← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1102–1141 · переход к 1107.

стр. 1102

رسولِ اللهِ ﷺ يطلبُ منهُ أنْ يجعلَهُ عاملًا على بعضِ الزكاةِ، فقالَ لهُ رسول اللهِ ﷺ الحديثَ، وفيهِ قصةٌ، (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الصدقةَ لا تنبغي لآل محمدٍ، إنما هو أوساخُ الناس). هوَ بيانٌ لعلةِ التحريمِ، (وفي روايةٍ) أي: لمسلمٍ عنْ عبدِ المطلبِ: (فإنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ. رواه مسلمٌ)؛ فأفادَ أن لفظَ لا تنبغي أرادَ بهِ لا تحلُّ فيفيدُ التحريمَ أيضًا. وليْسَ لعبدِ المطلبِ المذكورِ في الكتبِ الستةِ غيرُ هذا الحديثِ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الزكاةِ على محمدٍ ﷺ وعلَى آلهِ، فأمَّا عليه ﷺ فإنهُ إجماعٌ، وكذا ادَّعَى الإجماعَ على حرمتِها على آله أبو طالبٍ، وابنُ قدامةَ (١). ونقلَ [جوازٌ] (٢) عنْ أبي حنيفةَ (٣). وقيلَ: إنْ مُنِعُوا خمسَ الخمسِ، والتحريمُ هوَ الذي دلَّتْ عليهِ الأحاديثُ، ومَنْ قالَ بخلافِها قالَ متأوِّلًا لها ولا حاجةَ للتأَويل، وإنما يجبُ التأويلُ إذا قامَ على الحاجةِ إليهِ دليلٌ، والتعليلُ بأنَّها أوساخُ الناسِ قاضٍ بتحريمِ الصدقةِ الواجبةِ عليهم لا النافلةِ؛ لأنَّها هي التي يطهرُ بها مَنْ يخرجُها كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٤)، إلَّا أن الآيةَ نزلتْ في صدقةِ النفلِ كما هوَ معروفٌ في كتبِ التفسيرِ. وقدْ ذهبَ طائفةٌ إلى تحريمِ صدقةِ النفل أيضًا على الآلِ، واختْرنَاهُ في حواشي ضوء النهارِ (٥) لعمومِ الأدلةِ، وفيهِ أنهُ ﷺ كرَّمَ آلَهُ عنْ أنْ يكونُوا محلًّا للغُسالةِ، وشرَّفَهم عنها، وهذهِ هي العلةُ المنصوصةُ. وقدْ وردَ التعليلُ عندَ

стр. 1103

أبي نعيمٍ مرفوعًا: بأنَّ لهمْ في خمسِ الخمسِ ما يكفيهم ويغنيْهم، فهما علَّتانِ منصوصتانِ، ولا يلزمُ في منعهم الخُمُسَ أنْ تحلَّ لهم؛ فإنَّ مَنْ مَنَعَ الإنسانَ عن مالهِ وحقِّه لا يكونُ منعُه له محلِّلًا مَا حُرِّمَ عليه. وقدْ بسَطْنا القولَ في رسالةٍ مستقلةٍ (١). وفي المرادِ بالآلِ خلافٌ، والأقربُ ما فسَّرَهم بهِ الراوي وهوَ زيدُ بنُ أرقمَ بأنَّهم: آلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ جعفرٍ، وآلُ عقيلٍ، انتهَى. قلتُ: ويريدُ وآلُ الحارثِ بن عبدِ المطلبِ لهذا الحديثِ، فهوَ تفسيرُ الراوي، وهوَ مقدَّمٌ على تفسيرِ غيرهِ، فالرجوعُ إليه [من تفسير] (٢) آل محمدٍ هُنَا هوَ الظاهرُ؛ لأنَّ لفظَ الآلِ مشتركٌ، وتفسيرُ راويهِ دليلٌ على المرادِ منْ معانيهِ، فهؤلاءِ الذينَ فسَّرهم بهِ زيدُ بنُ أرقمَ وهوَ في صحيحِ مسلمٍ (٣). وأمَّا تفسيرُهم هنا ببني هاشمٍ اللازمُ منهُ دخولُ مَنْ أسلمَ منْ أولادِ أبي لهبٍ ونحوِهم، فهوَ تفسيرٌ بخلاف تفسير الراوي، وكذلكَ يدخلُ في تحريمِ الزكاةِ عليهمْ بنُو المطلبِ بن عبدِ منافٍ كما يدخلونَ معَهم في قسمةِ الخمسِ كما يفيدُهُ: [من هم آل النبي ﷺ الذين لا تحل لهم الصدقة؟] ٥/ ٦٠٧ - وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعْطَيْتَ بَني الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّما بَنُو الْمُطَّلِبِ وبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ (٤). [صحيح]. وهوَ قَولهُ: (وعَنْ جبيرِ) بضمِّ الجيمِ، وفتحِ الباءِ الموحدةِ، وسكونِ الياءِ التحتيةِ (ابن مطعمٍ) بضمِّ الميمِ، وسكونِ الطاءِ، وكسرِ العين المهملةِ، ابن نوفلِ بن عبدِ منافٍ القرشيِّ، أسلمَ قبلَ الفتحِ، ونزلَ المدينةَ، وماتَ سنةَ أربعٍ وخمسينَ،

стр. 1104

وقيلَ غيرُ ذلكَ. (قالَ: مشيتُ أنا وعثمان بنُ عفانَ إلى النبيِّ ﷺ فقلْنا: يا رسول اللهِ، أعطيتَ بني المطَّلبِ منْ خُمسِ خبيرَ وتركْتَنَا ونحنْ وهمْ بمنزلةِ واحدةٍ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّما بنُو المطَّلبِ وبنُو هاشمٍ) المرادُ ببني هاشم: آلُ جعفر، وآل عليٍّ، وآلُ عقيل، وآلُ العباسِ، وآلُ الحارثِ، ولمْ يُدخِلْ آلَ أبي لهبٍ في ذلكَ؛ لأنهُ لم يسلمْ في عصرِهِ ﷺ منهم أحدٌ، وقيلَ: بلْ أسلمْ منْهم [عتبةُ] (١) ومعتبٌ ابنا أبي لهب، وثبتَا معهُ ﷺ في حنين (شيءٌ واحدٌ. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على أن بني المطَّلبِ يشاركونَ [بني هاشم] (٢) في سهمٍ ذوي القُربى، وتحريمِ الزكاةِ أيضًا دونَ مَنْ عداهُم وإنْ كانُوا في النسبِ سواءً، وعلَّلَهُ ﷺ باستمرارهم على المُوَالَاةِ كما في لفظٍ آخرَ تعليلُه: "بأنَّهم لم يفارقونا في جاهليةٍ ولا إسلامٍ"، [وصاروا] (٣) كالشيءِ الواحدِ في الأحكامِ، وهوَ دليلٌ واضحٌ في ذلكَ، وذَهَبَ إليهِ الشافعيُّ (٤)، وخالفَهُ الجمهورُ (٥) وقالُوا: إنهُ ﷺ أعطاهُم على جهةِ التفضلِ لا الاستحقاقِ، وهوَ خلافُ الظاهر، بلْ قولُه شيءٌ واحدٌ دليلٌ أنهَّم [مشتركون] (٦) في استحقاقِ الخمسِ وتحريمِ الزكاةِ. (واعلمْ) أن بني المطلبِ همْ أولادُ المطلبِ بن عبدِ منافٍ، وجبيرِ بن مطعمٍ منْ أولادِ نوفلِ بن عبدِ منافٍ، وعثمانُ منْ أولادِ عبدِ شمسِ بن عبدِ منافٍ، فبنُو المطلبِ، وبنُو عبدِ شمسٍ، وبنُو نوفلِ أولادُ عمٍّ في درجةٍ واحدةً؛ فلذا قال عُثمانُ وجُبير بنُ مُطعِمٍ للنبيِّ ﷺ إِنَّهم وبنو المطَّلب بمنزِلةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ الكلَّ أبناءُ عمٍّ. (واعلم) أنه كان لعبد مناف أربعة أولاد: هاشم، والمطَّلب، ونوفل، وعبد شمس، ولهاشم من الأولادِ عبد المطّلب، وصيفي، وأبو صيفي، وأسد، ولعبد المطَّلبِ من الأولاد عبد الله، وأبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، والحارث، وعبد العُزَّى، ومحل، ومقوم، والفيداق، وضرار، وزبير.

стр. 1105

[حكم موالي آل محمد حكمهم في تحريم الصدقة] ٦/ ٦٠٨ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَني مَخْزُومٍ، فَقَالَ لأَبي رَافِعٍ: اصْحَبْني، فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، فَقَالَ: حَتى آتيَ النَّبيَّ ﷺ ، فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفسِهِمْ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالثَّلَاثَةُ (٢)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي رافعٍ) هو أبو رافعٍ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ قيلَ: اسمُه إبراهيمَ، وقيلَ: هرمزُ، وقيلَ: كان للعباسِ فوهبَهُ لرسولِ اللهِ ﷺ ، قلما أسْلمَ العباسُ بشَّرَ أبو رافعٍ رسولَ اللهِ ﷺ بإسلامهِ فأعتقه. ماتَ في خلافةِ عليٍّ كما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (٥). (أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ رجلًا على الصدقةِ) أي: على قبضِها (منْ بني مخزومٍ) اسمُه الأرقمُ (فقالَ لأبي رافعٍ: اصحبني فإنكَ تصيبُ منْها، فقالَ: حتَّى آتيَ النبيَّ ﷺ ، فأتاة فسألَهُ فقالَ: مولى القوم مِنْ أنفسِهم، وإنَّها لا تحلُّ لنا الصدقةُ. رواهُ أحمدُ، والثلاثةُ، وابن خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ دليلٌ على أنَّ حكمَ موالي آلِ محمدٍ ﷺ حكمْهم في تحريمِ الصدقةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في التمهيدِ (٦): إنهُ لا خلافَ بينَ المسلمينَ في عدمِ حلِّ الصدقةِ للنبي ﷺ ، ولبني هاشمٍ، ولمواليهِمْ انتهَى. وذهبتْ جماعةٌ إلى عدم تحريمِها عليهمْ لعدمِ المشاركةِ في النسبِ، ولأنهُ ليسَ لهم في الخُمُسِ سَهْمٌ، وأَجيبَ بأنَّ النصَّ لا تُقدَّمُ عليهِ هذهِ العللُ؛ فهي مردودةٌ فإنَّها ترفعُ النصَّ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧):

