← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1277–1316 · переход к 1282.

стр. 1277

العمرةَ الخروجَ منْها وإبطالُها بالكلية؛ فإنَّ الحجَّ والعمرةَ لا يصحُّ الخروجَ منْهما بعدَ الإحرامِ بهما بنيةِ الخروجِ، وإنَّما يصحُّ بالتحلُّلِ منْهما بعدَ فراغِهما. لَمْ يرمل السبع الذي أفاض فيه ٣٤/ ٧٢٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١) إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ لمْ يرملْ في السبعِ الذي أفاضَ فيهِ. رواهُ الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ، [وصحَّحَهُ الحاكمُ] (٣). فيهِ دليلٌ [على] (٤) أنهُ لا يشرعُ الرملُ الذي سلفتْ مشروعيتُه في طوافِ القدومِ في طوافِ الزيارةِ وعليه الجمهور. هل النزول بالمحصَّب من النسك ٣٥/ ٧٢٩ - وَعنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٥). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ صلَّى الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ، ثمَّ رقدَ رقدةً بالمحصَّبِ)، بالمهملتين فموحَّدَةٍ بزنةِ مُكرم اسمِ مفعولٍ، الشعبُ الذي [مخرجُه] (٦) إلى الأبطحِ، وهوَ خيفُ بني كنانةَ، (ثمَّ ركبَ إلى البيتِ فطافَ بهِ) أي طوافَ الوداعِ (رواهُ البخاريُّ)، وكانَ ذلكَ يومَ النفرِ الآخرِ، وهوَ ثالثُ أيامِ التشريقِ، فإنهُ ﷺ رَمَى الجمارَ يومَ النفرِ بعدَ الظهرِ، وأخَّرَ صلاةَ الظهرِ حتَّى وصلَ المحصبَ، ثمَّ صلَّى الصلواتِ فيهِ كما ذكرَ. واختلفَ السلفُ والخلفُ هلِ التحصيبُ سنةٌ أمْ لا؟ فقيلَ: سنَّةٌ، وقيلَ: لا، إنَّما هوَ منزلٌ نزلهُ النبيُّ ﷺ ، وقدْ

стр. 1278

فعلَه الخلفاءُ بعدَه تأسيًا بهِ ﷺ . وذهبَ ابنُ عباسٍ إلى أنهُ ليسَ منَ المناسكِ المستحبَّة، [وإلى مثله] (١) ذهبتْ عائشة كما دلَّ لهُ الحديثُ: ٣٦/ ٧٣٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذلِكَ - أي النُّزُولَ بِالأَبْطَحِ - وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لخُرُوجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح]. وهوَ قولُه: (وعنْ عائشةَ ﵂ أنَّها لم تكنْ تفعلُ ذلكَ أي النزولَ بالأبطحِ وتقولُ: إنَّما نزلهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ لأنهُ كانَ منزلًا أسمحَ لخروجهِ. رواهُ مسلمٌ)، أي: أسهلُ لخروجهِ منْ مكة راجعًا إلى المدينةِ. قيلَ: والحكمةُ في نزولهِ فيهِ إظهارُ نعمةِ اللَّهِ [عليه] (٣) باعتزازِ دينهِ، وإظهارِ كلمتِه، وظهورهِ على الدينِ كلِّه؛ فإنَّ هذَا المحلَّ هوَ الذي تقاسمتْ فيهِ قريشٌ على قطيعةِ بني هاشم، وكتبُوا صحيفةَ القطيعةِ في القصةِ المعروفةِ. وإذا كانتِ الحكمةُ هيَ هذهِ فهيَ نعمةٌ على الأمةِ أجمعينَ فينبغي نزولُه لمنْ حجَّ منَ الأمةِ إلى يومِ الدينِ. الأمر بطواف الوداع ٣٧/ ٧٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِض. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: أُمِرَ) بضمِّ الهمزةِ (الناسُ) نائبُ الفاعلِ، (أن يكونَ آخرُ عهدِهم بالبيتِ إلَّا أنهُ خفِّفَ عن الحائضِ. متفقٌ عليهِ). الآمرُ للناسِ هوَ النبيُّ ﷺ ، وكذلكَ المخففُ عن الحائضِ، وغيَّر الراوي الصيغةَ للعلمِ بالفاعلِ. وقدْ أخرجَه مسلمٌ (٥) وأحمدُ (٦) عن ابن عباسٍ بلفظِ: "كانَ الناسُ ينصرفونَ منْ كلِّ وجْهةٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : لا ينصرفُ أَحدٌ حتَّى يكونَ آخرُ عهدِه بالبيتِ"، وهوَ

стр. 1279

دليلٌ على وجوبِ طوافِ الوداعِ، وبهِ قالَ جماهيرُ السلفِ والخلفِ (١). وخالفَ الناصرُ ومالكٌ وقَالَا: لوْ كانَ واجبًا لما خفَّفَ عن الحائضِ، وأجيبَ بأنَّ التَّخْفيفَ دليلُ الإيجابِ؛ إذْ لوْ لم يكنْ واجبًا لما أُطلِقَ عليهِ لفظ التخفيفِ، والتخفيفُ عنْها دليلٌ على أنهُ لا يجبُ عليها فلا تنتظرُ الطهرَ ولا يلزمُها دمٌ بتركهِ، لأنهُ ساقطُ عنْها منْ أصلِه. ووقتُ طوافِ الوداعِ منْ ثالثِ النحرِ؛ فإنهُ يجزئُ إجماعًا، وهلْ يجزئُ قبلَه والأظهرُ عدمُ إجزائِه لأنهُ آخرُ المناسكِ. واختلفُوا إذا أقامَ بعدَه هلْ يعيدُه أمْ لا؟ قيلَ: إذا بقيَ بعدَه لشراءِ زادٍ، وصلاةِ جماعةٍ لم يعده، وقيلَ يُعيْدَهُ إذا أقام لتمريضٍ ونحوِه. وقالَ أبو حنيفةَ: لا يعيدُ ولو أقامَ شهرينِ. ثمَّ هل يُشْرَعُ في حقِّ المعتمر؟ قيلَ: لا يلزمُه لأنهُ لم يردْ إلَّا في الحجِّ. وقالَ الثوريُّ: يجبُ على المعتمرِ أيضًا وإلا لزمَه دمٌ. مضاعفة الثواب على الصلاة في المساجد الثلاث ٣٨/ ٧٣٢ - وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذَا أفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةٍ في مَسْجِدِي هذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعن ابن الزبيرِ ﵄) هوَ عندَ الإطلاقِ يرادُ بهِ عبدَ اللَّهِ (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : صلاةٌ في مسجدي هذَا)؛ الإشارةُ تفيدُ أنهُ الموجودُ عندَ الخطابِ،

стр. 1280

فلا يدخلُ في الحكمِ ما زيدَ فيهِ (أفضلُ منْ ألفِ صلاةٍ)، وفي روايةٍ خيرٌ، وفي [أُخرى] (١) تعدلُ ألفَ صلاةٍ (فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ صلاةٍ في مسجدي هذَا بمائةِ صلاةٍ)، وفي لفظٍ عندَ ابن ماجهْ، وابنِ زنجويْهَ، وابنِ عساكرَ منْ حديثٍ أنسٍ (٢): "صلاةٌ في مسجدي بخمسينَ ألفِ صلاةٍ" وإسنادُه ضعيفٌ، وفي لفظِ عندَ أحمدَ منْ حديثٍ ابن عمرَ (٣): "وصلاةٌ في المسجدِ الحرامِ أفضلُ منْ ماثةِ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ". وفي لفظٍ عنْ جابرٍ (٤): "أفضلُ منْ ألفِ صلاةِ فيما سواهُ"، أخرجَها أحمدُ وغيرُه (رواهُ أحمدُ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ). ورَوَى الطبرانيُّ عنْ أبي الدرداءِ (٥) قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الصلاةُ في المسجدِ الحرامِ بمائةِ ألفِ صلاةِ، والصلاةُ في مسجدي بألفِ صلاةٍ، والصلاةُ في بيتِ المقدسِ بخمسمائةِ صلاةٍ). ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ منْ طريقِ البزارِ، [ثمَّ] (٦) قالَ (٧): هذَا إسنادٌ حسنٌ.

стр. 1281

قلتُ: فَعَلَى هذَا يُحملُ قولُه (١) في حديثٍ ابن الزبيرِ بمائةِ صلاةٍ أي منْ صلاةِ مسجدي، فتكونُ مائةَ ألفِ صلاةٍ فيتوافقُ الحديثانِ. قالَ أبو محمدٍ بن حزمٍ (٢) ﵀: رواهُ ابنُ الزبيرِ عنْ عمرَ بن الخطابِ بسندٍ كالشمسِ في الصحةِ، ولا مخالفَ لهما منَ الصحابةِ، فصارَ كالإجماعِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ كثيرةٍ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ، وعددُهم فيما اطلعتُ عليهِ خمسةَ عشرَ صحابيًا وسردَ أسماءَهم. وهذَا الحديثُ وما في معناهُ دالٌّ على أفضليةِ المسجدينِ على غيرِهما منْ مساجدِ الأرضِ، وعلى تفاضلِهما فيما بينَهما. وقدِ اختلفتْ أعدادُ المضاعفةِ كما عرفتَ، والأكثرُ دالٌّ على عدمِ اعتبارِ مفهوم الأقلِّ والحكمُ للأكثرِ، لأنهُ صَرِيحٌ [أي منطوق] (٣)، وسبقتْ إشارةٌ إلى أن الأَفضليةَ في مسجدِه ﷺ خاصةٌ بالموجودِ في عصرهِ. قالَ النوويُّ: لقولهِ في مسجدي فالإضافةُ للعهدِ. قلتُ: ولقَولِهِ هذَا، ومثلُ ما قالَه النوويُّ منَ الاختصاصِ [نقله] (٤) المصنفُ ﵀ عن ابن عقيل الحنبليِّ. وقالَ الآخرونَ: إنهُ لا اختصاصَ للموجدِ حالَ تكلُّمِه ﷺ ، بلْ كلُّ ما زيدَ فيه داخلٌ في الفضيلة. [قالوا]: (٥) وفائدة الإضافةِ الدلالةُ على اختصاصِه دونَ غيرِه منْ مساجدِ المدينةِ، لا أنَّها للاحترازِ عما [يزيدُ] (٦) فيهِ. قلتُ: بلْ فائدةُ الإضافةِ الأمرانِ معًا. قالَ مَنْ عمَّمَ الفضيلةَ فيما زيدَ فيهِ: إنهُ يشهدُ لهذَا ما رواهُ ابنُ أبي شيبةَ والديلميُّ في مسندِ الفردوسِ منْ حديثٍ أبي هريرةَ (٧) مرفوعًا: "لو مُدَّ هذَا المسجدُ إلى صنعاءَ لكانَ مسجدي"، ورَوَى

стр. 1282

الديلميُّ مرفوعًا: "هذا مسجدي وما زيدَ فهوَ منهُ"، وفي سندِ عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ المقبريِّ، وهوَ واهٍ. وأخرجَ الديلميُّ أيضًا حديثًا آخرَ في معناهُ إلَّا أنهُ حديثٌ معضَلٌ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ [عن ابن عمرُ] (١) قالَ: "زادَ عمرُ في المسجدِ منْ شامِيِّهِ ثمَّ قالَ: لو زدْنا فيهِ حتَّى يبلغَ الجبانةَ [كانَ] (٢) مسجدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وفيهِ عبدُ العزيزِ بنُ عمران المدنيّ متروكٌ، (٣) ولا يخفَى عدمُ نهوضِ هذهِ الآثارِ، إذِ المرفوعُ معضَلٌ وغيرُه كلامُ صحابيٍّ (٤). ثمَّ هلْ تعمُّ هذهِ المضاعفةُ الفرضَ والنفلَ

