← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1172–1211 · переход к 1177.

стр. 1172

يحتملُ أنهُ يريدُ قيامَ جميعِ لياليهِ، وأنَّ منْ قامَ بعضَها لا يحصلُ لهُ ما ذكرهُ منَ المغفرةِ وهوَ الظاهرُ، وإطلاقُ الذنبِ شامل للكبائرِ والصغائرِ. وقالَ النوويُّ (١): المعروف أنهُ يختصُّ بالصغائرِ، وبهِ جزمَ إمامُ الحرمينِ، ونسبَهُ عياضٌ لأهلِ السنةِ، وهوَ مبنيٌّ على أنَّها لا تغفرُ الكبائرُ إلَّا بالتوبةِ، وقدْ زادَ النسائيُّ (٢) في روايته: "ما تقدَّمَ وما تأخرَ". وقدْ أخرجَها أحمدُ (٣)، وأخرجتْ منْ طريقِ مالكٍ. وتقدَّمَ معنَى مغفرةِ الذنبِ المتأخرِ. والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ قيامِ رمضان، [والظاهر] (٤) أنهُ يحصلُ بصلاة الوترِ إحدَى عشْرةَ ركعةً كما كانَ ﷺ يفعلُه في رمضانَ وغيرِه كما سلفَ في حديثِ عائشةَ (٥)، وأما التراويحُ على ما اعتِيدَ الآنَ فلمْ تقعْ في عصرِه ﷺ ، إنَّما كانَ ابتدَعَها عمرُ في خلافتِه (٦)، وأمرَ

стр. 1173

أُبَيًا أنْ يجمعَ الناس، واختُلِفَ في القَدْر الذي كانَ يصلِّي بِهِ أُبيٌّ، فقيلَ: كانَ يصلِّي بِهِمْ إحدَى عشْرَةَ ركعةً، ورُوِيَ إحدَى وعشرونَ، ورُوِيَ عشرونَ [ركعةً] (١)، وقيلَ: ثلاثٌ وعشرونَ، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. وقد قدَّمنا تحقيقَ ذلكَ. في العشر الأواخر من رمضان يستحب الاجتهاد في العمل ٢/ ٦٥٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا دَخَلَ العَشْرُ - أي: الْعَشْرُ الأَخِيرَةُ مِنْ رَمَضَانَ - شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسول الله ﷺ إذا دخلَ العشرُ، أي: العشرُ الأخيرةُ منْ رمضانَ). هذا التفسيرُ مُدْرَجٌ منْ كلامِ الراوي، (شدَّ مئزَرَهُ) أي: اعتزلَ النساءَ، (وأحيا ليلَه وأيقظَ أهلَه. متفق عليه)، وقيلَ في تفسيرِ شدِّ المئزر: إنهُ كنايةٌ عن التشميرِ للعِبادةِ. قيلَ: ويحتملُ أنْ يكونَ المعنَى أنهُ شدِّ مئزَره: جَمَعَهُ حقيقة فلمْ يحله، واعتزلَ النساءَ وشمَّر للعبادةِ، إلَّا أنهُ يبعدُه ما رُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁ بلفظٍ: "فشدَّ مئزرَه واعتزلَ النساءَ"؛ فإنَّ العطفَ يقتضي المغايرةَ، وإيقاعُ الإحياءِ على الليلِ مجازٌ عقليٌّ لكونِه زمانًا للإحياءِ نفسِه، والمرادُ به السهرُ. وقولُه: "أيقظَ أهلَهُ" أي: للصلاةِ والعبادةِ، وإنَّما خصَّ بذلكَ ﷺ آخرَ رمضانَ لقربِ

стр. 1174

خروجِ وقتِ العبادةِ فيجتهدُ فيهِ لأنهُ خاتمةُ العملِ، والأعمالُ بخواتيمِها. مشروعية الاعتكاف ٣/ ٦٥٦ - وعَنْهَا ﵂، أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ ، ثُمّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْها) أي: عائشةَ ﵂: (أن النبيَّ ﷺ كانَ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ منْ رمضانَ حتَّى تَوفَّاهُ اللَّهُ ، ثمَّ اعتكفَ أزواجُه منْ بعدِه. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على أن الاعتكافَ سُنَّةٌ واظبَ عليْها رسولُ اللهِ ﷺ وأزواجُهُ منْ بَعْدِهِ. قالَ أبو داودَ عنْ أحمدَ: لا أعلمُ عنْ أحدٍ منَ العلماءِ خلافًا أن الاعتكافَ مسنونٌ. وأمَّا المقصودُ منهُ فهوَ جَمْعُ القلبِ على اللهِ تعالى بالخلوةِ معَ خُلْوِّ المعدةِ، والإقبالُ عليهِ تعالى، والتنعمُ بذكرهِ، والإعراضُ عما عداهُ. لا يخرج المعتكف من المسجد ٤/ ٦٥٧ - وعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْها) أي عائشةَ ﵂: (قَالتْ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أرادَ أنْ يعتكفَ صلَّى الفجرَ، ثمَّ دخلَ معتكَفَهُ. متفق عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنَّ أولَ وقتِ الاعتكافِ بعدَ صلاةِ الفجرِ، وهوَ ظاهرٌ في ذلكَ. وقدْ خالفَ فيهِ مَنْ قَالَ: إنهُ يدخلُ المسجدَ قبلَ طلوعِ الفجرِ إذا كانَ معتكفًا نهارًا، وقبلَ [الغروب] (٣) إذا كانَ معتكِفًا ليلًا، وأُوِّلَ الحديثُ بأنهُ كانَ يطلعُ الفجرُ وهوَ ﷺ في المسجدِ ومنْ بعدِ صلاتِه الفجرَ يخلُو بنفسِه في المحلِّ الذي أعدَّه لاعتكافِه.

стр. 1175

قلتُ: ولا يخْفَى بعدُهُ؛ فإنَّها كانتَ عادتُه ﷺ أن لا يخرجُ منْ منزلِه إلَّا عندَ الإقامة للصلاة. الأعمال التي لا تبطل الاعتكاف ٥/ ٦٥٨ - وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأسَهُ - وَهُوَ فِي المَسْجِدِ - فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعَنْها) أي: عائشة (﵂ قالتْ: إنْ كانَ رسولُ الله ﷺ ليُدخِلُ على رَأْسَهُ وهوَ في المسجدِ، فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يدخلُ البيتَ إلَّا لحاجةٍ إذا كان معتكفًا. متفق عليه، واللفظُ للبخاريِّ). في الحديثِ دليلٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ بِكُلِّ بَدَنِهِ، وأنَّ خُروجَ بعضِ بدنِه لا يضرُّ، وفيهِ أنهُ يشرعُ للمعتكفِ النظافةُ والغسلُ والحَلْقُ والتزيُّنُ، وعلى أنَّ العملَ اليسيرَ [و] (٢) الأفعالَ الخاصةَ بالإنسانِ يجوزُ فعلُها وهوَ في المسجدِ، وعلى جوازِ استخدامِ الرجلِ زوجته، وقولها: "إلَّا لحاجةٍ" يدلُّ علَى أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ منَ المسجدِ إلَّا للأمرِ الضروريِّ. والحاجةُ فسَّرها الزهريُّ بالبول والغائطِ، وقد اتُّفق على استثنائِهِمَا، واختُلِفَ في غيرِهِما منَ الحاجاتِ كالأكلِ والشربِ، وألحقَ بالبولِ والغائطِ جوازُ الخروجِ للفصدِ والحجامةِ ونحوِهما. ٦/ ٦٥٩ - وَعَنْها قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتَكِفِ أنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَلَا بَأسَ بِرِجَالِهِ إلَّا أنَّ الرَّاجِحَ وَقْفُ آخِرِهِ. [إسناده حسن]

стр. 1176

(وعَنْها) أيْ: عائشةَ (﵂: قَالَتْ: السنة علَى المعتكفِ أنْ لا يعودَ مريضًا، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يمسَّ امرأةً، ولا يباشرَها، ولا يخرجَ لحاجةٍ إلَّا لِمَا لا بدَّ لَهُ منهُ) مما سلفَ ونحوِه (ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ، ولا اعتكافَ إلَّا في مسجدٍ جامعٍ. رواهُ أبو داوُدَ، ولا بأسَ برجالِه، إلَّا أن الراجحَ وقْفُ آخِرِهِ) من قولِها: "ولا اعتكافَ إلَّا بصومٍ". [و] (١) قالَ المصنفُ (٢): جزمَ الدارقطنيُّ أنَّ القدْرَ الذي منْ حديثِ عائشةَ قولُها: "لا يخرجُ إلا لحاجةٍ"، وما عداهُ ممنْ دونَها، انتَهَى منْ فتحِ الباري. وهنَا قالَ: إنَّ آخِرَهُ موقوفٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يخرجُ المعتكفُ لشيءٍ مما عيَّنَتْهُ هذهِ الروايةُ، وأنهُ أيضًا لا يخرجُ لشهودِ الجمعةِ، وأنهُ إن فعلَ أي ذلكَ بطلَ اعتكافُهُ. وفي المسْألةِ خلافٌ كثير ولكنَ الدليل قائمٌ على ما ذكرناهُ. وأما اشتراطُ الصوم ففيهِ خلافٌ أيضًا، وهذا الحديثُ الموقوفُ دالٌّ على اشتراطِهِ، وفيهِ أحاديثُ منْها في نفي شرطِيَّتِهِ، ومنْها في إثباتها، والكلُّ لا ينتهض حجةً، إلَّا أن الاعتكافَ عُرفَ منْ فعلِهِ ﷺ ولمْ يعتكفْ إلَّا صائمًا. واعتكافُه في العشْرِ الأوَلِ منْ شوالٍ (٣) الظاهرُ أنهُ صامَها. [ولا] (٤) يعتكفْ إلَّا منْ ثاني شوالٍ، لأنَّ يومَ العيدِ يومُ شغلِه بالصلاةِ والخطبةِ والخروجِ إلى الجبانةِ، إلَّا أنهُ لا يقومُ بمجردِ الفعْلِ حجةٌ على الشرطيةِ. وأنها اشتراطُ المسجدِ فالأكثرُ على شرطيتِه إلَّا عنْ بعض العلماءِ، والمرادَ منْ كونِه جامعًا أنْ تقامَ فيهِ الصلواتُ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ وأبو حنيفةَ. وقالَ الجمهورُ: يجوزُ في كلِّ مسجدٍ إلا لمنْ تلزمُه الجمعةُ

