← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 157–196 · переход к 162.

стр. 157

(السابعُ): يُنْتَفَعُ بجلودِ الميتةِ وإنْ لم تُدْبَغْ، ظاهرًا وباطنًا، لما أخرجَهُ البخاريُّ (١) من روايةِ ابن عباسٍ أنَّهُ ﷺ بشاةٍ ميتةٍ فقالَ: "هلَّا انتفعتم بإهابها"، قالوا: إِنَّها ميتةٌ، قالَ: "إِنَّمَا حَرُمَ أكلُها"، وهو رأي الزهريِّ (٢). وقد أجيبَ عنهُ بأنَّهُ مُطْلَقٌ قيَّدتْهُ أحاديثُ الدباغِ التي سلفَتْ. ٤/ ١٧ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيتَةِ طُهُورُهَا". [حسن] صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). ترجمة سلمة بن المحبِّق (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ المُحبِّقِ ﵁) (٤) هو بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة المكسورة، والقاف، وسَلَمَةُ صحابيٌّ يعدُّ في البصريينَ، روى عنهُ ابنهُ سنانُ، ولسنانَ أيضًا صحبةٌ (٥). (قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتةِ طُهُورُهَا. صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، أي: أخرجَهُ وصحَّحَهُ، وقد أخرجه غيره بألفاظٍ عندَ أحمدَ (٦)، وأبي داود (٧)، والنسائي (٨)، والبيهقي (٩)،

стр. 158

وابن حبان عن سلمة بلفظِ: "دِبَاغُ الأديمِ (١) ذكاته"، وفي لفظ: "دباغها ذكاتها"، وفي أخرى: "دباغها طهورها"، وفي لفظ: "ذكاتها دِباغها"، وفي لفظٍ [آخَرَ] (٢): "ذكاةُ الأديمِ دباغُهُ"، وفي الباب أحاديثُ بمعناهُ (٣). وهو يدلُّ على ما دلَّ عليهِ حديثُ ابن عباسٍ. وفي تشبيهِهِ الدبَاغَ بالذكاةِ إعلامٌ بأنَّ الدِّبَاغَ في التطهيرِ بمنزلةِ تذكيةِ الشاةِ في الإحلالِ؛ لأنَّ الذبحَ يطهِّرُها ويُحِلُّ أكْلَها. ٥/ ١٨ - وَعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: مَرَّ النَّبي ﷺ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: "لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا"؟ فَقَالُوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فَقَالَ: "يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ". [حسن لغيره] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَالنَّسَائِي (٥). ترجمة ميمونة (وَعَنْ مَيْمُونَةَ) (٦) هي أمُّ المؤمنينَ مَيْمُونَةُ بنتُ الحارثِ الهلاليةُ، كانَ اسمها

стр. 159

بَرَّة فسمَّاها رسولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ، تزوَّجَها ﷺ في شهرِ ذي القعدةِ سنةَ سبعٍ في عُمْرَةِ القضيةِ، [وكانتْ] (١) وفاتُها سنةَ إحدى وستينَ، وقيلَ: إحدى وخمسينَ، وقيلَ: ستٍّ وستينَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ؛ وهي خالةُ ابن عباسٍ، ولم يتزوجْ ﷺ بعدَها. (قَالَتْ: مَرَّ رسول اللَّهِ ﷺ بشاةٍ يَجرُّونَهَا فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا الماءُ والقَرَظُ (٢). أَخرَجَهُ أبو دَاوُدَ والنَّسَائي)، وفي لفظٍ عندَ الدارقطني (٣) عن ابن عباسٍ: "أليسَ في الماءِ والقَرَظ ما يُطَهِّرُهَا؟ "، وأما روايةُ: "أليسَ فِي الشَّثِّ (٤) والقَرَظِ ما يُطَهِّرُهَا؟ "، فَقَالَ النوويُّ (٥): إنهُ بهذا اللفظِ باطلٌ لا أصلَ لَهُ. بم يجوز الدباغ وقالَ في "شرحِ مسلمِ" (٦): يجوزُ الدِّبَاغُ بكلِّ شيءٍ يُنشِّفُ فضلاتِ الجلْدِ، ويُطَيِّبُهُ، ويمنعُ من ورودِ الفسادِ عليهِ؛ كالشثِّ -[بالمعجمة، وجزم الأزهري بأن آخره موحدة، وقال: هو من الجواهر التي جعلها الله في الأرض، تشبه الزاج، وجزم غيره بأن آخره مثلثة قال الجوهري: إنه طيب الرائحة مُرّ الطعم يدبغ به] (٧) -، والقَرَظِ، وقشورِ الرمانِ، وغيرِ ذلكَ من الأدويةِ الطاهرةِ، ولا يحصلُ بالشمسِ إلا عندَ الحنفيةِ، ولا بالترابِ والرماد والملح على الأصحِّ.

стр. 160

حكم استعمال آنية الكفار ٦/ ١٩ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: "لَا تأكُلُوا فِيهَا، إِلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا". [صيحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ترجمة أبي ثعلبة الخشني (وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَة) (٢) بفتح الثاء بعدها عين مهملة ساكنة، فلام مفتوحة، فموحَّدة، (الخُشَنِيِّ ﵁) بضم الخاء المعجمة، فشين معجمة مفتوحة، فنون، نسبة إلى خُشَيْنِ بن النَّمِرِ من قُضَاعَةَ، حذفت ياؤه عند النسبة، واسمه: جُرْهُمْ بضم الجيم، بعدها راء ساكنة، فهاء مضمومة، ابن ناشبٍ بالنونِ، وبعدَ الألفِ شينٌ معجمة آخرَهُ موحَّدة، اشتهرَ بكنيته. بايعَ النبيَّ ﷺ بيعةَ الرضوانِ، وضَرَبَ لَهُ بسهمٍ يَومَ خيبرَ، وأرسَلَهُ إلى قومِهِ؛ فأسلموا. نزلَ بالشامِ وماتَ بها سنةَ خمسٍ وسبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلك. (قَالَ: قلْتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ: إِنَّا بَأرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكْل فِي آنِيَتِهِمْ؟ قَالَ: لَا تأْكُلُوا فِيهَا إلَّا أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشيخينِ. أحكام فقهية من الحديث استُدِلَّ بهِ على نجاسةِ آنيةِ أهْلِ الكتابِ، وهلْ هوَ لنجاسةِ رُطوبِتِهم، أو لجوازِ أكلِهِمْ فيها الخنزير، وشرب الخمرِ أو للكراهَةِ؟ ذهبَ إلى الأولِ القائلونَ

стр. 161

بنجاسةِ رطوبةِ الكفارِ وهم الهادويةُ والقاسميةُ [ونصره ابن حزم] (١)، واستدلوا أيضًا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٢). والكتابيُّ يسمَّى مشركًا إذ قدْ قالوا: المَسِيحُ ابنُ الله، وقالوا: عُزَيْرُ ابْنُ الله (٣). وذهبَ غيرُهم من أهلِ البيت كالمؤيَّدِ باللَّه وغيرِه إلى طهارةِ رطوبتهم، وهوَ الحقُّ لقولهِ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ]﴾ (٤)، ولأنهُ ﷺ توضأ من مزادَةِ مشركَةٍ (٥)، ولحديثِ جابرٍ عندَ أحمدَ (٦)، وأبي داودَ (٧): "كُنَّا نَغْزُو معَ رسولِ الله ﷺ ؛ فَنُصِيْبُ مِنْ آنيةِ المشركينَ وَأسْقِيَتِهِمْ، ولا يَعيبُ ذلكَ علينَا"، وأجيبَ بأنَّ هذا بعد الاستيلاءِ ولا كلامَ فيه، وهذا الجواب بالشرح، وهو مبنيٌ على أن استيلاء أهل الإسلام على أموال أهل الشرك مطهر، ونحن لا نقول به؛ إذ لا دليل عليه، بل نقول رطوبة الكفار طاهرة، وما استولى عليه المسلمون من أموالهم طاهرة أصالة لا أنه طهر بالاستيلاء، وإن سُلِّم ففي غيرِه من الأدلةِ غُنْيَةٌ عَنْهُ.

стр. 162

(فمنها) ما أخرجَهُ أحمدُ (١) من حديث أنس: أنهُ ﷺ دعاه يهوديٌّ إلى خُبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنَخَةٍ، بفتح السين [المهملة] (٢)، وفتح النون المعجمة فخاء معجمة مفتوحة، أي: متغيرة. قالَ في "البحر" (٣): لو حَرُمَتْ رطوبَتُهم لاستفاضَ نقلُ تَوَقِّيهم لِقِلَّةِ المسلمينَ حينئذٍ معَ كثرةِ استعمالاتِهِم التي لا يخلو منها ملبوسًا أو مطعومًا، والعادةُ في مثلِ ذلكَ تقضي بالاستفاضَةِ. [قَالَ] (٤): وحديثُ أبي ثعلبة إما محمولٌ على [كرَاهةِ الأكْلِ] (٥) في آنيتهم للاستقذارِ؛ إذْ لوْ كانَتْ نَجِسَةً لم يجعَلْهُ مشروطًا بعدمِ وجدان الغير؛ إذِ الإناءُ المتنجِسُ بعد إزالةِ نجاستِهِ هُوَ وغيره مما لَمْ يتنجسْ على سواءٍ، أو لسدِّ ذريعةِ المحرَّمِ، أو لأنَّها نَجِسَةٌ لما يطبَخُ فيها لا لرطوبَتِهِمْ كما تفيدهُ روايةُ أبي داودَ (٦)، وأحمدَ (٧)، بلفظِ: "إنا نجاوِرُ أهلَ الكتاب وهم يطبخونَ في قدورِهم الخنزيرَ، ويشربونَ في آنيتهم الخمرَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنْ وجدتُم غيرَها - الحديث". وحديثُهُ الأولُ مطلقٌ (٨)، وهذا مقيدٌ (٩) بآنيةٍ يُطْبَخُ فيها ما ذُكِرَ ويُشْرَبُ، فيُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ.

