← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1137–1176 · переход к 1142.

стр. 1137

قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ لأنهُ في مقابلةِ النصِّ، على أنهُ منازعٌ في الأصلِ. وقدْ أخرجَ أحمدُ (١) عنْ مولاةٍ لبعضِ الصحابياتِ: "أنّها كانتْ عنِدَ النبيِّ ﷺ فأُتيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ فأكلت منه، ثم تذكرتْ أنَّها كانتْ صائمةً فقالَ لها ذو اليدينِ: الآنَ بعدَ ما شبعتِ، فقالَ لها النبيُّ ﷺ : "أتمِّي صومَك فإنَّما هوَ رزقٌ ساقَهُ اللهُ إليكِ"، ورَوَى عبدُ الرزاقِ (٢): "أن إنسانًا جاءَ إلى أبي هريرةَ، فقالَ لهُ: أصبحتُ صائمًا وطعمتُ، فقالَ: لا بأسَ، قالَ: ثمَّ دخلتُ على إنسانٍ فنسيتُ وطعمتُ وشربت، قال: لا بأس أطعمك الله وسقاك، قال: ثم دخلت على آخر فنسيت فطعمت، قالَ أبو هريرة: أنتَ إنسانٌ لم تتعوَّد الصوم. [لا يفطر الصائم بالقيء الغالب بل يفطر باستجلابه] ٢١/ ٦٣٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيهِ الْقَضَاءُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٣)، وَأَعَلَّهُ أَحْمَدُ (٤)، وَقَوّاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (٥). [صحيح]

стр. 1138

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ) بالذالِ المعجمةِ، والراءِ والعينِ المهملتينِ أي: سبقهُ وغَلَبَهُ في الخروجِ، (فَلَا قضاءَ عليهِ، ومَن استقاءَ) أي: طلبَ القيءَ باختيارهِ (فعليهِ القضاءُ. رواهُ الخمسةُ، وأعلَّهُ أحمدُ) بأنهُ غلطٌ، (وقوَّاهُ الدارقطنيُّ)، وقالَ البخاريُّ: لا أراهُ محفوظًا. وقدْ رُوِيَ منْ غيرِ وجهٍ ولا يصحُّ إسنادُه، وأنكرهُ أحمدُ وقالَ: ليسَ مِنْ ذا بشيء. قالَ الخطابيُّ: يريدُ أنهُ غيرُ محفوظٍ وقالَ: يقالُ صحيحٌ على شرطِهِما. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يفطرُ بالقيءِ الغالبِ لقولهِ: فلا قضاءَ عليهِ؛ إذْ عدمُ القضاءِ فرعُ الصحةِ. وعلى أنهُ يفطرُ منْ طَلَبَ القيءَ واستجْلَبَهُ، وظاهرُهُ وإنْ لم يخرجْ لهُ قيءٌ لأمرهِ بالقضاءِ. ونقلَ ابنُ المنذرِ الإجماعَ (١) على أن تعمُّدَ القيءِ يفطِّرُ. قلتُ: ولكنهُ رُوِي عن ابن عباسٍ، ومالكٍ، وربيعةَ، والهادي (٢) أن القيءَ لا يفطِّرُ مطلقًا إلَّا إذا رجعَ منهُ شيءُ فإنهُ يفظرُ، وحجَّتُهم ما أخرجهُ الترمذيُّ (٣)، والبيهقي بإسنادٍ ضعيفٍ (٤): "ثلاثٌ لا يُفَطِّرْنَ: القيءُ، والحجامةُ، والاحتلامُ". ويجابُ بحملهِ على مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ جمعًا بينَ الأدلةِ، وحَمْلًا للعامِّ على الخاصِّ على أن العامَّ غيرُ صحيحٍ، والخاصُّ أرجحُ منهُ سندًا، فالعملُ بهِ أَوْلَى وإنْ عارضَتْهُ البراءةُ الأصليةُ. [المسافر له أن يصوم وله أن يفطر] ٢٢/ ٦٣١ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ

стр. 1139

رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ، في رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَشَرِبَ، ثُمّ قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: "أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ". - وفَي لَفْظٍ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ منْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵄ أن رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ عامَ الفتحِ إلى مكة في رمضانَ)، سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ. قالَ ابنُ إسحاقَ وغيرهُ: أنهُ خرجَ يومَ العاشرِ منهُ (فصامَ حتَّى بلغَ كراعَ الغميمِ)، بضمِّ الكافِ، فراءٍ آخرَهُ مهملةٌ. والغميمُ بمعجمةٍ مفتوحةٍ، وهوَ وادٍ أمامَ عَسَفَانَ (فصامَ الناسُ، ثمَّ دعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ فرفعهُ حتَّى نظرَ الناسُ إليهِ فشربَ) لِيُعْلِمَ الناسَ بإفطارهِ، (ثمَّ قيلَ لهُ بعدَ ذلكَ: إنَّ بعضَ الناسِ قد صامَ فقالَ: أولئكَ العصاةُ، أولئك العصاة. وفي لفظٍ فقيلَ: إنَّ الناسَ قدْ شقَّ عليهمُ الصيامُ، وإنَّما ينتظرونَ فيما فعلتَ، فدعا بِقَدَحٍ منْ ماءٍ بعدَ العصرِ فشربَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أن المسافرُ لهُ أنْ يصومَ، ولهُ أن يفطرَ، وأنَّ له الإفطارَ وإنْ صامَ أكثرَ النهارِ، وخالفَ في الطرفِ الأولِ داودُ (٢) والإماميةُ فقالُوا: لا يجزئُ المسافر الصومُ لقولِه تَعَالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣)، ولقولهِ: "أولئك العصاةُ"، [ولقولهِ] (٤): "ليسَ منَ البرِّ الصيامُ في السفر" (٥)، وخالفَهمُ

стр. 1140

الجماهيرُ فقالُوا: يجزئُه صومُه لفعلِه ﷺ . والآيةُ لا دليلَ فيها على عدمِ الإجزاءِ. وقولُهُ: "أولئكَ العصاةُ" إنَّما هوَ لمخالفتهم لأمرهِ بالإفطارِ، وقدْ تعيَّنَ عليهمْ. وفيه أنهُ ليسَ في الحديثِ أنهُ أمرَهمْ وإنَّما يتمُّ على أنَّ فعلَه يقتضي الوجوبَ. وأما حديثُ: "ليسَ منَ البرِّ" فإنَّما قالهُ ﷺ فيمَنْ شقَّ عليهِ الصيامُ. نعمْ يتمُّ الاستدلالُ بتحريمِ الصومِ في السفرِ علَى مَنْ شقَّ عليهِ فإنهُ إنَّما أفطرَ ﷺ لقولِهم إنَّهم قدْ شقَّ عليهمْ الصيامُ فالذين صامُوا بعدَ ذلكَ وصفَهم بأنَّهمْ عصاةٌ. وأما جوازُ الإفطارِ وإنْ صامَ أكثرَ النَّهارِ، فذهبَ أيضًا إلى جوازهِ الجماهيرُ، وعلَّقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على صحةِ الحديثِ، وهذَا إذا نوى الصيامَ في السفرِ، وأما إذا دخلَ فيهِ وهوَ مقيمٌ ثمَّ سافرَ في أثناءِ يومِه فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ ليسَ لهُ الإفطارُ، وأجازَهُ أحمدُ، وإسحاق، وغيرُهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ مسافرٌ (١)، وأما الأفضلُ فذهبتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ إلى أنَّ الصومَ أفضلُ للمسافرِ (٢) حيثُ لا مشقةَ عليهِ ولا ضررَ، فإنْ تضررَ فالفطرُ أفضلُ. وقالَ أحمدُ وإسحاقُ وآخرونَ: الفطرُ أفضلُ مطلقًا، واحتجُّوا بالأحاديثِ التي احتجَّ بها مَنْ قالَ: لا يجزئُ الصومُ، قالُوا: وتلكَ الأحاديثُ وإنْ دلَّتْ على المنعِ لكنَّ حديثَ حمزةَ بن عمرٍو الآتي (٣)، وقولَهُ: "مَنْ أحبَّ أنْ يصومَ فلا جناحَ عليهِ" أفادَ بنفيهِ الجناحَ أنهُ لا بأسَ بهِ لا أنهُ محرَّمٌ ولا أفضلُ، واحتجَّ مَنْ قَالَ: بأنَّ الصومَ الأفضلُ أنهُ كانَ غالبَ فعلهِ ﷺ في أسفارهِ. ولا يُخفَى أنهُ لا بدَّ مِنَ الدليلِ على الأكثريةِ. وتأوَّلُوا أحاديثَ المنعِ بأنهُ لمنْ شُقَّ عليهِ الصومُ. وقالَ آخرونَ: الصومُ والإفطارُ سواءٌ لتعادلِ الأحاديثِ في ذلكَ، وهوَ ظاهرُ حديثِ أنسٍ (٤): "سافرْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ فلمْ يُعِبِ الصائمَ على المفطرِ، ولا المفطرَ على الصائمِ"، وظاهرهُ التسويةُ.

