← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1347–1386 · переход к 1352.

стр. 1347

[ترجمة معمر بن عبد الله] (وعنْ معمرِ (١) بن عبدِ اللهِ) هوَ بفتحِ الميمِ، وسكونِ العينِ [المهملة] (٢)، وفتحِ الميم، ويقالُ [لهُ] (٣) معمرُ بنُ أبي معمر، أسلمَ قديمًا، وهاجرَ إلى الحبشةِ، وتأَخرتْ هجرتُه إلى المدينهِ، ثمَّ هاجرَ إليها وسكنَ بها. (عن رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: لا يحتكرُ إلا خاطئٌ) بالهمز هوَ العاصي الآثمُ (رواهُ مسلمٌ). وفي الباب أحاديثُ دالةٌ على تحريمِ الاحتكارِ، وفي "النهاية" (٤) على قولهِ ﷺ : منِ احتكَرَ طعاما قالَ: أي اشتراهُ وحبسهُ ليقلَّ [فيغلى] (٥). وظاهرُ حديثِ مسلمٍ تحريمُ الاحتكارِ للطعامِ وغيرِه، إلَّا أنْ يدَّعيَ أنهُ لا يقالُ احتكرَ إلَّا في الطعامِ، وقدْ ذهبَ أبو يوسفَ إلى عمومهِ فقالَ: كلُّ ما أضرَّ بالناسِ حبْسهُ فهوَ احتكارٌ، وإنْ كانَ ذهبًا أو ثيابًا. وقيلَ: لا احتكارَ إلا في قوتِ الناسِ وقوتِ البهائمِ، وهوَ قولُ الهادويةِ (٦) والشافعيةِ (٧)، ولا يَخْفَى أن الأحاديثَ الواردةَ في منعِ الاحتكارِ وَرَدَتْ مطلقةً ومقيدة بالطعامِ، وما كانَ منَ الأحاديثِ على هذا الأسلوبِ فإنهُ عندَ الجمهورِ لا يقيدُ فيهِ المطلقُ بالمقيدِ لعدمِ التعارضِ بينَهما، بلِ يبقَى المطلقُ على إطلاقهِ، وهذا يقتضي أنهُ يُعْمَلُ بالمطلقِ في منعِ الاحتكارِ مُطْلقًا ولا يُقَيَّدُ بالقوتينِ إلَّا على رأي أبي ثورٍ، [فإنه يقيد عنده الطعام فقط، لأنه الذي ورد به النص المقيد لا غيره، فلا يحرم الاحتكار عنده إلا في الطعام] (٣). وقدْ ردَّهُ أئمةُ الأصولِ، وكأنَّ الجمهورَ خصُّوهُ بالقوتينِ نظرًا إلى الحكمةِ المناسبةِ للتحريمِ، وهي دفعُ الضَّررِ عنْ عامةِ الناسِ، والأغلبُ في دفعِ الضررِ عن

стр. 1348

العامةِ إنَّما يكونُ في القوتينِ، فقيَّدوا الإطلاقَ بالحكمةِ المناسبةِ، أو أنَّهم قَيَّدُوه بمذهبِ الصحابيِّ الراوي. فقدْ أخرجَ مسلمٌ (١) عنْ سعيد بن المسيبِ أنهُ كانَ يحتكرُ، فقيلَ لهُ: فإنكَ تحتكرُ، فقالَ: لأنَّ معمَّرًا راوي الحديثِ كانَ يحتكرُ. قال ابنُ عبدِ البرِّ (٢): كانا يحتكران الزيتَ وهذا ظاهرٌ أن سعيدًا قيَّدَ الإطلاقَ بعملِ الراوي، وأما معمَّرٌ فلا يعلمُ بمَ قيَّدَه، ولعلَّهُ بالحكمةِ المناسبةِ التي قيَّدَ بها الجمهورُ. [التصرية في البيع وحكمها] ٣٤/ ٧٦٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا تُصَرُّوا الإِبِلَ والْغَنَمَ، فَمَن ابْتَاعَهَا بعدُ فَهُوَ بخَيرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْر"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٤): "فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثلاثةَ أَيَّام". وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (٥) عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ (٦): "وَرَدَّهَا مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَام، لا سَمْرَاءَ"، فَالَ الْبُخَارِيُّ (٦): وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لا تُصَرَّوا) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ، وفتحِ الصادِ المهملةِ، منْ صَرَى يصري على الأصحِّ (الإبلَ والغنمَ، فمنِ ابتاعَها بعدُ فهوَ بخيرِ النظرينِ) الرأيينِ، (بعدَ أنْ يحلبَها إنْ شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ ردَّها وصاعًا)