стр. 1106

هذَا خلافُ الثابتِ منَ النصِّ، ثمَّ هذَا نصٌّ على تحريمِ العمالةِ على الموالي، وبالأَوْلى على آلِ محمدٍ ﷺ ؛ لأنهُ أرادَ الرجلَ الذي عرضَ على أبي رافعٍ أنْ يولِّيَهُ بعضَ عَمَلِهِ الذي ولَّاهُ النبيُّ ﷺ فينالُ عمالةً لا أن أرادَ أنهُ يعطيَهُ من أجرتِهِ فإنهُ جائزٌ لأبي رافعٍ أخذُهُ؛ إذْ هوَ داخلٌ تحتَ الخمسِ الذينَ تحلُّ لهم، لأنهُ قدْ ملكَ ذلكَ الرجلُ أجرتَه فيعطيه منْ ملكهِ، فهوَ حلالٌ لأبي رافعٍ، فهوَ نظيرُ قولِه فيما سلفَ: ورجلٌ تصدَّقَ عليهِ منْها فأُهدِي منْها. [ما جاءك من هذا المال من غير إشراف نفس فخذه] ٧/ ٦٠٩ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنْ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ، فَيَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ مِني، فَيَقُولُ: "خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا جَاءَكَ مِنْ هذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح]. (وعنْ سالمِ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ عنْ أبيهِ أن رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يعطي عمر العطاءَ فيقولُ: أعطِهِ أفقرَ منِّي، فيقولُ: خذْهُ فتموَّلْه أو تصدَّقْ بهِ، وما جاءكَ منْ هذا المالِ وأنت غيرُ مشرفٍ) بالشين المعجمة، والراء والفاء من الإشراف؛ وهو التعرُّض للشيء، والحرص عليه، (ولا سائلِ فخذْه، [وما لا] (٢) فلا تُتْبِعْهُ نفسَكَ) أي: لا تعلِّقْها بطلبهِ (رواهُ مسلمٌ). الحديثُ أفادَ أن العاملَ ينبغي لهُ أنْ يأخذَ العمالةَ ولا يردَّها؛ فإنَّ الحديثَ في العمالةِ كما صرَّحَ بهِ في روايةِ مسلمٍ. والأكثرُ على أن الأمرَ في قولهِ: فخذْهُ، للندبِ، وقيلَ: للوجوبِ، قيلَ: وهو مندوبٌ في كلِّ عطيةٍ يُعطاها الإنسانُ، فإنهُ يندبُ لهُ قبولُها بالشرطينِ المذكورينِ في الحديثِ. هذَا إذَا كانَ المالُ الذي يعطيهِ منهُ حلالًا، وأما عطيةُ السلطانِ الجائر وغيرهِ ممنْ مالُه حلالٌ وحرامٌ فقالَ ابنُ

стр. 1107

المنذرِ: إنَّ أخْذَها جائزٌ مرخَّصٌ فيهِ. قالَ: وحجةُ ذلكَ أنه تعالى قالَ في اليهودِ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (١). وقدْ رهنَ ﷺ درعَه منْ يهوديٍّ معَ علمهِ بذلكَ، وكذَا أخْذُ الجزيةِ منْهم معَ علمِه بذلكَ. وإنَّ كثيرًا منْ أموالِهم منْ ثمنِ الخنزيرِ والمعاملاتِ [الباطلة] (٢) انتهَى. وفي الجامعِ الكافي: إنَّ عطيةَ السلطانِ الجائرِ لا تردُّ، لأنه إن علمَ أن ذلكَ عين مالِ المسلمِ وجبَ قبولُه وتسليمهُ إلى مالكهِ، وإن كانَ ملتَبسًا فهوَ مظلمةٌ يصرفُها على مستحقِّها، وإنْ كانَ ذلكَ عينُ ماله الجائرِ ففيهِ تقليلٌ لباطلهِ، وأخذُ ما يستعينُ بإنفاقهِ على معصيتهِ، وهوَ كلامٌ حسنٌ جارٍ على قواعدِ الشريعةِ، إلَّا أنهُ يشترطُ في ذلكَ أنْ يأمنَ القابضُ على نفسه منْ محبةِ المحسنِ الذي جُبلتِ النفوسُ على حبِّ مَنْ أحسنَ إليها، وأنْ لا يوهِمَ الغيرَ أن السلطانَ على الحقِّ حيثُ قبضَ ما أعطاهُ. وقدْ بسطْنا في حواشي ضوءِ النهارِ في كتابِ البيعِ (٣) ما هوَ أوسعُ منْ هذَا. * * *

стр. 1108

[الكتاب الخامس] كتابُ الصيَام هو لغةً: الإمساكُ، فيعمُّ الإمساك عن القول والعمل من الناس والدواب وغيرها، وقال أبو عبيد (١): كل ممسِك عن كلام أو طعام أو سير فهو صائم، وفي الشرعِ: إمساك مخصوصٌ، وهوَ الإمساكُ عن الأكلِ والشربِ والجماعِ، وغيرِها مما وردَ بهِ الشرعُ في النهارِ على الوجهِ المشروعِ، ويتبعُ ذلكَ الإمساكُ عن اللغوِ والرفثِ وغيرِهما منَ الكلامِ المحرَّمِ والمكروهِ، لورودِ الأحاديثِ بالنهي عنْها في الصوم زيادة على غيرِه، في وقتٍ مخصوصٍ، بشروطٍ مخصوصةٍ تفصِّلُها الأحاديثُ الآتية. وكانَ مبدأُ فرضهِ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ. [النهي عن تقدُّم رمضان بصوم يوم أو يومين] ١/ ٦١٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوْم وَلَا يَوْمَينِ، إِلَّا رَجُلْ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح]. (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا تقدَّموا رمضانَ) فيهِ دليلٌ على إطلاقِ هذا اللفظِ على شهرِ رمضانَ. وحديثُ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (٣) وغيرِه

стр. 1109

مرفُوعًا: "لا تقولُوا جاءَ رمضانُ، فإنَّ رمضانَ اسمٌ منْ أسماءِ اللهِ تعالى، ولكنْ قولُوا: جاءَ شهرُ رمضانَ"، حديث ضعيفٌ لا يقاوِمُ ما ثبتَ في الصحيحِ، (بصومِ يومٍ ولا يومينِ، إلا رجلٌ) كذا في نسخِ بلوغِ المرامِ، ولفظهُ في البخاريِّ: "إلَّا أنْ يكونَ رجلٌ"، قالَ المصنفُ: "يكونُ" تامةٌ أي يوجدُ رجلٌ، ولفظُ مسلمٍ: "إلَّا رجلًا" بالنصب، قلتُ: وهوَ قياسُ العربيةِ لأنهُ استثناءٌ متصلٌ من مذكورٍ، (كانَ يصومُ صومًا فليصمُه). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ صومِ يومٍ أو يومينِ قبلَ دخول رمضانَ. قالَ الترمذيُّ (١) بعدَ روايةِ الحديثِ: والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ: كرهُوا أن يتعجَّلَ الرجلُ الصيامَ قبلَ دخولِ رمضانَ لِمَعْنى رمضانَ. انتهى. وقولُه: لمعنى رمضانَ، تقييدٌ للنَّهي بأنهُ مشروطٌ بكونِ الصومِ احتياطًا، لا لْو كانَ صومًا مطلقًا كالنفلِ المطلقِ وللنذر ونحوِه. قلتُ: ولا يخْفَى أن بعدَ هذا التقييدِ يلزمُ منهُ جوازُ تقام رمضانَ بأيِّ صومٍ كانَ، وهوَ خلافُ الظاهر من النهي، فإنهُ عامٌّ لم يستثنِ منهُ إلا صوم منِ اعتادَ صومَ أيامٍ معلومةٍ ووافقَ آخرَ يومٍ منْ شعبانَ، ولو أرادَ ﷺ الصومَ المقيدَ بما ذكرَ لقالَ إلا متنفِّلًا أو نحوَ هذا اللفظِ. وإنَّما نَهَى عنْ تقدُّم رمضانَ لأنَّ الشارعَ قدْ علَّق الدخولَ في صومِ رمضانَ برؤيةِ هِلالِهِ، فالمتقدِّمُ عليهِ مخالفٌ للنصِّ أمرًا ونهيًا. وفيهِ إبطالٌ لما يفعلُه الباطنيةُ من تقدُّم الصومِ بيومٍ أو يومين قبلَ رُؤيةِ هلالِ رمضانَ، وزعْمُهم أن اللامَ في قولهِ: صومُوا لرؤيتهِ، في معنى مستقبلينَ لها، وذلكَ لأنَّ الحديثَ يفيدُ أن اللامَ لا يصحُّ حملُها على هذا المعنى وإنْ وردتْ لهُ في مواضعَ. وذهبَ بعضُ العلماء إلى أن النَّهيَ عن الصومِ منْ بعدِ النصفِ الأَولِ منْ يومِ سادسَ عشرَ منْ شعبانَ لحديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا"، أخرجهُ أصحابُ السننِ (٢) وغيرُهم، وقيلَ: إنهُ يكرهُ بعدَ الانتصافِ

стр. 1110

ويحرمُ قبلَ رمضانَ بيومٍ أو يومينِ. وقالَ آخرونَ: يجوزُ منْ بعدِ انتصافهِ، ويحرمُ قبلَه بيومٍ أو يومينِ. أما جوازُ الأولِ فلأنهُ الأصلُ وحديثُ أبي هريرةَ ضعيفٌ. قالَ أحمدُ وابنُ معينٍ: إنهُ منكرٌ. وأما تحريمُ الثاني فلحديثِ الكتابِ وهوَ قولٌ حَسَنٌ (١). [من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ -] ٢/ ٦١١ - وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (٢)، وَوَصَلَهُ الْخَمْسَةُ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤) وَابْنُ حِبَّانَ (٥). [صحيح]. (وعنْ عمَّارِ بن ياسرٍ ﵁ قالَ: مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ) مغيرُ الصيغةِ مسندٌ إلى (فيهِ، فقدْ عَصَى أبا القاسمِ. ذكرهُ البخاريُّ تعليقًا ووصلَه) إلى عمارِ (الخمسة)، وزادَ المصنفُ في الفتحِ (٦) [الحاكم] (٧)، وأنهمْ وصلوهُ منْ طريقِ عمروِ بن قيسِ عنْ أبي إسحاقَ، ولفظهُ عندَهم: "كنا عندَ عمارِ بن ياسرٍ فأُتيَ بشاةٍ مَصْليةٍ فقالَ: كلُوا فتنحَّى بعضُ القومِ فقالَ: إني صائمٌ، فقالَ عمَّارٌ: مَنْ صامَ … "، (وصحَّحهُ

стр. 1111

ابنُ خزيمةَ وابنُ حبانَ). قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: هو مسندٌ عندَهم لا يختلفونَ في ذلكَ انتهَى. وهو موقوفٌ لفظًا، مرفوعٌ حكمًا، ومعناهُ مستفادٌ منْ أحاديثِ النَّهي عن استقبالِ رمضانَ بصومٍ، وأحاديثُ الأمر بالصومِ لرؤيتهِ. واعلمْ أنَّ يومَ الشكِّ هوَ يومُ الثلاثينَ منْ شعبانَ إذا لم يُرَ الهلالُ في ليلةٍ بغيمٍ ساترٍ أو نحوِه، فيجوزُ كونُه منْ رمضانَ، وكونُه من شَعبانَ، والحديثُ وما في معناهُ يدلُّ على تحريمِ صومهِ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ (١). واختلفَ الصحابةُ في ذلكَ، منْهم مَنْ قالَ بجوازِ صومهِ، ومِنْهمُ مَنْ منعَ منهُ وعدَّه عصيانًا لأبي القاسمٍ والأدلةُ معَ المحرِّمينَ (٢). وأما ما أخرجه الشافعيُّ (٣) عنْ فاطمةَ بنتِ الحسينِ أن عليًا ﵁ قال: "لأَنْ أصومَ يومًا منْ شعبانَ أحبُّ إليَّ منْ أنْ أُفطِرَ يومًا مِنْ رمضانَ"؛ فهوَ أثرٌ منقطعٌ على أنهُ ليسَ في يومِ شكٍّ مجردٍ، بلْ بعدَ أنْ شهدَ عندهُ رجلٌ على رؤيةِ الهلالِ فصامَ وأمرَ الناسَ بالصيامِ، وقالَ: لأنْ أصومَ إلخ، ومما هو نصٌّ في البابِ حديثُ ابن عباسٍ: "فإنْ حَالَ بينَكم وبينَه سحابٌ فأكملُوا العدةَ ثلاثينَ، ولَا تستقبلُوا الشهرَ استقبالًا"، أخرجهُ أحمدُ (٤)، وأصحابُ السننِ (٥)، وابنُ خزيمةَ (٦)، وأبو يَعْلى (٧). وأخرجهُ الطيالسيُّ (٨) بلفظِ: "ولا تستقبلُوا رمضانَ بيومٍ منْ شعبانَ"، وأخرجه الدارقطنيُّ (٩)، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ في صحيحهِ (١٠). ولأبي داودَ (١١) منْ حديثِ

