← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1312–1351 · переход к 1317.

стр. 1312

حكم بيع أمهات الأولاد وهبتهن ١١/ ٧٤٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى عُمَرُ عَنْ بَيْعِ أُمّهَاتِ الأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا تُبَاعُ، وَلا تُوهَبُ، وَلا تُورَثُ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا مَا بَدَا لَهُ، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرّةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ (١)، وَالْبَيْهَقِيُّ (٢)، وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فَوَهِمَ. [موقوف] (وعن ابن عمر ﵄ قالَ: نَهَى عمرُ عنْ بيعِ أمَّهاتِ الأولادِ، فقالَ: لا تباعُ ولا تُوهبُ ولا تُورَثُ، يستمتعُ بها ما بدا لهُ، فإذا ماتَ فهيَ حرَّةٌ. رواهُ مالكٌ والبيهقيُّ وقالَ: رفَعَهُ بعضُ الرواةِ فَوَهِمَ). وقال الدارقطنيِّ (٣): الصَحيحُ وَقْفُهُ على عمرَ. ومِثْلَهُ قالَ عبدُ الحقِّ: قالَ صاحبُ الإلمامِ: المعروفُ فيهِ الوقفُ والذي رفعَهُ ثقةٌ (٤). وفي البابِ آثارٌ عن الصحابةِ. وقدْ أَخرجَ الحاكمُ (٥)، وابنُ عساكرَ، وابنُ المنذرِ عنْ بريدةَ قالَ: كنتُ جالسًا عندَ عمرَ إذْ سمعَ صائحةً، قالَ: يا يرفأُ (٦) انظرْ ما هذا الصوتُ؟ فنظرَ ثمَّ جاءَ، فقالَ: جاريةٌ منْ قريشٍ تُباعُ أمُّها، فقالَ عمرُ: ادعُ لي المهاجرِينَ والأنصارَ، فلمْ يمكثْ ساعةً حتَّى امتلأتِ الدارُ والحجرةُ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ ثمَّ قالَ: أما بعدُ فهلْ كانَ فيما جاءَ بهِ محمدٌ ﷺ القطيعةُ؟ قالُوا: لا، قالَ: فإنَّها قد أصبحتْ فيكمْ فاشيةً، ثمَّ قرأَ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوأ فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوأ أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ (٧)، ثمَّ قالَ: وأيُّ قطيعةٍ أقطعُ منْ أنْ تُباعَ أمُّ امرئٍ منْكم، وقد أوسعَ اللَّهُ لكم؟ قالُوا: فاصنَع ما بدا لكَ، فكتبَ إلى

стр. 1313

الآفاقِ: أنْ لا تباعَ أمُّ حرٍّ فإنَّها قطيعةٌ [فإنه] (١) لا يحلُّ. فهذَا ونحوهُ منَ الآثارِ. والحديثُ دليلٌ على أن الأَمَةَ إذا ولدتْ منْ سيِّدِها حَرُمَ بيعُها، سواءٌ كانَ الولدُ باقيًا أوْ لا. وإِلى هذا ذهب أكثرُ الأمةِ وادَّعى الإجماعَ (٢) على المنعٍ منْ [بيعهن] (٣) جماعةٌ منَ المتأخرينَ، وأفردَ الحافظُ ابنُ كثير الكلامَ على هذه المسألةِ في جزءٍ مفردٍ قال: وتلخَّصَ لي عن الشافعيِّ فيها [أربعةُ] (٤) أقوال [أو] (٥) في المسألةِ منْ حيثُ هيَ ثمانيةُ أقوالٍ. وقدْ ذهبَ الناصرُ والإماميةُ (٦)، وداودُ إلى جوازِ بيعهِا لما أفادهُ الحديثُ الآتي: ١٢/ ٧٤٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَارِيَنَا أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ ﷺ حتيٌّ، لا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (٨)، وَالدَّارَقُطْنيُّ (٩)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (١٠) [صحيح] (وَعَنْ جَابِرِ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ سَرَاريَنَا أُمّهَاتِ الأَوْلادِ، وَالنَّبيُّ ﷺ حَيٌّ، لا يَرَى بذَلِكَ بَأْسًا. رَوَاة النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنيُّ، وَصَحّحَهُ ابْن حِبّانَ)، وأخرجهُ أَحمدُ، والشافعي، والبيهقيُّ، وأبو داودَ، والحاكمُ، وزادَ في زمن أبي بكر، [وفيهِ] (١١): فلمَّا كانَ عمرُ نَهانَا فانْتَهينَا، رواه الحاكمُ (١٢) منْ حديِثِ أبي سعيدٍ،

стр. 1314

وإسنادُه ضعيفٌ. قال البيهقيُّ (١): ليسَ في شيء منَ الطرقِ أنهُ ﷺ اطّلَعَ على ذلكَ وأقرَّهم عليه، ويرده روايةُ النسائي (٢) التي فيها والنبيُّ ﷺ حيٌّ لا يَرَى بذلكَ بأسًا. واستدلَّ القائلونَ بجوازِ بيعِها أيضًا بأنهُ صحَّ عنْ عليٍّ ﵇[الرجوع] (٣) عنْ تحريمِ بيعهَا إلى جوازِه، فأخرجَ عبدُ الرزاقِ (٤) عنْ مُعمَّيرٍ، عنْ أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عنْ عبيدةَ السَّلمانيِّ المرادي، قالَ: سمعتُ عليًا ﵇ يقولُ: اجتمعَ رأي ورأْيُ عمرَ في أمهاتِ الأولادِ إنْ لا يُبَعْنَ، ثمَّ رأيتُ بعدَ ذلكَ أنْ يُبَعْنَ، الحديثُ. وهو معدودٌ في أصحِّ الأسانيدِ، وأجابَ في الشرحِ عنْ هذه الأدلةِ بأنهُ يحتملُ أن حديثَ جابرٍ كانَ في أولِ الأمرِ، وأنَّ [ما ذكرنا] (٥) ناسخٌ، وأيضًا فإنهُ راجعٌ إلى التقريرِ وما ذُكِرَ قولٌ، وعندَ التعارضِ القولُ أرجحُ. قلتُ: ولا يخْفَى ضعفُ هذا الجوابِ، [لأنهُ لا] (٦) نسخَ بالاحتمالَ، فللقائل بجوازِ بيعهِا أنْ يقلبَ الاستدلالَ ويقولُ: يُحْتَملُ -[على فرض أن الحديث مرفوع] (٧) - أن حديثَ ابن عمرَ (٨) كانَ [في] (٩) أولَ الأمرِ ثمَّ نُسخ بحديثِ جابرٍ (وإن كان احتمالًا، بعيدًا] (١٠)، ثمَّ قولُه: إنَّ حديثَ جابرٍ راجعٌ إلى التقريرِ، وحديثُ ابن عمرَ قولٌ، والقولُ أرجحُ عندَ التعارضِ، يقالُ عليهِ: القولُ لم يصحَّ رفعُه، بل صرَّحَ المصنفُ وغيرهُ أن رفْعَهُ وهْمٌ، وليسَ في منعِ بيعهِا إلَّا رأيُ عمرَ لا غيرُ، ومنْ شاورَهُ منَ الصحابةِ، وليسَ بإجماع فليسَ بحجةٍ على أنهُ لو كانَ في المسألةِ نصٌ لما احتاجَ عمرُ والصحابةُ إلى الرأي. وأما حديث ابن عباس (١١) أنها لما ولدت مارية ابنه إبراهيم فقال ﷺ :

стр. 1315

أعتقها ولدها، فإنه قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (١): أنه روي من أوجه ليس بالقوي، ولا يثبته أهل الحديث. قال: وكذلك حديث ابن عباس (٢) ﵁ أنه ﷺ قال: (أيُّما [أمة] (٣) ولدت من سيدها فهي حرة إذا مات)، لا يصح لأنه انفرد به الحسين بن عبد الله بن عبيد اللَّهِ بن عباس، وهو ضعيف (٤) متروك. انتهى. وأما أبو محمد بن حزم فقد صحَّح (٥) الأول، وتعقب بما بسطناه في حواش ضوء النهار (٦). حرمة بيع فضل الماء والملح والكلأ ١٣/ ٧٤٨ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عبدِ اللَّهِ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧)، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ (٨): وَعَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ. [صحيح] (وعنْ جابرٍ [بن عبد اللَّهِ] (٩) ﵁ قال: نَهَى رسول الله ﷺ عنْ بيع فضلِ الماءِ: رواه مسلمٌ، وزادَ في روايةٍ: وعنْ بيعِ ضِرَابِ الجملِ)، وأخرجه أصحابُ

стр. 1316

السننِ (١) منْ حديثِ إياس بن عبدٍ، وصحَّحه الترمذيُّ، وقالَ أبو الفتحِ القشيريِّ: هوَ عَلَى شرطِهما، والحديثُ دليل على أنهُ لا يجوزُ بيعُ ما فَضُلَ منَ الماءِ عنْ كفايةِ صاحبهِ. قالَ العلماءُ: وصورةُ ذلكَ أنْ ينبعَ في أرضِ صاحبه ماءٌ فيسقي الأعلى، ثمَّ يفضلُ عنْ كفايتهِ فليسَ لهُ المنعُ، وكذَا إذا اتخذَ حفرةً في أرضٍ مملوكةٍ يُجْمَعُ فيها الماءُ، أو حفرَ بئرًا فيسقي منهُ، ويسقي أرضَه فليسَ لهُ منعُ ما فَضُلَ. وظاهرُ الحديثِ يدلُّ على أنهُ يجبُ عليهِ بذلُ ما فَضُلَ عنْ كفايتهِ لشربٍ، أو طَهُورٍ، أو سقي زرعٍ، وسواءٌ كانَ في أرضٍ مباحةً أو مملوكةٍ. وقدْ ذهبَ إلى هذا العموم ابنُ القيمٍ في الهدي (٢)، وقالَ: إنهُ يجوزُ دخولُ الأرضِ المملوكةِ لأخْذِ الماءِ والكلأ لأنَّ لهُ حقًّا في ذلكَ ولا يمنعُه استعمالُ ملكِ الغيرِ، وقالَ: إنهُ نصَّ أحمدُ على جوازِ الرعي في أرضٍ غيرِ مباحةٍ للراعي، وإلى مثلهِ ذهبَ المنصورُ باللَّهِ، والإمامُ يحيى في الحطَبِ والحشيشِ (٣). ثمَّ قالَ: إنهُ لا فائدةَ لإذنِ صاحبِ الأرضِ، لأنهُ ليسَ لهُ منعُه منَ الدخولِ بلْ يجبُ عليهِ تمكينُه، ويحرمُ عليهِ منعهُ فلا يتوقفُ دخولهُ علَى الإذنِ، وإنَّما يحتاجُ إلى الإذنِ في الدخولِ في الدار إذا كانَ فيها سَكَنٌ لوجوبِ الاستئذانِ، [وأما] (٤) إذا لم يكنْ فيها سَكَنٌ فقدْ قالَ تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوأ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعٌ لَّكُمْ﴾ (٥). ومن احتفرَ بئْرًا أو نَهَرًا فهوَ أحقُّ بمائهِ، ولا يمنعُ الفضلةَ عنْ غيره سواءٌ قلْنا: إنَّ الماءَ حقٌّ للحافرِ لا ملكٌ كما هوَ قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، أو قلْنا هوَ ملْكٌ، فإنْ عَليه بذلَ الفضلةِ لغيرهِ لما أخرجَهُ أبو داودَ (٦): (أنهُ [قال رجلٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منعهُ؟ قالَ: الماءُ] (٧)، قالَ: يا نبيَّ اللَّهِ، ما