стр. 1349

عطفٌ على ضمير المفعولِ في ردِّها على تقديرِ ويعطي (منْ تمرٍ. متفقٌ عليهِ. ولمسلم)، أي عن أبي هريرة: (فهو بالخيار ثلاثة أيام. وفي رواية له علَّقها البخاري: وردَّ معها صاعًا منْ طعامٍ لا سمراءَ. قالَ البخاريُّ: والتمرُ أكثرُ). أصلُ التصريةِ: حَبْسُ الماءِ، يقالُ: صريتُ الماءَ إذا حبسْتُهُ. وقالَ الشافعي (١): [هيَ] (٢) ربطُ أخلافِ الناقةِ أو الشاةِ وتركُ حلبها حئى يجتمعَ لبنُها، فيكثرُ فيظنُّ المشتري أنَّ ذلكَ عادتُها، ولم يذكرْ في الحديثِ البقر، والحكمُ واحدٌ. [والحديثِ] (٣) نَهَى عن التصريةِ للحيوانِ إذا أُريدَ بيعُه، لأنهُ قدْ وردَ تقييدُه في روايةِ النسائيِّ (٤) بلفظ: "لا تصرُوا الإبلَ والغنمَ للبيعِ"، وفي روايةٍ (٥) لهُ: "إذا باعَ أحدُكم الشاةَ أو اللقحةَ فَلْيحْلِبْها، وهذا هوَ الراجحُ عندَ الجمهورِ، ويدلُّ عليهِ التعليلُ بالتدليسِ والغرر كذا قيلَ، إلَّا أني لم أرَ التعليلَ بهما منصوصًا. وأما التصريةُ لا للبيعِ بلْ ليجتمعَ الحليبُ لنفعِ المالكِ فهوَ وإنْ كانَ فيهِ إيذاءٌ للحيوانِ إلَّا أنهُ ليسَ فيهِ إضرارٌ فيجوزُ، وظاهرُ الحديثِ أنهُ لا يثبتُ الخيارُ إلا بعدَ الحلبِ، ولو ظهرتِ التصريةُ بغيرِ حلْبٍ فالخيارُ ثابتٌ، وثبوتُ الخيارِ قاضٍ بصحةِ بيعِ المصرَّاةِ. وفي الحديث دليلٌ على أن الردَّ بالتصرية فوريٌّ، لأنَّ الفاءَ في قولهِ: فهوَ بخيرِ النظرين تدلُّ على التعقيبِ منْ غيرِ تراخٍ. وإليهِ ذهبَ بعضُ الشافعيةِ (٦). وذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ على التراخي لقوله ﷺ : "فلهُ الخيارُ ثلاثًا". وأجيبَ منْ طرفِ (٧) القائلِ بالفورِ أن ذلكَ محمولٌ على ما إذا لم يعلمْ أنَّها مصراةٌ إلا في الثالثِ، لأنَّ الغالبَ أنَّها لا تُعْلَمُ في أقلَّ منْ ذلكَ لجوازِ النقصانِ باختلافِ العلفِ ونحوهِ، ولأنَّ في روايةِ أحمدَ (٨) والطحاويِّ (٩): "فهوَ بأحدِ النظرينِ بالخيارِ إلى أنْ يحوزَها [أو يردَّها] (١٠) ". وأما ابتداءُ الثلاثِ ففيهِ خلافٌ، قيلَ:

стр. 1350

منْ بعدِ تَبَيُّنِ التصريةِ، وقيلَ: منْ عندِ العقدِ، وقيلَ: منَ التفرُّقِ (١). ودلَّ الحديثُ أنهُ يردُّ عوضَ اللبنِ صاعًا منْ تمرٍ، وأما الروايةُ التي عَلَّقَهَا البخاريُّ (٢) بذكرِ: "صاعًا منْ طعامٍ" فقدْ رجَّحَ البخاريُّ روايةَ التمرِ لكونهِ أكثر (٣). وإذا ثبتَ أنهُ يردُّ المشتري صاعًا منْ تمرٍ ففي المسألةِ ثلاثةُ أقوال: الأولُ: للجمهور (٤) منَ الصحابةِ والتابعينَ بإثباتِ الردِّ للمصراةِ، ردِّ [صاعٍ] (٥) منْ تمرٍ، سواءٌ كانَ اللبنُ كثيرًا [أو] (٦) قليلًا، والتمرُ قوتًا لأهلِ البلدِ أوْ لا. والثاني: للهادويةِ (٧)، فقالُوا: تُرَدُّ المصرَّاةُ، ولكنَّهم قالُوا بردِّ اللبنِ بعينهِ إنْ كانَ باقيًا، أو مثلِه إنْ كانَ تالفًا، أو قيمتِه يومَ الردِّ حيثُ لم يوجدِ المثلُ. قالُوا: وذلك [لأنه] (٨) تقرَّرَ أن ضمانَ المتلفِ إنْ كانَ مِثْلِيًا فبالمثلِ، وإنْ كانَ قيْميًّا فبالقيمةِ، واللبنُ إنْ كانَ مثليًا ضمن بمثله وإن كان قيميًا قُوِّمَ بأحدِ النقدينِ وضُمِنَ بذلكَ، فكيفَ يضمنُ بالتمرِ أو الطعام؟ قالُوا: وأيضًا فإنهُ كانَ الواجبُ أنْ يختلفَ الضمانُ بقدرِ اللبنِ، ولا يُقَدَّرُ بصاعٍ أَقلَّ أَوْ أكثرَ. وأُجِيْبَ بأنَّ هذا القياسَ تضمَّنَ العمومَ في جميعِ المتلفاتِ، وهذا خاصٌّ وردَ بهِ النصُّ، والخاصُّ مقدَّمٌ على العامِّ. أما تقديرُ الصاعِ فإنهُ قدَّرَهُ الشارعُ لِيدفَعَ التشاجرَ لعدم الوقوفِ على حقيقةِ قدْرِ اللبنِ لجوازِ اختلاطِه بحادث بعدَ البيعِ، فَقَطَعَ الشارعُ النزاعَ وقدَّرهُ بحدٍّ لا يبعدُ رفعًا للخصومَةِ، وقدَّرَهُ بأقربِ شيءٍ إلى اللبنِ، فإنَّهما كانا قوتًا في ذلك الزمانِ، ولهذا الحكمِ نظائرُ في الشريعةِ وهوَ ضمانُ الجناياتِ (٩) كالموضحةِ؛ فإنَّ أرشَها مقدَّرٌ معَ الاختلافِ في الكبرِ والصغرِ؛ والغرةِ في الجنينِ معَ اختلافهِ؛ والحكمةُ في ذلكَ كلِّه دفعُ التشاجر.

