← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1242–1281 · переход к 1247.

стр. 1242

(حتى إذا زالت الشمسُ أمرَ بالقصواءِ فرحِّلتْ لة) مغيَّرُ صيغةٍ مخففُ الحاءِ المهملةِ أي: وضعَ عليها رحلَها، (فأتى بطنَ الوادي) وادي عرفةَ (فخطبَ الناسَ، ثمَّ أذَّنَ ثمَّ أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثمَّ أقامَ فصلَّى العصرَ) جمعًا منْ غيرِ أذانٍ (ولمْ يصلِّ بينَهما شيئًا، ثمَّ ركبَ حتَّى أتى الموقفَ، فجعلَ بطنَ ناقتِه القصواءَ إلى الصخراتِ، وجعلَ حبلَ)؛ فيهِ ضبطانِ بالجيم والحاءِ المهملةِ والموحدةِ، إما مفتوحةً أو ساكنةً (المشاةِ) وبها ذكرهُ في النهايةِ (١)، وفسَّرهُ بطريقِهم الذي يسلكونَه في الرمل. وقيلَ أرادَ صفَّهم ومجتمعهم في مشيهِم تشبيهًا بحبلِ الرملِ (بين يديهِ، واستقبلَ القبلةَ فلم يزلْ واقفًا حتَّى غربتِ الشمسُ وذهبتِ الصفرةُ [قليلًا] (٢)، حتى غابَ القرصُ). قال في شرحِ مسلمٍ (٣): هكذَا في جميعِ النسخ، [وكذا] (٤) نقله القاضي [عنْ] (٥) جميعِ النسخِ قالَ: قيلَ: صوابُه حينَ غابَ القرصُ قالَ: ويحتملُ أنْ يكونَ قولُه: حتَّى غابَ القرصُ بيانًا لقولِه غربتِ الشمسُ، وذهبتِ الصفرةُ فإنَّ هذهِ قدْ تطلقُ مجازًا على مغيبِ معظمِ القرصِ فأزالَ ذلكَ الاحتمالَ بقولِه: حتَّى غابَ القُرصُ (ودفعَ، وقد شنقَ) بتخفيفِ النونِ، ضمَّ وضيَّق (للقصواءِ الزمامَ، حتَّى إنَّ رأسَها ليصيبُ مَورِكَ) [بفتح] (٦) الميمِ، وكسرِ الراءِ، (رحلِه) بالحاءِ المهملةِ الموضعُ الذي يُثني الراكبُ رجله عليه قدامَ وسط الرحْلِ إذا ملَّ منَ الركوبِ، (ويقولُ بيدِه اليمني) أي: يشيرُ بها قائلًا: (يا أيُّها الناسُ السَّكينةَ السَّكينةَ) بالنصب، أي الزمُوا، (وكلما أتى حبلًا) بالمهملةِ وسكونِ الموحدةِ منْ حبالِ الرملِ، وحبلُ الرملِ ما طالَ منه وضخم (أرخَى لها قليلًا حتَّى تصعدَ) بفتحِ المثناةِ وضمِّها، يقالُ صَعِدَ وأصعدَ، (إذا أَتَى المزدلفة فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ ولم يسبِّحْ) أي لم يصلِّ (بينهما شيئًا) أي نافلةً: (ثم اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ فصلَّى الفجرَ حين تبينَ لهُ الصبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى المشعرَ الحرامَ)، وهوَ جبلٌ معروفٌ في المزدلفةِ يقالُ لهُ: قُزَحٌ بضمِّ القافِ، وفتحِ الزايِ، وحاءٍ مهملةٍ، (فاستقبلَ القبلةَ [ودعا] (٧)، وكبَّرَ، وهلَّلَ، فلم يزلْ

стр. 1243

واقفًا حتَّى أسفرَ) أي: الفجرُ (جِدًا) بِكسرِ الجيمِ إسفارًا بليغًا، (فدفَع قبلَ أن تطلعَ الشمسُ حتَّى أتَى بطنَ مُحَسِّرِ) بضمِّ الميمِ، وفتحِ المهملة، وكسرِ السينِ المشددةِ المهملةِ، سُمِّيَ بذلكَ لأنَّ فيلَ أصحابِ الفيلِ حَسِرَ [هنالك] (١)، أي كلَّ وأعيا (فحرَّكَ قليلًا) أي: حرَّك لدابتهِ لتسرعَ في المشي، وذلك مقدارَ مسافة رميةِ حجرٍ، (ثمَّ سلكَ الطريقَ الوسطَى) وهي غيرُ الطريقِ التي ذهبَ فيها إلى عرفاتٍ (التي تخرجُ على الجمرةِ الكُبْرَى)، وهي جمرةُ العقبةِ (حتَّى أَتَى الجمرةَ التي عندَ الشجرةِ)، وهيَ حدٌّ لِمِنَى [وليستْ] (٢) منْها، والجمرةُ اسمٌ لمجتَمَع الحصَى، سُمِّيَتْ بذلكَ لاجتماعِ الناسِ. يقالُ أجمرَ بنو فلانٍ إذا اجتمعُوا، (فرماها بسبعِ حصياتٍ يكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ منْها، كلُّ حصاة مثلُ حَصَى الخذفِ)، وقدْرُه مثلُ حبة الباقلاء (رَمَي منْ بطنِ الوادي) بيانٌ لمحلِّ الرَّمي، (ثمَّ انصرفَ إلى المنحرِ فنحرَ، ثمَّ ركبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فأفاضَ إلى البيتِ فصلَّى بمكةَ الظهرَ)، فيهِ حذفٌ أي: فأفاضَ إلى البيتِ فطافَ بهِ طوافَ الإفاضةِ، ثمَّ صلَّى الظهرَ. وهذَا يعارضُه حديثُ ابن عمرَ: "أنهُ ﷺ صلَّى الظهرَ يومَ النحرِ بمنَى" (٣). وجُمِعَ بينَهما بأنهُ ﷺ صلَّى بمكةَ ثمَّ أعادهُ بأصحابِه جماعةً بِمِنَى لينالُوا فضلَ الجماعةِ خلْفَهُ (٤). (رواهُ مسلمٌ مطوَّلًا)، وفيهِ زياداتٌ حَذَفَها المصنفُ، واقتصرَ على محلِّ الحاجةِ هُنَا. (واعلمْ) أن هذَا حديثٌ عظيمٌ مشتملٌ على جُمَلٍ منَ الفوائدِ، ونفائسَ منْ مهمَّاتِ القواعدِ. قال [القاضي] (٥) عياضُ: قدْ تكلَّمَ الناس على ما فيهِ منَ الفقهِ وأكثَرُوا، وصَنَّفَ فيهِ أبو بكرِ بن المنذرِ جُزءًا كبيرًا أخرجَ فيهِ منَ الفقهِ مائةً ونيفًا وخمسينَ نوعًا قالَ: ولو تقصَّى لزيد على هذَا العددِ [أو قريبٍ] (٦) منهُ. قلتُ: وليعلمَ أن الأصلَ في كلِّ ما ثبتَ أنهُ فَعَلَهُ ﷺ في حجِّهِ الوجوبُ لأمرينِ: أحدُهما أن أفعاله ﷺ في الحجِّ بيانٌ للحجِّ الذي أمرَ الله بهِ مجملًا في

стр. 1244

القرآن، والأفعالُ في بيانِ الوجوبِ محمولةٌ على الوجوب. والثاني قولُه ﷺ : "خُذُوا عني مناسكَكُم" (١)؛ فمنِ ادَّعى عدمَ وجوبِ شيءٍ من أفعالِهِ في الحجِّ فعليهِ الدليلُ. ولنذكرْ ما يحتملُه المختصرُ منْ فوائدِهِ ودلائِله: ففيهِ دلالةٌ على أنَّ غسلَ الإحرامِ سنةٌ للنفساءِ والحائضِ ولغيرِهما بالأَوْلى، وعلى استثفارِ الحائضِ والنفساءِ، وعلى صحَّةِ إحرامِهما، وأنْ يكونَ الإحرامُ عَقيبَ صلاةِ فرضٍ أو نَفْلٍ فإنهُ قدْ قيلَ: إنَّ الركعتينِ اللتين أهلَّ بعدَهما فريضةُ الفجرِ، وقدَّمنا لك أن الأصح أنهما ركعتا الظهر لأنه صلَّاها قصرًا ثم أهل. وأنهُ يرفعُ صوتَه بالتلبيةِ. قالَ العلماءُ: ويستحبُّ الاقتصارُ على تلبيةِ النبيِّ ﷺ ، فلو زادَ فلا بأسَ فقدْ زادَ عمرَ ﵁: "لبيكَ ذَا النعماءِ والفضلِ الحسنِ، لبيكَ مرهوبًا منكَ ومرغوبًا إليكَ". وابنُ عمرَ ﵄: "لبيكَ وسعديكَ، والخيرُ بيدكَ، والرغباءُ إليكَ والعملُ"، وأنسٌ ﵁: "لبيكَ حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورقًّا"، وأنهُ ينبغي للحاجِّ القدومُ أولًا مكةَ ليطوفَ طوافَ القدومِ، وأنهُ يستلمُ الركنَ قبلَ طوافِه، فيرمل في الثلاثةِ الأشواطِ الأُوَلِ، والرملُ إسراعُ المشي معَ تقاربِ الخُطا وهوَ الخَبَبُ، وهذا الرمل يفعله فيما عدا ما بين الركنين اليمانيين كما قدَّمناه، ثمَّ يمشي أربعًا على عادتِه. وأنهُ يأتي بعدَ تمامِ طوافِه مقامَ إبراهيمَ ويتلُو: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢)، ثمَّ يجعلُ المقامَ بينَهُ وبينَ البيتِ ويصلِّي ركعتينِ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على أنهُ ينبغي لكلِّ طائفٍ إذا طافَ بالبيتِ أنْ يصلِّيَ خلفَ المقامِ ركعتي الطوافِ، واختلفُوا هلْ هما واجبتانِ أمْ لا؟ فقيلَ بالوجوبِ، وقيلَ: إنْ كان الطوافُ واجبًا وجبتا وإلَّا فسنَّةٌ، وهلْ يجبانِ خلْفَ مقامِ إبراهيمَ حتْمًا أو يُجزئانِ في غيرِه؟ فقيلَ: يجبانِ خلْفَهُ، وقيلَ: يُنْدَبانِ خلفَه ولو صلَّاهُما في الحِجْرِ، أوْ في المسجِد الحرامِ، أوْ في أيِّ محلٍّ من مكة جازَ وفاتتهُ الفضيلةُ. ووردَ في القراءةِ فيهما في الأُولى بعدَ الفاتحةِ الكافرونَ، والثانيةِ بعدَها الصمدُ، رواهُ مسلمٌ (٣). ودلَّ على أنهُ يشرعُ لهُ