стр. 1317

الشيءُ الذي لا يحلُّ منعهُ؟ قالَ: الملحُ). وأفادَ أن في حكمِ الماءِ الملحَ، وما [شاكله] (١)، ومثلهُ الكلأُ، فمنْ سبقَ بدوابِّهِ إلى أرضٍ مباحةٍ فيها عُشْبٌ فهوَ أحقُّ برعْيِهِ ما دامتْ فيهِ دوابُّه، فإذا [خرجتْ] (٢) منهُ فليسَ لهُ بيعهُ. هذا وأما [المحروز] (٣) في الأسقيةِ والظروفِ فهوَ مُخصَّصٌ منْ ذلكَ بالقياسِ على الحَطَبِ فقدْ قالَ ﷺ (٤): (لأَنْ يأخذَ أحدُكم حَبْلًا فيأخذَ حزمةً منْ حطب فيبيعَ ذلكَ فيكفَّ بها وجْهَهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يسألَ الناسَ أُعطِيَ أوْ مُنِعَ)، فيجوزُ بيعهُ ولا يجبُ بذْلُه إلَّا لمضْطَّرٍ، وكذلكَ بيعُ البئرِ والعينِ أنفسِهما فإنهُ جائزٌ. فقدْ قالَ ﷺ (٥): (منْ يشتري بئرَ رومةَ يُوَسِّعُ بها على المسلمين فلهُ الجنةُ)، فاشتَراها عثمانُ والقصةُ معروفةٌ، [و] (٦) قولُه: (وعنْ ضرابِ الجملِ)، أي ونَهَى عنْ أجرةِ ضرابِ الجملِ، وقدْ عبرَّ عنهُ بالعسبِ في الحديثِ الآتي: النهي عن عسب الفحل ١٤/ ٧٤٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٧) [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ عَسْبِ الفحلِ) وهوَ بفتحِ العينِ المهملةِ، وسكونِ السينِ المهملةِ، فباءٍ موحَّدةٍ (رواهُ البخاريُّ)، وفيه وفيما قَبْلهُ دليل على تحريمِ استئجارِ الفحل للضرابِ، والأجرةُ حرامٌ. وذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ إلى أنهُ يجوزُ ذلكَ إلا أنهُ يستأجرُه للضرابِ مدةً معلومةً، أو تكونُ الضراباتُ معلومةً. قالُوا: لأَنَّ الحاجةَ تدعُو إليهِ وهيَ منفعةٌ مقصودةٌ، وحملُوا النَّهْي على التنزيهِ وهوَ خلافُ أصله.

стр. 1318

النهي عن بيع حبل الحبَلة ١٥/ ٧٥٠ - وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يبْتَاعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ: كَانَ الرّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَالَّلفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). [صحيح] (وعنهُ) أي ابن عمرَ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنْ بيعِ حَبَل الحَبَلَةِ)، بفتحِ الحاءِ المهملةِ، والباءِ الموحدةِ فيهما (وكانَ بيعًا يبتاعُه أهلُ الجاهليةِ) وفسَّرهُ قولُه: (كانَ الرجل يبتاعُ الجَزوْرَ) بفتحِ الجيمِ، وضمِّ الزاي. أي: البعيرَ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى. وهوَ مؤنثٌ وإنْ أُطْلِقَ على مُذَكَّرٍ، تقولُ: هذه [جزور] (٣) (إلى أنْ تُنتجَ) بضمِّ أولهِ وفتح ثالثه، [أي تَلِدُ] (٤) (الناقةُ)، وهذا الفعلُ لم يأتِ في لغةِ العربِ إلا على بِنَاءٍ للمجهولِ، (ثمَّ تُنْتَجُ التي في بطنها)، وهذا التفسيرُ مدرجٌ في الحديثِ منْ كلامِ نافعِ. وقيلَ: منْ كلامِ ابن عمرَ (٥) (متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ)، ووقعَ في روايةِ: حَمْلِ ولدِ النّاقةِ منْ دونِ اشتراطِ الإنتاجِ (٦)، وفي روايةٍ: (أنْ تنتجَ الناقةُ ما في (٧) بطنها) منْ دونِ أنْ يكونَ نتاجُها قدْ حملَ وأنتجَ، والحبلُ مصدرُ حَبَلَتْ تحبَلُ يسمَّى بهِ المحبولُ، والحبلةُ جمْعُ حابلِ مثلُ ظلَمةٍ في ظالمٍ، وكتَبةٍ في كاتبِ، ويقالُ: حابلٌ وحابلةٌ بالتاءِ. قالَ أبو عبيدٍ (٨): لم يردِ الحَبَلُ في غيرِ الآدمياتِ إلَّا في هذا الحديثِ. وقالَ غيرهُ (٩): بلْ ثبتَ في غيرهِ.

стр. 1319

والحديثُ دليل على تحريمِ هذا البيعِ. وإختلفَ العلماءُ في هذا المنْهِيِّ عنهُ لاختلافِ الرواياتِ هلْ [هوَ] (١) منْ حيثُ يؤجلُ بثمنِ الجزورِ إلى أنْ يحصلَ [النتاجُ] (٢) المذكورُ، أو إنهُ يبيعُ منهُ النتاجُ. ذهبَ (٣) إلى الأولِ مالكٌ والشافعيُّ وجماعةٌ قالُوا: وعلةُ النَّهْي [هي] (٤) جهالةُ الآجلِ، وذهبَ إلى [الثمن] (٥) الثاني أحمدُ وإسحاقُ وجماعةٌ منْ أئمةِ اللغةِ، وبهِ جَزَم الترمذيُّ (٣). قالُوا: علةُ النَّهي [هوَ] (٦) كونُه بيعٌ معدومٌ، ومجهولٌ، وغيرُ مقدورٍ على تسليمِه، وهوَ داخلٌ في بيعِ الغررِ؛ وقَدْ أشارَ إلى هذا البخاريُّ (٧) حيثُ صَدَّرَ البابَ ببيعِ الغررِ، وأشار إلى التفسيرِ الأولِ ورجَّحهُ أيضًا في بابِ (٨) السلمِ بكونهِ موافقًا للحديثِ، وإنْ كانَ كلامُ أهلِ اللغةِ موافقًا للثاني. نعمْ ويتحصَّلُ منَ الخلافِ أربعةُ أقوالِ، لأنهُ يُقَالُ: هلِ المرادُ البيعُ إلى أجل، وبيعُ الجنينِ، وعلى الأولِ هلِ المرادُ بالأجلِ ولادةُ الأمِّ أو ولادةُ ولدِها، وعلى الثاني هلِ المرادُ بيعُ الجنينِ الأولِ أو جنينُ [الثاني] (٩) فصارتْ أربعةَ أقوالٍ. [هذا] (١٠) وحُكي (١١) عن ابن كيسانَ، [وعن] (١٢) المبردِ أن المرادَ بالحبلةِ الكرمةُ، وأنهُ نُهِيَ عنْ بيعِ ثمرِ العنبِ قبلَ أن يصلحَ، فأصلُه على هذا بسكونِ الباءِ الموحدةِ، لكنَّ الرواياتِ بالتحريكِ، إلَّا أنهُ قدْ حُكِيَ في الحَبَلَةِ بمعنَى الكرْمَةِ فتحُها. النهي عن بيع الولاء وهبته ١٦/ ٧٥١ - وَعَنْهُ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١٣) [صحيح]

стр. 1320

(وعنهُ) أي ابن عمرَ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنْ بيعِ الولاءِ) بفتحِ الواوِ، (وعنْ هِبَتِهِ. متفقٌ عليهِ). والولاءُ هوَ: ولاءُ العتقِ، أي: وهوَ إذا ماتَ المعتَقُ ورثَه معتقُه، كانتِ العربُ تهبهُ وتبيعهُ فَنُهِيَ عنهُ لأنَّ الولاءَ كالنَّسَبِ لا يزولُ بالإزالةِ. ذكرهُ في النَّهايةِ (١). النهي عن بيع الغرر ١٧/ ٧٥٢ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ، وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ). اشتملَ الحديثُ (٣) على النَّهْي عنْ صورتينِ منْ صورِ البيعِ. الأولى: بيعُ الحصاةِ، واختُلِفَ في تفسيرِ بيعِ الحصاةِ، قيلَ: هوَ أنْ يقولَ ارمِ بهذهِ الحصاةِ فعلَى أيِّ ثوب وقعتْ فهوَ لك بدرهم، وقيلَ: هوَ أنْ يبيعَه منْ أرضِه قدْرَ ما انتهتْ إليهِ رميةُ الحصاةِ. وقيلَ: هو أن يقبضَ على كفِّ من حصا ويقولُ: لي بعدد ما خرجَ في القبضةِ منَ الشيءِ المبيعِ، أو يبيعه سلعةَ ويقبضُ على كفٍّ من حصا ويقول: لي بكل حصاة درهمٌ، وقيلَ: أنْ يمسكَ أحدُهما حصاةً بيدهِ ويقولُ: أيَّ وقتٍ سقطتِ الحصاةُ فقدْ وجبَ البيعُ، وقيلَ: هوَ أنْ يعترضَ القطيعَ منَ الغنمِ فيأخذَ حصاةً ويقولُ: أيَّ شاةٍ أصابتْها فهيَ لكَ بكذَا. وكلُّ هذهِ متضمنةٌ للغررِ لما في الثمنِ [أ] (٤) والمبيعِ منَ الجهالةِ، ولفظُ الغررِ يشملُها، وإنَّما أفردتْ لكونِها [كانتْ] (٥) مما يبتاعُها الجاهليةُ فَنَهى ﷺ عنْها، وأضيفَ البيعُ إلى الحصاةِ للملابسةِ لاعتبارِ الحصاةِ فيه.

стр. 1321

والثانيةُ: بيعُ الغَررِ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، والراءِ المتكررةِ، وهوَ بمعنَى مغرورٍ [به] (١) اسمُ مفعولٍ، وإضافةُ المصدرِ إليهِ منْ إضافتهِ إلى المفعولِ، ويحتلُ غيرُ هذَا، ومعناهُ الخِدَاعُ الذي هوَ مَظَنَّةُ أنْ لا رِضَا بهِ عندَ تحققهِ،، فيكونُ منْ أكلِ المالِ بالباطلِ، ويتحققُ في صورِ إما بعدمِ القدرةِ على تسليمهِ كبيعِ العبدِ الآبقِ، والفرسِ النافرِ، أو بكونهِ معدومًا أو مجهولًا، أو لا يتمُّ ملكُ البائع لهُ كالسمكِ في الماءِ الكثيرِ، ونَحوِ ذلكَ منَ الصورِ. وقدْ يحتملُ بعضَ الغَرَرِ فيصحُّ معهُ البيعُ إذا دعتْ إليهِ الحاجةُ كالجهلِ بأساسِ الدارِ، وكبيعِ الجبَّةِ المحشوةِ، وإنْ لم يَرَ حشْوَها؛ فإنَّ ذلكَ مُجْمَعٌ عليهِ. وكَذَا على جوازِ إجارةِ الدارِ والدابةِ شهرًا معَ أنهُ قدْ يكونُ الشهرُ ثلاثينَ يومًا أو تسعةً وعشرينَ، وعلى دخولِ الحمَّامِ بالأجرةِ معَ اختلافِ الناسِ في استعمالِهم الماءَ، وقدرِ مُكْثِهِمْ، وعلى جوازِ الشربِ [من] (٢) السِّقَاءِ بالعوضِ معَ الجهالةِ، وأجمعُوا على عدمِ صحةِ بيعِ الأجنةِ في البطونِ (٣)، والطيرِ في الهواءِ (٤)، واختلفُوا في صورٍ كثيرةٍ اشتملتْ عليها كتبُ الفروعِ. منع التصرف في المبيع المكيل إلا بعد اكتياله ١٨/ ٧٥٣ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَكْتَالَهُ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعنهُ) أي أبي هريرةَ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: منِ اشتَرى طعامًا فلا يبِعه حتَّى يكتالَه. رواهُ مسلمٌ). وقدْ وردَ في الطعامِ أنهُ لا يبيعهُ من اشتراهُ حتَّى يستوفيهِ منْ حديثِ جماعةٍ منَ الصحابةِ (٦)، ووردَ في أعمِّ منَ الطعامِ حديثُ حكيمِ بن حزامٍ عندَ أحمدَ (٧)، قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إني أشتري بُيُوعًا فما يحلُّ لي

