← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1207–1246 · переход к 1212.

стр. 1207

المحبُّ الطبريُّ: إنهُ لا يعلمُ أحدًا جعلَ مكةَ ميقاتًا للعمرةِ. وجوابُه أنهُ ﷺ جعلَها ميقاتًا لها بهذَا الحديثِ، وأما ما رُويَ عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ: "يا أهلَ مكةَ مَنْ أرادَ منكمُ العمرةَ فليجعلْ بينَه وبينها بطنَ مُحَسِّرٍ" (١)، وقالَ أيضًا: "مَنْ أرادَ مِنْ أهلِ مكةَ أنْ يعتمرَ خرجَ إلى التنعيمِ ويجاوزُ الحرمَ" (٢) فآثارٌ موقوفةٌ لا تقاومُ المرفوعَ، وأمَّا ما ثبتَ منْ أمرِه ﷺ لعائشةَ بالخروجِ إلى التنعيمِ (٣) لتحرمَ بعمرةٍ فلمْ يردْ إلا تطييب قلبها بدخولِها إلى مكةَ معتمرةً كصواحباتها، لأنَّها أحرمتْ بالعمرةِ معهُ ثمَّ حاضتْ، فدخلتْ مكة، ولم تطفْ بالبيتِ كما طُفْنَ كما يدلُّ لهُ قولُها قلتُ: يا رسولَ اللهِ، يصدرُ الناسُ بِنُسُكَيْنِ، وأصدرُ بنسكٍ واحدٍ قال: انتظري فاخرجي إلى التنعيمِ فأهلِّي منهُ - الحديثَ. فإنهُ محتملٌ أنَّها إنَّما أرادتْ أن تشابهَ الداخلينَ منَ الحلِّ إلى مكة بالعمرةِ، ولا يدلُّ أنَّها لا تصحُّ العمرةُ إلَّا مِنَ الحلِّ لمنْ صارَ في مكةَ ومعَ الاحتمالِ لا يقاومُ حديثَ الكتابِ. وقدْ قالَ طاوسُ: لا أدري الذينَ يعتمرونَ منَ التنعيمِ يؤجرونَ أو يُعذَّبونَ، قيلَ لهُ: فلِمَ يعذبونَ؟ قالَ: لأنهُ يدعُ البيتَ والطوافَ، ويخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويجيءُ أربعةَ أميالٍ قدْ طافَ مِائتيْ طوافِ وكلَّما طافَ كان أعظمَ أجرًا منْ أنْ يمشي في غيرِ [مَمْشَى] (٤)، إلَّا أن كلامهُ في تفضيلِ الطوافِ على العُمرةِ، قال أحمدُ (٥): العُمرة بمكَّة مِنَ النّاسِ من يَخْتَارُهَا عَلَى الطوافِ ومنْهم منْ يختارُ المقامَ بمكةَ والطوافَ، وعندَ أصحابِ أحمدَ أن المكيَّ إذا أحرمَ للعمرةِ منْ مكةَ كانتْ عمرةً صحيحةً. قالُوا: ويلزمهُ دمٌ لما تركَ من الإحرامِ مِنَ الميقاتِ. قلتُ: ويأتيكَ أن إلزامَهُ الدمَ لا دليلَ عليه. ٢/ ٦٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) وَالنّسَائِيُّ (٧). [صحيح]

стр. 1208

- وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁، إلَّا أن رَاوِيهُ شكَّ في رَفْعِهِ. [صحيح] - وَفِي صَحْيحِ الْبُخَارِيِّ (٢) أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ. [موقوف] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ) بكَسْرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، بعدَها قافٌ، بينَه وبينَ مكةَ مرحلتانِ، وسمِّي بذلكَ لأنَّ فيهِ عِرْقًا، وهوَ الجبلُ الصغيرُ. (رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وأصلُه عندَ مسلمٍ منْ حديثِ جابرٍ، إلَّا أن راويهِ شكَّ في رفْعِهِ)، لأنَّ في صحيحِ مسلمٍ عنْ أبي الزبيرِ أنهُ سمعَ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ سُئِلَ عن المهلِّ فقالَ: سمعتُ "أحسبُه رُفِعَ إلى النبيِّ ﷺ "، فلمْ يجزمْ برفعِهِ. (وفي صحيح البخاريِّ أن عمرَ هوَ الذي وقَّتَ ذاتَ عِرْقٍ)، وذلك [أنَّها] (٣) لما فتحتِ البصرةُ والكوفةُ أي: أرضُهما، وإلَّا فإنَّ الذي مصَّرَهما المسلمونَ طلبوا من عمرَ [أن] (٤) يعين لهم ميقاتًا فعيَّنَ لهم ذاتَ عرقٍ، وأجمعَ عليهِ المسلمونَ. قالَ ابنُ تيميةَ في المنتقَى (٥): والنصُّ بتوقيتِ ذاتِ عرقٍ ليسَ في القوةِ كغيرهِ، فإنْ ثبتَ فليسَ ببدعٍ وقوعُ اجتهادِ عمرَ على وفقهِ فإنهُ كانَ مُوَفَّقًا للصوابِ. وكأنَّ عمرَ لم يبلغْه الحديثُ فاجتهدَ بما وافقَ النصَّ. هذا وقد انعقدَ الإجماعُ على ذلكَ. وقدْ رُوِيَ رَفْعَهُ بلا شكٍّ منْ حديثِ أبي الزبيرِ عنْ جابرِ عندَ ابن ماجَهْ (٦)، ورواهُ أحمدُ (٧) مرفوعًا عنْ جابرٍ بن عبدِ اللهِ وابنِ

стр. 1209

عمر (١)، وفي إسنادِه الحجاجُ بنُ أرطاةَ. ورواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، والدارقطنيُّ، وغيرُهم منْ حديثِ عائشةَ (٢): "أنهُ ﷺ وقَّتَ لأهلِ العراقِ ذاتَ عرقٍ، بإسنادٍ جيدٍ، ورواهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ أيضًا عنْها. وقدْ ثبتَ مرسلًا أيضًا عنْ مكحولٍ وعطاءٍ. قالَ ابنُ تيميةَ: وهذِهِ الأحاديثُ المرفوعةُ الجيادُ الحسانُ يجبُ العملُ بمثلِها مع تعددِها ومجيئها مسندةً ومرسلةً منْ وجوهِ شتَّى. وأمَّا: ٣/ ٦٧٩ - وَعِنْدَ أحْمَدَ (٣)، وَأَبِي دَاوُدَ (٤)، وَالتِّرْمِذِيِّ (٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأَهْلِ المَشْرِقِ الْعَقِيقَ. [ضعيف]. (وعندَ أحمدَ، وأبي داودَ، والترمذيِّ عن ابن عباسٍ أن النبيَّ ﷺ وقَّتَ لأهلِ المشرقِ العقيقَ)، فإنهُ وإنْ قالَ فيهِ الترمذيُّ: إنَّهُ حسنٌ فإنَّ مدارَه على يزيدِ بن أبي زيادٍ (٦)، وقدْ تكلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ منَ الأئمةِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧): أجمعَ أهلُ العلمِ على أن إحرامَ العراقي منْ ذاتِ عرقٍ إحرامٌ منَ الميقاتِ. هذا والعقيقُ يُعَدُّ مِنْ ذاتِ عرقٍ. وقدْ قيلَ: إنْ كانَ لحديثِ ابن عباسٍ هذَا أصلٌ فيكونُ منسوخًا لأنَّ توقيتَ ذاتِ عرقٍ كانَ في حجةِ الوداعِ حينَ أكملَ اللهُ

стр. 1210

دينَه كما يدلُّ له ما رواه الحارثُ بنُ عمرٍو السهميِّ قالَ: "أتيتُ النبيَّ ﷺ وهُو بمنَى أو عرفاتٍ، وقدْ أطافَ بِه الناسُ، قالَ فتجيءُ الأعرابُ فإذَا رأَوْا وجهَه قالُوا: هذا وجهٌ مباركٌ. قال: ووقَّتَ ذاتَ عرقٍ لأهلِ العراقِ"، رواهُ أبو داود (١)، والدارقطنيُّ (٢). * * *

стр. 1211

[الباب الثالث] بابُ وجوهِ الإحرامِ [وصفتِه] (١) الوجوهُ جمعُ وجهٍ، والمرادُ بها الأنواعُ التي يتعلقُ بها الإحرامُ وهوَ الحجُّ، [أو] (٢) العمرةُ، أو مجموعُهما، (وصفتُه) كيفيتُه التي يكونُ بها فاعلُها محرِمًا. الإحرام بأنواع الحج الثلاثة ١/ ٦٨٠ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعٍ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أهَلَّ بِحَجٍّ، وَأهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ، فَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ عند قُدُومِهِ، وَأمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: خرجنا) أي: منَ المدينةِ، وكانَ خروجُه ﷺ يومَ السبتِ [لست] (٤) بَقَيْنَ منْ ذي القعدةِ بعدَ صلاتِه الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، وبعدَ أنْ خطبَهم خطبةً علَّمَهم فيها الإحرامَ وواجباتِه وسننه، (مَعَ رسولِ اللهِ ﷺ عامَ حجَّةِ الوداعِ)، وكانَ ذلكَ سنةَ عشرةٍ منَ الهجرةِ، سمِّيتْ بذلكَ لأنهُ ﷺ ودَّعَ الناسَ فيها ولم يحجَّ بعدَ هجرتِه غيرَها؛ (فمنَّا منْ أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا منْ أهلَّ بحجٍّ وعمرةٍ) فكانَ قارنًا، (ومِنَّا منْ أهلَّ بحجِّ) فكانَ مفرِدًا، (وأهلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بالحجِّ، فأمَّا منْ أهلَّ

стр. 1212

بعمرةٍ فحلَّ عندَ قدومِه) مكةَ بعدَ إتيانِه ببقيةِ أعمالِ العمرةِ، (وأما مَنْ أهلَّ بحجٍّ أو جَمَعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ فلمْ يحلُّوا حتَّى كانَ يومُ النحرِ. متفقٌ عليه). الإهلالُ: رفعُ الصوتِ. قالَ العلماءُ: هوَ هنا رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ عندَ الدخولِ في الإحرامِ، ودلَّ حديثُها [على] (١) أنهُ وقعَ منْ مجموعِ الركبِ الذينَ صحبوهُ في حجِّهِ هذه الأنواعُ، وقدْ رويتْ عنْها رواياتٌ تخالفُ هذا وجمعَ بينَها بما ذكرنَاه. وقدِ اختلَفَتِ الرواياتُ في إحرامِ عائشةَ، بماذا كانَ لاختلافِ الرواياتِ أيضًا، ودلَّ حديثُها على أنهُ وقعَ منْ ذلكَ الركبِ الإحرامُ بأنواعٍ الحجِّ الثلاثةِ؛ فالمحرمُ بالحجِّ هوَ منْ حجَّ الإفراد، والمحرمُ بالعمرةِ هو منْ حجَّ التمتعَ، والمحرمُ بهما هوَ القارنُ. ودلَّ حديثُها على أن منْ أهلَّ بالحجِّ مفردًا لهُ عن العمرةِ لم يحلَّ إلا يومَ النحرِ، وهذَا يخالفُ ما ثَبَتَ منَ الأحاديثِ عنْ أربعةَ عشرَ صحابيًا في الصحيحينِ (٢) وغيرِهما: أنهُ ﷺ أمرَ مَنْ لم يكنْ مَعَهُ هَدْيٌ أنْ يفسخَ حجَّهُ إلى العمرة. قيلَ فيتأولُ حديثُ عائشةَ على تقييدِه بمنْ كانَ معهُ هديٌ وأحرمَ بحجٍّ مفرِدًا، فإنهُ كمنْ ساقَ الهديَ وأحرمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا.