стр. 1141

[أيهما أفضل في السفر الفطر أم الصوم؟] ٢٣/ ٦٣٢ - وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني أَجِدُ فيَّ قُوّةً عَلَى الصِّيَامِ في السّفَرِ، فَهَلْ عَلَيّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَأَصْلُهُ في الْمُتَّفقِ عَلَيْهِ (٢) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ ابْنُ عَمْرٍو سَأَلَ. [صحيح] (وعنْ حمزةَ بن عمروِ الأسلميِّ) (٣) هوَ أبو صالح أو أبو محمد، حمزةُ بالحاءِ المهملةِ وزاي معجمة يُعَدُّ في أهلِ الحجازِ، رَوَى عنهُ ابنُه محمدٌ وعائشةُ وغيرهما، ماتَ سنةَ إحدى وستينَ ولهُ ثمانونَ سنةً (أنهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ، إني أجدُ فيَّ قوةً على الصيامِ في السفرِ فهلْ عليَّ جُنَاحٌ؟ فقالَ رسول اللهِ ﷺ : هي رخصةٌ منَ اللهِ فمن أخذها فَحَسَنٌ، ومنْ أحبَّ أنْ يصومُ فلا جنَاحٌ عليه. رواة مسلمٌ، وأصلُه في المتفقِ منْ حديثِ عائشةَ أن حمزَة بن عمرٍو سأل)، وفي لفظِ مسلمٍ (٤): "إني رجلٌ أسردُ الصومَ أفأصومُ في السفرِ؟ قالَ: صُمْ إنْ شئتَ، وأفطرْ إنْ شئتَ". ففي هذا اللفظِ دلالةٌ على أنّهما سواءٌ، وتقدمَ الكلامُ في ذلك. وقد استدلَّ بالحديثِ مَنْ يَرى أنهُ لا يكرهُ صومُ الدهرِ، وذلكَ أنهُ أخبرَ أنهُ يسردُ الصومَ فأقرَّهُ ولم ينكرْ عليه وهوَ في السفرِ ففي الحضَرِ بالأَوْلَى، وذلك إذا كان لا يضعُفُ بهِ عنْ واجبٍ، ولا يفوتُ بسببهِ عليه حقٌّ، وبشرطِ فطرهِ العيدينِ والتشريقِ، وأما إنكارهُ ﷺ

стр. 1142

على ابن عمرٍ صومَ الدهرِ (١) فلا يعارضُ هذا إلا أنه علمَ ﷺ أنهُ سيضعفُ عنهُ، وهكذا كان فإنهُ ضعُفَ آخرَ عمرِه، وكانَ يقولُ: يا ليتني قبلتُ رخصةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكان ﷺ يحبُّ العملَ الدائمَ وإنْ قلَّ ويحثُّهم عليهِ. [حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام] ٢٤/ ٦٣٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ: "أَنْ يُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (٢)، وَالْحَاكِمُ (٣)، وَصَحَّحَاهُ. [صحيح بشواهده] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: رُخِّصَ للشيخِ الكبيرِ أنْ يفطرَ ويُطعِمَ عنْ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليهِ، رواهُ الدارقطنيُّ والحاكمُ وصحَّحاهُ). اعلمْ أنهُ اختلفَ الناسُ في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٤)؛ فالمشهور أنَّها منسوخةٌ، وأنهُ كانَ أولَ فرضِ الصيامِ أن مَنْ شاءَ أطعمَ مسكينًا وأفطرَ، ومنْ شاءَ صامَ، ثمَّ نسختْ بقولِه تعالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٥)، وقيلَ بقولهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٦) وقالَ قومٌ: هي غيرُ منسوخةٍ، منْهم ابنُ عباسٍ كما هنا، ورُوِيَ عنهُ أنهُ كانَ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (٤) أي: يُكَلَّفُونَهُ ولا يطيقونه ويقولُ: ليستْ بمنسوخةٍ، هي للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الهرمةِ، وهذَا هوَ الذي أخرجَهُ عنهُ مَنْ ذكرهُ المصنفُ، وفي سننِ الدارقطنيِّ (٧) عن ابن عباس ﵁: "وعلى الذينَ يطيقونَهُ فديةٌ طعامُ مسكينٍ واحدٍ فمنْ تطوَّعَ خيرًا، قال: زادَ مسكينًا آخرَ فهو خيرٌ لهُ، قالَ: وليستْ منسوخةً إلا أنهُ رُخّصَ للشيخِ الكبيرِ الذي لا

стр. 1143

يستطيعُ الصيامُ". إسنادُه صحيحْ ثابتٌ، وفيهِ (١) أيضًا: "لا يُرَخَّصُ في هذا إلا للكبيرِ الذي لا يطيقُ الصيامَ أو مريضٍ لا يُشْفَى"، قالَ: وهذا صحيحْ وعيَّنَ في روايةٍ (٢) قدْرَ الإطعامِ وأنهُ نصفُ صالحٍ منْ حنطةٍ. وأخرجَ أيضًا (٣): "عن ابن عباسٍ، وابنِ عمرَ في الحاملِ والمرضعِ أنَّهما يفطرانِ ولا قضاءَ"، وأخرجَ مثلَه عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ (٤)، وأنَّهما يطعمانِ كلَّ يومٍ مسكينًا. وأخرجَ (٥): "عنْ أنسِ بن مالكٍ أنهُ ضعفَ عامًا عن الصومِ، فصنعَ جفنةً منْ ثريدٍ، فدعا ثلاثينَ مسكينًا فأشبعَهم". وفي المسألةِ خلافٌ بينَ السلفَ، فالجمهورُ (٦) أَنَّ الإطعامَ لازمٌ في حقِّ مَنْ لم يطقِ الصيامَ لِكِبَرٍ منسوخٌ في غيرِهِ. وقالَ جماعةٌ منَ السلفِ: الإطعامُ منسوخٌ وليسَ على الكبيرِ إذا لم يطقِ الصيامَ إطعامٌ (٧). وقالَ مالكٌ (٨): يستحبُّ لهُ الإطعامُ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والأظهرُ ما قالَهُ ابنُ عباسٍ، والمرادُ بالشيخ العاجزُ عن الصومِ. ثمَّ الظاهرُ أن حديثَه موقوفٌ، ويحتملُ أن المرادَ رَخَّصَ النبيُّ ﷺ فَغَيَّرَ الصيغةَ للعلمِ بذلكَ؟ فإنَّ الترخيصَ إنَّما يكونُ توْقِيفًا، وفيه أنه يحتملُ أنهُ فهمهُ ابنُ عباسٍ منَ الآيةِ وهوَ الأقربُ. كفارة المجامع في رمضان ٢٥/ ٦٣٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرأَتي فِي رَمَضَانَ، فَقَال: "هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَينِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ

стр. 1144

مِسكِينًا؟ "، قَالَ: لَا، ثُمّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: (تَصَدَّق بِهذَا"، فَقَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنا، فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حَتى بَدَتْ أَنْيَابَهُ، ثُمّ قَالَ: "اذْهَبْ فَأَطْعِمهُ أَهْلَكَ"، رَوَاهُ السَّبْعَةُ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: جاءَ رجلٌ) هوَ سلمةُ أو سلمانُ بنُ صخرٍ البياضي (٢)، (إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: هلكْتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: وما أهلكَكَ؟ قالَ: وقعتُ على امرأتي في رمضانَ، قالَ: هلْ تجدُ ما تعتقُ رقبةً) بالنصبِ بدلٌ منْ ما (قالَ: لا، قالَ: فهلْ تستطيعُ أنْ تصومَ شهرينِ متتابعينِ؟ قالَ: لا، قالَ: فهلْ تجدُ ما تطعِمُ ستينَ مسكينًا) الجمهورُ أنَّ لكلِّ مسكينٍ مدًّا منْ طعامٍ ربعَ صاعٍ (قالَ: لا، ثمَّ جلسَ فَأُتيَ) بضمِّ الهمزةِ مغيرُ الصيغةِ (النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ) وهو المكيل الضخم بفتح العينِ المهملةِ والراءِ ثمَّ قافٍ (فيهِ تمرٌ). وردَ في روايةٍ (٣) في غيرِ الصحيحينِ: فيهِ خمسةَ عشرَ صاعًا، وفي أُخْرَى (٤) عشرونَ، (فقالَ: تصدَّقْ بهذَا، قال: أعلى أفقرَ منَّا فما بينَ لابَتَيها) تثنيةُ لابةٍ وهي الحرَّةُ، ويقالُ فيها لوبةُ ونوبةُ بالنونِ وهي غيرُ مهموزةٍ (أهل بيتٍ أحوجُ إليهِ منَّا فضحكَ النبيُّ ﷺ حتَّى بَدتْ انيابُهُ، ثمَّ قالَ: اذهبْ فأطعمْهُ أهْلَك. رواهُ السبعةُ، واللفظُ لمسلمٍ). الحديثُ دليل على وجوبِ الكفارةِ على مَنْ جامعَ في نهارِ رمضانَ عامدًا، وذكرَ النوويُّ أنهُ إجماعٌ معسرًا كانَ أو

стр. 1145

موسِرًا؛ فالمعسِرُ تثبتُ [الكفارة] (١) في ذمتهِ على أحدِ قولينِ للشافعيةِ، ثانيْهمَا لا تستقرُّ في ذمتهِ لأنهُ ﷺ لم يبيِّنْ لهُ أنَّها باقيةٌ عليهِ. واختُلِفَ في الرقبةِ فإنَّها هنا مطلقةٌ، فالجمهورُ قَيَّدُوها بالمؤمنةِ حملًا للمطلقِ هنا عَلى المقيَّدِ في كفَّارَةِ القَتْلِ قَالُوا: لِأنّ كَلامَ اللَّهِ في حُكمِ الخِطابِ الوَاحِدِ فَيتَرتّبُ فِيه المُطْلَقُ عَلى المقيَّدِ. وقَالتِ الحنفيَّةُ: لَا يُحْمَلُ المُطْلَقُ على المقيدَ مطلقًا، فتجزئُ الرقبةُ الكافرةُ. وقيلَ: يفصَّلُ في ذلكَ، وهوَ أنهُ يقيدُ المطلقُ إذا اقتضَى القياسُ التقييدَ فيكونُ تقييدًا بالقياسِ كالتخصيصِ بالقياسِ، وهوَ مذهبُ الجمهورِ، والعلةُ الجامعةُ هنا هوَ أن جميعَ ذلكَ كفارةٌ عنْ ذنبٍ مكفرٍ للخطيئةِ، والمسألةُ مبسوطةٌ في الأصولِ. ثمَّ [إن] (٢) الحديثُ ظاهرٌ في أن الكفارةَ مرتبةٌ على ما ذُكِرَ في الحديثِ، فلا يجزئُ العدولُ إلى الثاني معَ إمكانِ الأولِ، ولا إلى الثالثِ معَ إمكانِ الثاني لوقوعهِ مُرَتَّبًا في روايةِ الصحيحينِ. وَرَوَى الزُّهريُّ الترتيبَ عنْ ثلاثينَ نفسًا أوْ أكثرَ. ورواية التخييرِ مرجوحةٌ معَ ثبوتِ الترتيبِ في الصحيحينِ. ويؤيدُ روايةَ الترتيب أنهُ الواقعُ في كفارةِ الظهارِ، وهذهِ الكفارةُ شبيهةٌ بها. وقولُه: "ستينَ مسكينًا" ظاهر مفهومه أنهُ لا يجزئُ إلا إطعامُ هذَا العدد فلا يجزئُ أقلُّ منْ ذلكَ. وقالتِ الحنفيةُ: يجزئُ الصرفُ في واحدٍ، ففي القَدُورِيِّ منْ كتُبِهمْ فإنْ أطعمَ مسكينًا واحدًا ستينَ يومًا أجزأَه عندَنا، وإنْ أعطاهُ في يومٍ واحدٍ [لا يجزه] (٣) إلَّا عنْ يومهِ. وقولُه: "اذهبْ فأطعمْه أهلَكَ"، فيهِ قولانِ للعلماءِ هما: أنَّ هذهِ كفارةٌ، ومنْ قاعدةِ الكفاراتِ أنْ لا تصرفَ في النفس لكنهُ ﷺ خصَّهُ بذلكَ، وردَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ الخصوصيةِ. الثاني: أن الكفارةَ ساقطةٌ عنهُ لإعسارهِ، ويدلُّ له حديثُ عليٍّ ﵇: "كُلْهُ أنتَ وعيالُك فقدْ كفَّر الله عنكَ" (٤) إلَّا أنهُ حديثٌ ضعيفٌ، أو أنَّها باقيةٌ في ذمتهِ، والذي أعطاهُ ﷺ صدقةٌ عليهِ وعلى أهلهِ لما عَرفَهُ ﷺ منْ حاجتِهم. وقالتِ