стр. 1177

فاسْتَحَبَّ لهُ الشافعيُّ الجامعَ، وفيهِ مثلُ ما في الصومِ من أنهُ ﷺ لم يعتكفْ إلَّا في مسجدهِ، وهوَ مسجدٌ جامعٌ (١). ومنَ الأحاديثِ الدالةِ على عدمِ شرطيةِ الصيامِ قولُه: ٧/ ٦٦٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵂ أن النبيّ ﷺ قالَ: "لَيْسَ عَلَى المُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلا أنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، والْحَاكِمُ (٣)، وَالرَّاجِحُ وَقْفَهُ أَيْضًا. [موقوف] (وعنِ ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قالَ: لَيْس على المعتكفِ صيامٌ إلَّا أن يجعلَه على نفسه. رواهُ الدارقطنيُّ، والحاكمُ، والراجحُ وقْفُه أيضًا) علَى ابن عباسٍ. قالَ البيهقيُّ (٤): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ ورفْعُهُ وهْمٌ وللاجتهادِ في هذا مسرحٌ، فلا يقومُ دليلٌ على عدمِ الشرطيةِ. وأمّا قولُه: "إلَّا أنْ يجعلَه على نفسِه"، فالمرادُ أنْ يَنْذرَ بالصومِ. وقت ليلة القدر ٨/ ٦٦١ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رِجالًا مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في الْمَنَامِ، في السَّبْعِ الأوَاخِر، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأتْ في السّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السّبْعِ الأوَاخِرِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعَنِ ابن عمرَ ﵄ أن رجالًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ )، قال المصنفُ: لم أقفْ على تسميةِ أحدٍ منْ هؤلاءِ، وقولِه: (أُرُوا) بضمِّ الهمزةِ على البناءِ للمجهولِ (ليلةَ القدرِ في المنامِ) أي: قيلَ لهمْ: في المنامِ هي (في السبعِ الأواخِرِ، فقالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرَى) بضمِّ الهمزةِ أي: أظنُّ (رؤياكمْ قد تواطأتْ) أي: توافقتْ لفظًا

стр. 1178

ومعنًى، (في السبعِ الأواخر، فمنْ كانَ متحرِّيْها فليتحرَّها في السبع الأواخِر. متفقٌ عليهِ). وأخرجَ مسلمٌ (١) منْ حديثِ ابن عمرَ [مرفوعًا] (٢): "التمسُوها في العشرِ الأواخِرِ، فإنْ ضَعُفَ أحدٌ أوْ عَجَزَ فلا يُغْلَبَنَّ على السبعِ البواقي". وأخرجَ أحمدُ (٣): "رأَى رجلٌ أن ليلةَ القدرِ ليلةُ سبع وعشرينَ أو كذا، فقالَ النبيُّ ﷺ : "التَمسُوها في العشرِ البواقي في الوترِ منْها"، ورَوَى أحمدُ (٤) منْ حديثِ عليٍّ مرفُوعًا: "إنْ غُلِبْتُمْ فلا تُغْلَبُوا على السبعِ البواقي"، وجُمِعَ بينَ الرواياتِ بأنَّ العشْرَ للاحتياط منْها، وكذلكَ السبعُ، والتسعُ، لأنَّ ذلكَ هو [لمظنة] (٥)، وهوَ أقصَى ما يُظَنُّ فيهِ الإدراكُ. وفي الحديثِ دليلٌ على عِظَمِ شأنِ الرؤيا، وجوازِ الاستنادِ إليها في الأمورِ الوجوديةِ بشرطِ أنْ لا تخالفَ القواعدَ الشرعيةَ. ٩/ ٦٦٢ - وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبي سُفْيَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: "لَيلَةُ سَبْعِ وَعِشْرِينَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦)، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِهَا عَلَى أَرْبَعِينَ قَوْلًا أَوْرَدْتُهَا في فَتْحِ الْبَارِي (٧). [صحيح] (وعنْ معاويةَ بن أبي سفيانَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ في ليلةِ القدرِ: ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. رواهُ أبو داودَ) مرفُوعًا: (والراجحُ وقْفه) على معاويةَ ولهُ حكمُ الرفعِ. (وقد اختُلِفَ في تعيينِها على أربعينَ قولًا، أوردتها في فتحِ الباري)، ولا حاجةَ إلى سردِها لأنَّ منْها ما ليسَ في تعيِينها، كالقولِ بأنَّها رُفِعَتْ، والقولُ بإنكارِها منْ أصلِها؛ فإنَّ هذهِ عدَّها المصنفُ منَ الأربعينَ. [وفيها] (٨) أقوالٌ أُخَرُ لا دليلَ

стр. 1179

عليْها. وأظهرُ الأقوالِ أنَّها في السبع الأواخِرِ. وقالَ المُصنفُ في فتحِ الباري (١) بعدَ سردِه الأقوالَ: وأرجحُها كلُّها أنَّها في وترِ العشرِ الأواخرِ، وأنَّها تنتقلُ كما يفهمُ منْ حديثِ هذا البابِ، وأرجَاها أوتارُ الوترِ عندَ الشافعيةِ إحدَى وعشرينِ، وثلاثٌ وعشرين على ما في حديثي أبي سعيدٍ (٢)، وعبدِ اللهِ بن أُنَيْسٍ (٣)، وأرجَاها عندَ الجمهورِ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ. ماذا يقول من وافق ليلة القدر ١٠/ ٦٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: "قولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحبُّ العَفوَ فَاعفُ عَنِّي". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، غَيْرَ أَبي دَاوُدَ (٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ (٥). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ علمتُ أيَّ ليليةٍ ليلةُ القدرِ ما أقولُ فيها قالَ: قولي اللَّهمَّ إنكَ عفوٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني. رواهُ الخمسةُ غيرُ أبي داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، والحاكم). قيلَ (٦): علامتُها أن المطَّلِعَ عليها يَرَى كلَّ شيءٍ ساجدًا، وقيلَ: يَرَى الأنوارَ في كلِّ مكانٍ ساطعةً حتَّى في المواضعَ المظلمةِ، وقيلَ: يسمعُ سلامًا أو خِطابًا منَ الملائكةِ، وقيلَ: علامتُها استجابةُ دعاءِ مَنْ وقعتْ لهُ. وقالَ الطبريُّ: ذلكَ غيرُ لازمٍ فإنَّها قدْ تحصلُ ولا يُرَى شيءٌ

стр. 1180

ولا يُسْمَعُ. واختلفَ العلماءُ هلْ يقعُ الثوابُ المرتَّبُ لمنِ اتفقَ أنُ وافقَها ولم يظهرْ له شيءٌ، أو يتوقفُ ذلكَ على كشفِها؟ ذهبَ إلى الأولِ الطبري وابنُ العربيِّ وآخرونَ، وإلى الثاني ذهبَ الأكثرونَ، ويدلُّ لهُ ما وقعَ عن مسلم (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "مَنْ يقُمْ ليلةَ القدرِ فيوافقها". قال النوويُّ (٢): أي يعلمُ أنَّها ليلةُ القدرِ، ويحتملُ أن المراد يوافقُها في نفسِ الأمرِ وإنْ لم يعلمْ هوَ ذلكَ، ورجَّحَ هذَا المصنفُ. قالَ: ولا أنكرُ حصولَ الثوابِ الجزيلِ لمنْ قامَ ابتغاء ليلةِ القدرِ وإنْ لم [يوافقها] (٣)، وإنَّما الكلامُ في حصولِ الثوابِ المعيَّنِ الموعودِ به، وهوَ مغفرةُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ. يحرم شدُّ الرحال لزيارة الصالحين لقصد التبرك ١١/ ٦٦٤ - وعَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : لا تُشَدُّ) بضمِّ الدالِ المهملةِ، على أنهُ نفيٌ، ويُرْوَى بسكونِها على أنهُ نهْيٌ، (الرِّحال) جمعُ رَحْلٍ، وهوَ للبعيرِ كالسَّرْجِ للفرسِ، وشدُّهُ هنا كنايةٌ عن السفرِ لأنهُ لازمَه غالبًا، (إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرام) أي: المحرَّمِ، (ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى. متفقٌ عليه). اعلمْ أن إدخالَ هذا الحديثِ في بابِ الاعتكافِ لأنهُ قدْ قيلَ: أنه لا يصحُّ الاعتكافُ إلَّا في الثلاثةِ المساجدِ (٥)، ثمَّ المرادُ بالنفي النهيُ مجازًا كأنهُ

стр. 1181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1182

قالَ: لا يستقيمُ شرْعًا أنْ يقصدَ بالزيارةَ إلَّا هذهِ البقاعَ لاختصاصِها بما اختصَّتْ بهِ منَ المزية التي شرَّفَها اللَّهُ تعالى بِها. والمرادُ منَ المسجدِ الحرامِ هوَ الحرمُ كلُّه لما رواهُ أبو داودَ الطيالسيُّ (١) منْ طريقِ عطاءٍ: "أنهُ قيلَ لهُ: هذَا الفضلُ في المسجدِ الحرامِ وحدَه أمْ في الحرمِ؟ قالَ: بلْ في الحرمِ كلِّهِ"، ولأنهُ لما أرادَ ﷺ التعيينَ للمسجدِ قالَ: "مسجدي هذَا"، والمسجدُ الأقْصَى بيتُ المقدسِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنهُ لم يكنْ وراءَهُ مسجدٌ كما قالُ الزمخشريُّ (٢). والحديثُ دليلٌ على فضيلةِ المساجدِ هذهِ، ودلَّ بمفهومِ الحصْرِ أنهُ يحرمُ شدُّ الرحالِ لقصدِ غيرِ الثلاثةِ، كزيارةِ الصالحينَ أحياءً وأمواتًا لقصدِ التقرُّبِ، وقصد المواضعِ الفاضلةِ لقصدِ التبرُّكِ بها والصلاةِ فيها. وقدْ ذهبَ إلى هذا الشيخُ أبو محمدٍ الجوينيُّ، وبهِ قالَ القاضي عياضٌ وطائفةٌ، ويدلُّ عليه ما رواهُ أصحابُ السننِ (٣) منْ إنكارِ أبي بصرةَ الغفاريِّ على أبي هريرةَ خروجَهُ إلى الطورِ، وقالَ: لو أدركتُكَ قبلَ أنْ تخرجَ ما خرجتُ. واستدلَّ بهذا الحديثِ ووافقَهُ أبو هريرةَ. وذهبَ الجمهورُ إلى أن ذلكَ غيرُ محرَّمٍ، واستدلُّوا بما لا ينهضُ، وتأولُوا حديث الباب بتآويلَ بعيدةٍ، ولا ينبغي التأويلُ إلَّا بعدَ أنْ ينهضَ على خلافِ ما أَوَّلُوهُ الدليلُ (٤). وقدْ دلَّ الحديثُ على فضلِ المساجدِ الثلاثةِ، وأنَّ أفضلَها المسجدُ الحرامُ لأنَّ التقديمَ ذكرًا يدلُّ على مزيةِ المقدَّمِ، ثمَّ مسجدُ المدينةِ، ثمَّ المسجدُ الأقْصَى. وقدْ دلَّ لِهذَا أيضًا ما أخرجهُ البزَّارُ (٥) وحسَّنه منْ حديثِ أبي الدرداء