стр. 1351

والثالثُ: للحنفيةِ (١)، فخالفُوا في أصلِ المسألةِ وقالُوا: لا يُرَدُّ [المبيع] (٢) بعيبِ التَّصريةِ، فلا يجبُ ردُّ الصاعِ منَ التمرِ، واعتذَرُوا عن الحديثِ بأعذارٍ كثيرةٍ. بالقدحِ في الصحابيِّ (٣) الراوي للحديثِ، وبأنهُ حديثٌ مُضْطَّرِبٌ (٤)، وبأنهُ منسوخٌ (٥)، وبأنهُ معارَضٌ بقولهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٦)، وكلُّها أعذارٌ مردودةٌ. وقالُوا: الحديثُ خالفَ قياسَ الأصولِ منْ جهاتٍ: الأولى: منْ حيثُ إنَّ اللبنَ التالفَ إنْ كانَ موجودًا عندَ العقدِ [فهو] (٧) نقصُ

стр. 1352

جزءٍ منَ المبيعِ فيمتنعُ الردُّ، وإنْ كانَ حادثًا عندَ المشتري فهوَ غيرُ مضمونٍ. وأُجِيْبَ أولًا: بأنَّ الحديث أصلٌ مُسْتَقِلٌ برأسهِ لا يقالُ إنهُ خالفَ قياسَ الأصولِ (١). وثانيًا: بأنَّ النقصَ إنما يمنعُ الردَّ إذا لمْ يَكُنْ لاستعلامِ العيْبِ، وهُو هُنَا لاستعلامِ العيبِ فلا يُمنع. والثانيةُ: منْ حيثُ إنهُ جعلَ الخيارَ فيهِ ثلاثًا معَ أن خيارَ العيبِ، وخيارَ المجلسِ، وخيارَ الرؤيةِ، لا يقدرُ شيءٌ منها بالثلاثِ. وأجيبَ بأنَّ المصرَّاةَ انفردتْ بالمدَّةِ المذكورة، لأنهُ لا يتبينُ حكمُ التصريةِ في الأغلبِ إلَا بها بخلافِ غيرِها. والثالثةُ: [من حيث] (٢) إنَّهُ يلزمُ ضمانُ الأعيانِ معَ بقائِها حيثُ كانَ اللبنُ موجودًا. وأُجِيبَ عنهُ بأنهُ غيرُ موجودٍ متميزٍ لأنهُ مختلطٌ باللبنِ الحادثِ فقدْ تعذَّرَ ردُّه بعينهِ بسببِ الاختلاطِ فيكونُ مثلَ ضمانِ العبدِ المغصوبِ الآبقِ. والرابعةُ: إنَّهُ يلزمُ إثبات الرد بغير عيب، لأنه لو كان نقصانُ اللبن عيبًا لثبت به الرد من دون تصرية، ولا اشتراط لأنه لم يشترط الردَّ. وأجيبَ بأنه في حكم خيار الشرط منْ حيثُ المعنَى؛ فإنَّ المشتري لما رَأَى ضِرعَها مملوءًا فكأنَّ البائعَ شرطَ لهُ أنَّ ذلكَ عادةٌ لها، وقد ثبتَ لهذا نظائرُ مثلُ ما تقدَّمَ في تلقي الجلوبةِ. وإذا تقرَّرَ عندكَ ضعفُ القولينِ الآخريْنِ علمتَ أن الحقَّ (٣) هوَ الأَوَّلُ، وعرفتَ أن الحديثَ أصلٌ (٤) في النَّهي عن الغشِّ، وفي ثبوتِ الخيارِ لمنْ دلَّسَ عليهِ، وفي أنَّ التدليسَ لا يفسدُ أصلَ العقدِ، وفي تحريمِ التصريةِ للمبيعِ وثبوتِ الخيارِ بها. وقدْ أخرجَ أحمدُ (٥)، وابنُ ماجهْ (٦) منْ حديثِ ابن مسعودٍ مرفوعًا: "بيعُ المحفلاتِ خِلابةٌ، ولا تحلُّ الخلابةُ، لمسلمٍ"، وفي إسنادهِ ضعفٌ، ورواه ابنُ أبي شيبةَ