стр. 163

وأما الآيةُ: فالنجسُ لغةً المستقذَرُ، فهو أعمُّ من المعنى الشرعي، وقيلَ: معناهُ ذو نَجَسٍ، لأن معهُم الشِّركَ الذي هوَ بمنزلةِ النَّجَسِ؛ لأنهم لا يتطهرونَ، ولا يغتسلونَ، ولا يجتنبون النجاساتِ؛ فهي ملابسةٌ لهم. وبهذا يتمُّ الجمعُ بينَ هذا وبينَ آيةِ المائدةِ والأحاديثِ الموافقةِ لحكمِها. وآيةُ المائدةِ أصرَحُ في المرادِ. ٧/ ٢٠ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: أن النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأةٍ مُشْرِكَةٍ. [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. ترجمة عمران بن حصين (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) (٢) بالمهملتين تصغير حصن. وعِمْرَانُ هو أبو نُجَيْدٍ بالجيم - تصغير نجد - الخزاعي الكعبي. أسلمَ عامَ خيبرَ، وسكَنَ البصرةَ إلى أَنْ ماتَ بها سنةَ اثنتينِ أو ثلاثٍ وخمسينَ، وكانَ من فضلاءِ الصحابةِ وفقهائِهِم (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ وأَصْحَابَة توضَّأوا مِنْ مَزَادَةٍ) بفتح الميم بعدها زاي، ثم ألف وبعد الألف مهملة؛ وهي الرَّاوِية ولا تكونُ إلَّا من جِلْدَيْنِ تُقَامُ بِثَالثٍ بينهما لِتَتَّسِعَ، كما في القاموس (٣). (امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) بَيْنَ الشَّيْخينِ في (حديثٍ طَويلٍ) أخرجه البخاريُّ بألفاظٍ فيها أنه ﷺ بعثَ عليًّا وآخرَ معهُ في بعضِ أسفارِهِ ﷺ ، وقد فقدوا الماءَ فقالَ: اذهبا فابتغيا الماءَ، فانطلقا، فتلقَّيا امرأةً بينَ مَزَادَتَيْنِ أو سَطيحتَينِ مِن ماءٍ عَلَى بَعيرٍ لها (فقالا لها: أين الماءُ؟ فقالت: عَهْدِي بالماءِ أمسِ هذه الساعة،

стр. 164

قالا: انطَلِقي إلى رسول الله ﷺ إلى أَنْ قالَ: ودَعَا النبيُّ ﷺ بإناءٍ ففرَّغَ فيهِ من أفواهِ المَزادَتينِ - أو السَّطِيحتَينِ ونودِيَ في النَّاس: اسقُوا واستَقُوا، فسَقَى مَنْ سقى، واستَقى مَنْ شاء - الحديث) وفيهِ زيادَةٌ ومعجزاتٌ نبويةٌ. أحكام فقهية من الحديث والمرادُ أنهُ ﷺ توضَّأَ من مَزَادَةِ المشرِكَةِ، وهوَ دليل لما سلفَ فِي شرحِ حديثِ أبي ثعلبةَ من طهارَةِ آنيةِ المشركينَ. ويدُلُّ أيضًا على طُهورِ جِلدِ الميتةِ بالدباغِ؛ لأنَّ المزادتينِ من جلودِ ذبائحِ المشركينَ، وذبائِحُهُم مَيْتَةٌ، ويدلُّ على طهارةِ رطوبةِ المشركِ؛ فإن المرأةَ المشركَةَ قَدْ باشرتِ الماءَ وهو دونَ القلتينِ؛ فإنهم قد صرَّحوا بأنَّهُ لا يَحْمِلُ الجملُ قَدْر القلتينِ. ومَنْ يقولُ: إِنَّ رطوبتَهم نجسةٌ ويقولُ: لا ينجسُ الماءُ إلا ما غيَّرَهُ، فالحديثُ [دليل] (١) على ذلك (٢). تضبيب الإناء بالفضة جائز ٨/ ٢١ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: "أَنَّ قَدَحَ النَّبيِّ ﷺ انكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سَلْسَلَةً مِنْ فِضَّةٍ". [صحيح] أَخْرَجَهُ الْبُخَاريُّ (٣). (وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ ﵁ أَنَّ قَدَحَ النَّبيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فاتخذَ مكانَ الشَّعْب) بفتح الشين المعجمة، وسكون المهملة: لفظ مشترك بين معانٍ المراد [منها] (٤) هنا الصَّدْعُ والشَّقُّ. (سَلْسَلَةً مِنْ فِضَةٍ) في القاموس (٥): سلسلة بفتح أوله، وسكون

стр. 165

اللام، وفتح السين الثانية [منها] (١): إيصالُ الشيءِ بالشيءِ، أو سِلْسِلَةً بكسر أولهِ دائرٌ من حديدٍ ونحوِهِ. والظاهرُ أن المرادَ الأولُ فيقرَأُ بفتحِ أولهِ. (أخْرَجَهُ البُخَاريُّ)، وهوَ دليلٌ على جواز تضبيبِ الإناءِ بالفِضَّةِ، ولا خلافَ في جوازِهِ كما [سلف] (٢)، إلَّا أنهُ هنا قد اختلفَ في واضِعِ السَّلْسَلَةِ، فحكى البيهَقي (٣) عن بعضهم أَنَّ الذي جعلَ السَّلْسَلَةَ هو أنسُ بن مالكٍ، وجزمَ بهِ ابنُ الصلاحِ، وقال [أيضًا] (٤): فيهِ نظرٌ؛ لأنَّ في البخاري (٥) من حديثِ عاصمٍ الأحوَلِ: "رأيتُ قَدحَ النبيِّ ﷺ عندَ أنسِ بن مالكٍ، فكانَ قد انصدَعَ فسَلْسَلَهُ بفضةٍ. وقالَ ابنُ سيرينَ: (إنهُ كان فيهِ حَلْقَةٌ من حديدٍ، فأرادَ أنسٌ أَنْ يجعلَ مكانَها حَلْقَةً من ذهبٍ أو فضةٍ، فقالَ له أبو طلحةَ: لا تُغيرَنَّ شيئًا صنَعَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فتركَهُ). هذا لفظُ البخاري، وهوَ يحتملُ أَنْ يكونَ الضميرُ في قولِه: فَسَلْسَلهُ بفضَّةٍ عائدًا إلى رسول الله ﷺ ، ويحتملُ أَنْ يكونَ عائدًا إلى أنسٍ كما قال البيهقيُّ، إلا أَنَّ آخِرَ الحديثِ يدُلُّ للأولِ، وَأنَّ القدحَ لم يتغيرْ عمَّا كانَ عليهِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ . قلت: والسَّلْسَلَةُ غيرُ الحَلْقَةِ التي أرادَ أنسٌ تغييرَها، فالظاهرُ أَنَّ قولَهُ: فسلْسَلَهُ، هوَ النبيُّ ﷺ ، وهو حجَّةٌ لما ذكَرَهُ. * * *

стр. 166

[الباب الثالث] بابُ إِزالةِ النجاسة وبيانها أي بيانُ النجاسة ومطهِّراتِها. حكم تخليل الخمر ١/ ٢٢ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سُئل رَسُول الله ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ: "لَا". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢) وَقَالَ: حَسنٌ صَحِيحٌ. [صحيح] (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالكٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ) أيْ بعدَ تحريمها (تُتخذُ خَلًّا؟ قالَ: لا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذيُّ، وَقَالَ: حسنٌ صحيحٌ). فَسَّرَ الاتخاذَ بالعلاجِ لها وقد صارَتْ خَمْرًا، ومثلُهُ حديثُ أبي طلحةَ، (فإِنَّها لما حُرِّمَتِ الخمرُ سألَ أبو طلحةَ النبيَّ ﷺ عَنْ خمرٍ عندَهُ لأيتامٍ هلْ يخلِّلُها؟ فأمرَهُ بإراقتها. أخرجَهُ أبو داودَ (٣)، والترمذيُّ (٤) والعملُ بالحديثِ هو رأيُ الهادويةِ والشافعيُّ، لدلالةِ الحديثِ على ذلكَ)؛ فلو خَلَّلَها لم تَحِلُّ ولم

стр. 167

تَطهُرْ، وظَاهر بأي علاجٍ كانَ ولو بنقلِها منَ الظلِّ إلى الشمس أو عكسِهِ، وقيل: تطهُرُ وتَحِلُّ. وأما إذَا تَخلَّلَتْ بنفسِها مِنْ دونِ علاجٍ فإنها طاهرةٌ حلالٌ، [إلا أنه قال] (١) في البحر (٢): إنَّ أكثَرَ أصحابِنا يقولونَ: إنها لا تطْهُرُ وإنْ تخلَّلتْ بنفسِها مِنْ غَيْرِ علاجٍ. أقوال العلماء في خلِّ الخمر واعلم أَنَّ للعلماءِ في خَل الخمرِ ثلاثَةَ أقوالٍ، (الأولُ): [أنَّها] (٣) إذا [تخلَّلت] (٤) الخمرُ بغيرِ قَصْدٍ حَلَّ [خَلهَا] (٥)، وإذا خلِّلَتْ بالقَصْدِ حَرُمَ خَلُّها. (الثاني): يحرُمُ كلُّ خَلٍّ تولَّدَ من خمرٍ مطلقًا. (الثالثُ): أن الخَلَّ حلالٌ مَعَ تولدِهِ مِنَ الْخمرِ سواءٌ قُصِدَ أَمْ لا؟ إلا أن فاعلَها آثِمٌ إِنْ تركها بعدَ أَنْ صارَتْ خمرًا، عاصٍ للَّهِ مجروحُ العدالةِ لعدَمِ إراقتِهِ لها حالَ خُمريَّتِها؛ فإِنَّهُ واجبٌ كما دلَّ له حديثُ أبي طلحةَ، وأما الدليل على أنَّه يحلُّ الخلُّ الكائنُ من الخمر؛ فلأنه خَلٌّ لغةً وشرعًا، قيلَ: [فإذا أريد جعل خل لا يتخمَّر؛ فيعصر العنب، ثم يلقى عليه قبل أن يتخلَّل مثليه خلًا صادقًا فإنه يتخلَّل، ولا يصير خمرًا أصلًا]. النهي عن أكل لحوم الحُمُر الأهلية ٢/ ٢٣ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ أَبا طَلْحَةَ فَنَادَى: "إِن اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّها رِجْسٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 168