стр. 1322

منْها وما يحرُم عليَّ؟ قالَ: (إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه). وأخرج الدارقطني (١)، وأبو داود (٢) من حديث زيد بن ثابتٍ: (أن النبيَّ ﷺ نَهَى أنْ تُباعَ السِّلعةُ حيثُ تُبْتَاعُ، حتَّى يحوزَها التجارُ إلى رحالِهِم)، وأخرجهُ السبعةُ (٣) إلا الترمذيِّ (٤) منْ حديثِ ابن عباسٍ أن النبيَّ ﷺ قالَ: (منِ ابتاعَ طعامًا فلا يبِعه حتَّى يستوفِيْهِ). قالَ ابنُ عباسٍ: ولا أحسبُ كلَّ شيءٍ إلا مثلَه، فدلَّتِ الأحاديثُ أنهُ لا يجوزُ بيعُ أيِّ سلعةٍ شُرِيَتْ إلَّا بعدَ قبضِ البائعِ لها واستيفائِها. وذهبَ (٥) قومٌ إلى أنَّه يختصُّ هذا الحكمُ بالطعامِ لا غيرِه منَ المبيعاتِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنهُ يختصُّ ذلكَ بالمنقولِ دونَ غيرِه لحديثِ زيدِ بن ثابتٍ فإنهُ في السلعِ. والجوابُ أن ذكَرَ حكمِ الخاصِّ لا يخصُّ بهِ العامُّ، وحديثَ حكيم عامٌ، فالعملُ عليهِ، وإليهِ ذهبَ الجمهورُ، وأنهُ لا يجوزُ البيعُ للمشتري قبلَ القبض مطْلقًا، وهوَ الذي دَلَّ لهُ حديثُ حكيم، واستنبطهُ ابنُ عباس. فائدةٌ: أخرجَ الدارقطنيُّ (٦) منْ حديثِ جابرٍ: (نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ بيع الطعامِ حتَّى يجري فيهِ الصَّاعانِ، صاعُ البائعِ وصاعُ المشتري؛ ونحَوه للبزار (٧)

стр. 1323

منْ حديثِ أبي هريرةَ بإسنادٍ حسَنَ، فدلَّ على أنهُ إذا اشترى الشيءَ مكايلة وقبضهُ ثمَّ باعَه لم يجزْ تسليمهُ بالكيلِ الأولِ، حتَّى يكيلَه على منِ اشتراهُ ثانيًا، وبذلكَ قالَ الجمهورُ، وقالَ عطاءٌ: يجوزُ بيعُه بالكيل الأولِ، [ولعله] (١) لم يبلغْه الحديثُ، ولعلَّ عِلةَ الأمرِ بالكيلِ ثانيًا لِتَحقُّقِ ما يجوزُ من النقص بإعادةِ الكَيل لإذهابِ الخداعِ، وحديث الصاعين دليل على أنه لا يجوز بيعُ الجزافِ إلا أن في حديثِ ابن عمرَ أنَّهم كانُوا يبتاعونَ الطعامَ جُزَافًا، ولفظهُ: (كُنَّا نشتري الطعامَ منَ الركبانِ جُزَافًا، فنهانا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نبيعه حتَّى ننقله)، أخرجه الجماعةُ (٢) إلا الترمذيَّ. قالَ ابنُ قدامةَ (٣): يجوزُ بيعُ الصبرةِ جُزافًا لا نعلمُ فيهِ خلافًا. وإذا ثبتَ جوازُ بيعِ الجزافِ حُمِلَ حديثُ الصاعينِ على أن المرادَ أنهُ إذا اشتَرى الطعامَ كيلًا وأريدَ بيعَه فلا بدَّ منْ إعادةِ كيلهِ للمشتري. النهي عن بيعتين في بيعة ١٩/ ٧٥٤ - وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٥)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وَابْنُ حِبّانَ (٧). [حسن] - وَلأبي دَاوُدَ (٨): (مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا، أَوِ الرِّبَا). [حسن] (وعنهُ) أي أبي هريرةَ (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ بيعتينِ في بيعةٍ. رواهُ

стр. 1324

أحمدُ، والنسائيُّ وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ حِبانَ. ولأبي داودَ) منْ حديثِ أبي هريرةَ: (مَنْ باعَ بيعتينِ في بيعةٍ فلهُ أوكسُهُما أو الرِّبَا). قالَ الشافعيُّ (١): لهُ تأويلانِ: أحدُهما: أنْ يقولَ بِعْتُكَ بألفينِ نسيئةً، وبألفٍ نَقْدًا، فأيُّهما شئتَ أخذْتَ بهِ، وهذا [بيعٌ] (٢) فاسدٌ لأنهُ إيهامٌ وتعليقٌ. والثاني: أنْ يقولَ: بعتُكَ عبدي على أنْ تبيعَني فرسَك، [انتهى] (٣). وعلةُ النَّهي على الأولِ عدمُ استقرارِ الثمنِ، ولزومُ الرِّبا عندَ مَنْ يمنعُ بيعَ الشيءِ بأكثرَ منْ سعرِ يومِه لأجل النَّسَاءِ، وعلى الثاني لتعليقِه بشرطٍ مستقَبلٍ يجوزُ وقوعُه، وعدمُ وقوعِه، فلم يستقرَّ الملكُ. وقولُه: (فلهُ أوكسهُما أو الرِّبا) يعني [أنهُّ] (٤) إذا فعلَ ذلكَ فهوَ لا يخلُو عنْ أحدِ الأمرينِ: إما الأوكسُ الذي هوَ أخذُ الأقلِّ أوِ الرِّبا، وهذَا مما يؤيدُ التفسيرَ الأولَ. النهي عن سلف وبيع ٢٠/ ٧٥٥ - وَعَنْ عَمْرُو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيسَ عِنْدَكَ)، رَوَاهُ الْخمْسَةُ (٥)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ (٦). [حسن] وَأَخْرَجَهُ في عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ أَبي حَنِيفَةَ عَنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ بَلَفْظِ: نَهى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ. وَمِنْ هذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ (٧) في الأَوْسَطِ. وَهُوَ غَرِيبٌ (٨).

стр. 1325

(وعنْ عمروِ بن شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يحلُّ سَلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضْمَنْ، ولا بيع ما ليسَ عندَك. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ، والحاكمُ، وخرَّجَهُ) أي الحاكمُ (في علومِ الحديثِ منْ روايةِ أبي حنيفةَ عنْ عمرو المذكورِ بلفظٍ: نَهَى عنْ بيعٍ وشرطٍ. ومنْ هذا الوجهِ) يعني الذي أخرجَه الحاكمُ (أخرجهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ وهوَ غريبٌ). وقدْ رواهُ جماعةٌ واستغربَهُ النوويُّ (١). والحديثُ اشتملَ على أربعِ صورٍ نُهِيَ عن البيعِ على صفتِها. الأُولى: سَلَفٌ وَبَيْعٌ؛ وصورةُ ذلكَ حيثُ يريدُ الشخصُ أن يشتريَ سلعةً بأكثرَ منْ ثمَنها لأَجلِ النَّسَاءِ، وعندَهُ أن ذلكَ لا يجوزُ، فيحتالُ بأنْ يستقرضَ الثمنَ منَ البائعِ ليعجِّلَه إليه حيلةً. والثانيةُ: شرطانِ في بيعٍ، اختُلِفَ في تفسيرهِما، فقيلَ: هو أنْ يقولَ بِعتُ هذا نقدًا، وبِكَذَا نسيئةً. وقيلَ: هوَ أنْ يشرطَ البائعُ على المشتري أنْ لا يبيعَ السلعةَ ولا يهَبها، وقيلَ: هوَ أنْ يقولُ: بعتُك هذهِ السلعةَ بكذَا على أن تبيعَني السلعةَ الفلانيةَ بِكذَا، ذكرة في الشرحِ نقلًا عن الغيثِ (٢). وفي النهايةِ (٣): (لا يحلُّ سلفٌ وبيعٌ، وهوَ مثلُ أنْ يقولَ: بعتُك هذا العبدَ بألفٍ على أن تُسَلِّفَنِي ألفًا في متاعٍ، أو على أن تُقْرِضَني ألفًا، لأنهُ يقرضُه ليحابيهِ في الثمنٍ، فيدخل في حدِّ الجهالةِ، ولأنَ كلَّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ رِبا، ولأنَّ في العقدِ شرطًا ولا يصحُّ) اهـ. وقولُه: (ولا شرطانِ في بيعٍ)، فسَّرَهُ في النهايةِ (٤) بأنهُ: (كقولكَ بِعتُكَ هذا الثوبَ نقدًا بدينارٍ، ونسيئةٍ بدينارينِ، وهوَ كالبيعتينِ في بيعة") اهـ. والثالثةُ: قولُه: ولا ربحَ ما لم يُضْمَنْ، قيلَ: معناهُ ما لم يُمَلَّكْ، وذلكَ هوَ الغصبُ، فإنهُ غيرُ ملكٍ للغاصبِ، فإذا باعهُ وربِحَ في ثمنهِ لم يحلَّ لهُ الربحُ.

стр. 1326

وقيلَ معناهُ ما لم يقبضْ، لأنَّ السلعةَ قبلَ قَبْضِها ليستْ في ضمانِ المشتري، إذا تلفتْ تلفتْ منْ مالِ البائعِ. والرابعةُ: قولُه: (ولا بيع ما ليسَ عندَك)؛ قدْ فسَّرها حديثُ حكيمِ بن حزامٍ عندَ أبي داودَ (١)، والنَّسَائيَّ (٢) أنهُ قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، يأتيني الرجلُ فيريدُ منِّي [المبيع] (٣) ليسَ عندي، فأبتاعُ لهُ منَ السوقِ، قالَ: (لا تبعْ ما ليسَ عندَك)؛ فدلَّ على أنهُ لا يحلُّ بيعُ الشيءِ قبلَ أن [يملك] (٤). النهي عن العربان ٢١/ ٧٥٦ - وَعَنْهُ ﵁ قالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (عَنْ بَيعِ الْعُرْبَانِ)، روَاهُ مَالِكٌ، قَالَ: بَلَغَنِي (٥) عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ. [ضعيف] (وعنهُ) أي عمروِ بن شعيبٍ (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ بيعِ العُربانِ) بضمِّ العينِ المهملةِ، وسكونِ الراءِ، وبالباءِ الموحدةِ، ويقالُ: أربانُ، ويقالَ: عربونٌ (رواهُ مالكٌ، قال: بلغني عنْ عمروِ بن شعيبٍ بهِ)، وأخرجَهُ أبو داودَ، وابنُ ماجهْ، وفيهِ راوٍ لمْ يُسَمَّ، وسُمِّي في روايةٍ (٦) فإذا هوَ ضعيفٌ، ولهُ طُرُقٌ لا تخلُو عنْ