стр. 1353

مرفوعًا (١) بسندٍ صحيحٍ. والمحَفَّلاتُ: جَمْعُ مُحَفَّلة بالحاءِ المهملةِ والفاءِ، التي تَجْمعُ لبنها في [ضرعها] (٢)، والخِلابةُ: بكسرِ الخاءِ المعجمةِ وتخفيفِ اللامِ، بعدَها موحدةٌ، الخداعُ. ٣٥/ ٧٧٠ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُود ﵁ قَالَ: مَنْ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وزَادَ الإِسْمَاعِيليُّ مِنْ تَمْرٍ (٤). [صحيح] (وعن ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: من اشتَرى شاةً محفَّلةً فردَّها فليردَّ معهَا صاعًا. رواهُ البخاريُّ، وزادَ الإسماعيليُّ: منْ تمرِ)، لم يرفعْه المصنِّفُ بلْ وقَفَهُ على ابن مسعودٍ، لأنَّ البخاريَّ لمْ يرفعْه. وقدْ تقدَّم (٥) الكلامُ على معناهُ مُسْتَوْفَى. [تحريم الغشِّ] ٣٦/ ٧٧١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ منْ طَعَامٍ، فَأدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بلَلًا فَقَالَ: "مَا هذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ "، قَالَ: أَصَابَتْهُ السمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيسَ مِنِّي"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ علي صُبرةٍ)، الصُّبْرةُ: بضمِّ الصادِ المهملةِ، وسكونِ الموحدةِ، الكَوْمةُ المجموعةُ منَ الطعامِ، (فأدخل يدَه فيها فنالتْ أصابعُه بللًا، فقالَ: ما هذَا يا صاحبَ الطعامِ؟ قالَ: أصابتْه السماءُ يا رسولَ اللهِ، قالَ:

стр. 1354

أَفَلا جعَلتَه فوقَ الطعامِ كي يراهُ الناسُ؟ مَنْ غشَّ فليسَ منِّي. رواه مسلمٌ). قالَ النووي (١) ﵀: كَذَا في الأصولِ "منِّي" بياءِ المتكلمِ، وهوَ صحيحٌ، ومعناهُ ليسَ ممنِ اهتدَى بهديي واقْتدَى بعلمي وعملي، وحُسْنِ طريقتي. وكان سفيانُ بنُ عيينةَ يكرهُ تفسيرَ مثلِ هذا، [ونقولُ:] (٢) نمسكُ عنْ تأويلِه ليكونَ أوقعَ في النفوسِ، وأبلغَ في الزَّجْرِ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الغش، وهوَ مجمعٌ على تحريمهِ شرعًا، مذمومٌ فاعلُه عقلًا. [بيع العنب لمن يتخذه خمرًا] ٣٧/ ٧٧٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن بُرَيْد عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَبَسَ الْعِنبَ أَيَّامَ الْقطَافِ حَتَّى يَبيعَهُ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا فَقدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ"، رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (٣) في الأَوْسطِ بإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٤). [باطل] [ترجمة عبد الله بن بريدة] (وعنْ عبد اللهِ بن بريدةَ) هو أبو سهل (٥) عبدُ اللهِ بنُ بريدةَ بنَ الحصيبِ الأسلميِّ، قاضي مَرْوٍ، تابعيُّ ثقةٌ سمعَ أباهُ وغيرَهُ، (عنْ أبيهِ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : منْ حبَسَ العنبَ أيامَ القطافِ)، الأيامُ التي يُقْطَفُ فيها (حتَّى يبيعَه ممنْ يَتَّخذُهُ خمرًا فقدْ تقحَّم) بالقاف، ثم الحاء المهملة المشدَّدة، أي: رمى بنفسه على بصيرة، وثبتت (النارَ على بصيرة)، أي على علم بالسببِ الموجبِ لدخوله.

стр. 1355

(رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ بإسنادٍ حسنٍ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ في شُعَبِ الإيمانِ (١) منْ حديثِ بريدةَ بزيادةِ: "حتى يبيعه منْ يهودي، أو نصرانيٍ، أو ممَّنْ يعلمُ أَنّه يتخذَه خمرًا، فقد تقحَّم في النار على بصيرةٍ". والحديثُ دليلٌ على تحريمِ بيعِ العنبِ ممنْ يتخذُه خمرًا [لوعيدِ] (٢) البائعِ بالنارِ، وهوَ معَ القصدِ محرَّمٌ إجماعًا. وأما معَ عدمِ القصْدِ فقالَ الهادويةُ: يجوزُ البيعُ معَ الكراهيةَ، ويُؤَوَّلُ بأنّ ذلكَ معَ الشكِّ في جعْلِهِ خَمْرًا، وأما إذا علِمَهُ فهوَ محرَّمُ، ويقاسُ على ذلكَ ما كانَ يستعانُ بهِ في معصيةٍ، وأما ما لا يفعلُ إلَّا لمعصيةٍ كالمزاميرِ والطنابيرِ ونحوها فلا يجوزُ بيعُها ولا شراؤها إجماعًا (٣)، وكذلكَ بيعُ السلاحِ (٤) والكراعِ منَ الكفارِ والبغاةِ، إذا كانُوا يستعينونَ بها على حربِ المسلمينَ، فإنهُ لا يجوزُ إلا أنْ يباعَ بأفضلَ منهُ جازَ. ٣٨/ ٧٧٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخرَاجُ بالضَّمَانِ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٥)، وضَعَّفَهُ الْبخَارِيُّ (٦)، وأَبُو دَاوُدَ (٧)، وَصَحّحَهُ (٨) التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ،