стр. 1146

الهادويةُ (١) وجماعةٌ: إنَّ الكفارةَ غيرُ واجبةٍ أصلًا على موسرٍ ولا معسرٍ. قالُوا: لأنهُ أباحَ لهُ أنْ يأكلُ منْها ولوْ كانتْ واجبةً لما جازَ ذلكَ وهوَ استدلالٌ غيرُ ناهضٍ، لأنَّ المرادَ ظاهرٌ في الوجوبِ، وإباحةُ الأكل لا تدلُّ على أنَّها كفارةٌ بلْ فيها الاحتمالاتُ التي سلفتْ. واستدلَّ المهدي في البحرِ (٢) كلى عدمِ وجوب الكفارةِ بأنهُ ﷺ قالَ للمُجامِعِ: "استغفرِ اللَّهَ وثمْ يومًا مكانَهُ" (٣) ولم يذكرْها. وأَجيبَ عنهُ بأنها قد ثبتت روايةُ الأمرِ بها عندَ السبعةِ بهذَا الحديثِ المذكورِ هُنَا. واعلم أنهُ لم يأمْرهُ في هذهِ الروايةِ بقضاءِ اليومِ الذي جامعَ فيهِ إلَّا أنهُ وردَ في روايةٍ [أخرى] (٤) أخرجَها أبو داودَ (٥) عن أبي هريرةَ بلفظِ: "كُلْهُ أنتَ وأهلُ بيتك وصمْ يومًا واستغفرِ الله". وإلى وجوب القضاءِ ذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ لعمومِ قولهِ تعالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦). (وفي) قولٍ للشافعيِّ: أنهُ لا قضاءَ لأنهُ ﷺ لمْ يأمرْهُ إلا بالكفارةِ لا غيرُ. (وأجيبَ) بأنهُ اتكلَ ﷺ على ما علمَ منَ الآيةِ. هذا حكمُ ما يجبُ على الرجلِ. وأما المرأةُ التي جامعَها فقد استدلَّ بهذَا الحديثِ أنهُ لا يلزمُ إلا كفارةٌ واحدةٌ، وأنَّها لا تجبُ على الزوجةِ، وهوَ الأصحُّ منْ قولي الشافعيِّ، وبهِ قال الأوزاعي. وذهبَ الجمهورُ (٧) إلى وجوبِها على المرأةِ أيضًا قالُوا: وإنَّما لم يذكرْها النبيُّ ﷺ معَ الزوجِ لأنَّها لم تعترفْ واعترافُ الزوجِ لا يوجبُ عليْها الحكمَ، أو لاحتمالِ أن المرأةَ لم تكنْ صائمةً بأنْ تكونَ طاهرةً منَ الحيضِ بعدَ طلوعِ الفجرِ، أوْ أن بيانَ الحكمِ في حقِّ الرجلِ يثبتُ الحكمَ في حقِّ المرأةِ أيضًا لما عُلِمَ منْ تعميمِ الأحكامِ، أوْ أنهُ عَرَفَ فقرَها كما ظهرَ منْ حالِ زوجِها. (واعلمْ) أن هذا حديثٌ جليلٌ كثيرُ الفوائدِ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري (٨): إنهُ قد اعتنَى بعضُ المتأخرينَ ممنْ أدركَ شيوخنَا بهذا الحديثِ فتكلَّمَ عليهِ في مجلدينِ جمعَ فيهما ألفَ فائدةٍ وفائدةٍ، انتهَى. وما ذكرْناهُ فيهِ

стр. 1147

كفايةٌ لِمَا فيهِ منَ الأحكامِ وقدْ طوَّلَ الشارحُ فيهِ ناقلًا منْ فتحِ الباري. من أصبح جنبًا في الصيام فلا شيء عليه ٢٦/ ٦٣٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ وَأمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبيّ ﷺ كَانَ يُصْبحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١)، وَزَادَ مُسْلِمٌ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ (٢): وَلَا يَقْضِي. [صحيح] (وعنْ عائشةَ وأمِّ سلمةَ ﵄ أن النبيَّ ﷺ كانَ يصبحُ جُنُبًا منْ جماعٍ ثم يغتسلُ ويصومُ. متفقٌ عليهِ. وزادَ مسلمٌ في حديثِ أمِّ سَلَمة: ولا يقضي). فيهِ دليلٌ على صِحَّةِ صومِ مَنْ أصبحَ أي دَخَلَ في الصباحِ وهوَ جُنُبٌ منْ جماعٍ، والى هذا ذهبَ الجمهورُ (٣). وقالَ النوويُّ: إنهُ إجماعٌ، وقدْ عارضَه ما أخرجَهُ أحمدُ (٤)، وابنُ حِبَّانَ (٥) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا نُودِيَ

стр. 1148

للصلاةِ صلاةِ الصبحِ وأحدُكم جُنُبٌ فلا يصمْ يومَهُ". وأجابَ الجمهورُ: بأنهُ منسوخٌ وأنَّ أبا هريرةَ رجعَ عنهُ لمَّا رُوِيَ لهُ حديثُ عائشةَ وأمِّ سلمةَ وأفتَى بقولِهِمَا. ويدلُّ للنسخِ ما أخرجَهُ مسلمٌ (١)، وابنُ حبانَ (٢)، وابنُ خزيمةَ (٣) عنْ عائِشةَ: "أن رجلًا جاءَ إلى النبيِّ ﷺ يستفتيهِ وهي تسمعُ منْ وراءِ حجابٍ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، تدركُني الصلاةُ أي: صلاةُ الصبحِ وأنا جُنُبٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "وأنا يدركني الصبح وأنا جُنُبٌ فأصومُ"، قالَ: لستَ مثلَنا يا رسول اللَّهِ، قدْ غفرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ منْ ذنبِكَ وما تأَخَّر، فقالَ: "واللَّهِ إني لأَرْجُو أنْ أكُونَ أخشاكم للَّهِ وأعلمَكم بما أتقي". وقد ذهبَ إلى النسخِ ابنُ المنذرِ والخطابي وغيرُهما، وهذا الحديثُ يدفعُ قولَ مَنْ قالَ: إنَّ ذلكَ كانَ خاصًّا بهِ ﷺ ، وردَّ البخاريُّ حديثَ أبي هريرةَ: بأنَّ حديثَ عائشةَ أقوى سندًا (٤) حتَّى قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): إنهُ صحَّ وتواترَ، وأما حديثُ أبي هريرةَ فأكثرُ الرواياتِ أنهُ كانَ يفتي بهِ، وروايةُ الرفعِ أقلُّ، ومعَ التعارضِ يُرَجَّحُ لقوةِ الطريقِ (٦). الصوم عن الغير ٢٧/ ٦٣٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح]. (وعنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قالَ: مَنْ ماتَ وعليهِ صومٌ صامَ عنهُ وليُّهُ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يجزئُ الميتَ صيامُ وليِّهِ عنهُ إذا ماتَ وعليه صومٌ واجبٌ، والإخبارُ في معنَى الأمرِ، أي: [فليصمْ] (٨) عنهُ وليُّه، والأصلُ فيهِ الوجوبُ إلَّا أنهُ قد ادَّعَى الإجماعَ على أنهُ للندبِ. والمرادُ منَ المولَى كلُّ قريبٍ

стр. 1149

وقيلَ: الوارثُ خاصةً، وقيلَ: عصبتهُ. وفي المسألةِ خلافٌ، فقالَ أصحابُ الحديثِ وأبو ثورٍ وجماعةٌ: إنهُ يجزئُ صومُ الوليِّ عن الميتِ لهذَا الحديثِ الصحيحِ (١). وذهبت جماعةٌ منَ الآلِ ومالكٌ وأبو حنيفةَ أنه لا يصام عن الميتِ، وإنَّما الواجبُ الكفارةُ لما أخرجهُ الترمذيُّ (٢) منْ حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا: "مَنْ ماتَ وعليهِ صيامٌ أُطْعِمَ عنهُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينٌ"، إلَّا أنهُ قالَ بعدَ إخراجهِ: غريبٌ لا نعرفُه إلا من هذا الوجهِ، والصحيحُ أنهُ موقوفٌ على ابن عمرَ. قالُوا: ولأنهُ وردَ عن ابن عباسٍ وعائشةَ الفتيا بالإطعامِ، ولأنهُ الموافقُ لسائرِ العباداتِ، فإنهُ لا يقومُ بها مكلَّفٌ عنْ مكلَّفٍ، والحج مخصوصٌ. [والجواب] (٣) بأنَّ الآثارَ المرويةَ [منْ فُتْيا] (٤) عن عائشةَ وابنِ عباس ﵃ لا تُقاوِمُ الحديثَ الصحيحَ. وأما قيامُ مكلَّفٍ بعبادةٍ عنْ غيرهِ فقدْ ثبتَ في الحجِّ بالنصِّ الثابتِ فليثبت في الصومِ بهِ فلا عذرَ عن العملِ بهِ، واعتذارُ المالكيةِ عنهُ بعدمِ عملِ أهلِ المدينةِ بهِ مبنيٌّ على أن تركَهُمُ العملَ بالحديثِ حجةٌ وليسَ كذلكَ كما عرفَ في الأصولِ، وكذلكَ اعتذارُ الحنفيةِ بأنَّ الراويَ أفتَى بخلافِ ما رُوِيَ عذرٌ غيرُ مقبولٍ إذِ العبرةُ بما رَوَى لا بما رَأَى كما عُرِفَ فيها أيضًا. ثمَّ اختلَفَ القائلونَ بإجزاءِ الصيامِ عن الميتِ هلْ يختصُّ ذلكَ بالولي [أم لا] (٥)؟ فقيلَ: لا يختصُّ بالوليِّ بلْ لو صامَ عنهُ الأجنبيُّ بأمرِهِ أجزأ كما في الحجِّ، وإنَّما ذُكِرَ الوليُّ في الحديثِ للغالبِ. وقيلَ: يصحُّ أنْ يستقلَّ بهِ الأجنبيُّ بغيرِ أمرٍ لأنهُ [قدْ] (٦) شبَّههُ النبيُّ ﷺ بالدَّيْنِ حيثُ قالَ: "فدينُ اللَّهِ أحقُّ أنْ يُقْضَى"، فكما أن الدَّيْنَ لا يختصُّ بقضائهِ القريبُ فالصومُ مثلُه وللقريبِ أنْ يستنيبَ (٧).