стр. 1283

أو تُخَصُّ بالأولِ؟ قالَ النوويُّ (١) ﵀: إنها تَعُمُّهُما وخالفَه الطحاويُّ والمالكيةُ مستدلينَ بحديثِ: "أفضلُ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ" (٢). وقالَ المصنفُ (٣) ﵀: يمكنُ بقاءُ حديثٍ: "أفضلُ صلاةِ المرءِ" على عمومهِ فتكونُ النافلةُ في بيتهِ في مكةَ أو المدينةِ تضاعفُ على صلاتِها في البيتِ بغيرِهما وكذَا في المسجدِ، وإنْ كانتْ في البيوتِ أفضلَ مطلقًا. قلتُ: ولا يخْفى أن الكلامَ في المضاعفةِ في المسجدِ لا في البُيُوتِ في المدينةِ ومكةَ، إذْ لم تردْ فيهمَا المضاعفةُ بلْ في مسجديْهِما. وقالَ الزركشيُّ [وغيرُه] (٤): إنَّها تُضَاعفُ النافلةُ في مسجدِ المدينةِ ومكةَ، وصلاتُها في البيوتِ أفضل. قلتُ: يدلُّ لأفضليةِ النافلةِ في البيوتِ مطلقًا محافظتُه ﷺ عَلَى صلاةِ النافلةِ في بيتهِ، وما كانَ يخرجُ إلى مَسجدِه إلَّا لأداءِ الفرائضِ معَ قربِ بيتهِ منْ مسجدِه، ثمَّ هذا التضعيفُ لا يختصُّ بالصلاةِ، بلْ قالَ الغزاليُّ ﵀: كلُّ عملٍ في المدينةِ بألفٍ. وأخرجَ البيهقيُّ (٥) عنْ جابرٍ مرفوعًا: "الصلاةُ في مسجدي هذَا أفضل منْ ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرام، والجمعةُ في مسجدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ جُمُعةٍ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ، وشهرُ رمضانَ في مسجدي هذَا أفضلُ منْ ألفِ شهرِ رمضانَ فيما سواهُ إلَّا المسجدَ الحرامَ"، وعن ابن عمرَ نحوه، وقريبٌ منهُ للطبراني في الكبيرِ عنْ بلالٍ بن الحارثِ. * * *

стр. 1284

[الباب السادس] باب الفوات والإحصار الحصرُ: المنعُ، قالهُ أكثرُ أئمةِ اللغةِ، والإحصارُ: هوَ الذي يكونُ بالمرضِ والعجزِ والخوفِ ونحوِها؛ [فإذا] (١) كانَ بالعدوِّ قيلَ لهُ الحصرُ، وقيلَ: هما بمعنَى واحدٍ. ماذا يصنع المحصَر ١/ ٧٣٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (عن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قدْ أُحصِرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فحلقَ وجامعَ نساءَه، ونحرَ هديَهُ حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا. رواه البخاريُّ)، اختلفَ العلماءُ بماذا يكونُ الإحصار، فقالَ الأكثرُ: يكونُ منْ كلِّ حابسٍ يحبسُ الحاجَّ منْ عدوٍّ ومرضٍ وغيرِ ذلكَ، حتَّى أفتَى ابنُ مسعودٍ رجلًا لُدِغَ بأنهُ محصرٌ، وإليهِ ذهبَ طوائفُ منَ العلماءِ، منْهم الهادويةُ، والحنفيةُ. وقالُوا: إنهُ يكونُ بالمرضِ، [والكسر] (٣)، والخوفِ، وهذهِ منصوصٌ عليْها. ويقاسُ عليْها سائرُ الأعذارِ المانعةِ، ويدلُّ عليهِ عمومُ قولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (٤) الآيةَ، وإنْ كانَ سَبَبُ نزولها إحصارُ النبيِّ ﷺ بالعدوِّ فالعامُّ لا يقصرُ على سببهِ، وفيهِ ثلاثةُ أقوالٍ أُخَرُ. أحدُها: أنهُ خاصٌّ به ﷺ ، وأنهُ لا حصرَ بعدَه.

стр. 1285

والثاني: أنهُ خاصٌّ بمثلِ ما اتفقَ لهُ ﷺ فلا يُلْحَقُ بهِ إلَّا مَنْ أحصرهُ عدوٌّ كافرٌ. الثالثُ: أن الإحصارَ لا يكونُ إلَّا بالعدوِّ كافرًا كان أو باغيًا، والقولُ المصدرُ هوَ أقْوى الأقوالِ، وليسَ في غيرِه منَ الأقوالِ إلَّا آثارٌ وفتاوى للصحابةِ. هذا وقدْ تقدَّمَ حديثُ البخاريِّ، وأنهُ ﷺ نحرَ قبلَ أنْ يحلقَ وذلكَ في قصةِ الحديبيةِ. قالُوا: وحديثُ ابن عباسٍ هذَا لا يقتضي الترتيبَ كما عرفتَ، ولم يقصدْه ابنُ عباسٍ إنَّما قصدَ وصْفَ ما وقعَ منْ غيرِ نظرٍ إلى ترتيبٍ. وقولُه: "ونحرَ هديَه" هوَ إخبارٌ بأنهُ كانَ معهُ ﷺ هديٌ نحرَهُ هنالكَ، ولا يدلُّ كلامُه على إيجابِه. وقدِ اختلفَ العلماءُ في وجوبِ الهدي على المحصرِ، فذهبَ الأكثرُ إلى وجوبِه، وخالفَ مالكٌ فقالَ: لا يجبُ والحقُّ معَه، فإنهُ لم يكنْ معَ كلِّ المحصرينَ هديٌ، وهذَا الهديُ الذي كانَ معهُ ﷺ ساقَه مني المدينةِ متنقلًا به، وهوَ الذي أراده اللَّهُ تعالى بقولِه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) والآيةُ لا تدلُّ على الإيجابِ أعني قولَه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢)، وحقَّقناهُ في منحةِ الغفارِ حاشيةِ ضوءِ النهارِ (٣). وقولُه: "حتَّى اعتمرَ عامًا قابلًا"، قيلَ: إنهُ يدلُّ على إيجابِ القضاءِ على مَنْ أُحصِرَ، والمرادُ مَنْ أُحْصِرَ عن النفلِ، وأما مَنْ أُحصِرَ عنْ واجبِه منْ حجٍّ أوْ عمرةٍ فلا كلامَ أنهُ يجبُ عليهِ الإتيانُ بالواجبِ إنْ مُنِعَ منْ أدائهِ، والحقُّ أنهُ لا دلالةَ في كلامِ ابن عبّاسٍ على إيجابِ القضاءِ، فانَّ ظاهرَ ما فيه أنهُ أخبرَ أنهُ ﷺ اعتمرَ عامًا قابلًا ولا كلامَ أنهُ ﷺ اعتمرَ في عامِ القضاءِ، ولكنَّها عمرةٌ أُخْرى ليستْ قضاءً عنْ عمرةِ الحديبيةِ. أخرجَ مالكٌ بلاغًا (٤): "أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هوَ وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحرُوا الهدي، وحلقُوا رؤوسَهم، وحلُّوا منْ كلِّ شيءٍ قبلَ أنْ يطوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أنْ يصلَ إليهِ الهدْيُ"، ثمَّ لم يعلمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمرَ أحدًا منْ أصحابِه ولا ممنْ كانَ معهُ يقضُون شيئًا، ولا أنْ يعودُوا لشيءٍ، وقالَ الشافعيُّ: فحيثُ أُحْصِرَ ذَبَحَ وحلَّ ولا قضاءَ عليهِ منْ قِبَلِ أن الله تعالى لم يذكرْ قضاءً، ثمَّ قالَ:

стр. 1286

لأنا علمْنا منْ تواطؤِ أحاديثِهم أنهُ كانَ معهُ ﷺ في عامِ الحديبيةِ رجالٌ معروفونَ، ثمَّ اعتمرُوا عمرةَ القضاء، فتخلَّفَ بعضُهم في المدينةِ منْ غيرِ ضرورةٍ في نفسٍ ولا مالٍ، ولو لزمَهمْ القضاءُ لأمرَهمْ بأنْ لا يتخلَّفُوا عنهُ، وقالَ: إنما سمِّيتْ عمرةَ القضاءِ والقضيةُ للمقاضاةِ التي وقعتْ بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ قريشٍ، لا على أنهُ واجبٌ قضاءُ تلكَ العمرةِ. وقولُ ابن عباسٍ: "ونحرَ هديَهُ"، اختلفَ العلماءُ هلْ نحرَه يومَ الحديبيةِ في الحلِّ أو في الحرمِ؟ وظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) أنَّهم نحروه في الحلِّ، وفي محلِّ نحرِ الهدي للمحصَرِ أقوالٌ: الأول: للجمهورِ، أنهُ يذبحُ هديهُ حيثُ يحلُّ في حلٍّ أو حَرَمٍ. الثاني: للهادوية والحنفيةِ، أنهُ لا ينحرهُ إلَّا في الحرمِ. الثالثِ: لابنِ عباسٍ وجماعةٍ، أنهُ إنْ كانَ يستطيعُ البعثَ بهِ إلى الحرمِ وجبَ عليهِ، ولا يحلُّ حتَّى ينحرَ في محلِّه، وإنْ كانَ لا يستطيعُ البعثَ بهِ إلى الحرم نحرَه في محلِّ إحصارِه. وقيلَ إنهُ نحرَه في طرفِ الحديبيةِ وهوَ منَ الحرمِ، والأولُ أَظهرُ. الاشتراط في الحج ٢/ ٧٣٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِني أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَن مَحَلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلَ النبيُّ ﷺ على ضُباعةَ)، بضمِّ الضادِ المعجمةِ، ثمَّ موحَّدةٌ مخفَّفةٌ (بنتِ الزبير بن عبدِ المطلبِ) بن هاشمِ بن عبدِ منافٍ بنتِ عمِّ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، تزوَّجَها المقدادُ بنُ عمرو فولَدتْ لهُ عبدَ اللَّهِ وكريمةَ، رَوَى عنْها