стр. 1112

عائشةَ: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يتحفَّظُ منْ شعبانَ ما لا يتحفَّظُ منْ غيرِه، يصومُ لرؤيةِ هلال رمضانَ، فإنْ غُمَّ عليهِ عدَّ ثلاثينَ يومًا، ثمَّ صامَ". وأخرج أبو داودَ (١) منْ حديثِ حذيفةَ مرفوعًا: "لا تقدَّموا الشهرَ حتَّى تَرَوُا الْهلالَ أو تُكملُوا العدَّةَ، ثم صومُوا حتَّى تَرَوُا الهلالَ أو تُكملوا العدةَ". وفي البابِ أحاديثُ واسعةٌ دالةٌ على تَحْرِيمِ صومِ يومِ الشكِّ، منْ ذلكَ قولُه: [يجب الصوم والفطر برؤية الهلال] ٣/ ٦١٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتَمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٣): "فَإنْ أُغْميَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاِثينَ". وللبخاريِّ (٤): "فأكملُوا العدَّةَ ثلاثينَ". (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: إذا رأيتموهُ) أي: الهلالَ (فصومُوا، وإذا رأيتُموه فافطروا، فإنْ غُمَّ) بضمِّ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ الميم أي: حالَ بينكم وبينَه غيم (عليكمْ فاقدُرُوا له. متفقٌ عليهِ).

стр. 1113

الحديثُ دليلٌ علَى وجوبِ صومِ رمضانَ لرؤيةِ هلالهِ وإفطار [هـ] (١) أولَ يومٍ منْ شوَّالٍ لرؤيةِ هلالهِ، وظاهرهُ اشتراطُ رؤيةِ الجميعِ لهُ من المخاطبينَ، لكنْ قامَ الإجماعُ على عدمِ وجوبِ ذلكَ، بلِ المرادُ ما يثبتُ بهِ الحكمُ الشرعيُّ من إخبارِ الواحدِ العدْلِ أو الاثنينِ على الخلاف في ذلكَ، فمعنَى إذا رأيتموهُ إذا وُجِدَتْ فيما بينَكم الرؤيةَ، فيدلُّ [هذا] (٢) على أن رؤيةَ بلدٍ رؤيةٌ لجميعِ أهلِ البلادِ فيلزمُ الحكمُ. وقيلَ: لا يعتبرُ لأنَّ قولَه إذا رأيتموه خطابٌ لأناسٍ مخصوصينَ بهِ. وفي المسألةِ أقوالٌ ليسَ على أحدِها دليلٌ ناهضٌ، والأقربُ لزومُ أهل بلدٍ الرؤيةَ وما يتصلُ بها من الجهاتِ التي على سَمْتِها. وفي قولهِ: (لرؤيته) دليلٌ على أن الواحدَ إذا انفردَ برؤيةِ الهلالِ لزمهُ الصومُ والإفطارُ وهوَ قولُ أئمةِ الآلِ (٣)، وأئمةِ المذاهبِ الأربعةِ (٤) في الصومِ. واختلفُوا في الإفطارِ فقالَ الشافعيُّ: يفطرُ ويخفيهِ، وقالَ الأكثرُ: يستمرُ صائمًا احتياطًا كذَا قالهُ في الشرحِ، ولكنهُ تقدمَ لهُ في أولِ بابِ صلاةِ العيدينِ أنهُ لم يقلْ بأنهُ يتركُ يقينَ نفسهِ ويتابعُ حكمَ الناس إِلا محمدَ بنَ الحسنِ الشيباني، وأنَّ الجمهورَ يقولونَ: أنهُ يتعيَّنُ عليهِ حكمُ نفسهِ فيما يتيقنُه فناقض هنا ما سلفَ. وسببُ الخلافِ قولُ ابن عباسٍ لكريبٍ إنهُ لا يعتدُّ برؤيةِ الهلالِ وهوَ بالشامِ بلْ يوافقُ أهلَ المدينةِ فيصومُ الحادي والثلاثينَ باعتبارِ رؤيةِ الشام لأنهُ يومُ الثلاثينَ عندَ أهلِ المدينةِ، وقالَ ابنُ عباسٍ: إنَّ ذلكَ منَ السنَّةِ. وتقدَّمَ الحديثُ وليسَ بنصٍّ فيما احتجُّوا بهِ لاحتمالهِ كما تقدَّمَ، فالحقُّ أنهُ يعملُ بيقينِ نفسهِ صومًا وإفطارًا،

стр. 1114

ويحسنُ التكتمُ بها صونًا للعبادِ عنْ إثمِهم بإساءةِ الظنِّ بهِ. (ولمسلمٍ) أي: عن ابن عمرَ (فإنْ أغميَ عليكمْ فاقدُرُوا له ثلاثينَ. وللبخاريِّ) أي: عن ابن عمرَ (فأكملُوا العدةَ ثلاثينَ)، قولُه: فاقُدُروا لهُ هوَ أمرٌ همزتُه همزةُ وصلٍ، وتكسرُ الدالُ وتضمُّ. وقيلَ: الضمُّ خطأٌ. وفسَّرَ المرادَ بهِ [بقوله] (١): فاقُدُروا له ثلاثينَ، [قوله: فأكملوا] (٢) العدةَ ثلاثينَ، والمعنى أفطِرُوْا يومَ الثلاثينَ، واحْسِبُوا تمامَ الشّهرِ، وهذا أحسنُ تفاسيرِهِ، وفيهِ تفاسيرُ أُخَرُ نقلَها الشارحُ خارجةً عنْ ظاهرِ المرادِ منَ الحديثِ. قالَ ابنُ بطالٍ: في الحديثِ دفعٌ لمراعاةِ المنجِّمينَ، وإنَّما المعوَّلُ عليهِ رؤيةُ الأهلةِ وقدْ نُهِينَا عن التكلفِ. وقدْ قالَ الباجي في الردِّ على مَن قال: يجوزُ للحاسبِ والمُنَجِّمِ وغيرِهما الصومُ والإفطارُ اعتمادًا على النجومِ: إنَّ إجماعَ السلفِ حجةٌ عليهمْ. وقالَ ابنُ بُريرةَ: هوَ مذهبٌ باطلٌ قدْ نهتِ الشريعةُ في الخوضِ في علمِ النجومِ، لأنَّها حدسٌ وتخمينٌ ليسَ فيها قطعٌ. قالَ الشارحُ: قلتُ: والجوابُ الواضحُ عليهمْ ما أخرجهُ البخاريُّ عن ابن عمرَ أنهُ ﷺ قالَ: "إنَّا أمةٌ أميَّةٌ لا نكتبُ ولا نحسبُ، الشهرُ هكَذَا وهكَذَا، يعني تسعًا وعشرينَ مرةً، وثلاثينَ مرة". ٤/ ٦١٣ - وَلَهُ (٣) في حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ: "فَكمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ". [صحيح] (ولهُ) أي: البخاريّ (في حديثِ أبي هريرةَ: فأكملُوا عدةَ شعبانَ ثلاثينَ)، هوَ تصريحٌ بمفادِ الأمرِ بالصَّومِ لرؤيته، فإنْ غُمَّ فأكملُوا العدةَ، أي: عدةَ شعبانَ. وهذهِ الأحاديثُ نصوصٌ في أنهُ لا صومَ ولا إفطارَ إلا بالرؤيةِ للهلالِ، أو إكمالِ العدةِ. [دليل العمل بخبر الواحد في الصوم] ٥/ ٦١٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قال: تَرَاءَى النّاسُ الهِلالَ، فأخْبَرْتُ النَّبيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَصَحّحَهُ

стр. 1115

الْحَاكِمُ (١) وَابْنُ حِبّانَ (٢) [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵁ قالَ: تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ النبيَّ ﷺ أتي رأيتهُ فصامَ وأمرَ الناسَ بصيامهِ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ). الحريثُ دليلٌ على العملِ بخبرِ الواحدِ في الصومٍ دخولًا فيهِ، وهوَ مذهبُ طائفةٍ منْ أئمة العلم، ويشترطُ فيهِ العدالةُ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا بدُّ من الاثنينِ لأنَّها شَهَادَةٌ، واستدلُّوا بخبرِ رواهُ النسائيُّ (٣) عنْ عبدِ الرحمنِ بن زيدِ بن الخطابِ أنهُ قالَ: "جالستُ أَصْحَابَ رسولِ اللهِ ﷺ وسألتُهم وحدَّثوني أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: صومُوا لرويتِه وأفطرُوا لرؤيتِه، فإنْ غمَّ عليكمْ فأكملُوا عدَّةَ شعبانَ ثلاثينَ يومًا، إلَّا أنْ يشهدَ شاهدانِ". [فيدل] (٤) بمفهومهِ أنه لا يكفي الواحدُ. وأُجيبَ عنهُ بأنهُ مفهومٌ، والمنطوقُ الذي أفادُه حديث ابن عمر، وحديث الأعرابي الآتي أَقْوَى منهُ، ويدلُّ على قبولِ خبرِ الواحدِ فيقبلُ بخبر المرأةِ والعبدِ. وأما الخروجُ منهُ فالظاهرُ أن الصومَ والإفطار مستويانِ في كفايةِ خبر الواحدِ. وأما حديث ابن عباسٍ وابنِ عمرَ: "أنهُ ﷺ أجازَ خبرَ واحدٍ على هلالِ رمضانَ، وكانَ لا يجيزُ شهادةَ الإفطار إلَّا بشهادةِ رجلينِ" (٥)، فإنهُ ضعَّفَه الدارقطنيُّ وقال: تفرَّدَ بهِ حفصُ بن عمرَ الأبلي وهوَ ضعيفٌ. ويدلُّ لقبولِ كبرِ الواحدِ في الصومِ دخولًا [فيه] (٦) أيضًا قولُه:

стр. 1116

٦/ ٦١٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ أَعْرَابيًا جَاء إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ، فَقَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَذِّن في النَّاسِ يَا بِلَالُ: أَنْ يصُومُوا غَدًا". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢)، وَابْنُ حِبَّان (٣)، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ (٤). [ضعيف]. (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن أعرابيًا جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسل - فقال: إني رَأيْتُ الهلالَ، فقالَ: أتشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ؟ قالَ: نعم، قالَ: أتشهدُ أن محمدًا رسولُ اللهِ؟ قالَ: نعم، قالَ: فَأَذِّنْ في الناسِ يا بلالُ أنْ يصومُوا غدًا. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ، ورجَّحَ النسائيُّ إرسالَهُ). فيهِ دليل كالذي قبلَه على قبولِ خبرِ الواحدِ في الصومِ، ودلالة على أن الأصلَ في المسلمين العدالةُ، إذْ لم يطلبْ ﷺ منَ الأعرابيِّ إلَّا الشهادةَ. إلا أن الأمرَ في الهلالِ جارٍ مجرَى الإخبارِ لا الشهادةِ، وأنهُ يكفي في الإيمانِ الإقرارُ بالشهادتينِ، ولا يلزمُ التبرِّي منْ سائرِ الأديانِ. [النية في الصوم وأول وقتها] ٧/ ٦١٦ - وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ

стр. 1117

الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَمَالَ التِّرْمِذِيُّ (٢) وَالنَّسَائِيُّ (٣) إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ، وَصَحّحَهُ مَرْفوعًا ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤) وَابْنُ حِبَّانَ (٥). [حسن]. وَلِلدَّارَقُطْنيِّ (٦): "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرضْهُ مِنَ الَّليْلِ". (وعنْ حفصةَ أمِّ المؤمنينَ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قالَ: منْ لم يبيِّتِ [الصيامَ] (٧) قبلَ الفجرِ فلا صيامَ لهُ. رواهُ الخمسةُ، ومالَ الترمذيُّ والنسائيُّ إلى ترجيحِ وقْفِهِ) علَى حفصةَ، (وصحَّحهُ مرفوعًا ابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ. وللدارقطنيِّ) أي: عنْ حفصةَ (لا صيامَ لمنْ لم يفرضْه منَ الليلِ) الحديثَ. اختلفَ الأئمةُ في رفْعه ووقْفه. وقالَ أبو محمدِ بن حزمٍ (٨): الاختلافُ فيهِ يزيدُ الخبر قوةً لأنَّ مَنْ رواهُ مرفوعًا [فقد] (٩) رواهُ موقوفًا. وقدْ أخرجهُ الطبرانيُّ (١٠) منْ طريقٍ أُخْرى وقالَ: رجالُها ثقاتٌ.