стр. 1356

وَابْنُ الْجَارُودِ (١) وابْنُ حِبَّانَ (٢)، والْحَاكِمُ (٣)، وابْنُ الْقَطَّانِ. [صحيح لغيره] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : الخراجُ بالضمانِ. رواهُ الخمسةُ، وضعَّفهُ البخاريُّ)؛ لأنَّ فيهِ مسلمَ بن خالدٍ الزنجيِّ ذاهبُ (٤) الحديثِ. (وأبو داودَ، وصحَّحهُ الترمذيُّ، وابنُ خزيمةَ، وابنُ الجارودِ، وابنُ حبَّانَ، والحاكمُ، وابنُ القطانِ). الحديثُ أخرجهُ الشافعيُّ، وأصحابُ السنن بطولهِ، وهوَ: "أن رجلًا اشتَرى غلامًا في زمنِ رسول اللهِ ﷺ ، وكانَ عندَه ما شاءَ اللهُ، ثمَّ ردَّه منْ عيبٍ وجدَه، فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ بردِّه بالعيبِ، فقالَ المقْضي عليهِ: قدِ استعملَه، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : الخراجُ بالضمانِ، والخراجُ هو الغلةُ والكراءُ، ومعناهُ أن المبيعَ إذا كانَ لهُ دخْلٌ وغلةٌ فإنَّ مالكَ الرقبةِ الذي هوَ ضامنٌ لها يملكُ خراجَها لضمانِ أصلِها، فإذا ابتاعَ رجلٌ أرضًا فاستعملَها، أو ماشيةً فنتجَها، أو دابةً فركبَها، أو عبدًا فاستخدَمَه، ثمَّ وجدَ بهِ عيبًا، فلهُ أن [يرده] (٥) ولا شيء عليهِ فيما انتفعَ بهِ، لأنها لو تلفتْ ما بينَ مدةِ الفسخِ والعقدِ لكانتْ في ضمانِ المشتري، فوجبَ أنْ يكونَ الخراجُ لهُ. وقد اختلفَ العلماءُ في المسألةِ على [ثلاثةِ] (٦) أقوالٍ: الأولُ: للشافعيِّ (٧)، أن الخراجَ بالضمانِ على ما قرَّرْنَاه في معنَى الحديثِ،

стр. 1357

وما [وجدَ] (١) منَ الفوائدِ الأصليةِ والفرعيةِ فهوَ للمشتري، ويردّ المبيعَ ما لمْ يَكُنْ ناقصًا عما أخذَه. الثاني: للهادويةِ (٢)، أنهُ يُفَرَّقُ بينَ الفوائدِ الأصليةِ والفرعيةِ، فيستحقُ المشتري الفرعيةَ، وأما الأصليةُ فتصيرُ أمانةً في يدِه، [فإذا] (٣) ردَّ المشتري المبيعَ بالحكمِ وجبَ الردُّ ويضمنُ [التالفُ] (٤) وإنْ كانَ بالتراضي لم يردَّها. الثالثُ: للحنفيةِ (٥): أنَّ المشتري يستحقُّ الفوائدَ الفرعيةَ كالكراءِ وأما الفوائدُ الأصليةُ كالثمرِ فإنْ كانتْ باقيةً ردَّها معَ الأصلِ، وإنْ كانتْ تالفةً امتنعَ الردُّ واستحقَّ الأَرْشَ. الرابعُ: لمالكٍ (٦): أنهُ يُفَرَّقُ بينَ الفوائدِ الأصليةِ كالصوت والشعر، فيستحقه المشتري والولد برده مع أمه، وهذا ما لم تكنْ متصلةً بالمبيعِ وقتَ الردِّ، فإنْ كانتْ متصلةً وجبَ الردُّ لها إجماعًا، هذا ما قالَهُ المذكورونَ. والحديثُ ظاهرٌ فيما ذهبَ إليهِ الشافعي. وأما إذا وطئَ المشتري الأمةَ ثمَّ وجدَ فيها عيبًا، فقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فقالتِ الهادويةُ (٧)، وأهلُ الرأي (٨)، والثوريُّ، وإسحاقُ (٩): يمتنعُ الردُّ لأنَّ الوطءَ جنايةٌ، لأنهُ لا يحلُّ وطءُ الأمةِ لأصلِ المشتري ولا لفصلِه، فقدْ عيَّبَها بذلكَ. قالُوا: وكذَا مقدماتُ الوطء يمتنعُ الردُّ بعدَها لذلكَ. قالُوا: ولكنَّهُ يرجعُ على البائعِ بأرشِ العيبِ. وقيلَ: يردُّها ويردُّ معها مهرُ مِثْلها. ومنهم مَنْ فرَّق بينَ الثيِّبِ والبكر. وقدِ استوفَى الخطابيُّ (١٠) ذلكَ، ونقلَه الشارحُ، والكلُّ أقوالٌ عاريةٌ عن الاستدلالِ، ودعْوى أن الوطءَ جنايةٌ دعْوَى غيرُ صحيحةٍ، والتعليلُ بأنهُ حرَّمها بهِ على أصولهِ وفصوله فكانتْ جنايةً عليلٌ، فإنهُ لم ينحصرِ المشتري لها فيهما.