стр. 1183

مرفُوعًا: "الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةً، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسِمِائةِ صلاة"، وفي معناهُ أحاديثُ أُخَرُ. ثمَّ اختلفَ هل الصلاةُ في هذه المساجدِ تعمُّ الفرضَ والنَّفلَ أو تخصُّ الأولَ؟ قال الطحاويُّ وغيرُهُ: تخصُّ بالفروضِ لقولِه ﷺ : "أفضلُ صلاة المرءِ في بيتِهِ إلَّا المكتوبةَ" (١). ولا يخْفى أنّ لفظَ الصلاةِ المعروفَ بلامِ الجنسِ عامٌّ فيشملَ النافلةَ، إلا أنْ يُقَالَ: لفظَ الصلاةِ إذا أُطْلِقَ لا يتبادرُ منهُ إلَّا الفريضةُ فلا يشملُها. * * *

стр. 1184

[الكتاب السادس] كتابُ الحَجِّ الحجُّ بفتحِ الحاءِ المهمله وكسرِها لغتانِ، وهوَ ركنٌ منْ أركانِ الإسلامِ الخمسةِ بالاتفاقِ، وأولُ فرضِه سنةَ ستٍّ عندَ الجمهورِ، واختارَ ابنُ القيمِ في الهدي (١) أنهُ فُرِضَ سنةَ تسعٍ أو عشرٍ، وفيهِ خلافٌ. [الباب الأول] باب فضلهِ وبيان مَنْ فرِضَ عليهِ فضل العمرة وتكرارها ١/ ٦٦٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "العُمرَةُ إلَى العُمرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَينَهُمَا، وَالحَجُّ المَبرُورُ لَيسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢) [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ عنه أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: العُمرة إلى العُمرةِ كفارةٌ لما بينَهما، والحجُّ المبرورُ)، قيلَ: هوَ الذي لا يخالطُه شيءٌ منَ الإثمِ، ورجَّحهُ النوويُّ (٣). وقيلَ: المقبولُ، وقيل: هوَ الذي تظهرُ ثمرتُه على صاحبِه بأنْ يكونَ

стр. 1185

حالُه بعدَه خَيْرًا منْ حالِه قبلَه. وأخرجَ أحمدُ (١)، والحاكمُ (٢) منْ حديثِ جابرٍ: "قيلَ يا رسولَ اللهِ، ما برُّ الحجِّ؟ قالَ: إطعامُ الطعامِ وإفشاءُ السَّلامِ" وفي إسنادِه ضعفٌ، ولو ثبتَ لتعيَّنَ بهِ التفسير، (ليسَ لهُ جزاءٌ إلا الجنة. متفقٌ عليه). العمرةُ لغةً الزيارةُ، وقيلَ: القصدُ. وفي الشرعِ: إحرامٌ، وسعيٌ، وطوافٌ، وحَلْقٌ، أو تقصيرٌ، سميتْ بذلكَ لأِنَّهُ يزارُ بها البيتُ، ويقصدُ. وفي قولِه: "العمرةُ إلى العمرةِ" دليلٌ على تكرارِ العمرةِ، وأنهُ لا كراهةَ في ذلكَ، ولا تحديدَ بوقتٍ. وقالتِ المالكيةُ (٣): يكرهُ في السنةِ أكثرُ منْ عمرةٍ واحدةٍ، واستدلُّوا لهُ بأنهُ ﷺ لمْ يفعلْها إلَّا منْ سنةٍ إلى سنةٍ، وأفعالُه ﷺ تُحْمَلُ عندَهم على الوجوبِ أو الندبِ. وأجيبَ عنه بأنهُ عُلِمَ منْ أحوالِهِ ﷺ أنهُ كانَ يتركُ الشيءَ وهوَ يستحبُّ فعله ليرفعَ المشقةَ عن الأمةِ، وقد ندبَ إلى ذلكَ بالقولِ. وظاهرُ الحديثِ عمومُ الأوقاتِ في شرعيَّتِها، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ. وقيلَ: إلا للمتلبس بالحجِّ، وقيل: إلَّا أيامُ التشريقِ، وقيلَ: ويومُ عرفةَ، وقيلَ: إلَّا أشهرُ الحجِّ لغيرِ المتمتعِ والقارنِ، والأظهرُ أنَّها مشروعةٌ مطلقًا، وفعلُه ﷺ لها في أشهرِ الحجِّ يردُّ قولَ مَنْ قالَ بِكَراهَتِها فيها، فإنّه ﷺ يَعْتَمِرْ عُمُرهُ الأربَعِ إِلّا في أشهُرِ الحجِّ كما هوَ معلومٌ، وإنْ كانتِ العمرةُ الرابعةُ في حجِّهِ، فإنهُ ﷺ حجَّ قارنًا كما تظاهرتْ عليهِ الأدلةُ، وإليه ذهبَ من الأئمةِ الأجلَّةُ. ٢/ ٦٦٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ، عَلَيهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وَابْنُ مَاجَهْ (٥)، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحِ (٦). [صحيح]

стр. 1186

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، على النساءِ جهادٌ) هوَ إخبارٌ يُرَادُ بهِ الاستفهامُ (قالَ: نعمْ عليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه) كأنَّها قالتْ: ما هوَ؟ فقالَ: (الحجُّ والعمرة) أُطْلِقَ عليهما لفظُ الجهادِ مجازًا، شبَّههُمَا بالجهادِ، وأطلقَه عليهما بجامعِ المشقةِ. وقولُه: "لا قتالَ فِيه" إيضاحٌ للمرادِ، وبذكرِه خرجَ عنْ كونِه استعارةً، والجوابُ منَ الأسلوبِ الحكيمِ (رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجهْ، واللفظُ لهُ)، أي: لابنِ ماجهْ، (وإسنادُهُ صحيحٌ، وأصلُه في الصحيحِ) أي: في صحيحِ البخاريِّ. وأفادتْ عبارتُه أنهُ إذا أُطْلِقَ الصحيحُ فالمرادُ بهِ البخاريُّ، أوْ أرادَ بذلكَ ما أخرجهُ البخاريُّ (١) منْ حديثِ عائشةَ بنتِ طلحةَ عنْ عائشةَ أمِّ المؤمنينَ: "أنَّها قالتْ: يا رسولَ الله، نَرَى الجهادَ أفضلَ العملِ أفلا نجاهدُ؟ قالَ: لا، لكنْ أفضلُ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ". وأفادَ تقييدَ إطلاقِ روايةِ أحمد للحجِّ، وأفادَ أن العمرةَ والحجَّ يقوم مقامَ الجهادِ في حقِّ النساءِ، وأفادَ أيضًا بظاهرِه أن العمرةَ واجبةٌ إلَّا أن الحديثَ الآتي يخالفه وهوَ: حكم العمرة وأقوال العلماء في ذلك ٣/ ٦٦٧ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَتى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْني عَنِ العُمْرَةِ، أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: "لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ خَيرٌ لَكَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣)، وَالرَّاجِحُ وَقْفُهُ. [ضعيف] (وعَنْ جابر ﵁ قالَ: أتَى النبيَّ ﷺ أعرابيٌّ) بفتحِ الهمزةِ، نسبةً إلى الأعراب، وهمْ سكانُ الباديةِ الذينَ يطلبونَ مساقطَ الغيثِ والكلأ، سواءً كانُوا منَ العربِ أَو منْ مواليهِمْ. والعربيُّ مَنْ كانَ نسبُه إلى العربِ ثابتًا، وجمعه أعرابٌ، ويجمعُ الأعرابيُّ على الأعرابِ والأعاربِ (فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أخبرني عن العمرةِ؟) أي: عنْ حكمِها كما أفادُه (أواجبةٌ هي؟ قال: لا) أي: لا تجبُ، وهوَ منَ

стр. 1187

الاكتفاءِ، (وأنْ تعتمرَ خيرٌ لكَ) أي: مِنْ تركَها، والأخيَريةُ في الأجرِ تدلُّ على ندبِها، وأنَّها غيرُ مستويةِ الطرفينِ حتَّى تكونَ منَ المباحِ، والإتيانُ بهذهِ الجملةِ لدفعِ ما يُتَوَّهَمُ أنَّها إذا لم تجبْ تردَّدتْ بينَ الإباحةِ والندبِ بلْ كانَ ظاهرًا في الإباحة، لأنَّها الأصلُ فأبانَ ندبَها (رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ) مرفُوعًا، (والراجح وَقْفُهُ) على جابرٍ، فإنهُ الذي سألَهُ الأعرابيُّ وأجابَ عنهُ، وهوَ مما للاجتهادِ فيهِ مسرحٌ (وأخرجه ابن عديٍّ (١) منْ وجهٍ آخرَ)، وذلكَ أنهُ رواهُ منْ طريقِ أبي عصمةَ (٢)، عن ابن المنكدرِ، عنْ جابرٍ. وأبو عصمةَ كذَّبوهُ، (ضعيفٌ)؛ لأنَّ في إسنادِه أبا عصمة، وفي إسناده [عندَ] أحمدَ، والترمذيِّ أيضًا الحجاج بنُ أرطاةَ (٣) وهو ضعيفٌ. وقدْ رَوَى ابنُ عديٍّ (٤)، والبيهقيِّ (٥) منْ حديثِ عطاءٍ عنْ جابرٍ: "الحجٌّ والعمرةُ فريضتانِ" سيأتي بما فيه (٦). والقولُ بأنَّ حديثَ جابرٍ المذكورَ صحَّحَهُ التِّرمذيُّ مردودٌ بما في الإمامِ أنَّ الترمذيَّ لمْ يزدْ على قولِه حَسَنٌ في جميعِ الرواياتِ عنهُ، وأفرطَ ابنُ حزمٍ (٧) فقالَ: إنهُ مكذوبٌ باطلٌ. وفي البابِ أحاديثُ لا تقومُ بها حجةٌ. ونقلَ الترمذيُّ (٨) عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: ليسَ في العمرةِ شيءٌ ثابتٌ، إنَّها تطوُّعٌ، وفي إيجابِها أحاديثُ لا تقومُ بها الحجةُ كحديثِ عائشةَ الماضي وكالحديثِ:

стр. 1188

حجة من قال بوجوب العمرة ٤/ ٦٦٨ - وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ (١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ. عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا: "الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ". [ضعيف] (وعنْ جابرٍ ﵁ مرفوعًا: الحجُّ والعمرةُ فريضتانِ)، ولو ثبتَ لكانَ ناهضًا على إيجابِ العمرةِ، إلَّا أن المصنفَ هنا لم يذكرْ مَنْ أخرجَهُ، ولا ما قيلَ فيهِ، والذي في التلخيصِ (٢) أنهُ أخرجَهُ ابن عديٍّ والبيهقي من حديث ابن لهيعة عن عطاء، عنْ جابرٍ، وابنِ لهيعةَ ضعيفٌ، وقالَ ابنُ عديٍّ: هوَ غيرُ محفوظٍ عنْ عطاء. وأخرجهُ أيضًا الدارقطنيُّ (٣) منْ حديث زيدِ بن ثابت من طريق ابن سيرين موقوفًا بزيادةِ: "ولا يضرُّكَ بأيِّهما بدأتَ"، وفي إحدَى طريقَيْهِ ضعفٌ، وانقطاعٌ في الأُخْرى، ورواهُ البيهقي (٤) عن زيد بن ثابت منْ طريقِ ابن سيرينَ موقوفًا، وإسنادُه أصحُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ (٥). ولما اختلفتِ الأدلةُ في إيجابِ العمرةِ وعدمِهِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ سَلَفًا وخَلَفًا؛ فذهبَ ابنُ عمرَ إلى وجوبِها، رواهُ عنهُ البخاريُّ تعليقًا (٦)، ومثله ابنُ خزيمةَ (٧)، والدارقطنيُّ (٨)، وعُلِّقَ أيضًا (٩) عن ابن عباسٍ أنَّها واجبة لقرينتها في كتابِ اللهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١٠)، ووصلهُ عنهُ الشافعي (١١)

стр. 1189

وغيرُه، وصرَّحَ البخاريُّ (١) بالوجوبِ، وبوَّبَ عليه بقولهِ: "بابُ وجوبِ العمرةِ وفضْلِها"، وساقَ خبرَ ابن عمرَ وابنِ عباس. واستدلَّ غيرُه للوجوب بحديثِ: "حُجَّ عنْ أبيكَ واعْتَمِرْ" (٢)، وهوَ حديثٌ صحيح. قالَ الشافعيُّ: لَا أعلمُ في إيجابِ العمرةِ أجودَ منهُ. وإلى الإيجابِ ذهبت الحنفيةُ لِمَا ذُكِرَ منَ الأدلةِ، وأمّا الاستدلالُ بقولهِ تعالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)، فقد أُجِيبَ عنهُ بأنهُ لا يفيدُ إلَّا وجوبَ الإتمامِ، وهُو متفقٌ على وجوبِهِ بعدَ الإحرام بالعمرةِ ولو تَطَوُّعًا. وذهبت الشافعيةُ (٤) إلى أنَّ العمرةَ فرضٌ في الأظهرِ. والأدلةُ لا تنتهض عندَ التحقيقِ على الإيجابِ الذي الأصلُ عدمُهُ. ٥/ ٦٦٩ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا السّبيلُ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٥)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٦)، وَالرَّاجِحُ إِرْسَالُهُ. [ضعيف]

стр. 1190

- وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف] (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، ما السبيل) الذي ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالَى في الآيةِ؟ (قالَ: الزَّادُ والراحلةُ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ). قلتُ: والبيهقيُّ (٢) أيضًا منْ طريقِ سعيدِ بن أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ ، (والراجحُ إرسالُه)، لأنهُ قالَ البيهقيُّ: الصوابُ عنْ قتادةَ عن الحسنِ مرسلًا. قالَ المصنفُ (٣): يعني الذي أخرجهُ الدارقطني وسندُه صحيحٌ إلى الحسنِ، ولا أرَى الموصولَ إلَّا وهْمًا. (وأخرجهُ الترمذيُّ منْ حدِيثِ ابن عمرَ أيضًا)، أي: كما أخرجهُ غيرُه منْ حديثِ أنسٍ، (وفي إسناده ضعفٌ)، وإن قالَ الترمذيُّ: إنهُ حسنٌ، وذلكَ أن فيهِ راويًا [متروكًا. والحديثِ] (٤) وله طُرُقٌ عنْ عليٍّ (٥)، وعنْ ابن عباسٍ (٦)، وعنِ ابن مسعودٍ (٧)، وعنْ عائشةَ (٨)، وعنْ غيرِهم منْ طُرُقٍ كلُّها ضعيفةٌ. قالَ عبدُ الحقِّ: طرقُهُ كُلُّها ضعيفةٌ. وقالَ ابنُ المنذرِ: لا يثبتُ الحديثُ في ذلكَ مسندًا، والصحيحُ روايةُ الحسنِ المرسلةِ. وقدْ ذهبَ إلى هذا التفسيرِ أكثرُ الأمةِ، فالزادُ شرطٌ مطلقًا، والراحلةُ لمن دارُهُ على مسافةٍ.

стр. 1191

وقالَ ابنُ تيميةَ في شرحِ العمدةِ بعدَ سردِه لما وَرَدَ في ذلكَ: فهذهِ الأحاديثُ مسندَةٌ منْ طرقٍ حِسَانٍ، ومرسلةٌ وموقوفةٌ تدلُّ على أن مناطَ الوجوبِ الزادُ والراحلةُ معَ علمِ النبيِّ ﷺ أن كثيرًا منَ الناس يقدرونَ على المشي، وأيضًا فإنَّ الله تعالى قال في الحجِّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، إمَّا أنْ يعني القدرةَ المعتبرَةَ في جميعِ العباداتِ وهو مطلقُ المُكْنةِ، أوْ قَدْرًا زائدًا على ذلكَ، فإنْ كانَ المعتبرُ هوَ الأولُ لم يحتجْ إلى هذا التقييدِ كما لم يحتجْ إليه في آيةِ الصومِ والصلاةِ، فَعُلِمَ أن المعتبرَ قدرٌ زائدٌ في ذلك، وليسَ هوَ إلَّا المالُ. وأيضًا فإن الحجَّ عبادةٌ تفتقر إلى مسافةٍ فافتقرَ وجوبُها إلى ملكِ الزادِ والراحلةِ كالجهادِ، ودليلُ الأصلِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ (٢) [إلى قوله] (٣): ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (٤) الآية انتهَى. وذهبَ ابنُ الزبيرِ وجماعةٌ منَ التابعينَ إلى أن الاستطاعةَ هي الصحةُ لا غيرُ، لقولِه تعالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٥) فإنهُ فسَّرَ الزادَ بالتقْوى. وأُجيبَ بأنهُ غيرُ مرادٍ منَ الآيةِ كما يدلُّ له سببُ نزولها. وحديثُ البابِ يدلُّ أنَّهُ أريدَ بالزادِ الحقيقةُ وهوَ وإن ضَعُفَتْ طُرُقُهُ فكثْرتُها تشدُّ ضعفَه، والمرادُ به كفايةٌ فاضلةٌ عنْ كفايةِ [مَنْ يعولُ] (٦) حتَّى يعودَ لقولِه ﷺ : "كَفَى بالمرءِ إثْمًا أنْ يضيِّعَ مَنْ يعولُ"، أخرجهُ أبو داودَ (٧). ويجزئُ الحجُّ وإنْ كانَ المالُ حرامًا ويأثمُ عندَ الأكثرِ. وقالَ أحمدُ: لا يجزئُ. حجُّ الصبي ٦/ ٦٧٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ رَكْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ "، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقالَ: "رَسُولُ الله"، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). [صحيح]

стр. 1192

(وعَنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ لَقِيَ) [ركبًا بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب] (١). قالَ عياضٌ: يحتملُ أنهُ لقيَهُم ليلًا فلم يعرفوهُ ﷺ ، ويحتملُ أنهُ نهارًا ولكنَّهم لم يروهُ قبلَ ذلكَ (ركبًا بالرَّوحاءِ)، براءٍ مهملةٍ بعدَ الواوِ حاءٌ مهملةٌ بزنةِ حمراءَ، محلٌّ قربَ المدينةِ (فقالَ: مَنِ القومُ؟ فقالُوا) المسلمونَ، فقالُوا: (مَنْ أنتَ؟ فقالَ: رسولُ اللَّهِ، فرفعتْ إليهِ امرأةٌ صبيًا فقالتْ: ألِهَذَا حَجٌّ؟ قالَ: نعم ولكِ أجرٌ) بسببِ حملِها [له] (١)، وحجِّها به، أو بسببِ سؤالِها عنْ ذلكَ الحكمِ، أو بسببِ الأمرينِ (أخرجهُ مسلمٌ). والحديثُ دليلٌ أنهُ يصحُّ حجٌّ الصبيِّ وينعقدُ سواءٌ كانَ مميزًا أمْ لا، حيثُ فَعَلَ وليَّهُ عنهُ ما يفعلُ الحاجُّ، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ ولكنَهُ لا يجزِيهِ عنْ حجَّةِ الإسلامِ لحديثِ ابن عباسٍ: "أيُّما غلامٍ حجَّ بهِ أهلُه ثمَّ بلغَ فعليهِ حجةٌ أخرَى" أخرجهُ الخطيبُ (٢)، والضياءُ المقدسيُّ منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁ وفيه زيادةٌ [أخرى] (١) قالَ القاضي: أجمعُوا [على] (٣) أنهُ لا يجزئُه إذا بلغَ عنْ فريضةِ الإسلامِ إلَّا فرقةٌ شذَّتْ فقالتْ: يجزئه لقولِه: "نعمْ" فإنَّ ظاهرَه أنهُ حجٌّ، والحجُّ إذا أُطْلِقَ يتبادرُ منهُ ما يُسْقِطُ الواجبَ، ولكنَّ العلماءَ ذهبُوا إلى خلافِ ذلكِ. قالَ النوويُّ (٤): والوليُّ الذي يُحرِمُ عن الصبيِّ إذَا كانَ غيرَ مميِّزٍ هوَ وليُّ مالِهِ وهوَ أبوهُ [أو جدُّهُ أو الوصيُّ، أي: المنصوبُ] (٥) منْ جهةِ الحاكمِ. وأما الأمُّ فلا يصحُّ إحرامُها عنهُ إلا أنْ تكونَ وصيةً عنهُ أو منصوبةً منْ جهةِ الحاكمِ. وقيلَ: يصح إحرامُها وإحرامُ العصبةِ وإنْ لم يكنْ لهم ولايةُ المالِ. وصفةُ إحرامِ الوليِّ عنهُ أنْ يقولَ بقلبِه: جعلْتُه مُحرمًا.