стр. 1327

مقالٍ، [فبيعُ] (١) العربانِ فسَّرهُ مالكٌ قالَ (٢): هوَ أن يشتريَ الرجلُ العبدَ، أو الأمةَ، أو يكتري، ثمّ يقول للذي اشترى منهُ أوِ اكْتَرَى: [أعطيك] (٣) دينارًا أو دِرْهَمًا على أني إِنْ أخذتُ السلعةَ فهوَ منْ ثمنِها، وإلَّا فهوَ لكَ. واختلفَ الفقهاءُ في جوازِ هذَا البيعِ فأبطلَه مالكٌ (٤)، والشافعيُّ (٥) لهذَا النَّهْي، ولما فيهِ منَ الشرطِ الفاسدِ والغَرَرِ، ودخوِله في أكلِ المالِ بالباطلِ. ورُوِيَ (٥) عنْ عمرَ وابنهِ وأحمدَ جوازُه. النهي عن بيع المبيع قبل حيازته ٢٢/ ٧٥٧ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ابْتَعْتُ زَيْتًا في السُّوقِ، فَلَمَّا اسْتَوْجَبْتُهُ لَقِيَنِي رَجُلٌ فَأَعْطَانِي بِهِ رِبْحًا حَسَنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِ الرَّجُلِ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي بِذرَاعِي، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: لا تَبِعْهُ حَيْثُ ابْتَعْتَهُ حتَّى تَحُوزَهُ إلَى رَحْلِكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى: (أَنْ تُبَاعَ السَّلَعُ حَيثُ تُبْتَاعُ، حتى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ). رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (٧)، واللَّفْظُ لَهُ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٨)، وَالْحَاكِمُ (٩). [حسن لغيره] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: ابتعتُ زيتًا في السوقِ، فلمَّا استوْجَبْتُهُ لقيَني رجلٌ فأعطاني بهِ ربحًا حسنًا، فأردتُ أنْ اأضربَ على يدِ الرجلِ) يعني يعقدُ لهُ البيعَ، (فأخذَ رجلٌ منْ خلْفي بذراعي، فالتفتُ فإِذا هوَ زيدُ بنُ ثابتٍ [فقال] (١٠): لا تبعْهُ حيثُ ابتعتَهُ

стр. 1328

حتَّى تحوزَهُ إلى رحلِكَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أنْ تباعَ السلعُ حيثُ تبتاعُ، حتَّى يحوزَها التجارُ إلى رحالهم. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ واللفظُ لهُ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ، والحاكمُ). الحديثُ دليلٌ على أنه لا يصحُّ من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن يحوزَه إلى رحلهِ، والظاهرُ أن المرادَ بهِ القبضُ، لكنهُ عبَّرَ عنهُ بما ذكرَ لما كانَ [الغالب] (١) قبض المشتري الحيازةُ إلى المكانِ الذي [اختص] (٢) بهِ، وأما نقلُه منْ مكانٍ إلى مكانٍ لا يختصُّ بهِ، فعندَ الجمهورِ (٣) أن ذلكَ قَبْضٌ. وفَصَّلَ الشافعيُّ فقالَ: إنْ كانَ مما يُتَنَاوَلُ باليدِ كالدّراهمِ والثّوبِ فقبضَه نُقِلَ، (وما) يُنْقَلُ في العادةِ كالأخشابِ، والحبوبِ، والحيوانِ، فقبضه بالنقلِ إلى مكانٍ آخرَ، وما كانَ لا يُنْقَلُ كالعَقَارِ والثمرِ على الشجرِ فقبضُه بالتخلية. وقوله: (فلمَّا استوجبْتُهُ)، في روايةِ أبي داودَ (٤): استوفَيْتُه. وظاهرُ اللفظِ أنهُ قبضَه، ولم يكنْ قد حازَه إلى رحلهِ، ويدلُّ له قولُه نَهَى أنْ تُبَاعَ السلعةُ حيثُ تبتاعُ حتَّى يحوزَها التُّجارُ إلى رِحالِهم. ٢٣/ ٧٥٨ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّي أَبِيعُ الإِبلَ بِالْبِقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وآخُذُ الدَّنَانِيرَ، آخُذُ هذَا مِنْ هذِهِ، وَأُعْطِي هذهِ مِنْ هذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لَا بَأسَ أَنْ تَأَخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيءٌ)، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، (٥) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٦) [ضعيف] (وعنهُ) أي ابن عمرَ (قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أبيعُ الإبلَ بالبقيعِ، فأبتاع

стр. 1329

بالدنانيرِ وآخذ الدراهمَ، وأبيعُ بالدراهمِ وآخذ الدنانيرَ؛ [آخذ هذَا منْ هذَا وأعطي هذَا منْ هذا] (١)، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ : لا بأسَ أنْ تأخذَها بسعرِ يومِها ما لم تفترِقَا وبينَكما شيءٌ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَة الحاكمُ). هوَ دليل على أنهُ يجوزُ أن يُقْضَى عن الذهبِ الفضةُ، وعن الفضةِ الذهبُ، لأنَّ ابنَ عمرَ كان يبيع بالدنانيرِ فيلزمُ المشتري له في ذمته دنانير، وهي الثمن، ثم يقبضُ عنْها الدراهمَ وبالعكسِ. وبوَّبَ له أبو داودَ (٢): بابُ اقتضاء الذهب عن الورِقِ ولفظهُ: كنتُ أبيعُ الإبل بالبقيع [فأبيعُ] (٣) بالدنانير وآخذُ الدارهمَ، [وأبتع] (٤) بالدراهمِ وآخذُ الدنانيرَ، وأنهُ سألَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: لا بأسَ أنْ تأخذَها بسعرِ يومِها ما لمْ تفتَرِقا وبينَكما شيءٌ. وفيهِ دليل على أن النَّقْدينِ جميعًا غيرُ حاضرينِ والحاضرُ أحدُهما فبيَّنَ ﷺ الحكمَ بأنَّهما إذا فَعَلا ذلكَ فحقُّهُ أن لا يفترقا إلا وقدْ قبضَ ما هوَ لازمٌ عوضَ ما في الذمَّةِ، فلا يجوزُ أن يقبضَ البعضَ منَ [الدراهم] (٥)، ويبقَى البعضُ في ذمةِ مَنْ عليهِ الدنانيرُ عِوَضًا عنها ولا العكسُ، لأنَّ ذلكَ منْ بابِ الصرفِ، والشرطُ فيهِ أن لا يَفْتَرِقا وبينهما شيءٌ، وأما قولُه في روايةِ أبي داودَ (٦): بسعرِ يومها، فالظاهرُ أنهُ غيرُ شرطٍ، وإنْ كانَ أمرًا أغلبيًا في الواقعِ، يدلُّ على ذلكَ قولُه: فإذا اختلفتِ الأصنافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم إذا كانَ يدًا بيدٍ. النهي عن النجش في البيع ٢٤/ ٧٥٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّجْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح] (وعنهُ) أي ابن عمرَ (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن النَّجشِ) بفتحِ النون، وسكونِ الجيم، بعدَها شينٌ معجمةٌ (متفقٌ عليهِ). النَّجشُ لغةً (٨): تنفيرُ الصيدِ

стр. 1330

واستثارتُه منْ مكانِه ليصادَ. وفي الشرعِ: الزيادةُ في ثمنِ السلعةِ المعروضةِ للبيعِ لا ليشتريَها بل ليغرَّ بذلكَ غيرَه، وسُمِّيَ الناجش في السلعةِ ناجشًا لأنهُ يثيرُ الرغبةَ فيها ويرفعُ ثمنَها. قالَ ابنُ بطَّالٍ (١): أجمعَ العلماءُ على أن الناجِشَ عاصٍ بفعلِه، واختلفوا في البيعِ إذا وقعَ على ذلكَ، فقال طائفةٌ منْ أئمةِ الحديثِ: البيعُ فاسدٌ، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ (٢)، وهوَ المشهورُ في مذهبِ الحنابلةِ (٣)، وروايةٌ عنْ مالكٍ، إلا أن الحنابلةَ يقولونَ بفسادِه إنْ كانَ مواطأةَ [منَ] (٤) البائعِ أو منْهُ. وقالتِ المالكيةُ: يثبتُ لهُ الخيارُ وهوَ قولُ الهادويةِ (٥) قياسًا على المصراةِ، والبيعُ صحيحٌ عندَهم. وعندَ الحنفيةِ قالُوا: لأنَّ النَّهْيَ عائدٌ إلى أمرٍ مفارقٍ للبيعِ وهوَ قَصْدُ الخداعِ فلم يقتضِ الفسادَ، وأما ما نُقِلَ (٦) عن ابن عبدِ البرِ، وابنِ العربي، وابنِ حزمٍ أن التحريمَ إذا كانتِ الزيادةُ المذكورةُ فوقَ ثمنِ المثلِ فلوْ أنَّ رجلًا رأَى سلعةً تُبَاعُ بدونِ قيمتِها فزادَ فيها لتنتهيَ إلى قيمتِها لمْ يكنْ ناجشًا عاصيًا بلْ يُؤجَرُ على ذلكَ بنيتهِ، قالُوا: لأنَّ ذلكَ من النصيحةِ، فهوَ مردودٌ بأنَّ النصيحَة تحصلُ بغيرِ إيهامِ أنهُ يريدُ الشراءَ، وأما معَ هذا فهوَ خِداعٌ وغَرَرٌ. وأخرجَ البخاريُّ (٧) منْ حديثِ ابن أبي أَوْفَى في سببِ نُزُولِ قولِه تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٨) إنَّه قالَ: أقامَ رجلٌ سلعتَه باللَّهِ لقدْ أُعطِيَ بها ما لم يعطَ، فنزلتْ. قالَ ابنُ أبي أَوْفَى: الناجشُ آكلُ ربا خائنٌ، فجعلَ ابنُ أبي أَوْفَى مَنْ أخبرَ بأكثرَ مما اشتَرى بهِ أنهُ ناجشٌ لمشاركتهِ لمنْ يزيدُ في السلعةِ، وهوَ لا يريدُ أن يشتريَها في [ضرر] (٩) الغيرِ، فاشتركَا في الحكمِ لذلكَ، وحيثُ كانَ الناجشُ غيرَ البائعِ فقدْ يكونُ آكلَ ربًا إذا جَعلَ لهُ البائع جُعَلًا.

стр. 1331

النهي عن المحاقلة والمزابنة ٢٥/ ٧٦٠ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى: (عنْ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنِ الثُّنَيَّا، إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ)، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١) إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [صحيح] ([و] (٢) عنْ جابرٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن المحاقلةِ) مفاعلةٌ بالحاءِ المهملةِ والقافِ، (والمزابنةِ) بِزِنَتِها بالزاي، بعدَ الألفِ موحَّدةٌ فنونٌ، (والمخابرةِ) بِزِنَتِها بالخاءِ المعجمةِ [فألفٍ] (٢)، فموحدةٍ فراءٍ، (وعنِ الثُّنَيَّا) بالمثلثةِ مضمومةً فنونٌ مفتوحةٌ (٣) فمثناةٌ تحتيةٌ بزنةِ ثُرَيَّا [الاستثناءُ] (٤) (إلا أنْ تُعْلَمَ) عائدٌ إلى [الأخير] (٥). (رواهُ الخمسةُ إلَّا ابنَ ماجه، وصحَّحهُ الترمذيُّ). اشتملَ الحديثُ على أربعِ صور نَهَى الشارعُ عنْها: الأُولى: المحاقلةُ، وفسَّرها (٦) جابرٌ راوي الحديثِ بأنَّها بيعُ الرجلِ منَ الرجلِ الزرعَ بمائةِ فرْقٍ (٧) منَ الحنطةِ، وفسَّرها (٨) أبو عبيدٍ [بأنَّه] (٩) بيعُ الطعامِ في سُنْبُلِهِ، وفسَّرها (١٠) مالكٌ بأنْ تُكرى الأرضُ ببعضِ ما تُنْبِتُ، وهذهِ هي المخابرةُ ويبعدُ هذا التفسيرُ عطفُها عليها في هذهِ الروايةِ، وبأنَّ الصَّحابيَّ أعرفُ