стр. 1287

ابنُ عباسٍ، وعائشةُ وغيرُهما، قالهُ ابنُ الأثيرِ في الجامعِ الكبيرِ (فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أريدُ الحجَّ وأنا شاكيةٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : حُجِّي واشترطِي أن محلِّي حيثُ حبسْتَني. متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أن المحرِمَ إذا اشترطَ في إحرامِه ثمَّ عرضَ لهُ المرضُ، فإنَّ لهُ أنْ يتحلَّلَ، وإليهِ ذهبَ طائفةٌ منَ الصحابةِ والتابعينَ، ومنْ أئمةِ المذاهبِ أحمدُ وإسحاقُ، وهوَ الصحيحُ منْ مذهبِ الشافعيِّ، ومَنْ قالَ إنَّ عذرَ الإحصارِ يدخلُ فيهِ المرضُ قالَ: يصيرُ المريضُ محصرًا لهُ حكْمُه. وظاهرُ هذا الحديثِ أنهُ لا يصيرُ مُحْصَرًا بلْ يحلُّ حيثُ حصرَهُ المرضُ، ولا يلزمُه ما يلزمُ المحصرَ من هدي ولا غيرِه. وقالَ طائفةٌ منَ الفقهاءِ: إنَّهُ لا يصحُّ الاشتراطُ ولا حكمَ لهُ، قالُوا: وحديثُ ضباعةَ قصةُ عيني موقوفةٌ [مَرْجُوحَةٌ] (١)، أو منسوخةٌ، أو أن الحديثَ ضعيفٌ، وكلُّ ذلكَ مردودٌ؛ إذِ الأصلُ عدمُ الخصوصيةِ، وعدمُ النسخِ. والحديثُ ثابتٌ في الصحيحين، وسننِ أبي داودَ، والترمذيِّ، والنسائيُّ، وسائرِ كتبِ الحديثِ (٢) المعتمدةِ منْ طرقٍ متعددة، بأسانيدَ كثيرةٍ، عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ. ودلَّ مفهومُ الحديثِ أن مَنْ لم يشترطْ في إحرامهِ فليسَ لهُ التحلُّلُ، ويصيرُ مُحصَرًا لهُ حكمُ المحصرِ على ما هوَ الصوابَ على أن الإحصارَ يكونُ بغيرِ العدوِّ. ماذا يعمل من قام به مانع من الاستمرار في الحج ٣/ ٧٣٥ - وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ كُسِرَ، أَوْ عَرِجَ، فَقَدْ حَل وَعَلَيهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ"، قَالَ عِكْرِمَةُ: فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ ذلِكَ فَقَالَا: صَدَقَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ (٣). [صحيح]

стр. 1288

(وعنْ عكرمةَ) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ عكرمةُ مولَى عبدِ اللَّهِ بن عباسٍ أصلُه منَ البربرِ، سمع منِ ابن عباسٍ، وعائشةَ، وأبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ وغيرِهم، ونُسِبَ إليه أنهُ يَرَى رأَيَ الخوارج. وقدْ أطالَ المصنفُ في ترجمتهِ في مقدمةِ الفتحِ (١)، وأطالَ الذهبيُّ فيهِ في الميزانِ (٢)، والأكثرونَ على اطِّراحِه وعدمِ قَبولِه، (عن الحجاجِ بن عمرِو) بن أبي غَزِيَّةَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، وكسرِ الزاي، وتشديدِ المثناةِ التحتية (الأنصاريِّ ﵁) المازنيِّ نسبةً إلى جدِّهِ مازنِ بن النجارِ، قالَ البخاري (٣): لهُ صحبةٌ رَوَى عنهُ حديثينِ هذَا أحدُهما، (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كُسِرَ) مغير صيغةٍ (أو عَرِجَ) بفتحِ المهملةِ وكسرِ الراء وهوَ محرمٌ لقولِه: (فقدْ حلَّ وعليهِ الحجُّ منْ قابِلٍ) إذَا لم يكنْ قدْ أَتَى بالفريضةِ (قالَ عكرمةُ: فسألتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ ﵄ عن ذلكَ فقالا: صدقَ) في إخبارهِ عن النبيِّ ﷺ (رواهُ الخمسةُ، وحسَّنه الترمذيُّ). والحديثُ دليلٌ على أن مَنْ أحرمَ فأصابهُ مانعٌ منْ مرضٍ مثلُ ما ذكرَهُ أو غيرُه فانهُ بمجرَّدِ حصولِ ذلكَ المانعِ يصيرُ حلالًا، [وإن لم يشترط ولا يصير محصَرًا، والمراد بقوله: "فقد حلَّ"، أي: أبيح له ذلك، وصار حلالًا] (٤)؛ فأفادتِ الثلاثةُ الأحاديثِ أن المحرمَ يخرجُ عنْ [إحرامه] (٥) بأحدِ ثلاثةِ أمورٍ، إما بالإحصارِ بأي مانعٍ كانَ، أو بالاشتراط، أو بحصولِ ما ذكرَ منْ حادثِ كسرٍ أو عَرَجٍ، وهذا فيمنْ أُحْصِرَ وفاتَه [الحجُّ] (٦)، وأما

стр. 1289

مَنْ فاتهُ الحجُّ لغيرِ إحصارٍ فإنهُ اختلفَ العلماءُ في حكمهِ؛ فذهبَ الهادويةُ وآخرونَ إلى أنهُ يتحلَّلُ بإحرامهِ الذي أحرمَهُ للحجِّ بعمرةٍ. وعنِ الأسودِ قالَ: "سألتُ عمرَ عمَّنْ فاتهُ الحجُّ وقدْ أحرمَ بهِ فقالَ: يهلُّ بعمرةٍ وعليه الحجُّ منْ قابلٍ، ثم لقيتُ زيدَ بنَ ثابتٍ فسألتُه فقالَ مثلَه"، أخرجَهما البيهقيُّ (١)، وقيلَ: يهلُّ بعمرةٍ ويستأنفُ لها إحرامًا آخر. وقالتِ الهادويةُ: ويجبُ عليهِ دمٌ لفواتِ الحجِّ. وقالتِ الشافعيةُ والحنفيةُ: لا يجبُ عليهِ؛ إذْ يُشْرَعُ لهُ التحلُّلُ وقد تحلَّلَ بعمرةٍ، والأظهرُ ما قالُوه لعدمِ الدليلِ على [الإيجابِ] (٢) واللَّهُ أعلمُ. تمَّ الجزءُ الثاني ويليهِ إنْ شاء اللَّهُ الجزءُ الثالثُ وأولُه كتابُ البيوعِ. [قال في الأم ما لفظه قال في الأم حاكيًا عن الأم نجز النصف الأول من سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام، قال مؤلِّفه قدس الله روحه في أعلى عِلِّيين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين: وكان الفراغ من تسويده صبيحة يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الآخر سنة اثنتين وستين ومائة وألف سنة؟ وكان الفراغ من هذا النصف نهار الثلاثاء لعله ٢٠ شهر محرَّم الحرام سنة ١٣١٧] (٣). [نجز تحريرًا النصف الأول من سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام. قال مؤلفه قدس الله روحه في أعلى علِّيين مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين. وكان الفراغ من تسويده صبيحة يوم الأحد الثاني من شهر جمادى الأخرى سنة اثنتين وستين ومائة وألف سنة. وكان الفراغ من تحرير هذه النسخة العظيمة نفع الله بها في يوم السبت بعد العصر لعله خامس وعشرون من جمادى الآخرة ستة ١٢٠٩ بقلم الفقير إلى الله تعالى علي بن محسن أحمد المعافى عفا الله عنهم، وذلك بعناية القاضي الأجل

стр. 1290

عن الهدى محمد أحمد قاطن غفر الله لنا ولهم جميعًا، كل ذلك بحمد الله وتوفيقه ومنِّه وعونه، فللَّه الحمد حمدًا كثيرًا مباركًا فيه وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله. ورضي الله عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. آمين] (١). تمَّ بحمد الله المجلد الرابع من "سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" ولله الحمد والمنَّة ويليه المجلد الخامس وأوله [كتاب البيوع] الكتاب السابع * * *

стр. 1291

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ للَّهِ الذي أحلَّ لعبادِهِ البيعَ والشِّرا، وحرَّمَ عليهمُ المكاسبَ الخبيثةَ والرِّبا. والصلاةُ والسلامُ على مَنْ عرَّفَ الأمةَ الأحكامَ، وأبانَ لهم مناهجَ الحلالِ والحرامِ، وعلى آلهِ الذينَ شَرَوْا غُرَفَ دارِ السلامِ بطاعةِ مولاهُم في كلِّ مرامٍ. (وبعدُ)، فقدْ أعانَ اللَّهُ ولهُ الحمدُ بتمامِ الجزءِ الأولِ منْ شرحِ بلوغِ المرامِ، وها نحنُ آخِذونَ فِي شرحِ الجزءِ الثانِي ونسألُ مِنَ اللَّهِ الإعانةَ والتمامَ (١)، قالَ المصنفُ رحمهُ اللَّهُ تعالَى: [الكتاب السابع] كتاب البيوع اعلمْ أنَّ الحكمةَ فِي شرعيةِ البيعِ كما قالهُ المصنفُ فِي فتح الباري (٢) أن حاجةَ الإنسانِ تتعلَّقُ بما في يدِ صاحبهِ غالبًا، وصاحبُه قدْ لا يبذُلهُ، ففِي شرعيةِ البيعِ وسيلةٌ إلى بلوغِ الغرضِ منْ غيرِ حرجٍ، انتَهى. وإنَّما جمعُه دلالةً على اختلافِ أنواعِه، وهي ثمانيةٌ (٣)، [ولفظةُ] (٤) البيعِ والشراءِ يطلقُ كلٌّ منْهما على ما يُطْلَقُ عليهِ الآخرُ، فَهُمَا منَ الألفاظِ المشتركةِ بينَ المعانِي المتضادة. وحقيقةُ البيعِ لغةً تمليكُ مالٍ بمالٍ، وزادَ فيهِ الشرعُ قيدَ التراضي. وقيلَ: هوَ إيجابٌ وقَبولٌ في مالَينِ ليسَ فيهما معنَى التبرُّعِ، فتخرجُ المعطاةُ. وقيلَ: مبادلةُ مالٍ بمالٍ [لا] (٥) على وجْهِ التبرع، فتدخلُ فيهِ المعاطاةُ.

стр. 1292

والدليلُ على اشتراطِ الإيجابِ والقبولِ أنهُ تعالى قال: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (١). وأخرجَ ابن حبانَ (٢)، وابنُ ماجه (٣) عنهُ ﷺ : "إنَّما البيعُ عنْ تراضٍ". ولما كانَ الرِّضَا أمرًا خفيًّا لا يُطَّلَعُ عليهِ وجبَ تعلُّقُ الحكمِ بسببٍ ظاهرٍ يدلُّ عليه، وهوَ الصيغةُ، ولا بدَّ أنْ يكونَ على صيغةِ الجزمِ [لفظُها] (٤) لتتمَّ معرفةُ الرِّضا. وقد استُثني المحقَّرُ منْ ذلكَ لجري عادةِ المسلمينَ بالدخولِ فيه منْ غيرِ لفظٍ، وهذا عندَ الجماهيرِ منْ علماءِ الأمةِ، وذهبَت الشافعيةُ إلى أنهُ لا بدَّ منَ اللفظينِ كغيرهِ، وقدِ اختارَ النوويُّ (٥) وأكثرُ المتأخرينَ منَ الشافعيةِ عدمَ اشتراطِ العقدِ في المحقَّرِ. والمحقَّرُ ما دونَ رُبْعِ المثقالِ، وقيلَ: التافهُ منَ البقولِ والرّطَبِ والخبزِ، وقيلَ: ما دونَ نصابِ السرقة. والأشبهُ اتباعُ العُرْفِ. ثمَّ الحق أنه لم [يتمَّ] (٦) دليلٌ على اشتراطِ الإيجابِ والقبولِ، بلْ حقيقةُ البيع المبادلةُ الصادرةُ عنْ تراضٍ كما أفادتِ الآيةُ والحديثُ. نعمْ الرِّضا أمرٌ خفيٌّ يناطُ بقرائنَ، منها: الإيجابُ والقبولُ، ولا ينحصرُ فيهما بلْ متَى انسلختِ النفسُ عن المبيعِ والثمنِ بأيِّ لفظٍ كانَ. وعلى هَذَا معاملاتُ الناس قديمًا وحديثًا إلَّا منْ عرفَ المذاهبَ وخافَ نقضَ الحاكمِ للبيعِ لاحظَ الإيجابَ والقبولَ. * * *