стр. 1358

[العقد الموقوف الذي لنفذ بالإجازة] ٣٩/ ٧٧٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَريَ بهِ أُضْحِيَّةً، أَوْ شَاةً، فَاشْتَرَى بهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إحْدَاهُمَا بدِينَارٍ، فَأَتَاهُ بشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ بالْبَركَةِ في بَيْعِهِ، فَكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١) إلَّا النَّسائيَّ. [صحيح] وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢) في ضِمْن حَدِيثٍ، وَلَمْ يَسُقْ (٣) لَفْظَهُ. وَأَوْرَدَ التِّرْمذِيُّ (٤) لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ حكيمِ بْنِ حِزَامٍ. (وعنْ عروةَ البارقيِّ ﵁ أن النبيَّ ﷺ أعطاهُ دينارًا يشتري بهِ أضحيةً أوْ شاةً، فاشتَرى بهِ شاتينِ، فباعَ إحداهمُا بدينارٍ فأتاهُ بشاةٍ ودينارِ، فدَعا لهُ بالبركةِ في بيعهِ، فكانَ لو اشتَرَى ترابًا لربحَ فيهِ. رواة الخمسة إلا النسائيَّ، وقدْ أخرجَهُ البخاريُّ ضمنَ حديثٍ، ولم يَسُقْ لفظَه، وأوردَ لهُ الترمذيُّ شاهدًا منْ حديثِ حكيمِ بن حزامٍ). الحديثُ في إسنادهُ سعيدُ بنُ زيدٍ (٥) أخُو حمَّادٍ مختلفٌ فيهِ. قالَ المنذريُّ، والنوويُّ: إسناده حسنٌ (٦) صحيحٌ. وفيهِ كلامٌ كثيرٌ. وقالَ المصنفُ (٧): "الصوابُ أنهُ متصلٌ في إسنادهِ مُبْهَم". وفي الحديثِ دلالةٌ على أن عروةَ شَرَى ما لمْ يوكَلْ

стр. 1359

بشرائهِ، وباعَ كذلكَ، لأنهُ ﷺ أعطاهُ دينارًا لشراءِ أضحيةٍ فلو وقفَ على الأمرِ لشَرَى ببعضِ الدينارِ الأضحيةَ، وردَّ البعضَ. وهذا الذي فعله هو الذي تسمِّيهِ الفقهاءُ العقدَ الموقوفَ الذي ينفذُ بالإجازةِ. وقد وقعتْ هنا، وللعلماءِ فيه خمسةُ أقوالٍ: الأولُ: أنهُ يصحُّ العقد الموقوفُ، وذهبَ إلى هذا جماعةٌ منَ السلفِ والهادويةُ (١)، عملًا بالحديثِ. الثاني: أنه لا يصحُّ، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ (٢)، وقالَ: إنَّ الإجازةَ لا تصحِّحُه محتجًّا بحديثِ: "لا تبعْ ما ليسَ عندَك". أخرجهُ أبو داودَ (٣)، والترمذيُّ (٤)، والنسائيُّ (٥)، وهوَ شامل للمعدومِ وملكِ الغيرِ، وتردَّدَ الشافعيُّ (٦) في صحةِ حديثِ عروةَ، وعلَّقَ القولَ بهِ على صحتهِ. والثالثُ: التفصيلُ لأبي حنيفة (٧) [فقال] (٨): يجوزُ البيعُ لا الشراءُ، وكأنهُ فرَّقَ بينهما بأنَّ البيعَ إخراجٌ عن مُلْكِ المالكِ، وللمالكِ حقٌّ في استبقاءِ مُلْكِهِ، فإذا أجازَ فقدْ أسقطَ حقَّه بخلافِ الشراءِ فإنهُ إثباتُ [ملكٍ] (٩)، فلا بدَّ منْ تولِّي المالكِ لذلكَ. والرابع: لمالكٍ (١٠)، وهوَ عكسُ ما قالهُ أبو حنيفةَ، وكأنهُ أرادَ الجمعَ بينَ

стр. 1360

الحديثينِ، حديثِ: "لا تبعْ ما ليسَ عنَدك"، وحديثِ عروةَ فَيُعْمَلُ بهِ ما لم يُعَارَضْ. والخامس: أنهُ يصحُّ إذا وكِّلَ بشراءِ شيءٍ [فشرى] (١) بعضَه وهوَ للجصَّاصِ، وإذا صحَّ حديثُ عروةَ فالعملُ بهِ هوَ الراجحُ، وفيهِ دليل على صحةِ بيعِ الأضحيةِ وإنْ تعينتْ بالشراءِ لإبدالِ المِثْلِ، ولا تطيبُ زيادةُ الثمنِ ولذا أمرهُ بالتصدقِ بها، وفي دعائهِ ﷺ لهُ بالبركةِ دليل على أن شكرَ الصنيعِ لمنْ فعلَ المعروفَ ومكافأتهُ مستحبةٌ ولوْ بالدعاءِ. [بعض البيوع المنهي عنها] ٤٠/ ٧٧٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ شِرَاءِ مَا في بُطُونِ الأَنْعَامِ حَتى تَضَعَ، وَعَنْ بَيْعِ مَا في ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِراءِ الْعَبْدِ وَهُوَ آبِقٌ، وَعَنْ شِرَاءِ الْمَغَانِمِ حَتى تُقْسَمَ، وَعَنْ شِرَاءِ الصَّدَقَاتِ حَتى تُقْبَضَ، وَعَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٢)، والْبَزارُ (٣)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٤) بِإِسْنَادٍ ضَعِيف. [ضعيف] (وعنْ أبي سعيد الخدْريِّ ﵁ أن النبي ﷺ نَهَى عنْ شراءِ ما في بطونِ الأنعامِ حتَّى تضعَ، وعنْ بيعِ ما في ضِرعِها، وعنْ شراءِ العبدِ وهوَ آبقٌ، وعنْ شراءِ المغانمِ حتَّى تقسَمَ، وعنْ شراءِ الصدقاتِ حتَّى تُقْبَضَ، وعنْ ضربةِ الغائصِ. رواهُ ابنُ ماجهْ، والبزارُ، والدارقطنيُّ بإسنادٍ ضعيفٌ)، لأنهُ منْ حديثِ شهرِ بن حوشبٍ، وشهرٌ تكلَّمَ فيهِ جماعةٌ (٥) كالنضرِ بن شميلٍ، والنسائيِّ، وابنِ عديٍّ، وغيرِهم.