стр. 1332

بتفسيرِ ما رَوَى، وقدْ فسَّرها جابرٌ بما [عرفت] (١) كما أخرجهُ عنهُ الشافعيُّ (٢). والثانيةُ: المزابنةُ مأخوذةٌ منَ الزَّبْنِ بفتحِ الزاي وسكونِ الموحدةِ، وهوَ الدفعُ الشديدُ، كأنَّ كلَّ واحدٍ منَ المتبايعينِ يدفعُ الآخرَ عنْ حقِّهِ، وفسَّرها ابنُ عمرَ كما رواهُ مالكٌ (٣) ببيعِ التمرِ (٤) أي رُطَبًا بالتمرِ [مكيلًا] (٥)، وبيعُ العنبِ (٦) بالزبيب كيلًا، وأخرجهُ عنهُ الشافعيُّ في الأمِّ (٧) وقالَ: تفسيرُ المحاقلةِ والمزابنةِ في الأَحاديثِ يحتملُ أنْ [يكونَ] (٨) عن النبيِّ ﷺ منصوصًا ويحتملُ أنهُ من رواية من رواهُ، والعِلَّةُ في النَّهْي عنْ ذلكَ هوَ الربِّا لعدمِ العلمِ بالتساوي. والثالثةُ: المخابرةُ وهيَ منَ المزارعةِ، وهيَ المعاملةُ على الأرضِ ببعضِ ما يخرجُ منْها منَ الزرعِ، ويأتي الكلامُ عليْها في المزارعة (٩). والرابعةُ: الثُنَيَّا فإنه منهيٌّ عنها إلا أن تُعلمُ. صورةُ ذلكَ أن يبيعَ شيئًا ويُسْتَثْنَى بَعْضُهُ، ولكنَّهُ إذا كانَ ذلكَ البعضُ معلومًا صحَّتْ، نحوَ أنْ يبيعَ أشجارًا أو أعنابًا، ويستثني واحدةً معينةً، فإنَّ ذلكَ يصحُّ اتفاقًا. قالُوا: لو قالَ إلا بعضَها، فلا يصحُّ لأنَّ الاستثناءَ مجهولٌ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ إذا عُلِمَ القدرُ الْمُسْتَثْنَى صحَّ مطلقًا، وقيلَ: لا يصحُّ أنْ يستثنى ما يزيدُ على الثلثِ. هذا والوجهُ في النَّهي عن الثُّنَيَّا هوَ الجهالةُ، وما كانَ معلومًا فقدِ انتفتِ العلةُ فخرجَ عنْ حُكْمِ النَّهْي، وقدْ نبَّهَ النصُّ على العلةِ بقولهِ: (إلَّا أنْ تُعْلَمَ). ٢٦/ ٧٦١ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَاضَرَةِ، وَالْمُلامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ)، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١٠) [صحيح]

стр. 1333

(وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عن المحاقلةِ، والمخاضرةِ) بالخاءِ والضادِ معجمتينِ، مفاعلةً منَ الخضرةِ (والملامسةِ والمنابذةِ) بالذالِ المعجمةِ (والمزابنةِ. رواهُ البخاريُّ). اشتملَ الحديثُ على خمسِ صورٍ منْ صورِ البيعِ منْهيٍّ عنْها، الأوُلى: المحاقلةُ وتقدَّمَ الكلامُ (١) فيها، والثانيةُ: المخاضرةُ وهي بيعُ الثمارِ والحبوبِ قبلِ أنْ يبدوَ صلاحُها. وقدِ اختلَفَ العلماءُ فيما يصحُّ بيعُه منَ الثمارِ والزرعِ، فقالَ طائفةٌ: إذا كانَ قدْ بلغَ حدًا ينتفعُ بهِ ولوْ لم يكنْ قدْ أخذَ الثمرُ ألوانَه، واشتدَّ الحبُّ، صحَّ البيعُ بشرطِ القطعِ، وأما إذا شرطَ البقاءَ فلا يصحُّ اتفاقًا، لأنهُ شغلٌ لملكِ البائعِ، أو لأنهُ صفقتانِ في صفقةٍ، وهوَ إعارةٌ أو إجارةٌ وبيعٌ، وأمَّا إذا بلغَ حدَّ الصلاحِ فاشتدَّ الحبُّ [وبلغ] (٢) الثمرُ ألوانه فبيعُه صحيحٌ وِفاقًا، إلا أنْ يشترِطَ المشتري بقاءَه، فقيلَ: لا يصحُّ البيعُ، وقيلَ: يصحُّ، وقيلَ: إنْ كانتِ المدةُ معلومةً صحَّ، وإنْ كانتْ غيرَ معلومةٍ لم يصحَّ، فلو كان قدْ صَلُحَ بعضٌ منهُ دونَ بعضٍ فبيعُه غيرُ صحيحٍ. وللحنفيةِ (٣) تفاصيلُ ليسَ عليها دليل. والثالثةُ: الملامسةُ وبيَّنها ما أخرجهُ البخاريُّ (٤) عن الزهريِّ (٥) أنَّها لمسُ الرجلِ الثوبَ بيدهِ بالليلِ أو النهارِ، وأخرج النسائيُّ (٦) منْ حديث أبي هريرةَ هي أنْ يقولَ الرجلُ للرجلِ أبيعُكَ ثوبي بثوبِكَ، ولا ينظرُ أحدٌ منْهما إلى ثوبِ الآخرِ، ولكنَّه يلمُسُه [لمسًا] (٧). وأخرجَ أحمدُ (٨) عنْ عبدِ الرزاقِ، عنْ معمرٍ: الملامسةُ

стр. 1334

أنْ يلمَسَ الثوبَ بيدهِ، ولا يَنْشُرَهُ، ولا يقلِّبَهُ، إذا مسَّه وجبَ البيعُ. ومسلمٌ (١) منْ حديثِ أبي هريرةَ [هي] (٢) أنْ يلمسَ كلُّ واحدٍ منْهما ثوبَ صاحبِه منْ غيرِ تأمُّلٍ. والرابعةُ: المنابذةُ، فسَّرها ما أخرجَهُ ابنُ ماجهْ (٣) منْ طريقِ سفيانَ عن الزهريِّ المنابذةُ: أن يقول: ألقِ إليَّ ما معك، وألقي إليْك مَا معي. والنسائيُّ (٤) من حديثِ أبي هريرةَ أنْ يقولَ: أنبذُ ما معي وتنبذُ ما مَعكَ، ويشتري كلُّ واحدٍ منْهما منَ الآخرِ، ولا يدري كلُّ واحدٍ منْهما كمْ معَ الآخرِ. وأحمدُ (٥) عنْ عبدِ الرزاقٍ عنْ معمرٍ (٦): [المنابذةُ] (٧) أنْ يقولَ: إذا نبذتَ هذا الثوبَ فقدْ وجبَ البيعُ. ومسلم (٨) منْ حديثِ أبي هريرةَ: المنابذةُ أنْ ينبذَ كلُّ واحدٍ منْهما ثوبَه إلى الآخرِ (٩)، لمْ ينظره كلُّ واحدٍ منهما إلى ثوبِ صاحبِه، وعلمتَ منْ قولِه: (فقدْ وجبَ البيعُ) أنَّ بيعَ الملامسةِ والمنابذةِ جعلَ فيهِ نفسَ اللمسِ والنبذِ بيعًا بغير صيغتِه، وظاهرُ النَّهْي التحريمُ، وللفقهاءِ تفاصيلُ في هذا لا تليقُ بهذا المختصر. فائدةٌ: استدلَّ بقولِه لا ينظرُ إليهِ أنهُ لا يصحُّ بيعُ الغائبُ، وللعلماءِ فيه ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: لا يصحُّ وهو قولُ الشافعيِّ (١٠). والثاني: يصحُّ ويثبتُ له الخيارُ إذا رآهُ وهوَ للهادويةِ (١١)، والحنفيةِ (١٢). والثالثُ: إنْ وصَفَهُ صحَّ وإلا فَلا، وهوَ قولُ مالكٍ وأحمدَ (١٣) وآخرينَ،

стр. 1335

واستدلَّ بهِ على بُطْلانِ بيعِ الأعْمى، وفيهِ أيضًا ثلاثةُ أقوال: الأولُ: بطلانُه، وهوَ قولُ معظمِ الشافعيةِ (١)، حتَّى مَنْ أجازَ منْهم بيعَ الغائبِ لكونِ الأعْمى لا يراهُ بعدَ ذلكَ. والثاني: يصحُّ إنْ [وصفه] (٢) له. والثالثُ: يصح مطلقًا، وهوَ للهادويةِ والحنفيةِ. النهي عن تلقي الركبان وعن بيع حاضر لباد ٢٧/ ٧٦٢ - وَعَنْ طَاوسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)، قُلْتُ لابْنِ عَبّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: (وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لَبَادٍ؟)، قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعنْ طاوسٍ عن ابن عباسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تَلَقُّوا الركبانَ، ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ. قلتُ لابنِ عباسٍ: ما قولُه: ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ؟ قالَ: لا يكونُ لهُ سمسارًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ). اشتملَ الحديثُ على النَّهي عنْ صورتينِ منْ صورِ البيعِ: الأُولى: النَّهْيُّ عنْ تَلَقِّي الركبانِ، أي الذينَ يجلبونَ إلى البلدِ أرزاقَ العبادِ للبيعِ، سواءٌ كانُوا رُكْبانًا، أو مشاةً جماعةً أو واحدًا، وإنما خرجَ الحديثُ على الأغلبِ في أن الجالبَ يكونُ عددًا، وأما ابتداءُ التلقي فيكونُ ابتداؤُه منْ خارجِ السوقِ الذي تباعُ فيهِ السِّلعةُ. وفي حديثِ ابن عمرَ (٤): (كنَّا نتلقَّى الركبانَ فنشتري منْهمُ الطعامَ، فنهانا رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نبيعَه حتَّى يبلغَ بهِ سوقَ الطعامِ)، وفي لفظٍ آخرَ بيانُ أن التلقي لا يكونُ في السوقٍ. قالَ ابنُ عمرَ (٥): كانُوا يبتاعونَ الطعامَ في أَعْلَى السوقِ، فيبيعونَه في مكانِه، فنهاهُمُ النبيُّ ﷺ أن يبيعُوه في مكانهِ حتَّى

стр. 1336

ينقلُوهُ. أخرجَهُ البخاريُّ. فدلَّ على أن القصدَ إلى أعلى السُّوقِ لا يكونُ تلقيًا، وأنَّ مُنْتَهى التلقي ما فوقَ السوقِ. وقالتِ الهادويةُ (١) والشافعيةُ (٢): إنهُ لا يكونُ التلقي إلَّا خارجَ البلدِ، وكأنَّهم نَظَروا إلى المعنى المناسبِ للمنعِ، وهوَ تغريرُ الجالبِ، فإنهُ إذا قَدِمَ إلى البلدِ أَمْكَنَه معرفةُ السعرِ، وطلبُ الحظِّ لنفسهِ، فإنْ لم يفعلْ ذلكَ فهوَ منْ تقصيرِه. واعتبرتِ المالكيةُ وأحمدُ وإسحاقُ (٣) السوقَ مطلقًا عملًا بظاهرِ الحديثِ. والنَّهيُ ظاهرٌ في التحريمِ حيثُ كانَ قاصدًا [التلقي] (٤)، عالمًا بالنَّهي عنهُ، وعنْ أبي حنيفةَ والأوزاعيِّ (٥) أنهُ يجوزُ التلقي إذا لم يضرَّ بالناس، فإن ضرَّ كُرِهَ، فإنْ تلقَّاهُ [فاشترى] (٦) صحَّ البيعُ عندَ الهادويةِ (٧)، والشافعيةِ (٨)، وثبتَ الخيارُ عندَ الشافعيِّ (٩) للبائعِ لما أخرجَهُ أبو داودَ (١٠)، والترمذيُّ (١١)، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةِ منْ حديث أبي هريرةَ بلفظ: (لا تَلَقُّوا الجَلَبَ فإنْ تلقَّاهُ إنسانٌ فاشتراهُ فصاحِبُه بالخيارِ إذا أَتَى السوقَ). ظاهرُ الحديثِ أن العلةَ في النَّهي نَفْعُ البائعِ، وإزالةُ الضررِ عنهُ، وقيلَ نَفْعُ أهلِ السوقِ لحديثِ (١٢) ابن عمَر: لا تلقُّوا السِّلعَ حتَّى تهبطُوا بها السوقَ. واختلفَ العلماءُ هلِ البيعُ معهُ صحيحٌ أو فاسدٌ؟ فعندَ مَنْ ذكرناهُ (١٣) قريبًا أنه صحيحٌ لأنَّ النَّهي لم يرجعْ إلى نفسِ العَقْدِ، ولا إلى وصفٍ ملازمٍ لهُ، فلا يقتضي النهيُ الفسادَ. [وذهبت] (١٤)