стр. 1293

[الباب الأول] باب شروطه وما نهى عنه [يعني بالشروطِ] (١) شروطَ البيعِ. والشرطُ في عرفِ الفقهاءِ ما يلزمُ منْ عدمهِ عدمُ حكمٍ أو سببٍ، سواءٌ عُلِّقَ بكلمةِ شرطِ أَوْ لا، ولهُ في عرفِ النحاةِ معنًى آخر. وقدْ جعلُوا شروطَ البيع أنواعًا منْها في العاقدِ، وهوَ أنْ يكونَ عاقلًا مميِّزًا، ومنْها [أن يكون] (٢) في الآلةِ وهوَ أنْ يكونَ بلفظِ الماضي، ومنْها في المحلِّ، وهوَ أنْ يكونَ مالًا متقوَّمًا وأن يكونَ مقدورَ التسليمِ، ومنها التراضِي، ومنْها شرطُ النفاذِ وهوَ الملكُ أو الولايةُ. وقولُه: (وما نهى عنه)، أي: منَ البيوعِ. وستأتِي الأحاديثُ في الذي نُهِي عنْ بيعهِ (٣). أفضل الكسب ١/ ٧٣٦ - عَنْ رِفَاعَةَ بِنِ رَافعٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: "عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيعٍ مَبْرُورِ)، رَوَاهُ الْبَزَّارُ (٤)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٥). [صحيح بشواهده]

стр. 1294

(عنْ رفاعةَ بن رافعِ) (١) ﵁ هوَ زُرْقِيٌّ أنصارِيُّ شهدَ بدرًا، وأبوهُ رافعُ أحدُ النقباءِ الإثنَى عشرَ، وكانَ أولَ منْ قدمَ المدينةَ بسورةِ يوسفَ، وشهدَ رفاعةُ المشاهدَ كلَّها، وشهدَ معَ عليٍّ ﵁ الجملَ وصفِّينَ، توفِّيَ أولَ زمنِ معاويةَ. (أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُّ الكسبِ أطيبُ؟ قالَ: عملُ الرجلِ بيدهِ)، ومثلُه المرأةُ: (وكلُّ بيعٍ مبرورٍ)، وهوَ ما خلصَ عن اليمينِ الفاجرةِ [لتنفيق] (٢) السلعةِ، وعنِ الغشِّ فِي المعاملةِ، (رواهُ البزارُ، وصحَّحه الحاكمُ)، ورواهُ المصنفُ في التلخيصِ عنْ رافعِ بن خديجٍ (٣)، ومثلَه في المشكاةِ (٤)، وعزاهُ لأحمدَ، وأخرجهُ السيوطيُّ في الجامعِ (٥) عنْ رافعٍ أيضًا، ذكرهَ فِي مسندهِ. قيلَ: ويحتملُ أنهُ أُرِيدَ برفاعةَ رفاعةُ بنُ رافعٍ بن خديجٍ، فقدْ رواهُ الطبرانِيُّ (٦) عنْ عبايةَ بن رافعٍ بن خديجٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ. وعبايةُ هو ابنُ رفاعةَ بن رافعِ بن خديجٍ فيكونُ سقطَ على

стр. 1295

المصنفِ [قولُه] (١) عنْ أبيه. والحديثُ دليل على تقريرِ ما جُبِلَتْ عليهِ الطبائعُ منْ طلبِ المكاسبِ، وإنمَّا سُئِلَ ﷺ عنْ أطيبها أي أحلِّها وأبركِها. وتقديمُ عملِ اليدِ على البيعِ المبرورِ دالٌ على أنهُ الأفضلُ، ويدلُّ لهُ [أيضًا] (٢) حديثُ البخاريِّ الآتي، ودلَّ على أطيبيةِ التجارةِ الموصوفةِ. وللعلماءِ خلافٌ في [أفضل] (٣) المكاسبِ. قالَ الماورديُّ (٤): أصولُ المكاسبِ الزراعةُ والتجارةُ والصنعةُ، قالَ: والأشبهُ بمذهبِ الشافعيِّ أن أطيبَهَا التجارةُ. قالَ: والأرجحُ عندي أن أطْيَبَها الزراعةُ، لأنهَا أَقربُ إلى التوكلِ، وتعقِّبَ بما أخرجَهُ البخاريُّ (٥) مِنْ حديثِ المقدامِ مرفوعًا: (ما أكلَ أحدٌ طعامًا خيرًا منْ أنْ يأكلَ منْ عملِ يدهِ، وإنَّ نبيَّ اللَّهِ داودَ كانَ يأكلُ من عملِ يدهِ)، قال النوويُّ (٦): والصواب أن أطيبَ المكاسبِ ما كانَ بعملِ اليدِ، وإنْ كانَ زراعةً فهوَ أطيبُ المكاسبِ لما يشتملُ عليهِ منْ كونهِ عملَ اليد، [ولما فيهِ منَ التوكلِ] (٧)، ولما فيهِ من النفعِ العامِّ للآدمِيِّ وللدوابِّ [وللطير] (٨). قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ ﵀ (٩): وفوقَ ذلكَ ما يكسبُ منْ أموالِ الكفارِ بالجهادِ وهوَ مكسبُ النبيِّ ﷺ وهوَ أشرفُ المكاسبِ لما فيهِ منْ إعلاءِ كلمةِ اللَّهِ تعالى وحده، انتَهى. قيلَ: وهوَ داخلٌ في كسبِ اليدِ. حكم بيع المحرَّمات ٢/ ٧٣٧ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالأَصْنَامِ)، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحَومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: (لا، هُوَ حَرَامٌ)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1296

عِنْدَ ذَلِكَ: (قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِن اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ أنهُ سمعَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ عامَ الفتحِ)، كانَ الفتحُ فِي رمضانَ سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ، (وهوَ بمكةَ: إنَّ اللَّهَ ورسولَه حَرَّمَ)، وقع في روايةِ الصحيحين هكَذا بإفرادِ الضمير، وفي بعض الطرق: إنَّ الله حرَّم، وفي روايةٍ في غيرهما: إنَّ اللَّهَ ورسولَه حرَّما. وتقدَّمَ وجْهُ الكلامِ على جمْعِ الضميرينِ في بابِ الآنيةِ (٢)، (بيعَ الخمرِ والمَيتةِ) بفتحِ الميمِ ما زالتْ عنهُ الحياةُ لا بذكاةٍ شرعيةٍ، (والخنزيرِ والأصنامِ) قالَ الجوِهريُّ (٣): هوَ الوثنُ، وقالَ غيرهُ: الوثنُ ما لَهُ جثةٌ، والصنمُ ما كانَ مصوَّرًا (فقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ شحومَ الميتةِ؛ فإنَّها تُطْلَى بها السفنُ، وتُدْهَنُ بها الجلودُ، ويستصبحُ بها الناس، [فقال] (٤): لا، هوَ حرامٌ. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: قاتلَ الله اليهودَ إنَّ اللَّهَ لما حرَّمَ عليهم شحومَها جَمَلُوه) بفتح الجيمِ والميمِ، أي: أذابوهُ، (ثمَّ باعُوه [فأكلوا] (٥) ثمنه. متفقٌ عليه). في الحديثِ دليل على تحريمِ [بيع] (٦) ما ذكرَ قبلُ. والعلةُ في تحريم بيعِ الثلاثةِ الأُوَلِ هيَ النجاسةُ، ولكنَّ الأدلةَ على نجاسةِ الخمرِ غيرُ ناهضةٍ، وكذا نجاسةُ الميتةِ والخنزيرِ، فمنْ جعلَ العلةَ النجاسةَ عدَّى الحكمَ [إلى] (٧) تحريم بيعِ كلِّ نجسٍ. وقالَ جماعةٌ: يجوزُ بيعُ الأزبالِ النجسةِ، وقيلَ يجوزُ ذلكَ للمشتري دونَ البائعِ، لاحتياجِ المشتري دونَه، وهي علةٌ عليلةٌ، وهذا كلُّه عندَ مَنْ جعلَ العلةَ النجاسةَ. والأظهرُ أنهُ لا ينهضُ دليل على التعليلِ بذلكَ، بلِ العلةُ التحريم، ولذَا قالَ ﷺ : لما حُرِّمتْ عليهمْ الشحومُ فجعلَ العلةَ نفسَ التحريم ولمْ يذكرْ علةً. هذَا ولا يدخلُ في الميتةِ شعرُها وصوفُها وَوَبَرُها، لأنَّها لا تحلُّها الحياةُ،

стр. 1297

[ولا] (١) يصدقُ [عليها] (٢) اسمُ الميتةِ. وقيلَ: إنَّ الشعورَ متنجسةٌ وتطهرُ بالغسلِ، وجوازُ بيعها مذهبُ الجمهورِ، وقيلَ إلا [من] (٣) الثلاثةَ (٤) التي هي نجسةُ الذاتِ. وأما علةُ تحريم (٥) بيعِ الأصنامِ فقيلَ: [لأنها لا منفعةَ] (٦) فيها مباحةٌ، وقيلَ إنْ كانتْ بحيثُ إذا كُسِرَتِ انتُفِعَ بأَكسارِها جازَ بيعُها، والأَوْلَى أنْ يُقَالَ لا يجوزُ بيعُها وهيَ أصنامٌ للنهي، ويجوزُ بيعُ كُسَرِها إذْ [هيَ] (٧) ليستْ بأصنامٍ، ولا وجْهَ لمنعِ بيعِ [الأكسارِ] (٨) أصلًا. ولما أطلقَ ﷺ تحريمَ بيعِ الميتةِ جوَّزَ السامعُ أنهُ قدْ يخصُّ منَ العامِّ بعضَ ما يصدقُ عليهِ فقالَ السائلُ: أرأيتَ شحومَ الميتةِ [بأنه] (٩) ذكرَ لها ثلاثَ منافعَ أي: أخبرْني عن الشحومِ هلْ تُخَصُّ منَ التحريمِ لِنفعها أمْ لا؟ فأجابَ ﷺ أنهُ حرامٌ، فأبانَ لهُ أنها غيرُ خارجةٍ عن الحكم، والضمير [في قولهِ هوَ حرامٌ] (١٠) يحتملُ أنهُ للبيعِ، أي بيعُ الشحوم حرامٌ، وهذا هوَ الأظهرُ، لأنَّ الكلامَ مسوقٌ لهُ، ولأنهُ قدْ أخْرَجَ الحديثَ أحمدُ (١١) وفيهِ: فما تَرَى في بيعِ شحومِ الميتةِ - الحديثَ. ويُحْتَمَلُ أنهُ للانتفاعِ المدلولِ عليهِ بقولهِ: فإنَّهَا تُطْلَى بها السفنُ إلى آخرِهِ، وحملَه الأكثرُ عليهِ فقالُوا: لا يُنْتَفَعُ منَ الميتةِ بشيء إلَّا بجلدِها إذا دُبغَ لدليلهِ الذي مَضَى في أولِ (١٢) الكتابِ؛ فهوَ يخصُّ هذا العمومَ، وهوَ مبنيٌّ على عَوْدِ الضميرِ إلى الانتفاعِ، ومَنْ قالَ: الضميرُ يعودُ إلي البيعِ استدلَّ بالإجماعِ على جوازِ إطعامِ الميتةِ الكلابَ ولو كانت كلابَ الصيدِ لمن ينتفع بها، وقد عرفتَ أن الأقربَ عَوْدُ الضميرِ إلى البيعِ، فيجوزُ الانتفاعُ بالنجسِ مطلقًا [وتحريم] (١٣) بيعه لما عرفت، ويزيدُه قوةً قولُه في ذمِّ اليهودِ: إنَّهم جملُوا الشحمَ