стр. 1193

الحج عن الغير وما قيل فيه ٧/ ٦٧١ - وعَنْهُ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ. وَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَر. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ في الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخِارِي (١). [صحيح] (وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (﵄ قالَ كانَ الفضلُ بنُ [عباسٍ] (٢) رديفَ رسولِ اللهِ ﷺ ) أي: في حجةِ الوداعِ، وكانَ ذلكَ في منَى (فجاءتِ امرأةٌ منْ خَثْعَمَ) بالخاءِ المعجمةِ مفتوحةً فمثلثةٍ ساكنةٍ، فعينٍ مهملةٍ، قبيلةٌ معروفةٌ (فجعلَ الفضلُ ينظرُ إليها وتنظرُ إليهِ، وجعلَ النبيُّ ﷺ يصرفُ وجهَ الفضلِ إلى الشقِّ الآخر، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادهِ في الحجِّ أدركتْ أبي) حالَ كونِه (شيخًا) منتصبٌ على الحالِ، وقولُه: (كبيرًا) يصحُّ صفةً، ولا ينافي اشتراطُ كونِ الحالِ نكرةً إذْ لا يخرجهُ ذلكَ عنْها، (لا يثبُتُ) صفةٌ ثانيةٌ (على الراحلةِ) يصحُّ صفة أيضًا، ويحتمل الحالَ ووقعَ في بعضِ ألفاظِهِ: "وإنْ شددتُه خشيتُ عليه"، (أفأحجُّ) نيابةً (عنهُ؟ قالَ: نعمْ) أي: حُجِّي عنهُ، (وذلكَ) أي: جميعُ ما ذُكِرَ (في حجةِ الوداعِ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). في الحديث رواياتٌ أُخَرُ، ففي بعضِها أن السائلَ رجلٌ وأنهُ سألَ" [أن] (٣) يحجَّ عنْ أمِّهِ" فيجوزُ تعدُّدُ [القصة] (٤). وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ [يجوز] (٥) الحجُّ عن المكلَّفِ إذا كانَ مأيوسًا منهُ القدرةَ على الحجِّ بنفسهِ مثلُ الشيخوخةِ، فإنهُ مأيوسٌ زوالُها، وأما إذا كانَ

стр. 1194

عدمُ القدرةِ لأجلِ مرضٍ أو جنونٍ يُرْجَى برؤُهما فلا يصحُّ. وظاهرُ الحديثِ معَ الزيادةِ (١) أنه لا بدَّ في صحةِ التحجيجِ عنهُ منَ الأمرينِ: عدمُ ثباتِه على الراحلةِ، والخشيةُ منَ الضررِ عليهِ من شدِّه، فمنْ لا يضرُّهُ الشدُّ كالذي يقدرُ علَى المحفةِ لا يجزئُه حجُّ الغيرِ [عنه] (٢)، إلَّا أنهُ ادَّعى في البحرِ (٣) الإجماعَ على أن الصحةَ وهي التي يستمسكُ معَها قاعدًا شرطٌ بالإجماع، فإنْ صحَّ الإجماعُ فذاكَ وإلَّا فالدليلُ معَ مَنْ ذكرنا، قيلَ: ويؤخذُ منَ الحديثِ أَنَّه إذا تبرعَ أحدٌ بالحجِّ عنْ غيرِه لزمَه الحجُّ عنْ ذلكَ الغيرِ، وإنْ كانَ لا يجبُ عليهِ الحجُّ، ووجهُه أن المرأةَ لم تبيِّنْ أن أباها مستطيعٌ بالزادِ والراحلةِ، ولم يستفصلْ ﷺ عنْ ذلك، وَرُدَّ هذا بأنهُ ليسَ في الحديثِ إلا الإجزاءُ لا الوجوبُ، فلم يتعرَّضْ لهُ، وبأنهُ يجوزُ أنَّها قدْ عرفتْ وجوبَ الحجِّ على أبيْها كما يدلُّ لهُ قولُها: "إنَّ فريضةَ اللهِ على عبادِه في الحجِّ"، فإنَّها عبادة دالةٌ على علمِها بشرطِ دليلِ الوجوبِ وهوَ الاستطاعةُ. واتفقَ القائلونَ بإجزاءِ الحجِّ عنْ فريضةِ الغيرِ بأنهُ لا يجزئُ إلَّا عنْ موت أو عدمِ قدرةٍ منْ عجز ونحوِه بخلافِ النفلِ فإنَّهُ ذهبَ أحمدُ (٤) وأبو حنيفةَ (٥) إلى جوازِ النيابةِ عن الغيرِ فيهِ مطلقًا للتوسيعِ في النفلِ. وذهبَ بعضُهم إلى أن الحجَّ عن فرضِ الغيرِ لا يجزئُ أحدًا، وأنَّ هذا الحكمَ يختصُّ بصاحبةِ هذه [القضية] (٦) وإنْ كانَ الاختصاصُ خلافَ الأصلِ إلا أنهُ استدلَّ بزيادةٍ رويتْ في الحديثِ بلفظ: "حُجِّي عنهُ وليسَ لأحدٍ بعدك"، وَرُدَّ بأنَّ هذه الزيادةَ رويتْ بإسنادٍ ضعيفٍ. وعنْ بعضِهم أنهُ يختصُّ بالولدِ وأجيبَ [عنهُ] (٧) بأنَّ القياسَ عليهِ دليلٌ شرعيٌّ. وقد نبَّهَ ﷺ على العلةِ بقولهِ في الحديث: "فَدَيْنُ اللهِ أحَقُّ بالقضاءِ" كما يأتي، فجعله دَيْنًا، والدينُ يصحُّ أنْ يقضيهِ غيرُ الولدِ بالاتفاقِ، وما يأتي منْ حديثِ شُبْرُمَة (٨).

стр. 1195

٨/ ٦٧٢ - وَعَنْهُ ﵄ أن امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أُمي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتى مَاتَتْ، أَفَأحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيتِ لَو كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقضُوا الله فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِي (١) [صحيح] (وعنهُ) أيْ: عن ابن عباسٍ (أن امرأةً) قالَ المصنفُ: لم أقفْ على اسمِها ولا اسمِ أمِّها (منْ جُهَيْنةَ) بضمِّ الجيمِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ فنونٌ، اسمُ قبيلةٍ (جاءتْ إلى النبيِّ ﷺ فقالتْ: إنَّ أمي نذرتْ أنْ تحجَّ ولم تحجَّ حتَّى ماتَتْ، أَفأحُجُّ عنْها؟ قالَ: نعم حجِّي عنْها، أرأيتِ لو كَانَ على أمِّك دينٌ أكنتِ قاضيَتَهُ؟ اقضُوا اللَّهَ فاللَّهُ أحقُّ بالوفاءِ. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على أنَّ الناذرَ بالحجِّ إذا ماتَ ولم يحجَّ أجزأَه أنْ يحجَّ عنهُ ولدُه [وقريبُه] (٢)، ويجزئهُ عنهُ وإنْ لم يكنْ قدْ حجَّ عنْ نفسِه لأنهُ ﷺ لم يسأَلْها حجَّتْ عنْ نفسِها أمْ لا، ولأنهُ ﷺ شبَّههُ بالدَّيْنِ، وهوَ يجوزُ أنْ يقضيَ الرجلُ دَيْنَ غيرِه قبلَ دينِه، وردَّ بأنهُ سيأتي في حديثِ شبرمه (٣) ما يدلُّ على عدمِ إجزاءِ حجِّ مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسه. وأما مَسألةُ الدِّيْنِ فإنهُ لا يجوزُ لهُ أن يصرفَ مالَه إلى دينِ غيرِه وهوَ مطالبٌ بدينِ نفسِه. وفي الحديثِ دليلٌ على مشروعيةِ القياسِ، وضربِ المثل ليكونَ أوقعَ في نفسِ السامعِ، وتشبيهُ المجهولِ حكمهُ بمعلوم (٤)، فإنهُ دلَّ أن قضاءَ الدَّيْنِ عن الميتِ كانَ معلومًا عندَهم متقرَّرًا ولهذا حسنَ الإلحاقُ بهِ. ودلَّ على وجوب التحجيجِ عن الميتِ سواءٌ أَوْصَى أمْ لم يوصِ، لأنَّ الديْنَ يجبُ قضاؤُه مطلقًا، وكذا سائرُ الحقوقِ الماليةِ منْ كفارةٍ ونحوِها. وإلى هذا ذهبَ ابنُ عباسٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هريرةَ، والشافعيُّ، ويجبُ إخراجُ الأجرةِ

стр. 1196

منْ رأسِ المالِ عندَهم، وظاهرُه أنهُ يُقَدَّمُ على دَيْنِ الآدميِّ، وهوَ أحدُ أقوالِ الشافعيُّ، ولا يعارضُ ذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١) [الآية] (٢)، لأنَّ ذلك عامٌّ (٣) خصَّهُ هذا الحديثُ، أوْ لأنَّ ذلكَ في حقِّ الكافرِ. وقيل: اللامُ في الآيةِ بمعنَى على، أي ليسَ عليه، مثلُ: "ولهمُ اللعنةُ"، أي: عليهمْ. وقدْ بسطنا القولَ في هذا في حواشي ضوءِ النهارِ (٤). حج الصبي والعبد ٩/ ٦٧٣ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى". رَوَاهُ ابْنُ أَبي شَيْبَةَ (٥) وَالْبَيْهَقِيُّ (٦)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ في رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. [صحيح]

стр. 1197

(وعنهُ) أي: [عن] (١) ابن عباسٍ ﵄ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أيُّمَا صبيٍّ حجَّ ثمَّ بلغَ الحِنْثَ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ النونِ، فمثلثةٍ، أي: الإثمَ، أي بلغَ أنْ يُكْتَبَ عليهِ حنثُه، (فعليهِ أن يحجَّ حجةً أخْرى، وأيُّمَا عبدٍ حجَّ ثمَّ أُعتِقَ فعليهِ [أنْ يحجَّ] (١) حجةً أُخْرى. رواهُ ابنُ أبي شيبةَ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثقاتٌ، إلَّا أنهُ اختُلِفَ في رَفْعِهِ، والمحفوظُ أنهُ موقوفٌ). قالَ ابنُ خزيمةَ (٢): الصحيحُ أنهُ موقوفٌ، وللمحدثينَ كلامٌ كثيرٌ في رفْعِهِ ووقْفِهِ. ورَوَى محمدُ بنُ كعب القرظيّ [مرفوعًا] (٣) قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إني أريدُ أنْ أجددَ في صدورِ المؤمنينَ، أيُّما صبيٍّ حجَّ بهِ أهلُه فماتَ [أجزأتْ، فإنْ أدركَ] (٤) فعليهِ الحجُّ"، ومثلُه قالَ في العبدِ، رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ، وأبو داودَ في مراسيلِه (٥)، واحتجَّ بهِ أحمدُ. ورَوَى الشافعيُّ حديثَ ابن عباسٍ. قال ابنُ تيميةَ: والمرسلُ إذا عملَ بِهِ الصحابةُ حجةٌ اتفاقًا، قالَ: وهذا مجمعٌ عليهِ، ولأنهُ منْ أهلِ العباداتِ فيصحُّ منهُ الحجُّ ولا يجزئهُ لأنه فعلَه قبلَ أنْ يخاطبَ بهِ. تحريم الخلوة بالأجنبية وسفرها من غير محرم ١٠/ ٦٧٤ - وعَنْهُ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ يَقُولُ: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وإني اكْتُتِبْتُ في غزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: "انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِك"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٦). [صحيح] (وعنهُ) أي: عن ابن عباسٍ (﵄ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يخطبُ يقولُ: "لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ) أي: أجنبيةٍ لقولِه: (إلَّا ومعَها ذو محرمٍ، ولا تسافرُ المرأةُ إلا معَ ذي محرمٍ، فقامَ رجلٌ) قالَ المصنفُ: لم أقفْ على تسميتِهِ، (فقالَ: يا