стр. 1337

طائِفةٌ من العُلماءِ إلى أنّهُ فاسِدٌ لأنّ النّهيَ يقتضي الفسادَ مطلقًا وهوَ الأقربُ. وقدِ اشترطَ جماعةٌ مِنَ العلماءِ لتحريمِ التلقِّي شرائطَ، فقيلَ (١): يشترطُ في التحريم أنْ يكذبَ المتلقي في سعرِ البلدِ ويشتري منْهم بأقلَّ منْ ثمنِ المِثْلِ، وقيلَ (٢): أنْ يخبرَهم بكثرةِ المؤنةِ عليهمْ في الدخولِ، وقيلَ (٣): أنْ يخبرَهم بكسادِ ما معَهم ليغبنَهم، وهذهِ تقييداتٌ لم يدلَّ عليها دليلٌ، بلِ الحديثُ أطلقَ النهيَ، والأصلُ فيهِ التحريمُ مطلقًا. والصورةُ الثانيةُ: ما أفادهُ قولُه: ولا يبعْ حاضرٌ لبادٍ، وقدْ فسَّرهُ ابنُ عباسٍ بقولهِ: لا يكونُ لهُ سِمْسَارًا، بِسينَيْنِ مهملتينِ، وهوَ في الأصلِ القيِّمُ بالأمرِ، والحافظُ، ثمَّ اشتهرَ في متولِّي البيع والشراءِ لغيرهِ بالأجرةِ كذَا قيَّدَه البخاريُّ (٤)، وجعلَ حديثَ ابن عباسٍ مُقَيَّدًا لما أطلقَ منَ الأحاديثِ، وأمَّا بغيرِ أجرةٍ فجعلَهُ منْ بابٍ النصيحةِ والمعاونةِ فأجازهُ. وظاهرُ أقوالِ العلماءِ أن النهي شاملٌ لما كانَ (بأجرةٍ، وما كانَ بغيرِ أجرةٍ. وفسَّر بعضُهم (٥) صورةَ بيعِ الحاضرِ للبادي بأن يجيئَ البلدَ غريبٌ بسلعةٍ يريدُ بيعها بسعرِ الوقتِ في الحالِ، فيأتيهِ الحاضرُ فيقولُ ضعْه عندي لأبيعَه لكَ على التدريج بأعلَى منْ هذا السعرِ، ثمَّ منَ العلماءِ (٦) مَنْ خصَّ هذا الحكمَ بالبادي وجعلَه قَيْدًا [مقيدًا] (٧)، ومنهم مَنْ ألحقَ بهِ الحاضرَ إذا شاركهُ في عدمِ معرفة السعرِ. وقالَ (٦): ذِكْرُ البادي في الحديثِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، فأما أهلُ القُرى [الذين] (٨) [يعرفونَ الأسعارَ] (٩) فليسُوا بداخلينَ في ذلكَ. ثمَّ منْهم (١٠) مَنْ قيَّدَ ذلكَ بشرطِ العلمِ بالنَّهي، وأن يكونَ المتاعُ المجلوبُ مما تعمُّ بهِ الحاجةُ، وأنْ يعرضَ الحضريُّ ذلكَ على البدويِّ، فلو عرضَه البدويُّ على [الحضريُّ] (١١) لم

стр. 1338

[يمتنع] (١)، وَكُلُّ هذهِ القيودِ لا يدلُّ عليها الحديثُ بلِ استنبطُوها منْ تعليلِهم للحديث بعِللٍ متصيَّدَة منَ الحُكْمِ، ثمَّ قدْ عرفتَ أن الأصلَ في النَّهي التحريمُ، وإليهِ هنَا [ذهبتْ] (٢) طائفةٌ منَ العلماءِ (٣). وقالَ آخرونَ: إنَّ الحديثَ منسوخٌ، وإنهُ جائزٌ مطلقًا كتوكيلهِ، ولحديثِ النصيحةِ. ودعْوى النسخِ غيرُ صحيحةٍ لافتقارها إلى معرفةِ التاريخِ لِيُعْرَفَ المتأخرُ، وحديثُ النصيحةِ مشروط فيه أنه (إذا استنصحَ أحدُكم أخاه فلينصحْ له) (٤)؛ [فإنه] (٥) [إذا] (٦) استنصحَه نَصَحَهُ بالقولِ لا أنهُ يتولَّى لهُ البيعَ، وهذَا في حكم بيع الحاضرِ للبادي، وكذلكَ الحكمُ في الشراء لهُ فلا يشتري حاضرٌ لبادِ. وقدْ قال: البخاريُّ (٧): بابُ لا يشتري حاضرٌ لبادٍ بالسمسرةِ، وقالَ ابنُ حبيبٍ (٨) المالكيِّ: [إنَّ] (٩) الشراءَ للبادي كالبيعِ لقولهِ ﷺ (١٠): (لا يبعْ [أحدكم] (١١) على بيعِ بعض)؛ فإنَّ معناهُ الشراءُ. وأخرجَ أبو عوانةَ في صحيحه (١٢) عن ابن سيرينَ قالَ: لقيتُ أنسَ بنَ مالكٍ فقلتُ: [أيبيع] (١٣) حاضرٌ لبادٍ، أما [نُهِيتُم] (١٤) أنْ تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم. وأخرجه أبو داود (١٥)، وعنِ ابن سيرين عن أنس بن مالك: كانَ يقالُ لا يبع

стр. 1339

حاضرٌ لبادٍ؛ وهي كلمةٌ جامعةٌ لا يبيعُ له شيئًا، ولا يبتاعُ له شيئًا. فإنْ قيلَ قدْ لُوحِظَ في النَّهْي عنْ تلقي الجلوبةِ عدمُ غَبْنِ البادي، ولوحظَ في النَّهي عن بيع الحاضرِ للبادي الرفقُ بأهلِ البلدِ، واعتُبرَ فيهِ غبنُ البادي، وهوَ [تناقض] (١)، فالجوابُ أن الشارعَ يلاحظُ مصلحةَ الناسِ، ويقِّدمُ مصلحةَ الجماعةِ على الواحدِ، لا الواحدِ على [الجماعةِ] (٢). ولما كانَ البادي إذا باعَ لنفسِه انتفعَ جميعُ أهلِ السوقِ واشتَرَوا رخيصًا فانتفعَ بهِ جميعُ [أهل] (٣) البلدِ، [لاحظ] (٤) الشاعُ نفعَ أهلِ البلدِ على نفعِ البادي، ولما كانَ في التلقي [إنما ينتفعُ المتلقي خاصةً وهوَ واحدٌ لم يكنْ في إباحةِ التلقي] (٥) مصلحةٌ، لا سيِّما وقدْ تنضافُ إلى ذلكَ علةٌ ثانيةٌ وهي لحوقُ الضررِ بأهلِ السوقِ في انفرادِ المتلقي عنْهم في الرخصِ، وقطعِ المواردِ عليهمْ، وهمْ أكثرُ منَ المتلقي، [نظرَ] (٦) الشارعُ لهم فلا تناقضَ بينَ المسألتينِ بلْ هما صحيحتانِ في الحكمةِ والمصلحةِ. ٢٨/ ٧٦٣ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : (لا تَلَقُّوا الْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقَّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ)، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧) [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تلقُّوا الجَلَبَ)، بفتحِ اللامِ، مصدرٌ بمعنَى المجلوبِ، (فمنْ تُلُقِّيَ [فاشتُرِيَ] (٨) منهُ فإذا أَتَى سيِّدُهُ السوقَ فهوَ بالخيارِ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ (٩)، وأنهُ دليل على ثبوتِ الخيارِ للبائعِ، وظاهرُه ولو شراهُ المتلقي بسعر السوقِ فإنَّ الخيارَ ثابتٌ. النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه ٢٩/ ٧٦٤ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِيعُ الرّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلا

стр. 1340

تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ طَلاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ ما في إِنَائِهَا)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلِمُسْلِم (٢): (لا يَسُم الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمٍ الْمُسْلِمِ). [صحيح] (وعنهُ) أي أبي هريرة (قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، ولا تناجشُوا، ولا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أخيهِ، ولا يخطبُ على خِطبةِ) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، وأما في الجمعةِ وغيرِها فبضمِّها (أخِيهِ، ولا تسألُ المرأةُ طلاقَ أخْتِها لتَكْفَأَ مَا في إِنائِها) كَفأْتُ الإنَاءَ وكفئتُه: قَلبْتُهُ. (متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ: [لا يسومُ المسلمُ] (٣) على سومِ المسلمِ). اشتملَ الحديثُ على مسائلَ مَنْهِيٍّ عنْها: الأُولى: نَهْيٌ عنْ بيعِ الحاضرِ للبادي وقدْ تقدَّمَ. الثانيةُ: ما يفيدُه قولُه: ولا تناجشُوا، وهوَ معطوفٌ في المعنَى على قولهِ: نَهَى، لأنَّ معناهُ لا يبِعْ حاضرٌ لبادٍ ولا تناجشُوا. وتقدَّم الكلامُ عليهِ قريبًا في حديث (٤) ابن عمرَ: (نهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن النجشِ). الثالثةُ: قولُه: لا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أخيهِ. يُرْوَى برفع المضارعِ على أن لا نافيةٌ، وبجزمِهِ على أنَّها ناهيةٌ، [فإثباتِ] (٥) الياءِ يُقوّي الأوّلَ، وعلى الثاني فبأنهُ عُومِلَ المجزومِ معاملةَ غيرِ المجزومِ فتُركتِ الياءُ، وفي روايةٍ بحذفها فلا إشكالَ، وصورةُ البيعِ على البيعِ أنْ يكونَ قدْ وقعَ البيعُ بالخيارِ، فيأتِي في مدةِ الخيارِ رجلٌ فيقولُ للمشتري: افسخْ هذا البيعَ وأنا أبيعُك مِثْلَه بأرخصَ [منه] (٦)، أو أحسنَ منهُ، وكذا الشراءُ على الشراءِ هوَ أنْ يقولَ للبائعِ في مدةِ الخيارِ: افسخِ البيعَ وأنا أشتريهِ منكَ بأكثرَ منْ هذا الثمنِ، وصورةُ السومِ على السومِ أنْ يكونَ قد اتفقَ [صاحب] (٧) السلعةِ والراغبُ فيها على البيعِ ولم يعقدْ، فيقولُ [آخَرُ] (٨)

стр. 1341

للبائعِ: أنا أشتريهِ منكَ بأكثرَ بعدَ أنْ كانا قدِ اتفقَا على الثمنِ. وقَدْ أجمعَ العلماءُ (١) على تحريمِ هذهِ الصورِ كلِّها، وأنَّ فاعلَها عاصٍ. وأما بيعُ المزايدةِ وهوَ البيعُ ممنْ يزيدُ فليسَ منَ المنْهيِّ عنهُ، وقدْ بوَّبَ البخاريُّ (٢): بابُ بيعِ المزايدةِ، ووردَ في ذلكَ صريحًا ما أخرجَهُ أحمدُ (٣)، وأصحابُ السُّنَنِ (٤)، واللفظُ للترمذيِّ (٥) وقالَ حسنٌ عنْ أنسٍ: (أنهُ ﷺ باعَ حِلْسًا وقَدَحًا وقالَ: منْ يشتري هذا الحلسَ والقدحَ؟ فقالَ رجلٌ: آخذُهما بدرهمٍ، فقالَ: منْ يزيدُ على درهمٍ، فأعطاهُ رجلٌ درهمينِ فباعَهما منهُ). وقال ابنُ عبدِ البرِّ (٦): إنهُ لا يحرمُ البيعُ ممنْ يزيدُ اتفاقًا. وقيلَ: إنهُ يُكْرَهُ. واستُدلَّ لقائلهِ بحديثِ عنْ سفيانِ بن وهبٍ (٧) أنهُ قالَ: (سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنْ بيعِ المزايدةِ)، لكنّهُ [منْ روايةِ] (٨) ابن لهيعةَ وهوَ ضعيفٌ. الرابعةُ: قولهُ: ولا يخطبُ على خِطبةِ أخيهِ. زادَ مسلم (٩): إلا أنْ يأذنَ [له] (١٠).