стр. 1298

ثمَّ باعوهُ وأكلُوا ثمنَه، فإنهُ ظاهرٌ في توجُّهِ النهي إلى البيعِ الذي ترتَّبَ عليهِ أكلُ الثمنِ، وإذا كانَ التحريمُ للبيعِ جازَ الانتفاعُ بشحومِ الميتةِ، والأدهانِ المتنجسةِ في كلِّ شيءٍ غيرَ أكلِ الآدمي، ودهنِ بدنهِ، فيحرمانِ كحرمةِ أكلِ الميتةِ، والترطبِ بالنجاسةِ، وجازَ إطعامُ شحومِ الميتةِ الكلابَ، وإطعامُ العسلِ المتنجسِ النحلَ، [وإطعامهُ] (١) الدوابَّ، وجوازُ جميعِ ذلكَ مذهبُ الشافعيِّ (٢)، ونقلَه القاضي عياضُ عنْ مالكٍ وأكثرِ أصحابِه، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، والليثِ. ويؤيدُ جوازَ الانتفاعِ ما رواهُ الطحاوِيُّ (٣) أنهُ ﷺ سُئل عنْ فأرةٍ وقعتْ في سمنٍ فقالَ: إنْ كانَ جامدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كانَ مائعًا فاستصبحُوا بهِ وانتفِعُوا بهِ. قالَ الطحاويُّ: إنَّ رجالَه ثقاتٌ، وَرُوِيَ ذلكَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ منْهم عليٌّ (٤) ﵁ وابن عمرَ (٥)، وأبو موسى (٦)، وجماعةٌ منَ التابعين منهم القاسمُ بنُ محمدٍ وسالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وهذا هوَ الواضحُ دليلًا. وأما التفرقةُ بينَ الاستهلاكاتِ وغيرِها فلا دليلَ لها بلْ هوَ رأيٌ محضٌ، وأما المتنجسُ فإنْ كانَ يمكنُ تطهيرهُ فلا كلامَ في جوازِ بيعهِ، وإنْ [كانَ لا يمكنُ] (٧) فيحرمُ بيعُه. [قالتْهُ] (٨) الهادويةُ وابنُ حنبلٍ (٩). وفي الحديثِ دليل على أنهُ إذا حَرُمَ بيعُ شيءٍ حَرُمَ ثمنُه، وأنَّ كلَّ حيلة يُتَوَصَّلُ بها إلى تحليلِ محرَّمٍ فهِيَ باطلةٌ. اختلاف المتبايعين ٣/ ٧٣٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا يَقُولُ

стр. 1299

رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ). رَوَاهُ الخَمْسَة (١)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [صحيح] (وعن ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: إذا اختلفَ المتبايعان)، وفي روايةِ: البيِّعانِ، (وليسَ بينَهما بيِّنةٌ فالقولُ ما يقولُ ربُّ السلعةِ، [أوْ] (٣) يتتاركانِ)، وفي روايةٍ: يترادَّانِ، زادَ ابنُ ماجهْ (٤) في روايتهِ: والمبيعُ قائمٌ بعينهِ. ولأحمدَ (٥): والسلعةُ كما هيَ. وأمَّا روايةُ (٦): والمبيعُ مُسْتَهْلَكٌ فهي مضعَّفةٌ (رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الحاكمُ). وللعلماءِ كلامٌ كثيرٌ على (٧) صحةِ الحديثِ. قال ابن عبد البر في (الاستذكار): إنَّهُ حديثٌ منقطع لا يكاد يتصل، وإن كان الفقهاءُ قد عَمِلوا بهِ، كُلٌّ على مذهبه الذي تأوله فيه، ثم ذكر طرقه، وأبان ما فيها من الانقطاع، وهوَ دليل على أنهُ إذا وقعَ [اختلافٌ] (٨) بينَ البائعِ والمشتري في الثمنِ أو المبيعِ أوْ في شرطٍ منْ شروطِهمِا، فالقولُ قولُ البائعِ معَ يمينِه لما عُرِفَ منَ القواعدِ الشرعيةِ أن مَنْ كانَ القولُ قولَه فعليه اليَمينُ، وللعلماءِ في هذا الحكمِ الذي أفادهُ الحديثُ ثلاثةُ أقوال: الأولُ للهادي: أن القولَ قولُ البائعِ مطلقًا، وهوَ ظاهرُ حديث الباب. الثاني للفقهاءِ: أنَّهما يتحالفانِ ويترادَّان المبيعَ. والثالث: فيه تفصيلٌ وفرْقٌ بينَ الاختلافِ في النوع، أو الجنسِ، أو الصفةِ، وبينَ غيرها، وهوَ تفصيل بلا دليلٍ مُسْتَوفَى في كتبِ الفروعِ، ونَقَلَهُ في الشرح، ويعني بالتحالفِ [أَنْ] (٩) يحلفَ البائعُ ما بعتُ منكَ كذا، ويحلفُ المشتري ما

стр. 1300

اشتريتُ منكَ كَذَا. وقيلَ غيرُ ذلكَ. والوجهُ في التحالفِ أن كلَّ واحدٍ مدَّعى عليه [فتجبُ] (١) على كلِّ واحدٍ منْهما اليمينُ لنفي ما ادُّعيَ عليهِ، وهذَ مفهومٌ منْ قولهِ ﷺ : (البيِّنةُ على المدَّعِي واليمينُ على المُنْكِرِ) (٢). والحاصلُ أَنَّ هَذا حديثٌ مطلقٌ مقيدٌ بأدلةِ بابِ الدعاوى، وسيأتي (٣). النهي عن ثمن الكلبِ ومهر البَغي وحلوان الكاهن ٤/ ٧٣٩ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى: (عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عنْ ثمنِ الكلبِ، [ومهرِ البغيِّ]) (٥) بفتح الموحدةِ، وكسرِ الغينِ المعجمةِ، وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ أُرْيدَ بها الزانيةُ، (وحُلوانِ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ (الكاهنِ. متفقٌ عليهِ). والأصلُ في النَّهي التحريمُ، والصحابيُّ قدْ أخْبرَ أنهُ ﷺ نَهَى أي أَتَى بعبارةٍ تفيدُ النَّهيَ وإنْ لم يذكرَها، وهوَ دالٌّ على تحريمِ ثلاثةِ أشياءٍ. الأولُ: تحريمُ ثمنِ الكلبِ بالنصِّ، ويدلُّ على تحريمِ بيعهِ باللُّزومِ، وهو عامٌّ لكلِّ كلبٍ منْ معلَّمٍ وغيرِه، وما يجوزُ اقتناؤُه، وما لا يجوزُ. وعنْ عطاءِ والنُّخعي: يجوزُ بيعُ كلبِ الصيدِ لحديثِ جابرٍ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ ثمنِ الكلبِ إلَّا كلبَ [الصَّيدِ] (٦). أخرجهُ النسائيُّ (٧) بِرجَالٍ ثقاتٍ، إلَّا أنهُ طعنَ في صحَّتهِ، فإنْ صحَّ [خَصَّصَ] (٨) عمومَ

стр. 1301

النَّهي. والثاني: تحريمُ مهرِ البغيِّ، وهو ما تأخذهُ الزانيةُ في [مقابلِ] (١) الزِّنى سمَّاهُ مهرًا مَجَازًا فهذا مالٌ حرامٌ. وللفقهاءِ تفاصيلُ في حكمهِ تعودُ إلى كيفيةِ أخْذِهِ، والذي اختارهُ ابنُ القيِّمِ (٢) أنهُ في جميعِ كيفياتِه يجبُ التصدقُ بهِ ولا يُرَدُّ إلى الدافع، لأنهُ دفَعَه باختيارهِ في مقابل عِوضٍ لا يمكِّنُ صاحبَ العوضِ استرجاعَه، فهوَ كسْبٌ خبيثٌ يجبُ التصدقُ بهِ، ولا يعانُ صاحبُ المعصيةِ بحُصُولِ غرضِه ورجوعِ مالهِ. والثالثُ: حلوانُ الكاهنِ وهوَ مصدرُ حَلَوتُه حُلوانًا إذا أعطيتُه، وأصلهُ منَ الحلاوةِ شُبِّهَ بالشيءِ الحلوِ من حيثُ إنهُ يؤخذُ سهلًا بلا كُلْفةٍ. وأجمعَ العلماءُ على تحريمِ حلوانِ الكاهنِ. والكاهنُ الذي يدَّعي علمَ الغيبِ، ويخبرُ الناسَ عن الكوائنِ، وهوَ شاملٌ لكلِّ مَنْ يدَّعي ذلكَ منْ منجِّمٍ وضرَّابٍ [بالحصباءِ] (٣)، ونحوِ ذلكَ، فكلُّ هؤلاءِ داخلٌ تحتَ حكمِ الحديثِ، ولا يحلُّ لهُ ما يعطاهُ، ولا يحلُّ لأحدٍ تصديقُه فيما [يتعاطاهُ] (٤). بيع الحيوان واستثناء ركوبه ٥/ ٧٤٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَى، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبيُّ ﷺ فدَعَا لي، وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فَقَالَ: (بِعْنِيهِ بِأُوقيَّةٍ)، قُلْتُ: لَا، ثُمّ قَالَ: (بِعْنِيهِ) فَبِعْتُهُ بِأُوقيَّةٍ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَقَالَ: "أَتُرَانِي مَاكسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، وَهَذَا السِّيَاقُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ أنهُ كانَ على جَمَلٍ لهُ [قَدْ] (٦) أَعيا أي كَلَّ عن السير (فأرادَ أن يُسَيبَهُ، قالَ: فلحقني رسولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا لي، فضرَبه فسارَ سيرًا لمْ

стр. 1302

يُرَ مثلَه. قال: بِعْنِيْهِ بأوقيةٍ، قُلتُ: لا، قالَ: بِعْنِيْهِ، فَبْعِتُةُ بأوقيةٍ واشترطتُ حُملانَهُ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، أي الحملَ عليهِ (إلى أهلي، فلما بلغتُ أتيتُه بالجملِ فنقدَني ثمنه ثمَّ رجعتُ فأرسَل في أثري فقالَ: أتُراني) بضمِّ [التاء الفوقانية] (١) أي تظنُّني (ماكسْتُك) المماكسةُ [في المكالمةُ] (٢) في النقص [من] (٣) الثمن (لآخذَ جملَكَ، خذْ جملَكَ ودراهمَكَ فهوَ لكَ. متفقٌ عليهِ، وهذا السياقُ لمسلمٍ). فيه [دليل على] (٤) أنهُ لا بأسَ بطلبِ البيع منَ الرجلِ لسلعتهِ، ولا [في المماكسةِ] (٥)، وأنَّهُ يصحُّ البيعُ للدابةِ واستثناءِ ركوبِها، [ولكنْ] (٦) عارضَه [حديثُ] (٧) النهي عن بيع (٨) الثُّنَيَّا وسيأتي، وعنْ بيعٍ وشرْطٍ (٩)، ولمَّا تعارضَا اختلفَ العلماءُ [في ذلكَ] (١٠) على أقوالٍ: الأول: لأحمدَ [على] (١١) أنهُ يصحُّ ذلكَ، وحديثُ بيع الثُّنَيَّا فيه: (إلَّا أنْ يُعْلَمَ ذلكَ)، وهذا منهُ فقدْ عُلِمَتِ الثُّنَيَّا، فصحَّ البيعُ، وحديثُ النَّهي عنْ بيع وشرطٍ فيهِ مقالٌ معَ احتمالِ أنهُ أرادَ الشرطَ المجهولَ. والثاني: [لمالكٍ] (١٢) أنهُ يصحُ إذا كانتِ المسافةُ قريبةً وحدُّه [ثلاثةُ] (١٣) أيامٍ، وحُمِلَ حديثُ جابرٍ على هذَا. الثالثُ: أنهُ لا يجوزُ مُطْلقًا، وحديثُ جابرٍ مُؤَوَّلٌ بأنهُ قصةُ عينٍ موقوفةٌ يتطرقُ إليها الاحتمالاتُ. قالُوا: ولأنهُ ﷺ أرادَ أنْ يُعْطِيَهُ الثمنَ ولم يُرِدْ حقيقةَ البيعِ، [قالُوا] (١٤): ويحتملُ أنّ الشرطَ ليسَ في نفسِ العقدِ فلعلَّهُ كانَ سابقًا فلمْ