стр. 1150

[الباب الأول] بابُ صومِ التطوعِ وما نُهِيَ عنْ صَوْمِه فضل صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الاثنين ١/ ٦٣٧ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِي - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ"، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: "يُكَفرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ"، وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، فَقَالَ: "ذَلِكَ يَومٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَى فِيهِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (عنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ﵁ أن رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عنْ صومِ يومِ عرفةَ فقالَ: يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ والباقيةَ، وسئلَ عنْ صومِ يومِ عاشوراءَ فقالَ: يكفِّرُ السنةَ الماضيةَ، وسئلَ عنْ صومِ يومِ الاثنينِ فقالَ: ذلكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ أو بعثتُ فيهِ، وأنزلَ عليَّ فيهِ. رواهُ مسلمٌ). قدِ استُشكلَ تكفيرُ ما لا يقعْ وهو ذنب الآتية، وأجيبَ بأنَّ المرادَ: أنهُ يُوفق فيهِ لعدم الإتْيانِ بذَنْب، وسَمَّاهُ تَكفيرًا لمُناسبةِ المَاضيةِ، أوْ أَنَّهُ إِن أوْقعَ فِيهَا ذنبًا وُفِّقَ للإتيانِ بما يكفرهُ. وأما صومُ يومِ عاشوراءَ وهوَ العاشرُ منْ شهرِ المحرمِ عندَ الجماهيرِ فإنهُ قدْ كانَ واجبًا قبل فرضِ رمضانَ ثمَّ صارَ بعدَه مُسْتَحَبًّا. وأفادَ الحديثُ أن صومَ عرفةَ أفضلُ منْ صومِ يومِ عاشوراءَ، وعلَّلَ ﷺ شرعيةَ صومِ يومِ الاثنينِ بأنهُ ولد فيه أو بعث

стр. 1151

فيه، وأنزل عليه فيه، وكأنه شك من الراوي. وقد اتفق أنه ﷺ وُلدَ فيهِ وبعثَ فيهِ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ ينبغي تعظيمُ اليومِ الذي أحدثَ اللَّهُ فيهِ على عبدِهِ نعمةً بصومِه والتقربِ فيهِ. وقدْ وردَ في حديث أسامةَ (١) تعليلُ صومِه ﷺ يومَ الاثنينِ والخميسِ: "بأنهُ يومٌ تُعْرَضُ فيهِ الأعمالُ، وأنهُ يحبُ أنْ يعرضَ عملُه وهوَ صائمٌ"، ولا منافاةَ بينَ التعليلينِ. يستحب صوم ستة أيام من شوَّال ٢/ ٦٣٨ - وَعَنْ أَبي أَيُّوبَ الأنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كصِيَامِ الدَّهْرِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح]. (وعنْ أبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قالَ: مَنْ صَامَ رمضانَ ثمَّ أتبعهُ ستًا)، هكذَا وردَ مؤنثًا معَ أن مميزَهُ أيامٌ وهي مذكرٌ لأنَّ اسمَ العددِ إذا لم يذكَّرْ مميزُهُ جازَ فيهِ الوجهانِ كما صرَّحَ بهِ النحاةُ (منْ شوَّالٍ كانَ كصيامِ الدهرِ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على استحباب صومِ ستةِ أيامٍ منْ شوالِ، وهو مذهبُ جماعةٍ منَ الآلِ، وأحمدَ، والشافعيِّ (٣). وقالَ مالكٌ: يكرهُ صومُها، قالَ: لأنهُ ما رأى أحدًا من أهلِ العلمِ يصومُها، ولئلَّا يُظَنَّ وجوبُها. (والجوابُ): أنهُ بعدَ ثبوتِ النصِّ بذلكَ لا حكمَ لهذِه التعليلاتِ، وما أحسنَ ما قالهُ ابنُ عبدِ البرِّ (٤):

стр. 1152

إنهُ لم يبلغْ مالكًا هذا الحديثُ يعني حديثُ مسلمٍ. واعلمْ أنَّ أجرَ صومِها يحصلُ لمنْ صامَها متفرِّقةً أو متواليةً، ومَنْ صامَها عقيبَ العيدِ أو في أثناءِ الشهرِ. وفي سننِ الترمذيِّ (١) عن ابن المباركِ أنهُ اختارَ أنْ تكون ستةَ أيامٍ منْ أولِ شوالٍ. وقدْ رُوِيَ عن ابن المباركِ أنهُ قالَ: مَنْ صَامَ ستةَ أيامٍ منْ شوالٍ متفرقًا فهو جائزٌ. قلت: ولا دليلَ على كونِها منْ أولِ شوالٍ، إذْ مَنْ أَتَى بِها في شوالٍ في أي أيامهِ [فقد] (٢) صدقَ عليهِ أنهُ أتبعَ رمضانَ ستًا من شوالٍ، وإنَّما شبَّهها بصيامِ الدهرِ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها؛ فرمضانُ بعشرةِ أشهرٍ وستٌ من شوالٍ بشهرينِ، وليسَ في الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ صيامِ الدهرِ، ويأتي بيانُه في آخرِ البابِ. (واعلمْ) أنهُ قالَ التقي السُّبكيُّ (٣) إنهُ قدْ طعنَ في هذا الحديثِ مَنْ لا فَهْمَ لهُ مغترًّا بقولِ الترمذي: إنهُ حسنٌ، يريدُ في روايةِ سعدِ بن سعيدٍ الأنصاريِّ أخي يحيى بن سعيدٍ. قلت: ووجهُ الاغترارِ أنَّ الترمذيَّ لمْ يصفْه بالصحةِ بلْ بالحسنِ وكأنهُ في نسخةٍ والذي رأيناهُ في سننِ الترمذي (٤) بعدَ سياقِه للحديثِ ما لفظُهُ: قالَ أبو عِيسَى: حديثُ أبي أيوبَ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، ثمَّ قالَ: وسعدُ بنُ سعيدٍ هو أخو يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، وقدْ تكلَّمَ بعضُ أهلِ الحديثِ في سعدِ بن سعيدٍ منْ قِبَلِ حفظِه، انتهَى. قلت: قالَ ابنُ دحيةَ [إنهُ] (٥) قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ (٦): سعد بن سعيد ضعيفُ

стр. 1153

الحديثِ، وقال النَّسائيُّ (١) ليس بالقويّ، وقال أبو حاتم (٢): لا يجوزُ الاشتغالُ بحديثِ سعدِ بن سعيدٍ، انتهَى. ثمَّ قالَ ابنُ السُّبكيِّ: وقدِ اعتنَى شيخُنا أبو محمدٍ الدمياطيِّ بجمعِ طُرُقِهِ فأسندَهُ عنْ بضعةٍ وعشرينَ رجلًا رَوَوْهُ عنْ سعدِ بن سعيدٍ، وأكثرُهم حفاظٌ ثقاتٌ، منْهم السفيانانِ. وتابع سعدًا على روايتِه أخوهُ يحيى وعبدُ ربِّهِ، وصفوانُ بنُ سُلَيْم، وغيرُهم، ورواهُ أيضًا عن النبيِّ ﷺ ثوبانُ (٣)، وأبو هريرة (٤)، وجابرُ (٥)، وابنُ عباسٍ (٦)، والبراءُ بنُ عازبٍ (٧)، وعائشة (٨)، ولفظُ ثوبانَ: "مَنْ صامَ رمضانَ فشهرهُ بعشرةٍ، ومَنْ صامَ ستةَ أيامٍ بعدَ الفطرِ فذلكَ صيامُ السنةِ"، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ. فضل الصيام في سبيل الله ٣/ ٦٣٩ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ الله إلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ سَبْعِينَ خَرِيفًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١٠). [صحيح]

стр. 1154

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : ما مِنْ عَبدٍ يصومُ يومًا في سبيلِ اللَّهِ) هوَ إذا أُطْلِقَ يرادُ بهِ الجهادُ (إلا باعدَ الله بذلكَ اليومِ عنْ وجههِ النارَ سبعينَ خريفًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). فيهِ دلالةٌ على فضيلةِ الصومِ في الجهادِ ما لمْ يضعُفْ بسببهِ عنْ قتالِ عدوِّهِ، وكانَ فضيلةَ ذلكَ لأنه جمعَ بينَ جهادِ عدوهِ وجهادِ نفسهِ في طعامهِ وشرابهِ وشهوتهِ، وكنَّى بقولِه: باعدَ اللَّهُ بينَه وبينَ النارِ سبعينَ خريفًا عنْ سلامتهِ منْ عذابِها. فضل صوم شعبان ٤/ ٦٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا في شَعْبَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (٢). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصومُ حتَّى نقولَ: لا يفطرُ ويفطرُ حتَّى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيت رسولَ اللَّهِ ﷺ استكملَ صيام شهْر قطُّ إلَّا رمضانَ، وما رأيتُهُ في شهرٍ أكثرَ منة صيامًا فَي شعبانَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمَّسَلمٍ). فيهِ دليلٌ على أن صومَه ﷺ لم يكنْ [مختصًا بشهرٍ] (٣) دونَ شهرٍ، وأنهُ كانَ ﷺ يسردُ الصيامَ أحيانًا، ويسردُ الفطرَ أحيانًا، ولعلَّهُ كانَ يفعلُ ما يقتضيهِ الحالُ منْ تجردهِ عن [الأشغال] (٤) فيتابعُ الصومَ، ومنْ عكسِ ذلكَ فيتابعُ الإفطارَ. ودليلٌ على أنهُ يخصُّ شعبانَ بالصوم أكثرَ منْ غيرِهِ. وقدْ نبَّهتْ عائشةُ على علةِ ذلكَ فأخرجَ الطبراني (٥) عنْها: "أنَّهُ ﷺ كانَ يصومُ ثلاثةَ أيامٍ في كلِّ شهرٍ فربَّما أخَّرَ ذلكَ فيجتمعُ عليه صومُ السنةِ فيصومُ شعبانَ"، وفيهِ ابنُ أبي ليلى وهو ضعيفٌ (٦).