(وَعَنْهُ) أيْ عَنْ أَنَسِ بن مَالكٍ (قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَمرَ رسولُ الله ﷺ أَبَا طَلْحَة فَنَادَى: إِنَّ الله وَرَسَولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ) بتثنية الضميرِ للَّهِ تعالى ولرسولهِ، وقَدْ ثبتَ أَنَّهُ ﷺ قالَ للخطيبِ الذي قالَ في خطبتهِ: إنه مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا … الحديث،: "بِئْسَ خَطِيبُ القومِ أنتَ" (١)؛ لجمعهِ بينَ ضميرِ اللَّهِ تعالى وضمير رسولِهِ ﷺ ، وقالَ: "قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، فالواقع هنا يعارِضُهُ. وقد وقعَ أيضًا في كلامِهِ ﷺ التثنيةُ بلفظِ: "أَنْ يكونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (٢)، وأجيبَ بأنهُ ﷺ نهى الخطيبَ لأنَّ مقامَ الخَطَابةِ يقتضي البسطَ والإيضاحَ، فأرشدَهُ إلى أنهُ يأتي بالاسمِ الظاهرِ لا بالضميرِ، وأنه ليسَ العتبُ عليهِ من حيثُ جمعهُ بينَ ضميره تعالى وضمير رسولِهِ ﷺ . والثاني أنهُ ﷺ أَنْ يجمعَ بينَ الضميرينِ وليسَ لغيرِه لعلمهِ بجلالِ ربهِ وعظمته. (عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ) كما يأتي (فَإِنَّها رِجْسٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). وحديثُ أنسٍ في البخاري (٣): أَن رسولَ اللَّهِ ﷺ جاءَهُ جاءٍ فقال: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثم جاءَهُ جاءٍ فقالَ: أُكِلَتِ الحُمُرُ، ثم جاءَهُ جَاءٍ فقال: أُفْنيتِ الحُمُرِ. فأمَرَ مناديًا يُنادي: إِنَّ الله ورسولَهُ يَنْهيانِكُم عنْ لحومِ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ، فأُكْفِئَتِ القُدورِ وإنها لَتفورُ باللحم.

стр. 169

والنهيُ عن لحوم الحمر الأَهْليَّةِ ثابتٌ من حديثِ علي (١) ﵇، وابنِ عُمَرَ (٢)، وجابرِ بن عبدِ الله (٣)، وابنِ أبي أَوْفى (٤)، والبراءِ (٥)، وأبي ثعلبة (٦)، وأبي هريرة (٧)، والعِرباضِ بن سارية (٨)، وخالدِ بن الوليد (٩)،

стр. 170

وعمرِو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ (١) والمقدام بن معدي كرِب (٢)، وابنِ عباسٍ (٣) وكُلُّها ثابتَةٌ في دواوينِ الإسلامِ. وقَدْ ذَكَرَ مَنْ أَخرَجها في الشرحِ. وهي دالَّةٌ على تحريمِ أَكْلِ لحومِ الحمرِ الأهليةِ. وتحريمُها هوَ قولُ الجماهيرِ منَ الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهُم لهذهِ الأدلةِ. وذهبَ ابنُ عباسٍ إلى عدمِ تحريم الحمرِ الأهليةِ، وفي البخاري (٤) عنهُ: لا أدري أَنُهِيَ عنها مِنْ أَجْلِ أَنَّها كانتْ حَمُولَةَ الناسِ أو حُرِّمَتْ؟. ولا يخفى ضعفُ هذا القولِ؛ لأنَّ الأصلَ في النهي التحريمُ وإنْ جَهِلْنَا عِلَّتَهُ. واستدلَّ ابنُ عباسٍ بعمومِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا [عَلَى طَاعِمٍ]﴾ (٥) (٦) الآية، فإنهُ تلاها جوابًا لِمَنْ سألَهُ عن تحريمِها، ولحديثِ أبي داود (٧): "أنهُ جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ غالب بن أبجرَ فقالَ: يا رسولَ الله أصابَتْنَا سَنَةٌ ولم يكُنْ في مالي ما أُطْعِمُ أهلي إلَّا سِمَانَ حُمُرٍ، وإِنَّكَ حَرَّمْتَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ، فقالَ: أَطْعِمْ أَهلَكَ من سمينِ حمُرِكَ، فإِنَّما حرَّمْتُها من أجلِ جَوَّالِ القرية" (٨)؛ يريد الذي يأكل الجلَّة وهي العَذَرَةُ. وأُجيبَ بأنَّ الآيةَ خَصَّتْ عمومَها الأحاديثُ الصحيحةُ المتقدمَةُ، وبأنَّ

стр. 171

حديثَ أبي داودَ مضطربٌ مختلَفٌ فيهِ اختلافًا كثيرًا، قال البيهقي في "السنن" بعد ذكره أنه مختلف في إسناده قال: ومثله لا يُعارض به الأحاديث الصحيحة اهـ. وإنْ صحَّ حُمِلَ على الأكلِ منها عندَ الضرورة كما دَلَّ له قولُهُ: أصابتْنَا سَنةٌ، أي شِدةٌ وحاجةٌ. قلت: وأما الاعتذار أنه أبيح ذلك للضرورة؛ فإنه لا يطابق التعليل بقوله: "إنما حرَّمتها من أجل جوَّال القرية"؛ فإنه يؤذن بأنها إذا لم تكن جلَّالة حلَّت مطلقًا فلا يتم الاعتذار بالضرورة. وذكرُ المصنف لهذينِ الحديثينِ في باب النجاساتِ وتعدادِها مبنيٌّ على أَنَّ التحريمَ مِنْ لازمِهِ التنجيسُ، وهو قولُ الأكثرِ، وفيهِ خلافٌ. والحقُّ أَنَّ الأصلَ في الأعيانِ الطَّهَارَةُ، وأَنَّ التحريمَ لا يلازِمُ النجاسَةَ؛ فإنَّ الحشيشةَ محرَّمةٌ طاهرَةٌ، وكذا المخدِّراتُ والسمومُ [القاتلَةُ] (١) لا دليلَ على نجاسَتِها. التحريم لازم للنجاسة دون العكس وأما النجاسَةُ فيلازِمُها التحريمُ، فكلُّ نَجِسٍ محرَّمٌ ولا عكْسَ، وذلكَ لأنَّ الحكمَ في النجاسَةِ هوَ المنعُ عَنْ ملابَسَتِها على كلِّ حالٍ، فالحكمُ بنجاسَةِ العينِ حكُمٌ بتحرِيمها بخلافِ الحكمِ بالتحريمِ. فإنَّهُ يحرُمُ لُبْسُ الحريرِ والذهبِ وهما طاهِرانِ ضرورةً شرعيةً وإجماعًا. فإذا عَرَفْتَ هذا، فتحريمُ الخَمْرِ والحُمُرِ الذي دلَّتْ عليهِ النصوصُ لا يلزمُ منهُ نجاستها، بَلْ لا بدَّ مِنْ دليلٍ آخَرَ عليهِ، وإلَّا بقينا على الأصلِ المتفق عليهِ مِنَ الطهارَةِ، فَمَنِ ادَّعى خلافَهُ فالدليلُ عليه، وكذا نقولُ: لا حاجَةَ إلى إتيانِ المصنفِ بحديثِ عمرِو بن خارجةَ مستدلًّا بهِ على طهارَةِ لُعَابِ الراحِلَةِ. وأما الميتَةُ فلولا أنه ورَدَ: "دِباغُ الأديم طَهورُه" (٢)، و"أَيُّما إهابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" (٣)، لقلنا بطهارَتها؛ إِذ الوارِدُ في القرانِ تحريمُ أكلِها، لكنْ حكمنا بالنجاسَةِ لمَّا قامَ عليها دليل غيرُ دليلِ تحريمِها.