стр. 1303

يؤثِّرْ ثمَّ تَبَرَّعَ ﷺ بإركابِهِ. وأظهرُ الأقوالِ الأولُ وهوَ صحةُ مثلِ هذا الشرطِ، وكلُّ شرطٍ يصحُّ إفرادُه بالعقدِ كإيصالِ المبيعِ إلى المنزلِ، وخياطةِ الثوبِ، وسُكنى الدارِ. وقدْ رُوِيَ عنْ عثمانَ أنهُ باعَ دارًا واستَثْنى سُكْنَاهَا شهرًا. ذكرَهُ في الشِّفَا (١). بيع مال المفلس ٦/ ٧٤١ - وَعَنْهُ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَدَعَا بِهِ النَّبيُّ ﷺ فَبَاعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) [صحيح] (وعنهُ) أي عنْ جابرٍ بن عبد اللَّهِ ﵁ (قال: أعتقَ رجلٌ منَّا) أي منَ الأنصارِ (عبدًا لهُ عنْ دُبُرٍ) (٣)، بضمِّ الدَّالِ المهملةِ، وضمّ [الباء] (٤) [أيضًا] (٥)، (لمْ يكنْ لهُ مالٌ غيرهُ، فدعا بهِ النبيُّ ﷺ فباعَه. متفقٌ عليهِ). وأخرجَه أبو داودَ، والنسائيُّ أيضًا عن جابرٍ، وسمَّيَا فيهِ العبدَ والرجلَ، ولفظه (٦): (عنْ جابرٍ أن رجلَا منَ الأنصارِ يُقَالُ لهُ أبو مذكورٍ أَعْتَقَ غلامًا [لهُ] (٧) يقالُ لهُ أبو يعقوبَ عنْ دُبُرٍ، لمْ يكنْ لهُ مالٌ غيرهُ، فَدعَا بهِ النبيُّ ﷺ فقالَ: منْ يشتريْهِ فاشتراهُ نعيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن النحَّامِ بثمانمائةِ درهم، فدفعَها إليهِ)، زادَ الإسماعيليُّ (٨): وعليهِ دَيْنٌ. وقدْ ترجَم لهُ البخاريُّ في بابِ الاستقراضِ (٩) فقالَ: منْ باعَ مالَ المفلسِ وقَسَمَهُ بينَ الغرماءِ، أو أعطاهُ إياهُ حتَّى ينفقَه على نفسه، فأشارَ إلى علةِ بيعهِ، وهوَ الاحتياجُ إلى ثمنهِ. واستدلَّ بهِ بعضُهم على منْع المفلسِ منَ التصرفِ في مالهِ، وعلى أن للإِمامِ أنْ يبيعَ عنهُ وتأتي بقيةُ [أبحاثِه] (١٠) في بابهِ (١١) إنْ شاءَ اللَّهُ تعالىَ.

стр. 1304

حكم الفأره تقع في السمن ٧/ ٧٤٢ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّ فَأرَةً وَقَعَتْ في سَمْنٍ، فَمَاتَتْ فِيهِ، فَسُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: (أَلقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١)، وَزَادَ أَحْمَدُ (٢)، والنَّسَائِيُّ (٣): في سَمْنٍ جَامِدٍ. [صحيح] (وعنْ ميمونةَ زوجِ النبيِّ ﷺ ، أن فأرةً وقعتْ في سمنٍ، فماتتْ فيهِ، فَسُئِلَ النبيُّ ﷺ فقالَ: ألقُوها وما حولَها وكلُوه. رواهُ البخاريُّ. وزادَ أحمدُ، والنسائيُّ: في سمنٍ جامدٍ). دلَّ أمرهُ ﷺ بإلقاءِ ما حولَها وهو ما لامسته منَ السمنِ على نجاسةِ الميتةِ، لأنَّ المرادَ بما حولَها ما لاقاهَا. قال المصنفُ في فتح الباري (٤): لم يأتِ في طريقٍ صحيحة تحديدُ ما يُلْقَى، لكنْ أخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٥) منْ مرسل عطاءٍ أنْ يكونَ قدرَ الكفِّ، وسندُه جيدٌ لولا إرسالهُ، انتهى. ودلَّ مفهومُ قولهِ: (جامدٍ)، أنهُ لوْ كانَ مائعًا لَنَجُسَ كلُّهُ، لِعَدَم تَميُّزِ ما لاقاها مِمَّا لمْ يلاقِها، ودلَّ أيضًا على أنهُ لا ينتفعُ بالدُّهنِ المتنجسِ في شيءٍ منَ الانتفاعاتِ إلَّا أنهُ تقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، وأنهُ يباحُ الانتفاعُ بهِ في غيرِ الأكلِ ودهنِ الآدمي، فيحملُ هذا ويأتي منْ قولهِ: فلا تقْربُوهُ على الأكلِ والدهنِ للآدمي جَمْعًا بينَ مقتضَى الأدلةِ، نعمْ وأما مباشرةُ النجاسةِ فهوَ وإنْ كانَ غيرَ جائزٍ إلا لإِزالتِها عمَّا وجبَ أو ندبَ إزالتُها عنهُ فإنهُ لا خلافَ في جوازِه، لأنهُ لدفعِ مفسدتِها، وبقيَ الكلامُ في مباشرتِها لتسجيرِ التنُّورِ، وإصلاحِ الأرضِ بها، فقيلَ هو طلبُ مصلحتِها، وأنهُ يقاسُ جوازُ المباشرةِ لهُ على المباشرةِ لإزالةِ

стр. 1305

مفسدتِها، والأقربُ أنها تدخلُ إزالةُ مفسدتِها تحتَ جلْبِ مصلحتِها، فتسجيرُ التنُّورِ بها يدخلُ فيهِ الأمران: إزالةَ مفسدة بقاءُ عينِها، وجلْبِ المصلحةِ لنفعِها في التسجيرِ، وحينئذٍ فجوازُ المباشرةِ للانتفاعِ لا إشكالَ فيهِ. ٨/ ٧٤٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ في السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فلا تَقْرَبُوهُ)، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَأَبُو حَاتِمٍ (٤) بِالْوَهْمِ. [ضعيف] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا وقعتِ الفأرةُ في السمنِ، فإنْ كانَ جامِدًا فألقُوها وما حولَها، وإنْ كانَ مائعًا فلا تقربُوهُ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، وقدْ حَكَمَ عليهِ البخاريُّ، وأبو حاتمِ بالوَهم). وذلكَ لأنهُ قالَ الترمذيُّ (٥): سمعتُ البخاريَّ يقولُ: هوَ خطأٌ والصوابُ الزهريُّ عَنْ [عبد اللَّهِ] (٦)، عن ابن عباسٍ ﵄ عنْ ميمونةَ فَرَأْيُ البخاريِّ أنَّهُ ثابتٌ عنْ ميمونةَ، فحكمَ بالوهْمِ على الطريقِ المرويةِ عنْ أبي هريرةَ، وجزمَ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (٧) بأنهُ ثابتٌ منَ الوجهينَ. واعلمْ أنَّ هذا الاختلافَ إنما هوَ لتصحيح اللفظِ الواردِ، وأما الحكمُ فهوَ ثابتٌ، وأنَّ طرحَها وما حولها والانتفاعَ بالباقِي لا يكونُ إلا في الجامدِ. [وهوَ] (٨) ثابتٌ أيضًا في صحيح البخاريِّ (٩) بلفظِ: خُذُوها وما حولَها، وكلُوا سَمْنَكم، ويُفْهَمُ منهُ

стр. 1306

أنّ الذائبَ يُلْقَى جميعُه؛ إذِ العلةُ مباشرةُ الميتةِ، ولا اختصاصَ في الذائبِ بالمباشرةِ، وتميُّزِ البعض عن البعض. وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يقربُ السمنَ [المائع] (١) ولو كانَ في غاية الكثرةِ. وتقدَّم (٢) وَجْهُ الجمْعِ بينَه وبينَ حديثِ الطحاوي. فائدةٌ: تمكينُ المكلَّفِ لغير المكلَّفِ كالكلبِ والهرِّ منْ أكلِ الميتةِ ونحوها جائزٌ، وبهِ قالَ الإمامُ يحيى. وقوَّاهُ المهدي وقالَ: إذْ لم يُعهدْ عن السلَّفِ منعُها، انتَهى. قلتُ: بلْ واجبٌ إنْ لم يطعمْه غيرَها كما يدلُّ لهُ حديث (٣): إنَّ امرأةً دخلتِ النارَ في هِرَّةٍ، وعلَّلَه بأنَّها لم تُطْعِمْها ولم تتركْها تأكلُ مِنْ خَشاشِ الأرض، وفي خشاشِ الأرضِ ما هوَ محرَّمٌ على المكلَّفِ وغيرهِ. [فا] (٤) لحديث دلَّ على أن أحدَ الأمرينِ إطعامُها أو تركُها تأكلُ منْ خشاشِ الأرضِ واجبٌ، وبسببِ تركِه عُذِّبَتِ المرأةُ، وخَشاشُ الأرضِ - بالخاءِ المعجمةِ المفتوحةِ، فشينٍ معجمةٍ، ثمَّ ألفٍ فشينٍ معجمةٍ - هوَ هوامُّ الأرضِ [وحشراتُها] (٥) كما في النهايةِ (٦). النهي عن ثمن السنَّور والكلب ٩/ ٧٤٤ - وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَألْتُ جَابِرًا ﵁ عَنْ ثَمنِ السِّنَّوْرِ وَالْكَلْبِ فَقَالَ: زَجَرَ النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧)، وَالنَّسَائِيُّ (٨) وَزَادَ: إلَّا كَلبَ صَيْدٍ. [صحيح]

стр. 1307

ترجمة أبي الزبير محمد بن مسلم (وعنْ أبي الزبيرِ) هوَ أبو الزبيرِ (١) محمدُ بنُ مسلمٍ المكيِّ تابعيٌّ، رَوَى عنْ جابر بن عبيد اللَّهِ كثيرًا (قالَ: سألتُ جابرًا عنْ ثمنِ السِّنَّوْرِ) بكسرِ المهملةِ، وتشديد النونِ، هوَ الهرُّ كما في القاموسِ (٢)، (والكلبِ فقالَ: زجرَ النبيُّ ﷺ عنْ ذلكَ. رواهُ مسلم والنسائيُّ، وزادَ: إلَّا كلبَ صيدٍ). وأخرجَ مسلمٌ هذَا منْ حديثِ جابرٍ، ورافعِ (٣) بن خُدَيْجٍ. وزادَ النسائيُّ في روايتهِ استثناءَ كلبِ الصيدِ، ثمَّ قالَ: هذا منكرٌ. قالَ المصنفُ في التلخيص (٤): إنهُ وردَ الاستثناءُ منْ حديثِ جابرٍ، ورجالهُ ثقاتٌ، انتَهى. وروايةُ جابرٍ هذهِ رواها أحمدُ (٥)، والنسائيُّ، وفيها استثناءُ الكلبِ المعلَّم، إلَّا أنهُ قالَ المناويُّ في (شرحِ الجامع الصغير) (٦) متعقبًا لقولِ المصنفِ: إنَّ [رجاله] (٧) ثقاتٌ، بأنهُ قالَ ابنُ الجوزي: (فيه الحسينُ بنُ أبي حفصة) (٨). قال يحيى بن معين: ليسَ بشيء، وضعَّفه أحمدُ. وقالَ ابنُ حبِانَ: هذا الخبرُ بهذا اللفظِ باطلٌ لا أصلَ له. نعمْ الثابتُ جوازُ اقتناءِ الكلبِ للصيدِ منْ غيرِ نقصٍ منْ عملِ مَنِ اقتناهُ لقوله ﷺ (٩): (من اقتنَى كلبًا إلا كلبَ صيدٍ نَقُصَ منْ أجرهِ كلَّ يومٍ قيراطانِ)، قيلَ: قيراطٌ منْ عملِ الليلِ، وقيراطٌ منْ عملِ النّهارِ.