стр. 1213

وقدِ اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الفسخِ للحجِّ إلى العمرةِ، هَلْ هَوَ خاصٌّ بالذينَ حجُّوا معهُ ﷺ ، أوْ لا، وقدْ بسطَ ذلكَ ابنُ القيمِ في زادِ المعادِ (١)، وأفردْناهُ برسالةٍ ولا يحتملُ هنا نقلَ الخلافِ والإطالة. واختلفَ العلماءُ أيضًا فيما أحرمَ بهِ ﷺ ، والأكثرُ أنهُ أحرمَ بحجٍّ وعمرةٍ وكان قارِنًا، وحديثُ عائشةَ هذا دلَّ أنهُ ﷺ أحرمَ بالحجِّ مفردًا لكنَّ الأدلةَ الدالةَ على أنهُ حجَّ قارِنًا، واسعةٌ جدًّا، واختلفُوا أيضًا في الأفضلِ منْ أنواعِ الحجِّ، والأدلةُ تدلُّ على أن أفضلَها القرانُ وقدِ استوفَى أدلةَ ذلكَ ابن القيِّمِ. * * *

стр. 1214

[الباب الرابع] باب الإحرام وما يتعلَّق به الإحرامُ: الدخولُ في أحدِ النسكينِ والتشاغلُ بأعمالهِ بالنيةِ. ١/ ٦٨١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: مَا أهَل رَسُولُ الله ﷺ إلَّا مِنْ عِنْد الْمَسْجِدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عَنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: ما أهلَ رسول اللَّهِ ﷺ إلَّا منْ عندِ المسجدِ)، أي: مسجدِ ذي الحليفةِ (متفقٌ عليه). هذَا قالهُ ابنُ عمرَ ردًّا على مَنْ قالَ: إنهُ ﷺ أحرمَ منَ البيداءِ؛ فإنهُ قالَ: "بيداؤُكم هذهِ التي تكذبونَ على رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ أهلَّ منْها ما أهلَّ" الحديثَ (٢). وفي روايةٍ: "أنهُ أهلَّ من عندِ الشجرةِ حينَ قامَ بهِ بعيرُه" (٣)، والشجرةُ كانتْ عندَ المسجدِ. وعندَ مسلمٍ (٤): "أنهُ ﷺ ركعَ ركعتينِ بذي الحليفةِ، ثمَّ إذا استوتْ بهِ الناقةُ قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحليفةِ أهلَّ". وقَدْ جَمَعَ بَينَ حَديثِ الإهلالِ بالبيداءِ، والإِهْلالِ بذي الحليفةِ بأنهُ ﷺ أهلَّ منْهما، وكلُّ من رَوَى أنهُ أهلَّ بكذا فهو راوٍ لما سمعَه منْ إهلالِه. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٥)، والحاكمُ ٤ (٦) منْ حديثِ أبنِ عباسٍ: "أنهُ ﷺ لما صلَّى في مسجدِ ذي

стр. 1215

الحليفةِ ركعتينِ أهلَّ بالحجِّ حينَ فرغَ منْهما"، فسمعَ قومٌ فحفظُوه، فلما استقرتْ بهِ راحلتُه أهلَّ وأَدْركَ ذلكَ منهُ قومٌ لم يشهدُوا في المرةِ الأُولى فسمعُوه حينَ ذاكَ فقالُوا: إنَّما أهلَّ حينَ استقلَّتْ بهِ راحلتُه، ثمَّ مضَى فلما عَلَا شرفَ البيداءَ أهلَّ وأدركَ ذلكَ قومٌ لم يشهدُوه فَنَقَلَ كما سمعَ الحديثَ. ودلَّ الحديثُ على أن الأفضلَ أنْ يحرمَ منَ الميقاتِ لا قبلَهُ، فإنْ أحرمَ قبلَه فقالَ ابنُ المنذرِ (١): أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَنْ أحرمَ قبلَ الميقاتِ أنهُ محرمٌ. وهلْ يكرهُ؟ فقيلَ: نعمْ لأنَّ قولَ الصحابةِ وقَّتَ رسولُ الله ﷺ لأهلِ المدينةِ ذا الحليفةِ يقضِي بالإهلالِ منْ هذِه المواقيتِ، ويقضي بنفي النقصِ والزيادةِ، فإنْ لم تكنِ الزيادةُ محرَّمةً فلا أقلَّ منْ أنْ يكونَ تركُها أفضلَ، ولولا ما قيلَ منَ الإجماعِ بجوازِ ذلكَ لقلْنا بتحريمِه لأدلةِ التوقيتِ، ولأنَّ الزيادةَ على المقدراتِ منَ المشروعاتِ كأعدادِ الصلاةِ، ورمي الجمارِ، لا تشرعُ كالنقصِ منْها وإنَّما لم يجزمْ بتحريمِ ذلكَ لما ذكرْنا منَ الإجماعِ، ولأنهُ رُوِيَ عن عدةٍ منَ الصحابةِ تقديمُ الإحرامِ على الميقاتِ، فأحرمَ ابنُ عمرَ منْ بيتِ المقدسِ (٢)، وأحرمَ أنسٌ منَ العقيقِ (٣)، وأحرمَ ابنُ عباسٍ من

стр. 1216

الشامِ (١)، وأهلَّ عمرانُ بنُ حصينٍ من البصرةِ (٢)، وأهلَّ ابنُ مسعودٍ منَ القادسيةِ (٣). ووردَ في تفسيرِ الآية: "أنَّ الحجَّ والعمرةَ تمامُهما أنْ تحرمَ بهما من دويرةِ أهلكَ" عنْ عليٍّ (٤)، وابن مسعودٍ (٥) ﵄، وإنْ كانَ قدْ تُؤُوِّلَ بأنَّ مرادَهما أنْ ينشئَ لهما سفرًا من أهله، فقد ورد أثر عن علي ﵇ بلفظ: تمام العمرة أن ينشئ لها من بلاده، أي: أن ينشئ لها سفرًا مفردًا منْ بلدهِ كما أنشأ ﷺ لعمرةِ الحديبيةِ والقضاءِ سفَرًا منْ بلدِه، ويدلُّ لهذَا التأويلِ أنَّ عليًا لم يفعلْ ذلكَ، ولا أحدٌ منَ الخلفاءِ الراشدينَ، ولم يحرمُوا بحجٍّ ولا عمرةٍ إلا من الميقاتِ بلْ لم يفعلْهُ ﷺ ، فكيفَ يكونُ ذلك تمامَ الحجِّ [والعمرة] (٦) ولم يفعلْهُ ﷺ ، ولا أحدٌ منَ الخلفاءِ، ولا جماهيرُ الصحابةِ. نعمْ الإحرامُ منْ بيتِ المقدسِ بخصوصهِ وردَ فيهِ حديثُ أمِّ سلمةَ: "سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ مَنْ أهلَّ منَ المسجدِ الأقصَى بعمرةٍ أو حجةٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنبِهِ"، رواهُ أحمدُ (٧). وفي لفظٍ: "مَنْ أحْرمَ منْ بيتِ المقدسِ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِه"، رواهُ أبو داودَ (٨). ولفظُه: "مَنْ أَهْل بحجَّةٍ أوْ عمرةٍ مِنَ المسجِدِ الأقْصى إِلى المسِجِدِ الحَرامِ غُفِرَ لَهُ مَا تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وَمَا تأخَّرَ، أوْ وَجَبَتْ لَهُ الجنَةُ" شكٌّ منَ الرَّاوي، ورَواهُ ابنُ مَاجَه (٩) بلفظ: "مَنْ أهلَّ بعمرةٍ منْ بيتِ المقدسِ كانتْ كفارةً لما قبلَها منَ الذنوبِ" فيكونُ هذَا مخصوصًا ببيتِ المقدسِ فيكونُ الإحرامُ خاصةً أفضلَ منَ الإحرامُ منَ المواقيتِ، ويدلُّ لهُ إحرامُ ابن عمرَ منهُ، ولم يفعلْ ذلكَ منَ المدينةِ على أن منْهم من ضعَّف الحديثَ، ومنْهم مَنْ تأوَّله بأنَّ المرادَ ينشئُ لهما السفرَ منْ هنالكَ.

стр. 1217

رفع الصوت بالتلبية ٢/ ٦٨٢ - وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ"، رواهُ الخَمْسَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ (٢). [حسن] (وعنْ خلَّادِ) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، وتشديدِ اللامِ، آخرُه دالٌ مهملةٌ (ابن السائبِ) بالسينِ المهملةِ (عَنْ أبيهِ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: أتاني جبريلُ، فأمرني أن آمرَ أصحابي أنْ يرفعُوا أصواتَهم بالإهلالِ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ حبانَ). وأخرجَ ابنُ ماجهْ (٣): "أنَّ رسول اللهِ ﷺ سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قالَ: "العجُّ والثجُّ"، وفي روايةٍ (٤) عن السائبِ عنهُ ﷺ : "أتاني جبريلُ فقالَ: كنْ عجَّاجًا ثجَّاجًا". والعجُّ رفعُ الصوتِ، والثجُّ نحرُ البُدنِ. كلُّ ذلكَ دالٌّ على استحباب رفعِ الصوتِ بالتلبيةِ وإنْ كانَ ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٥): أن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ كانُوا يرفعونَ أصواتَهم بالتلبيةِ حتَّى تبحَّ أصواتُهم، وإلى هذَا ذهبَ الجمهورُ (٦). وعنْ مالكٌ لا يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ إلَّا عندَ المسجدِ الحرأمِ ومسجدِ منَى (٧).

стр. 1218

الاغتسال والتطيب للإحرام ٣/ ٦٨٣ - وَعَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ (١). [صح]. (وعَنْ زيدِ بن ثابتٍ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ تجرَّدَ لإهلاله واغتسلَ. رواهُ الترمذيُّ وحسَّنة)، وغرَّبَهُ وضعَّفَهُ العقيليُّ (٢)، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (٣)، والبيهقيُّ (٤)، والطبرانيُّ (٥). رواهُ الحاكمُ (٦)، والبيهقيُّ (٧) منْ طريقِ يعقوبَ بن عطاءٍ عنْ أبيهِ عن ابن عباسٍ: "اغتسل رسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ لبِسَ ثِيَابَهُ فلما أَتَى ذا الحليفةِ صلَّى ركعتينِ ثمَّ قعدَ على بعيرهِ، فلما استوى بهِ على البيداءِ أحرمَ بالحجِّ"، ويعقوبُ بنُ عطاءِ بن أبي رباحٍ ضعيفٌ (٨). وعن ابن عمرَ ﵄ (٩) قالَ: مِنَ السنةِ أنْ يغتسلَ إذا أرادَ الإحرامَ، وإذا أرادَ دخولَ مكةَ. ويستحبُّ التطيبُ قبلَ الإحرامِ لحديثِ عائشةَ: كنتُ أطيِّبُ النبيَّ ﷺ بأطيبِ ما أجدُ"، وفي رواية: "كنتُ أطيبُ رسولَ اللهِ ﷺ بأطيبِ ما [أقدرُ] (١٠) عليهِ قبلَ أن يحرمَ ثم يحرمُ"، متفقٌ عليهِ (١١). ويأتي الكلامُ في ذلكَ.