стр. 172

لعاب ما يؤكل لحمه طاهر ٣/ ٢٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: "خَطَبَنَا النبي ﷺ بِمِنًى، وهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَلُعَابُهَا يَسِيلُ عَلَى كتِفِي". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢). [صحيح لغيره] ترجمة عمرو بن خارجة (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ) (٣) هو صحابيٌّ أنصاريُّ عِداده في أهلِ الشام، وكان حليفًا لأبي سفيانَ بن حرب، وهو الذي روى عنهُ عبدُ الرحمنِ بنُ غُنْمٍ أنَّهُ سمعَ رسول الله ﷺ يقولُ في خُطبتهِ: "إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعطَى كل ذِي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ". (قَالَ: خَطَبَنَا رسولُ الله ﷺ بِمِنَى وهو على رَاحِلَتِهِ) بالحاء المهملة وهيَ مِنَ الإِبلِ: الصالحةِ لأنْ تَرْحَلَ. (وَلُعَابُها) بضم اللامِ فعينٍ مهملةِ وبعدَ الألفِ موحدةٌ، هو ما سالَ من الفمِ، (يسيلُ على كَتِفِي. أخرجه أحمدُ، والترمِذيُّ، وصحَّحه). والحديثُ دليلٌ على أن لعابَ ما يُؤكَلُ لحمهُ طاهرٌ، قيلَ: وهو إجماعٌ، وهو أيضًا الأصلُ. فَذِكْرُ الحديثِ [تأكيدًا] (٤) للأصلِ، ثم هذا مبنِيٌ على أنَّهُ ﷺ عَلِمَ سيلانَ اللعابِ عليه فيكون تقريرًا. المني طاهر أم نجس ٤/ ٢٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ

стр. 173

يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ فِي ذلكَ الثَّوْبِ، وَأنا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْغُسلِ". [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). - وَلمُسْلِمٍ (٢): "لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيه". - وفي لَفْظٍ لَهُ (٣): "لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ". ترجمة عائشة ﵂ - (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂) (٤). هِيَ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصديقِ، أمُّها أمُّ رومان ابنة عامرٍ. خطبها النبي ﷺ بمكةَ، وتزوَّجَها في شوَّالَ سنةَ عشرٍ منَ النبوةِ، وهيَ بنتُ ستِّ سنينَ، وأعرس بها في المدينةِ في شوالَ سنةَ اثنتين منَ الهجرة، وقيلَ غيرُ ذلك، وبقيت معه تسع سنينَ، وماتَ عنها ولها ثماني عَشْرَةَ سنةً [من غير اعتبار الكبر في سنة وفاته ﷺ عنها] (٥)، ولم يتزوجْ بِكرًا غيرَها، واستأذنتْ النبيَّ ﷺ في الكُنيةِ فقالَ لها: "تَكَنِّي بابنِ أُختكِ عبد اللَّهِ بن الزبيرِ"، وكانت فقيهة، عالمةً، فصيحةً، فاضلةً، كثيرةَ الحديثِ عن رسول الله ﷺ ، عارفةً بأيامِ العربِ وأشعارِها. روى عنها جماعةٌ من الصحابةِ والتابعينَ. نزلتْ براءتُها من السمَاءِ بعشر آياتٍ في سورةِ النور. توفيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في بيتِها ودفنَ فيهِ، وماتتْ بالمدينة

стр. 174

سنةَ سبعٍ وخمسمينَ، وقيلَ: سنةَ ثمانٍ وخمسينَ ليلةَ الثلاثاءِ لسبعَ عَشْرَةَ خلتْ منْ رمضانَ، ودفنتْ بالبقيعِ وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفةَ مروانَ في المدينةِ. (قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ المَنِيَّ، ثمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلَاةِ في ذَلِكَ الثوبِ، وأَنا أَنْظُرُ إلى أَثَرِ الغُسْلٍ فيهِ. متَّفَقٌ عليهِ). وأخرجهُ البخاريُّ أيضًا من حديثِ عائشةَ بألفاظٍ مختلفةٍ، وأنها كانتْ تغسلُ المنيَّ منْ ثوبهِ ﷺ وفي بعضها: "وَأَثَرُ الغَسْل فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ الماءِ" (١)، وفي لفظٍ: "فَيَخْرُجُ إلى الصلاةِ وإنَّ بُقَعَ الماءِ في ثوبه" (٢)، وفي لفظ: "وأثَرُ الغَسْلِ فيه بُقَعُ الماء" (٣)، وفي لفظ: "ثم أراهُ فيهِ بُقْعَةً أو بُقَعًا" (٤) إلَّا أنَّه قد قالَ البزارُ (٥): إنَّ حديثَ عائشة هذا مدارهُ على سليمان بن يسارٍ، ولم يسمعْ عنْ عائشةَ، وسبقهُ إلى هذا الشافعيُّ في "الأم" (٦) حكايةً عن غيرِه، وردَّ ما قالَة البزاز بأنَّ تصحيحَ البخاريِّ لهُ وموافقةَ مسلم لهُ على تصحيحهِ مفيدةٌ لصحةِ سماع سليمان من عائشةَ، وأن رفعهُ صحيحٌ (٧). وهذا الحديثُ استدَلَّ به منْ قالَ بنجاسةِ المنيِّ؛ وهُم الهادوية، والحنفية، ومالكٌ، وروايةٌ عن أحمدَ، قالوا: لأنَّ الغسْلَ لا يكونُ إلَّا من نَجَسٍ، وقياسًا على غيرِه من فضلاتِ البدنٍ المستقذَرة مِنَ البولِ والغائطِ، لانصبابها الجميع إلى مقرٍّ، وانحلالِها عن الغذاءِ؛ ولأنَّ الأحداثَ الموجبة للطهارةِ نجسةٌ والمنيُّ منها؛ ولأنهُ يجري من مجرى البولِ فتعيَّنَ غسملة بالماءِ كغيرِه من النجاساتِ. وتأوَّلُوا ما يأتي مما يفيدُه قولُهُ: (ولمسلمٍ) أيْ عنْ عائشةَ، روايةٌ انفردَ بلفظِها عن البخاريِّ وهي قوله: (لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ الله ﷺ فَرْكًا) مصدرٌ تأكيديٌّ يقررُ أنها كانت تفركهُ وتحكة. والفركُ: الدلكُ، يقالُ: فركَ الثوبَ إذا دلكهُ (فيصلي فيهِ). (وفي لفظ له)، أي: لمسلمٍ عنْ عائشةَ (لقد كنت أَحُكُهُ)، أي: المنيَّ حالَ كونهِ

стр. 175

(يابِسًا بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِه)، اختصَّ مسلم بإخراجِ روايةِ الفركِ ولمْ يخرِّجْها البخاريُّ. وقدْ روى الحتَّ والفركَ - أيضًا - البيهقي، والدارقطنيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ الجوزيِّ من حديثِ عائشةَ. ولفظُ البيهقيِّ (١): "ربما حَتَتُّهُ منْ ثوبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وهوَ يُصَلِّيْ". ولفظ الدارقطنيِّ (١)، وابنِ خزيمةَ (٢): "إنها كانتْ تحُتُّ المنيِّ منْ ثوبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وهوَ يصلِّي". ولفظُ ابن حبانَ (٣): "لَقَدْ رَأَيْتُني أَفْرُكُ المنيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي"، رجالهُ رجالُ الصحيحِ، وقريبٌ منْ هذا الحديثِ حديثُ ابن عباسٍ عندَ الدارَقطنيِّ (٤) والبيهقيِّ (٥): [سئلَ رسولُ الله ﷺ عن المنيِّ يصيبُ الثوبَ فقالَ: "إنما هوَ بمنزلةِ المُخاطِ والبُصاقِ والبُزاقِ"، وقالَ: "إنما يَكْفِيْكَ أن تمسحَهُ بخرقَةٍ أو إذْخِرَةٍ" (٦)]. وقالَ البيهقي بعد إخراجهِ: ورواه وكيع عن ابن أبي ليلى موقوفًا على ابن عباس وهوس الصحيح، انتهى. فالقائلونَ بنجاسةِ المنيِّ تأوَّلُوا أحاديثَ الفركِ هذهِ بأنَّ المرادَ الفركُ معَ غَسْلهِ بالماءِ، وهوَ بعيدٌ. وقالتِ الشافعيةُ: المنيُّ طاهرٌ. واستدلُّوا على طهارة المنيِّ بهذهِ الأحاديثِ، قالُوا: وأحاديثُ غسلهِ محمولةٌ على الندبِ، وليس الغَسْلُ دليلَ النجاسةِ، فقد يكونُ لأجلِ النظافةِ وإزالةِ الدَّرَنِ ونحوهِ، قالوا: وتشبيههُ بالبُزاقِ والمُخاطِ دليلٌ على طهارتهِ أيضًا، والأمرُ بمسحهِ بخرقةٍ أو إِذْخرةٍ لأجلِ

стр. 176

إزالةِ الدَّرَنِ المستكْرَهِ بقاؤهُ في ثوبِ المصلِّي ولوْ كانَ نجسًا لما أجزأَ مسحُهُ. وأما التشبيهُ للمنيِّ بالفضلاتِ المستقذَرةِ من البولِ والغائطِ كما قالهُ مَنْ قال بنجاستهِ فلا قياسَ معَ النصِّ. قالَ الأولونَ: هذهِ الأحاديثُ في فركهِ وحتِّهِ إِنَّما هيَ في منيِّهِ ﷺ ، وفضلاتُهُ ﷺ طاهرةٌ فلا يلحقُ بهِ غيرُهُ. وأجيبَ عنهُ بأنها أخبرت عائشة عنْ فركِ المنيِّ منْ ثوبهِ، فَيُحْتَملُ أنه عن جماعٍ وقدْ خالطَهُ منيُّ المرأةِ فلمْ يتعينْ أنهُ منيهُ ﷺ وحدَهُ، والاحتلامُ على الأنبياءِ ﵇ غيرُ جائزٍ، لأنهُ منْ تلاعبِ الشيطانِ، ولا سلطان لهُ عليهمْ، ولئن قيلَ: إنهُ يجوز أنه منيهُ ﷺ وحدَهُ، وأَنَّهُ منْ فيضِ الشهوةِ بعدَ تقدمِ أسبابِ خروجهِ منْ ملاعبةٍ ونحوِهَا، وأنهُ لم يخالطْهُ غيرُهُ، فهوَ محتملٌ ولا دليلَ معَ الاحتمالِ. وذهبتِ الحنفيةُ إلى نجاسةِ المنيِّ كغيرِهمْ ولكنْ قالُوا: يطهِّرهُ الغسلُ، أو الفَركُ، أو الإزالةُ بالإذخِر أو الخرقةِ عملًا بالحديثين، وبين الفريقينِ القائلينِ بالنجاسةِ، والقائلينَ بالطهارةِ مجادلاتٌ ومناظراتٌ واستدلالاتٌ طويلةٌ استوفيناها في حواشي شرحِ العمدة (١). يُرش من بول الغلام ويُغسل من بول الجارية ٥/ ٢٦ - وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَام". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢) والنَّسَائِيُّ (٣) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٤). [صحيح] ترجمة أبي السَّمح (وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ) بفتحِ السينِ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، فحاءٍ مهملةٍ،