стр. 1308

وقيلَ: منَ الفرضِ والنفلِ. هذا والنَّهيُّ عنْ ثمنِ الكلبِ متفقٌ عليهِ منْ حديثِ [ابن] (١) مسعودٍ (٢). وانفرد مسلمٌ (٣) بروايةِ النَّهْي عنْ ثمنِ السِّنَّوْرِ، وأصلُ النَّهي التحريمُ. والجمهورُ على تحريم بيعِ الكلبِ مطلقًا. واختلفُوا في السنَّورِ، وقدْ ذهبَ إلى تحريم بيعِ السنَّور أبو هريرةَ، وطاوسُ، ومجاهدٌ. وذهبَ الجمهورُ إلى جوازِ بيعهِ إذا كانَ له نفعٌ، وحملُوا النَّهْيَ على التنزيهِ، وهوَ خلافُ ظاهرِ الحديثِ. والقولُ بأنهُ حديثٌ ضعيفٌ، مردودٌ بإخراج مسلمِ لهُ وغيرِه، والقولُ بأنهُ لم يروهِ عنْ الزبيرِ غيرُ حمادِ بن سلمةَ مردودٌ أيضًا بأَنهُ أخرجهُ مسلمٌ عنْ معقلِ بن عبدِ اللَّهِ عنْ أبِي الزبير؛ فهذانِ ثقتانِ رَوَيَا عنْ أبي الزبير، وهو ثقةٌ أيضًا. شروط الولاء ١٠/ ٧٤٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، في كُلِّ عَامٍ أُوْقِيَّةٌ، فَأَعِينِينيِ. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: فَأبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِني قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ ، فأخبرت عائشةُ النبي ﷺ فَقَالَ: (خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاءَ، فَإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ ﵄، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]

стр. 1309

وَعِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: (اشْتَريهَا وَأَعْتِقِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ). (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: جاءتني بريرةُ) بفتحِ الباءِ الموحَّدةِ، وراءينِ بينهما مثناةٌ تحتيةٌ، مولاةٌ لعائشةَ (فقالتْ: [إني] (١) كاتبتُ) منَ المكاتبةِ وهي العقدُ بينَ السيدِ وعبدِه (أهلي) همْ ناسٌ منَ الأنصارِ كما هو عندَ النسائيِّ، (على تسعِ أواقٍ في كلِّ عامٍ أوقيةٌ، فأعينيني) بصيغةِ الأمرِ للمؤنثِ منَ الإعانةِ، (فقلتُ: إنَّ أحبَّ أهلُكِ أنْ أعدّها لهمْ ويكون ولاؤكِ (٢) لي فعلتُ، فذهبتْ بريرةُ إلى أهلِها فقالتْ لَهُمْ فأبَوا عليها فجاءتْ منْ عندهم ورسولُ الله ﷺ جالسٌ فقالتْ: إني قدْ عرضتُ ذلكَ عليهمْ فأَبَوا إلا أنْ يكونَ لهمُ الولاءُ، فسمعَ النبيُّ ﷺ فأخبرتْ عائشة النبيَّ ﷺ فقالَ: خُذِيها واشترطي لهم)، قالَ الشافعيُّ (٣) والمزنيُّ: يعني اشترطي عليهمْ، فاللَّامُ بمعنَى عَلَى، (الولاء، فإنَّما الولاءُ لمنْ أعتقَ، ففعلتْ عائشةُ، ثمَّ قامَ النبيُّ ﷺ في الناسِ فحمدَ اللَّهَ وأثْنَى عليهِ، ثمَّ قال: أما بعدُ: فما بالُ رجالٍ يشترطونَ شروطًا ليستْ في كتابِ اللَّهِ تعالَى، ما كانَ منْ شرطٍ ليسَ في كتابٍ اللَّهِ) أي في شرعهِ الذي كتبهُ على العبادِ، وحكمهُ أعمُّ منْ ثبوتِه بالقرآنِ أو السنةِ، (فهوَ باطلٌ وإنْ كانَ مِائةَ شرطٍ، قضاءُ اللَّهِ أحقُّ) بالاتباعِ منَ الشروطِ المخالفةِ لحكمِ اللَّهِ، (وشرطُ اللَّهِ أوثقُ، وإنَّما الولاءُ لمنْ أعتقَ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ. وعند مسلم قال: اشتريْها وأعتقِيْها واشترطي لهمُ الولاءَ). الحديثُ دليل على مشروعيةِ الكتابةِ، وهي عَقْدٌ بينَ السيّدِ وعبدِه على رقبتهِ، وهي مشتقةٌ منْ الكَتْبِ وهوَ الفرضُ والحكمُ كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٤)، وهي مندوبةٌ. وقالَ عطاءٌ (٥) وداودُ: واجبةٌ إذا طلبَها العبدُ

стр. 1310

بقدرِ قيمتهِ لظاهرِ الأمرِ في ﴿فكَاتِبُوهُمْ﴾ (١) وهوَ الأصلُ في الأمر. قلتُ: إلَّا أنهُ تعالى قيَّدَ الوجوبَ بقولهِ: ﴿فَكَاتِبُىوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١). نعمْ بعدَ علمِ الخير فيهمْ تجبُ الكتابةُ، وفي تفسير الخير [أربعةٍ] (٢) أقوالٌ: الأولُ: للسلفِ، وحديث مرفوع ومرسل عند أبي داودَ (٣) أنهُ قالَ ﷺ : (إنْ علمتمْ فيهمْ حرفةً، ولا ترسلُوهم كلًّا على الناس). الثاني: لابنِ عباسٍ قال: (خيرًا) المالُ. الثالثُ: عنهُ، أمانةٌ ووفاءٌ. الرابعُ: عنهُ، إنْ علمتَ أن مكاتِبكَ يقضيْكَ. وقولُها: في كلِّ عامٍ أوقيةٌ، [و] (٤) في تقريرهِ ﷺ لذلكَ دليل على جوازِ التنجيمِ لا علَى تحتُّمهِ وشرطِيَّتِه كما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ والهادي وغيرُهما (٥). قالُوا: التنجيمُ في الكتابةِ شرطٌ [فأقلها] (٦) نجمانِ، واستدلُّوا برواياتٍ عن السَّلَفِ لا تنهضُ دليلًا. وذهبَ الجمهورُ، وأحمدُ، ومالكٌ على جوازِ عقدِ الكتابةِ على نجمٍ لقولهِ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (٧) ولَمْ يفصلْ، وهوَ ظاهرٌ. والقولُ بأنه قيَّدَ إطلاقَها الآثارُ عنه السلفِ غيرُ صحيح؛ إذْ ليسَ بإجماعٍ، وتقييدُ الآياتِ بآراءِ العلماءِ باطلٌ. ودلَّ قولُه ﷺ : (خُذِيْها)، على جوازِ بيع المكاتبِ عندَ تعسُّر الإيفاءِ بمالِ [الكاتبة] (٨)، وللعلماءِ في جواز بيع المكاتبِ ثلاثةُ أَقوالٍ: الأولُ: جوازُه، وهوَ مذهبُ أحمدَ، ومالكٍ، وحُجَّتُهم قولُه ﷺ : (المكاتبُ رقُّ ما بقيَ عليه درهمٌ). أخرجهُ أبو داود (٩)، وابن ماجهْ (١٠) من حديثِ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه.

стр. 1311

والثاني: أنهُ يجوزُ بيعه برضاهُ إلى مَنْ يُعْتِقُهُ محتجِّينَ بظاهرِ حديثِ بريرةَ. والقولُ الثالث: أنهُ لا يجوزُ بيعُه مطلقًا، وهوَ لأبي حنيفة وجماعةٍ، قالُوا: لأنهُ [قد] (١) خرجَ عنْ مُلْكِ السيدِ، وتَأَوَّلُوا الحديثَ بأنْ قالُوا: إنَّ بريرةَ عجزتْ نفسَها وفسخُوا [العقد كما في شرح (٢) مسلم عن الحنفية ومن معهم] (٣)، والقولُ الأولُ أظهرُ، لأنَّ التقييدَ بالوأقع في قصةِ بريرةَ ليسَ فيهِ دليل على أنهُ شرطٌ، وإنَّما كانَ الواقعُ كذلكَ فَمِنْ أينَ أَنهُ شرطٌ. وأما القولُ بأنَّ بيَعه يوجبُ سقوطَ حقِّ اللَّهِ فجوابُه أنَّ حقَّ اللَّهِ تعالَى ما [قد] (٤) ثبتَ فإنهُ لا يثبتُ إلا بالإيفاءِ، والفرضُ أنهُ عجزَ المكاتبُ عنهُ. وقولُه: (واشترطي لهمُ الولاءَ) إنْ جعلتَ اللامَ بمعنَى علَى منْ بابِ قولِه: ﴿وَإنْ أَسَأتُمْ فَلَهَا﴾ (٥) ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ﴾ (٦) كما قالَهُ الشافعيُّ (٧)، فلا إشكالَ إلا أنهُ قدْ ضُعِّفَ (٨) بأنهُ لو كانَ كذلكَ لم ينكرْ عليهمْ اشتراطَ الولاءِ، ويجابُ عنهُ بأنَّ الذي أنكرهُ اشتراطُهم له أولَ الأمرِ. وقيلَ أرادَ بِذلكَ الزجرِ والتوبيخ لَهمْ لأنهُ كان ﷺ قدْ بيَّنَ لهمْ حكمَ الولاءِ، وأنَّ هذا الشرطَ لا يحلُّ فلما ظهرتْ منهمْ المخالفةُ قالَ لعائشةَ ذلك. ومعناهُ لا تبالي لأنَّ اشتراطهم مخالفٌ للحقِّ، فلا يكونُ ذلكَ للإباحةِ، بلِ المقصودُ الإهانةُ وعدمُ المبالاة بالاشتراطِ، [لأن] (٩) وجودَه كعدمِه. وبعدَ معرفةِ هذهِ الوجوهِ والتأويلِ يزولُ الإشكال بأنهُ كيفَ وقعَ منهُ الإذنُ ﷺ لعائشةَ بالشرطِ لهمْ، فإنهُ ظاهرٌ أنهُ خِداعٌ وغَرَرٌ للبائعِ منْ حيثُ إنهُ يعتقد عندَ البيعِ أنهُ بقيَ [لهُ] (١٠) بعضُ المنافِع، وانكشفَ الأمرُ على خلافِهِ، ولكنْ بعدَ تحقُّقِ وجوهِ التأويلِ يذهبُ الإشكالُ. وفي قولهِ: ([و] (١١) إنَّما الولاءُ لِمَنْ أعتقَ) دليل على حصر الولاءِ فيمنْ أعتقَ لا يتعدَّاهُ إلى غيرِه.