стр. 1118

وهوَ يدلُّ على أنهُ لا يصحُّ الصيامُ إلَّا بتبييت النيةِ، وهوَ أنْ ينويَ الصيامَ في أيِّ جزءٍ منَ الليلِ، وأولُ وَقتِها الغروبُ، وذلكَ لأنَّ الصومَ عملٌ، والأعمالُ بالنياتِ، وأجزاءُ النهارِ غيرُ منفصلةٍ منَ الليلِ بفاصلٍ يتحققُ، فَلَا يتحققُ إلَّا إذا كانتِ النيةُ واقعةً في جزءِ الليلِ، وتشترطُ النيةُ لكلِّ يومٍ على انفرادهِ، وهذا مشهورٌ منْ مذهبِ أحمدَ (١)، ولهُ قولٌ: أَنَّهُ إِذَا نَوَى مِنْ أَوَّلِ الشّهرِ تُجزئُهُ، وَقَوَّى هَذَا القَولَ ابنُ عَقيلٍ بِأَنَّهُ ﷺ قَالَ: "لكلِّ امرئٍ ما نَوَى" (٢)، وهذَا قدْ نَوَى جميعَ الشهرِ، ولأنَّ رمضانَ بمنزلةِ العبادةِ الواحدةِ لأنَّ الفطرَ في لياليهِ عبادةٌ أيضًا يُستعانُ بها على صومِ نهارهِ، وأطالَ في الاستدلالِ على هذَا بما يدلُّ على قوَّتِهِ. والحديثُ عامٌّ للفرضِ، والنفلِ، والقضاءِ، والنذرِ مُعَيَّنًا، ومطلقًا. وفيهِ خلافٌ وتفاصيلُ. واستدلَّ مَنْ قالَ بعدم وجوبِ التبييتِ بحديثِ البخاريِّ (٣): "أنهُ ﷺ بعثَ رجلًا ينادي في الناسِ يومَ عاشوراءَ: إنَّ مَنْ أكلَ فليتمَّ أو فليصمْ، ومَنْ لمْ يأكلْ فلا يأكلْ"، قالُوا: وقدْ كانَ واجبًا، ثمَّ نُسِخَ وجوبُه بصومِ رمضانَ، ونَسْخُ وجوبهِ لا يرفعُ سائرَ الأحكامِ فقيسَ عليهِ رمضانُ وما في حُكمهِ منَ النذَرِ المعيَّنِ والتطوعِ، فخصَّ عمومَ "فلا صيامَ لهُ" بالقياسِ، وبحديثِ عائشةَ الآتي، فإنهُ [دلَّ] (٤) على أنهُ ﷺ كانَ يصومُ تطوعًا من غيرِ تبييتِ النيةِ. وأجيبَ بأنَّ صومَ عاشوراءَ غيرُ مساوٍ لصومِ رمضانَ حتَّى يقاسَ عليهِ، فإنهُ ﷺ ألزمَ الإمساكَ لمنْ قدْ أكلَ ولمنْ لم يأكلْ، فعلمَ أنهُ أمرٌ خاصٌ، ولأنهُ إنَّما أجزأَ عاشوراءَ [من غير] (٥) تبييتِ لتعذرِه، فيقاسُ عليهِ ما سواهُ، كمنْ نامَ حتَّى أصبحَ على أنهُ لا يلزمُ منْ تمامِ الإمساكِ ووجوبهِ أنهُ صومٌ مُجْزِئٌ. وأما حديثُ عائشةَ وهوَ قوله: ٨/ ٦١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ،

стр. 1119

فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ"؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: "فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ"، ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: "أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا" فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح]. (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلَ عليَّ النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ فقالَ: هلْ عندكمْ شيءٌ؟ قلْنا: لا، قالَ: فإني إذًا صائمٌ، ثمَّ أتانا يومًا آخرَ [فقلنا] (٢): أُهدِيَ لنا حَيسٌ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فسينٍ مهملةٍ هوَ التمرَ معَ السمنِ والأقطِ (فقالَ: أرينيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فأكلَ. رواهُ مسلمٌ). فالجوابُ عنهُ أنهُ أعمُّ منْ أن يكونَ بيَّتَ الصومَ أوَّلًا، فيحملُ على التبييتِ لأنَّ المحتملَ يُردُّ إلى العامِّ ونحوهُ، على أن في بعضِ رواياتِ حديثِها: "إني كنتُ أصبحتُ صائمًا". والحاصلُ أن الأصلَ عمومُ حديثِ التبييتِ، وعدمُ الفرقِ بينَ الفرضِ والنفلِ والقضاءِ والنذرِ، ولم يقمْ ما يرفعُ هذينِ الأصلينِ، فتعيَّنَ البقاءُ عليهما. [فضل تعجيل الفطر وتأخير السحور] ٩/ ٦١٨ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح]. (وعنْ سهلِ بن سعدٍ ﵁) (٤) هو أبو العباسِ سهلُ بنُ سعدٍ بن مالكٍ، أنصاريٌّ، خزرجيٌّ. يقالُ: كانَ اسمهُ حَزَنًا فسمَّاهُ رسولُ اللهِ ﷺ سهلًا، ماتَ النبيُّ ﷺ ولهُ خمسَ عشرةَ سنةً، وماتَ سهلٌ بالمدينةِ سنةَ إحدَى وتسعينَ، وقيلَ:

стр. 1120

ثمانٍ وثمانينَ، وهوَ آخرُ مَنْ ماتَ منَ الصحابةِ بالمدينةِ (أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ. متفقٌ عليهِ). زادَ أحمدُ (١): "وأَخَّرُوا السحورَ"، زادَ أبو داودَ (٢): "لأنَّ اليهودَ والنَّصارى يؤخِّرونَ الإفطارَ إلى اشتباكِ النجومِ". قالَ في شرحِ المصابيحِ: ثمَّ صارَ في مِلتِنَا شعارًا لأهلِ البدعةِ وسمةً لهمْ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ تعجيلِ الإفطارِ إذا تحققَ غروبُ الشمسِ بالرؤيةِ، أو بإخبارِ مَنْ يجوزُ العملُ بقولهِ. وقدْ ذكرَ العلةَ وهيَ مخالفةُ اليهودِ والنَّصارى. قالَ المهلَّبُ: والحكمةُ في ذلكَ أنهُ لا يزادُ في النهارِ منَ الليلِ، ولأنهُ أرْفَقُ بالصائمِ، وأقوى [للعبادة] (٣). قالَ الشافعيُّ ﵀: تعجيلُ الإفطارِ مستحبٌّ ولا يكرهُ تأخيرُه إلا لمنْ تعمَّدَهُ ورأى الفضلَ فيهِ. قلتُ: في إباحتهِ ﷺ الموَاصَلةُ إلى السَّحَرِ كما في حديثِ أبي سعيد (٤) ما يدلُّ على أنهُ لا كراهةَ إذا كانَ ذلكَ سياسةً للنفسِ ودفعًا لشهوتِها، إلَّا أنَّ قولَه: ١٠/ ٦١٩ - وَللترْمِذِيِّ (٥) مِنْ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ : أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيّ أَعْجَلُهُمْ فِطرًا". [حسن]. (وللترمذيِّ منْ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: قالَ اللهُ : أحبُّ عِبَادي إليَّ أعجلُهم فِطْرًا) دالٌّ على أن تعجيلَ الإفطارِ أحبُّ إلى اللهِ تعالى منْ تأخيرِه، وأنَّ أباحةَ المواصلةِ إلى السَّحَر لا تكونُ أفْضَلَ مِنْ تعْجِيلِ الإفْطارِ، أَوْ يُرادُ بِعبادِي الَّذينَ يُفطِرون وَلا يُواصِلونَ إلى السَّحَر. وأما رسولُ اللهِ ﷺ فإنهُ خارجٌ عنْ عمومِ هذا الحديثِ لتصريحهِ ﷺ [أنه] (٦) ليسَ مثلَهم كما يأتي، [فهوَ

стр. 1121

أحبُّ الصائمينَ إلى الله تعالى وإنْ لم يكنْ أعجلَهم فطرًا، لأنهُ قدْ أُذِنَ لهُ في الوصالِ، ولو أيامًا متصلةً كما يأتي] (١). ١١/ ٦٢٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَسَحَّرُوا فَإِنَّ في السُّحُورِ بَرَكَةً"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) [صحيح]. (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : تسحَّروا فإنَّ في السحورِ) بفتحِ المهملةِ، اسمٌ لِمَا يُتَسَحَّرُ بهِ، ورُوِيَ بالضمِّ على أنهُ مصدرٌ (بركةٌ. متفقٌ عليه). زادَ أحمدُ (٣) منْ حديثِ أبي سعيد: "فلا تَدَعُوهُ ولو أنْ يتجرَّعَ أحدُكم جُرْعَةً منْ ماء؛ فإنَّ الله وملائكتهَ يصلُّونَ على المتسحِّرينَ". وظاهرُ الأمرِ وجوبُ التسحُّرِ، ولكنهُ صرفَه عنهُ إلى الندبِ ما ثبتَ منْ مواصلتهِ ﷺ ، ومواصلةِ أصحابهِ، ويأتي الكلامُ في حكمِ الوصالِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ (٤) الإجماعَ على أنَّ التسحُّرَ مندوبٌ. والبركةُ المشارُ إليها فيهِ اتِّبَاعُ السُنةِ ومخالفةُ أهلِ الكتابِ لحديثِ مسلمٍ (٥)

