ في الحديثِ. هذَا إذَا كانَ المالُ الذي يعطيهِ منهُ حلالًا، وأما عطيةُ السلطانِ الجائر وغيرهِ ممنْ مالُه حلالٌ وحرامٌ فقالَ ابنُ
следующие страницы →