стр. 1312

حكم بيع أمهات الأولاد وهبتهن ١١/ ٧٤٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمّهَاتِ الأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورَثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ (١)، وَالْبَيْهَقِيُّ (٢)، وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ. [موقوف] (وعن ابن عمر ﵄ قالَ: نَهَى عمرُ عنْ بيعِ أمَّهاتِ الأولادِ، فقالَ: لا تباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورَثُ، يستمتعُ بها ما بدا لهُ، فإذا ماتَ فهيَ حرَّةٌ. رواهُ مالكٌ والبيهقيُّ وقالَ: رفَعَهُ بعضُ الرواةِ فَوَهِمَ). وقال الدارقطنيِّ (٣): الصَحيحُ وَقْفُهُ على عمرَ. ومِثْلَهُ قالَ عبدُ الحقِّ: قالَ صاحبُ الإلمامِ: المعروفُ فيهِ الوقفُ والذي رفعَهُ ثقةٌ (٤). وفي البابِ آثارٌ عن الصحابةِ. وقدْ أَخرجَ الحاكمُ (٥)، وابنُ عساكرَ، وابنُ المنذرِ عنْ بريدةَ قالَ: كنتُ جالسًا عندَ عمرَ إذْ سمعَ صائحةً، قالَ: يا يرفأُ (٦) انظرْ ما هذا الصوتُ؟ فنظرَ ثمَّ جاءَ، فقالَ: جاريةٌ منْ قريشٍ تُباعُ أمُّها، فقالَ عمرُ: ادعُ لي المهاجرِينَ والأنصارَ، فلمْ يمكثْ ساعةً حتَّى امتلأتِ الدارُ والحجرةُ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ ثمَّ قالَ: أما بعدُ فهلْ كانَ فيما جاءَ بهِ محمدٌ ﷺ القطيعةُ؟ قالُوا: لا، قالَ: فإنَّها قد أصبحتْ فيكمْ فاشيةً، ثمَّ قرأَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوأ فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوأ أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (٧)، ثمَّ قالَ: وأيُّ قطيعةٍ أقطعُ منْ أنْ تُباعَ أمُّ امرئٍ منْكم، وقد أوسعَ اللَّهُ لكم؟ قالُوا: فاصنَع ما بدا لكَ، فكتبَ إلى

стр. 1313

الآفاقِ: أنْ لا تباعَ أمُّ حرٍّ فإنَّها قطيعةٌ [فإنه] (١) لا يحلُّ. فهذَا ونحوهُ منَ الآثارِ. والحديثُ دليلٌ على أن الأَمَةَ إذا ولدتْ منْ سيِّدِها حَرُمَ بيعُها، سواءٌ كانَ الولدُ باقيًا أوْ لا. وإِلى هذا ذهب أكثرُ الأمةِ وادَّعى الإجماعَ (٢) على المنعٍ منْ [بيعهن] (٣) جماعةٌ منَ المتأخرينَ، وأفردَ الحافظُ ابنُ كثير الكلامَ على هذه المسألةِ في جزءٍ مفردٍ قال: وتلخَّصَ لي عن الشافعيِّ فيها [أربعةُ] (٤) أقوال [أو] (٥) في المسألةِ منْ حيثُ هيَ ثمانيةُ أقوالٍ. وقدْ ذهبَ الناصرُ والإماميةُ (٦)، وداودُ إلى جوازِ بيعهِا لما أفادهُ الحديثُ الآتي: ١٢/ ٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ ﷺ حتيٌّ، لا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (٨)، وَالدَّارَقُطْنيُّ (٩)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (١٠) [صحيح] (وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَاريَنَا أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ ﷺ حَيٌّ، لا يَرَى بذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاة النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحّحَهُ ابْن حِبّانَ)، وأخرجهُ أَحمدُ، والشافعي، والبيهقيُّ، وأبو داودَ، والحاكمُ، وزادَ في زمن أبي بكر، [وفيهِ] (١١): فلمَّا كانَ عمرُ نَهانَا فانْتَهينَا، رواه الحاكمُ (١٢) منْ حديِثِ أبي سعيدٍ،

стр. 1314

وإسنادُه ضعيفٌ. قال البيهقيُّ (١): ليسَ في شيء منَ الطرقِ أنهُ ﷺ اطّلَعَ على ذلكَ وأقرَّهم عليه، ويرده روايةُ النسائي (٢) التي فيها والنبيُّ ﷺ حيٌّ لا يَرَى بذلكَ بأسًا. واستدلَّ القائلونَ بجوازِ بيعِها أيضًا بأنهُ صحَّ عنْ عليٍّ ﵇[الرجوع] (٣) عنْ تحريمِ بيعهَا إلى جوازِه، فأخرجَ عبدُ الرزاقِ (٤) عنْ مُعمَّيرٍ، عنْ أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عنْ عبيدةَ السَّلمانيِّ المرادي، قالَ: سمعتُ عليًا ﵇ يقولُ: اجتمعَ رأي ورأْيُ عمرَ في أمهاتِ الأولادِ إنْ لا يُبَعْنَ، ثمَّ رأيتُ بعدَ ذلكَ أنْ يُبَعْنَ، الحديثُ. وهو معدودٌ في أصحِّ الأسانيدِ، وأجابَ في الشرحِ عنْ هذه الأدلةِ بأنهُ يحتملُ أن حديثَ جابرٍ كانَ في أولِ الأمرِ، وأنَّ [ما ذكرنا] (٥) ناسخٌ، وأيضًا فإنهُ راجعٌ إلى التقريرِ وما ذُكِرَ قولٌ، وعندَ التعارضِ القولُ أرجحُ. قلتُ: ولا يخْفَى ضعفُ هذا الجوابِ، [لأنهُ لا] (٦) نسخَ بالاحتمالَ، فللقائل بجوازِ بيعهِا أنْ يقلبَ الاستدلالَ ويقولُ: يُحْتَملُ -[على فرض أن الحديث مرفوع] (٧) - أن حديثَ ابن عمرَ (٨) كانَ [في] (٩) أولَ الأمرِ ثمَّ نُسخ بحديثِ جابرٍ (وإن كان احتمالًا، بعيدًا] (١٠)، ثمَّ قولُه: إنَّ حديثَ جابرٍ راجعٌ إلى التقريرِ، وحديثُ ابن عمرَ قولٌ، والقولُ أرجحُ عندَ التعارضِ، يقالُ عليهِ: القولُ لم يصحَّ رفعُه، بل صرَّحَ المصنفُ وغيرهُ أن رفْعَهُ وهْمٌ، وليسَ في منعِ بيعهِا إلَّا رأيُ عمرَ لا غيرُ، ومنْ شاورَهُ منَ الصحابةِ، وليسَ بإجماع فليسَ بحجةٍ على أنهُ لو كانَ في المسألةِ نصٌ لما احتاجَ عمرُ والصحابةُ إلى الرأي. وأما حديث ابن عباس (١١) أنها لما ولدت مارية ابنه إبراهيم فقال ﷺ :

стр. 1315

أعتقها ولدها، فإنه قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (١): أنه روي من أوجه ليس بالقوي، ولا يثبته أهل الحديث. قال: وكذلك حديث ابن عباس (٢) ﵁ أنه ﷺ قال: (أيُّما [أمة] (٣) ولدت من سيدها فهي حرة إذا مات)، لا يصح لأنه انفرد به الحسين بن عبد الله بن عبيد اللَّهِ بن عباس، وهو ضعيف (٤) متروك. انتهى. وأما أبو محمد بن حزم فقد صحَّح (٥) الأول، وتعقب بما بسطناه في حواش ضوء النهار (٦). حرمة بيع فضل الماء والملح والكلأ ١٣/ ٧٤٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧)، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ (٨): وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ. [صحيح] (وعنْ جابرٍ [بن عبد اللَّهِ] (٩) ﵁ قال: نَهَى رسول الله ﷺ عنْ بيع فضلِ الماءِ: رواه مسلمٌ، وزادَ في روايةٍ: وعنْ بيعِ ضِرَابِ الجملِ)، وأخرجه أصحابُ

стр. 1316

السننِ (١) منْ حديثِ إياس بن عبدٍ، وصحَّحه الترمذيُّ، وقالَ أبو الفتحِ القشيريِّ: هوَ عَلَى شرطِهما، والحديثُ دليل على أنهُ لا يجوزُ بيعُ ما فَضُلَ منَ الماءِ عنْ كفايةِ صاحبهِ. قالَ العلماءُ: وصورةُ ذلكَ أنْ ينبعَ في أرضِ صاحبه ماءٌ فيسقي الأعلى، ثمَّ يفضلُ عنْ كفايتهِ فليسَ لهُ المنعُ، وكذَا إذا اتخذَ حفرةً في أرضٍ مملوكةٍ يُجْمَعُ فيها الماءُ، أو حفرَ بئرًا فيسقي منهُ، ويسقي أرضَه فليسَ لهُ منعُ ما فَضُلَ. وظاهرُ الحديثِ يدلُّ على أنهُ يجبُ عليهِ بذلُ ما فَضُلَ عنْ كفايتهِ لشربٍ، أو طَهُورٍ، أو سقي زرعٍ، وسواءٌ كانَ في أرضٍ مباحةً أو مملوكةٍ. وقدْ ذهبَ إلى هذا العموم ابنُ القيمٍ في الهدي (٢)، وقالَ: إنهُ يجوزُ دخولُ الأرضِ المملوكةِ لأخْذِ الماءِ والكلأ لأنَّ لهُ حقًّا في ذلكَ ولا يمنعُه استعمالُ ملكِ الغيرِ، وقالَ: إنهُ نصَّ أحمدُ على جوازِ الرعي في أرضٍ غيرِ مباحةٍ للراعي، وإلى مثلهِ ذهبَ المنصورُ باللَّهِ، والإمامُ يحيى في الحطَبِ والحشيشِ (٣). ثمَّ قالَ: إنهُ لا فائدةَ لإذنِ صاحبِ الأرضِ، لأنهُ ليسَ لهُ منعُه منَ الدخولِ بلْ يجبُ عليهِ تمكينُه، ويحرمُ عليهِ منعهُ فلا يتوقفُ دخولهُ علَى الإذنِ، وإنَّما يحتاجُ إلى الإذنِ في الدخولِ في الدار إذا كانَ فيها سَكَنٌ لوجوبِ الاستئذانِ، [وأما] (٤) إذا لم يكنْ فيها سَكَنٌ فقدْ قالَ تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوأ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكُمْ﴾ (٥). ومن احتفرَ بئْرًا أو نَهَرًا فهوَ أحقُّ بمائهِ، ولا يمنعُ الفضلةَ عنْ غيره سواءٌ قلْنا: إنَّ الماءَ حقٌّ للحافرِ لا ملكٌ كما هوَ قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، أو قلْنا هوَ ملْكٌ، فإنْ عَليه بذلَ الفضلةِ لغيرهِ لما أخرجَهُ أبو داودَ (٦): (أنهُ [قال رجلٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منعهُ؟ قالَ: الماءُ] (٧)، قالَ: يا نبيَّ اللَّهِ، ما
следующие страницы →