стр. 1219

ما يلبسه المحرم ٤/ ٦٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ. قَالَ: "لَا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّينِ وَلْقْطَعهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الوَرْسُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عما يلبسُ المحرِمُ منَ الثيابِ [قال] (٢): لا يلبسُ القميصَ، ولا العمائمَ، ولا [السراويلَ] (٣)، ولا البرانسَ، ولا الخفافَ إلا أحدٌ لا يجدُ نعلينِ) أي لا يجدُهما [يباعان] (٤)، أو يجدُهما [يباعان] (٤) ولكنْ ليس معهُ ثمنٌ [فائضٌ] (٥) عنْ حوائجِه الأصليةِ كما في سائرِ الأبدالِ، (فلْيلبسِ الخفينِ ولْيقْطعْهما أسفلَ من الكعبينِ، ولا تلبسُوا شيئًا من الثيابِ مسَّه الزعفرانُ، ولا الوَرْسُ) بفتحِ الواو، وسكونِ الراء، آخرهُ سينٌ مهملةٌ (متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). وأخرجَ الشيخانِ (٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ: "سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يخطبُ بعرفاتٍ: منْ لم يجدْ إزارًا فليلبسْ سراويلَ، ومَنْ لم يجدْ نعلينِ فليلبسْ خُفينِ"، ومثلُه عندَ أحمدَ. والظاهرُ أنهُ ناسخٌ لحديثِ ابن عمرَ بقطعِ الخفينِ لأنهُ قالَ بعرفاتٍ في وقتِ الحاجةِ، وحديثُ ابن عمرَ كانَ في المدينةِ قالَه ابنُ تيميةَ في المنتقَى (٧). واتفقُوا على أن المرادَ بالتحريمِ هنا على الرجلِ ولا تلحقُ بهِ المرأةُ في ذلكَ. واعلمْ أنهُ تحصلُ منَ الأدلةِ أنهُ يحرمُ على المحرم الحلق لرأسه، ولبسُ

стр. 1220

القميصِ، والعمامةِ، والبرانسِ، والسراويلِ، وثوبٍ مسَّهُ وَرْسٌ أوْ زعفرانُ، ولبسُ الخفينِ إلا لعدم غيرِهما فيشقُّهما ويلبسُهما، وَالطيبُ، والوطءُ. والمرادُ منَ القميصِ كلُّ ما أَحاطَ بالبدنِ مما كانَ عنْ تفصيلٍ وتقطيعٍ، وبالعمامةِ ما أحاطَ بالرأسِ فيلحق بها غيرُها مما يغطي الرأسَ. قال الخطابي: ذكر البرانس والعمامة معًا ليدلّ على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتادِ كالعمامة، ولا بالنادِر كالبرانسِ، وهوَ كلُّ ثوبٍ رأسهُ منهُ ملتزِقًا بهِ منْ جبةٍ أو درَّاعةٍ أو غيرِهما. وأعلمْ أنَّ المصنفَ ﵀ لم يأتِ بالحديثِ فيما يحرُمُ على المرأةِ المحرِمَةِ، والذي يحرمُ عليها في الأحاديثِ الانتقابُ، أي: لبسُ النقابِ كما يحرمُ لبسُ الرجلِ القميصَ والخفينِ، فيحرمُ عليها النقابُ، ومثلُه البرقعُ، وهوَ الذي فُصِّلَ على قدرِ سَتْرِ الوجهِ لأنهُ الذي وردَ به النصُّ، كما وَرَدَ بالنهي عن القميصِ للرجلِ معَ جوازِ سترِ الرجلِ لبدنِه بغيرِه اتفاقًا فكذلكِ المرأةُ المحرمةُ تسترُ وجْهَهَا بغيرِ ما ذكرَ كالخمارِ والثوبِ، ومنْ قالَ إنَّ وجْهَهَا كرأسِ الرجلِ المحرمِ لا يُغَطَّى شيءٌ فلا دليلَ معهُ. ويحرمُ عليها لبسُ القفازينِ، ولبسُ ما يمسه ورسٌ أو زعفرانُ منَ الثيابِ، ويباحُ لها ما أحبَّتْ منْ غير ذلكَ من حليةٍ وغيرها. وأما الصيدُ، والطيب، وحلقُ الرأسِ، فالظاهرُ أنهنَّ كالرجلِ في ذلكَ، واللَّهُ أعلمُ. وأما الانغماسُ في الماءِ، ومباشرة المحملِ بالرأسِ، وسترُ الرأسِ باليدِ، وكذَا وضعُهُ على المخدةِ عندَ النومِ [فإنه لا يضرُّ] (١)، لأنهُ لا يسمَّى لابسًا. والخفافُ جمعُ خفٍّ وهو ما يكونُ إلى نصفِ الساقِ، ومثلُه في الحكمِ الجوربُ، وهوَ ما يكونُ إلى فوقِ الركبةِ. وقدْ أُبيحَ لمنْ لم يجدِ النعلينِ بشرطِ القطعِ، إلا أنكَ قد سمعتَ [ما قاله] (٢) في المنتقَى منْ نسخِ القطعِ، وقدْ رجَّحهُ في الشرحِ بعدَ إطالةِ الكلامِ بذكرِ الخلافِ في المَسْألةِ، ثمَّ الحقُّ أنهُ لا فديةَ على لابسِ الخفينِ لعدمِ النعلين. وخالفتِ الحنفيةُ فقالُوا: تجبُ الفديةُ. ودلَّ الحديثُ على تحريمِ لبسِ ما مسَّهُ الزعفرانُ والورسُ. واختُلِفَ في العلةِ التي لأجلِها النهي هلْ هي الزينةُ أو الرائحةُ؟ فذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها

стр. 1221

الرائحةُ؛ فلو صارَ الثوبُ بحيثُ إذا أصابهُ الماءُ لم يظهرْ لهُ رائحةٌ جازَ الإحرامُ فيهِ. وقد وردَ في روايةٍ: "إلا أنْ يكونَ غسيلًا"، وإن كانَ فيها مقالٌ. ولبسُ المعصفرِ والمورَّسِ محرَّمٌ على الرجالِ في حالِ الحلِّ كما في الإحرام. تطيُّب رسول الله ﷺ لإحرامه ولحله ٥/ ٦٨٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كنتُ أطيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامِه قبلَ أنْ يحرِمَ، ولحلِّه قبلَ أنْ يطوفَ بالبيتِ. متفقٌ عليه). فيهِ دليلٌ على استحبابِ التطيبِ عندَ إرادةِ فعلِ الإحرامِ، وجوازِ استدامتِه بعدَ الإحرامِ، وأنهُ لا يضرُّ بقاءَ لونِه وريحِه، وإنما يحرمُ ابتداؤهُ في حالِ الإحرامِ. وإلى هذا ذهبَ جماهيرُ الأئمةِ منَ الصحابةِ والتابعينَ (٢) وذهبَ جماعةٌ منْهم إلى خلافهِ، وتكلَّفوا لهذِهِ الروايةِ ونحوِها بما لا يتمُّ بهِ مدعاهُمْ فإنَّهم قالُوا: "إنهُ ﷺ تطيَّبَ ثمَّ اغتسلَ بعدَه فذهبَ الطيبُ". قالَ النووي ﵀ في شرح مسلمٍ (٣) بعدَ ذكرِه: الصوابُ ما قالهُ الجمهورُ من أنهُ يستحبُّ الطيبُ للإحرامِ لقولِها: "لإحرامِه". ومنْهم مَنْ زعمَ أن ذلكَ خاصٌّ بهِ ﷺ ، ولا يتمُّ ثبوتُ الخصوصيةِ إلا بدليلٍ عليْها، بلِ الدليلُ قائمٌ على خلافِها، وهوَ ما ثبتَ منْ حديثِ عائشةَ: "كُنَّا ننضحُ وجوهَنا [بالمسك المطيب] (٤) قبلَ أنْ نحرمَ، فنعرقَ [ويسيل] (٥) على وجوهِنا، ونحنُ مع رسولِ اللهِ ﷺ فلا يَنْهانا" رواهُ أبو داودَ (٦)، وأحمدُ بلفظِ: "كُنَّا نخرجُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ إلى مكةَ فننضحُ جباهَنا بالمسكِ المطيبِ عندَ الإحرامِ، فإذا عرقتْ إحدانَا سالَ على وجهِهَا فيراهُ النبيُّ ﷺ فلا ينْهانا".

стр. 1222

ولا يقالُ هذا خاصٌ بالنساءِ لأنَّ الرجالَ والنساءَ في الطيب سواءٌ بالإجماعِ؛ فالطيبُ يحرمُ بعدَ الإحرامِ لا قبلَه وإن دامَ حالُه فإنهُ كالنكاحِ لأنهُ منْ دواعِيهِ، والنكاحُ إنَّما يمنعُ المحرِم منِ ابتدائِه لا منِ استدامتهِ فكذلك الطيبُ، ولأنَّ الطيبَ منَ النظافةِ منْ حيثُ إنهُ يقصدُ بهِ دفعُ الرائحةِ الكريهةِ كما يقصدُ بالنظافةِ إزالةَ ما يجمعُه الشعرُ والظفرُ منَ الوسخِ، ولذَا استُحِبَّ أنْ يأخذَ قبلَ الإحرامِ منْ شعرِه وأظفارِه لكونِه ممنوعًا منهُ بعدَ الإحرامِ وإنْ بقيَ أثرُه بعدَه. وأما حديثُ مسلمٍ (١) في الرجلِ الذي جاء يسألُ النبيَّ ﷺ كيفَ يصنعُ في عمرتِه، وكانَ الرجلُ قدْ أحرمَ وهوَ متضمِّخٌ بالطيبِ "فقالَ: يا رسولَ اللهِ ما تَرَى في رجلٍ أحرمَ بعمرةٍ في جبةٍ بعدَما تضمَّخَ بطيب؟ فقالَ ﷺ : "أما الطيبُ الذي بكَ فاغسلْه ثلاثَ مراتٍ" الحديث. فقدْ أُجِيبَ عنهُ بأنَّ هذَا السؤالَ والجوابَ كانا بالجعرَّانةِ في ذي القعدةِ سنةَ ثمانٍ، وقدْ حجَّ ﷺ سنةَ عشرٍ، واستدامَ الطيبُ، وإنَّما يؤخذُ بالآخرِ [فالآخر] (٢) منْ أمرِ رسولِ اللهِ ﷺ لأنه يكونُ ناسخًا للأول. وقولُها: "لحلِّه قبلَ أن يطوفَ بالبيتِ"، المرادُ بحلِّه الإحلالُ الذي يحلُّ بهِ كلُّ محظورٍ وهوَ طوافُ الزيارةِ، وقدْ كانَ حلُّ بعضِ الإحلالِ وهوَ بالرمي الذي يحلُّ بهِ الطيبُ وغيرُه ولا يمنعُ بعدَه إلا منْ النساءِ. وظاهرُ هذا أنهُ قدْ كانَ فعلَ الحلقَ والرميَ وبقيَ الطوافُ. تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة ٦/ ٦٨٦ - وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ أن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح]

стр. 1223

(وعنْ عثمانَ ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قالَ: لا يَنكحُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ، أي: لا يَنْكِحُ هو لنفسِه، (المحرمُ ولا يُنكِحُ) بضمِّ حرفِ المضارعةِ لا يعقدُ لغيرِه، (ولا يخطبُ) لهُ ولا لغيرِه (رواهُ مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على تحريمِ العقْدِ علَى المحرِم لنفسِه ولغيرِه، وتحريمِ الخطبةِ كذلكَ. والقولُ بأنهُ ﷺ تزوجَ ميمونَة بنتَ الحارثِ وهوَ محرمٌ لروايةِ ابن عباسٍ (١) لذلكَ مردودٌ بأنَّ روايةَ أبي رافعٍ (٢): "أنّهُ تزوَّجَها ﷺ وهوَ حلالٌ" أرجحُ، لأنهُ كانَ السفيرَ بينَهما، أي: بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ

стр. 1224

ميمونةَ، ولأنها روايةُ أكثرِ الصحابةِ. قالَ القاضي عياض ﵀: لم يُرْوَ أنهُ تزوَّجَها محرِمًا إلا ابنُ عباسٍ وحدَه، حتَّى قالَ سعيدُ بنُ المسيبِ: ذَهَلَ ابنُ عباسٍ وإنْ كانتْ خالتُه، ما تزوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ إلا بعدَ ما حلَّ. ذكرُه البخاريُّ (١). ثمَّ ظاهرُ النَّهْي في الثلاثةِ التحريمُ إلا أنهُ قيلَ: إنَّ النَّهيَ في الخطبةِ للتنزيهِ، وإنهُ إجماعٌ، فإنْ صحَّ الإجماعُ فذاكَ، ولا أظنُّ صحتَه، وإلَّا فالظاهرُ هوَ التحريمُ. ثمَّ رأيتُ بعدَ هذا نقلًا عن ابن عقيلٍ الحنبلي أنَّها تحرمُ الخطبةُ أيضًا. قال ابنُ تيمية: لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن الجميع نَهْيًا واحدًا، ولم يفصِّلْ. وموجبُ النَّهْي التحريمُ وليسَ ما يعارضُ ذلكَ من أثر أَو نظرٍ. حلُّ صيد الحلال للمُحرمين ٧/ ٦٨٧ - وعَنْ أَبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ في قِصَّةِ صَيْدِهِ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ - قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لأَصْحَابِهِ - وَكَانُوا مُحْرِمِينَ - "هَل مِنْكُمْ أَحَدٌ أمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيه بِشَيْءِ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِن لَحْمِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ﵁ في قصةِ صيدِه الحمارَ الوحشيَّ وهوَ غيرُ محرمٍ)، وكانَ ذلكَ عامَ الحديبيةِ. (قالَ: فقالَ النبيُّ ﷺ لأصحابِهِ وكانُوا محرمينَ: "هَلْ منْكم أحدٌ أمرهُ أو أشارَ [إليهِ بشيءٍ] (٣)؟ فَقالُوا: لا، قالَ: فكلُوا ما بقيَ منْ لحمِه. متفقٌ عليهِ). قد استُشكِلَ عدمُ إحرامِ أبي قتادةَ وقدْ جاوزَ الميقاتَ، وأجيبَ عنهُ بأجوبةٍ منها أنهُ قدْ كان بعثَه ﷺ هوَ وأصحابُه لكشفِ عدوٍّ لهم [بالساحلِ] (٤).

стр. 1225

ومنْها: أنهُ لم يخرجْ معَ النبيِّ ﷺ بلْ بعثَه أهلُ المدينةِ. ومنْها: أنَّها لم تكنِ المواقيتُ قدْ وقِّتَتْ في ذلكَ الوقت. والحديثُ دليلٌ على جوازِ أكلِ المحرِمِ لصيدِ البر، والمرادُ [به إنْ صاده] (١) غيرُ محرِمٍ ولمْ يكنُ منهُ إعانةٌ على قتلِهِ بشيءٍ وهوَ رأيُ الجماهيرِ (٢)، والحديثُ نصٌّ فيهِ. وقيلَ: لا يحلُّ أكلُه وإنْ لم يكنْ منهُ إعانةٌ عليه. ويُرْوَى هذَا عنْ عليٍّ ﵇ وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وهوَ مذهبُ الهادوية (٣) عملًا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤) بناءً علَى أنَّهُ أُريدِ بالصيدِ المصيدُ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ المرادَ في الآيةِ الاصطيادُ، ولفظُ الصيدِ وإنْ كانَ مترددًا بيَّنَ المعنيينِ لكنْ بينَ حديثِ أبي قتادةَ المرادَ، وزادَه بيانًا حديثُ جابرِ بن عبدِ اللهِ عنهُ ﷺ أنهُ قالَ: "صيدُ البرِّ لكمْ حلالٌ ما لم تصيدُوهُ أو يُصَدْ لكم"، أخرجهُ أصحابُ السُّنَنِ (٥)، وابنُ خزيمةَ (٦)، وابنُ حِبَّانَ (٧)، والحاكمُ (٨)،

стр. 1226

إلا أن في بعضِ رُوَاتِهِ مقالًا بيَّنَه المصنفُ في التلخيصِ (١). وعلى تقدير أن المرادَ في الآيةِ الحيوانُ الذي يُصَادُ فقدْ ثبتَ تحريمُ الاصطيادِ منْ آياتٍ أُخَرَ، ومنْ أحاديثَ، ووقعَ البيانُ بحديثِ جابرٍ فإنهُ نصٌّ في المراد. والحديثُ فيه زيادةٌ وهي قولُه (٢) ﷺ (٣): "هلْ معكمْ منْ لحمِه شيءٌ"؟ وفي روايةٍ: "هلْ مَعكم منهُ شيءٌ؟ "، قالُوا: مَعَنَا رجْلُهُ [رواه مسلم] (٤)، فأخذَها رسولُ اللهِ ﷺ [فأكلها] (٥)، إلا أنهُ لم [يتفق] (٦) الشيخان [على إخراج] (٧) هذهِ الزيادةَ، واستدلَّ المانعُ لأكلِ المحرِمِ الصيدَ مطلقًا بقولِه: لا يحلُّ لحم الصيد للمُحرم ٨/ ٦٨٨ - وعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ ﵁ أنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشيًا، وَهُوَ بالأَبْوَاءِ، أوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح] (وعنِ الصعب) (٩) بفتحِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحَّدةٍ (ابن جَثَّامةَ) بفتحِ الجيم، وتشديدِ المثلثةِ، الليثيِّ (أنهُ أَهْدَى لرسولِ الله ﷺ حمارًا وحشيًا)، وفي روايةٍ: حمارُ وحشٍ يقطرُ دمًا، وفي أُخْرى: لحمُ حمارِ وحشٍ، وفي أُخْرى: عُجْزُ حمارِ وحشٍ، وفي روايةٍ: عَضُدًا منْ لحمِ صيدٍ. كلُها في مسلمٍ (١٠)، (وهو بالأبواءِ) بالموحدة [ممدودة] (١١)، (أو بِوَدَّانِ) بفتحِ الواوِ وتشديدِ الدالِ المهملةِ، وكانَ ذلكَ في حجةِ الوداعِ، (فردَّه عليهِ وقالَ: إنا لم نردَّهُ) بفتح

стр. 1227

الدالِ، رواهُ المحدِّثونَ، وأنكرهُ المحققونَ من أهلِ العربيةِ، وقالُوا: صوابُه ضمُّها لأنهُ القاعدةُ في تحريكِ [الساكن] (١) إذا كانَ بَعدهُ ضميرُ المذكرِ الغائبِ على الأصحِّ. وقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (٢): في "ردّهِ" ونحوِه للمذكرِ ثلاثةُ أوجهٍ أوضحُها الضمُّ، والثاني الكسرُ وهوَ ضعيفٌ، والثالثُ الفتحُ وهو أضعفُ منهُ، بخلافِ ما إذا اتصلَ بهِ ضميرُ المؤنثِ نحوَ ردَّها؛ فإنهُ بالفتحِ (عليكَ إلا أنَّا حُرُمٌ) بضمِّ الحاءِ والراءِ أي مُحرمونَ (متفقٌ عليْهِ) (٣). دلَّ على أنهُ لا يحلُ لحمُ الصيدِ للمحرمِ مطلقًا، لأنهُ ﷺ علَّلَ ردَّه بكونه محرمًا، ولم يستفصلْ هلْ صاده لأجله ﷺ أوْ لا؛ فدلَّ على التحريمِ مطلقًا. وأجابَ مَنْ جوَّزَه بأنهُ محمولٌ على أنهُ صِيْدَ لأجلِهِ ﷺ فيكونُ جمْعًا بينَه وبينَ حديثِ أبي قتادة الماضي (٤). والجمعُ بينَ الأحاديثِ إذا أمكنَ أوْلَى منِ اطراحِ بعضِها. وقدْ دلَّ لهذا بأن في حديثِ أبي قتادةَ الماضي عندَ أحمدَ (٥)، وابنِ ماجه (٦) بإسنادٍ جيدٍ: "إنَّما صدْتُهُ لهُ، وأنهُ أمرَ أصحابَهُ يأكلونَ ولم يأكلْ منهُ حينَ أخبرْتُه أني اصْطَدْتُهُ لهُ". قالَ أبو بكرٍ النيسابوريُّ: قولُه اصطدتُه لكَ، وأنهُ لم [يأكل منهُ] (٧) لا أعلمُ أحدًا قالهُ في هذا الحديثِ غيرَ معمرٍ. قلتُ: معمرٌ ثقةٌ لا يضرُّ تفردُه ويشهدُ للزيادةِ حديثُ جابرٍ (٨) الذي قدَّمناهُ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينبغي قبولُ الهديةِ، وإبانةُ المانعِ من قبولِها إذا ردَّها. واعلمْ أنَّ ألفاظَ الرواياتِ اختلفَتْ فقالَ الشافعيُّ (٩): إنْ كانَ الصَّعبُ أهدَى النبيَّ ﷺ الحمارَ حيًّا فليسَ للمحرِمِ ذبحُ حمارٍ وحشي، وإنْ كانَ أَهْدَى لحمَ حمارٍ فيحتملُ أنهُ ﷺ قدْ فَهِمَ أنهُ صاده لأجلِه، وأما روايةُ: "أنه ﷺ أكلَ منه" التي أخرجَها البيهقيُّ (١٠)

стр. 1228

فقدْ ضعَّفَها ابنُ القيمِ (١)، ثمَّ إنهُ استقْوى منَ الرواياتِ روايةَ لحمِ حمارٍ، قالَ: لأنَّها لا تنافي روايةَ مَنْ رَوَى حمارًا، لأنه قدْ يسمَّى الجزءُ باسمِ الكلِّ وهوَ شائعٌ في اللغةِ، ولأنَّ أكثرَ الرواياتِ اتفقتْ أنهُ بعضٌ منْ أبعاضِ الحمارِ، وإنما وقعَ الاختلافُ في ذلكَ البعضِ، ولا تناقضَ بينَها؛ فإنهُ يحتملُ أنْ يكونَ المهدَى منَ الشقِّ الذي فيهِ العجُزُ الذي فيه [رجْلُهُ] (٢). قتل الفواسق الخمس في الحرم ٩/ ٦٨٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْعَقْرَبُ، وَالحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعَنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "خمسٌ منَ الدوابِّ كلُّهن فواسقُ يُقْتَلْنَ في الحرمِ: الغرابُ والحِدأةُ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، وفتحٍ الدالِ بعدَها همزهٌ [بوزن عنبة] (٤)، (والعقربُ) يُقالُ على الذكرِ والأنثَى، وقدْ يقالُ عقربةُ، (والفأرةُ)

стр. 1229

بهمزةٍ ساكنةٍ، ويجوزُ تخفيفُها ألفًا، (والكلبُ العقورُ. متفقٌ عليهِ)، وفي روايةٍ في البخاريِّ (١) زيادةُ ذكرِ الحيةِ فكانتْ ستًا. وقد أخرجَها بلفظِ ستٍ أبو عوانةَ، وسردَ الخمسَ معَ الحيةِ. ووقع [عند] (٢) أبي داود (٣) زيادةُ السَّبُعُ العادي فكانتْ سبعًا، ووقعَ عندَ ابن خزيمةَ (٤)، وابنِ المنذرِ زيادةُ الذئب والنمرِ فكانتْ تسعًا، إلَّا أنهُ نُقِلَ عن الذهليِّ أنهُ ذكرَهما في تفسير الكلب العقورِ. ووقعَ ذكرُ الذئبِ في حديثٍ مرسلٍ (٥) رجالُه ثقاتٌ: وأخرجَ أحمدُ (٦) مرفوعًا الأمرَ للمحرمِ بقتلِ الذئبِ، وفيهِ راو ضعيفٌ. وقدْ دلَّتْ هذه [الروايات] (٧) أن مفهومَ العددِ غيرُ مرادٍ منْ قولِهِ خمسٌ. والدوابُّ بتشديدِ الباءِ جمعُ دابةٍ وهوَ ما دبَّ منَ الحيوانِ، وظاهرهُ أنهُ يسمَّى الطائرُ دابةً وهوَ يطابقُ قولَه تعالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٨)، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ (٩). وقيل: يخرجَ الطائرُ منْ لفظِ الدابةِ لقولِه تعالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (١٠) ولا حجة [فيه] (١١)، لأنهُ يحتملُ أنهُ عطفٌ خاصٌّ على عامٍّ. هذَا وقد اختصَّ في العرفِ لفظُ [الدابة] (١٢) بذواتِ الأربعِ القوائم. وتسميتُها فواسق لأنَّ الفسقَ لغة