стр. 1342

وفي روايةٍ: (حتَّى يأذن)، والنَّهْيُ يدلُّ على تحريمِ ذلكَ. وقدْ أجمعَ العلماءُ (١) على [تحريم ذلك] (٢) إذا كانَ قدْ صرَّحَ بالإجابةِ ولم يأذَنْ ولم يتركْ، فإنْ تزوجَ والحالُ هذهِ عَصَى اتفاقًا، وصحَّ عندَ الجمهورِ. وقالَ داودُ (٣): يُفْسَخُ النكاحُ، ونعمَ ما قالَ، و [هو] (٤) روايةٌ عنْ مالكٍ (٣)، وإنَّما اشتُرطَ التصريحُ بالإجابةِ، وإنْ كانَ النَّهيُ مطلقًا لحديثِ (٥) فاطمةُ بنتِ قيسٍ فإنَّها قالتْ: خطبني أبو جهمٍ ومعاويةُ فلم ينكرْ رسولُ الله ﷺ خِطْبةَ بعضِهم على بعضٍ بلْ خطَبها معَ ذلكَ لأسامةَ، والقولَ بأنهُ يحتملُ أنهُ لم يعلمْ أحدُهما بخطبةِ الآخرِ، وأنهُ ﷺ أشارَ بأسامةَ لا أنهُ خطبَ خلافُ الظاهرِ. وقولُه: أخيهِ أي في الدينِ، ومفهومُه أنهُ لو كانَ غيرَ أخٍ كانْ يكونَ كافرًا فلا يحرُمُ، وهوَ حيثُ تكونُ المرأةُ كتابيةً، وكان يستجيزُ نكاحَها، وبهِ قالَ الأوزاعيُّ. وقالَ غيرُه أيضًا: تَحْرُمُ على خطبةِ الكافرِ. والحديثُ خرجَ التقيدُ فيهِ مَخْرَجَ الغالبِ فلا اعتبارَ [بمفهومه] (٦). الخامسةُ: قولُه: ولا تسألُ المرأةُ، يُرَوْى (٧) مرفوعًا ومجزومًا، وعليهِ بكسرِ اللامِ لالتقاءِ الساكنينِ، والمرأدُ أن المرأةَ الأجنبيةَ لا تسألُ الرجلَ أنْ يطلِّقَ امرأتَه وينكحَها ويصيرَ ما هوَ لها منَ النفقةِ والعشرةِ لها، وعبَّرَ عنْ ذلكَ بالإكفاءِ لما في الصحفةِ من بابِ التمثيلِ، كأنَّ مَا ذكَرَ لما كان معدًا للزوجة فهو في حكمِ مَا قد جمعتهُ في الصحفةِ لتنتفعَ بهِ، فإذا ذهبَ عنْها فكأنَّما قدْ كفِئتِ الصحفةَ، وخرجَ ذلكَ عنْها فعبَّرَ عنْ ذلكَ المجموعِ المركبِ بالمركبِ [المذكورِ] (٨) للشَّبَهِ بينَهما.

стр. 1343

[التفريق بين الوالدة وولدها] ٣٠/ ٧٦٥ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ فَرَّقَ بَين وَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١). وصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) وَالْحَاكِمُ (٣)، وَلكِنْ في إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ. [صحيح] (وعنْ أبي أيوبَ الأنصاريِّ ﵁ قالَ: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: مَنْ فرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها فرَّقَ اللهُ بَينه وبينَ أحبَّتِه يومَ القيامةِ. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ والحاكمُ، لكنْ في إسنادهِ مقالٌ)، لأنَّ فيه [حييّ] (٤) بنَ عبدِ اللهِ المعافريَّ مُخْتَلَفٌ فيهِ. (ولهٌ شاهدٌ) كأنهُ يريدُ بهِ حديثَ (٥) عبادةَ بن الصامتِ: "لا يفرَّقُ بينَ الأمِّ وولدِها، قيلَ: إلى متَى؟ قالَ: حتَّى يبلغَ الغلامُ، وتحيضَ الجاربةُ"، أخرجهُ الدارقطنيُّ والحاكمُ، وفي سندهِ عندَهما عبدُ اللهِ بنُ عمرو الواقفيُّ، وهوَ ضعيفٌ. ولا يخفَى أن هذَا الحديثَ والذي بعدَه كان يحسنُ [ضمُّهما] (٦) إلى حديثِ (٧) ابن عمرَ الذي تقدَّمَ في النَّهي عنْ بيعِ أمهاتِ الأولادِ، أو يؤخِّرهُ إلى هنا، وهذا

стр. 1344

الحديثُ ظاهرٌ في تحريمِ التفريقِ بينَ الوالدةِ وولدِها، وظاهِرُه عام في الملْكِ والجهاتِ إلَّا أنهُ لا يُعْلَمُ أنهُ ذهبَ أحدٌ إلى هذَا العمومِ فهوَ محمولٌ على التفريقِ في الملْكِ، وهوَ صريحٌ في حديثِ عليٍّ الآتي، وظاهرُه أيضًا تحريمُ التفريقِ ولوْ بعدَ البلوغِ، إلَّا أنهُ يُقَيَّدُ بحديثِ عبادةَ [بن الصامت] (١). وفي الغيثِ (٢) أنهُ خصَّه في الكبيرِ الإجماعُ كما في العتقِ، وكأنَّ مستندَ الإجماعِ حديثُ عبادةُ، ثمَّ الحديثُ نصٌّ في تحريمِ التفريق بينَ الوالدةِ وولدِها، وقِيْسَ عليهِ سائرُ الأرحامِ المحارِمُ بجامعِ الرحامةِ، وكذلكَ وردَ النصُّ في الإخوة وهو ما أفادهُ قولُه: [التفريق بين الأقارب في البيع] ٣١/ ٧٦٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَبِيعَ غُلامَيْن أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُهُمَا، فَفَرَّقْتُ بَيْنَهُمَا. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَدْرِكْهُمَا فَارْتَجِعْهُمَا، وَلا تَبِعْهُمَا إلَّا جَمِيعًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُوِد (٤)، وابْنُ حِبَّانَ، والْحَاكِمُ (٥)، والطَّبَرَانيُّ وابْنُ الْقَطَّانِ. [حسن بشواهده]

стр. 1345

(وعنْ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵇ قالَ: أمرنِي رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أبيعَ غلامينِ أخوينِ، فبعتُهما، ففرَّقت بينَهما، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: أدْرِكْهما فارتجعْهما، ولا تبعْهما إلا جميعًا. رواهُ أحمدُ، ورجالهُ ثقاتٌ، وقدْ صحَّحَه ابن خزيمةَ، وابن الجارودِ، وابن حبانَ، والحاكمُ، والطبرانيُّ، وابنْ القطانِ). وحَكَى ابنُ أبي حاتمٍ عن أبيه في العللِ (١) أنهُ إنما سمعَه الحَكَم منْ ميمونِ بن أبي شبيبٍ، وهوَ يرويهِ عنْ عليٍّ ﵁ وميمونٌ لم يدركْ عليًا. والحديثُ دليلٌ على بُطْلانِ هذا البيعِ، ودلَّ على تحريمِ التفريقِ كما دلَّ عليه الحديثُ الأولُ، إلا أن الأوَّلَ دلَّ على التفريقِ بأيّ وجْهٍ من الوجوهِ، وهذا الحديثُ نصٌّ في تحريمهِ بالبيعِ، وألحقُوا بهِ تحريمَ التفريق بسائرِ الإنشاءاتِ كالهبةِ والنذرِ، وهوَ ما كانَ باختيارِ المفرِّقِ، وأما التفريقُ بالقسمةِ فليسَ باختيارهِ فإنَّ سببَ الملْكِ قَهْرِيٌ، وهو الميراثُ. وحديثُ عليٍّ ﵁ قدْ دلَّ على بطلانِ البيعِ ولكنهُ عارضَهُ الحديثُ الأولُ حديثُ أبي أيوبَ (٢)؛ فإنهُ دلَّ على صحةِ الإخراجِ عن الملكِ بالبيعِ. نحوُهُ المستحقُّ للعقوبةِ، إذْ لو كانَ لا يصحُّ الإخراجُ عن المُلكِ لم يتحققِ التفريقُ فلا عقوبةَ، ولذا اختلفَ العلماءُ في ذلكَ؛ فذهبَ أبو حنيفةَ (٣) إلى أنهُ ينعقدُ معَ العصيان قالُوا: والأمرُ بالارتجاعِ للغلامينِ يُحْتَمَلُ أنهُ بعقدٍ جديدٍ برضَا المشتري. فائدةٌ: في التفريق بينَ البهيمةِ وولدِها وجهانِ: لا يصحُّ لِنَهْيهِ ﷺ عنْ تعذيبِ البهائم، ويصحُّ قياسًا على الذبحِ، وهوَ الأَوْلَى. [حكم التسعير] ٣٢/ ٧٦٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: غَلا السِّعْرُ في الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله تَعَالَى وَلَيسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ في دَمٍ وَلا مَالٍ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٤)

стр. 1346

إلَّا النَّسائِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: غلا السعرُ) الغلا [مقصور] (٢) وهوَ ارتفاعُ السعرِ على معتادِه (في المدينةِ، على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال النّاسُ: يا رسولَ اللهِ، غلا السِّعرُ فسعِّرْ لنَا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ الله هوَ المسعِّرُ) يعني يفعلُ ذلكَ هوَ وحدَه بإرادتهِ، (القابضُ) أي المقتِّر (الباسطُ) الموسِّعُ، مأخوذٌ منْ قولهِ تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ (٣)، ([الرزاق] (٤)، وإني لأرجُو أنْ ألقَى الله وليسَ أحدٌ منكمْ يطلبُني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ. رواة الخمسةُ إلا النسائيَّ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ)، وأخرجهُ ابنُ ماجه، والدارميُّ، والبزارُ، وأبو يَعْلَى (٥) منْ حديثِ أنسٍ، وإسنادُه على شرطِ مسلمٍ، وصحَّحهُ الترمذيُّ. والحديثُ دليل على أن التسعيرَ مظلمةٌ، وإذا كانَ مظلمةً فهوَ محرَّمٌ. وإلى هذَا ذهبَ أكثرُ العلماءِ. ورُوِيَ عنْ مالكٍ (٦) أنهُ يجوزُ التسعيرُ ولو في القُوْتَينِ. والحديثُ دالٌ على تحريمِ التسعيرِ لكلِّ متاعٍ وإن كانَ سياقُه في خاصٍّ. وقالَ المهدي (٧): إنهُ استحسنَ الأئمةُ المتأخرونَ تسعيرَ ما عدا القوتينِ كاللَّحمِ والسَّمنِ، ورعايةً لمصلحةِ الناسِ، ودفعِ الضررِ عنْهم، وقد استوفينا الكلام في هذهِ المسألةِ في منحة الغفارِ (٨) وبسَطنا القولَ هناكَ بما لا مزيدَ عليهِ. [حكم الاحتكار وفيم يكون] ٣٣/ ٧٦٨ - وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). [صحيح]