стр. 177

واسمهُ إِيادٌ بكسر الهمزة ومثناةٌ تحتيةٌ مخفَّفةٌ بعدَ الألفِ دالٌ مهملةٌ. وهوَ خادمُ رسولِ الله ﷺ ، لهُ حديثٌ واحد (١). (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يغْسل مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ) في القاموس (٢): أن الجَاريَةَ فتيَّةُ النساءِ (وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغلَامِ. أخرجهُ أبو دَاودَ والنَّسَائِيُّ وصحَّحهُ الحاكمُ). وأخرجَ الحديثَ أيضًا البزارُ (٣)، وابنُ ماجَهْ (٤)، وابنُ خزيمةَ (٥) منْ حديثِ أبي السمحِ قالَ: "كنتُ أخدمُ النبيَّ ﷺ فأُتِيَ بحسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ، فَبَالَ على صَدْرِهِ فجئتُ أَغْسِلُهُ فقالَ: يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجاريةِ - الحديثُ". وقد رواهُ أيضًا أحمدُ (٦)، وأبو داودَ (٧)، وابنُ خزيمةَ (٨)، وابنَ ماجَه (٩)، والحاكمُ (١٠) منْ حديثِ لُبَابَةَ بنتِ الحَارِثِ قَالَتْ: "كانَ الحُسَيْنُ - وذكرت الحديثَ"، وفي لفظهِ: ["يُغْسَلُ] مِنْ بَوْلِ الأُنثَى، ويُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ". ورواه المذكورونَ (١١)، وابنُ حبانَ (١٢) من حديثِ عليٍّ ﵁ قالَ: قَالَ

стр. 178

رسولُ اللَّهِ ﷺ في بَوْلِ الرضيعِ: "يُنْضَحُ بَولُ الغلامِ، ويُغْسَلُ بولُ الجارِية". قالَ قَتَادةُ راويه: هذا ما لمْ يَطعما، فإذا طَعمَا غُسلا. وفي البابِ أحاديثُ (١) مرفوعةٌ وموقوفةٌ، وهي كما قالَ الحافظُ البيهقيُّ (٢): إذا ضمَّ بعضُها إلى بعضٍ قوِيَتْ. والحديثُ [دليلٌ] (٣) على الفرقِ بينَ بولِ الغلامِ، وبولِ الجاريةِ في الحُكْمِ، وذلكَ قبلَ أنْ يأكلا الطعامَ كما قيدهُ بهِ الراوي. وقد رُويَ مَرْفوعًا [أي بالتقييد بالطعمِ لهما] (٤). وفي صحيحِ ابن حبانَ (٥) والمصنفِ لابنِ أبي شيبة (٦) عن ابن شهابٍ: "مضتِ السُّنةُ أن يرشَّ بولُ منْ لمْ يَأكلِ الطعامَ من الصبيانِ"، والمرادُ ما لم يحصلْ لهمُ الاغتذاءُ بغيرِ اللبنِ على الاستقلالِ، وقيل غيرُ ذلكَ. أقوال العلماء في تطهير بول الغلام والجارية وللعلماءِ في ذلكَ ثلاثةُ مذاهبَ: (الأولُ): للهادويةِ والحنفيةِ والمالكيةِ: أنهُ يجبُ غسلُهما كسائرِ النجاساتِ، قياسًا لِبولهِمَا على سائرِ النجاساتِ، وتأوَّلُوا الأحاديثَ؛ وهو تقديمٌ للقياسِ على النصِّ.

стр. 179

(الثاني): وجهٌ للشافعيةِ؛ وهو أصحُّ الأوجهِ عندَهم؛ أنهُ يكفي النضحُ في بولِ الغلامِ لا الجاريةِ فكغيرِها منَ النجاساتِ، عملًا بالأحادِيثِ الواردةِ بالتفْرقةِ بينَهما؛ وهوَ قولُ عليٍّ ﵇، وعطاءِ، والحسنِ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وغيرهِم. (والثالثُ): يكفي النضحُ فيهما؛ وهو كلامُ الأوزاعيِّ. وأمَّا هلْ بولُ الصبيِّ طاهرٌ أو نجسٌ؟ فالأكثرُ على أنهُ نجسٌ، وإنما خففَ الشارعُ في تطهيرِه. واعلمْ أن النضحَ كما قالهُ النوويُّ في شرحِ مسلم (١): هوَ أن الشيءَ الذي أصابُه البولُ يُغْمر ويكاثرُ بالماءِ مكاثرةً لا تبلغُ جريانَ الماءِ وتردُّده وتقاطرَه بخلاف المكاثرةِ في غيرهِ؛ فإنهُ يُشْتَرَطُ أنْ تكونَ بحيثُ يجري [عليها] (٢) بعضُ الماءِ ويتقاطرُ مِنَ المحلِّ، وإنْ لمْ يُشْتَرَطْ عصرهُ، وهذا هوَ الصحيحُ المختارُ، وهو قولُ إمام الحرمين والمحقِّقينَ. نجاسة دم الحَيض ووجوب غسله ٦/ ٢٧ - وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ - "تَحُتُّه، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمّ تَنْضَحُهُ، ثُمّ تُصَلّي فِيهِ". [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). ترجمة أسماء بنت أبي بكر (وَعَنْ أَسْمَاءَ) (٤) بفتحِ الهمزةِ وسينٍ مهملةٍ، فميمٍ فهمزةٍ ممدودةٍ، [هي] (٥) "بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ".

стр. 180

وهي أمُّ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ، أسلمتْ بمكةَ قديمًا، وبايعتِ النبيَّ ﷺ ، وهي أكبرُ منْ عائشةَ بعشرِ سنينَ، وماتتْ بمكةَ بعدَ أن قُتلَ ابنُها بأقلَّ منْ شهرٍ، ولها منَ العُمُرِ مائةُ سنةٍ، وذلكَ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ، ولم تسقطْ لها سِنٌّ، ولا تغيرَ لها عقلٌ، وكانتْ قد عميتْ. (أن النبيَّ ﷺ قَالَ في دَمِ الحَيْضِ يُصِيلث الثَّوبَ: تَحُتُّه) بالفتح للمثناةِ الفوقيةِ وضمِّ الحاءِ المهملةِ، وتشديدِ المثناةِ الفوقيةِ، أيْ: تحكُّهُ. والمرادُ بذلكَ إزالةُ عينِهِ، (ثم تَقْرُصُهُ بالماءِ)، أيْ الثوبَ وهوَ بفتحِ المثناةِ الفوقية، وإسكَانِ القافِ، وضمِّ الراءِ، والصادِ المهملتينِ، أيْ: تدلكُ ذلكَ الدمَ بأطرافِ أصابعها ليتحلَّلَ بذلكَ ويخرجَ ما شربهُ الثوبُ منهُ. (ثمَّ تَنْضَحُهُ) بفتحِ الضادِ المعجمةِ أيْ: تغسلهُ بالماءِ، (ثمَّ تصلي فيه. متفقٌ عليهِ)، ورواهُ ابنُ ماجَه (١) بلفظِ: "اقرصِيهِ واغسليهِ"، ولابنِ أبي شيبة (٢) بلفظِ: "اقرصيهِ بالماءِ، واغسليهِ، وصلِّي فيهِ". وروى أحمدُ (٣)، وأبو داود (٤)، والنَّسائيُّ (٥)، وابنُ ماجه (٦)، وابنُ خزيمةَ (٧)، وابنُ حِبَّانَ (٨) منْ حديثِ أمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: "أَنَّها سألتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن دمِ الحيضِ يصيبُ الثوبَ فقالَ: "حُكِّيْهِ بِصَلْعٍ، واغسليهِ بماءٍ وسدرٍ". قال ابنُ القطانِ (٩): إسنادهُ في غايةِ الصحةِ، ولا أعلمُ لهُ علَّةً. وقوله: (بصَلْعٍ) بصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ، فلامٍ ساكنةِ، وعينٍ مهملة، الحجر. والحديثُ دليلٌ على نجاسةِ دمِ الحيضِ، وعلى وجوبِ غسلهِ، والمبالغةِ في إزالتهِ بما ذكرَ مِنَ الحتِّ، والقرصِ، والنضحِ، لإذهابِ أثرهِ. وظاهرهُ أنهُ لا

стр. 181

يجبُ غيرُ ذلكَ، وإنْ بقيَ منَ العينِ بقيةٌ فلا يجبُ الحادُّ لإذهَابِها لعدمِ ذكرهِ في الحديث، وهوَ محلُّ البيانِ؛ ولأنهُ قد وردَ في غيرِه: "ولا يضرُّكِ أثَرُهُ". العفو عن أثر الحيض في الثوب بعدَ غسله وحتِّه ٧/ ٢٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: "يَكْفِيكِ الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (١). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ) بالخاء المعجمة مفتوحةً، وسكونِ الواو، وهيَ بنتُ يسارٍ كما أفادهُ ابنُ عبدِ البرِّ في "الاستيعاب" (٢) حيثُ قالَ: خَوْلَةُ بنتُ يسارٍ، [قالت] (٣): (يا رَسولَ اللَّهِ، فإنْ لمْ يذهبِ الدَّمُ؟ قَالَ: يكفيكِ الماء ولا يضرُّكِ أثرهُ. أخرجَهُ الترمذيُّ وسندهُ ضعيفٌ)، وكذلكَ أخرجهُ البيهقيُّ (٤)؛ لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعَةَ (٥).