стр. 1230

الخروجُ، ومنهُ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (١)، أي: خرجَ، ويسمَّى العاصي فاسقًا لخروجِه عنْ طاعةِ ربِّهِ، ووصفتِ المذكورةُ بذلكَ لخروجِها عنْ حكمِ غيرِها منَ الحيواناتِ في تحريمِ [قتل المحرم لها] (٢)، وقيلَ: لخروجِها عن غيرها من الحيواناتِ في حلِّ أكلهِ لقولِه تعالَى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٣)، فسمِّي ما لا يُؤكَلُ فسقًا. قالَ تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (٤)، وقيلَ: لخروجِها عن حكمِ غيرِها بالإيذاءِ والإفسادِ وعدمِ الانتفاع (٥)، فهذِه ثلاثُ عللٍ استخرجَها العلماءُ في حلِّ قتلِ هذهِ الخمسِ. ثمَّ اختلفَ أهل الفتوى فمنْ قالَ بالأولِ ألحقَ بالخمسِ كلَّ ما جازَ قتلَهُ [للحلال في الحرم] (٦). ومنْ قالَ بالثاني ألحقَ كلَّ ما لا يؤكلُ إلَّا ما نُهِيَ عنْ قتلِه. وهذا قدْ يجامع الأولَ. ومَنْ قالَ بالثالثِ [خَصَّ] (٧) الإلحاقَ بما يحصلُ منهُ الإفسادُ. قالَ المصنفُ في فتحِ الباري. قلتُ: ولا يخفى أنَّ هذهِ العللَ لا دليلَ عليْها فيبعدُ الإلحاقُ لغيرِ المنصوصِ بهَا، والأحوطُ عدمُ الإلحاقِ، وبهِ قالتِ الحنفيةُ إلَّا أنَّهم ألحقُوا الحيةَ لثبوتِ الخبرِ، والذئبَ لمشاركتِه للكلبِ في الكلبيةِ، وألحقُوا بذلكَ من ابتدأَ بالعدوانِ والأذى منْ غيرِها. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٨): والتعديةُ بمعنَى الأذى إلى كلِّ مؤذٍ قويٍّ [بالإضافة] (٩) إلى تصرفِ أهلِ القياسِ فإنهُ ظاهرٌ منْ جهةِ الإيماءِ بالتعليلِ بالفِسقِ وهوَ الخروجُ عن الحدِّ، انتهَى. قلتُ: ولا يخْفَى أنه قدِ اختُلِفَ في تفسيرِ فِسْقِها على ثلاثةِ أقوالٍ كما عرفتَ فلا يتمُّ تعيينُ واحدٍ منْها علةً بالإيماءِ، فلا يتمُّ الإلحاقُ بهِ، وإذا جازَ قتلُهنَّ للمحرم جازَ للحلالِ بالأَوْلَى وقدْ وردَ بلفظِ: "يُقْتَلْنَ في الحلِّ والحَرَمِ" عندَ مسلم (١٠)، وفي لفظٍ: "ليسَ على المحرمِ في قتلهنَّ جُناحٌ" (١١)؛ فدلَّ أنهُ يقتلُها

стр. 1231

المحرِمُ في الحرمِ وفي الحلِّ بالأَوْلَى. وقولُه: "يُقْتَلْنَ" إخبارٌ بحلِّ قتلها. وقدْ وردَ بلفظِ الأمرِ، وبلفظِ نفي الجناحِ، ونفي الحرجِ على قاتِلهنَّ؛ فدلَّ على حملِ الأمرِ علَى الإباحةِ. وأطلقَ في هذهِ الروايةِ لفظَ الغرابِ، [وقيَّدَ] (١) عندَ مسلمٍ (٢) منْ حديثِ عائشةَ بالأبقعِ، وهوَ الذي في ظهرِه أو بطْنِه بياضٌ، فذهبَ بعضُ أئمةِ الحديثِ إلى تقييدِ المطلقِ بهذَا، وهيَ القاعدةُ في حملِ المطلقِ على المقيَّدِ. والقدحُ في هذه الزيادةِ بالشذوذِ، وتدليسِ الراوي مدفوعٌ بأنهُ صرَّحَ الراوي بالسماعِ فلا تدليسَ، وبأنَّها زيادةٌ منْ عدلٍ ثقةٍ حافظٍ فلا شذوذ. قالَ المصنفُ: قدِ اتفقَ العلماءُ على إخراجِ الغرابِ الصغيرِ الذي يأكلُ الحبَّ ويقالُ له غرابُ الزرع [ويقال له الزارع، وأفتوا] (٣) بجوازِ أكلِه، فبقيَ ما عداهُ من الغربانِ ملحقًا بالأبقعِ. والمرادُ بالكلبِ هوَ المعروفُ، وتقييدُه بالعقورِ يدلُّ على أنهُ لا يقتلُ غيرُ العقورِ. ونقلَ عنْ أبي هريرةَ تفسيرُ الكلبِ العقورِ بالأسدِ، وعنْ زيدِ بن أسلم [تفسيرُه] (٤) بالحيةِ، وعنْ سفيانَ أنهُ الذئبُ خاصةً. وقالَ مالكٌ ﵀: كلَّ ما عقرَ الناسَ وأخافَهم وعدَا عليْهم مثلُ الأسدِ والنمرِ والفهدِ والذئبِ هوَ الكلبُ العقورُ، ونُقِلَ عنْ سفيانَ وهو قولُ الجمهورِ، واستدلَّ لذلكَ بقولِه ﷺ : "اللهمَّ سلِّطْ عليه كلْبًا منْ كلابِك" فقتلَه الأسدُ، وهو حديثٌ حسنٌ أخرجهُ الحاكم (٥). جواز الحجامة للمحرم ١٠/ ٦٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أن النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 1232

(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ احتجمَ وهوَ مُحرِمٌ)؛ وذلكَ في حجةِ الوداعِ بمحلٍّ يقالُ لهُ لُحَى، جَبَلٌ بينَ مكةَ والمدينةِ (متفقٌ عليه). دلَّ على جوازِ الحجامةِ للمُحرمِ، وهوَ إجماعٌ في الرأسِ وغيرِه إذا كانَ لحاجةٍ، فإنْ قطع منَ الشعرِ شيئًا كانَ عليهِ فديةُ الحلقِ، وإنْ لم يقطع فلا فديةَ عليهِ. وإنْ كانتِ الحجامةُ لغيرِ عُذْرٍ، فإنْ كانتْ في الرأسِ حَرُمَتْ إنْ قُطِعَ معَها شعرٌ لحرمةِ قطعِ الشعرِ، وإنْ كانتْ في موضعٍ لا شعْرَ فيهِ فهيَ جائزةٌ عندَ الجمهورِ ولا فديةَ، وكرهَهَا قومٌ. وقيلَ: تجبُ فيها الفديةُ. وقدْ نبَّهَ الحديثُ على قاعدة شرعيةٍ، وهيَ أنَّ محرماتِ الإحرامِ منَ الحلقِ وقتلِ الصيدِ ونحوهما تباحُ للحاجةِ وعليه الفديةُ، فمنِ احتاجَ إلى حلقِ رأسِه، أو لبسِ قميصِه مثلًا لحرٍّ، أو بردٍ، أُبيحَ لهُ ذلكَ ولزمْته الفديةُ، وعليهِ دلَّ قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (١) الآية. [وقد] (٢) بيَّنَ قَدْرَ الفديةِ الحديثُ: ١١/ ٦٩١ - وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: حُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقُمَّلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أتجِدُ شَاةً؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وهو قولُه: (وعنْ كعبِ بن عجرةَ) (٤) بضمِّ [المهملة] (٥)، وسكون الجيمِ، وبالراءِ، وكعبٌ صحابيٌّ جليلٌ حليفُ الأنصاري، نزلَ الكوفَةَ، وماتَ بالمدينةِ سنةَ إحدى وخمسينَ. (قالَ: حُمِلْتُ) مغيرُ الصيغةِ (إلى رسولِ اللهِ ﷺ والقملُ يتناثرُ على وجهي فقالَ: ما كنتُ أْرَى) بضمِّ الهمزةِ، أي أظنُّ (الوجعَ بلغَ بكَ ما أرَى) بفتحِ

стр. 1233

الهمزةِ منَ الرؤيةِ، (أتجدُ شاةً؟، قلتُ: لا، قال: فصُم ثلاثةَ أيام أو أطعمْ ستةَ مساكينَ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ. متفقٌ عليه). وفي روايةٍ للبخاريِّ (١): مرَّ بي رسولُ اللهِ ﷺ بالحديبيةِ، ورأسي يتهافتُ قملًا فقالَ: "أتؤذيكَ هوامُّك؟ "، قلتُ: نعمْ، قالَ: "احلق رأسَكَ - الحديثَ". وفيهِ فقالَ: نزلتْ فيَّ هذهِ الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢) الآية. وقد رُوِيَ الحديثُ بألفاظٍ عديدةٍ، وظاهرُه أنهُ يجبُ تقديمُ النُّسُكِ على النوعينِ الآخرينِ إذا وجدَ، وظاهرُ الآيةِ الكريمةِ وسائرُ رواياتِ الحديثِ أنهُ مخيَّرٌ في الثلاثِ جميعًا، ولذَا قالَ البخاريُّ (٣) في أولِ بابِ الكفاراتِ: "خَيَّرَ النبي ﷺ كعبًا في الفديةِ"، وأخرجَ أبو داودَ (٤) منْ طريقِ الشعبيِّ عن ابن أبي ليلَى، عنْ كعبِ بن عجرةَ أنهُ ﷺ قالَ: "إن شئتَ فأنسكْ نسيكةً، وإن شئتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وإنْ شئتَ فأطعمْ - الحديثَ". والظاهرُ أن التخييرَ إجماعٌ. وقولُه: نصفُ صاعٍ، أخذَ جماهيرَ العلماءِ بظاهرِه إلا ما يُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ والثوريِّ أنهُ نصفُ صاعٍ منْ حنطةٍ، أو صاعٍ منْ غيرِها. حُرمة مكة ١٢/ ٦٩٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينَ، وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كانَ قَبْلِي، وَإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لأحَدِ بَعْدِي، فَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتهَا إلا لِمُنْشِدٍ، وَمَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنَّا نَجْعَلُهُ في قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ: "إلا الإذْخِرَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 1234