стр. 1122

مرفُوعًا: "فَصْل ما بينَ صيامِنا وصيامِ أهلِ الكتابِ أَكْلَةُ السحور"، والتقوِّي بها على العبادةِ، وزيادةِ النشاطِ والتسبُّبِ للصدقةِ علىَ مَنْ سألَ وقتَ السحرِ. [فضل الإفطار على التمر أو الماء] ١٢/ ٦٢١ - وَعَنْ سَلمَانَ بْنَ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيفْطِرْ عَلَى مَاءٍ، فَإِنَّهُ طَهُورٌ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حُزَيْمَةَ (٢) وَابْنُ حِبَّانَ (٣) وَالْحَاكِمُ (٤). [حسن لغيره]. (وعنْ سلمان بن عامرٍ الضبيِّ ﵁) قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في الاستيعابِ: ليسَ [في] (٥) الصحابةِ ضبيٌّ غيرَ سلمان بنَ عامرٍ المذكورِ (عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: إذا أفطرَ أحدُكم فليفطرْ على تمرٍ، فإنْ لم يجدْ فليفطرْ على ماءٍ فإنهُ طهورٌ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن خزيمةَ، وابن حبانَ، والحاكمُ). والحديثُ قدْ رُوِيَ منْ حديثِ عمرانَ بن حصينٍ (٦)، وفيه ضعفٌ. ومن حديث أنسٍ (٧) رواه الترمذي والحاكم،

стр. 1123

وصحَّحَهُ، ورواهُ أيضًا الترمذيُّ والنسائيُّ وغيرُهم منْ حديثِ أنسٍ منْ فعلِهِ ﷺ قالَ: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يفطرُ على رطباتٍ قبلَ أنْ يصلِّيَ، فإنْ لمْ يكنْ فَعَلَى تمراتٍ، فإنْ لمْ يكنْ حَسَا حَسَوَاتٍ منْ ماءٍ". ووردَ في عددِ التمرِ أنَّها ثلاثٌ، وفي البابِ رواياتٌ في معنَى ما ذكرْنا. ودلَّ على أن الإفطارَ بما ذكرَ هوَ السنَّةُ. قالَ ابنُ القيِّم (١): وهذَا منْ كمالِ شفقتهِ ﷺ على أمَّتِه ونُصْحِهم، فإنَّ إعطاءَ الطبيعةِ الشيءَ الحلْوَ معَ خلُوِّ المعدةِ أدْعَى إلى قبولِه وانتفاعِ القِوَى بهِ، لا سيَّما القوةُ الباصرةُ، فإنَّها تَقْوَى بهِ. وأما الماءُ فإنَّ الكبدَ يحصلُ لها بالصومِ نوعُ يَبَسٍ فإنْ رُطِّبتْ بالماءِ كَمُلَ انتفاعُها بالغذاءِ بعدَه، هذا معَ ما في التمرِ والماءِ منَ الخاصيَّةِ التي لها تأثيرٌ في صلاحِ القلب لا يعلمُها إلَّا أطباءُ القلوبِ. [حكم الوصال لغير رسول الله ﷺ -] ١٣/ ٦٢٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِني أَبِيتُ يُطعِمُني رَبِّي وَيَسْقِيني"، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمّ يَوْمًا، ثُمّ رَأَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ" كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح]. (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الوصالِ)، هوَ تركُ الفطرِ بالنهارِ، وفي ليالي رمضانَ بالقصدِ، (فقالَ رجلٌ من المسلمينَ)، قَال المصنِّفُ: لم أقِفْ عَلى اسْمِهِ، (فإنك تواصلُ يا رسولَ اللهِ، فقالَ: وأيُّكم مِثْلي؟ فإني أبيتُ يُطْعْمِني

стр. 1124

ربي ويُسقيني. فلما أَبَوْا أنْ ينتَهوا عن الوصالِ واصل بهمْ يومًا، ثمَّ يومًا، ثمَّ رأَوا الهلالَ فقالَ: لو تأخَّرَ الهلالُ لزدْتكم، كالمنكِّل لهم حينَ أَبَوْا أنْ ينتَهُوا. متفقٌ عليهِ). الحديثُ عندَ الشيخينِ منْ حديثِ أبي هريرةَ (١)، وابنِ عمرَ (٢)، وعائشة (٣)، وأنسٍ (٤)، وتفرَّدَ مسلمٌ (٥) بإخراجه عنْ أبي سعيدٍ، وهوَ دليلٌ على تحريمِ الوصالِ لأنهُ الأصلُ في النهي. وقدْ أُبيحَ الوصالُ إلى السُّحور لحديثِ أبي سعيدٍ (٦): فأيُّكمْ أرادَ أنْ يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحَرِ"، وفي حديثِ أبي سعيدٍ هَذَا دليلٌ على أن إمساكَ بعضِ الليلِ مواصلةٌ. وهوَ يردُّ على مَنْ قالَ: إنَّ الليلَ ليسَ محلًّا للصومِ فلا [تنعقد] (٧) بنيَّتهِ. وفي الحديث دلالةٌ على أن الوصالَ منْ خصائِصهِ ﷺ . وقدِ اختُلِفَ في حقِّ غيرهِ فقيلَ التحريمُ مطلقًا، وقيلَ: محرَّمٌ في حقِّ مَنْ يَشُقُّ عليهِ، ويباحُ لمنْ لا يشقُّ عليهِ. الأولُ رأيُ الأكثرِ للنهي وأصلُه التحريمُ. واستدلَّ مَنْ قالَ: إنهُ لا يحرمُ بأنهُ ﷺ واصلَ بهمْ، ولو كانَ النهيُ للتحريمِ لما أقرَّهم عليه، فهوَ قرينةٌ أنهُ للكراهةِ رحمة لهمْ وتخفيفًا عنْهم، ولأنهُ قد أخْرجَ أبو داودَ (٨) عنْ رجلٍ مِنَ الصحابةِ: "نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن الحجامةِ والمواصلةِ، [ولم يحرِّمْهُما إبقاءً على أصحابهِ] (٩) "، إسنادُه صحيحٌ. وإبقاءٌ متعلقٌ بقولهِ: نَهَى. ورَوَى البزار (١٠)، والطبرانيّ (١١) في الأوسط منْ حديثِ سمُرة:

стр. 1125

"نهى النبيّ ﷺ عن الوصالِ وليسَ بالعزيمةِ". ويدلُّ أيضًا مواصلةُ الصحابةِ فَرَوَى ابنُ أبي شيبةَ (١) بسندٍ صحيحٍ: "أنَّ ابنَ الزبيرِ كانَ يواصلُ خمسةَ عشر يومًا"، وذكرَ ذلكَ عنْ جماعةٍ غيرهِ، فلوْ فهمُوا التحريم لما فعلُوهَ. ويدلُّ للجوازِ أيضًا ما أخرجهُ ابنُ السكنِ (٢) مرفوعًا: "إنَّ الله لم يكتبِ الصيامَ بالليلِ فمنْ شاءَ فليتبعني ولا أجْرَ لهُ"، قالُوا: والتعليلُ بأنهُ منْ فعلِ النَّصَارى لا يقتضي التحريم؛ فإنه قد علل تأخير الإفطار من فعل أهل الكتاب ولم يقتضِ التحريم. واعتذرَ الجمهورُ عنْ مواصلتهِ ﷺ بالصحابةِ بأنَّ ذلكَ كانَ تقريعًا لهم وتنكيلًا بهمْ، واحتُمِلَ جوازُ ذلكَ لأجلِ مصلحةِ النَّهْي في تأكيدِ زجرِهم، لأنهمْ إذا باشروهُ ظهرتْ لهم حكمةُ النَّهي، وكان ذلكَ أَدْعَى إلى قبولهِ لما يترتبُ عليهِ منْ المللِ في العبادةِ، والتقصيرِ فيما هوَ أهمُّ منهُ وأرجحُ منْ وظائفِ العباداتِ. والأقربُ منَ الأقوالِ هوَ التفصيلُ. وقولُه ﷺ : "وأيُّكم مِثلي" استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ، أي: أيكمْ على صفتي ومنزلتي منْ ربِّي. واختُلِف في قولِه: "يُطعِمُني ويُسْقِيني"، فقيلَ: هوَ على حقيقتهِ كانَ يُطْعَمُ ويُسقَى منْ عندِ اللهِ، وتعقِّبَ بأنهُ لو كانَ كذلكَ لم يكنْ مواصلًا. وأجيبَ عنهُ بأنَّ ما كانَ منْ طعامِ الجنةِ على جهةِ التكريمِ، فإنهُ لا ينافي التَّكليفَ، ولا يكونُ لهُ حكمُ طعامِ الدنيا. وقالَ ابنُ القيم (٣) ﵀: المرادُ ما يغذيه اللهُ منْ معارفِهِ وما يقيضهُ على قلبهِ منْ لذةِ مناجاتِه، وقُرَّةِ عينهِ بقربهِ، وتَنَعُّمِهِ بحبِّهِ، والشوقِ إليهِ، وتوابعُ ذلكَ منَ الأحوالِ التي هي غذاءُ القلوبِ، وتنعيمُ الأرواحِ، وقرةُ العينِ، وبهجةُ النفوسِ. وللقلبِ والروحِ بها أعظمُ غذاءٍ وأجودُه وأنفعهُ. وقد يقوِّي هذا الغذاءُ حتَّى يغني عن غذاءِ الأجسامِ برهةً منَ الزمانِ كما قيل: لَها أحَادِيثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشَّرَابِ وتُلْهِيْهَا عَنِ الزَّادِ لَها بِوَجْهِكَ نُورٌ يُستضاءُ بهِ … وَمِنْ حَدِيثكَ في أعقْابِهَا حَادِي وَمَنْ لهُ أَدْنَى معرفةٍ وشوقٍ يعلمُ استغناءَ الجسمِ بغذاءِ القلبِ والروحِ عنْ كثيرٍ منَ الغذاءِ الحيوانيّ، ولا سيَّما المسرورُ الفرحانُ الظافرُ بمطلوبهِ الذي قرَّتْ

стр. 1126

عينُه بمحبوبهِ، وتنعَّمَ بقربهِ، والرِّضَا عنهُ. وساقَ [في] (١) هذا المعنَى، واختارَ هذا الوجهَ في الإطعام والإسقاءِ. وأما الوصالُ إلى السَّحرِ فقدْ أذِنَ ﷺ فيهِ كما في [صحيح] (٢) البخاريِّ (٣) [من حديث] (٤) أبي سعيدٍ: "أنهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: لا تواصلُوا فأيُّكم أرادَ أنْ يواصلَ فليواصلْ إلى السَّحرِ". وأما حديثُ عمرَ في الصحيحينِ (٥) مرفوعًا: "إذا أَقْبَلَ الليلُ منْ ههنا، وأدبرَ النهارُ منْ ههنَا، وغربتِ الشمسُ فقدْ أفطرَ الصائمُ"؛ فإنهُ لا ينافي الوصالَ، لأنَّ المرادَ بأفطرَ دخلَ في وقتِ الإفطارِ لا أنهُ صارَ مُفْطِرًا حقيقةً كما قيلَ، لأنهُ لو صارَ مفطِرًا حقيقةً لما وردَ الحثُّ على تعجيلِ الإفطارِ ولا النَّهي عن الوصالِ ولا استقامَ الإِذْنُ بالوصالِ إلى السَّحرِ. [تأكيد النهي عن المحرَّمات في الصيام] ١٤/ ٦٢٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (٧)، وَالَّلفْظُ لَهُ. [صحيح].