стр. 182

وقالَ إبراهيمُ الحربيُّ: لمْ نسمعْ بخولةَ بنتِ يسارٍ إلَّا في هذا الحديثِ. ورواهُ الطبرانيُّ في "الكبير" (١) منْ حديثِ خولةَ بنتِ حكيم، بإسنادٍ أضعفَ منَ الأولِ. وأخرجهُ الدارميُّ (٢) منْ حديثِ عائشةَ موقوفًا عَليها: "إذا غسلتِ المرأةُ الدمَ فلم يذهبْ فلتغيِّرهُ بصُفرةٍ أو زعفرانَ"، رواهُ أبو داود (٣) عنها موقوفًا أيضًا. وتغييرُهُ بالصُّفرةِ والزَّعفَرانِ ليسَ لقلعِ عينهِ، بل لتغطيةِ لونه تنزُّهًا عنهُ. والحديثُ دليلٌ لما أشرنَا من أنهُ لا يجبُ استعمال الحادِّ لقطعِ أثرِ النجاسةِ وإزالةِ عينِها. وبه أخذَ جماعةٌ من [أئمة] (٤) أهل البيت، ومنَ الحنفية والشافعيةِ. واستدلَّ مَنْ أوجبَ الحادَّ وهمُ الهادويةُ، بأنَّ المقصودَ من الطهارةِ أن يكون المصلِّي على أكملِ هيئةٍ وأحسنِ زينةٍ، ولحديثِ: "اقرصيهِ وأميطيهِ عنكِ بإذخرةٍ"، قال في الشرح: وقدْ عَرفتَ أن ما ذكر لا يفيد المطلوبَ، وأنَّ القول الأول أظهرُ [هذه الأحاديث في هذا الباب] (٥). هذا كلامهُ. وقد يقال: قدْ ورد الأمر بالغسلِ لدمِ الحيضِ بالماءِ والسِّدْرِ (٦) من الحوادِّ، والحديثُ الواردُ به فِي غايةِ الصحَّة كما عرفتَ؛ فيقيَّدُ بهِ ما أطلقَ في غيرِه، [ويخصُّ] (٧) استعمالُ الحادِّ بدمِ الحيضِ ولا يقاسُ عليه غيرُهُ منَ النجاساتِ، وذلكَ لعدمِ تحققِ شروطِ القياسِ، ويُحملُ حديثُ: "ولا يضُرُّكِ أَثَرُهُ"، وحديثُ عائشةَ، وقولُها: (فلمْ يذهبْ) أيْ بعدَ الحادِّ. فهذه الأحاديثُ في هذا الباب اشتملتْ منَ النجاساتِ على الخمرِ، ولحومِ الحُمُرِ الأهليةِ، والمنيِّ، وبولِ الجاريةِ والغلامِ، ودمِ الحيضِ. ولو أدخلَ المصنفُ بولَ الأعرابيِّ في المسجدِ، ودباغَ الأديمِ ونحوه في هذا البابِ لكانَ أوجهَ.

стр. 183

[الباب الرابع] بابُ الوضوءِ في القاموسِ (١): الوُضوءُ يأتِي بالضمِّ: الفعلُ، وبالفتحِ: ماؤُهُ وهو مصدرٌ أيضًا، أو لغتانِ ويُعنى بهمَا المَصْدَرُ، وقد يُعْنَى بهمَا الماءُ، توضَّأْتُ للصَّلاةِ وتوضَّيْتُ لُغَيَّةٌ أو لُثْغَةٌ اهـ. واعلم أن الوُضُوءَ مَنْ أعظمِ شروطِ الصلاةِ. وقد ثبت عند الشيخينِ (٢) مَنْ حديثِ أبي هريرةَ مرفوعًا: "إنَّ الله لا يقبلُ صلاة أحدكمْ إذا أحدثَ حتى يتوضأَ"، وثبت حديثُ: "الوضوءُ شطرُ الإيمانِ" (٣)، وأنزلَ اللَّهُ فريضتهُ منَ السماءِ في قولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤) الآية وهي مدنيةٌ. واختلفَ العلماءُ: هلْ كانَ فرضُ [الوضوء] (٥) بالمدينةِ أو بمكةَ؟ فالمحقِّقون على أنَّهُ فُرضَ بالمدينةِ لعدم النَّص الناهضِ على خلافهِ. فضائل الوضوء وورد في الوضوءِ فضائلُ كثيرةٌ، (منهَا): حديثُ أبي هريرةَ عند مالكٍ (٦)

стр. 184

وغيرِه مرفوعًا: "إذَا توَضَّأَ العَبْدُ المُسْلِمُ أو المؤمِنُ فَغَسَل وَجْهَهُ، خَرَجَتْ من وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إليها بِعَيْنِهِ مَعَ الماءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ [خَرَجَتْ] (١) منْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيْئةٍ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ أو مَعَ آخر قَطْرِ الماءِ، فَاِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيْئَةٍ مَشَتْها رِجْلَاهُ مَعَ المَاءِ أو مَعَ آخر قَطْرِ المَاءِ، حتى يَخْرُجَ نَقيًّا من الذُّنُوبِ". وأشملُ منهُ ما أخرجهُ مالكٌ (٢) أيضًا منْ حديثِ عبد اللَّهِ الصُّنَابِحيِّ - بضمِّ الصاد المهملة، وفتح النون، وكسر الموحدة، آخرهُ مهملة، نسبةً إلى صنابح بطنٍ منْ مرادٍ - وهوَ صحابيٌّ قالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إِذَا تَوضَّأَ العبدُ المُؤمنُ فَتَمضمضَ خَرَجَتِ الخَطَايا منْ فيهِ، وإذَا استَنْثَرَ خَرَجَتِ الخَطَايا منْ أنفهِ، فَإِذَا غَسَلَ وجهَهُ خَرَجَتِ الخَطَايا منْ وجهَهِ حتى تَخرجَ منْ تحتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَديهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا مِنْ يَديهِ حتى تخرجَ مِنْ تحت أظْفَارِ يديهِ، فَإِذَا مسحَ برأسهِ خَرَجَتِ الخَطَايَا من رأسهِ حتى تخرجَ منْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الخطايا منْ رجليه، حتى تخرج من [تحت] (٣) أَظْفَارِ رِجْليْهِ، ثمَّ كانَ مشيهُ إلى المسجدِ وصلاتهُ نافلةٌ له"، وفي معناهما عدة أحاديثَ (٤).

стр. 185

ثمَّ هلِ الوضوءُ من خَصَائِصِ هذه الأمةِ؟ فيه خلاف. المحقِّقونَ على أنَّه ليس من خصائصها إنما الذي من خصائصِها الغرَّةُ والتحجيلُ (١). فضل السواك ١/ ٢٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضوءٍ".

стр. 186

أَخْرَجَهُ مَالِكٌ (١)، وأَحْمَدُ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٤). وَذَكَرَهُ البخاريُّ تعلِيقًا (٥). [صحيح] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ : لَوْلا أَنْ أَشقَّ على أُمَّتِي لأَمَرْتُهْم بالسِّواكِ مَعَ كلِّ وُضوءٍ)، أخرجه مالكٌ، وأحمدُ، والنسائيُّ، وصحَّحه ابنُ خزيمةَ [وذكرهُ البخاريُّ تعليقًا. تعريف الحديث المعلَّق المعلَّقُ هو ما يسقط من أولِ إسناده راوٍ فأكثرَ] (٦). قال في الشرحِ: الحديثُ متفقٌ عليهِ عندَ الشيخين (٧) منْ حديث أبي هريرةَ وهذا لفظهُ. قال ابنُ منده: إسناده مجمعٌ على صحتهِ. قال النوويُّ (٨): غلطَ بعضُ الكبارِ فزعمَ أن البخاريَّ لم يخرجهُ. قلتُ: وظاهرُ صنيعِ المصنفِ هنَا يقَضِي بأنهُ لم يخرجهْ واحد منَ الشيخين؛ [حيث لم ينسبه إلى الشيخين، ونسبه إلى غيرهما؛ فإن المعروف من قاعدة المحدثين أنه إذا أخرج الشيخان الحديث نسبوه إليهما ولا يكتفون برواية غيرهما إلا لعدم إخراجهما له] (٩). وهوَ منْ أحاديثِ عمدةِ الأحكامِ (١٠) التي لا يذكرُ فيهَا إلَّا ما أخرجهُ الشيخانِ، إلَّا أنهُ بلفظِ: "عندَ كلِّ صلاةٍ".