(وعنْ أبي هريرةَ قالَ: لما فتحَ اللهُ على رسولِه ﷺ ) [أراد بهِ فتحَ مكةَ وأطلقه لأنهُ المعروفُ] (١)، (قامَ رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ) أي: خاطِبًا، وكانَ قيامُه ثانيَ الفتح، (فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ ثمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ حبسَ عنْ مكةَ الفيلَ)، تعريفًا لهم بالمنَّةِ التي مَنَّ اللهُ تعالى بها عليْهم، وهي قصةٌ معروفةٌ مذكورةٌ في القرآنِ، (وسلَّط عليها رسوله والمؤمنينَ) ففتحُوها عُنوةً، (وإنَّها لم تحلَّ لأحدٍ كانَ قبلي، وإنَّما أُحِلَّتْ لي ساعةً منْ نهارٍ)؛ هي ساعةَ دخولِه إيَّاها، (وإنَّها لا تحلُّ لأحدٍ بعدي فلا يُنَفَّرُ) بالبناءِ للمجهولِ (صيدُها)، أي: لا يزعجُه أحدٌ، ولا ينحِّيهِ عنْ موضعهِ، (ولا يُخْتَلَى) بالخاءِ المعجمةِ مبنيٌّ للمجهولِ أيضًا (شوكُها)، أي: لا يُؤْخَذُ [ويُقْطَعُ] (٢)، (ولا [تحلُّ ساقطتُها]) (٣) أي: لقطتُها، وهوَ بهذَا اللفظِ في روايةٍ، (إلا لمنشدٍ) أي: معرِّف [بها] (٤)، يقالُ لهُ: منشدٌ، [ولطالبها] (٥): ناشدٌ، (ومَنْ قُتِلَ له قتيلٌ فهوَ بخيرِ النظرينِ)؛ إما أخذُ الديةِ، أو قتلُ القاتلِ. ([فقال] (٦) العباسُ: إلا الإذخرَ يا رسولَ اللهِ) بكسرِ الهمزةِ وسكونِ الذالِ المعجمةِ، فخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ، نَبْتٌ معروفٌ طيبُ الرائحةِ، (فإنا نَجعلُه في قبورِنا وبيوتِنا، فقال: إلا الإذخرَ. متفقٌ عليه). فيه دليلٌ على أن فتحَ مكةَ عنوةً لقولِه: "لم تحلّ". [وقوله: "سلَّطَ عليها"، وقوله (٧): "ولا تحلُّ"، وعلى ذلكَ الجماهيرُ. وذهبَ الشافعيُّ ﵀ إلى أنَّها فتحتْ صلحًا [مستدلًّا بأنه] (٨) ﷺ لم يقسمْها على الغانمينَ كما قسمَ خيبرَ، وأجيبَ [عنهُ] (٩) بأنهُ ﷺ مَنَّ على أهلِ مكةَ، وجعلَهمُ الطلقاءَ، وصانَهم عن القتلِ والسبي للنساءِ والذرية، واغتنام الأموالِ، إفضالًا منهُ على قرابتِه وعشيرتِه. وفيهِ دليلٌ على أنهُ لا يحلُّ لأحدٍ القتال بعدَه ﷺ بمكةَ. قالَ الماورديُّ (١٠): منْ خصائصِ الحرمِ أنهُ لا يُحَاربُ أهلُه وإنْ بَغَوْا على أهلِ العدلِ. وقالتْ طائفةٌ بجوازِه، وفي المسْألةِ خلافٌ. وتحريمُ القتالِ فيها هوَ

стр. 1235

الظاهرُ. قالَ القرطبيُّ: ظاهرُ الحديثِ يقتضي تخصيصُه ﷺ بالقتالِ لاعتذارِه عنْ ذلكَ الذي أُبِيحَ لَهُ، معَ أنَّ أهلَ مكةَ كانُوا إذْ ذاكَ مستحقينَ للقتال، لصدِّهم عن المسجدِ الحرامِ، وإخراج أهلهِ منهُ، وكفرِهم. وقالَ بهِ غيرُ واحدٍ منْ أهلِ العلمِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (١): يَتأكدُ القولُ بالتحريمِ بأنَّ الحديثَ دلَّ على أن المأذونَ فيهِ للنبيِّ ﷺ لم يُؤذَنْ فيهِ لغيرِه، ويؤيدُه قولُه ﷺ : "فإنْ ترخصَ أحدٌ لِقِتَالِ رسولِ اللهِ ﷺ فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لرسولِهِ ولم يأذنْ لكمْ" (٢)، فدلَّ أن حلَّ القتالِ فيها مِنْ خصائِصه ﷺ . ودلَّ على تحريمِ تنفيرِ صيدِها، وبالأَوْلَى تحريمُ قتلِه، وعلى تحريمِ قطع شوكِها، ويفيدُ تحريمُ قطعِ مَا لَا يؤذي بالأَولَى. ومنَ العجبِ أنهُ ذهبَ الشافعيُّ (٣) إلى جوازِ قطعِ الشوكِ منْ فروعِ الشجرِ كما نقلَه عنهُ أبو ثورٍ، وأجازَهُ جماعةٌ غيرُه، ومنْهمُ الهادويةُ (٤)، وعلَّلُوا ذلكَ بأنهُ يؤذي فأشبهَ الفواسقَ. قلتُ: وهذا منْ تقديمِ القياسِ على النصِّ، وهوَ باطلٌ، على أنكَ عرفتَ أنهُ لم يتم دليلٌ [على] (٥) أن علةَ قتلِ الفواسقِ هوَ الأذيةُ. واتفقَ العلماءُ على تحريمِ قطعِ أشجارِها التي لم ينبتْها الآدميونَ في العادةِ، وعلى تحريمِ قطعِ خَلَاها، وهوَ الرطبُ منَ الكلأ، فإذا يبسَ فهوَ الحشيشُ. واختلفُوا فيما ينبتُه الآدميونَ، فقالَ القرطبيُّ: الجمهورُ على الجوازِ. وأفادَ أنَّها لا تحلُ لُقَطَتُها إلا لمنْ يعرِّفُ بها أبدًا ولا يتملَّكُها، وهوَ خاصٌّ بلقطةِ مكةَ، وأما غيرُها فيجوزُ أنْ يلتقطَها بنيةِ التملُّكِ بعدَ التعريفِ بها سنةً، ويأتي ذكرُ الخلافِ في المَسْألةِ في بابِ اللقطة (٦) [إنْ شاءَ اللهُ تعالَى] (٧). وفي قولِه: "ومنْ قُتِلَ لهُ قتيلٌ فهوَ بخيرِ النظرينِ (٨) دليلٌ على أن الخيارَ للوليِّ، ويأتي الخلافُ في ذلكَ في بابِ الجناياتِ (٩).

стр. 1236

وقولُه: "نجعلُه في قبورِنا"، أي: نسدُّ بِه خللَ الحجارةِ التي تُجْعَلُ على اللَّحدِ، وفي البيوتِ كذلكَ يجعلُ فيما بينَ الخشبِ على السقوفِ. وكلامُ العباسِ يحتملُ أنهُ شفاعةٌ إليه ﷺ ، ويحتملُ أنهُ اجتهادٌ منهُ لما عُلِمَ منْ أن العمومَ غالبهُ التخصيصُ، كأنهُ يقولُ هذا مما تدعُو إليه الحاجةُ، وقدْ عهدَ منَ الشرعيةِ عدمُ الحرجِ فقرَّرَ ﷺ كلامَه. واستثناؤُه إما بوحيٍ أو اجتهادٍ منهُ ﷺ . يحرم من المدينة ما يحرم من مكة ١٣/ ٦٩٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ بن عَاصِمٍ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إنْ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا، وَإنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وإنِّي دَعَوْتُ في صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ لأهْلِ مَكَّة"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعن عبدِ اللهِ بن زيدِ بن عاصمٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكةَ)، وفي روايةٍ: "إنَّ اللَّهَ حرَّمَ مكةَ". ولا منافاةَ، فالمرادُ أن اللَّهَ حكمَ بحرمتِها، وإبراهيمُ أظهرَ هذا الحكمَ على العبادِ، (ودَعَا لأهلِها) حيثُ قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٢)، وغيرُها من الآيات، (وإني حرمتُ المدينةَ) هي عَلَمٌ بالغلبةِ لمدينتهِ ﷺ التي هاجرَ إليها فلا يتبادرُ عندَ إطلاقِ لفظِها إلَّا هيَ، (كما حرَّمَ إبراهيمُ مكةَ، وإني دعوتُ في صاعِها ومُدِّها) أي: فيما يُكالُ بهما لأنَّهما مكيالانِ معروفانِ (بمثلِ ما دعا إبراهيمُ لأهلِ مكة. متفقٌ عليهِ). المرادُ [من تحريم] (٣) مكةَ تأمينُ أهلِها منْ أنْ يقاتَلُوا، وتحريمِ منْ [يدخلها] (٤) لقولِه تعالَى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٥)، وتحريمِ صيدِها، وقطعِ شجرِها، وعضدِ شوكِها. والمرادُ منْ تحريمِ المدينةِ تحريمُ صيدِها وقطعُ شجرِها ولا يحدثُ فيها حدثٌ. وفي تحديدِ حرمِ المدينةِ خلافٌ وردَ تحديدُه بألفاظٍ كثيرةٍ، ورجَّحتْ روايةُ: "ما بَيْنَ لابَتَيْهَا" (٦) لتواردِ الرواةِ عليها.

стр. 1237

١٤/ ٦٩٤ - وَعَنْ عَليِّ بْنِ أَبي طَالِب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﷺ قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : المدينةُ حرامٌ ما بينَ عَيرٍ) بالعينِ المهملةِ، فمثناةٍ تحتيةٍ فراءٍ، جبلٌ بالمدينةِ (إلي ثورٍ. رواهُ مسلمٌ). ثورٌ بالمثلثةِ، وسكونِ الواوِ، وآخرُه راءٌ. في القاموسِ (٢): إنهُ جبلٌ بالمدينةِ. قالَ: وفيهِ الحديثُ الصحيحُ، وذكرَ هذا الحديث ثمَّ قالَ: وأمَّا قولُ أبي عبيدِ القاسمِ بن سلامِ وغيرِه منَ الأكابرِ الأعلامِ: إنَّ هذَا تصحيفٌ والصوابُ إلى أُحُدٍ لأنَّ ثورًا إنَّما هوَ بمكةَ فغير جيدٍ، لما أخبرني الشجاعُ الثعلبيُّ الشيخُ الزاهدُ عن الحافظ أبي محمدِ بن (٣) عبدِ السلامِ البصريِّ أن حذاءَ أُحُدِ جانحًا إلى ورائِه جبلًا صغيرًا يقالُ لهُ ثورٌ، وتكررَ سؤالي عنهُ طوائفَ منَ العربِ العارفينَ بتلكَ الأرض، فكلٌّ أخبرني أن اسمَه ثورٌ، ولما كُتِبَ إلى الشيخ عفيفِ الدينِ المطري عنْ والدِه الحافظِ الثقةِ قالَ: إنَّ خلفَ أُحُدٍ عنْ شمالِه جبلًا صغيرًا مدوَّرًا يسمَّى ثورًا يعرفُه أهلُ المدينةِ خلَفٌ عنْ سلفِ، انتهَى. وهوَ لا ينافي حديثَ: "ما بينَ لابَتيْها" (٤)، لأنَّهما حرَّتانِ يكتنفانِها كما في القاموس. وعيرٌ وثورٌ مكتنفانِ المدينةِ، [فحديثُ عيرٍ وثورٍ يفسرُ اللَّابتينِ] (٥). * * *

стр. 1238

[الباب الخامس] بابُ صفةِ الحجِّ ودخولِ مكةَ أراد بهِ بيانَ المناسكِ والإتيانَ بها مرتبةً، وكيفيةَ وقوعِها، وذكرَ حديثَ جابرٍ وهوَ وافٍ بجميعِ ذلكَ. ١/ ٦٩٥ - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ حجَّ فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتى إذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي"، وَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ"، حَتى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ أَتى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ"، فَرَقَى الصَّفَا حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: "لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ مِثْلَ هذَا ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبّتْ قَدَمَاهُ في بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى إلى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ -. وَفِيهِ: فَلَمّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتى طَلَعَتِ

стр. 1239

الشَّمْسُ، فَأجَازَ حَتَّى أتَى عَرَفَةَ. فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَالتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصوَاءِ، فَرُحِّلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاء إلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتى غَابَ الْقُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتى إنَّ رَأسَهَا لَيُصِيبَ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السكِينَةَ، السكِينَةَ"، كلَّمَا أَتى حَبْلًا أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ. حَتَّى أتَى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، ودَعَا، وَكَبَّرَ، وَهَلَّلَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ عَلَى الجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حتى أَتى الْجَمْرَةَ الَّتي عِنْدَ الشَّجَرةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى المَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. رَوَاهُ مِسْلِمٌ مُطَوَّلًا (١). [صحيح]. (عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵄ أن رسولَ اللهِ ﷺ حجَّ)؛ عبَّرَ بالماضي لأنهُ رَوَى ذلكَ بعدَ تقضي الحجِّ حينَ سألهُ عنهُ محمدُ بنُ عليّ بن الحسينِ ﵃ كما في صحيحِ مسلمٍ، (فخرجْنا معهُ) أي: منَ المدينةِ، (حتَّى [إذا] (٢) أتيْنا ذا الحليفة