стр. 1361

وقالَ البخاريُّ: شَهْرٌ حَسَنُ الحديثِ وقَوَّى أمرُه، ورُوِيَ عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: ما أحسنَ حديثَه. والحديثُ اشتملَ على ستِّ صورٍ منْهيٍّ عنْها: الأولى: بيعٌ في بطونِ الحيوانِ، وهوَ (١) مجمعٌ على تحريمهِ. [و] (٢) الثانيةُ: اللبنُ في الضروعِ، وهوَ (٣) مجمعٌ عليهِ أيضًا، وقدْ تقدَّمَ. الثالثةُ: العبدُ الآبقُ وذلكَ لتعذُّرِ تسليمهِ. والرابعةُ: شراءُ المغانِم قَبْلَ القسمةَ، وذلكَ لعدمِ [الملكِ] (٤). والخامسةُ: شراءُ الصدقاتِ قبلَ القبضِ فإنهُ لا [يستقرُّ] (٥) ملكُ المتصدقِ عليهِ إلَّا بعدَ القبضِ، إلا أنهُ استثنَى الفقهاءُ منْ ذلكَ بيعَ المصدقِ (٦) للصدقةِ قبلَ القبضِ بعدَ التخليةِ، فإنهُ يصحُّ لأنَّهم جعلُوا التخليةَ كالقبضِ في حقِّهِ. السادسةُ: ضربةُ الغائص، وهوَ أنْ يقولَ: أغوصُ في البحرِ غَوصةً بكذا، فما خرجَ فهوَ لكَ، والعلةُ في ذلك هوَ الغرَرُ. ٤١/ ٧٧٦ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تَشْتَرُوا السَّمَكَ في الْمَاءِ، فَإِنَّهُ غَرَرْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)، وَأَشَارَ إلَى أنَّ الصَّوَابَ وَقْفهُ. [ضعيف] (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا تشتَروا السَّمكَ في الماءِ فإنَّهُ غَرَرٌ. رواهُ أحمدُ وأشارَ إلى أن الصوابَ وقْفُهُ)، وهوَ دليلٌ على حرمةِ بيعِ السمكِ في الماءِ، وقدْ عَلَّلَهُ بأنهُ غَرَرٌ، وذلكَ لأنهُ تَخْفَى في الماءِ حقيقتُه، ويُرَى

стр. 1362

الصغيرُ كبيرًا وعكسُه، وظاهرُه النَّهيُ عنْ ذلكَ مطلقًا. وفصَّلَ (١) الفقهاءُ في ذلكَ فقالُوا: إنْ كانَ في ماءٍ كثير لا يمكن أخذه إلَّا بتصيد، ويجوز عدم أخذه، فالبيعُ غير صحيح، وإن كان في ماء لا يفوتُ فيهِ ويُؤْخَذُ بتصيدٍ فالبيعُ صحيحٌ، ويثبتُ فيهِ الخيارُ بعدَ التسليمِ، وإنْ كانَ لا يحتاجُ إلى تصيُّدٍ فالبيعُ صحيحٌ ويثبتُ فيهِ خيارُ الرؤيةِ، وهذَا التفصيلُ يأخذُ منَ الأدلةِ، [والدليلَ] (٢) المقتضي للإلحاقِ يخصِّصُ عمومُ النَّهْي. ٤٢/ ٧٧٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةٌ حَتى تُطْعِمَ، وَلا يُبَاعَ صُوفٌ عَلَى ظَهرٍ، وَلا لَبَنٌ في ضَرْع. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ (٣) في الأَوْسَطِ، وَالدَّارَقُطْنيُّ (٤). [ضعيف] وَأَخْرَجهُ أَبُو دَاوُدَ في الْمَرَاسِيل (٥) لِعِكْرِمَةَ. وَأَخْرَجَهُ (٦) أَيْضًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بإِسْنَاد قَويٍّ، وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٧). [موقوف صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ تُبَاعَ ثمرةٌ حتَّى تُطْعِمَ)، بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ، وكسرِ العينِ المهملةِ، يبدُو صلاحُها، (ولا يُباعُ صوفٌ على