стр. 1245

الاستلامُ عندَ الخروجِ منَ المسجدِ كما فعلَه عندَ الدخولِ واتفقُوا أنَّ الاستلامَ سنةٌ، وأنهُ يسعى بعدَ الطوافِ ويبدأُ بالصَّفا (١) ويرقَى إلى أعلاهُ، ويقفُ عليهِ مستقبلَ القبلةِ، ويذكرُ اللَّهَ تعالى بهذا الذكرِ، ويدعُو ثلاثَ مراتٍ. وفي الموطأِ (٢): "حتى إذا انصبَّتْ قدماهُ في بطنِ الوادي سَعَى". وقدْ قدَّمْنا لكَ أن في روايةٍ مسلمٍ سقطًا، فدلَّتْ روايةُ الموطإِ أنهُ يرملُ في بطنِ الوادي، وهوَ الذي يقالُ لهُ بينَ الميلينِ، وهوَ مشروعٌ في كلِّ مرةٍ منَ السبعةِ الأشواطِ لا في الثلاثةِ الأُولِ كما في طوافِ القدومِ بالبيتِ. وأنهُ يرقَى أيضًا على المروةِ كما رَقَى على الصَّفَا، وَيذْكرُ ويدْعُو وبتمام ذلكَ تتمُّ عمرتُه؛ فإنْ حَلَقَ أو قصَّرَ صارَ حلالًا، وهكذا فعلَ الصحابةُ الذينَ أمرَهُمْ ﷺ بفسخِ الحجِّ إلى العمرةِ، وأما مَنْ كانَ قارنًا فإنه لا يحلقُ ولا يقصرُ ويبقَى على إحرامِه. ثمَّ في يومِ الترويةِ وهوَ ثامنُ ذي الحجَّةِ يحرمُ مَنْ أرادَ الحجَّ ممّن حلَّ مِنْ عمرتِه ويطلعُ هوَ ومَنْ كانَ قارِنًا إلى منىً كما قال جابرٌ: "فلمَّا كانَ يومُ التروبةِ توجَّهُوا إلى منَىً" (٣)، أي: توجَّهَ مَنْ كانَ باقيًا علَى إحرامِه لتمامِ حجِّهِ، ومَنْ كانَ قدْ صارَ حلالًا أحرمَ وتوجَّهَ إلى مِنَى، وتوجَّهَ إليها ﷺ راكبًا فنزلَ بها وصلَّى الصلواتِ الخمسِ. وفيهِ أن الركوبَ أفضلُ منَ المشي في تلكَ المواطنِ، وفي الطريقِ أيضًا، وفيهِ خلافٌ. ودليلُ الأفضليةِ فعلُه ﷺ . وأنَّ السنةَ أنْ يصلِّيَ بمنَى الصلواتِ الخمسَ، وأن يبيتَ بها هذهِ الليلةَ وهي ليلةُ التاسعِ منْ ذي الحجَّةِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يخرجُوا يومَ عرفةَ منْ مِنَى إلَّا بعدَ طلوعِ الشمسِ. وأنَّ السُّنةَ أنْ لا يدخلُوا عرفاتٍ إلَّا بعدَ زوالِ الشمسِ، وأنْ يصلُّوا صلاة الظهرِ والعصرِ [جمعًا] (٤) بعرفاتٍ؛ فإنهُ ﷺ نزلَ بِنَمِرَةَ وليستْ منْ عرفاتٍ، ولمْ يدخلْ إلى الموقفِ إلَّا بعدَ الصلاتينِ، وأنْ لا يصلِّيَ بينَهما شيئًا، وأنَّ السنةَ أنْ يخطب الإمامُ الناسَ قبلَ صلاةِ العصرينِ، وهذهِ

стр. 1246

إحدى الأربعِ الخطبِ المسنونة [في الحج] (١). والثانيةُ يومُ السابعِ منْ ذي الحجةِ يخطبُ عندَ الكعبةَ بعدَ صلاةِ الظهرِ، والثالثةُ يومُ النحرِ، والرابعة يومُ النفرِ الأولِ، وهوَ اليومُ الثاني من أيامِ التشريق [ويأتي الكلام عليها] (٢). وفي قولِه: "ثمَّ ركبَ حتَّى أَتَى الموقفَ إلى آخرِه" سننٌ وآدابٌ منْها: أنهُ يجعلُ الذهابَ إلى الموقفِ عندَ فراغِه منَ الصلاتينِ. ومنها: أن الوقوفَ راكبًا أفضلُ. ومنها: أنْ يقفَ عندَ الصخراتِ، وهي صخراتٌ متفرشاتٌ في أسفلِ جبلِ الرحمةِ، وهوَ الجبلُ الذي بوسطِ أرضِ عرفاتٍ. ومنها: استقبالُ القبلةِ في الوقوفِ. ومنها: أنهُ يبقَى في الموقفِ حتى تغيبَ الشمسُ، ويكونَ في وقوفِه داعيًا فإنهُ ﷺ وقفَ على راحلتِه راكبًا يدعُو الله ، وكانَ في دعائِه رافعًا يديْهِ إلى صدْرِه، وأخبرَهم أن خيرَ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفةَ، وذكرَ منْ دعائِه في الموقفِ: "اللَّهمَّ لكَ الحمدُ [كالذي] (٣) نقولُ وخيرًا مما نقولُ، اللَّهمَّ لكَ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي وإليكَ مآبي، ولكَ تراثي، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، ووسواسِ الصدرِ، وشتاتِ الأمرِ، اللهمَّ إني أعوذُ بكَ منْ شرِّ ما تجيءُ بهِ الريحُ"، ذكرهُ الترمذيُّ (٤). ومنها: أنْ يدفعَ بعدَ تحقق [غروب الشمس] (٥) بالسكينةِ، ويأمرَ الناسَ بها إنْ كان مُطاعًا، ويضمَّ زمامَ مركوبِه لئلا يسرعَ في المشي، إلَّا إذا أَتَى حبلًا منْ حبالِ الرمالِ أرخَاه قليلًا ليخفَّ على مركوبِه صعودُه، فإذا أَتَى المزدلفةَ نزل بها، وصلَّى المغربَ والعشاءَ جمْعًا بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، وهذا الجمعُ متفقٌ عليهِ، وإنَّما اختلف العلماء في سببهِ فقيلَ: لأنهُ نُسُكٌ، وقيلَ: [لأجلِ أنَّهم

стр. 1247

مسافرون] (١)، وأنهُ لا يصلِّي بينَهما شيئًا. وقولُه: "ثمَّ اضطجعَ حتَّى طلعَ الفجرُ" فيه سننٌ نبويةٌ: المبيتُ بمزدلفةَ وهوَ مجمعٌ على أنهُ نُسُكٌ، [وإنما] (٢) اختلفَوا هلْ [هوَ] (٣) واجبٌ أو سنةٌ، والأصلُ فيما فعلَه ﷺ في [حجته] (٤) الوجوبُ كما عرفتَ، وأنَّ السنةَ أن يصلِّيَ الصبحَ [بالمزدلفةِ] (٥)، ثمَّ يدفعُ منْها بعدَ ذلكَ فيأتي المشعرَ الحرامَ فيقفُ بهِ ويدعُو، والوقوفُ عندَه منَ المناسكِ، ثمَّ يدفعُ منهُ عندَ إسفارِ الفجرِ إسفارًا بليغًا، فيأتي بطنَ محسِّرٍ فيسرعُ السيرَ فيهِ لأنهُ محلُّ غضبِ اللَّهِ فيهِ على أصحابِ الفيلِ، فلا ينبغي الأناةُ فيهِ ولا البقاءُ بهِ، فإذا أَتَى الجمرةَ وهي جمرةُ العقبةِ نَزَلَ ببطنِ الوادي ورماها بسبعِ حصياتٍ، كلُّ حصاةٍ كحبةِ الباقلَّا يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ. ثمَّ ينصرفُ بعدَ ذلكَ إلى المنحرِ، فينحرُ إنْ كان عنده بُدْنٌ يريدُ نحرَها، وأما هوَ ﷺ فإنهُ نحرَ بيدِه الشريفةِ ثلاثًا وستينَ بُدْنةً، وكانَ معهُ مائةُ بدنةٍ فأمرَ عليًا ﵁ بنحرِ باقيْها ثمَّ ركبَ إلى مكةَ فطافَ طوافَ الإفاضةِ، وهوَ الذي يُقَالُ لهُ طوافُ الزيارةِ، ومنْ بعدِه يحلُّ لهُ كلُّ ما حَرُمَ بالإحرامِ حتَّى وطءُ النساءِ، وأما إذا رَمَى جمرةَ العقبةِ، ولم يطفْ هذَا الطوافَ فإنهُ يحلُّ لهُ ما عدَا النساءَ. فَهذهِ الجملُ منَ السننِ والآدابِ التي أفادَها هذا الحديثُ الجليلُ منْ أفعالِه ﷺ تبينُ كيفيةَ أعمالِ الحجِّ، وفي كثيرٍ مما دلّ عليهِ هذَا الحديثُ [الجليل] (٦) مما سقْناه خلافٌ بينَ العلماءِ كثيرٌ في وجوبِهِ أو عدمِ وجوبِهِ، وفي لزومِ الدمِ بتركِهِ وعدمِ لزومِه، وفي صحةِ الحجِّ إنْ تركَ [منها] (٧) شيئًا أو عدم صحتِه، وقدْ طوَّلَ بذكرِ ذلكَ في الشرحِ واقتصرْنا على ما أفادهُ الحديثُ، فالآتي بما اشتملَ عليهِ هوَ الممتثلُ لقولهِ ﷺ . "خُذُوا عني مناسككُم"، والمقتدي به في أفعالهِ وأقوالِه. يستحب الدعاء عند الانتهاء من كل تلبية ٢/ ٦٩٦ - وَعنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ

стр. 1248

تَلْبِيَتِهِ في حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ سَأَلَ الله رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١)، [ضعيف] (وعنْ خزيمةَ بن ثابتٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا فرغَ منْ تلبيتِه في حجٍّ أو عمرةٍ سألَ اللَّهَ رضوانَه والجنةَ، واستعاذ برحمتِه منَ النارِ. رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ ضعيف). سقطَ هذا الحديثُ منْ نسخةِ الشارحِ التي وقفْنا عليها فلمْ يتكلَّمْ عليهِ؛ ووجْهُ ضعفِه أن فيهِ صالحَ بنَ محمدٍ بن أبي زائدةَ أبا واقدٍ الليثيِّ ضعَّفوه (٢). والحديثُ دليلٌ على استحبابِ الدعاءِ بعدَ الفراغِ منْ كلِّ تلبيةٍ يلبِّيها المحرمُ في أي حينٍ بهذا الدعاءِ ونحوِه، ويحتملُ أن المراد بالفراغِ منْها انتهاءُ وقتِ مشروعِيَّتها، وهوَ عندَ رمي جمرةِ العقبةِ، والأولُ أوضحُ. مِنى كلها منحر، وعرفة وجمع كلها موقف ٣/ ٦٩٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ"، رَوَاهُ مُسلِمٌ (٣). [صحيح] (وعَنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : نحرتُ ههنا ومنَىً كلُّها منحرٌ فانحرُوا في رحالِكم)، جمعُ رحلٍ وهوَ المنزلُ، (ووقفتُ ههنا وعرفةُ كلُّها موقفٌ)، وحدُّ عرفةَ ما خرجَ عنْ وادي عرفةَ إلى الجبالِ المقابلةِ مما يلي بساتينَ بني عامرٍ، (ووقفتُ ههُنا وجَمْعٌ كلُّها موقفٌ. رواهُ مسلمٌ). أفادَ ﷺ أنهُ لا يتعينُ على أحدٍ نحرُه

стр. 1249

حيثُ نحرَ، ولا وقوفُه بعرفةَ ولا جَمْعٍ حيثُ وقفَ، بلْ ذلكَ موسعٌ عليهمْ حيثُ نحرُوا في أيِّ بقعةٍ منْ بقاع مِنَى، فإنهُ يجزئُ عنْهم، وفي أيِّ بقعةٍ منْ بقاعِ عرفةَ أو جمعٍ وقفُوا أجزأَ، [وهذهِ زياداتٌ] (١) في بيانِ التخفيفِ عليهمْ، وقدْ كانَ ﷺ أفادَهُ تقريرُه لمنْ حجَّ معهُ ممنْ لم يقفْ في موقفِه ولم ينحرْ في منحرِه؛ إذْ مِنَ المعلومِ أنهُ حجَّ معهُ أممٌ لا تُحصَى ولا يتسعُ لها مكانُ وقوفِه ونحرِه. هذَا والدمُ الذي محلُّه منىً هوَ دمُ القرانِ، والتمتعِ، والإحصارِ، والإفسادِ، والتطوعِ بالهدي، وأما الذي يلزمُ المعتمرَ فمحلُّه مكةُ، وأما سائرُ الدماءِ اللازمةِ منَ الجزاءاتِ فمحلُّها الحرمُ المحرمُ. وفي ذلكَ خلافٌ معروفٌ. ٤/ ٦٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ لما جاءَ إلى مكةَ دخلَها منْ أعلاهَا وخرجَ من أسفلِها. متفقٌ عليهِ). هذا إخبارٌ عنْ دخولِه ﷺ عامَ الفتحِ؛ فإنهُ دخلَها منْ محلِّ يقالُ لهُ كَداءُ بفتحِ الكافِ والمدِّ غيرُ منصرفٍ، وهي الثنيَّةُ التي ينزلُ منها إلى المعلاةِ، مقبرةُ أهلِ مكةَ، وكانتْ صعبةَ المرتقَى فسهَّلها معاويةُ، ثمَّ عبدُ الملكِ، ثمَّ المهديُّ. ثمَّ سُهِّلَتْ كلُّها في زمنِ سلطانِ مصرَ المؤيدِ في حدودِ عشرينَ وثمانمائةٍ، وأسفلُ مكةَ هيَ الثنيةُ السفلَى يقالُ لها كُدَا، بضمِّ الكافِ والقصرِ عندَ بابِ الشبيكةِ ويقولُ أهلُ مكةَ: افتحْ وادخلْ وضمَّ [واخرجْ] (٣)، ووجْهُ دخولِهِ ﷺ منَ الثنيةِ العليا ما رُوِيَ: "أنهُ قالَ أبو سفيانَ: لا أسلمُ حتّى أرى الخيلَ تطلعُ من كَداءَ فقالَ له العباسُ: ما هذا؟ قالَ: شيءٌ طلعَ بقلبي، وإنَّ اللَّهَ لا يطلعُ الخيلَ منْ هنالكَ أبدًا. قالَ العباسُ: فذكَّرتُ أبا سفيانَ بذلكَ لما دخلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ منْها". [وهو] (٤) عندَ البيهقيِّ منْ حديثٍ ابن عمرَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ قالَ حسانُ "؟ فأنشدَه شعرًا:

стр. 1250

عدمتُ بنيتي إنْ لم تروها … تثيرُ النقعَ مطلعُها كداءُ (١) فتبسَّمَ ﷺ قالَ: [ادخلُوها] (٢) منْ حيثُ قالَ حسانُ. واختُلِفَ في استحبابِ الدخولِ منْ حيثُ دخلَ ﷺ ، والخروجِ منْ حيثُ خرجَ، فقيلَ: يستحبُّ وأنهُ يعدلُ إليهِ منْ لمْ يكنْ طريقُه عليهِ. وقالَ البعضُ: إنَّما فعلَهُ ﷺ لأنهُ كانَ على طريقهِ فلا يستحبُّ لمنْ لم يكنْ كذلكَ (٣). قالَ ابنُ تيميةَ ﵀: يشبهُ أنْ يكونَ ذلكَ - واللَّهُ أعلمُ - أن الثنيةَ العليا التي تشرفُ على الأبطحِ والمقابرِ إذا دَخَلَ منْها الإنسانُ فإنهُ يأتي منْ وجهةِ البلدِ والكعبةِ، ويستقبلُها استقبالًا منْ غيرِ انحرافٍ بِخِلافِ الذي يدخلُ منَ الناحيةِ السفلَى؛ [فإنه يدخل من دبر البلد والكعبة، وإنما خرج من الثنية] (٤)، لأنهُ يستدبرُ البلدَ والكعبةَ، [فاستحبَّ] (٥) أن يكونَ ما يليهِ منْها مؤخرًا لئلا يستدبرَ وجْهَهَا. الاغتسال لدخول مكة ٥/ ٦٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّهُ كَانَ لَا يَقْدُمُ مَكَّةَ إلَّا بَاتَ بِذِي طُوَى حَتى يُصْبحَ وَيَغْتَسِلَ، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أنهُ كانَ لا يقدمُ مكةَ إلَّا باتَ) ليلة قدومِه (بذي طُوىً). في القاموسِ مثلثةُ الطاءِ، وينونُ، موضعٌ قريبٌ منْ مكةَ، (حتَّى يصبحَ ويغتسلَ، ويُذْكَرُ ذلكَ عن النبيِّ ﷺ ) أي: أنهُ فعلهُ (متفقٌ عليهِ). فيه استجابُ ذلكَ، وأنهُ

стр. 1251

يدخلُ مكةَ نهارًا، وهوَ قولُ الأكثرِ. وقالَ جماعةٌ منَ السلفِ وغيرِهم: الليلُ والنهارُ سواءٌ، والنبيُّ ﷺ دخلَ مكةَ في عمرةِ الجعرَّانةِ ليلًا. وفيه دلالة على استحباب الغسلِ لدخولِ مكةَ. ٦/ ٧٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا (١)، وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْقُوفًا (٢). [ضعيف] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أنهُ كانَ يقبِّلُ الحجرَ الأسودَ ويسجدُ عليهِ. رواهُ الحاكمُ مرفوعًا، والبيهقيُّ موقوفًا)، وحسَّنَهُ أحمدُ. وقدْ رواهُ الأزرقيُّ بسندِهِ (٣) إلى محمدِ بن عبادِ بن جعفر قالَ: "رأيتُ ابنَ عباسٍ ﵁ جاءَ يومَ الترويةِ وعليهِ حُلَّةٌ مرجِّلًا رأسَهُ، فقبَّلَ الحجرَ وسجدَ عليهِ، ثمَّ قبّلهُ وسجدَ عليهِ ثلاثًا"، ورواهُ أبو يعلى (٤) بسندِه منْ حديثٍ أبي داودَ الطيالسي عنْ جعفرِ بن عثمانَ المخزومي "قالَ: رأيتُ محمدَ بنَ عبادِ بن جعفرٍ قبَّلَ الحجرَ وسجدَ عليهِ"، وقالَ: "رأيتُ خالي ابنَ عباسٍ يقبِّلُ الحجرَ ويسجدُ عليهِ"، وقالَ: "رأيتُ عمرَ يقبِّلُ الحجرَ ويسجدُ عليهِ"، وقالَ: "رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يفعلُها). وحديثُ عمرَ في صحيح مسلمٍ (٥): "أنهُ قبَّلَ الحجرَ والتزمَهُ وقال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بكَ حفيًّا" يؤيدُ هذا، ففيهِ شرعيةُ تقبيلِ الحجرِ والسجودِ عليهِ.

стр. 1252

أمر رسول الله ﷺ أصحابه أن يرمُلوا ثلاثة أشواط في الطواف ٧/ ٧٠١ - وعَنْهُ ﵄ قَالَ: "أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ وَيَمْشُوا أَرْبَعًا، مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (قالَ: أمرهمُ النبيُّ ﷺ ) أي: أصحابَه الذينَ قدِمُوا معهُ مكةَ في عمرة [القضاءِ] (٢) (أنْ يرمُلُوا)، بضمِّ الميمِ (ثلاثةَ أشواطٍ)، أي يهرولونَ فيها في الطوافِ، (ويمشُوا أربعًا ما بينَ الركنينِ. متفقٌ عليهِ). ٨/ ٧٠٢ - وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الأوَّلَ خَبَّ ثَلاثًا، ومَشَى أَرْبَعًا (٣). [صحيح] وَفي رِوَايَة (٤): رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذا طَافَ في الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أوَّلَ مَا يَقْدُمُ فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَاف بِالْبَيْتِ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ: أنهُ كانَ إذا طَافَ بالبيتِ الطوافَ الأولَ خبَّ ثلاثًا ومَشَى أربعًا، وفي روايةٍ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ إذا طافَ في الحجِّ أو العمرةِ أولَ ما يقدُمُ، فإنه [يسعَى] (٥) ثلاثةَ أطوافٍ بالبيتِ، ويمشي أربعةً. متفقٌ عليهِما). وأصلُ ذلكَ ووجهُ حكمتِهِ ما رواهُ ابنُ عباسٍ قالَ: "قدمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه مكةَ فقالَ المشركونَ: إنَّهُ يقدمُ عليكمْ وفدٌ قدْ وهنتْهم حُمَّى يثربَ، فأمرَ ﷺ أصحابَه أنْ يرمُلُوا الأشواطَ الثلاثةَ، وأنْ يمشُوا ما بينَ الركنينِ، ولمْ يمنعْه أنْ يرمُلُوا

стр. 1253

الأشواطَ كلَّها إلَّا الإبقاءَ عليهمْ"، أخرجهُ الشيخانِ (١). وفي لفظِ مسلمٍ (٢): "أن المشركينَ جلسُوا مما يلي الحجرَ، وأنَّهم حينَ رأَوْهم يرمُلونَ قالُوا: هؤلاءِ الذينَ زعمتم أنَّ الحمَّى وهنَتهم، إنَّهم لأجلدُ منْ كذَا وكذَا"، وفي لفظٍ لغيرِه (٣): "إنْ همْ إلَّا كالغِزلانِ"؛ فكانَ هذا أصلَ الرملِ، وسببُهُ إغاظةُ المشركينَ وردُّ قولِهم، وكانَ هذَا في عمرةِ [القضاءِ] (٤)، ثمَّ صارَ سنَّةً ففعلَه في حجةِ الوداعِ معَ زوالِ سببهِ، وإسلامِ منْ في مكةَ، وإنَّما لم يرمُلُوا بَينَ الرّكْنيْنِ لأنَّ المشركينَ كَانوا مِنْ ناحِيَةِ الحَجرِ عندَ قُعَيْقِعَانَ (٥) فَلم يَكُونُوا يَرَوْنَ مِنْ بينَ الركنينِ. وفيهِ دليل على أنهُ لا بأسَ بقصدِ إغاظةِ الأعداءِ بالعبادةِ، وأنهُ لا ينافي إخلاصَ العملِ بل هُوَ إضافةُ طاعةٍ إلى طاعةٍ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ (٦). ٩/ ٧٠٣ - وَعَنْهُ ﵄ قَالَ: لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ غَيْرَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). [صحيح] (وعنهُ) أي: ابن عباسٍ (قالَ: لمْ أرَ رسولَ الله ﷺ يستلمُ منَ البيتِ غيرَ الركنينِ اليمانيينِ. رواهُ مسلمٌ). اعلمْ أن للبيتِ أربعةَ أركانٍ: الركنُ الأسودُ، ثمَّ اليماني، ويقالُ لهما: اليمانيانِ، بتخفيفِ الياءِ، وقدْ تُشَدَّدُ، وإنَّما قيلَ لهما اليمانيانِ تغليبًا، كالأبوينِ، والقمرينِ، والركنانِ الآخرانِ يقالُ لهما: الشاميانِ، وفي الركنِ الأسودِ فضيلتانِ: أحدهما كونُه على قواعدِ إبراهيمَ ﵇، والثانيةُ [كونُه في] (٨) الحجر. وأما اليماني ففيه فضيلة كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميانِ فليس

стр. 1254

فيهما شيءٌ منْ هاتينِ الفضيلتينِ، فلهذا خُصَّ الأسودُ بِسُنَّتَيْ التقبيلِ والاستلامِ للفضيلتينِ، وأما اليماني فيستلمُه مَنْ يَطوفُ ولا يقبِّلُه، لأنَّ فيهِ فضيلةً واحدةً. واتفقتِ الأمة على استحبابِ استلامِ الركنينِ اليمانيينِ، واتفقَ الجماهيرُ على أنهُ لا يمسحُ الطائفُ الركنينِ الآخرينِ. قالَ القاضي: [وكانَ فيهِ] (١) - أي في استلامِ الركنينِ [الآخرين] (٢) - خلافٌ لبعضِ [الصحابة] (٣) والتابعينَ، وانقرضَ الخلافُ وأجمعُوا على أنَّهما لا يُسْتَلَمَانِ، وعليهِ حديثُ البابِ. تقبيل الحجر سنَّة واتباع ١٠/ ٧٠٤ - وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَبّلَ الْحَجَرَ وَقَالَ: إِني أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَني رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ عمرَ ﵁ أنهُ قبَّلَ الحجرَ وقالَ: إني أعلمُ أنكَ حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أني رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقبِّلكَ ما قبَّلتكَ. متفقٌ عليه). وأخرجَ مسلمٌ (٥) منْ حديثٍ سويدِ بن غفلةَ قالَ: رأيتُ عمرَ قبَّلَ الحجرَ والتزمَه وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بكَ حفيًا". وأخرجَ البخاريُّ (٦) أن رجلًا سألَ ابنَ عمرَ عن استلامِ الحجرِ فقالَ: "رأيتُ رسُولَ اللَّهِ ﷺ يستلمُه ويقبِّلُه. قالَ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ فقالَ: دعْ أرأيتَ باليمن، رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يستَلِمُهُ ويقبِّلهُ". ورَوَى الأزرقيُّ (٧) [من] (٨) حديثَ عمرَ بزيادةِ: وأنهُ قالَ لهُ عليٌّ ﵇: بلى يا أميرَ المؤمنينَ هوَ يضرُّ وينفعُ، قالَ: وأينَ ذلكَ؟ قالَ:

стр. 1255

في كتاب اللَّهِ، قالَ: وأينَ ذلكَ منْ كتاب اللَّهِ ؟ قال: قالَ اللَّهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (١) قالَ: فلمَّا خلقَ اللَّهُ آدمَ مسحَ ظهرَه فأخرجَ ذريَّتَه منْ صلْبه، فقرَّرَهم أنهُ الربُّ وهمُ العبيدُ، ثمَّ كتبَ ميثاقَهم في رَقٍّ، وكانَ لهذا الحجرِ عينانِ ولسانٌ فقالَ لهُ: افتحْ فاكَ فألقمَه ذلكَ الرقَّ، وجعلَه في هذَا الموضعِ وقالَ: [تشهدُ] (٢) لمنْ وافاكَ بالإيمان يومَ القيامةِ. قالَ الراوي: فقال عمرُ: أعوذُ باللَّهِ أنْ أعيشَ في قومٍ لستَ فيهم يا أبا الحسنِ". قالَ الطبريُّ: إنَّما قالَ ذلكَ عمرُ لأنَّ الناسَ كانُوا حديثي عهدٍ بعبادةِ الأصنامِ فخشيَ عمرُ [أن يفهمُوا] (٣) أن تقبيل الحجرِ منْ بابِ تعظيمِ بعضِ الأحجارِ كما كانتِ العربُ تفعلُ في الجاهليةِ، فأراد عمرُ أن يعلمَّ الناسَ أن استلامُه اتباعٌ لفعلِ رسول اللَّهِ ﷺ ، لا لأنَّ الحجرَ ينفعُ ويضرُّ [لذاته] (٤) كما كانت الجاهليةُ تعتقدُه في الأوثان. استلام الحجر بآلة إذا تعذر باليد وتقبيلها ١١/ ٧٠٥ - وَعَنْ أَبي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويَقُبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي الطفيلِ قالَ: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يطوفُ بالبيتِ ويستلمُ الركنَ بمحجن)، هي عَصَا محنيةَ الرأسِ (معهُ، ويقبِّلُ المحجنَ. رواهُ مسلمٌ)، وأخرجَ الترمذيُّ (٦) وغيرُه، وحسَّنَهُ منْ حديثٍ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يأتي هذا الحجرُ يومَ القيامةِ لهُ عينانِ يبصرُ بِهِما، ولسانٌ ينطقُ بهِ يشهدُ لمنِ استلمهَ بحقٍّ". ورَوَى الأزرقيُّ (٧) بإسناد صحيحٍ [منْ] (٨) حديثٍ ابن عباسٍ "قالَ: إنَّ هذَا

стр. 1256

الركنَ يمينُ اللَّهِ في الأرضِ يصافحُ بهِ عبادَه مصافحةَ الرجلِ أخاهُ" (١)، وأخرجَ أحمدُ (٢) عنهُ: "الركنُ يمينُ اللَّهِ في الأرضِ يصافحُ بها خلْقَه، والذي نفسُ ابن عباسٍ بيدِه ما منِ امرئٍ مسلمٍ يسأل الله تعالى عنده شيئًا إلَّا أعطاهُ إيَّاهُ"، وحديثُ أبي الطفيلِ دالٌّ أنهُ يجزي عن استلامِه باليدِ استلامُه بآلةٍ ويقبِّلُ الآلةَ كالمحجنِ والعصَا، وكذلكَ إذا استلمهُ بيدهِ قبَّلَ يدَه، فقدْ رَوَى الشافعيُّ (٣): "أنهُ قالَ ابنُ جريجٍ لعطاءٍ: هلْ رأيتَ أحدًا منْ أصحاب رسولِ اللَّهِ ﷺ إذا استلمُوا قبَّلُوا أيديَهم؟ قالَ: "نعمْ رأيتُ جابرَ بنَ عبدِ الَلَّهِ، وابنَ عمرَ، وأبا سعيدٍ، وأبا هريرةَ إذا استلمُوا قبَّلُوا أيديَهم"، فإنْ لمْ يكنِ استلامُه لأجلِ الزحمةِ قامَ حيالَه ورفعَ يدَه وكبَّرَ لما رُوِيَ: "أنهُ ﷺ قالَ: يا عمرُ إنكَ رجلٌ قويٌّ، لا تزاحمْ على الحجرِ، فتؤذي الضعفاءِ إنْ وجَدْتَ خلْوةً فاستلمْه وإلا فاستقبلْه وكبِّرْ وهلِّلْ" رواهُ أحمدُ (٤)، والأزرقيُّ (٥). وإذا أشارَ بيدِه فلا يقبِّلْها لأنهُ لا يقبِّلُ إلَّا الحجرَ أو ما مسَّ الحجرَ. الاضطباع في الطواف ١٢/ ٧٠٦ - وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيّةَ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَبعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦). [حسن] (وعنْ يعْلَى بن أميةَ ﵁ قالَ: طافَ النبيُّ ﷺ مُضْطَبِعًا ببردٍ أخضرَ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيُّ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ). الاضطباعُ افتعالٌ منَ الضبعِ وهوَ العضوُ، ويسمَّى التأبطَ لأنهُ يُجْعَلُ وسطَ الرداءِ تحتَ الإبِط ويبدي ضبعَه الأيمنَ، وقيلَ:

стр. 1257

يبدي ضُبُعَيْهِ. وفي النهايةِ هوَ أنْ يأخذَ الإزارَ أو البردَ ويجعلَه تحتَ إبطهِ الأيمنِ، ويلقي طرفيهِ على كتفيهِ الأيسر منْ جهتيْ صدرهِ وظهرهِ. وأخرجَ أبو داودَ (١) عن ابن عباسٍ: "اضطبعَ فكبَّرَ، واستلمَ [فكبر] (٢)، ثمَّ رملَ ثلاثةَ أطواف. كانُوا إذا بلغُوا الركنَ اليماني، وتغيَّبُوا منْ قريشِ مَشَوْا ثم يطلعونَ عليهم يرمُلون، تقولُ قريشٌ: كأنَّهم الغزلانُ". قالَ ابنُ عباسٍ ﵁: فكانتْ سُنَّةً. وأولُ ما اضطَّبَعُوا في عمرةِ القضاءِ، ليستعينُوا بذلكَ على الرملِ ليرَى المشركونَ قُوُّتَهم، ثمَّ صارَ سُنَّةً، ويضطبعُ في الأشواطِ السبعةِ فإذا قضَى طوافَه سوَّى ثيابَه، ولم يَضْطَبعْ في ركعتي الطوافِ، وقيلَ: في الثلاثةِ الأُولى [ألا غير] (٣). من كبَّر مكان التلبية فلا بأس عليه ١٣/ ٧٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ مِنَّا الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: كانَ يهلُّ منَّا المهِلُّ فلا ينكرُ عليهِ، ويكبِّرُ منا المكبِّرُ فلا ينكرُ عليهِ. متفقٌ عليهِ). تقدَّم أن الإهلالَ رفعُ الصوتِ بالتلبيةِ، وأولُ وقتِه منْ حينِ الإحرامِ إلى الشروعِ في الإحلالِ، وهو في الحجِّ إلى أنْ يأخذَ في رمي جمرةِ العقبةِ، وفي العمرة إلى الطواف. ودلَّ الحديث على [أن] (٥) من كبَّر مكان التلبية فلا نكير عليه بل هوَ سنةٌ لأنهُ يريدُ أنسٌ أنَّهم كانُوا يفعلونَ ذلكَ ورسولُ الله ﷺ فيهم، فيقرُّ كلًّا عَلَى ما قالَه، إلَّا أن الحديثَ وردَ في صفةِ غُدُوِّهِم منْ منىً إلى عَرفَاتٍ، وفيهِ ردٌّ على مَنْ قالَ يقطعُ التلبيةَ بعدَ صبحِ يومِ عرفةَ. ١٤/ ٧٠٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بَعَثَني النَّبيُّ ﷺ في الثَّقَلِ، أوْ قَالَ في الضَّعَفَةِ مِنْ جَمْع بِلَيْل. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 1258

(وعن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: بعثني النبيُّ ﷺ في الثَّقَلِ) بفتحِ المثلثةِ، وفتحِ القافِ، وهوَ متاعُ المسافرِ كما في النهايةِ (١)، (أوْ قالَ: في الضعفةِ) شكٌّ منَ الراوي (منْ جَمْع) بفتحِ الجيمِ، وسكونِ الميمِ، علمُ المزدلفةِ؛ سمِّيتْ بهِ لأنَّ آدمَ وحواءَ لما أُهِبطَا اجتمعا بها كما في النهايةِ (٢)، (بليلٍ). [و] (٣) قد علمَ أن منَ السنةِ أنهُ لا بدَّ منَ المبيتِ بِجَمْعٍ، وأنهُ لا يفيضُ منْ بَاتَ بها إلَّا بعدَ صلاةِ الفجرِ بها ثم يقفُ في المشعرِ الحرامِ، ولا يدفعُ منهُ إلَّا بعدَ إسفارِ الفجرِ جِدًا، ويدفعُ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وقدْ كانتِ الجاهليةُ لا يفيضونَ منْ جَمْع حتَّى تطلعَ الشمسُ ويقولونَ: أشرق ثبيرُ كيما نغيرُ؛ فخالفَهم ﷺ . إلَّا أن حديثَ ابن عباسٍ هذا ونحوَه دلَّ على الرخصةِ للضَّعَفَةِ في عدمِ استكمالِ المبيتِ. والنساءُ كالضعفةِ أيضًا لحديثِ أسماء بنتِ أبي بكرٍ (٤) ﵄: "أَنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أذِنَ للظُّعُنِ بضمِّ الظاءِ والعينِ المهملةِ، وسكونِها، جمعُ ظعينةٍ وهي المرأةُ في الهودجِ ثمَّ أُطْلِقَ على المرأة [بلا هودج] (٥)، وعلى الهودجِ بلا امرأةٍ كما في النهاية (٦). جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر لعذر ١٥/ ٧٠٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: اسْتَأَذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ الله ﷺ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَهُ، وَكَانَتْ ثَبْطَةً - تَعْني ثَقِيلَةً - فَأَذِنَ لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: استأذنتْ سودةُ رسولَ الله ﷺ ليلةَ المزدلفةِ أنْ تدمْعَ قبلَه، وكانتْ ثَبْطةً) بفتحِ المثلثةِ، وسكونِ الموحدةِ، فسَّرها قولُه: (تعني ثقيلةً

стр. 1259

فَأَذِنَ لها. متفقٌ عليهما) على حديثٍ ابن عباسٍ وعائشةَ. وفيه دليلٌ على جوازِ الدفعِ منْ مزدلفةَ قبلَ الفجرِ ولكنْ للعذرِ كما أفادَه قولُه: "وكانتْ ثبطةً". وجمهورُ العلماءِ أنهُ يجبُ المبيتُ بمزدلفةَ ويلزمُ منْ تركه دمٌ. وذهب آخرونَ إلى أنهُ سنةٌ إن تركَه فاتتْهُ الفضيلةُ ولا إثمَ عليهِ ولا دمَ، ويبيتُ أكثرَ الليلِ وقيلَ ساعةً منَ النصفِ الثاني، وقيلَ: غيرُ ذلكَ. والذي فعلَه ﷺ المبيتُ بها إلى أنْ صلَّى الفجرَ، وقدْ قالَ: "خذُوا عني مناسِكَكُم" (١). ١٦/ ٧١٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٢)، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ. [صحيح] (وعن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا ترمُوا الجمرةَ حتَّى تطلعَ الشمسُ. رواهُ الخمسة إلَّا النسائيُّ، وفيهِ انقطاعٌ). وذلكَ لأنَّ فيهِ الحسنَ العرنيَّ، بَجَلِيٌّ كوفيٌّ ثقةٌ، احتجَّ بهِ مسلمٌ، واستشهدَ بهِ البخاريُّ، غيرَ أن حديثَه عن ابن عباسٍ منقطعٌ. قالَ أحمدُ: الحسنُ العُرَنِيُّ لم يسمعْ منِ ابن عباسٍ (٣). وفيهِ دليلٌ على أن وقتَ رمي جمرةِ العقبةِ منْ بعدِ طلوعِ الشمس، وإنْ كانَ الرامي ممنْ أبيحَ لهُ التقدمُ إلى منَى، وأُذِنَ لهُ في عدمِ المبيتِ بمزدلفةَ. وفي المسْأَلةِ أربعةُ أقوالٍ: الأولُ: جوازُ الرمي منْ بعدِ نصفِ الليلِ للقادرِ والعاجزِ، قالهُ أحمدُ والشافعيّ.