стр. 1155

وقيلَ: كانَ يصومُ ذلكَ تعظيمًا لرمضانَ كما أخرجه الترمذيُّ (١) منْ حديثِ أنسٍ وغيرِه: "أنهُ سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ : أيُّ الصومِ أفضلُ؟ فقالَ: شعبانُ تعظيمًا لرمضانَ"، قالَ الترمذيُّ: فيهِ صدقةُ بنُ موسى وهوَ عندَهم ليسَ بالقويِّ، وقيلَ: كانَ يصومهُ: "لأنه شهرٌ يغفلُ عنهُ الناسُ بينَ رجبِ ورمضانَ" كما أخرجهُ النسائيُّ (٢)، وأبو داود (٣)، وصحَّحهُ ابن خُزيمةَ (٤) عنْ أسامةَ بن زيدٍ: "قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ لمْ أرَكَ تصومُ في شهرِ من الشهورِ ما تصومُ في شعبانَ قالَ: ذلكَ شهرٌ يغفلُ الناسُ عنهُ بينَ رجب ورمضانَ، وهوَ شهرٌ تُرْفَعُ فيهِ الأعمالُ إلى ربِّ العالمينَ فَأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ فيهِ عملي وأنا صائمٌ". قلتُ: ويحتملُ أنهُ يصومُه لهذهِ الحِكَمِ كلِّها. وقدْ عُورِضَ حديثُ: "إنَّ صومَ شعبانَ أفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ"، بما أخرجهُ مسلمٌ (٥) من حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "أفضلُ الصومِ بعدَ رمضانَ صومُ المحرَّمِ"، وأوردَ عليهِ أنهُ لوْ كانَ أفضلُ لحافظَ على الإكثارِ منْ صيامِه، وحديثُ عائشةَ يقتضي أنهُ كان أكثرُ صيامه شعبانَ، فأُجيبَ بأنَّ تفضيلَ صومِ المحرَّم بالنظرِ إلى الأشهرِ الحُرُمِ وفضلِ شعبانَ مطلقًا، وأما عدمُ إكثارهِ لصومِ المحرَّمِ فقالَ النوويُّ: إنه إنَّما علمَ ذلكَ آخرَ عمرِهِ. فضل الصيام ثلاثة أيام من كل شهر ٥/ ٦٤١ - وَعَنْ أَبي ذَرٍّ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 1156

"أنْ نَصُومَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [حسن] (وعنْ أبي ذرٍّ ﵁ قالَ: أمرنَا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نصومَ منَ الشهرِ ثلاثةَ أيامٍ) وَبيَّنَهَا بقولِه: (ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ. رواهُ النسائيُّ، والترمذيُّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). الحدِيثُ وَرَدَ منْ طُرُقٍ عَدِيدةٍ مِنْ حديثِ أبي هُريْرة بلفظ: "فإن كنتَ صائمًا فَصُم الغرَّ، أي: البيض". أخرجه أحمد (٤)، والنسائي (٥)، وابن حبان (٦). وفي بعضِ أَلفاظِهِ عندَ النسائيِّ: "فإنْ كنتَ صائِمًا فَصُم البيضَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ". وأخرجَ أصحابُ السننِ (٧) منْ حديثِ قتادةَ بن ملحانَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأمرُنا أنْ نصومَ البيضَ ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عشرةَ، وخمسَ عشرةَ، وقالَ: هيَ كهيئةِ الدهرِ". وأخرجَ النسائي (٨) منْ حديثِ جريرٍ مرفُوعًا: "صيامُ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ صيامُ الدهر أيامِ البيضِ" الحديثَ، وإسنادُه صحيحٌ. [ووردَ] (٩) أحاديثُ في صيامِ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ مُطْلَقَةً ومبينةً بغيرِ الثلاثةِ. وأخرجَ أصحابُ السننِ (١٠)، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ (١١) منْ حديثِ ابن مسعودٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصومُ عدةَ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ". وأخرجَ مسلمٌ (١٢)

стр. 1157

منْ حديثِ عائشةَ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يصومُ منْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ ما يبالي في أيِّ الشهرِ صامَ". وأما المبيَّنةُ بغيرِ الثلاثِ فهيَ ما أخرجهُ أبو داودَ (١)، والنسائيُّ (٢) من حديثِ حفصةَ: "كانَ رسولُ اللَّهِ يصومُ في كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ: الاثنينِ، والخميسٍ، والاثنينِ منَ الجمعةِ الأخْرى". ولا معارضةَ بينَ هذهِ الأحاديثِ؛ فإنَّها كلَّها دالةٌ على ندبيةِ صومِ كلِّ ما وردَ، وكل منَ الرواةِ حَكَى ما اطلعَ عليهِ إلا أن ما أمرَ بهِ وحثَّ عليهِ ووصَّى بهِ أوْلَى وأفضلُ، وأما فعلُه ﷺ فلعلَّهُ كانَ يَعْرِضُ لهُ ما يشغلُه عنْ مراعاةِ ذلكَ. وقدْ عيَّنَ الشارعُ أيامَ البيضِ. وللعلماءِ في تعيينِ الثلاثةِ الأيامِ التي يندبُ صومُها منْ كلِّ شهرٍ أقوالٌ عشرةٌ سردَها في الشرحِ. الوفاء بحق الزوج أولى من التطوع بالصوم ٦/ ٦٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِلمَرأةِ أنْ تَصُومَ وَزَوْجُها شَاهِدٌ إِلَّا بِإذْنِهِ"، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ (٤): "غَيرَ رَمَضَانَ". [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قالَ: لا يحلُّ للمرأةِ) أي: المزوجةِ بدليلِ قولِه: (أنْ تصومَ وزوجُها شاهدٌ) أي: حاضرٌ (إلَّا بإِذنهِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ، زادَ أبو داودَ: غيرَ رمضانَ). فيه دليلٌ أن الوفاءَ بحقِّ الزوج أقدم منَ التطوعِ بالصومِ، وأما رمضانُ فإنهُ يجبُ عليْها وإنْ كرهَ الزوجُ، ويُقاسُ عليهِ القضاءُ؛ فلو صامتِ النفلَ بغيرِ إذنهِ كانتْ فاعلةً [لمحرَّم] (٥).

стр. 1158

تحريم صوم العيدين ٧/ ٦٤٣ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ صِيامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيوْمِ النَّحْرِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ - رضيَ الله تعالى عنه - أن رسولَ الله ﷺ نَهَى عنْ صيام يومينِ: يومِ الفطرِ، ويومِ النحرِ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليل على تحريمِ صومِ هذينِ اليومينِ، لأنَّ أصلَ النَّهي التحريمُ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ (٢). فلو نذرَ صومَهُمَا لم ينعقدْ نذرُه في الأظهرِ لأنهُ نذرٌ بمعصيةٍ، وقيل: يصومُ مكانَهما عنْهما. النهي عن صوم أيام التشريق ٨/ ٦٤٤ - وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُرْبِ وَذِكْرِ الله "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] (وعنْ نبيشةَ) (٤) بضمِّ النونِ، وفتحِ الباءِ الموحَّدةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، وشين معجمةٍ، يقالُ لهُ: نبيشةُ الخيرِ بنُ عمروٍ، وقيلَ: ابنُ عبدِ الله (الهذليِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : أيامُ التشريقِ) وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ، وقيلَ: يومانِ بعدَ النحرِ، (أيامُ أَكلٍ وشربٍ وذكرِ الله . رواهُ مسلمٌ)، وأخرجهُ مسلمٌ (٥) أيضًا منْ حديثِ كعبِ بن مالكٍ، وابنُ حبانَ (٦) منْ حديثِ أبي هريرةَ، والنسائيُّ (٧)

стр. 1159

منْ حديثِ بشرٍ بن سحيمٍ، وأصحابُ السننِ (١) منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ، والبزارُ (٢) منْ حديثِ ابن عمرَ: "أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ فلا يصومُها أحدٌ"، وأخرجَ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ عمرَ في قصتِه: "أنهُ ﷺ كان يأمرُهم بإفطارِها ويَنهاهُمْ عنْ صيامِها"، أي: أيامِ التشريقِ. وأخرجَ الدارقطنيُّ (٤) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن حذافةَ السَّهْمِيِّ: "أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشربٍ وبُعَالٍ" البُعالُ: مواقعةُ النساءِ. والحديثُ وما سقْناهُ في معناهُ دالٌ على النَّهي عنْ صومِ أيامِ التشريقِ، وإنَّما اختُلِفَ هلْ هوَ نَهْيُ تحريمٍ أو تنزيهٍ، فذهبَ إلى أنهُ للتحريمِ مُطْلقًا جماعةٌ منَ السلفِ وغيرُهم، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ في المشهورِ (٥)، وهؤلاءِ قالُوا: لا يصومُها المتمتِّعُ ولا غيرُه، وجعلُوه مخصِّصًا لقولِه تعالَى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٦)، لأنَّ الآيةَ عامةٌ فيما قبلَ يومِ النحر وما بعدَه، والحديثُ خاصٌّ بأيام التشريقِ وإنْ كانَ فيهِ عمومٌ بالنظرِ إلى الحاج وغيرِه فَيُرَجَّحُ خصوصُها [لكونه] (٧) مقصودًا بالدلالةِ على أنَّها ليستْ محلًّا للصومِ، وأنَّ ذاتَها باعتبارِ ما هيَ مؤهلةٌ لهُ كأنَّها منافيةٌ للصومِ. وذهبنِ الهادويةُ إلى أنهُ يصومُها المتمتعُ الفاقدُ للهدي لما يفيدُه سياقُ الآية، ولرواية ذلكَ عنْ عليٍّ ﵇ قالُوا: ولا يصومُها القارنُ والمحصِرُ إذا فقدَ الهديَ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ يصومُها المتمتعُ ومنْ تعذَّرَ عليهِ الهديُ، وهوَ المحصرُ والقارنُ لعمومِ الآيةِ ولما أفادَهُ:

стр. 1160

صوم أيام التشريق جائز لمن لم يجد الهدي ٩/ ٦٤٥ - وعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. رَوَاهُ الْبُخَارِي (١). [صحيح] (وعنْ عائشةَ وابنِ عمرَ ﵄ قالَا: لم يُرَخَّصْ) بصيغةِ المجهولِ، (في أيامِ التشريقِ أنْ يُصَمْنَ إلا لمنْ لم يجدِ الهدْيَ. رواهُ البخاريُّ)، فإنهُ أفادَ أن صومَ أيامِ التشريقِ جائزٌ رخصةً لمنْ لم يجدِ الهديَ سواء كانَ مُتَمَتِّعًا، أو قارِنًا، أو مُحصرًا، لإطلاقِ الحديثِ بناءً على أنَّ فاعلَ يرخصُ [النبي] (٢) ﷺ ، وأنهُ مرفوعٌ، وفي ذلكَ أقوالٌ ثلاثةٌ. ثالثُها أنهُ إن أضافَ ذلك إلى عهدهِ ﷺ كانَ حجةً وإلَّا فَلا. وقدْ وردَ التصريحُ بالفاعلِ في روايةِ للدارقطنيِّ (٣) والطحاويِّ (٤)، إلَّا أنَّها بإسناد ضعيفٍ، ولفظُها: "رَخَصَ رسولُ الله ﷺ للمتمتِّع إذا لم يجدِ الهدْيَ أنْ يصومَ أيامَ التشريقِ"، إلَّا أنهُ خصَّ المتمتعَ فلا يكونُ حجةً لأهلِ هذَا القولِ. وقدْ رَوَى [البخاري (٥)] (٦) منْ فعلِ عائشةَ، وأبي بكرٍ، وفُتيا لعليٍّ ﵇ وذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ النهيَ للتنزيهِ، وأنهُ يجوزُ صومُها لكلِّ واحدٍ وهوَ قولٌ لا ينهضُ عليهِ دليلٌ. النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم وليلتها بقيام ١٠/ ٦٤٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى - عَنْهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ بِقِيَامِ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخُصُّوا يَوْمَ الجُمْعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ

стр. 1161

بَيْنِ الأيَّامِ، إلَّا أنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يصُومُهُ أَحَدُكمْ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لا تخصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ منْ بين الليالي، ولا تخصُّوا يومَ الجمعةِ بصيامٍ منْ بين الأيامِ، إلَّا أنْ يكونَ في صومٍ يصومُه أحدُكم. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليل على تحريمِ تخصيصِ ليلةِ الجمعةِ بالعبادةِ بصلاةٍ وتلاوةٍ غيرِ معتادَةٍ، إلا ما وردَ بهِ النصُّ على ذلكَ، كقراءةِ سورةِ الكهفِ (٢)؛ فإنهُ وردَ تخصيصُ ليلةِ الجمعةِ بقراءَتِها، وسورٍ أُخَرَ (٣) وردتْ بها أحاديثُ فيها مقالٌ. وقدْ دلَّ هذا بعمومهِ على عدم مشروعيةِ صلاةِ الرغائبِ (٤) في

стр. 1162

أولِ ليلةِ جمعةٍ منْ رجبٍ، ولو ثبتَ حديثُها لكانَ مخصصًا لها منْ عمومِ النَّهْي، لكنَّ حديثَها تكلَّمَ العلماءُ فيهِ، وحكَموا بأنهُ موضوعٌ. ودلَّ علَى تحريمِ النفلِ بصومِ يومِها منفرِدًا. قالَ ابنُ المنذرِ: ثبتَ النَّهْيُ عنْ صومِ يوم الجمعةِ كما ثبتَ عنْ صوم يوم العيد، وقالَ أبو جعفرٍ الطبريِّ: يفرَّقُ بينَ العيدِ والجمعةِ بأنَّ الإجماعَ منعقدٌ علَى تحريمِ صومِ يوم العيدِ ولوْ صامَ قبلَه أو بعدَه. وذهبَ الجمهورُ (١) إلى أن النَّهْيَ عن إفرادِ الجمعةِ بالصومِ للتنزيهِ مُستدِلينَ بحديثِ ابن مسعودٍ: "كانَ رسولُ الله ﷺ يصومُ منْ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وقلَّما كانَ يفطرُ يومَ الجمعةِ"، أخرجهُ الترمذيُّ (٢) وحسَّنهُ؛ فكان فعلُه ﷺ قرينةً على أن النَّهيَ ليسَ

стр. 1163

للتحريمِ، وأجيبَ عنهُ بأنهُ يحتملُ أنهُ كانَ يصومُ يومًا قبلَهُ أو بعدَهُ، ومعَ الاحتمالِ لا يتمُّ الاستدلالُ. واختُلِفَ في وجهِ حكمةِ تحريمِ صومِه علَى أقوالٍ أظهرُها أنهُ يومُ عيدٍ كما رُوِيَ منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "يومُ الجمعةِ يومُ عيدِكم" (١)، وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ بإسنادٍ حَسَنٍ (٢) عنْ عليٍّ ﵇ قال: "مَنْ كان منْكم مُتَطَوِّعًا منَ الشهرِ فليصمْ يومَ الخميسِ ولا يصمْ يومَ الجمعةِ، فإنهُ يومُ طعامٍ وشرابٍ وذِكْرٍ". وهذا أيضًا منْ أدلةِ تحريمِ صومِه ولا يلزمُ أنْ يكونَ كالعيدِ منْ كلِّ وجهٍ؛ فإنهُ تزولُ حرمةُ صومِه بصيامِ يومٍ قبلَه أو يومٍ بعدَه كما يفيدُه قولُه: ١١/ ٦٤٧ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، إَلَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ، أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا يصومنَّ أحدُكُم يومَ الجمعةِ إلَّا أنْ يصومَ يومًا قبلَه أو يومًا بعدَه. متفقٌ عليه)؛ فإنهُ دالٌّ على زوالِ تحريمِ صومِه لحكمةٍ لا نعلمُها، فلوْ أفردَه بِالصَّومِ وجبَ فطرُهُ كما يفيدُه ما أخرجهُ أحمدُ (٤)، والبخاريِّ (٥)، وأبو داودَ (٦) منْ حديثِ جويريةَ: "أن النبيَّ ﷺ دخلَ عليها في يومِ جُمُعَةٍ وهي صائمةٌ فقالَ لها: "أصمتِ أمسِ"؟ قالتْ: لا، قالَ: "تَصومينَ غدًا"؟ قالتْ: لا، قالَ: "فأفطري"، والأصلُ في الأمر الوجوبُ. النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان ١٢/ ٦٤٨ - وَعَنْهُ أَيْضًا ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلا تَصُومُوا"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٧)، وَاسْتَنْكَرَهُ أحْمَدُ. [صحيح]

стр. 1164

(وعنهُ) أي: أبي هريرةَ ﵁: (أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إذا انتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا. رواهُ الخمسةُ، واستنكرَهُ أحمدُ) وصحَّحهُ ابنُ حبانَ وغيرُه (١)، وإنَّما استنكرهُ أحمدُ لأنهُ منْ روايةِ العلاء بن عبدِ الرحمن. قلتُ: وهوَ منْ رجالِ مسلمٍ (٢). قالَ المصنفُ في التقريبِ (٣): إنهُ صدوقٌ وربَّما وَهِمَ، والحديثُ دليلٌ على [أنّ] (٤) النَّهي عن الصومِ في شعبانَ بعدَ انتصافِه ولكنَّهُ مُقَيَّدٌ بحديثِ: "إلَّا أن يوافقَ صوْمًا معتَادًا" كما تقدَّمَ (٥). واختلفَ العلماءُ في ذلكَ فذهبَ كثيرٌ منَ الشافعيةِ (٦) إلى تحريمه لهذا النَّهْي، وقيلَ: إنهُ يكرهُ إلَّا قبلَ رمضانَ بيومِ أو يومينِ فإنهُ محرَّمٌ. وقيلَ: لا يكرهُ، وقيلَ: إنهُ مندوبٌ، وأنَّ الحديثَ مُؤَوَّلٌ بمنْ يُضْعِفُهُ الصومُ، وكأنَّهم استدلُّوا بحديثِ: "أنَّهُ ﷺ كانَ يصلُ شعبانَ برمضانَ" (٧)، ولا يخْفى [أنه] (٨) إذا تعارضَ القولَ والفعلُ كانَ القولُ مقدَّمًا. النهي عن إفراد يوم السبت بصيام ١٣/ ٦٤٩ - وَعَنِ الصَّمّاءِ بِنْتِ بُسْرٍ ﵂ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا

стр. 1165

تَصُومُوا يَوْمَ السّبْتِ، إلَّا فِيمَا افتُرِضَ عَلَيكُمْ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لَحَاءَ عِنَبٍ، أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهَا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ (١)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أنَّهُ مُضْطرِبٌ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ مَنْسُوخٌ (٢) [صحيح] (وعنِ الصمَّاءِ) بالصادِ المهملةِ (بنت بُسْر) بالموحدةِ مضمومةِ وسينٍ مهملةٍ، اسمُها بُهَيَّةُ بضمِّ الموحدةِ وفتحِ الهاءِ، وتشديدِ المثناةِ التحتية. وقيلَ: اسمُها بُهيمةُ بزيادةِ ميمٍ، هيَ أختُ عبدِ اللهِ بن بسرٍ، رَوَى عَنْها أخُوها عبدُ الله (أن رَسولَ الله ﷺ قالَ: لا تصومُوا يومَ السبتِ إلا فيما افترضَ عليكمْ، فإنْ لم يجدْ أحدُكم إلا لَحاءَ) بفتحِ اللام فحاءٍ مهملةٍ [فألفٍ] (٣) ممدودةٍ (عنبٍ) بكسرِ المهملة، وفتحِ النونِ، [فموحدةٍ] (٤)، الفاكهةُ المعروفةُ والمرادُ قشرُهُ (أو عودَ شجرٍ فليمضغْهَا) أيْ: يطعمُها للفطرِ بها (رواة الخمسةُ، ورجالُه ثقاتٌ، إلَّا أنهُ مضطربٌ. وقدْ أنكرهُ مالكٌ وقالَ أبو داودَ: هوَ منسوخٌ). أمَّا الاضطرابُ فلأنهُ رواهُ عبدُ الله بنُ بسرٍ عنْ