стр. 1127

(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ: (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ لمْ يدعْ قولَ الزورِ) أي: الكذبَ، (والعملَ بهِ والجهلَ) أي: السَّفَهَ، (فليسَ للهِ حاجةٌ) أي: إرادةٌ (في أنْ يدعَ شرابَهُ وطعامَهُ. رواة البخاريُّ، وأبو داودَ، واللفظُ لهُ). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ الكذبِ، والعملِ بهِ، وتحريمِ السفهِ على الصائمِ، وهما محرَّمانِ على غيرِ الصائم أيضًا، إلَّا أن التحريمَ في حقِّه آكدُ كتأكدِ تحريمِ الزِّنى منَ الشيخِ، والخُيلاءِ منَ الفقيرِ. والمرادُ منْ قولِه: "فليسَ للهِ حاجةٌ"، أي: إرادةُ بيانِ عظمِ ارتكابِ ما ذُكِرَ، وأنَّ صيامَه كَلَا صيامَ، ولا معنَى لاعتبارِ المفهومِ هنا فإنَّ الله تعالى لا يحتاجُ إلى أحدٍ هو الغنيُّ سبحانهُ، ذكرَهُ ابنُ بطَّالٍ. وقيلَ: هوَ كنايةٌ عنْ عدمِ القَبولِ كما يقولُ المغضبُ لمنْ ردَّ شيئًا عليهِ: لا [حاجة] (١) لي في كذا، وقيلَ: إنَّ معناهُ أن ثوابَ الصيامِ لا يُقاومُ في حكمِ الموازنةِ ما يستحقُّ منَ العقابِ لما ذكرَ. هذَا وقدْ وردَ في الحديثِ الآخَرِ: " [إن] (٢) شاتَمَهُ أو سابَّهُ فليقلْ إني صائمٌ" (٣)، فلا تشتمْ مبتدئًا ولا مجاوِبًا. [جواز القبلة والمباشرة للصائم] ١٥/ ٦٢٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، ولَكِنَّهُ كَانَ أَمْلَكَكُمْ لإرْبِه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم، وَزَادَ في رِوَايَةٍ (٥): في رَمَضَانَ. [صحيح].

стр. 1128

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وهُوَ صائمٌ، ويباشرُ) المباشرةُ الملامسةُ، وقدْ تردُ بمعنَى الوطْءِ في الفرجِ، وليسَ بمرادِ هنَا. (وهوَ صائمٌ، ولكنهُ أملكَكُمْ لإرْبِه) بكسرِ الهمزةِ، وسكونِ الراءِ، فموحدةٍ، وهو حاجةُ النفسِ ووطرِها، وقالَ المصنفُ في التلخيصِ (١): معناهُ لعضوهِ. (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. وزادَ) أي: مسلمٌ (في روايةٍ: في رمضانَ). قالَ العلماءُ: معنَى الحديثِ أنهُ ينبغي لكمُ الاحترازُ من القُبْلةِ، ولا تتوهَّمُوا أنكم مثلُ رسولِ اللهِ ﷺ في استباحتِها، لأنهُ يملكُ نفسَه ويأمنُ منْ وقوعِ القبلةِ أنْ يتولَّدَ عنْها إنزالٌ، أو شهوةٌ، أو هيجانُ نفسٍ، أو نحوُ ذلكَ، وأنتمْ لا تأمنونَ ذلكَ؛ فطريقُكم كفُّ النفسِ عنْ ذلكَ. وأخرجَ النسائيُّ (٢) منْ طريقِ الأسودِ: "قلتُ لعائشةَ: أيباشرُ الصائمُ؟ قالتْ: لا، قلتُ: أليسَ رسولُ اللهِ ﷺ كانَ يباشرُ وهوَ صائمٌ؟ قالتْ: إنهُ كانَ أملكَكُم لإِربِه". وظاهرُ هذَا الحديث أنَّها اعتقدتْ أن ذلك خَاصٌّ بهِ ﷺ . قالَ القرطبيُّ: وهوَ اجتهادٌ منْها، وقيلَ: الظاهرُ أنَّها تَرَى كراهةَ القبلة لغيره ﷺ كراهة تنزيه لا تحريم كما يدل له قولها أملككم لإربه. وفي كتاب الصيامِ لأبي يوسفَ القاضي منْ طريقِ حمادِ بن سلمةَ: "سُئِلَتْ عائشةُ عن المباشرةِ للصائمِ فكرهتْها". وظاهرُ حديثِ البابِ جوازُ القُبلةِ والمباشرةِ للصائمِ لدليلِ التأسِّي به ﷺ ، ولأنَّها ذكرتْ عائشةُ الحديثَ جوابًا عمنْ سَأَلَ عن القبلةِ وهوَ صائمٌ، وجوابُها قاض بالإباحةِ مستدلةً بما كانَ يفعلُه ﷺ . وفي المسألةِ أقوالٌ: الأولُ: للمالكيةِ (٣) أنهُ مكروهٌ مطلقًا. الثاني: أنهُ محرَّمٌ مستدلينَ بقولهِ تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٤)؛ فإنهُ مَنَعَ المباشرةَ في النهارِ، وأجيبَ بأنَّ المرادَ بها في الآيةِ الجماعُ، وقدْ بينَ ذلكَ فعلُه ﷺ كما أفادَهُ حديثُ البابِ. وقالَ قومٌ إنَّها تحرمُ القبلةُ، وقالُوا: إنَّ مَنْ قَبَّلَ بَطَلَ صومُه.

стр. 1129

الثالثُ: أنهُ مباحٌ، وبالغَ بعضُ الظاهريةِ (١) فقالَ: إنهُ مستحبٌّ. الرابعُ: التفصيلُ، فقالُوا: يكرهُ للشابِّ، ويباحُ للشيخِ. ويُرْوَى عن ابن عباسٍ، ودليلُه ما أخرجَهُ أبو داودَ (٢): "أنهُ أتاهُ ﷺ رجلٌ فسأله عن المباشرةِ للصائمِ فرخَّصَ لهُ، وأتاهُ آخرٌ فسألهُ عنها فنهاهُ؛ فإذَا الذي رخَّصَ لهُ شيخٌ، والذي نهاهُ شابٌّ". الخامسُ: أن مَنْ ملكَ نفسَه جازَ لهُ وإلَّا فلا، وهوَ مرويٌّ عن الشافعي، واستدلَّ لهُ بحديثِ عمرَ بن أبي سلمةَ لما سألَ النبيَّ ﷺ فأخبرتْه أمُّهُ أمُّ سلمةَ: "أنهُ ﷺ يصنعُ ذلكَ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، قدْ غفرَ اللهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبكَ وما تأخرَ، فقالَ: إني أخشاكم للهِ" (٣). فدلَّ على أنهُ لا فرقَ بينَ الشابِّ والشيخِ، وإلَّا لبَّينَهُ ﷺ لعمرَ لا سيَّما وعمرُ كانَ في ابتداءِ تكليفهِ. وقدْ ظهرَ مما عرفتَ أَنَّ الإباحةَ أقوى الأقوالِ، ويدلُّ لذلكَ ما أخرجَهُ أحمدُ (٤)، وأبو داودَ (٥) منْ حديثِ عمرَ بن الخطابِ قالَ: هشِشتُ يومًا فقبَّلْتُ وأنا صائمٌ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ ، فقلتُ: صنعتُ اليومَ أمرًا عظيمًا، فقبَّلْتُ وأنا صائمٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أرأيتَ لو تمضمضتَ بماء وأنتَ صائمٌ؟ قلتُ: لا بأسَ بذلكَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ففيمَ؟! " انتَهى قولُه: هشِشْتُ بفتحِ الهاءِ وكسرِ الشينِ المعجمةِ، بعدَها شينٌ

стр. 1130

معجمةٌ ساكنةٌ، معناهُ ارتحتُ وخففتُ. واختلفُوا أيضًا فيما إذا قبَّلَ أو نَظَرَ أو باشرَ فأنزلَ أو أمذَى، فعنِ الشافعيِّ وغيرِه: أنهُ يقضي إذا أنزلَ في غيرِ النظرِ، ولا قضاءَ في الإمذاءِ. وقالَ مالكٌ: يقضي في كلِّ ذلكَ ويُكَفِّرُ إلَّا في الإمذاءِ فيقضي فقطْ. وثمةَ خلافاتٌ أُخَرُ الأظهرُ أنهُ لا قضاءَ ولا كفارةَ إلا على مَنْ جامعَ وإلحاقُ غيرِ المجامِعِ بهِ بعيدٌ. (تنبيهٌ): قولُها: وهوَ صائمٌ لا يدلُّ أنهُ قبَّلَها وهي صائمةٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (١) عنْ عائشةَ: "كانَ يقبِّلُ بعضَ نسائهِ في الفريضةِ والتطوعِ"، ثمَّ ساقَ بإسنادهِ: "أن النبيَّ ﷺ كانَ لا يمسُّ وجْهَهَا وهي صائمةٌ" (٢). وقالَ: ليسَ بينَ الخبريْنِ تضادٌّ، لأنه كانَ يملكُ إربهُ، ونبَّهَ بفعلهِ ذلكَ على جوازِ هذا الفعلِ لمنْ هوَ بمثلِ حالهِ، وتركِ استِعمالِه إذا كانتِ المرأةُ صائمةً علمًا منهُ بما رُكِّبَ في النساءِ منَ الضعفِ عندَ الأشياءِ التي تردُ عليهنَّ، انتهى. [القول في الحجامة في الصيام] ١٦/ ٦٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح]. (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ احتجمَ وهوَ محرِمٌ، واحتجمَ وهوَ صائمٌ. رواهُ البخاريُّ) قيلَ: ظاهرهُ أنهُ وقعَ منهُ الأمرانِ المذكورانِ مفترقينِ، وأنهُ احتجمَ وهوَ صائمٌ، واحتجمَ وهوَ محرمٌ، ولكنهُ لم يقعْ ذلكَ في وقتٍ واحدٍ، لأنه لم

стр. 1131

يكنْ صائمًا في إحرامهِ إذا أريدَ إحرامهُ وهوَ في حجَّةِ الوداعِ؛ إذْ ليسَ في رمضانَ، ولا كانَ محرمًا في سفرهِ في رمضانَ عامَ الفتحِ، ولا في شيءِ منْ عُمَرِهِ التي اعتمرَهَا، وإن احتملَ أنهُ صامَ نفلًا إلَّا أنهُ لم يعرفْ ذلكَ، وفي الحديثِ رواياتٌ. وقالَ أحمدُ: إنَّ أصحابَ ابن عباسٍ لا يذكرونَ صيامًا. وقالَ أبو حاتمٍ (١): "أخطأ فيهِ شريكٌ إنَّما هوَ احتجمَ وأعطَى الحجَّامَ أُجْرَتَهُ. وشريكٌ حدَّثَ بهِ مِنْ حفظِه، وقدْ ساءَ حفظهُ". فَعَلَى هذا الثابتُ إنما هوَ الحاجةُ. والحديثُ يحتملُ أنهُ إخبارٌ عنْ كلِّ جملةٍ على حِدَةٍ، وأنَّ المرادَ احتجمَ وهوَ محرمٌ في وقتٍ، واحتجمَ وهوَ صائمٌ في وقتٍ آخرَ، والقرينةُ على هذا معرفةُ أنهُ لم يتفقْ لهُ اجتماعُ الإحرامِ والصيامِ، وأما تغليطُ شريكٍ وانتقالُه إلى ذلكَ اللفظِ فَأَمْرٌ بعيدُ، والعمل على صحةِ روايتِه معَ تأويلِها أَوْلى. وقدِ اختُلِفَ فيمنِ احتجَم وهوَ صائمٌ، فذهبَ إلى أنها لا تفطِّر الصيَّام الأكثرون منَ الأئمةِ، وقالُوا: إنَّ هذا ناسخٌ لحديثِ شدَّادِ بن أَوْسٍ وهوَ: ١٧/ ٦٢٦ - وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رَجُلٍ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ في رَمَضَانَ فَقَالَ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (٢)، وَصَحّحَهُ أَحْمَدُ (٣)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٤)، وَابْنُ حِبَّان (٥). [صحيح]. (وعنْ شدادِ بن أوسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ أَتَى عَلَى رجلٍ بالبقيعِ وهوَ يحتجمُ في