стр. 1240

فولدتْ أسماءُ بنتُ عميسٍ) بصيغةِ التصغيرِ، امرأةُ أبي بكرٍ، يعني محمد بن أبي بكر، (فقالَ) أي النبيُّ ﷺ : (اغتسلي واستثفري) بسينٍ مهملةٍ، فمثناةٍ فوقيةٍ [فمثلثةٍ فراءٍ] (١) هوَ شدُّ المرأةِ على وسطِها شيئًا، ثم تأخذُ خرقةً عريضةً تجعلُها في محلِّ الدم، وتشدُّ طرفيْها منَ ورائِها ومن قُدَّامِها إلى ذلكَ الذي شدَّته في وسطِها. وقولُه: (بثوب) بيانُ لما تستثفرُ بهِ، (وأحرمي) فيهِ أنهُ لا يمنعُ النفاسُ صحةَ عقدِ الإحرامِ (وصلَّى رسول اللهِ ﷺ [في المسجدِ)، مسجد ذي الحليفة] (٢) أي: صلاةَ الفجرِ، كذا ذكرهُ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (٣). والذي في الهدي النبوي (٤) أنَّها صلاةُ الظهر وهوَ الأوْلى لأنهُ ﷺ صلَّى خمسَ صلواتٍ بذي الحليفةِ الخامسةُ هي الظهرُ (٥)، وسافرَ بعدَها [في المسجد] (٦)، (ثمَّ ركبَ القصواءَ) بفتحِ القافِ فصادٍ مهملةٍ فواوٍ فألفٍ ممدودةٍ - وقيلَ: بضمِّ القافِ مقصورٌ وخُطِّئ مَن قالَه - لَقَبٌ لناقتِه ﷺ ، (حتَّى إذا استوتْ بهِ علي البيداءِ) اسم محلٍّ (أَهَلَّ) رفَعَ صوتَه (بالتوحيدِ) أي إفرادِ التلبيةِ للَّهِ وحدَه بقولِه: (لبيكَ اللَّهمَّ لبيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبيكَ). وكانت الجاهليةُ تزيدُ في التلبيةِ: إلَّا شريكًا هوَ لكَ تملكُه وما ملكَ، (إنَّ الحمدَ) بفتحِ الهمزةِ وكسرِها والمعنَى واحدٌ وهوَ التعليلُ (والنعمة لك والملك، لا شريك لك) [وأهلَّ الناس بهذا اللفظ الذي يهلُّون به فلم يرد عليهم رسول الله ﷺ شيئًا منهم، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته] (٧)، (حتَّى إذا أتيْنا البيتَ استلمَ الركنَ) أي مسحهُ بيدِه، [والمراد] (٨) بهِ الحجرَ الأسودَ وأطلقَ الركنَ عليهِ لأنهُ قدْ غلبَ على اليماني، (فرملَ) أي: في طوافِه بالبيتِ أي أسرعَ في [مشيِه] (٩) مهرولًا [فيما عدا الركنين اليمانيين فقط، فإنه مشى فيما بينهما كما يأتي حديث ابن عباس قريبًا] (١٠)،

стр. 1241

(ثلاثًا) أي مراتٍ (ومشى أربعًا، ثمَّ أتَى مقامَ إبراهيمَ فصلَّى) ركعتي الطواف (ثم رجعَ إلى الركن فاستلمهُ، ثمَّ خرجَ من البابِ) أي: بابِ الحرمِ (إلي الصَّفَا فلمَّا دَنَا) [أي] (١) قربَ (منَ الصَّفا قرأَ: إن الصفَا والمروةَ منْ شعائِرِ اللهِ، أبدأُ) في الأخذِ في السعي (بما بَدأ اللَّه به، فرقَى) بفتحِ القافِ (الصفَا حتَّى رأى البيتَ فاستقبلَ القبلةَ فوحَّدَ اللَّهَ وكبَّرَهُ) وبيَّنَ ذلكَ بقولِه: (وقال: لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا اللهُ، أنجزَ وعدَه) بإظهارِه تعالى للدِّينِ، (ونَصرَ عبدهُ) يريدُ بهِ نفسَه ﷺ ، (وهزمَ الأحزابَ) في يومِ الخندقِ (وحدَه) أي: منْ غيرِ قتالِ من الآدميينَ، ولا سببَ لانهزامِهم كما أشارَ إليه قولُه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٢)، أو المرادُ كلُّ من تحزَّبَ لحربِه ﷺ فإنهُ هزمَهم، (ثم دعا بينَ ذلكَ - قال مثل هذا - ثلاثَ مراتٍ). دلَّ أنهُ كررَ الذكرَ المذكورَ ثلاثًا، (ثمَّ نزلَ) منَ الصَّفا منتهيًا (إلي المروةِ حتَّى انصبتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سعى) قالَ عياضُ: فيهِ إسقاطُ لفظةٍ لا بدَّ منها وهيَ حتَّى انصبتْ قدماهُ فرملَ في بطنِ الوادي، فسقطَ [لفظ] (٣) رملَ، قالَ: وقدْ ثبتَتْ هذهِ اللفظةُ في روايةِ لمسلمٍ، وكذا ذكرَها الحميديُّ في الجمْعِ بينَ الصحيحينِ، (حتَّى إذا صعدَ) منْ بطنِ الوادي (مشَى إلى المروةِ ففعلَ على المروةِ كما فعلَ على الصَّفَا) منْ استقبالِه القبلةَ إلى آخر ما ذكرَ (فذكرَ) أي جابرٌ (الحديثَ) بتمامِه واقتصرَ المصنفُ على محلِّ الحاجةِ. (وفيه) أي في الحديث: (فلمَّا كانَ يومُ الترويةِ) بفتح المثناةِ الفوقية، فراءِ وهوَ الثامنُ منْ شهرِ ذي الحجة، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّهم [كانوا] (٤) يتروونَ فيهِ إذا لم يكنْ بعرفةَ ماءٌ، (توجَّهوا إلي منَى وركبَ ﷺ فصلَّى بها الظهرَ، والعصرَ، والمغربَ، والعشاءَ، والفجرَ، ثمَّ مكثَ) بفتحِ الكافِ، ثم مثلثةٍ، لبثَ (قليلًا) أي بعدَ [صلاة الفجرِ] (٥) (حتَّى طلعتِ الشمسُ، فأجازَ) أي: جاوزَ المزدلفةَ ولم يقفْ بها، (حتى أتى عرفةَ) أي: قَرُبَ منْها لا أنهُ دخلَها بدليلِ (فوجدَ القبةَ) خيمةً صغيرةً (قد ضُربت له بِنَمِرةَ)؛ بفتح النون، وكسر الميم، فراءٍ فتاءِ تأنيث؛ محلٌّ معروفٌ (فنزلَ بها)، فإنَّ نمرةَ ليستْ منْ عرفاتٍ،

стр. 1242

(حتى إذا زالت الشمسُ أمرَ بالقصواءِ فرحِّلتْ لة) مغيَّرُ صيغةٍ مخففُ الحاءِ المهملةِ أي: وضعَ عليها رحلَها، (فأتى بطنَ الوادي) وادي عرفةَ (فخطبَ الناسَ، ثمَّ أذَّنَ ثمَّ أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ) جمعًا منْ غيرِ أذانٍ (ولمْ يصلِّ بينَهما شيئًا، ثمَّ ركبَ حتَّى أتى الموقفَ، فجعلَ بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ، وجعلَ حبلَ)؛ فيهِ ضبطانِ بالجيم والحاءِ المهملةِ والموحدةِ، إما مفتوحةً أو ساكنةً (المشاةِ) وبها ذكرهُ في النهايةِ (١)، وفسَّرهُ بطريقِهم الذي يسلكونَه في الرمل. وقيلَ أرادَ صفَّهم ومجتمعهم في مشيهِم تشبيهًا بحبلِ الرملِ (بين يديهِ، واستقبلَ القبلةَ فلم يزلْ واقفًا حتَّى غربتِ الشمسُ وذهبتِ الصفرةُ [قليلًا] (٢)، حتى غابَ القرصُ). قال في شرحِ مسلمٍ (٣): هكذَا في جميعِ النسخ، [وكذا] (٤) نقله القاضي [عنْ] (٥) جميعِ النسخِ قالَ: قيلَ: صوابُه حينَ غابَ القرصُ قالَ: ويحتملُ أنْ يكونَ قولُه: حتَّى غابَ القرصُ بيانًا لقولِه غربتِ الشمسُ، وذهبتِ الصفرةُ فإنَّ هذهِ قدْ تطلقُ مجازًا على مغيبِ معظمِ القرصِ فأزالَ ذلكَ الاحتمالَ بقولِه: حتَّى غابَ القُرصُ (ودفعَ، وقد شنقَ) بتخفيفِ النونِ، ضمَّ وضيَّق (للقصواءِ الزمامَ، حتَّى إنَّ رأسَها ليصيبُ مَورِكَ) [بفتح] (٦) الميمِ، وكسرِ الراءِ، (رحلِه) بالحاءِ المهملةِ الموضعُ الذي يُثني الراكبُ رجله عليه قدامَ وسط الرحْلِ إذا ملَّ منَ الركوبِ، (ويقولُ بيدِه اليمني) أي: يشيرُ بها قائلًا: (يا أيُّها الناسُ السَّكينةَ السَّكينةَ) بالنصب، أي الزمُوا، (وكلما أتى حبلًا) بالمهملةِ وسكونِ الموحدةِ منْ حبالِ الرملِ، وحبلُ الرملِ ما طالَ منه وضخم (أرخَى لها قليلًا حتَّى تصعدَ) بفتحِ المثناةِ وضمِّها، يقالُ صَعِدَ وأصعدَ، (إذا أَتَى المزدلفة فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ ولم يسبِّحْ) أي لم يصلِّ (بينهما شيئًا) أي نافلةً: (ثم اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ فصلَّى الفجرَ حين تبينَ لهُ الصبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى المشعرَ الحرامَ)، وهوَ جبلٌ معروفٌ في المزدلفةِ يقالُ لهُ: قُزَحٌ بضمِّ القافِ، وفتحِ الزايِ، وحاءٍ مهملةٍ، (فاستقبلَ القبلةَ [ودعا] (٧)، وكبَّرَ، وهلَّلَ، فلم يزلْ