стр. 1198

رسولُ اللهِ، إنَّ امرأتي خرجتْ حاجَّةً، وإني اكتتبتُ في غزوةِ كذَا وكذَا، فقال: انطلقْ فحجَّ معَ امرأتكَ. متفقٌ عليه، واللفظُ لمسلمٍ). دلَّ الحديثُ على تحريمِ الخلوةِ بالأجنبيةِ وهوَ إجماعٌ. وقدْ وردَ في حديثٍ: "فإن ثالثَهما الشيطانُ" (١)، وهلْ يقومُ غيرُ المحرمِ مقامَه في هذا بأنْ يكونَ معَهما مَنْ يزيلُ معنَى الخلوةِ؟ الظاهرُ أنهُ يقومُ لأنَّ المعنَى المناسبَ للنَّهْي إنَّما هو خشيةُ أن يوقعَ الشيطانُ بينَهما الفتنةَ. وقالَ القفَّالُ: لا بدَّ منَ المحرِمِ عملًا بلفظِ الحديثِ. ودلَّ أيضًا على تحريمِ سفرِ المرأةِ منْ غيرِ محرِمٍ، وهوَ مطلقٌ في قليلِ السفرِ وكثيرهِ. وقدْ وردتْ أحاديثُ مقيدةٌ لهذا الإطلاقِ إلَّا أنَّها اختلفتْ ألفاظُها (٢)، ففي لفظٍ: "لا تسافرُ المرأةُ مسيرةَ ليلةٍ إلا معَ ذي محرمٍ"،

стр. 1199

وفي آخرَ: "فوقَ ثلاثٍ"، وفي آخَرَ: "مسيرةَ يومينِ"، وفي آخرَ: "ثلاثةَ أميالٍ"، وفي لفظٍ: "بريدَ"، وفي آخرَ: "ثلاثةَ أيامٍ". [ثم] (١) قال النوويُّ (٢): ليسَ المرادُ من التحديدِ ظَاهِرُهُ، بل كلُّ مَا يُسمَّى سَفَرًا، فالمرأةُ مَنهيَّةٌ عنهُ إلَّا بالمَحرَمِ، وإنّما وَقَعَ التحديدُ عنْ أمرٍ واقعٍ فلا يعملُ بمفهومِه. وللعلماءِ تفصيلٌ في ذلكَ قالُوا: [فيجوز] (٣) سفرُ المرأةِ وحدَها في الهجرةِ منْ دارِ الحربِ، والمخافةِ على نفسِها، ولقضاءِ الدَّيْنِ، وردِّ الوديعةِ، والرجوعِ منَ النشوزِ، وهذا مجمعٌ عليه. واختلفُوا في سفرِ الحجِّ الواجبِ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا يجوزُ للشابة إلَّا معَ مَحْرَمٍ، ونقلَ [الكرابيسي] (٤) قولًا عن الشافعيِّ أنَّها تسافرُ وحدَها إذا كانَ الطريقُ آمَنًا، ولم ينهضْ دليلُه على ذلكَ. قالَ ابنُ دقيق العيد: إنَّ قولَه تعالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٥) عمومٌ شاملٌ للرجالِ والنساءِ، وقولُه: "لا تسافرُ المرأةُ إلا معَ ذي مَحْرَمٍ" (٦) عمومٌ لكلِّ أنواعِ السفرِ، فتعارضَ العمومان. [وأجيبَ] (٧) بأنَّ أحاديثَ: لا تسافرُ المرأةُ للحجِّ إلا معَ ذي مَحْرَمٍ، مخصِّصٌ لعمومِ الآيةِ، ثمَّ الحديثُ عامٌّ للشابةِ والعجوزِ. وقالَ جماعةٌ من الأئمةِ: يجوزُ للعجوزِ السفرُ منْ غيرِ مَحرمٍ، وكأنَّهم نَظَرُوا إلى المعنَى، فخصَّصُوا بهِ العمومَ، وقيلَ: لا يُخَصَّصُ بل العجوزُ كالشابةِ. وهلْ تقومُ النساءُ الثقاتُ مقامَ المَحْرَمِ للمرأةِ؟ فأجازَهُ البعضُ مستدلًّا بأفعالِ الصحابةِ، ولا [تنهضُ] (٨) حجةٌ على ذلكَ لأنهُ ليسَ بإجماعٍ، وقيلَ: يجوزُ لها السفرُ إذا

стр. 1200

كانتْ ذات حشمٍ، والأدلةُ لا تدلُّ على ذلكَ. وأما أمرُه ﷺ لهُ بالخروجِ معَ امرأتِهِ، فإنهُ أخذَ منهُ أحمدُ (١) أنهُ يجبُ خروجَ الزوجِ مع زوجتِهِ إلى الحجِّ إذا لم يكنْ معَهَا غيرُه، وغيرُ أحمدَ قالَ: لا يجبُ عليه، وحَمَلَ الأمرَ على الندبِ، قالَ: وإنْ كانَ لا يحملُ على النّدب إلا لقرينةٍ عليهِ، فالقرينةُ عليهِ ما علمَ منْ قواعدِ الدينِ أنهُ لا يجبُ على أحدٍ بذلُ منافعَ نفسِه لتحصيلِ غيرِه ما يجبُ عليهِ، وأخذَ منَ الحديثِ أنهُ ليسَ للرجلِ منعُ امرأتِه منْ حجِّ الفريضةِ لأنها عبادةٌ قدْ وجبتْ عليها، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ، سواءٌ قلْنا إنهُ على الفورِ أو التراخي؛ أما الأولُ فظاهرٌ، قيلَ: وعلى الثاني أيضًا، فإنَّ لها أنْ تسارعَ إلى براءةِ ذمتها كما أن لها أن تصلي أولَ الوقتِ وليسَ له منعُها. وأما ما أخرجه الدارقطنيُّ (٢) من حديثِ ابن عمرَ مرفوعًا في امرأةٍ لها زوجٌ ولها مالٌ ولا يؤذنُ لها في الحجِّ: "ليسَ لها أن تنطلقَ إلَّا بإذنِ زوجِها"؛ فإنهُ محمولٌ على حجِّ التطوعِ جمْعًا بينَ الحديثينِ على أنهُ: "ليسَ في حديثِ الكتابِ ما يدلُّ أنها خرجتْ منْ دونِ إذنَ زوجها. وقال ابنُ تيميةَ: إنهُ يصحُّ الحجُّ منَ المرأةِ بغيرِ محرمٍ ومنْ غيرِ المستطيعِ. وحاصلُه أن مَنْ لم يجبْ عليهِ لعدمِ الاستطاعةِ مثلُ المريضِ، والفقيرِ، والمعضوبِ، والمقطوعِ طريقُه، والمرأةُ بغيرِ مَحْرَمٍ، [وغيرُ] (٣) ذلكَ، إذا تكلَّفُوا شهودَ المشاهِد أجزأَهم الحجُّ. ثمَّ منْهم مَنْ هوَ محسنٌ في ذلكَ كالذي يحجُّ ماشيًا، ومنهم من هو مسيءٌ في ذلكَ كالذي يحجُّ بالمسأَلةِ، والمرأةُ تحجُّ بغيرِ محرمٍ وإنما أجزأهم لأنَّ الأهليةَ تامةً، والمعصيةُ إنْ وقعتْ فهيَ في الطريقِ لا في نفسِ المقصودِ. يبدأ أولًا بالحجِّ عن نفسه ١١/ ٦٧٥ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، قَالَ: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قَالَ: أخٌ لي، أوْ قَرِيبٌ لِي، فَقَالَ: "حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ "،

стр. 1201

قَالَ: لَا، قَالَ: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُم حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَابْنُ مَاجَهْ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣)، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَقْفُهُ. [صحيح] (وعنهُ) أي: عن ابن عباسٍ (﵄ أن النبيَّ ﷺ سمعَ رجلًا يقولُ: لبيكَ عنْ شُبرمةَ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ، فموحدةٍ ساكنةٍ (قالَ: مَنْ شُبْرمةُ؟ قال: أخٌ [لي] (٤)، أو قريبٌ لي) شكٌّ منَ الرأوي، (فقالَ: حججتَ عنْ نفسكَ؟ قالَ: لا، قالَ: حجَّ عنْ نفسِكَ، ثمَّ حُجَّ عنْ شبرمَةَ. رواهُ أبو داود، وابنُ ماجه، وصحَّحهُ ابن حبانَ، والراجحُ عند أحمدَ وَقْفهُ). وقالَ البيهقيُّ (٥): إسنادُهُ صحيحَ، وليسَ في هذا البابِ أصحُّ منهُ. وقالَ أحمدُ بن حنبلٍ (٦): رفْعُه خطأٌ. وقالَ ابنُ المنذِر: لا يثبتُ رَفْعُه. وقالَ الدارقطنيُّ: المرسلُ أصحُّ. قالَ المصنفُ (٧): وهوَ كما قالَ لكنهُ يُقَوِّي المرفوعَ لأنهُ منْ غيرِ رجالِه. وقالَ ابنُ تيميةَ: إن أحمدَ حكمَ في روايةِ ابنِهِ صالحٍ عنهُ أنهُ مرفوعٌ، فيكونُ قد اطلعَ على ثقة مَنْ رَفَعَهُ، قالَ: وقدْ رَفَعَهُ جماعةٌ على أنهُ وإنْ كانَ موقوفًا فليسَ لابنِ عباسٍ فيهِ مخالِفٌ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يصحُّ أن يحجَّ عنْ غيرِه مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسِه، فإذا أحرمَ عنْ غيرِه فإنهُ ينعقدُ إحرامُه عنْ نفسِه، لأنهُ ﷺ أمَره أنْ يجعلَه عنْ نفسِه بعدَ أنْ لبَّى عنْ شبرمةَ، فدلَّ على أنَّها لم تنعقِد النيةُ عنْ غيرِه، وإلا لوجب عليه