стр. 187

وفي معناه عدةُ أحاديث عن عدة منَ الصحابة، (منها): عن عليٍّ ﵇ عندَ أحمدَ (١)، وعنْ زيدِ بن خالدٍ عندَ الترمذيِّ (٢)، وعن أمِّ حبيبة عندَ أحمدَ (٣)، وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمروٍ، وسهلِ بن سعدٍ، وجابرٍ، وأنسٍ عندَ أبِي نعيم (٤) وعن أبي أيوبَ عند أحمدَ (٥)، والترمذيِّ (٦)، ومن حديثِ ابن عباسٍ وعائشةَ عندَ مسلمٍ (٧)، وأبي داودَ (٨)، ووردَ الأمرُ بهِ منْ حديث: "تَسَوَّكُوا، فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرةٌ لِلْفَمِ، [مرضاة للربِّ] " (٩). أخرجه ابنُ ماجَه (١٠) وفيهِ ضعفٌ، ولكنْ لهُ شواهدُ عديدةٌ دالةٌ على أن للأمرِ بهِ أصلًا. ووردَ في أحاديثَ: "أن السِّواكَ منْ سُنَنِ المرسلينَ (١١)، وأنهُ منْ خصالِ الفطرةِ (١٢)، وأنهُ منَ الطهاراتِ، وأنَّ فضلَ الصلاةِ التي يُسْتاكُ لها على

стр. 188

الصلاة التي لا يُستاكُ لها سبعونَ ضِعفًا". أخرجه أحمدُ (١)، وابنُ خزيمةَ (٢)، والحاكمُ (٣)، والدارقطنيُّ (٤)، وغيرُهم، قالَ في "البدرِ المنيرِ": قدْ ذكرَ في السواك زيادةً على مائةِ حديثٍ (٥) فواعجبًا لسنةٍ تأتي فيها الأحاديثُ الكثيرةُ ثمَّ يهملُها كثيرٌ مِنَ الناسِ، بلْ كثيرٌ منَ الفقهاءِ، فهذِه خيبةٌ عظيمةٌ. هذا ولفظُ السِّواكِ بكسر السينِ في اللغةِ يطلقُ على الفعلِ، وعلى الآلةِ، ويُذكَّرُ ويُؤنثُ، وجمعهُ سُوُكٌ ككتابٍ وكُتُبٍ. ويرادُ بهِ في اصطلاح العلماء استعمالُ عودٍ أو نحوهِ في الأسنانِ لتذهبَ الصفرةُ وغيرُها. قلتُ: وعندَ ذهابِ الأسنَانِ أيضًا يشرعُ لحديثِ عائشةَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، الرجلُ يذهبُ فوهُ أيستاكُ؟ قالَ: "نعمْ"، قلتُ: كيفَ يصنعُ؟ قالَ: "يدخلُ إصبعَهُ في فيهِ"، أخرجهُ الطبرانيُّ في "الأوسط" (٦)، وفيهِ ضعفٌ.

стр. 189

حُكم السِّواك وأمَّا حكمهُ فهوَ سنةٌ عندَ جماهيرِ العلماءِ، وقيلَ بوجوبهِ، وحديثُ البابِ دليلٌ على عدم وجوبهِ لقولهِ في الحديث هذا: "لأمرتُهُمْ" أي أمْرَ إيجابٍ، فإنهُ تركَ الأمرَ بهِ لأجلِ المشقةِ، لا أمْرَ الندبِ، فإنهُ قد ثبتَ بلا مِريةٍ. والحديثُ دلَّ على تعيينِ وقتِهِ وهوَ عندَ كلِّ وضوءٍ. وفي الشرحِ أنَّهُ يستحبُّ في جميعِ الأوقاتِ. أحق الأوقات بالسِّواك ويشتدُّ استحبابُهُ في خمسةِ أوقاتٍ: أحدهما: عندَ الصلاةِ، سواءٌ كان متطهِّرًا بماءٍ أو تراب أو غيرَ متطهِّرٍ، كمنْ لمْ يجدْ ماءً ولا ترابًا. الثاني: عندَ الوضوءِ. الثالث: عندَ قراءةِ القرآنِ. الرابع: عندَ الاستيقاظِ منَ النومِ. الخامس: عندَ تغيُّرِ الفمِ. قال ابنُ دقيقِ العيدِ: السرُّ فيهِ، أي في السِّواكِ عندَ الصلاةِ، أنَّا مأمورونَ في كلِّ حالٍ منَ أحوالِ التقربِ إلى اللَّهِ أنْ نكونَ في حالةِ كمالٍ ونظافةٍ؛ إظهارًا لشرفِ العبادةِ. وقدْ قيلَ: إنَّ ذلكَ الأمرَ يتعلقُ بالمَلَكِ، وهوَ أنهُ يضعُ فاهُ على فمِ القارئِ ويتأذى بالرائحةِ [الكريهةِ] (١)، فسُنَّ السواكُ لأجلِ ذلكَ، وهوَ وجهٌ حسنٌ. ثمَّ ظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يخصُّ صلاةً عن استحبابِ السواكِ لها في إفطارٍ ولا صيامٍ، والشافعيُّ يقولُ: لا يسنُّ بعدَ الزوالِ في الصوم؛ لئلَّا يَذهبَ بهِ خُلوفُ الفمِ المحبوبُ إلى الله تعالى.

стр. 190

وأجيبَ بأنَّ السِّواكَ لا يذهبُ الخُلوفُ بهِ، فإنهُ صادرٌ عنْ خُلُوِّ المعدةِ ولا يذهبُ بالسِّواكِ. ثمَّ هَلْ يسنُّ ذلك للمصلي، وإنْ كانَ متوضِّئًا، كما يدلُّ لهُ حديثُ: "عندَ كلِّ صلاةٍ"؟ قيلَ: نعمْ يسنُّ ذلكَ، وقيلَ: لا يسنُّ إلَّا عندَ الوضوءِ؛ لحديثِ البابِ معَ كلِّ وضوءٍ، وأنهُ يقيدُ إطلاقَ "عندَ كلِّ صلاةٍ" بأنَّ المرادَ عندَ وضوءِ كلِّ صلاةٍ، ولوْ قيلَ: إنهُ يلاحظُ المعنى الذي لأجلهِ شرعَ السواكُ؛ فإنْ كانَ قد مضى وقتٌ طويلٌ يتغيرُ فيهِ الفمُ بأحدِ المغيِّراتِ التي ذكرتْ وهي أكلُ ما لَهُ رائحةٌ كريهةٌ وطول السكوتِ وكثرةُ الكلامِ، وتركُ الأكلِ والشربِ، شُرعَ السواكُ، وإنْ لم يتوضأْ، وإلَّا فلا، لكانَ وجهًا. وقولُهُ فِي رسمِ السواكِ اصطلاحًا، أو نحوِه أي: نحوِ العودِ، ويريدونَ بهِ كلَّ ما يزيلُ التغيُّرَ كالخِرقةِ الخشنةِ، والإصبعِ الخشنةِ، والأُشْنانِ (١). والأحسنُ أنْ يكونَ السواكُ عودَ أراكٍ متوسطًا لا شديد اليبسِ فيجرحُ اللِّثَةَ، ولا شديدَ الرطوبةِ فلا يزيلُ ما يرادُ إزالتهُ. الوضوء ٢/ ٣٠ - وَعَنْ حُمْرَانَ: "أَن عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّات، ثُمَّ غَسَلَ يدَهُ الْيُمْنَى إِلَى المِرْفَقِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الكَعْبَينِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح]

стр. 191

ترجمة حمران مولى عثمان (وَعَنْ حُمْرَانَ) ﵁ (١). بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، وبالراءِ، هوَ ابنُ أَبَانَ بفتحِ الهمزةِ، وتخفيفِ الموحدةِ. وهو مولى لعثمانَ بن عفانَ، أرسلهُ لهُ خالدُ بنُ الوليدِ منْ بعضِ مَنْ سباهُ فِي مغازيهِ فأعتقهُ عثمانُ. (أن عثمانَ) ﵁ هوَ ابنُ عفانَ تأتي ترجمتُهُ قريبًا (٢) (دَعَا بِوَضوءٍ) أي بماءٍ يتوضَّأُ بهِ (فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ)، هَذا منْ سننِ الوضوءِ باتفاق العلماءِ، وليسَ هوَ غسلَهما عندَ الاستيقاظِ الذِي سيأتي حديثهُ، بلْ هذا سنةُ الوضوءِ، فلوِ استيقظَ وأرادَ الوضوءَ، فظاهرُ الحديث أن يغسِلَهما للاستيقاظِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ للوضُوءِ كذلكَ، ويحتملُ تداخلُهما. (ثمَّ تَمَضْمَضَ) المضمضةُ أنْ يجعلَ الماءَ في [الفم] (٣)، ثمَّ يمجُّهُ، وكمالها أنْ يجعلَ الماءَ في فيهِ ثمَّ يديرهُ ثمَّ يمجُّهُ، كذَا في الشرحِ، وفي القاموسِ (٤): المَضْمَضَةُ تحريكُ الماءِ في الفَمِ فجعلَ مِنْ مسماهُ التحريكَ، ولم يجعلْ منهُ المجَّ، ولمْ يذكرْ في حديثِ عثمانَ هلْ فعلَ ذلكَ مرةً أو ثلاثًا، لكنْ في حديثِ عليٍّ ﵇ (٥): "أنهُ مضمضَ واستنشقَ، ونثرَ بيدِهِ اليسرَى، ففعل هذا ثلاثًا"، ثمَّ قالَ: هذا طهورُ نبيِّ الله ﷺ . (وَاسْتَنْشَقَ) الاستنشاقُ إيصالُ الماءِ إلى داخلِ الأنفِ، وجذبهِ بالنَّفَسِ إلى أقصاه، (وَاسْتَنْثَرَ) الاستنثارُ عندَ جمهورِ أهلِ اللغةِ والمحدثينَ والفقهاءِ إخراجُ الماءِ منَ الأنفِ بعدَ الاستنشاقِ. (ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ ثمَّ غَسَلَ يدَهُ اليُمْنَى)، فيهِ بيانٌ لما أُجمِلَ في الآيةِ من

стр. 192

قولِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (١) الآيةُ، وأنهُ يقدمُ اليمنى، (إلى المِرْفَقِ) بكسرِ ميمِهِ، وفتح فائهِ، وبفتحهمَا، وكلمةُ (إلى) في الأصل للانتهاءِ، وقد تستعمل بمعنى مَعَ، وبينَتِ الأحَاديثُ أنهُ المرادُ، كما في حديث جابرٍ: "كان ﷺ يديرُ الماءَ على مرفقيهِ"، أي النبيُّ ﷺ . أخرجهُ الدارقطنيُّ (٢) بسندٍ ضعيفٍ، وأخرجَ (٣) بسندٍ حسنٍ في صفةِ وضوءِ عثمانَ أنهُ غسلَ يديهِ إلى المِرْفَقينِ حتى مسحَ أطرافَ العضُدَينِ، وهوَ عندَ البزَارِ (٤)، والطبرانيِّ (٥) منْ حديثِ وائلِ بن حجرٍ في صفةِ الوضوءِ: "وغسلَ ذراعيهِ حتى جاوزَ المرافقَ". وفي الطحاويِّ (٦)، والطبرانيِّ (٧) من حديثِ ثعلبةَ بن عبادٍ عنْ أبيهِ: "ثمَّ غسلَ ذراعيهِ حتى [سال] (٨) الماءُ على مرفقيهِ"، فهذهِ الأحاديثُ يقوي بعضُها بعضًا (٩). قَالَ إسحاقُ بنُ راهويه: (إلى) في الآيةِ: يحتملُ أنْ تكونَ بمعنى الغايةِ، وأنْ تكونَ بمعنى مَعَ، فبيَّنتِ السنَّةُ أنَّها بمعْنى معَ.