стр. 1243

واقفًا حتَّى أسفرَ) أي: الفجرُ (جِدًا) بِكسرِ الجيمِ إسفارًا بليغًا، (فدفَع قبلَ أن تطلعَ الشمسُ حتَّى أتَى بطنَ مُحَسِّرِ) بضمِّ الميمِ، وفتحِ المهملة، وكسرِ السينِ المشددةِ المهملةِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ فيلَ أصحابِ الفيلِ حَسِرَ [هنالك] (١)، أي كلَّ وأعيا (فحرَّكَ قليلًا) أي: حرَّك لدابتهِ لتسرعَ في المشي، وذلك مقدارَ مسافة رميةِ حجرٍ، (ثمَّ سلكَ الطريقَ الوسطَى) وهي غيرُ الطريقِ التي ذهبَ فيها إلى عرفاتٍ (التي تخرجُ على الجمرةِ الكُبْرَى)، وهي جمرةُ العقبةِ (حتَّى أَتَى الجمرةَ التي عندَ الشجرةِ)، وهيَ حدٌّ لِمِنَى [وليستْ] (٢) منْها، والجمرةُ اسمٌ لمجتَمَع الحصَى، سُمِّيَتْ بذلكَ لاجتماعِ الناسِ. يقالُ أجمرَ بنو فلانٍ إذا اجتمعُوا، (فرماها بسبعِ حصياتٍ يكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منْها، كلُّ حصاة مثلُ حَصَى الخذفِ)، وقدْرُه مثلُ حبة الباقلاء (رَمَي منْ بطنِ الوادي) بيانٌ لمحلِّ الرَّمي، (ثمَّ انصرفَ إلى المنحرِ فنحرَ، ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فأفاضَ إلى البيتِ فصلَّى بمكةَ الظهرَ)، فيهِ حذفٌ أي: فأفاضَ إلى البيتِ فطافَ بهِ طوافَ الإفاضةِ، ثمَّ صلَّى الظهرَ. وهذَا يعارضُه حديثُ ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ صلَّى الظهرَ يومَ النحرِ بمنَى" (٣). وجُمِعَ بينَهما بأنهُ ﷺ صلَّى بمكةَ ثمَّ أعادهُ بأصحابِه جماعةً بِمِنَى لينالُوا فضلَ الجماعةِ خلْفَهُ (٤). (رواهُ مسلمٌ مطوَّلًا)، وفيهِ زياداتٌ حَذَفَها المصنفُ، واقتصرَ على محلِّ الحاجةِ هُنَا. (واعلمْ) أن هذَا حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ على جُمَلٍ منَ الفوائدِ، ونفائسَ منْ مهمَّاتِ القواعدِ. قال [القاضي] (٥) عياضُ: قدْ تكلَّمَ الناس على ما فيهِ منَ الفقهِ وأكثَرُوا، وصَنَّفَ فيهِ أبو بكرِ بن المنذرِ جُزءًا كبيرًا أخرجَ فيهِ منَ الفقهِ مائةً ونيفًا وخمسينَ نوعًا قالَ: ولو تقصَّى لزيد على هذَا العددِ [أو قريبٍ] (٦) منهُ. قلتُ: وليعلمَ أن الأصلَ في كلِّ ما ثبتَ أنهُ فَعَلَهُ ﷺ في حجِّهِ الوجوبُ لأمرينِ: أحدُهما أن أفعاله ﷺ في الحجِّ بيانٌ للحجِّ الذي أمرَ الله بهِ مجملًا في

стр. 1244

القرآن، والأفعالُ في بيانِ الوجوبِ محمولةٌ على الوجوب. والثاني قولُه ﷺ : "خُذُوا عني مناسكَكُم" (١)؛ فمنِ ادَّعى عدمَ وجوبِ شيءٍ من أفعالِهِ في الحجِّ فعليهِ الدليلُ. ولنذكرْ ما يحتملُه المختصرُ منْ فوائدِهِ ودلائِله: ففيهِ دلالةٌ على أنَّ غسلَ الإحرامِ سنةٌ للنفساءِ والحائضِ ولغيرِهما بالأَوْلى، وعلى استثفارِ الحائضِ والنفساءِ، وعلى صحَّةِ إحرامِهما، وأنْ يكونَ الإحرامُ عَقيبَ صلاةِ فرضٍ أو نَفْلٍ فإنهُ قدْ قيلَ: إنَّ الركعتينِ اللتين أهلَّ بعدَهما فريضةُ الفجرِ، وقدَّمنا لك أن الأصح أنهما ركعتا الظهر لأنه صلَّاها قصرًا ثم أهل. وأنهُ يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ. قالَ العلماءُ: ويستحبُّ الاقتصارُ على تلبيةِ النبيِّ ﷺ ، فلو زادَ فلا بأسَ فقدْ زادَ عمرَ ﵁: "لبيكَ ذَا النعماءِ والفضلِ الحسنِ، لبيكَ مرهوبًا منكَ ومرغوبًا إليكَ". وابنُ عمرَ ﵄: "لبيكَ وسعديكَ، والخيرُ بيدكَ، والرغباءُ إليكَ والعملُ"، وأنسٌ ﵁: "لبيكَ حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورقًّا"، وأنهُ ينبغي للحاجِّ القدومُ أولًا مكةَ ليطوفَ طوافَ القدومِ، وأنهُ يستلمُ الركنَ قبلَ طوافِه، فيرمل في الثلاثةِ الأشواطِ الأُوَلِ، والرملُ إسراعُ المشي معَ تقاربِ الخُطا وهوَ الخَبَبُ، وهذا الرمل يفعله فيما عدا ما بين الركنين اليمانيين كما قدَّمناه، ثمَّ يمشي أربعًا على عادتِه. وأنهُ يأتي بعدَ تمامِ طوافِه مقامَ إبراهيمَ ويتلُو: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢)، ثمَّ يجعلُ المقامَ بينَهُ وبينَ البيتِ ويصلِّي ركعتينِ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على أنهُ ينبغي لكلِّ طائفٍ إذا طافَ بالبيتِ أنْ يصلِّيَ خلفَ المقامِ ركعتي الطوافِ، واختلفُوا هلْ هما واجبتانِ أمْ لا؟ فقيلَ بالوجوبِ، وقيلَ: إنْ كان الطوافُ واجبًا وجبتا وإلَّا فسنَّةٌ، وهلْ يجبانِ خلْفَ مقامِ إبراهيمَ حتْمًا أو يُجزئانِ في غيرِه؟ فقيلَ: يجبانِ خلْفَهُ، وقيلَ: يُنْدَبانِ خلفَه ولو صلَّاهُما في الحِجْرِ، أوْ في المسجِد الحرامِ، أوْ في أيِّ محلٍّ من مكة جازَ وفاتتهُ الفضيلةُ. ووردَ في القراءةِ فيهما في الأُولى بعدَ الفاتحةِ الكافرونَ، والثانيةِ بعدَها الصمدُ، رواهُ مسلمٌ (٣). ودلَّ على أنهُ يشرعُ لهُ

стр. 1245

الاستلامُ عندَ الخروجِ منَ المسجدِ كما فعلَه عندَ الدخولِ واتفقُوا أنَّ الاستلامَ سنةٌ، وأنهُ يسعى بعدَ الطوافِ ويبدأُ بالصَّفا (١) ويرقَى إلى أعلاهُ، ويقفُ عليهِ مستقبلَ القبلةِ، ويذكرُ اللَّهَ تعالى بهذا الذكرِ، ويدعُو ثلاثَ مراتٍ. وفي الموطأِ (٢): "حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سَعَى". وقدْ قدَّمْنا لكَ أن في روايةٍ مسلمٍ سقطًا، فدلَّتْ روايةُ الموطإِ أنهُ يرملُ في بطنِ الوادي، وهوَ الذي يقالُ لهُ بينَ الميلينِ، وهوَ مشروعٌ في كلِّ مرةٍ منَ السبعةِ الأشواطِ لا في الثلاثةِ الأُولِ كما في طوافِ القدومِ بالبيتِ. وأنهُ يرقَى أيضًا على المروةِ كما رَقَى على الصَّفَا، وَيذْكرُ ويدْعُو وبتمام ذلكَ تتمُّ عمرتُه؛ فإنْ حَلَقَ أو قصَّرَ صارَ حلالًا، وهكذا فعلَ الصحابةُ الذينَ أمرَهُمْ ﷺ بفسخِ الحجِّ إلى العمرةِ، وأما مَنْ كانَ قارنًا فإنه لا يحلقُ ولا يقصرُ ويبقَى على إحرامِه. ثمَّ في يومِ الترويةِ وهوَ ثامنُ ذي الحجَّةِ يحرمُ مَنْ أرادَ الحجَّ ممّن حلَّ مِنْ عمرتِه ويطلعُ هوَ ومَنْ كانَ قارِنًا إلى منىً كما قال جابرٌ: "فلمَّا كانَ يومُ التروبةِ توجَّهُوا إلى منَىً" (٣)، أي: توجَّهَ مَنْ كانَ باقيًا علَى إحرامِه لتمامِ حجِّهِ، ومَنْ كانَ قدْ صارَ حلالًا أحرمَ وتوجَّهَ إلى مِنَى، وتوجَّهَ إليها ﷺ راكبًا فنزلَ بها وصلَّى الصلواتِ الخمسِ. وفيهِ أن الركوبَ أفضلُ منَ المشي في تلكَ المواطنِ، وفي الطريقِ أيضًا، وفيهِ خلافٌ. ودليلُ الأفضليةِ فعلُه ﷺ . وأنَّ السنةَ أنْ يصلِّيَ بمنَى الصلواتِ الخمسَ، وأن يبيتَ بها هذهِ الليلةَ وهي ليلةُ التاسعِ منْ ذي الحجَّةِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يخرجُوا يومَ عرفةَ منْ مِنَى إلَّا بعدَ طلوعِ الشمسِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يدخلُوا عرفاتٍ إلَّا بعدَ زوالِ الشمسِ، وأنْ يصلُّوا صلاة الظهرِ والعصرِ [جمعًا] (٤) بعرفاتٍ؛ فإنهُ ﷺ نزلَ بِنَمِرَةَ وليستْ منْ عرفاتٍ، ولمْ يدخلْ إلى الموقفِ إلَّا بعدَ الصلاتينِ، وأنْ لا يصلِّيَ بينَهما شيئًا، وأنَّ السنةَ أنْ يخطب الإمامُ الناسَ قبلَ صلاةِ العصرينِ، وهذهِ

стр. 1246

إحدى الأربعِ الخطبِ المسنونة [في الحج] (١). والثانيةُ يومُ السابعِ منْ ذي الحجةِ يخطبُ عندَ الكعبةَ بعدَ صلاةِ الظهرِ، والثالثةُ يومُ النحرِ، والرابعة يومُ النفرِ الأولِ، وهوَ اليومُ الثاني من أيامِ التشريق [ويأتي الكلام عليها] (٢). وفي قولِه: "ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى الموقفَ إلى آخرِه" سننٌ وآدابٌ منْها: أنهُ يجعلُ الذهابَ إلى الموقفِ عندَ فراغِه منَ الصلاتينِ. ومنها: أن الوقوفَ راكبًا أفضلُ. ومنها: أنْ يقفَ عندَ الصخراتِ، وهي صخراتٌ متفرشاتٌ في أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ الجبلُ الذي بوسطِ أرضِ عرفاتٍ. ومنها: استقبالُ القبلةِ في الوقوفِ. ومنها: أنهُ يبقَى في الموقفِ حتى تغيبَ الشمسُ، ويكونَ في وقوفِه داعيًا فإنهُ ﷺ وقفَ على راحلتِه راكبًا يدعُو الله ، وكانَ في دعائِه رافعًا يديْهِ إلى صدْرِه، وأخبرَهم أن خيرَ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفةَ، وذكرَ منْ دعائِه في الموقفِ: "اللَّهمَّ لكَ الحمدُ [كالذي] (٣) نقولُ وخيرًا مما نقولُ، اللَّهمَّ لكَ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي وإليكَ مآبي، ولكَ تراثي، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، ووسواسِ الصدرِ، وشتاتِ الأمرِ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منْ شرِّ ما تجيءُ بهِ الريحُ"، ذكرهُ الترمذيُّ (٤). ومنها: أنْ يدفعَ بعدَ تحقق [غروب الشمس] (٥) بالسكينةِ، ويأمرَ الناسَ بها إنْ كان مُطاعًا، ويضمَّ زمامَ مركوبِه لئلا يسرعَ في المشي، إلَّا إذا أَتَى حبلًا منْ حبالِ الرمالِ أرخَاه قليلًا ليخفَّ على مركوبِه صعودُه، فإذا أَتَى المزدلفةَ نزل بها، وصلَّى المغربَ والعشاءَ جمْعًا بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، وهذا الجمعُ متفقٌ عليهِ، وإنَّما اختلف العلماء في سببهِ فقيلَ: لأنهُ نُسُكٌ، وقيلَ: [لأجلِ أنَّهم
следующие страницы →