стр. 1347

[ترجمة معمر بن عبد الله] (وعنْ معمرِ (١) بن عبدِ اللهِ) هوَ بفتحِ الميمِ، وسكونِ العينِ [المهملة] (٢)، وفتحِ الميم، ويقالُ [لهُ] (٣) معمرُ بنُ أبي معمر، أسلمَ قديمًا، وهاجرَ إلى الحبشةِ، وتأَخرتْ هجرتُه إلى المدينهِ، ثمَّ هاجرَ إليها وسكنَ بها. (عن رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: لا يحتكرُ إلا خاطئٌ) بالهمز هوَ العاصي الآثمُ (رواهُ مسلمٌ). وفي الباب أحاديثُ دالةٌ على تحريمِ الاحتكارِ، وفي "النهاية" (٤) على قولهِ ﷺ : منِ احتكَرَ طعاما قالَ: أي اشتراهُ وحبسهُ ليقلَّ [فيغلى] (٥). وظاهرُ حديثِ مسلمٍ تحريمُ الاحتكارِ للطعامِ وغيرِه، إلَّا أنْ يدَّعيَ أنهُ لا يقالُ احتكرَ إلَّا في الطعامِ، وقدْ ذهبَ أبو يوسفَ إلى عمومهِ فقالَ: كلُّ ما أضرَّ بالناسِ حبْسهُ فهوَ احتكارٌ، وإنْ كانَ ذهبًا أو ثيابًا. وقيلَ: لا احتكارَ إلا في قوتِ الناسِ وقوتِ البهائمِ، وهوَ قولُ الهادويةِ (٦) والشافعيةِ (٧)، ولا يَخْفَى أن الأحاديثَ الواردةَ في منعِ الاحتكارِ وَرَدَتْ مطلقةً ومقيدة بالطعامِ، وما كانَ منَ الأحاديثِ على هذا الأسلوبِ فإنهُ عندَ الجمهورِ لا يقيدُ فيهِ المطلقُ بالمقيدِ لعدمِ التعارضِ بينَهما، بلِ يبقَى المطلقُ على إطلاقهِ، وهذا يقتضي أنهُ يُعْمَلُ بالمطلقِ في منعِ الاحتكارِ مُطْلقًا ولا يُقَيَّدُ بالقوتينِ إلَّا على رأي أبي ثورٍ، [فإنه يقيد عنده الطعام فقط، لأنه الذي ورد به النص المقيد لا غيره، فلا يحرم الاحتكار عنده إلا في الطعام] (٣). وقدْ ردَّهُ أئمةُ الأصولِ، وكأنَّ الجمهورَ خصُّوهُ بالقوتينِ نظرًا إلى الحكمةِ المناسبةِ للتحريمِ، وهي دفعُ الضَّررِ عنْ عامةِ الناسِ، والأغلبُ في دفعِ الضررِ عن

стр. 1348

العامةِ إنَّما يكونُ في القوتينِ، فقيَّدوا الإطلاقَ بالحكمةِ المناسبةِ، أو أنَّهم قَيَّدُوه بمذهبِ الصحابيِّ الراوي. فقدْ أخرجَ مسلمٌ (١) عنْ سعيد بن المسيبِ أنهُ كانَ يحتكرُ، فقيلَ لهُ: فإنكَ تحتكرُ، فقالَ: لأنَّ معمَّرًا راوي الحديثِ كانَ يحتكرُ. قال ابنُ عبدِ البرِّ (٢): كانا يحتكران الزيتَ وهذا ظاهرٌ أن سعيدًا قيَّدَ الإطلاقَ بعملِ الراوي، وأما معمَّرٌ فلا يعلمُ بمَ قيَّدَه، ولعلَّهُ بالحكمةِ المناسبةِ التي قيَّدَ بها الجمهورُ. [التصرية في البيع وحكمها] ٣٤/ ٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والْغَنَمَ، فَمَن ابْتَاعَهَا بعدُ فَهُوَ بخَيرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٤): "فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثلاثةَ أَيَّام". وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (٥) عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ (٦): "وَرَدَّهَا مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام، لا سَمْرَاءَ"، فَالَ الْبُخَارِيُّ (٦): وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لا تُصَرَّوا) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ، وفتحِ الصادِ المهملةِ، منْ صَرَى يصري على الأصحِّ (الإبلَ والغنمَ، فمنِ ابتاعَها بعدُ فهوَ بخيرِ النظرينِ) الرأيينِ، (بعدَ أنْ يحلبَها إنْ شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعًا)

стр. 1349

عطفٌ على ضمير المفعولِ في ردِّها على تقديرِ ويعطي (منْ تمرٍ. متفقٌ عليهِ. ولمسلم)، أي عن أبي هريرة: (فهو بالخيار ثلاثة أيام. وفي رواية له علَّقها البخاري: وردَّ معها صاعًا منْ طعامٍ لا سمراءَ. قالَ البخاريُّ: والتمرُ أكثرُ). أصلُ التصريةِ: حَبْسُ الماءِ، يقالُ: صريتُ الماءَ إذا حبسْتُهُ. وقالَ الشافعي (١): [هيَ] (٢) ربطُ أخلافِ الناقةِ أو الشاةِ وتركُ حلبها حئى يجتمعَ لبنُها، فيكثرُ فيظنُّ المشتري أنَّ ذلكَ عادتُها، ولم يذكرْ في الحديثِ البقر، والحكمُ واحدٌ. [والحديثِ] (٣) نَهَى عن التصريةِ للحيوانِ إذا أُريدَ بيعُه، لأنهُ قدْ وردَ تقييدُه في روايةِ النسائيِّ (٤) بلفظ: "لا تصرُوا الإبلَ والغنمَ للبيعِ"، وفي روايةٍ (٥) لهُ: "إذا باعَ أحدُكم الشاةَ أو اللقحةَ فَلْيحْلِبْها، وهذا هوَ الراجحُ عندَ الجمهورِ، ويدلُّ عليهِ التعليلُ بالتدليسِ والغرر كذا قيلَ، إلَّا أني لم أرَ التعليلَ بهما منصوصًا. وأما التصريةُ لا للبيعِ بلْ ليجتمعَ الحليبُ لنفعِ المالكِ فهوَ وإنْ كانَ فيهِ إيذاءٌ للحيوانِ إلَّا أنهُ ليسَ فيهِ إضرارٌ فيجوزُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يثبتُ الخيارُ إلا بعدَ الحلبِ، ولو ظهرتِ التصريةُ بغيرِ حلْبٍ فالخيارُ ثابتٌ، وثبوتُ الخيارِ قاضٍ بصحةِ بيعِ المصرَّاةِ. وفي الحديث دليلٌ على أن الردَّ بالتصرية فوريٌّ، لأنَّ الفاءَ في قولهِ: فهوَ بخيرِ النظرين تدلُّ على التعقيبِ منْ غيرِ تراخٍ. وإليهِ ذهبَ بعضُ الشافعيةِ (٦). وذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ على التراخي لقوله ﷺ : "فلهُ الخيارُ ثلاثًا". وأجيبَ منْ طرفِ (٧) القائلِ بالفورِ أن ذلكَ محمولٌ على ما إذا لم يعلمْ أنَّها مصراةٌ إلا في الثالثِ، لأنَّ الغالبَ أنَّها لا تُعْلَمُ في أقلَّ منْ ذلكَ لجوازِ النقصانِ باختلافِ العلفِ ونحوهِ، ولأنَّ في روايةِ أحمدَ (٨) والطحاويِّ (٩): "فهوَ بأحدِ النظرينِ بالخيارِ إلى أنْ يحوزَها [أو يردَّها] (١٠) ". وأما ابتداءُ الثلاثِ ففيهِ خلافٌ، قيلَ:

стр. 1350

منْ بعدِ تَبَيُّنِ التصريةِ، وقيلَ: منْ عندِ العقدِ، وقيلَ: منَ التفرُّقِ (١). ودلَّ الحديثُ أنهُ يردُّ عوضَ اللبنِ صاعًا منْ تمرٍ، وأما الروايةُ التي عَلَّقَهَا البخاريُّ (٢) بذكرِ: "صاعًا منْ طعامٍ" فقدْ رجَّحَ البخاريُّ روايةَ التمرِ لكونهِ أكثر (٣). وإذا ثبتَ أنهُ يردُّ المشتري صاعًا منْ تمرٍ ففي المسألةِ ثلاثةُ أقوال: الأولُ: للجمهور (٤) منَ الصحابةِ والتابعينَ بإثباتِ الردِّ للمصراةِ، ردِّ [صاعٍ] (٥) منْ تمرٍ، سواءٌ كانَ اللبنُ كثيرًا [أو] (٦) قليلًا، والتمرُ قوتًا لأهلِ البلدِ أوْ لا. والثاني: للهادويةِ (٧)، فقالُوا: تُرَدُّ المصرَّاةُ، ولكنَّهم قالُوا بردِّ اللبنِ بعينهِ إنْ كانَ باقيًا، أو مثلِه إنْ كانَ تالفًا، أو قيمتِه يومَ الردِّ حيثُ لم يوجدِ المثلُ. قالُوا: وذلك [لأنه] (٨) تقرَّرَ أن ضمانَ المتلفِ إنْ كانَ مِثْلِيًا فبالمثلِ، وإنْ كانَ قيْميًّا فبالقيمةِ، واللبنُ إنْ كانَ مثليًا ضمن بمثله وإن كان قيميًا قُوِّمَ بأحدِ النقدينِ وضُمِنَ بذلكَ، فكيفَ يضمنُ بالتمرِ أو الطعام؟ قالُوا: وأيضًا فإنهُ كانَ الواجبُ أنْ يختلفَ الضمانُ بقدرِ اللبنِ، ولا يُقَدَّرُ بصاعٍ أَقلَّ أَوْ أكثرَ. وأُجِيْبَ بأنَّ هذا القياسَ تضمَّنَ العمومَ في جميعِ المتلفاتِ، وهذا خاصٌّ وردَ بهِ النصُّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. أما تقديرُ الصاعِ فإنهُ قدَّرَهُ الشارعُ لِيدفَعَ التشاجرَ لعدم الوقوفِ على حقيقةِ قدْرِ اللبنِ لجوازِ اختلاطِه بحادث بعدَ البيعِ، فَقَطَعَ الشارعُ النزاعَ وقدَّرهُ بحدٍّ لا يبعدُ رفعًا للخصومَةِ، وقدَّرَهُ بأقربِ شيءٍ إلى اللبنِ، فإنَّهما كانا قوتًا في ذلك الزمانِ، ولهذا الحكمِ نظائرُ في الشريعةِ وهوَ ضمانُ الجناياتِ (٩) كالموضحةِ؛ فإنَّ أرشَها مقدَّرٌ معَ الاختلافِ في الكبرِ والصغرِ؛ والغرةِ في الجنينِ معَ اختلافهِ؛ والحكمةُ في ذلكَ كلِّه دفعُ التشاجر.

стр. 1351

والثالثُ: للحنفيةِ (١)، فخالفُوا في أصلِ المسألةِ وقالُوا: لا يُرَدُّ [المبيع] (٢) بعيبِ التَّصريةِ، فلا يجبُ ردُّ الصاعِ منَ التمرِ، واعتذَرُوا عن الحديثِ بأعذارٍ كثيرةٍ. بالقدحِ في الصحابيِّ (٣) الراوي للحديثِ، وبأنهُ حديثٌ مُضْطَّرِبٌ (٤)، وبأنهُ منسوخٌ (٥)، وبأنهُ معارَضٌ بقولهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٦)، وكلُّها أعذارٌ مردودةٌ. وقالُوا: الحديثُ خالفَ قياسَ الأصولِ منْ جهاتٍ: الأولى: منْ حيثُ إنَّ اللبنَ التالفَ إنْ كانَ موجودًا عندَ العقدِ [فهو] (٧) نقصُ
следующие страницы →