стр. 1132

رمضانَ فقالَ: أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ له. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحهُ أحمدُ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ حبانَ). الحديثُ قدْ صحَّحهُ البخاريُّ (١) وغيرُه، وأخرجهُ الأئمةُ عنْ ستةَ عشرَ منَ الصحابةِ (٢). وقالَ الحافظ السيوطيُّ في الجامعِ الصغيرِ (٣): إنَّه متواترٌ. وهوَ دليلٌ على أن الحجامةَ تفطِّرُ الصائمَ منْ حاجمٍ ومحجومٍ لهُ. وقدْ ذهبتْ طائفةٌ قليلةٌ إلى ذلكَ منهم أحمدُ بنُ حنبل وأتباعُه لحديثِ شدادٍ هذا. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يفطرُ المحجومُ لهُ، وأما الحاجمُ فإنهُ لا يفطِرُ عملًا بالحديثِ هذا في الطرفِ الأولِ، ولا أدري ما الذي أوجبَ العملَ ببعضِه دونَ بعضٍ، وأما الجمهورُ القائلونَ: إنهُ لا يفطرُ حاجمٌ ولا محجومٌ له فأجابوا عنْ حديثِ شدادٍ هذا بأنهُ منسوخٌ (٤)، لأن حديثَ ابن عباسٍ متأخِّرٌ، لأنهُ صحبَ النبيَّ ﷺ عامَ حجهِ وهوَ سنةَ عشرٍ، وشدادٌ صحبهُ عامَ الفتحِ، كذَا حُكِيَ عن الشافعيِّ (٥) قالَ: وتوقِّي الحجامةِ احتياطًا أحبُّ إليَّ. ويؤيدُ النسخَ ما يأتي في حديثِ أنسٍ في قصةِ جعفرِ بن أبي طالبٍ. وقدْ أخرجَ الحازميُّ (٦) منْ حديثِ أبي

стр. 1133

سعيدٍ مثلَه. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ (١): إنَّ حديثَ: "أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ" ثابتٌ بلا ريبٍ لكنْ وجدْنا في حديثٍ: "أنهُ ﷺ نَهَى عن الحجامةِ للصائمِ وعنِ المواصلةِ، ولم يحرِّمْهُما إبقاءً على أصحابهِ" (٢) إسنادُه صحيحٌ. وقدْ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٣) ما يؤيِّدُ حديثَ أبي سعيدٍ: "أنهُ ﷺ رخَّصَ في الحجامةِ للصائمِ" والرخصةُ إنما تكونُ بعدَ العزيمةِ فدلَّ على النسخِ سواءٌ كانَ حاجمًا أو محجومًا. وقيلَ: إنهُ يدلُّ على الكراهةِ، ويدلُّ لها حديثُ أنسٍ الآتي (٤)، وقيلَ إنَّما قالهُ ﷺ في خاصٍّ وهوَ أنهُ مرَّ بهما، وهما يغتابانِ الناسَ، رواهُ الوحاظيُّ عنْ يزيدِ بن ربيعةَ، عنْ أبي الأشعثِ الصنعانيِّ أنهُ قالَ: "إنَّما قالَ رسولَ اللهِ ﷺ أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ له، لأنَّهما كانا يغتابانِ الناسَ". وقالَ ابنُ خزيمةَ في هذا التأويلِ: إنهُ أعجوبةٌ، لأنَّ القائلَ بهِ لا يقولُ إنَّ الغيبةَ تفطِّرُ الصائمَ. وقالَ أحمدُ: ومنْ سَلِمَ مِنَ الغيبةِ؟ لو كانتِ الغيبةُ تفطِّرُ ما كانَ لنا صومٌ. وقدْ وجَّهَ الشافعيُّ (٥) هذا القولَ، وحملَ الشافعيُّ الإفطارَ بالغيبةِ على سقوطِ أجرِ الصومِ مثلُ قولهِ ﷺ للمتكلِّمِ والخطيبُ يخطبُ: "لا جمعةَ لهُ" (٦)، ولم يأمْره بالإعادةِ، فدلَّ على أنهُ أرادَ سقوطَ الأجرِ وحينئذٍ فلا وجْهَ لجعلهِ أعجوبةً كما قالَ ابنُ خزيمةَ. وقالَ البغويُّ: (٧) المرادُ بإفطارِهما تعرُّضُهمَا للإفطارِ؛ أما الحاجمُ فلأنهُ لا يأمنُ من وصولِ شيءٍ منَ الدمِ إلى جوفهِ عندَ المصِّ، وأما المحجومُ [له] (٨) فلأنهُ لا يأمنُ منْ ضعفِ قوَّتهِ بخروجِ الدم فَيَؤولُ إلى الإفطارِ. قالَ ابنُ تيمية ﵀ في ردِّ هذا التأويلِ: إنَّ قولَهُ ﷺ : "أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ لهُ" نصٌّ في حصول الفطرِ لهما، فلا يجوزُ أن يعتقدَ بقاءَ صَومِهما والنبيُّ ﷺ يخبرُ عنْهما بالفطرِ، لا سيَّما وقد

стр. 1134

أطلقَ هذا القولَ إطلاقًا منْ غيرِ أنْ يقرنَه بقرينةٍ تدلُّ على أن ظاهرهَ غيرُ مرادٍ، فلوْ جازَ أن يريدَ مقاربةَ الفطرِ دونَ حقيقته لكانَ ذلكَ تلبيسًا لا بيانًا للحكم، انتهَى. قلتُ: ولا ريبَ في أن هذا هوَ الذي دلَّ لهُ: ١٨/ ٦٢٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَوّلُ مَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصّائِمِ: أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أبي طَالبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرّ بِهِ النبيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَفْطَرَ هَذَانِ"، ثُمّ رَخَّصَ النَّبيُّ ﷺ بعْدُ في الْحِجَامَةِ لِلصّائمِ، وَكَانَ أَنسِّ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَواهُ الدَّارَقُطْنيُّ وَقوّاهُ (١). [صحيح]. (وعنْ أنسِ بن مالكٍ ﵁ قالَ: أولُ ما كُرِهَتِ الحجامةُ للصائمِ أن جعفرَ بنَ أبي طالبٍ احتجمَ وهوَ صائمٌ، فمرَّ بهِ النبيُّ ﷺ فقالَ: أفطرَ هذانِ، ثمَّ رخَّصَ النبيُّ ﷺ بعدُ في الحجامةِ للصائمِ، وكانَ أنسٌ يحتجمُ وهوَ صائمٌ. رواهُ الدارقطنيُّ وقوَّاهُ)، قالَ: إنَّ رجاله ثقاتٌ، ولا تُعْلَمُ لهُ علةٌ. وتقدَّمَ أنهُ منْ أدلةِ النسخِ لحديثِ شدادٍ. [الكحل في الصيام] ١٩/ ٦٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ النَّبيّ ﷺ اكْتَحَلَ في رَمَضَانَ، وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٢)، بإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٣). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ (٤): لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ. [ضعيف].

стр. 1135

(وعنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ اكتحلَ في رمضانَ وهوَ صائمٌ. رواهُ ابن ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ. قالَ الترمذيُّ: لا يصحُّ في هذا البابِ شيءٌ)، ثمَّ قالَ: واختلفَ أهلُ العلمِ في الكحلِ للصائمِ فكرهَهُ بعضُهم، وهوَ قولُ سفيانَ، وابنِ المباركِ، وأحمدَ، وإسحاقَ. ورخَّصَ بعضُ أهلِ العلمِ في الكحل للصائمِ، وهوَ قولُ الشافعيِّ انتهَى. وخالفَ ابنُ شبرمةَ وابنُ أبي ليلى فقالَا: إنهُ يفطرُ لقولهِ ﷺ : "الفطرُ مما دخلَ وليسَ مما خرجَ"، وإذا وَجَدَ طعمَهُ فقدْ دخلَ، وأجيبَ عنهُ بأنا لا نسلِّم كونَه داخلًا، لأنَّ العينَ ليستَ بمنفَذٍ وإنَّما يصلُ منَ المسامِ، فإنَّ الإنسانَ قدْ يدلكُ قدميْهِ بالحنظلِ فيجدُ طعمهُ في فيهِ لا يفطرُ. وحديثُ: "الفطرُ مما دخلَ" علَّقَهُ البخاريُّ (١) عن ابن عباسٍ، ووصلَهُ عنهُ ابنُ أبي شيبةَ (٢). وأما ما أخرجهُ أبو داودَ (٣) عنهُ ﷺ قالَ في الإثمدِ: "ليتقهِ الصائمُ" ققالَ أبو داودَ: قالَ لي يحيى بنُ معين: إنه حديث منكرٌ. [من أكل أو شرب ناسيًا] ٢٠/ ٦٢٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). - وَللْحَاكِمِ (٥): "مَنْ أَفْطَرَ في رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ وَلَا كفَّارَةَ"، وَهُوَ صَحِيحٌ. [صحيح]

стр. 1136

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ نسيَ وهوَ صائمٌ، فأكلَ أو شربَ فليتمَّ صومَه، فإنَّما أطعمهُ اللهُ وسقاهُ)، وفي روايةِ الترمذيِّ (١): "فإنَّما هو رزقٌ ساقهُ اللهُ إليهِ" (متفقٌ عليه. وللحاكمِ) أي: [عن] (٢) أبي هريرةَ: (مَنْ أفطرَ في رمضانُ ناسيًا فلا قضاءَ عليهِ ولا كفارةَ. وهوَ صحيحٌ)، وورود لفظِ: مَنْ أفطرَ يعمُّ الجماعَ، وإنَّما خصَّ الأكلَ والشربَ لكونِهما الغالبَ في النسيانِ كما قالهُ ابنُ دقيقِ العيدِ. والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ أكلَ أو شربَ أو جامعَ ناسيًا لصومهِ فإنهُ لا يفطرهُ ذلكَ لدلالةِ قولهِ: "فليتمَّ صومَهُ" على أنهُ صائمٌ حقيقةً، وهذَا قولُ الجمهور (٣)، وزيدُ بنُ عليٍّ، والباقرُ، وأحمدُ بنُ عيسى، والإمامُ يحيى، والفريقينِ. وذهبَ غيرُهم إلى أنهُ يفطرُ، قالُوا: لأنَّ الإمساكَ عن المفطراتِ ركنُ الصومِ، فحكمهُ حكمُ مَنْ نسيَ ركنًا منَ الصلاةِ، فإنَّها تجبُ عليهِ الإعادةُ وإنْ كانَ ناسيًا. وتأَوَّلُوا قولَه: "فليتمَّ صومَهُ" بأنَّ المرادَ فليتمَّ إمساكَهُ عن المفطراتِ. وأجيبَ بأنَّ قولَهُ: "فلا قضاء عليهِ ولا كفارةَ" صريحٌ في صحَّةِ صومهِ وعدمِ قضائهِ لهُ. وقدْ أَخْرجَ الدارقطنيُّ إسقاطَ القضاءِ في روايةِ أبي رافعٍ (٤)، وسعيدٍ المقبريِّ (٥)، والوليدِ بن عبدِ الرحمنِ (٦)، وعطاء بن يسارٍ (٧)، كلُّهم عنْ أبي هريرةَ. وأفتَى بهِ جماعةٌ منَ الصحابةِ، منْهم عليٌّ ﵁ وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، وابنُ عمرَ، كما قالُ ابنُ المنذرِ، وابنُ حزمٍ (٨). وفي سقوطِ القضاءِ أحاديثُ يشدُّ بعضُها بعضًا، ويتمُّ الاحتجاجُ بها. وأما القياسُ على الصلاةِ فهوَ