стр. 1166

أختهِ الصماءِ، وقيلَ: عنْ عبدِ اللَّهِ بن بسر، وليسَ فيهِ ذكرُ أختِه. قيلَ: وليستْ هذهِ بِعلَّةٍ قادحةٍ فإنهُ صحابي. وقيلَ: عنهُ عنْ أبيهِ بسرٍ، وقيلَ: عنه عن الصماءِ عنْ عائشةَ. قالَ النسائيُّ: هذا حديثٌ مضطَّرِبٌ. قالَ المصنفُ: يحتملُ أنْ يكونَ عندَ عبدِ اللَّهِ عنْ أبيهِ وعنْ أختِه، وعندَ أختهِ بواسطةٍ، وهذهِ طريقةٌ صحيحةٌ. وقدْ رجَّحَ عبدُ الحقِّ الطريقَ الأُولى، وتبعَ في ذلكَ الدارقطني لكنَّ هذا التلونِ في الحديثِ الواحدِ بإسنادِ الواحدِ معَ اتحادِ المُخْرِجِ يوهي الروايةَ، وينبنئُ بقلةِ الضبطِ إلَّا أنْ يكونَ منَ الحفاظِ المكثرينَ المعروفينَ بجمعِ طرقِ الحديثِ، فلا يكونُ ذلكَ دالًّا على قلةِ الضبطِ، وليسَ الأمرُ هنا كذلكَ، بلِ اختُلِفَ فيهِ على الراوي أيضًا عنْ عبدِ اللَّهِ بن بسرِ. وأما إنكارُ مالكٍ لهُ فإنهُ قالَ أبو داودَ عنْ مالكٍ: إنهُ قالَ: هذا كذبٌ، وأما قولُ أبي داودَ: إنهُ منسوخٌ فلعلَّهُ أرادَ أن ناسخَه قولُه: إذا قُرن بيوم آخر جاز صوم السبت ١٤/ ٦٥٠ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ أكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأيَّامِ يَوْمُ السّبْتِ، وَيوْمُ الأحَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: "إنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ للْمُشْرِكِينَ، وَأَنَا أُرِيدُ أنْ أُخَالِفَهُمْ". أخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهذَا لَفْظُهُ (٢). [حسن] (وعنْ أمِّ سَلمةَ ﵂ أن رسولَ الله ﷺ كان أكثرَ ما كانَ يصومُ منَ الأيامِ يومُ السبتِ، ويومُ الأحدِ وكانَ يقولُ: إنَّهما يوما عيدٍ للمشركينَ فأنا أريدُ أنْ أخالفَهم.

стр. 1167

أخرجهُ النسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وهذا لفظُه). فالنَّهْيُ عنْ صومِه كانَ أوَّلَ الأمرِ حيثُ كانَ ﷺ يحبُّ موافقةَ أهلِ الكتابِ، ثمَّ كانَ آخرَ أمرِه ﷺ مخالفتُهم، كما صرَّحَ بهِ الحديثُ نفسُه، وقيلَ: بلِ النّهْيُ كانَ عنْ إفرادِه بالصومِ إلَّا إذا صامَ ما قبلَه أو ما بعدَه. وأخرجَ الترمذيُّ (١) منْ حديثِ عائشةَ قالتْ: "كان رسولُ اللَّهِ ﷺ منَ الشهرِ السبتِ والأحدِ والاثنينِ، ومنَ الشهرِ الآخرِ الثلاثاءِ والأربعاءِ والخميس". وحديثُ الكتاب [دلَّ] (٢) على استحبابِ صومِ السبتِ والأحدِ مخالفةً لأهلِ الكتابِ، وظاهرهُ صومُ كلٍّ على الانفرادِ أو الاجتماعِ. النهي عن صوم عرفة بعرفة ١٥/ ٦٥١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيّ ﷺ نَهى عَنْ صَوْمِ يوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ (٣)، وصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤) وَالْحَاكِمُ (٥)، واسْتَنْكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ (٦). [ضعيف] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَهى عنْ صومِ يومِ عرفةَ بعرفةَ. رواهُ الخمسةُ غيرُ الترمذيِّ، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ والحاكمُ، واستنكرهُ العقيليُّ)، لأنَّ في

стр. 1168

إسنادِه [مهديًا] (١) الهجري ضعَّفَه العقيليُّ وقالَ: لا يتابعُ عليهِ، والراوي عنهُ مختلَفٌ فيهِ. قلتُ: في الخلاصةِ إنَّهُ قالَ ابن معينٍ: لا أعرفُه، وأما الحاكمُ فصحُّحَ حديثَه، وأقرَّهُ الذهبيُّ في مختصرِ المستدركِ ولم يعدَّهُ منَ الضعفاءِ في المغني، وأما الراوي عنهُ فإنهُ حوشبُ بنُ عبدلٍ. قالَ المصنفُ في التقريبِ (٢): إنهُ ثقةٌ. والحديثُ ظاهرٌ في تحريمِ صومِ عرفةَ بعرفةَ، وإليه ذهبَ يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريِّ وقالَ: يجبُ إفطارُه على الحاجِّ، وقيلَ: لا بأسَ بهِ إذَا لمْ يَضْعُفْ عن الدعاء، نُقِلَ عن الشافعيِّ، واختارهُ الخطابي والجمهورُ على أنهُ يُسْتَحَبُّ إفطارُه (٣). وأما هوَ ﷺ فقدْ صحَّ أنهُ كانَ يومَ عرفةَ بعرفةَ مفطِرًا في حجتِه، ولكنْ لا يدلُّ تركُه الصومَ على تحريِمِه. (نعمْ) يدلُّ أن الإفطارَ هوَ الأفضلُ لأنهُ ﷺ لا يفعلُ إلَّا الأفضلَ، إلَّا أنهُ قدْ يَفْعَلُ المفضولَ لبيانِ الجوازِ فيكونُ في حقِّه أفضلَ لما فيهِ منَ التشريعِ والتبليغِ بالفعلِ، [و] (٤) لكنَّ الأظهرَ التحريمُ لأنهُ أصلُ النَّهي. يكره صوم الدهر ١٦/ ٦٥٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الأَبدَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنْ عَبدِ الله بن عَمرو ﵄ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "لا صامَ منْ صامَ الأبَدَ" متفقٌ عليه) اخْتَلَفَ [العلماءِ] (٦) في معناهُ، قالَ شارحُ المصابيحِ: فُسِّرَ هذا من وجهينِ: أحدُهما أنهُ على معنَى الدعاءِ عليهِ زجْرًا لهُ عنْ صنيعهِ، والآخرُ على سبيلِ الإخبار. والمعنَى أنهُ بمكابدةِ سَوْرَةِ الجوعِ، وحرِّ الظمأ لاعتياده الصومَ حتَّى خفَّ عليهِ ولم يفتقرْ إلى الصبرِ على الجهدِ الذي يتعلقُ به الثوابُ، فكانهُ لم يصمْ ولم تحصلْ لهُ فضيلةُ الصوم، ويؤيدُ أنهُ للإخبارِ قولُه:

стр. 1169

١٧/ ٦٥٣ - وَلمُسْلِمٍ (١) مِنْ حَديثٍ أَبي قَتَادَةَ بِلَفْظِ: "لَا صَامَ وَلَا أَفطَرَ". [صحيح] (ولمسلمٍ منْ حديثِ أبي قتادةَ ﵁: لا صامَ ولا أفطر)، ويؤيدُه أيضًا حديثُ الترمذيِّ (٢) عنهُ بلفظِ: "لم يصمْ ولم يفطرْ". قالَ ابنُ العربي (٣): إنْ كان دعاءٌ فيا ويحَ مَنْ دعا عليهِ النبيُّ ﷺ ، وإنْ كانَ معناهُ الخبرُ فيا ويحَ من أخبرَ عنهُ النبيُّ ﷺ أنهُ لمْ يصمْ، وإذا لم يصمْ شرعًا فكيفَ يُكْتَبُ لهُ ثوابٌ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في صيامِ الأبدِ فقالَ بتحريمِهِ طائفةٌ وهوَ اختيارُ ابن خزيمةَ لهذا الحديثِ وما في معناهُ، وذهبت طائفةٌ إلى جوازِه وهوَ اختيارُ ابن المنذرِ، وتأوَّلُوا أحاديثَ النَّهي عنْ صيامِ الدهرِ أن المرادَ مَنْ صامهُ مَعَ الأيامِ المنهيِّ عنْها منَ العيدينِ وأيامِ التشريقِ وهو تأويلٌ مردودٌ بنهيهِ ﷺ لابن عمرو عنْ صوم الدهرِ، وتعليلِه بأنَّ لنفسِه عليهِ حقًّا، ولأهلِه حقًّا، ولضيفهِ حقًّا، ولقولِه: "أما أَنا فأصومُ وأفطرُ فمنْ رغبَ عن سُنَّتِي فليسَ منّي" (٤)؛ فالتحريم هوَ الأوجَهُ دليلًا. ومِنْ أدلة التحريم ما أخرجَهُ أحمدُ (٥)، والنسائيُّ (٦) وابنُ خزيمةَ (٧)، وابن حبان (٨) منْ حديثِ أبي

стр. 1170

مُوسى مرفوعًا: "مَنْ صَامَ الدهرَ ضُيِّقَتْ عليهِ جهنمُ وعقدَ بيدِه". قالَ الجمهورُ: يستحبُّ صومُ الدهرِ لمنْ لا يضعِفُه عنْ حقِّ، وتأولُوا أحاديثَ النَّهي بتأويلِ غيرِ راجحٍ، واستدلُوا بأنهُ ﷺ شبَّهَ صومَ ستٍّ منْ شوالِ معَ رمضانَ، وشبَّهَ ثلاثةَ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ بصومِ الدهرِ، فلولا أن صائمه يستحقُّ الثوابَ لما شبَّهَ بهِ. وأجيبَ بأنَّ ذلكَ على تقديرِ مشروعيتهِ، فإنَّها تغني عنهُ كما أغنتِ الخمسُ الصلواتِ عن الخمسينَ الصلاةِ التي قدْ كانتْ فرضتْ [على] (١) أنّهُ لو صلَّاها أحدٌ لوجوبِها لم يستحقَّ ثوابًا بلْ يستحقُّ العقابَ، نعمْ أخرجَ ابنُ السني (٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "مَنْ صامَ الدهرَ فقدْ وهبَ نفسَه منَ اللَّهِ "، إلا أنَّا لا ندري ما صحَّتُه. * * *

стр. 1171

[الباب الثاني] بابُ الاعتكافِ وقيامُ رمضانَ الاعتكافُ لغةً: لزومُ الشيءِ وحبسُ النفسِ عليهِ، وشرْعًا: المقامُ في المسجدِ منْ شخصٍ مخصوصٍ على صفةٍ مخصوصةٍ. (وقيامُ رمضانَ) أي: قيامُ لياليهِ مصلِّيًا أو تاليًا. قالَ النوويُّ (١): قيامُ رمضانَ يحصلُ بصلاةِ التراويحِ، وهوَ إشارةٌ إلى أنهُ لا يشترطُ استغراقُ كلِّ الليلة بصلاةِ النافلةِ فيهِ، ويأتي ما في كلامِ النوويِّ. ١/ ٦٥٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانِ إيِمانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرة ﵃ أن رسولَ الله ﷺ قالَ: مَنْ قَامَ رمضانَ إيمانًا)، أي: تصديقًا بوعدِ الله للثوابِ، (واحتسابًا) منصوبٌ على أنهُ مفعولٌ لأجلِه كالذي عطفَ عليهِ، أي: طلبًا لوجهِ اللهِ وثوابِهِ، والاحتسابُ منَ الحسبِ كالاعتدادِ منَ العددِ، وإنما قيلَ: لمن ينوي بعملهِ وجهَ اللَّهِ احتسبَه، لأنهُ لهُ حينئذٍ أنْ يعتدَّ عملَه فجُعِلَ في حالِ مباشرةِ الفعلِ كأنهُ معتدٌّ بِهِ، قالَه في النهايةِ. (غفرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِه. متفقٌ عليهِ).