стр. 193

قالَ الشافعي: لا أعلمُ خلافًا في إيجابِ دخولِ المرفقينِ في الوضوءِ، وبهذا عرفتَ أن الدليلَ قدْ قامَ على دخولِ المرافقِ. قال الزمخشريُّ: لفظُ (إلي) يفيدُ معنى الغايةِ مطلقًا، فأمَّا دخولُها في الحكمِ وخروجُها فأمرٌ يدورُ معَ الدليلِ، ثمَّ ذكرَ أمثلةً لذلكَ، وقدْ عرفتَ أنهُ قدْ قامَ ها هنَا الدليلُ علَى دخولِها (ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) أي: إلى المرافق ثَلاثَ مَرَّاتٍ، (ثُمَّ مَسَحَ برأسهِ) هوَ موافقٌ للآيةِ في الإتيانِ بالباءِ، ومسحَ يتعدَّى بها، وبنفسِهِ. قالَ القرطبيُّ (١): إن الباءَ هنَا للتعديةِ يجوزُ حذفُها وإثباتُها، وقيلَ: دخلتِ الباءُ ها هنا لمعنى تفيدُهُ، وهوَ أن الغَسْلَ لغةً يقتضي مغسولًا بهِ، والمسحُ لغة لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قالَ: امسحوا رؤوسكم لأجزأَ المسحُ باليدِ بغيرِ ماءٍ، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسِكُم الماءَ، وهوَ من بابِ القلبِ، والأصلُ فيه امسحوا بالماءِ رؤوسَكم. ثمَّ اختلفَ العلماءُ: هلْ يجبُ مسحُ كلِّ الرأسِ أو بعضِهِ؟ قَالوا: والآيةُ لا تقتضي أحدَ الأمرينِ بعينِهِ، إذْ قولُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) يحتملُ جميعَ الرأسِ أو بعضَهُ، ولا دلالَة في الآيةِ على استيعابِهِ، ولا عدمٍ استيعابهِ، لكنَّ مَنْ قالَ: يُجزئُ مسحُ بعضهِ قالَ: إنَّ السنةَ وردتْ مبيِّنةً لأحدِ احتمالي الآيةِ، وهوَ ما رواهُ الشافعيُّ (٣) منْ حديثِ عطاءٍ: "أن رسولَ الله ﷺ توضأَ فحسرَ العمامةَ عنْ رأسهِ ومسحَ مُقَدَّمَ رأسِهِ"، وهوَ وإنْ كانَ مرسلًا، فقدْ اعتضدَ بمجيئهِ مرفوعًا منْ حديثِ أنسٍ (٤)، وهو وإن كانَ في سندِهِ مجهولٌ، فقدْ عضدَ بما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٥) من حديثِ عثمانَ في صفةِ الوضوءِ: "أنهُ مسحَ مُقَدَّمَ رأسهِ"، وفيه راوٍ مختلفٌ فيهِ.

стр. 194

وثبتَ عن ابن عمرَ (١) الاكتفاءُ بمسحِ بعضِ الرأسِ. قالَ ابنُ المنذرِ وغيرُهُ: ولمْ ينكِرْ عليهِ أحدٌ منَ الصحابةِ. ومنَ العلماءِ مَنْ يقولُ لا بُدَّ مِنْ مسحِ البعضِ منَ التكميلِ على العمامةِ؛ لحديثِ المغيرةِ وجابرٍ عندَ مسلم (٢). ولم يذكرْ في هذهِ الروايةِ تكرارَ مسحِ الرأسِ كما ذكرهُ في غيرِها، وإنْ كانَ قَدْ طوى ذكرَ التكرارِ أيضًا في المضمضةِ كما عرفتَ، وعدمُ الذكرِ لا دليلَ فيه. ويأتي الكلامُ في ذلك. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى إلى الكعبين ثلاثَ مراتٍ)، الكلامُ في ذلكَ كما تقدَّمَ في يدِهِ اليمنى إلى المرفقِ، إلَّا أن المرافقَ قدْ اتُّفِقَ علَى مُسَمَّاهَا بخلافِ الكعبينِ فوقعَ في المرادِ بهمَا هنا خلافٌ. فالمشهورُ إنَّهُ العظمُ الناشزُ عندَ ملتقَى الساقِ، وهوَ قولُ الأكثرِ، وحُكِيَ عنْ أبي حنيفةَ والإماميةِ أنهُ العظمُ الذي في ظهرِ القدمِ عندَ معقدِ الشراكِ. وفي المسألةِ مناظراتٌ ومقاولاتٌ طويلةٌ. قال في الشرحِ: ومِنْ أوضحِ الأدلةِ - أي على ما قاله الجمهورُ - حديثُ النعمانِ بن بشير (٣) في صفةِ الصفِ في الصلاةِ: "فرأيتُ الرجُلَ منَّا يُلْزِقُ كعبَه بكعبِ صاحبِهِ". قلتُ: ولا يخفى أنهُ لا أنهضيَّة فيهِ؛ لأنَّ المخالفَ يقولُ: أنا أسميهِ كعبًا، ولا أخالفُكمْ فيهِ لكني أقولُ: إنهُ غيرُ المرادِ في آيةِ الوضوءِ، إذِ الكعبُ يطلقُ على الناشزِ، وَعَلَى مَا في ظهر القدم، وغايةُ مَا في حديثِ النعمانِ أنهُ سمَّى

стр. 195

الناشزَ كعبًا، ولا خلافَ في تسميتِهِ. وقدْ [أيَّدْنا] (١) في حواشي (ضوءِ النَّهارِ) (٢) أرجحيةَ مذهبِ الجمهور بأدلةٍ هنالكَ، (ثمَّ اليسرى مثلَ ذلكَ) أي إلى الكعبينِ ثلاثَ مراتٍ. (ثمَّ قالَ) أي: عثمانُ (رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ توضأَ نحوَ وضوئي هَذَا. متفقٌ عليهِ). وتمامُ الحديثِ: (فقالَ - أي رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ توضأَ نحوَ وضوئي هَذَا، ثم صلَّى ركعتينِ لا يحدِّثُ فيهما نفسه، غفرَ له ما تقدمَ مِنْ ذنبِهِ)، أي لا يحدثُ فيهما نفسَهُ بأمورِ الدُّنيا، وما لا تعلقَ لهُ بالصلاةِ، ولوْ عرضَ لهُ حديثٌ فأعرضَ عَنه بمجردِ عروضهِ عفي عنهُ، ولا يعدُّ محدِّثًا لنفسهِ. واعلمْ أن الحديثَ قد أفادَ الترتيبَ بينَ الأعضاءِ المعطوفةِ بثُمَّ، وأفادَ التثليثَ، ولمْ يدلّ على الوجوبِ؛ لأنهُ إنَّما هوَ صفةُ فعلٍ ترتبتْ عليهِ فضيلة، ولمْ يترتبْ عليهِ عدمُ إجزاءِ الصلاةِ، إلَّا إذا كانَ بصفتِهِ، وَلا وردَ بلفظٍ يدلُّ على إيجابِ صفاتهِ. فأمَّا الترتيبُ، فخالفتْ فيهِ الحنفيةُ، وقالُوا: لا يجبُ. وأمَّا التثليثُ، فغيرُ واجب بالإجماعِ، وفيهِ خلافٌ شاذٌّ. ودليلُ عدم وجوبهِ تصريحُ الأحاديثِ بأنُه ﷺ توضأَ مرتينِ مرتينِ (٣)، ومرةً مرةً (٤)، وبعضَ الأَعضاءِ ثلَّثَها وبعضَها بخلافِ ذلكَ، وصرَّحَ في وضوءِ مرةٍ مرةٍ أنهُ لا يقبلُ اللَّهُ الصلاةَ إلا بهِ. وأمَّا المضمضةُ والاستنشاقُ فقدِ اخْتُلفَ في وجوبِهمَا، فقيلَ: يجبانِ لثبوتِ

стр. 196

الأمرِ بهمَا في حديثِ أبي داودَ (١) بإسنادٍ صحيحٍ، وفيهِ: (وبالغْ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا)، ولأنهُ واظبَ عليهمَا في جميعِ وضوئِهِ. وقيل: إنهمَا سنةٌ بدليلِ حديثِ أبي داودَ (٢) والدارقطنيِّ (٣) وفيهِ: (إنهُ لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتَّى يُسْبِغَ الوضوءَ كَما أمره اللَّهُ تعالى، فيغسلُ وجهَهُ ويديْهِ إلى المرفقينِ، ويمسحُ برأسهِ ورجليهِ إلى الكعبينِ)، فلمْ يذكرِ المضمضةَ والاستنشاقَ؛ فإنهُ اقتصرَ فيهِ على الواجب الذي لا يقبلُ اللَّهُ الصلاة إلَّا بهِ، وحينئذٍ فَيُؤَوَّلُ حديثُ الأمرِ بأنهُ أمرُ ندبٍ (٤). مسح الرأس ٣/ ٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَمَسَحَ بِرَأسِهِ وَاحِدَةً) [صحيح] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وَالنَّسَائِيُّ (٧) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ (٨).
следующие страницы →