стр. 1137

قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ لأنهُ في مقابلةِ النصِّ، على أنهُ منازعٌ في الأصلِ. وقدْ أخرجَ أحمدُ (١) عنْ مولاةٍ لبعضِ الصحابياتِ: "أنّها كانتْ عنِدَ النبيِّ ﷺ فأُتيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ فأكلت منه، ثم تذكرتْ أنَّها كانتْ صائمةً فقالَ لها ذو اليدينِ: الآنَ بعدَ ما شبعتِ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : "أتمِّي صومَك فإنَّما هوَ رزقٌ ساقَهُ اللهُ إليكِ"، ورَوَى عبدُ الرزاقِ (٢): "أن إنسانًا جاءَ إلى أبي هريرةَ، فقالَ لهُ: أصبحتُ صائمًا وطعمتُ، فقالَ: لا بأسَ، قالَ: ثمَّ دخلتُ على إنسانٍ فنسيتُ وطعمتُ وشربت، قال: لا بأس أطعمك الله وسقاك، قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت، قالَ أبو هريرة: أنتَ إنسانٌ لم تتعوَّد الصوم. [لا يفطر الصائم بالقيء الغالب بل يفطر باستجلابه] ٢١/ ٦٣٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٣)، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ (٤)، وَقَوّاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (٥). [صحيح]

стр. 1138

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ) بالذالِ المعجمةِ، والراءِ والعينِ المهملتينِ أي: سبقهُ وغَلَبَهُ في الخروجِ، (فَلَا قضاءَ عليهِ، ومَن استقاءَ) أي: طلبَ القيءَ باختيارهِ (فعليهِ القضاءُ. رواهُ الخمسةُ، وأعلَّهُ أحمدُ) بأنهُ غلطٌ، (وقوَّاهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ البخاريُّ: لا أراهُ محفوظًا. وقدْ رُوِيَ منْ غيرِ وجهٍ ولا يصحُّ إسنادُه، وأنكرهُ أحمدُ وقالَ: ليسَ مِنْ ذا بشيء. قالَ الخطابيُّ: يريدُ أنهُ غيرُ محفوظٍ وقالَ: يقالُ صحيحٌ على شرطِهِما. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يفطرُ بالقيءِ الغالبِ لقولهِ: فلا قضاءَ عليهِ؛ إذْ عدمُ القضاءِ فرعُ الصحةِ. وعلى أنهُ يفطرُ منْ طَلَبَ القيءَ واستجْلَبَهُ، وظاهرُهُ وإنْ لم يخرجْ لهُ قيءٌ لأمرهِ بالقضاءِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ الإجماعَ (١) على أن تعمُّدَ القيءِ يفطِّرُ. قلتُ: ولكنهُ رُوِي عن ابن عباسٍ، ومالكٍ، وربيعةَ، والهادي (٢) أن القيءَ لا يفطِّرُ مطلقًا إلَّا إذا رجعَ منهُ شيءُ فإنهُ يفظرُ، وحجَّتُهم ما أخرجهُ الترمذيُّ (٣)، والبيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ (٤): "ثلاثٌ لا يُفَطِّرْنَ: القيءُ، والحجامةُ، والاحتلامُ". ويجابُ بحملهِ على مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ جمعًا بينَ الأدلةِ، وحَمْلًا للعامِّ على الخاصِّ على أن العامَّ غيرُ صحيحٍ، والخاصُّ أرجحُ منهُ سندًا، فالعملُ بهِ أَوْلَى وإنْ عارضَتْهُ البراءةُ الأصليةُ. [المسافر له أن يصوم وله أن يفطر] ٢٢/ ٦٣١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ

стр. 1139

رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، في رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَشَرِبَ، ثُمّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ". - وفَي لَفْظٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ منْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵄ أن رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ عامَ الفتحِ إلى مكة في رمضانَ)، سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ. قالَ ابنُ إسحاقَ وغيرهُ: أنهُ خرجَ يومَ العاشرِ منهُ (فصامَ حتَّى بلغَ كراعَ الغميمِ)، بضمِّ الكافِ، فراءٍ آخرَهُ مهملةٌ. والغميمُ بمعجمةٍ مفتوحةٍ، وهوَ وادٍ أمامَ عَسَفَانَ (فصامَ الناسُ، ثمَّ دعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ فرفعهُ حتَّى نظرَ الناسُ إليهِ فشربَ) لِيُعْلِمَ الناسَ بإفطارهِ، (ثمَّ قيلَ لهُ بعدَ ذلكَ: إنَّ بعضَ الناسِ قد صامَ فقالَ: أولئكَ العصاةُ، أولئك العصاة. وفي لفظٍ فقيلَ: إنَّ الناسَ قدْ شقَّ عليهمُ الصيامُ، وإنَّما ينتظرونَ فيما فعلتَ، فدعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ بعدَ العصرِ فشربَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أن المسافرُ لهُ أنْ يصومَ، ولهُ أن يفطرَ، وأنَّ له الإفطارَ وإنْ صامَ أكثرَ النهارِ، وخالفَ في الطرفِ الأولِ داودُ (٢) والإماميةُ فقالُوا: لا يجزئُ المسافر الصومُ لقولِه تَعَالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، ولقولهِ: "أولئك العصاةُ"، [ولقولهِ] (٤): "ليسَ منَ البرِّ الصيامُ في السفر" (٥)، وخالفَهمُ

стр. 1140

الجماهيرُ فقالُوا: يجزئُه صومُه لفعلِه ﷺ . والآيةُ لا دليلَ فيها على عدمِ الإجزاءِ. وقولُهُ: "أولئكَ العصاةُ" إنَّما هوَ لمخالفتهم لأمرهِ بالإفطارِ، وقدْ تعيَّنَ عليهمْ. وفيه أنهُ ليسَ في الحديثِ أنهُ أمرَهمْ وإنَّما يتمُّ على أنَّ فعلَه يقتضي الوجوبَ. وأما حديثُ: "ليسَ منَ البرِّ" فإنَّما قالهُ ﷺ فيمَنْ شقَّ عليهِ الصيامُ. نعمْ يتمُّ الاستدلالُ بتحريمِ الصومِ في السفرِ علَى مَنْ شقَّ عليهِ فإنهُ إنَّما أفطرَ ﷺ لقولِهم إنَّهم قدْ شقَّ عليهمْ الصيامُ فالذين صامُوا بعدَ ذلكَ وصفَهم بأنَّهمْ عصاةٌ. وأما جوازُ الإفطارِ وإنْ صامَ أكثرَ النَّهارِ، فذهبَ أيضًا إلى جوازهِ الجماهيرُ، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على صحةِ الحديثِ، وهذَا إذا نوى الصيامَ في السفرِ، وأما إذا دخلَ فيهِ وهوَ مقيمٌ ثمَّ سافرَ في أثناءِ يومِه فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ليسَ لهُ الإفطارُ، وأجازَهُ أحمدُ، وإسحاق، وغيرُهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ مسافرٌ (١)، وأما الأفضلُ فذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ إلى أنَّ الصومَ أفضلُ للمسافرِ (٢) حيثُ لا مشقةَ عليهِ ولا ضررَ، فإنْ تضررَ فالفطرُ أفضلُ. وقالَ أحمدُ وإسحاقُ وآخرونَ: الفطرُ أفضلُ مطلقًا، واحتجُّوا بالأحاديثِ التي احتجَّ بها مَنْ قالَ: لا يجزئُ الصومُ، قالُوا: وتلكَ الأحاديثُ وإنْ دلَّتْ على المنعِ لكنَّ حديثَ حمزةَ بن عمرٍو الآتي (٣)، وقولَهُ: "مَنْ أحبَّ أنْ يصومَ فلا جناحَ عليهِ" أفادَ بنفيهِ الجناحَ أنهُ لا بأسَ بهِ لا أنهُ محرَّمٌ ولا أفضلُ، واحتجَّ مَنْ قَالَ: بأنَّ الصومَ الأفضلُ أنهُ كانَ غالبَ فعلهِ ﷺ في أسفارهِ. ولا يُخفَى أنهُ لا بدَّ مِنَ الدليلِ على الأكثريةِ. وتأوَّلُوا أحاديثَ المنعِ بأنهُ لمنْ شُقَّ عليهِ الصومُ. وقالَ آخرونَ: الصومُ والإفطارُ سواءٌ لتعادلِ الأحاديثِ في ذلكَ، وهوَ ظاهرُ حديثِ أنسٍ (٤): "سافرْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ فلمْ يُعِبِ الصائمَ على المفطرِ، ولا المفطرَ على الصائمِ"، وظاهرهُ التسويةُ.

стр. 1141

[أيهما أفضل في السفر الفطر أم الصوم؟] ٢٣/ ٦٣٢ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني أَجِدُ فيَّ قُوّةً عَلَى الصِّيَامِ في السّفَرِ، فَهَلْ عَلَيّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَأَصْلُهُ في الْمُتَّفقِ عَلَيْهِ (٢) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ ابْنُ عَمْرٍو سَأَلَ. [صحيح] (وعنْ حمزةَ بن عمروِ الأسلميِّ) (٣) هوَ أبو صالح أو أبو محمد، حمزةُ بالحاءِ المهملةِ وزاي معجمة يُعَدُّ في أهلِ الحجازِ، رَوَى عنهُ ابنُه محمدٌ وعائشةُ وغيرهما، ماتَ سنةَ إحدى وستينَ ولهُ ثمانونَ سنةً (أنهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ، إني أجدُ فيَّ قوةً على الصيامِ في السفرِ فهلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقالَ رسول اللهِ ﷺ : هي رخصةٌ منَ اللهِ فمن أخذها فَحَسَنٌ، ومنْ أحبَّ أنْ يصومُ فلا جنَاحٌ عليه. رواة مسلمٌ، وأصلُه في المتفقِ منْ حديثِ عائشةَ أن حمزَة بن عمرٍو سأل)، وفي لفظِ مسلمٍ (٤): "إني رجلٌ أسردُ الصومَ أفأصومُ في السفرِ؟ قالَ: صُمْ إنْ شئتَ، وأفطرْ إنْ شئتَ". ففي هذا اللفظِ دلالةٌ على أنّهما سواءٌ، وتقدمَ الكلامُ في ذلك. وقد استدلَّ بالحديثِ مَنْ يَرى أنهُ لا يكرهُ صومُ الدهرِ، وذلكَ أنهُ أخبرَ أنهُ يسردُ الصومَ فأقرَّهُ ولم ينكرْ عليه وهوَ في السفرِ ففي الحضَرِ بالأَوْلَى، وذلك إذا كان لا يضعُفُ بهِ عنْ واجبٍ، ولا يفوتُ بسببهِ عليه حقٌّ، وبشرطِ فطرهِ العيدينِ والتشريقِ، وأما إنكارهُ ﷺ
следующие страницы →