стр. 1260

الثاني: لا يجوزُ إلَّا بعدَ الفجرِ مطلقًا، وهوَ قولُ أبي حنيفةَ. الثالثُ: لا جوزُ للقادرِ إلَّا بعدَ طلوعِ الفجرِ ولمنْ له عذرٌ بعدَ نصفِ الليلِ، وهوَ قولُ الهادويةِ. والرابعُ: للثوريِّ والنخعيِّ أنهُ منْ بعدِ طلوعِ الشمسِ للقادرِ، وهذَا أقْوى الأقوالِ دليلًا وأرجحُها قيلًا. ١٧/ ٧١١ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَت الْجَمَرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٌ. [ضعيف] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: أرسلَ النبيُّ ﷺ بأمِّ سلمةَ ليلةَ النحرِ، فرمتِ الجمرةَ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مضتْ فأفاضتْ. رواهُ أبو داودَ وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ). الحديثُ دليلٌ على جوازِ الرمي قبلَ الفجرِ، لأنَّ الظاهرَ أنهُ لا يخْفى عليه ﷺ ذلكَ فقرَّرَهُ، وقدْ عارضَه حديثُ ابن عباسٍ، وجُمِعَ بينَهما [بأنهُ لا يجوزُ] (٢) الرميُ قبلَ الفجرِ لمنْ لهُ عذْرٌ، وكانَ ابنُ عباسٍ لا عذرَ لهُ، وهذَا قولُ الهادويةِ فإنّهم يقولونَ: لا يجوزُ الرميُ للقادرِ إلَّا بعدَ الفجرِ، ويجوزُ لغيرِه منْ بعدِ نصفِ الليلِ، إلَّا أنَّهم أجازُوا للقادرِ قبلَ طلوعِ الشمسِ. وقدْ ذهبَ الشافعيُّ إلى جوازِ الرمي منْ بعدِ نصفِ الليلِ للقادرِ والعاجزِ. وقالَ آخرونَ: إنهُ [لا رَمْيَ إلَّا] (٣) منْ بعدِ طلوعِ الشمسِ للقادرِ، وهوَ الذي يدلُّ لهُ فعلُه ﷺ . وقولُه في حديثِ ابن عباسٍ المتقدمِ قريبًا (٤)، وهوَ وإنْ كانَ فيهِ انقطاعٌ فقدْ عضَّدَه فعلُه معَ قولِه: "خُذُوا عني" (٥) الحديثَ. وقدْ تقدَّمتْ أقوالُ العلماءِ في ذلكَ.

стр. 1261

الوقوف بالمزدلفة وقبلها الوقوف بعرفة ١٨/ ٧١٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ - يَعْنِي بِالْمُزْدَلِفَةِ - فَوَقَفَ مَعَنَا حَتى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضى تَفَثَهُ". رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). [صحيح] (وعنْ عروةَ بن مُضَرِّسِ) (٤) بضمِّ الميمِ، وتشديدِ الراءِ [وكسرها] (٥)، وبالضادِ المعجمةِ والسينِ المهملةِ، كوفيٌّ شهدَ حجَّةَ الوداعِ، وصدر حديثَه أنهُ قالَ: "أتيتُ رسولَ الله ﷺ بالموقفِ يعني جَمْعًا فقلتُ: جئتُ يا رسولَ اللَّهِ منْ جبلِ طيِّء فأكلَّتْ مطيتي، وأتعبتُ نفسي، [وفي لفظ: فرسي] (٦). واللَّهِ ما تركتُ منْ جبلٍ إلَّا وقفتُ عليهِ، فهلْ لي منْ حجٍّ؟ " ثم ذكرَ الحديثَ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : منْ شهدَ صلاتَنا - يعني صلاةَ الفجرِ - هذه يعني بالمزدلفة فوقفَ معنا)، [يعني] (٧) في مزدلفةَ (حتَّى ندفعَ، وقدْ وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلكَ ليلًا أو نهارًا، فقدْ تمَّ حجُّه وقضَى تفثَه. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَة الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ). فيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يتمُّ الحجُّ إلَّا بشهودِ صلاةِ الفجرِ بمزدلفةَ، والوقوفِ بها حتَّى يدفعَ

стр. 1262

الإمامُ، وقدْ وقفَ بعرفةَ قبلَ ذلكَ في ليلٍ أو نهارٍ. ودلَّ على إجزاءِ الوقوفِ بعرفةَ في نهارِ يومِ عرفةَ إذا كان منْ بعدِ الزوالِ، أو في ليلةِ الأضْحى، وأنهُ إذا فعلَ ذلكَ فقدْ قَضَى تفَثَه، وهوَ قضاءُ المناسكِ. وقيلَ: إذهابُ الشعرِ. ومفهومُ الشرطِ أن مَنْ لم يفعلُ ذلكَ لم يتمَّ حجُّه، فأما الوقوفُ بعرفةَ [فإنُه] (١) مُجْمَعٌ عليهِ، وأما بمزدلفةَ فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يتمُّ الحجُّ وإنْ فاتَ وقوفه بالمزدلفة وصلاته الفجر بها، ويلزمُ فيهِ دمٌ. وذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ إلى أنهُ ركنٌ كعرفةَ، وهذا المفهومُ [دليلُه، ويدلُّ له] (٢) روايةُ النسائي: "ومنْ لم يدركْ جَمْعًا فلا حجَّ له"، وقولُه تعالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٣)، وفعلُه ﷺ ، وقولُه: "خذُوا عني مناسِكَكُم" (٤). وأجابَ الجمهورُ بأنَّ المرادَ منْ حديثٍ عروةَ منْ فعلِ جميعِ ما ذكرَ فقدْ تمَّ حجَّةُ، وأَتَى بالكاملِ منَ الحجِّ. ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ أحمدُ (٥)، وأهلُ السننِ (٦)، وابنُ حِبَّانَ (٧)، والحاكمُ (٨)، والدارقطنيُّ (٩)، والبيهقيُّ (١٠)،: "أنهُ أتاهُ ﷺ وهوَ واقفٌ بعرفاتٍ ناسٌ منْ أهلِ نجدٍ فقالُوا: كيفَ الحجُّ؟ فقالَ: "الحجُّ عرفة، منْ جاءَ قبلَ صلاةِ الفجرِ منْ ليلةِ جَمْعٍ فقدْ تمَّ حجُّه"، وفي روايةٍ لأبي داودُ (١١): "منْ أدركَ عرفةَ قبلَ أن يطلعَ الفجرُ فقدْ أدركَ الحجَّ"، ومنْ روايةٍ الدارقطني (١٢): "الحجُّ عرفةُ، الحجُّ عرفةُ". قالُوا: هذا صريحٌ في المرادِ، وأجابُوا عنْ زيادةِ: "ومنْ لم يدركْ جَمْعًا فلا حجَّ لهُ"

стр. 1263

باحتمالِها التأويل، أي: فلا حجَّ كاملُ الفضيلةِ، وبأنَّها روايةٌ أنكرَها أبو جعفرٍ العقيلي، وألفَ في إنكارِها جُزءًا، [وعن] (١) الآيةِ أنَّها لا تدلُّ إلَّا على الأمرِ بالذكرِ عندَ المشعرِ [الحرام، ولا تدل] (٢) على أنهُ ركنٌ، وبأنهُ فعلَه ﷺ بيانًا للواجبِ المستكملِ الفضيلةَ. وقت الإفاضة من مزدلفة ١٩/ ٧١٣ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ، وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، فَأَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وعنْ عمرَ ﵁ قالَ: إن المشركينَ كانُوا لا يفيضونَ) أي: منْ مزدلفةَ (حتَّى تطلعَ الشمسُ، ويقولونَ أشرقْ) بفتحِ الهمزةِ، فعلُ أمرٍ منَ الإشراقِ، أي: ادخلْ في الشروقِ، (ثبيرُ) بفتحِ المثلثةِ، وكسرِ الموحدة، فمثناةٍ تحتية فراءٍ، جبلٌ معروفٌ على يسار الذاهبِ إلى منَى، وهوَ أعظمُ جبالِ مكةَ، (وأنَّ النبيَّ ﷺ خالفَهم فأفاضَ قبلَ أنْ تطلعَ الشمسُ. رواهُ البخاريُّ). وفي روايةٍ بزيادةٍ: "كيما نُغِيرُ" أخرجَها الإسماعيليُّ، وابنُ ماجهْ (٤)، وهوَ منَ الإغارةِ الإسراعُ في عدْوِ الفرسِ. وفيهِ أنهُ يشرعُ الدفعُ، وهوَ الإفاضةُ قبلَ شروقِ الشمسِ. وتقدَّم حديثُ جابرٍ (٥): "حتَّى أسفرَ جدًّا". استمرار التلبية حتى رمي الجمرة ٢٠/ ٧١٤ - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵃ قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمىَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦). [صحيح]

стр. 1264

(وعنِ ابن عباسٍ وأسامةَ بن زيدٍ ﵃ قَالَا: لم يزلْ رسول الله ﷺ يلبِّي حتَّى رَمَىَ جمرةَ العقبةِ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دليلٌ على مشروعيةِ الاستمرارِ في التلبيةِ إلى يومِ النحرِ حتَّى يرمي الجمرةَ. وهلْ يقطعُه عندَ الرمي بأولِ حصاةٍ أو معَ فراغه منْها؟ ذهبَ الجمهورُ إلى الأولِ، وأحمدُ إلى الثاني، ودلَّ لهُ ما رواهُ النسائيُّ (١): "فلمْ يزلْ يلبي حتَّى رمَى الجمرةَ، فلما رجَع قطعَ التّلْبِيةَ"، وما رواهُ أيضًا ابنُ خزيمةَ (٢) وقالَ: حديثٌ صحيحٌ منْ حديث ابن عباسٍ ﵁ عن الفَضلِ أنّه قال: "أفضْتُ مَعَ رسولِ الله ﷺ منْ عرفاتٍ فلم يزلْ يلبي حتَّى رمَى جمرةَ العقبةِ، ويكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ قطعَ التلبيةَ معَ آخرِ حصاةٍ"، وهوَ يبينُ المرادَ منْ قولِه: "حتَّى رَمَى جمرةَ العقبةِ" أي: أتمَّ رميَها. وللعلماءِ خلافٌ متَى يقطعُ التلبيةَ، وهذه الأحاديثُ قد بيَّنتْ وقتَ تركِه ﷺ لها. هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها ٢١/ ٧١٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ورَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ ﵁ أنهُ جعلَ البيتَ على يسارهِ) عندَ رميهِ جمرةَ العقبةِ، (ومنىً عنْ يمينِه، ورمَى الجمرةَ بسبعِ حصياتٍ، وقالَ: هذا مقامُ الذي أُنزلتْ عليهِ سورةُ البقرةِ. متفقٌ عليهِ). قامَ الإجماعُ على أن هذه الكيفيةَ ليستْ [بواجبة] (٤)، وإنَّما هي مستحبَّةٌ، وهذَا قاله ابنُ مسعودٍ ردًا على مَنْ يرميْها منْ فوقِها، واتفقُوا أن سائرَ الجمارِ تُرْمَى من فوقِها، وخصَّ سورةَ البقرةِ بالذكرِ لأنَّ غالبَ أعمالِ الحجِّ مذكورةٌ فيها، أوْ لأنَّها اشتملتْ على أكثرِ أمورِ الدياناتِ

стр. 1265

والمعاملاتِ، وفيهِ جوازُ أنْ يقالَ سورةُ البقرةِ خلافًا لمنْ قال يكرهُ ولا دليلَ لهُ. وقت رمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس ٢٢/ ٧١٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: رَمَى رَسُولُ الله ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: رَمَى رسول اللَّهِ ﷺ الجمرةَ يومَ النحرِ ضُحَى، وأما بعدَ ذلكَ فإذا زالتِ الشمسُ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ على وقتِ رمي جمرةِ العقبةِ، والحديثُ دليلٌ على أن وقتَ رمي الثلاثة الجمارِ منْ بعدِ زوالِ الشمسِ وهوَ قولُ جماهيرِ العلماءِ. هيئة الوقوف ليرمي الجمرة وعدد حصياتها والدعاء عندها ٢٣/ ٧١٧ - وَعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى أَثَرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يُسْهِلُ، فَيَقُومُ فَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يَرْمِي الْوُسْطى، ثُمَّ يَأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمّ يَدْعُو فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أنهُ كان يرمي الجمرةَ الدُّنيا)، بضمِّ الدالِ وبكسرِها، أي: [الدانية] (٣) إلى مسجد الخيفِ، وهي أولُ الجمراتِ التي تُرْمَى ثاني [يوم] (٤) النحرِ (بسبعِ حصياتٍ، يكبِّرُ على أثرِ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ يتقدمُ ثمَّ يسْهلُ) بضمِّ حرفِ