стр. 1202

المضيُّ فيهِ، وأن الإحرامَ ينعقدُ معَ الصحةِ والفسادِ، وينعقدُ مطلقًا مجهولًا معلَّقًا، فجازَ أنْ يقعَ عنْ غيرِه ويكونُ عنْ نفسه، وهذَا لأنَّ إحرامه عن الغيرِ باطلٌ لأجلِ النَّهْيِ، والنَّهْيُ يقتضي الفسادَ. وبطلانُ صفةِ الإحرامِ لا توجبُ بطلانَ أصلِه، وهذا قولُ أكثرِ الأمةِ إنهُ لا يصحُّ أنْ يحجَّ عنْ غيرِه مَنْ لم يحجَّ عنْ نفسِه مطلقًا، مستطيعًا كانَ أو لا، لأنَّ تركَ الاستفصالِ والتفريقَ في حكايةِ الأحوالِ دالٌ على العمومِ، ولأنَّ الحجَّ واجبٌ في أولِ سنةٍ منْ سِنِيِّ الإمكانِ، فإذا أمكَنَهُ فعلُه عنْ نفسِه لم يجزْ أنْ يفعلَه عنْ غيرِه، لأنَّ الأولَ فرضٌ، والثاني نفلٌ، كمنْ عليهِ دينٌ وهو مطالبٌ بهِ ومعهُ دارهمُ بقدرِه لم يكنْ لهُ أنْ يصرفها إلا إلى دينِه، وكذلكَ كلُّ ما احتاجَ أنْ [يصرفها] (١) إلى واجب عنهُ فلا يصرفُه إلى غيرِه، إلَّا أن هذَا إنَّما يتمُّ في المستطيعِ، ولذَا قيلَ: إنَّما يُؤْمَرُ بأنْ يبدأَ بالحجِّ عنْ نفسِه إذا كانَ واجبًا عليهِ وغيرُ المستطيعِ لم يجبْ عليهِ، فجازَ أنْ يحجَّ عنْ غيرِهِ، ولكنَّ العملَ بظاهرِ عمومِ الحديثِ أَوْلَى. يجب الحج مرة واحدة في العمر ١٢/ ٦٧٦ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمْ الْحَجَّ"، فَقَامَ الأقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ، الْحَجُّ مَرَّةً، فَمَا زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ غَيْرُ التِّرْمِذيِّ (٢). [صحيح]

стр. 1203

- وَأَصْلُهُ في مُسْلِمٍ (١) مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ. (وعنه) أي: ابن عباس ﵄ (قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ فقالَ: إنَّ الله كَتَبَ عليكمُ الحجَّ، [فقام] (٢) الأقرعُ بنُ حابس فقالَ: أفي كلِّ عامٍ يا رسولَ اللهِ، قالَ: لو قُلْتُها لوجبتْ، الحجُّ مرةً فما زادَ فهوَ تطوعٌ. رواهُ الخمسةُ غيرُ الترمذيِّ، وأصلُه في مسلم من حديثِ أبي هريرَةَ)، وفي روايةٍ زيادةٌ بعدَ قولِه لوجبتْ: "ولو وجبتْ لم تقومُوا بِها، ولوْ لم تقومُوا بها لعُذِّبْتُمْ". والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجبُ الحجُّ إلَّا مرةً واحدةً في العمرِ علَى كلِّ مكلَّفٍ مستطيعٍ. وقدْ أُخِذَ منْ قولِه ﷺ : لو قلتُ نعمْ لوجبتْ، أنهُ يجوزُ أنْ يفوِّضَ اللهُ إلى الرسولِ ﷺ شرحَ الأحكامِ. ومحلُّ المسألةِ الأصولُ، وفيها خلافٌ بينَ العلماءِ، وقد أشارَ إليها الشارحُ ﵀. * * *

стр. 1204

[الباب الثاني] بابُ المواقيتِ المواقيتُ: جمعُ ميقاتٍ، والميقات ما حُدّ ووقِّتَ للعبادةِ منْ زمانٍ ومكانٍ، والتوقيتُ: التحديدُ، ولهذَا يذكرُ في هذا البابِ ما حدَّدَهُ الشارعُ للإحرامِ منَ الأماكنِ. مواقيت الحج ١/ ٦٧٧ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ وَقتَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، ولأهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، ولأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أَتى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عَنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفةِ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وبعدَ اللامِ مثناةٌ تحتيةٌ، وفاءٌ، تصغيرُ حلفةٍ، والحلفةُ واحدةُ الحلفاءِ نبتٌ في الماءِ، وهي مكانٌ معروفٌ بينَه وبينَ مكةَ عشرُ مراحلَ (٢)، وهيَ منَ المدينةِ على فرسخٍ، وبها المسجدُ الذي أحرمَ منهُ ﷺ ، والبئرُ التي تُسمَّى الآنَ بئرُ عليٍّ، وهيَ أبعدُ المواقيتِ إلى مكةَ، (ولأهلِ الشام الجُحفَة) بضمِّ الجيمِ، وسكونِ الحاءِ المهملةِ، ففاءٍ، سمِّيتْ بذلكَ لأن السيلَ اجتحفَ أهلَها إلى الجبلِ الذي هنالكَ، وهي من مكةَ على ثلاثِ مراحلَ (٣)، وتسمَّى مهيعةَ، كانتْ قريةً قديمةً،

стр. 1205

وهي الآن خرابٌ، ولذا يحرمونَ الآنَ منْ رابغٍ قبلَها بمرحلةٍ لوجودِ الماءِ بها للاغتسال، (ولأهلِ نجدٍ قَرْنَ المنازلِ) بفتحِ القافِ، وسكونِ الراءِ، ويقالُ له قرنَ الثعالب، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ (١)، (ولأهلِ اليمنِ يلملمَ) بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ (٢)، (هنَّ) أَي: المواقيتُ (لهنَّ) أي: للبلدانِ المذكورةِ، والمرادُ لأهلِها. ووقعَ في بعضِ الرواياتِ: هنَّ لهم، وفي روايةٍ للبخاريِّ (٣): هنَّ لأهلهنَّ، (ولمنْ أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ ممنْ أرادَ الحجَّ أو العمرةَ، ولمنْ كانَ دونَ ذلك) المذكورِ منَ المواقيتِ، (فمنْ حيثُ أنشأ، حتَّى أهلُ مكةَ) يحرمون (منْ مكةَ) بحجٍّ أوْ عمرةٍ (متفقٌ عليهِ). فهذه المواقيتُ التي عيَّنَها ﷺ لمنْ ذكرَه منْ أهلِ الآفاقِ، وهي أيضًا مواقيتُ لمنْ أَتَى عليها وإنْ لم يكنْ منْ أهل تلكَ الآفاقِ المعينة، فإنهُ يَلزَمُهُ الإحرامُ منْها إذا أَتَى عليْها قاصدًا لإتيانِ مكةَ لأحدِ النّسكينِ، فيدخلُ في ذلكَ ما إذا وردَ الشاميُّ مثلًا إلى ذي الحليفة، فإنهُ يجبُ عليهِ الإحرامُ منْها ولا يتركُه حتى يصلَ الجحفةَ، فإن أخَّرَ أساءَ ولزمَهُ دمٌ هذا عندَ الجمهورِ. وقالتِ المالكيةُ (٤): إنهُ يجوزُ لهُ التأخيرُ إلى ميقاتِهِ وإنْ كانَ الأفضلُ لهُ خلافَه. [قالوا] (٥): والحديثُ محتملٌ؛ فإنَّ قولَه: "هُنَّ لهنَّ" ظاهرُه العمومُ لمنْ كانَ منْ أهلِ تلكَ الأقطارِ سواءٌ وردَ على ميقاتِه أو وردَ على ميقاتٍ آخَرَ، فإنَّ لَهُ العدولَ إلى ميقاتِهِ كما لو وردَ الشاميُّ على ذي الحليفةِ، فإنهُ لا يلزمُه الإحرامُ منْها بلْ يُحْرِمُ منَ الجحفةِ، وعمومُ قولِه: "ولمن أتى عليهنَّ منْ غيرهنَّ"، [فإنه] (٥) يدلُّ على أنهُ يتعينُ على الشاميِّ في مثالِنا أنْ يحرِمَ منْ ذي الحليفةِ لأنهُ منْ غيرِ أهلِهنَّ [إنما يتعين على من كان من أهل المواقيت] (٥). قالَ ابنُ دقيق العيدِ: قولُه: "ولأهل الشامِ

стр. 1206

الجحفة" يشملُ مَنْ مرَّ منْ أهلِ الشامِ بذي الحليفةِ ومَنْ لم يمرَّ. وقولُه: "ولمنْ أتَى عليهنَّ منْ غيرِ أهلهِنَّ" يشملُ الشاميِّ إذا مرَّ بذي الحليفةِ وغيرَه، فههُنا عمومانِ قدْ تعارضَا، انتهَى ملخصًا. قال المصنفُ: ويحصلُ الانفكاكُ بأنَّ قولَه هنَّ لهنَّ مفسرٌ لقولِه مثلًا: وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحليفةِ، وأنَّ المرادَ بأهلِ المدينةِ ساكنُوها ومَنْ سلكَ طريقَ مِيقاتِهِمْ فمرَّ على ميقاتِهم، انتهَى. قلتُ: وإنْ صحَّ ما رُوِيَ منْ حديثِ عروةَ: "أنَّهُ ﷺ وقَّتَ لأهلِ المدينةِ ومَنْ مَرَّ بهمْ ذا الحليفةَ" تبيَّن أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي إذا لم يأت المدينة، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطةِ جوانبِ الحرمِ فكلُّ مَنْ مرَّ بجانب منْ جوانب الحرم لزمَه تعظيمُ حرمتِه وإن كانَ بعضُ جوانِبه أبعدَ من بعضٍ، ودلَّ قولُه: "ومنْ كانَ دونَ ذلكَ فمِنْ حيثُ أنشأ" على أن مَنْ كانَ بينَ الميقاتِ ومكةَ فميقاتُه حيثُ أنشأ الإحرامَ إما منْ أهلِه ووطنِه أو منْ غيرِه. وقولُه: "حتَّى أهلُ مكةَ منْ مكةَ" دلَّ على أن أهلَ مكة يحرمونَ من مكةَ وأنها ميقاتُهم سواءٌ كانَ من أهلِها أو منَ المجاورينَ [أو] (١) الواردينَ إليها أحرمَ بحجٍّ أو عمرةٍ، وفي قولِه: "ممن أراد الحجَّ أو العمرةَ" ما يدلُّ أنهُ لا يلزمُ الإحرام إلا مَنْ أراد دخولَ مكةَ لأحد النُّسكين، [فمن] (٢) لم يردْ ذلكَ جازَ له دخولُها منْ غيرِ إحرامٍ، وقدْ دخلَ ابنُ عمر [بغيرِ] (٣) إحرامٍ، ولأنهُ قد ثبتَ بالاتفاقِ أن الحجَّ والعمرةَ عندَ مَنْ أوجَبَها إنمَّا تجب مرةً واحدةً، فلو أوجَبْنا على كلٍّ مَنْ دخَلَها أنْ يحجَّ أو يعتمرَ [لوجبَتْ] (٤) أكثرَ منْ مرةٍ، ومَنْ قَالَ: إنهُ لا يجوزُ مجاوزةَ الميقاتِ إلا بالإحرامِ إلَّا لمن استُثني منْ أهلِ الحاجاتِ كالحاطبينَ فإنَّ لهُ في ذلكَ آثارًا عن السلفِ، ولا تقومُ بها حجةٌ، فمنْ دخلَ مريدًا مكةَ لا ينوي نُسُكًا منْ حجٍّ ولا عمرةٍ وجاوزَ ميقاته [بغير] (٣) إحرامٍ، فإنْ بدَا له إرادةُ أحدِ النُّسُكَيْنِ أحرمَ منْ حيثُ أرادَ، ولا [يلزم] (٥) أنْ يعودَ إلى ميقاتِه. واعلمْ أن قولَه: (حتَّى أهلُ مكةَ منْ مكةَ) يدلُّ أن ميقاتَ عمرةِ أهلِ مكة مكة كحجِّهم، وكذلك القارنُ منْهم ميقاتُه مكةُ، ولكنْ قالَ