стр. 1172

يحتملُ أنهُ يريدُ قيامَ جميعِ لياليهِ، وأنَّ منْ قامَ بعضَها لا يحصلُ لهُ ما ذكرهُ منَ المغفرةِ وهوَ الظاهرُ، وإطلاقُ الذنبِ شامل للكبائرِ والصغائرِ. وقالَ النوويُّ (١): المعروف أنهُ يختصُّ بالصغائرِ، وبهِ جزمَ إمامُ الحرمينِ، ونسبَهُ عياضٌ لأهلِ السنةِ، وهوَ مبنيٌّ على أنَّها لا تغفرُ الكبائرُ إلَّا بالتوبةِ، وقدْ زادَ النسائيُّ (٢) في روايته: "ما تقدَّمَ وما تأخرَ". وقدْ أخرجَها أحمدُ (٣)، وأخرجتْ منْ طريقِ مالكٍ. وتقدَّمَ معنَى مغفرةِ الذنبِ المتأخرِ. والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ قيامِ رمضان، [والظاهر] (٤) أنهُ يحصلُ بصلاة الوترِ إحدَى عشْرةَ ركعةً كما كانَ ﷺ يفعلُه في رمضانَ وغيرِه كما سلفَ في حديثِ عائشةَ (٥)، وأما التراويحُ على ما اعتِيدَ الآنَ فلمْ تقعْ في عصرِه ﷺ ، إنَّما كانَ ابتدَعَها عمرُ في خلافتِه (٦)، وأمرَ

стр. 1173

أُبَيًا أنْ يجمعَ الناس، واختُلِفَ في القَدْر الذي كانَ يصلِّي بِهِ أُبيٌّ، فقيلَ: كانَ يصلِّي بِهِمْ إحدَى عشْرَةَ ركعةً، ورُوِيَ إحدَى وعشرونَ، ورُوِيَ عشرونَ [ركعةً] (١)، وقيلَ: ثلاثٌ وعشرونَ، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. وقد قدَّمنا تحقيقَ ذلكَ. في العشر الأواخر من رمضان يستحب الاجتهاد في العمل ٢/ ٦٥٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا دَخَلَ العَشْرُ - أي: الْعَشْرُ الأَخِيرَةُ مِنْ رَمَضَانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسول الله ﷺ إذا دخلَ العشرُ، أي: العشرُ الأخيرةُ منْ رمضانَ). هذا التفسيرُ مُدْرَجٌ منْ كلامِ الراوي، (شدَّ مئزَرَهُ) أي: اعتزلَ النساءَ، (وأحيا ليلَه وأيقظَ أهلَه. متفق عليه)، وقيلَ في تفسيرِ شدِّ المئزر: إنهُ كنايةٌ عن التشميرِ للعِبادةِ. قيلَ: ويحتملُ أنْ يكونَ المعنَى أنهُ شدِّ مئزَره: جَمَعَهُ حقيقة فلمْ يحله، واعتزلَ النساءَ وشمَّر للعبادةِ، إلَّا أنهُ يبعدُه ما رُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁ بلفظٍ: "فشدَّ مئزرَه واعتزلَ النساءَ"؛ فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ، وإيقاعُ الإحياءِ على الليلِ مجازٌ عقليٌّ لكونِه زمانًا للإحياءِ نفسِه، والمرادُ به السهرُ. وقولُه: "أيقظَ أهلَهُ" أي: للصلاةِ والعبادةِ، وإنَّما خصَّ بذلكَ ﷺ آخرَ رمضانَ لقربِ

стр. 1174

خروجِ وقتِ العبادةِ فيجتهدُ فيهِ لأنهُ خاتمةُ العملِ، والأعمالُ بخواتيمِها. مشروعية الاعتكاف ٣/ ٦٥٦ - وعَنْهَا ﵂، أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْها) أي: عائشةَ ﵂: (أن النبيَّ ﷺ كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ منْ رمضانَ حتَّى تَوفَّاهُ اللَّهُ ، ثمَّ اعتكفَ أزواجُه منْ بعدِه. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على أن الاعتكافَ سُنَّةٌ واظبَ عليْها رسولُ اللهِ ﷺ وأزواجُهُ منْ بَعْدِهِ. قالَ أبو داودَ عنْ أحمدَ: لا أعلمُ عنْ أحدٍ منَ العلماءِ خلافًا أن الاعتكافَ مسنونٌ. وأمَّا المقصودُ منهُ فهوَ جَمْعُ القلبِ على اللهِ تعالى بالخلوةِ معَ خُلْوِّ المعدةِ، والإقبالُ عليهِ تعالى، والتنعمُ بذكرهِ، والإعراضُ عما عداهُ. لا يخرج المعتكف من المسجد ٤/ ٦٥٧ - وعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْها) أي عائشةَ ﵂: (قَالتْ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أرادَ أنْ يعتكفَ صلَّى الفجرَ، ثمَّ دخلَ معتكَفَهُ. متفق عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنَّ أولَ وقتِ الاعتكافِ بعدَ صلاةِ الفجرِ، وهوَ ظاهرٌ في ذلكَ. وقدْ خالفَ فيهِ مَنْ قَالَ: إنهُ يدخلُ المسجدَ قبلَ طلوعِ الفجرِ إذا كانَ معتكفًا نهارًا، وقبلَ [الغروب] (٣) إذا كانَ معتكِفًا ليلًا، وأُوِّلَ الحديثُ بأنهُ كانَ يطلعُ الفجرُ وهوَ ﷺ في المسجدِ ومنْ بعدِ صلاتِه الفجرَ يخلُو بنفسِه في المحلِّ الذي أعدَّه لاعتكافِه.

стр. 1175

قلتُ: ولا يخْفَى بعدُهُ؛ فإنَّها كانتَ عادتُه ﷺ أن لا يخرجُ منْ منزلِه إلَّا عندَ الإقامة للصلاة. الأعمال التي لا تبطل الاعتكاف ٥/ ٦٥٨ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعَنْها) أي: عائشة (﵂ قالتْ: إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ ليُدخِلُ على رَأْسَهُ وهوَ في المسجدِ، فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلَّا لحاجةٍ إذا كان معتكفًا. متفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ). في الحديثِ دليلٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وأنَّ خُروجَ بعضِ بدنِه لا يضرُّ، وفيهِ أنهُ يشرعُ للمعتكفِ النظافةُ والغسلُ والحَلْقُ والتزيُّنُ، وعلى أنَّ العملَ اليسيرَ [و] (٢) الأفعالَ الخاصةَ بالإنسانِ يجوزُ فعلُها وهوَ في المسجدِ، وعلى جوازِ استخدامِ الرجلِ زوجته، وقولها: "إلَّا لحاجةٍ" يدلُّ علَى أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ إلَّا للأمرِ الضروريِّ. والحاجةُ فسَّرها الزهريُّ بالبول والغائطِ، وقد اتُّفق على استثنائِهِمَا، واختُلِفَ في غيرِهِما منَ الحاجاتِ كالأكلِ والشربِ، وألحقَ بالبولِ والغائطِ جوازُ الخروجِ للفصدِ والحجامةِ ونحوِهما. ٦/ ٦٥٩ - وَعَنْها قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَلَا بَأسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ. [إسناده حسن]

стр. 1176

(وعَنْها) أيْ: عائشةَ (﵂: قَالَتْ: السنة علَى المعتكفِ أنْ لا يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمسَّ امرأةً، ولا يباشرَها، ولا يخرجَ لحاجةٍ إلَّا لِمَا لا بدَّ لَهُ منهُ) مما سلفَ ونحوِه (ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ، ولا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ جامعٍ. رواهُ أبو داوُدَ، ولا بأسَ برجالِه، إلَّا أن الراجحَ وقْفُ آخِرِهِ) من قولِها: "ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ". [و] (١) قالَ المصنفُ (٢): جزمَ الدارقطنيُّ أنَّ القدْرَ الذي منْ حديثِ عائشةَ قولُها: "لا يخرجُ إلا لحاجةٍ"، وما عداهُ ممنْ دونَها، انتَهَى منْ فتحِ الباري. وهنَا قالَ: إنَّ آخِرَهُ موقوفٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ لشيءٍ مما عيَّنَتْهُ هذهِ الروايةُ، وأنهُ أيضًا لا يخرجُ لشهودِ الجمعةِ، وأنهُ إن فعلَ أي ذلكَ بطلَ اعتكافُهُ. وفي المسْألةِ خلافٌ كثير ولكنَ الدليل قائمٌ على ما ذكرناهُ. وأما اشتراطُ الصوم ففيهِ خلافٌ أيضًا، وهذا الحديثُ الموقوفُ دالٌّ على اشتراطِهِ، وفيهِ أحاديثُ منْها في نفي شرطِيَّتِهِ، ومنْها في إثباتها، والكلُّ لا ينتهض حجةً، إلَّا أن الاعتكافَ عُرفَ منْ فعلِهِ ﷺ ولمْ يعتكفْ إلَّا صائمًا. واعتكافُه في العشْرِ الأوَلِ منْ شوالٍ (٣) الظاهرُ أنهُ صامَها. [ولا] (٤) يعتكفْ إلَّا منْ ثاني شوالٍ، لأنَّ يومَ العيدِ يومُ شغلِه بالصلاةِ والخطبةِ والخروجِ إلى الجبانةِ، إلَّا أنهُ لا يقومُ بمجردِ الفعْلِ حجةٌ على الشرطيةِ. وأنها اشتراطُ المسجدِ فالأكثرُ على شرطيتِه إلَّا عنْ بعض العلماءِ، والمرادَ منْ كونِه جامعًا أنْ تقامَ فيهِ الصلواتُ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ وأبو حنيفةَ. وقالَ الجمهورُ: يجوزُ في كلِّ مسجدٍ إلا لمنْ تلزمُه الجمعةُ
следующие страницы →