стр. 1266

المضارعةِ، وسكون المهملةِ، أي: [يقصدُ] (١) السهلَ منَ الأرض، (فيقومُ فيستقبلُ القبلةَ [ثمّ يدعوُ] (٢) ويرفعُ يدِيْه [ويقومُ طويلًا] (٣)، ثمَّ يرمي الوسطى، ثمَّ يأخذُ ذاتَ الشمالِ) أي: يمشي إلى جهةِ شمالِه ليقفَ داعيًا في مقامٍ لا يصيبُه الرميُ، (فيُسهلُ ويقومُ مستقبلَ القبلةِ ثمَّ يدعو ويرفعُ يديهِ ويقومُ طويلًا، ثمَ يرمي جمرةَ ذاتِ العقبةِ منْ بطنِ الوادي ولا يقفُ عندَها، ثمَّ ينصرفُ فيقولُ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يفعلُه. رواهُ البخاريُّ). فيهِ ما قدْ دلَّتْ عليهِ الأدلةُ الماضيةُ منَ الرمي بسبعِ حصياتٍ لكلِّ جمرةٍ والتكبيرُ عندَ كلِّ حصاةٍ. وفيه زيادةُ أنه يستقبلُ القبلةَ بعدَ الرمي للجمرتين ويقومُ طويلًا يدعو اللَّهَ تعالى. وقد فسَّرَ مقدارَ القيامِ ما أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤) بإسنادٍ صحيح: "أن ابنَ عمرَ كانَ يقومُ عندَ الجمرتينِ بمقدارِ ما يقرأُ سورةَ البقرةِ، وأنهُ يرفع يديْهِ عندَ الدعاءِ"، قالَ ابنُ قدامةَ: ولا نعلمُ في ذلكَ خلافًا إلَّا ما يُرْوَى عنْ مالكٍ: لا أنهُ لا يرفعُ يديْهِ عند الدعاءِ". وحديثُ ابن عمرَ دليل لخلافِ ما قالَ مالكٌ. الحلق أفضل من التقصير ٢٤/ ٧١٨ - وَعَنْهُ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ في الثَّالِثَةِ: "وَالْمُقَصِّرِينَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنهُ) أي ابن عمرَ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: اللهمَّ ارحمِ المحلِّقينَ) أي: الذينَ حلقُوا رؤوسَهم في حجٍّ أو عمرةٍ عندَ الإحلالِ [منْها] (٦)، (قالُوا) يعني السَّامعينَ منَ الصحابةِ. قالَ المصنفُ في الفتحِ (٧): إنهُ لم يقفْ في شيءٍ منَ الطرقِ على [اسم] (٨) الذي تولَّى السؤالَ بعدَ البحثِ الشديدِ عنهُ، (والمقصِّرينَ)

стр. 1267

هوَ منْ عطفِ التلقينِ كما في قولهِ تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ (١) على أحدِ الوجهينِ في الآيةِ كأنهُ قيلَ: وارحمِ المقصِّرينَ (يا رسولَ اللَّهِ، قالَ في الثالثةِ: والمقصرينَ. متفقٌ عليهِ). وظاهرهُ أنهُ دعا للمحلِّقينَ مرتينِ، وعطفَ المقصِّرينَ في الثالثةِ، وفي رواياتٍ أنهُ دعا للمحلِّقينَ ثلاثًا ثمَّ عطفَ المقصِّرينَ، ثمَّ إنهُ اختُلِفَ في هذا الدعاءِ متى كانَ منهُ ﷺ ، فقيلَ في عمرةِ الحديبيةِ وجزمَ بهِ إمامُ الحرمينِ، وقيلَ في حجَّةِ الوداعِ وقوَّاهُ النوويُّ (٢)، وقالَ: هوَ الصحيحُ المشهورُ. وقالَ القاضي عياضُ: كان في الموضعينِ. قالَ النوويُّ: ولا يبعدُ ذلكَ، وبمثلِه قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٣). قالَ المصنفُ (٤): وهذا هوَ المتعينُ لتضافرِ الرواياتِ بذلكَ. والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الحلقِ والتقصيرِ، وأنَّ الحلقَ أفضلُ. هذا ويجبُ في حلقِ الرأسِ استكمالُ حلْقه عندَ الهادوية (٥)، ومالكِ (٦)، وأحمدَ (٧)، وقيلَ: هوَ الأفضلُ، ويجزئُ الأقلُّ فقيلَ الرُّبُعُ، وقيلَ النصفُ، وقيلَ أقلُّ ما يجبُ حلقُ ثلاثِ شعراتٍ، وقيلَ شعرةٌ واحدةٌ، والخلافُ في التقصير في التفضيل مثلُ هذا، وأما مقدارُه فيكونُ [مقداره قدر أنْمُلة] (٨)، وقيلَ: إذا اقتصرَ على دونِها أجزأَ، وهذا كلُّه في حقِّ الرجالِ، ثمَّ هو [أيضًا] (٩) أيْ: تفضيلُ الحلْقِ على التقصيرِ أيضًا في حقِّ الحاجِّ والمعتمرِ، وأما المتمتعُ فإنهُ ﷺ خيَّرهُ بينَ الحلقِ والتقصيرِ كما في روايةٍ البخاريِّ بلفظِ: "ثمَّ يحلقُوا أو يقصِّروا". وظاهرُ الحديثِ استواءُ الأمرينِ في حقِّ المتمتعِ، وفصَّلَ المصنفُ في الفتح فقالَ: إنْ كانَ [بحيثُ يطلعُ] (١٠) شعْرُه فالأوْلى لهُ الحلقُ وإلَّا فالتقصيرُ، ليقعَ الحلقُ في الحجِّ وبيَّنَ وجْهَ التفصيلِ في الفتح. وأما النساءُ فالمشروعُ في حقِّهنَّ التقصيرُ إجماعًا. وأخرجَ أبو داوَدَ (١١) منْ حديثٍ ابن عباسٍ: "ليسَ على النساءِ حلقٌ، وإنَّما على النساءِ التقصيرُ".

стр. 1268

وأخرجَ الترمذيُّ (١) منْ حديثٍ عليٍّ ﵇: "نَهَى أنْ تحلقَ المرأةُ رأسَها"، وهلْ يجزئُ لو حلقتْ؟ قالَ بعضُ الشافعيةِ: يجزئُ ويكرهُ لها ذلك. تقديم الحلق أو الرمي على النحر ٢٥/ ٧١٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ في حَجّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"؛ فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن العاصِ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ وقفَ في حجةِ الوداعِ) أي: يومَ النحرِ بعدَ الزوالِ، وهوَ على راحلتهِ يخطبُ عندَ الجمرةِ؛ (فجعلُوا يسألونُه فقالَ رجلٌ) قالَ المصنفُ (٣) ﵀: لم أقفْ على اسمِه بعدَ البحثِ الشديدِ: (لم أشعرْ) أي: لم أفطنْ ولم أعلمْ، (فحلقتُ قبلَ أن أذبحَ قالَ: اذبحْ) أي: الهديَ، والذبحُ ما يكونُ في الحلقِ (ولا حرجَ) [أي] (٤) لا إثمَ، (وجاءَ آخرُ فقالَ: لم أشعرْ فنحرتُ)، النحرُ ما يكونُ في اللبةِ (قبلَ أنْ أرميَ) جمرةَ العقبةِ (قالَ: ارمِ ولا حرجَ، فما سُئِلَ يومئذٍ عنْ شيءٍ قُدِّمَ ولا أُخِّرَ إلَّا قالَ افعلْ ولا حرجَ. متفق عليه). اعلمْ أنَّ الوظائفَ على الحاجِّ يومَ النحرِ أربعٌ: الرميُ لجمرةِ العقبةِ، ثمَّ نحرُ الهدي أو ذبحُه، ثمَّ الحلقُ أو التقصيرُ، ثمَّ طوافُ الإفَاضَةِ، هذا هوَ

стр. 1269

الترتيبُ المشروعُ فيها، وهكذَا فعلَ ﷺ في [حجتهِ] (١)، ففي الصحيحينِ (٢): "أنهُ ﷺ أتى مِنَى، فأتَى الجمرةَ فرماها، ثمَّ أتَى منزلَه بمنَى فنحرَ وقالَ للحالقِ: خذْ"، ولا نزاعَ في هذا للحاجِّ مطلقًا، ونازعَ بعضُ الفقهاءِ في القارنِ فقالَ: لا يحلقُ حتَّى يطوفَ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ تقديمُ بعضِ هذهِ الأشياءِ وتأخيرُها، وأنهُ لا ضيقَ ولا إثمَ على مَنْ قدَّمَ أو أخَّرَ، فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهبَ الشافعيُّ وجمهورُ السلفِ، وفقهاءُ أصحابِ الحديثِ، والعلماءُ إلى الجوازِ، وأنهُ لا يجبُ الدمُ على مَنْ فعلَ ذلكَ لقوله للسائلِ: "ولا حرجَ"، فإنهُ ظاهرٌ في نفي الإثمِ والفديةِ معًا، لأنَّ اسمَ الضيقِ [يشملُها] (٣). قالَ الطبريُّ: لم يُسقِطِ النبيُّ ﷺ الحرجَ إلَّا وقدّ أجزأَ الفعلُ، إذْ لو لم يجزئْه لأمرَهُ بالإعادةِ، لأنَّ الجهلَ والنسيانَ لا يضعانِ عن المكلَّفِ الحكمَ الذي يلزمُه في الحجِّ كما لو تركَ الرميَ ونحوَه، فإنهُ لا يأثمُ بتركهِ ناسيًا أو جاهلًا، لكنْ يجبُ عليهِ الإعادةُ. وأما الفديةُ فالأظهرُ سقوطُها عن الناسي والجاهلِ، وعدمُ سقوطِها عن العالم، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): القولُ بسقوطِ الدمِ عن الجاهلِ والناسي دونَ العامدِ قويٌّ منْ جهةِ أن الدليلَ دلَّ على وجوبِ اتباعِ أفعالِ النبيِّ ﷺ في الحجِّ بقولهِ: "خُذُوا عني مناسِكَكم" (٥). وهذه السؤالاتُ المرخصةُ بالتقديمِ لما وقعَ السؤالُ عنهُ إنَّما قرنتْ بقولِ السائلِ: "لم أشعرْ"؛ فيختصُّ الحكمُ بهذهِ الحالةِ، ويحملُ قولُه: "لا حرجَ" على نفي الإثمِ والدمِ معًا في الناسي والجاهلِ، ويبقى العامدُ على أصلِ وجوب اتباعِ الرسولِ ﷺ في الحجِّ. والقائلُ بالتفرقةِ بينَ العامدِ وغيْرهِ قدْ مشَىَ أيضًا على القاعدةِ في أن الحكمَ إذا رُتِّبَ على وصفٍ يمكنُ بأنْ يكونَ معتبرًا لم يجز اطِّراحُه، ولا شكَّ أن عدمَ الشعورِ وصفٌ مناسبٌ

стр. 1270

لعدمِ التكليفِ والمؤاخذةِ، والحُكمُ عُلِّقَ بهِ فلا يمكنُ اطِّراحُه بإلحاقِ العامدِ بِه، إذْ لا يساويهِ. قال: وأما التمسكُ بقولِ الراوي: "فما سُئِلَ عنْ شيءٍ" إلى آخرِه لإشعارهِ بأنَّ الترتيبَ مُطلقًا غيرُ مراعَى، فجوابُه أن [هذي الأخبارَ] (١) منَ الراوي تتعلقُ بما وقعَ السؤالُ عنهُ وهوَ مطلقٌ بالنسبةِ إلى حالِ السائلِ، والمطلقُ لا يدلُّ على أحدِ الخاصينِ بعينه فلا تبقَى حجةٌ في حالِ العمدِ. تقديم النحر على الحلق ٢٦/ ٧٢٠ - وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعنِ المِسورِ) (٣) بِكَسرِ الميمِ، وسكونِ المهملةِ، وفتحِ الواوِ، فراءٍ (ابن مخرمةَ ﵁) بفتحِ الميمِ، وسكونِ الخاءِ المعجمةِ، وفتحِ الراءِ، زهريٌّ قرشيٌّ، ماتَ النبيُّ ﷺ وهوَ ابنُ ثماني سِنِين وسمعَ منهُ وحفظَ عنهُ، انتقلَ منَ المدينةِ بعدَ قتلِ عثمانَ إلى مكةَ، ولم يزلْ بها إلى أنْ حاصرَها عسكرُ يزيدَ، فقتلَه حجرٌ من حجارِ المنجنيقِ، وهوَ يصلِّي في أولِ سنةِ أربعٍ وستينَ، وكانَ من أهل الفضلِ والدينِ، (أنَّ رسولَ الله ﷺ لنحرَ قبلَ أنْ يحلقَ، وأمرَ أصحابَه بذلكَ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دلالةٌ على تقديم النحرِ قبلَ الحلقِ. وتقدَّمَ قريبًا أن المشروعَ [تقديمُ الحلقِ قبلَ الذبحِ، فقيل:] (٤) حديثُ المسورِ هذا إنَّما هو إخبارٌ عنْ فعلِه ﷺ في عمرْةِ الحديبيةِ حيثُ أُحصِرَ فتحلَّلَ ﷺ بالذبحِ. وقدْ بوَّبَ عليهِ البخاريُّ (بابُ النحرِ قبلَ الحلقِ في الحصر) (٥)، وأشارَ البخاريُّ إلى أن هذَا الترتيبَ يختصُّ بالمحصرِ على جهةِ الوجوبِ؛ [فإنهُ] (٦) أخرجَهُ بمعناهُ هذا، وقدْ أخرجَهُ بطولِه في كتابه