стр. 1207

المحبُّ الطبريُّ: إنهُ لا يعلمُ أحدًا جعلَ مكةَ ميقاتًا للعمرةِ. وجوابُه أنهُ ﷺ جعلَها ميقاتًا لها بهذَا الحديثِ، وأما ما رُويَ عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ: "يا أهلَ مكةَ مَنْ أرادَ منكمُ العمرةَ فليجعلْ بينَه وبينها بطنَ مُحَسِّرٍ" (١)، وقالَ أيضًا: "مَنْ أرادَ مِنْ أهلِ مكةَ أنْ يعتمرَ خرجَ إلى التنعيمِ ويجاوزُ الحرمَ" (٢) فآثارٌ موقوفةٌ لا تقاومُ المرفوعَ، وأمَّا ما ثبتَ منْ أمرِه ﷺ لعائشةَ بالخروجِ إلى التنعيمِ (٣) لتحرمَ بعمرةٍ فلمْ يردْ إلا تطييب قلبها بدخولِها إلى مكةَ معتمرةً كصواحباتها، لأنَّها أحرمتْ بالعمرةِ معهُ ثمَّ حاضتْ، فدخلتْ مكة، ولم تطفْ بالبيتِ كما طُفْنَ كما يدلُّ لهُ قولُها قلتُ: يا رسولَ اللهِ، يصدرُ الناسُ بِنُسُكَيْنِ، وأصدرُ بنسكٍ واحدٍ قال: انتظري فاخرجي إلى التنعيمِ فأهلِّي منهُ - الحديثَ. فإنهُ محتملٌ أنَّها إنَّما أرادتْ أن تشابهَ الداخلينَ منَ الحلِّ إلى مكة بالعمرةِ، ولا يدلُّ أنَّها لا تصحُّ العمرةُ إلَّا مِنَ الحلِّ لمنْ صارَ في مكةَ ومعَ الاحتمالِ لا يقاومُ حديثَ الكتابِ. وقدْ قالَ طاوسُ: لا أدري الذينَ يعتمرونَ منَ التنعيمِ يؤجرونَ أو يُعذَّبونَ، قيلَ لهُ: فلِمَ يعذبونَ؟ قالَ: لأنهُ يدعُ البيتَ والطوافَ، ويخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويجيءُ أربعةَ أميالٍ قدْ طافَ مِائتيْ طوافِ وكلَّما طافَ كان أعظمَ أجرًا منْ أنْ يمشي في غيرِ [مَمْشَى] (٤)، إلَّا أن كلامهُ في تفضيلِ الطوافِ على العُمرةِ، قال أحمدُ (٥): العُمرة بمكَّة مِنَ النّاسِ من يَخْتَارُهَا عَلَى الطوافِ ومنْهم منْ يختارُ المقامَ بمكةَ والطوافَ، وعندَ أصحابِ أحمدَ أن المكيَّ إذا أحرمَ للعمرةِ منْ مكةَ كانتْ عمرةً صحيحةً. قالُوا: ويلزمهُ دمٌ لما تركَ من الإحرامِ مِنَ الميقاتِ. قلتُ: ويأتيكَ أن إلزامَهُ الدمَ لا دليلَ عليه. ٢/ ٦٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) وَالنّسَائِيُّ (٧). [صحيح]

стр. 1208

- وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، إلَّا أن رَاوِيهُ شكَّ في رَفْعِهِ. [صحيح] - وَفِي صَحْيحِ الْبُخَارِيِّ (٢) أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ. [موقوف] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ) بكَسْرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، بعدَها قافٌ، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ، وسمِّي بذلكَ لأنَّ فيهِ عِرْقًا، وهوَ الجبلُ الصغيرُ. (رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وأصلُه عندَ مسلمٍ منْ حديثِ جابرٍ، إلَّا أن راويهِ شكَّ في رفْعِهِ)، لأنَّ في صحيحِ مسلمٍ عنْ أبي الزبيرِ أنهُ سمعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ سُئِلَ عن المهلِّ فقالَ: سمعتُ "أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ ﷺ "، فلمْ يجزمْ برفعِهِ. (وفي صحيح البخاريِّ أن عمرَ هوَ الذي وقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ)، وذلك [أنَّها] (٣) لما فتحتِ البصرةُ والكوفةُ أي: أرضُهما، وإلَّا فإنَّ الذي مصَّرَهما المسلمونَ طلبوا من عمرَ [أن] (٤) يعين لهم ميقاتًا فعيَّنَ لهم ذاتَ عرقٍ، وأجمعَ عليهِ المسلمونَ. قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقَى (٥): والنصُّ بتوقيتِ ذاتِ عرقٍ ليسَ في القوةِ كغيرهِ، فإنْ ثبتَ فليسَ ببدعٍ وقوعُ اجتهادِ عمرَ على وفقهِ فإنهُ كانَ مُوَفَّقًا للصوابِ. وكأنَّ عمرَ لم يبلغْه الحديثُ فاجتهدَ بما وافقَ النصَّ. هذا وقد انعقدَ الإجماعُ على ذلكَ. وقدْ رُوِيَ رَفْعَهُ بلا شكٍّ منْ حديثِ أبي الزبيرِ عنْ جابرِ عندَ ابن ماجَهْ (٦)، ورواهُ أحمدُ (٧) مرفوعًا عنْ جابرٍ بن عبدِ اللهِ وابنِ

стр. 1209

عمر (١)، وفي إسنادِه الحجاجُ بنُ أرطاةَ. ورواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، والدارقطنيُّ، وغيرُهم منْ حديثِ عائشةَ (٢): "أنهُ ﷺ وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عرقٍ، بإسنادٍ جيدٍ، ورواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أيضًا عنْها. وقدْ ثبتَ مرسلًا أيضًا عنْ مكحولٍ وعطاءٍ. قالَ ابنُ تيميةَ: وهذِهِ الأحاديثُ المرفوعةُ الجيادُ الحسانُ يجبُ العملُ بمثلِها مع تعددِها ومجيئها مسندةً ومرسلةً منْ وجوهِ شتَّى. وأمَّا: ٣/ ٦٧٩ - وَعِنْدَ أحْمَدَ (٣)، وَأَبِي دَاوُدَ (٤)، وَالتِّرْمِذِيِّ (٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَشْرِقِ الْعَقِيقَ. [ضعيف]. (وعندَ أحمدَ، وأبي داودَ، والترمذيِّ عن ابن عباسٍ أن النبيَّ ﷺ وقَّتَ لأهلِ المشرقِ العقيقَ)، فإنهُ وإنْ قالَ فيهِ الترمذيُّ: إنَّهُ حسنٌ فإنَّ مدارَه على يزيدِ بن أبي زيادٍ (٦)، وقدْ تكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧): أجمعَ أهلُ العلمِ على أن إحرامَ العراقي منْ ذاتِ عرقٍ إحرامٌ منَ الميقاتِ. هذا والعقيقُ يُعَدُّ مِنْ ذاتِ عرقٍ. وقدْ قيلَ: إنْ كانَ لحديثِ ابن عباسٍ هذَا أصلٌ فيكونُ منسوخًا لأنَّ توقيتَ ذاتِ عرقٍ كانَ في حجةِ الوداعِ حينَ أكملَ اللهُ

стр. 1210

دينَه كما يدلُّ له ما رواه الحارثُ بنُ عمرٍو السهميِّ قالَ: "أتيتُ النبيَّ ﷺ وهُو بمنَى أو عرفاتٍ، وقدْ أطافَ بِه الناسُ، قالَ فتجيءُ الأعرابُ فإذَا رأَوْا وجهَه قالُوا: هذا وجهٌ مباركٌ. قال: ووقَّتَ ذاتَ عرقٍ لأهلِ العراقِ"، رواهُ أبو داود (١)، والدارقطنيُّ (٢). * * *

стр. 1211

[الباب الثالث] بابُ وجوهِ الإحرامِ [وصفتِه] (١) الوجوهُ جمعُ وجهٍ، والمرادُ بها الأنواعُ التي يتعلقُ بها الإحرامُ وهوَ الحجُّ، [أو] (٢) العمرةُ، أو مجموعُهما، (وصفتُه) كيفيتُه التي يكونُ بها فاعلُها محرِمًا. الإحرام بأنواع الحج الثلاثة ١/ ٦٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعٍ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ، وَأهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عند قُدُومِهِ، وَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: خرجنا) أي: منَ المدينةِ، وكانَ خروجُه ﷺ يومَ السبتِ [لست] (٤) بَقَيْنَ منْ ذي القعدةِ بعدَ صلاتِه الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وبعدَ أنْ خطبَهم خطبةً علَّمَهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننه، (مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ عامَ حجَّةِ الوداعِ)، وكانَ ذلكَ سنةَ عشرةٍ منَ الهجرةِ، سمِّيتْ بذلكَ لأنهُ ﷺ ودَّعَ الناسَ فيها ولم يحجَّ بعدَ هجرتِه غيرَها؛ (فمنَّا منْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا منْ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ) فكانَ قارنًا، (ومِنَّا منْ أهلَّ بحجِّ) فكانَ مفرِدًا، (وأهلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بالحجِّ، فأمَّا منْ أهلَّ
следующие страницы →