стр. 1271

الشروطِ (١)، وفيهِ: "أنهُ قالَ لأصحابِه: قومُوا فانحرُوا ثم احلُقوا"، وفيهِ قولُ أمِّ سلمةَ لهُ ﷺ : "اخرجْ ثمَّ لا تكلِّمْ أحدًا منْهم كلمةً حتَّى تنحرَ بُدنَك، فخرجَ فنحرَ بُدنَه، ثمَّ دعا حالقَه فحلقَه"، الحديثَ. وكانَ الأحسنُ تأخيرَ المصنفِ لهُ إلى بابِ الإحصار. رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرَّم على المحرِم إلا النساء ٢٧/ ٧٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكلُّ شَيءٍ إِلَّا النِّسَاءَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وأَبُو دَاوُدَ (٣)، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا رمَيتمْ وحلقتمْ فقدْ حلَّ لكمُ الطِّيبُ وكلُّ شيءٍ إلَّا النساءَ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وفي إسنادِه ضعفٌ)؛ لأنهُ منْ روايةِ الحجاجِ بن أرطاةَ (٤)، ولهُ طرقٌ أُخَرُ مدارُها عليهِ، وهوَ يدلُّ على أنهُ بمجموعِ الأمرينِ رميُ جمرةِ العقبةِ والحلقُ يحلُّ كلُّ محرمٍ على المحرمِ إلَّا النساءَ، فلا يحلُّ وطؤُهنَّ إلَّا بعدَ طوافِ الإفاضةِ، والظاهرُ أنهُ مجمعٌ على حلِّ الطيبِ وغيرِه إلا الوَطْءَ بعدَ الرمي وإنْ لمْ يحلقْ. على النساء التقصير وليس الحلق ٢٨/ ٧٢٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ

стр. 1272

حَلْقٌ، وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: ليسَ على النساءِ حلْقٌ وإنَّما يقصِّرْنَ. رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنن). تقدَّمَ ذكرُ هذا الحكم في الشرحِ، وأنهُ ليسَ في حقِّهنَّ الحلقُ فإنْ حلقْنَ أجزأ. المبيت بمنى ليالي النحر واجب إلَّا لعذر ٢٩/ ٧٢٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ الْعَبَّاسَ بنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأَذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ ﵁ استأذنَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يبيتَ بمكةَ ليالي مِنَى منْ أجلِ سقايتهِ)، وهي ماءُ زمزمَ؛ فإنَّهم كانُوا يغترفونَه بالليلِ، ويجعلونَه في الحياضِ سبيلًا، (فَأَذِنَ لهُ. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يجبُ المبيتُ بمنَى ليلةَ ثاني النحرِ، وثالثِهِ إلَّا منْ لَهُ عذرٌ، [ولهذا] (٣) يُرَوى عنْ أحمدَ (٤). والحنفيةُ قالتْ: إنهُ سنةٌ. قيلَ: إنهُ يختصُّ هذَا الحكمُ بالعباسِ دونَ غيرِه. وقيلَ: بلْ وبمنْ يحتاجُ إليهِ في سقايتهِ وهوَ الأظهرُ، لأنهُ لا يتمُّ له وحدَه إعدادُ الماءِ للشاربينَ، وهل يختصُّ بالماءِ أوْ يلحقُ بهِ ما في معناهُ منَ الأكلِ

стр. 1273

وغيرِه، وكذَا حفظُ مالِه، وعلاجُ مريضِه، وهذَا الإلحاقُ رأيُ الشافعيِّ ويدلُّ للإلحاق الحديثُ: ٣٠/ ٧٢٤ - وَعَنْ عَاصِمِ بن عَدِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ في الْبَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْم النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١)، وَصحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، وَابْنُ حِبّانَ (٣). [صحيح] ترجمة عاصم بن عدي وهوَ قولُه: (وعنْ عاصِمِ بنِ عَدِيٍّ ﵁) (٤) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ أو عمرُ أو عمرُو حَليفُ بني عُبيدِ بن زيدٍ منْ بني عمرِو بن عوفٍ منَ الأنصارِ شهدَ بَدْرًا والمشاهدَ بعدَها، وقيل: لم يشهدْ بدرًا وإنَّما خرجَ إليها معَهُ ﷺ فردَّه إلى أهلِ مسجدِ الضرارِ لشيءٍ بلغَهُ عنْهم، وضربَ لهُ سهمَه وأجْرَهُ، فكانَ كمنْ شهدَها، ماتَ سنةَ خمسٍ وأربعينَ، وقيلَ: استُشْهِدَ يومَ اليمامةِ وقدْ بلغَ مائةً وعشرينَ سنةً، (أن النبيَّ ﷺ رخَّص لرعاءِ الابلِ في البيتوتةِ عنْ مِنَى يرمونَ يومَ النَّحرِ) جمرةَ العقبةِ، ثمَّ ينفرونَ ولا يبيتونَ بِمنَى، (ثُمَّ يَرْفونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، ليومينِ) أي: يرمونَ اليومَ الثالثَ لذلكَ اليومِ ولليومِ الذي فاتَهم الرميُ فيه، وهوَ اليومُ الثاني، (ثمَّ يرمونَ يومَ النفرِ) أي: اليومُ الرابعُ إنْ لم يتعجَّلُوا (رواهُ الخمسة، وصحَّحه، الترمذيُّ، وابنُ حبانَ)، فإنَّ فيه دليلًا على أنهُ يجوزُ [لأهل] (٥) الأعذارِ عدمُ المبيتِ بمنَى، وأنهُ غيرُ خاصٍّ بالعباسِ، ولا بسقايتهِ، وأنهُ لو أحدثَ أحدٌ سقايةً جازَ له ما جازَ لأهلِ سقايةِ زمزمَ.

стр. 1274

خطبة يوم النحر من غير صلاه عيد ٣١/ ٧٢٥ - وَعَنْ أَبِي بَكرَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ. الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي بكرةَ ﵁ قالَ: خَطَبَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ النحرِ [الحديث] (٢) متفقٌ عليهِ). فيهِ شرعيةُ الخطبةِ يومَ النحرِ، وليستْ خطبةَ العيد، فإنهُ ﷺ لم يصلِّ العيدَ في [حجتهِ] (٣)، ولا خطبَ خطبتَهُ. واعلمْ أن الخُطَبَ [المشروعة] (٤) في الحجِّ ثلاثٌ عندَ المالكيةِ والحنفيةِ: الأولى سابعَ ذي الحجةِ، والثانيةُ يومَ عرفةَ، والثالثةُ ثاني [يوم] (٥) النحرِ، وزادَ الشافعيُّ رابعةً هي يومِ النحرِ، وجعلَ الثالثةَ في ثالثِ النحرِ لا في [ثانية] (٦). قالَ: لأنهُ أولُ النفرِ. وقالتِ المالكيةُ والحنفيةُ: إنَّ خطبةَ يومِ النحرِ لا تعدُّ خطبةً إنما هي وصايا عامةٌ لا أنَّها مشروعةٌ في الحجِّ، وردَّ عليهم بأنَّ الصحابةَ سمُّوها خطبةً، [ولأنها] (٧) اشتملتْ على مقاصدِ الخطبةِ كما أفادهُ لفظُها وهو قولُه: "أتدرونَ أيّ يومَ هذَا؟ قلْنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ يومَ النحرِ؟ قلنا: بَلَى، قالَ: أيُّ شهرٍ هذَا؟ قلنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتَّى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ [ذي] (٨) الحجةِ؟ قلْنا: بلَى، قالَ: أيُّ بلدٍ هذَا؟ قلْنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، فسكتَ حتَّى ظننَّا أنهُ سيسمِّيهِ بغيرِ اسمهِ، فقالَ: أليسَ البلدةَ الحرامَ؟ قلْنا: بَلَى، قالَ: فإنَّ دماءَكم وأموالكم حرامٌ عليكمْ كحرمةِ يومكِمْ هَذا، في شهرِكم هذَا، في بلدِكمْ هذَا، إلى يومِ تلقونَ ربَّكم، ألا هلْ بلَّغتُ؟ قالُوا: نعمْ، قالَ: اللهمَّ اشهدْ فليبلغِ الشاهدُ الغائبَ، فربَّ مُبَلَّغ أَوْعَى منْ سامعٍ، فلا ترجعُوا بعدي كفارًا؛ يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ"، أخرجَه البخاريُّ. فاشتملَ الحديثُ على تعظيمِ

стр. 1275

البلدِ الحرامِ، ويومِ النحرِ، وشهرِ ذي الحجةِ، والنَّهي عن الدماءِ والأموالِ، والنَّهي عنْ رجوعِهم كفارًا، وعنْ [قتال] (١) بعضهم بعضًا، والأمرِ بالإبلاغِ عنهُ. وهذهِ منْ مقاصدِ الخطبِ. ويدلُّ علَى شرعيةِ خُطبةِ ثاني يومِ النحرِ. ٣٢/ ٧٢٦ - وَعَنْ سَرّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ﵂ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوْمَ الرُّؤوسِ فقَالَ: "أَلَيسَ هذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ " الْحَدِيثَ. رَوًاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٢). [ضعيف] (وعنْ سرَّاءَ) بفتحِ المهملةِ، وتشديدِ الراءِ ممدود (بنتِ نبهانَ) بفتحِ النونِ، وسكونِ الموحدةِ (قالتْ: خَطَبَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الرؤوسِ فقالَ: أليسَ هذَا أوسطَ أيامِ التشريقِ؟ الحديثَ، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ). وهذهِ هي الخطبةُ الرابعةُ. ويومُ الرؤوسِ ثاني يومِ النحرِ بالاتفاقِ. وقولُه: "أوسط أيام التشريقِ" يحتملُ أفضلَها، ويحتملُ [أوسطها] (٣) بينَ الطرفينِ. [وعليه ففيه] (٤) دليلٌ [على] (٥) أن يومَ النحرِ منْها، ولفظُ حديثٍ السَّرَاءِ قالتْ: "سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: أتدرونَ أيَّ يومٍ هذَا؟ قالتْ: وهوَ اليومُ الذي يدعونَه يومَ الرؤوسِ، قالُوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قالَ: هذا أوسط أيام التشريق. قال: أتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذَا المشعرُ الحرامُ، قالَ: إني لا أدري لعلي لا ألقاكمْ بعدَ عامي هذَا، ألا وإنَّ دماءَكم، وأموالَكم، وأعراضَكم عليكمْ حرامٌ كحرمةِ بلدِكم هذا، [في عامكم هذا] (٦) حتَّى تلقونَ ربَّكم فيسألُكم عنْ أعمالِكم، ألا فليبلِّغْ أدنَاكُم أقصاكُم، ألا هلْ بلَّغتُ؟ فلما قدِمْنَا المدينةَ لم يلبثْ إلَّا قليلًا ﷺ حتَّى مَاتَ". يكفي القارن طواف وسعي واحد لحجِّه وعُمرته ٣٣/ ٧٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "طَوَافُكِ بِالبَيْتِ وَسَعْيُكِ

стр. 1276

بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قالَ لها: طوافُك بالبيتِ وبينَ الصفَا والمروةِ يكفيكِ لحجِّك وعمرتِكِ. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على أن القارنَ يكفيهِ طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ للحجِّ والعمرةِ، وإليهِ ذهبَ جماعةٌ منَ الصحابة، والشافعيُّ وغيرُه. وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا بدَّ منْ طوافينِ وسعيين؛ فالأحاديثُ متواردةٌ علَى معنَى حديثٍ عائشةَ عن ابن عمرَ وجابرٍ وغيرِهما. واستدلَّ مَنْ قالَ بالطوافينِ بقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢)، ولا دليلَ في ذلك؛ فإنَّ التمامَ حاصلٌ وإنْ لم يطفْ إلَّا طوافًا واحدًا، وقد اكتفىَ ﷺ بطوافٍ وسعي واحدٍ، وكانَ قارنًا كما هوَ الحقُّ، واستدلُّوا أيضًا بحديثٍ رواهُ زيادُ بنُ مالكٍ، قالَ في الميزانِ (٣): "زيادُ بنُ مالكٍ، عن ابن مسعودٍ: ليسَ بحجةٍ، وقالَ البخاريُّ: لا يُعْرَفُ لهُ سماعٌ منْ عبدِ اللَّهِ، وعنهُ رَوَى حديثَ: "القارنُ يطوفُ طوافَينِ ويسعى سَعْيَيْنِ". واعلمْ أن عائشةَ كانتْ قدْ أهلَّتْ بعمرةٍ ولكنَّها حاضتْ فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : "ارفضي عمرتَك"، قالَ النوويُّ: معنَى رفضِها إيَّاها رفضُ العملِ فيها، وإتمامُ أعمالِها التي هي الطوافُ والسعيُ، وتقصيرُ شعرِ الرأسِ؛ فأمرَها ﷺ بالإعراضِ عنْ أفعالِ العمرةِ، وأنْ تحرِمَ بالحجِّ فتصيرُ قارنةً، وتقفُ بعرفاتٍ، وتفعلُ المناسكَ كلَّها إلَّا الطوافَ فتؤخرُّه حتَّى تطهرَ. ومنْ أدلةِ أنَّها صارتْ قارنةً قولُه ﷺ [لها] (٤): "طوافُكِ بالبيتِ" الحديثَ؛ فإنهُ صريحٌ أنَّها كانتْ متلبسةً بحجٍّ وعمرةٍ، ويتعيَّنُ تأويلُ قولِه ﷺ : "ارفضي عمرتَكِ" بما ذكرهُ النوويُّ، فليسَ معنَى [ارفضي] (٥)

стр. 1277

العمرةَ الخروجَ منْها وإبطالُها بالكلية؛ فإنَّ الحجَّ والعمرةَ لا يصحُّ الخروجَ منْهما بعدَ الإحرامِ بهما بنيةِ الخروجِ، وإنَّما يصحُّ بالتحلُّلِ منْهما بعدَ فراغِهما. لَمْ يرمل السبع الذي أفاض فيه ٣٤/ ٧٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١) إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ لمْ يرملْ في السبعِ الذي أفاضَ فيهِ. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، [وصحَّحَهُ الحاكمُ] (٣). فيهِ دليلٌ [على] (٤) أنهُ لا يشرعُ الرملُ الذي سلفتْ مشروعيتُه في طوافِ القدومِ في طوافِ الزيارةِ وعليه الجمهور. هل النزول بالمحصَّب من النسك ٣٥/ ٧٢٩ - وَعنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ صلَّى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ثمَّ رقدَ رقدةً بالمحصَّبِ)، بالمهملتين فموحَّدَةٍ بزنةِ مُكرم اسمِ مفعولٍ، الشعبُ الذي [مخرجُه] (٦) إلى الأبطحِ، وهوَ خيفُ بني كنانةَ، (ثمَّ ركبَ إلى البيتِ فطافَ بهِ) أي طوافَ الوداعِ (رواهُ البخاريُّ)، وكانَ ذلكَ يومَ النفرِ الآخرِ، وهوَ ثالثُ أيامِ التشريقِ، فإنهُ ﷺ رَمَى الجمارَ يومَ النفرِ بعدَ الظهرِ، وأخَّرَ صلاةَ الظهرِ حتَّى وصلَ المحصبَ، ثمَّ صلَّى الصلواتِ فيهِ كما ذكرَ. واختلفَ السلفُ والخلفُ هلِ التحصيبُ سنةٌ أمْ لا؟ فقيلَ: سنَّةٌ، وقيلَ: لا، إنَّما هوَ منزلٌ نزلهُ النبيُّ ﷺ ، وقدْ

стр. 1278

فعلَه الخلفاءُ بعدَه تأسيًا بهِ ﷺ . وذهبَ ابنُ عباسٍ إلى أنهُ ليسَ منَ المناسكِ المستحبَّة، [وإلى مثله] (١) ذهبتْ عائشة كما دلَّ لهُ الحديثُ: ٣٦/ ٧٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذلِكَ - أي النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح]. وهوَ قولُه: (وعنْ عائشةَ ﵂ أنَّها لم تكنْ تفعلُ ذلكَ أي النزولَ بالأبطحِ وتقولُ: إنَّما نزلهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ لأنهُ كانَ منزلًا أسمحَ لخروجهِ. رواهُ مسلمٌ)، أي: أسهلُ لخروجهِ منْ مكة راجعًا إلى المدينةِ. قيلَ: والحكمةُ في نزولهِ فيهِ إظهارُ نعمةِ اللَّهِ [عليه] (٣) باعتزازِ دينهِ، وإظهارِ كلمتِه، وظهورهِ على الدينِ كلِّه؛ فإنَّ هذَا المحلَّ هوَ الذي تقاسمتْ فيهِ قريشٌ على قطيعةِ بني هاشم، وكتبُوا صحيفةَ القطيعةِ في القصةِ المعروفةِ. وإذا كانتِ الحكمةُ هيَ هذهِ فهيَ نعمةٌ على الأمةِ أجمعينَ فينبغي نزولُه لمنْ حجَّ منَ الأمةِ إلى يومِ الدينِ. الأمر بطواف الوداع ٣٧/ ٧٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِض. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: أُمِرَ) بضمِّ الهمزةِ (الناسُ) نائبُ الفاعلِ، (أن يكونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ إلَّا أنهُ خفِّفَ عن الحائضِ. متفقٌ عليهِ). الآمرُ للناسِ هوَ النبيُّ ﷺ ، وكذلكَ المخففُ عن الحائضِ، وغيَّر الراوي الصيغةَ للعلمِ بالفاعلِ. وقدْ أخرجَه مسلمٌ (٥) وأحمدُ (٦) عن ابن عباسٍ بلفظِ: "كانَ الناسُ ينصرفونَ منْ كلِّ وجْهةٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : لا ينصرفُ أَحدٌ حتَّى يكونَ آخرُ عهدِه بالبيتِ"، وهوَ

стр. 1279

دليلٌ على وجوبِ طوافِ الوداعِ، وبهِ قالَ جماهيرُ السلفِ والخلفِ (١). وخالفَ الناصرُ ومالكٌ وقَالَا: لوْ كانَ واجبًا لما خفَّفَ عن الحائضِ، وأجيبَ بأنَّ التَّخْفيفَ دليلُ الإيجابِ؛ إذْ لوْ لم يكنْ واجبًا لما أُطلِقَ عليهِ لفظ التخفيفِ، والتخفيفُ عنْها دليلٌ على أنهُ لا يجبُ عليها فلا تنتظرُ الطهرَ ولا يلزمُها دمٌ بتركهِ، لأنهُ ساقطُ عنْها منْ أصلِه. ووقتُ طوافِ الوداعِ منْ ثالثِ النحرِ؛ فإنهُ يجزئُ إجماعًا، وهلْ يجزئُ قبلَه والأظهرُ عدمُ إجزائِه لأنهُ آخرُ المناسكِ. واختلفُوا إذا أقامَ بعدَه هلْ يعيدُه أمْ لا؟ قيلَ: إذا بقيَ بعدَه لشراءِ زادٍ، وصلاةِ جماعةٍ لم يعده، وقيلَ يُعيْدَهُ إذا أقام لتمريضٍ ونحوِه. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يعيدُ ولو أقامَ شهرينِ. ثمَّ هل يُشْرَعُ في حقِّ المعتمر؟ قيلَ: لا يلزمُه لأنهُ لم يردْ إلَّا في الحجِّ. وقالَ الثوريُّ: يجبُ على المعتمرِ أيضًا وإلا لزمَه دمٌ. مضاعفة الثواب على الصلاة في المساجد الثلاث ٣٨/ ٧٣٢ - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذَا أفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ في مَسْجِدِي هذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعن ابن الزبيرِ ﵄) هوَ عندَ الإطلاقِ يرادُ بهِ عبدَ اللَّهِ (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : صلاةٌ في مسجدي هذَا)؛ الإشارةُ تفيدُ أنهُ الموجودُ عندَ الخطابِ،

стр. 1280

فلا يدخلُ في الحكمِ ما زيدَ فيهِ (أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ)، وفي روايةٍ خيرٌ، وفي [أُخرى] (١) تعدلُ ألفَ صلاةٍ (فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ صلاةٍ في مسجدي هذَا بمائةِ صلاةٍ)، وفي لفظٍ عندَ ابن ماجهْ، وابنِ زنجويْهَ، وابنِ عساكرَ منْ حديثٍ أنسٍ (٢): "صلاةٌ في مسجدي بخمسينَ ألفِ صلاةٍ" وإسنادُه ضعيفٌ، وفي لفظِ عندَ أحمدَ منْ حديثٍ ابن عمرَ (٣): "وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ ماثةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ". وفي لفظٍ عنْ جابرٍ (٤): "أفضلُ منْ ألفِ صلاةِ فيما سواهُ"، أخرجَها أحمدُ وغيرُه (رواهُ أحمدُ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). ورَوَى الطبرانيُّ عنْ أبي الدرداءِ (٥) قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةِ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسمائةِ صلاةٍ). ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ منْ طريقِ البزارِ، [ثمَّ] (٦) قالَ (٧): هذَا إسنادٌ حسنٌ.

стр. 1281

قلتُ: فَعَلَى هذَا يُحملُ قولُه (١) في حديثٍ ابن الزبيرِ بمائةِ صلاةٍ أي منْ صلاةِ مسجدي، فتكونُ مائةَ ألفِ صلاةٍ فيتوافقُ الحديثانِ. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ (٢) ﵀: رواهُ ابنُ الزبيرِ عنْ عمرَ بن الخطابِ بسندٍ كالشمسِ في الصحةِ، ولا مخالفَ لهما منَ الصحابةِ، فصارَ كالإجماعِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ كثيرةٍ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ، وعددُهم فيما اطلعتُ عليهِ خمسةَ عشرَ صحابيًا وسردَ أسماءَهم. وهذَا الحديثُ وما في معناهُ دالٌّ على أفضليةِ المسجدينِ على غيرِهما منْ مساجدِ الأرضِ، وعلى تفاضلِهما فيما بينَهما. وقدِ اختلفتْ أعدادُ المضاعفةِ كما عرفتَ، والأكثرُ دالٌّ على عدمِ اعتبارِ مفهوم الأقلِّ والحكمُ للأكثرِ، لأنهُ صَرِيحٌ [أي منطوق] (٣)، وسبقتْ إشارةٌ إلى أن الأَفضليةَ في مسجدِه ﷺ خاصةٌ بالموجودِ في عصرهِ. قالَ النوويُّ: لقولهِ في مسجدي فالإضافةُ للعهدِ. قلتُ: ولقَولِهِ هذَا، ومثلُ ما قالَه النوويُّ منَ الاختصاصِ [نقله] (٤) المصنفُ ﵀ عن ابن عقيل الحنبليِّ. وقالَ الآخرونَ: إنهُ لا اختصاصَ للموجدِ حالَ تكلُّمِه ﷺ ، بلْ كلُّ ما زيدَ فيه داخلٌ في الفضيلة. [قالوا]: (٥) وفائدة الإضافةِ الدلالةُ على اختصاصِه دونَ غيرِه منْ مساجدِ المدينةِ، لا أنَّها للاحترازِ عما [يزيدُ] (٦) فيهِ. قلتُ: بلْ فائدةُ الإضافةِ الأمرانِ معًا. قالَ مَنْ عمَّمَ الفضيلةَ فيما زيدَ فيهِ: إنهُ يشهدُ لهذَا ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ والديلميُّ في مسندِ الفردوسِ منْ حديثٍ أبي هريرةَ (٧) مرفوعًا: "لو مُدَّ هذَا المسجدُ إلى صنعاءَ لكانَ مسجدي"، ورَوَى
следующие страницы →