стр. 1363

ظَهْر، ولا لَبَنٌ في ضرْعٍ. رواهُ الطبرانيُّ في الأوسطِ، والدارقطني، ورجَّحه البيهقي (١)، وأخرجَهُ أبو داودَ في المراسيلِ لعكرمةَ)، وهوَ الراجحُ. (وأخرجَه أيضًا موقوفًا علي ابن عباسٍ بإسنادٍ قويٍّ، ورجَّحهُ البيهقيُّ). اشتملَ الحديثُ على ثلاثِ مسائلَ: الأُوْلَى: [النَّهْيُ] (٢) عنْ بيعِ الثمرةِ حتَّى يبدوَ صلاحُها ويطيبَ أكلُها، ويأتي (٣) الكلامُ في ذلكَ. والثانية: النَّهيُ عنْ بيعِ الصوفِ على الظهرِ، وفيهِ قولانِ للعلماءِ، الأولُ: أنهُ لا يصحُّ عملًا بالحديثِ، ولأنهُ يقعُ الاختلافُ في موضع القطعِ منَ الحيوانِ، فيقعُ الإضرارُ بهِ وهذا قولُ الهادويةِ (٤)، والشافعيةِ (٥)، وأبي حنيفةَ (٦). والقولُ الثاني: أنهُ يصحُّ البيعُ لأنهُ مشاهدٌ يمكن تسليمهُ، فيصحُّ كما [يصح] (٧) منَ المذبوحِ، وهذا قولُ مالكٍ ومَنْ وافَقَه قالوا: والحديثُ موقوفٌ على ابن عباسٍ، والقولُ الأولُ أظَهرُ. والحديثُ قد تعاضدَ فيهِ المرسلُ والموقوفُ. وقدْ صحَّ النَّهيُ عن الغررِ، والغررُ حاصلٌ فيهِ. والثالثةُ: النَّهْيُ عنْ بيعِ اللبنِ في الضرعِ لما فيهِ منَ الغررِ. وذهبَ سعيدُ بنُ جبيرٍ إلى جوازِه، قالَ: لأنهُ ﷺ سمَّى الضرعَ خزانةً في قولهِ فيمنْ يحلبُ شاةَ أخيهِ بغيرِ إذْنِهِ: "يعمدُ أحدُكم إلى خزانةِ أخيه [فيأخذ] (٨) ما فيها" (٩)، وأجيبَ بأن تسميتَه خزانةٌ مجازٌ، ولَئِنْ سلم فَبَيْعُ ما في الخزانةِ بيعُ غررٍ ولا يدرى بكميتهِ وكيفيتِه.

стр. 1364

[النهي عن بيع المضامين والملاقيح] ٤٣/ ٧٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ والْمَلاقِيحِ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ (١)، وَفي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ. [ضعيف] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عنْ بيعِ المضامينِ) (٢). المرادُ بها ما في بطونِ الإبلِ. (والملاقيحِ) هوَ ما في ظهورِ الجمالَ. (رواهُ البزارُ، وفي إسنادِه ضعفٌ)، لأنَّ في رواتِه صالحَ بنَ أبي الأخضر عن الزهريِّ، وهوَ ضعيفٌ ورواهُ مالكٌ (٣) عن الزهريِّ، عنْ سعيدٍ مرسلًا. قالَ الدارقطنيُّ (٤) في العلل:

стр. 1365

"تابعهُ معمرٌ ووصلهُ عمرُ بنُ قيسٍ عن الزهريِّ. وقولُ مالكٍ هوَ الصحيحُ". وفي البابِ عن ابن عمرَ أخرجهُ عبدُ الرزاقِ (١) بإسنادٍ قويٍّ. والحديثُ دليل على عدمِ صحَّةِ بيعِ المضامينِ والملاقيحِ. وقدْ تقدَّم وهو إجماعُ (٢). [بيان فضل الإقالة] ٤٤/ ٧٧٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بيعته أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَابْنُ مَاجَه (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٥)، وَالحَاكِمُ (٦). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ أقالَ مسلمًا بيعتَه أقالَ اللهُ عثْرَتَه. رواه أبو دوادَ، وابنُ ماجهْ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ)، وهوَ عندهُ بلفظِ: مَنْ أقالَ مسلمًا أقاله (٧) اللهُ عثرته يومَ القيامةِ. قالَ أبو الفتحِ (٨) القشيريِّ: هوَ على شرطِهما. وفي البابِ ما يشدُّه منَ الأحاديثَ الدالةِ على [فضيلة] (٩) الإقالة، وحقيقتُها شرعًا: رفعُ العقدِ الواقع بينَ المتعاقديْنِ، وهيَ مشروعةٌ إجمالًا، ولا بدَّ منْ لفظٍ يدل [عليها] (١٠)، وهوَ أقَلْتُ أو ما يفيدُ معناهُ عرفًا.

стр. 1366

وللإقالةِ شرائطُ ذُكِرَتْ في كتبِ الفروعِ لا دَليلَ عليها، وإنَّما دلَّ الحديثُ على أنَّها تكونُ بينَ المتبايعينِ لقولِه: بيعَته. وأما كونُ المُقالِ مسلمًا فليسَ بشرط، وإنما ذكرَه لكونهِ حكمًا أغلبيًا، وإلا فَثَوابُ الإقالةِ ثابتٌ في [إقالةِ] (١) غيرِ المسلمِ، وقدْ وردَ بلفظِ: منْ أقالَ نادِمًا. أخرجهُ البزارُ (٢). * * *

стр. 1367

الباب الثاني باب الخيار الخِيارُ: بكسرِ الخاءِ المعجمةِ اسمٌ منَ الاختيارِ أوِ التخيرِ، وهوَ طلبُ خيرِ الأمرينِ منْ إمضاءِ البيع أو فسخهِ، وهوَ أنواعٌ، ذكرَ المصنفُ في هذا البابِ: خيارَ المجلسِ، وخيارَ الشرط. [خيار المجلس] ١/ ٧٨٠ - وَعَن ابْنِ عُمرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : قَالَ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِد مِنْهُمَا بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا ولَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيعُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٢). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: إذا تبايعَ الرجلانِ)، أي: أوقَعَا العَقْدَ بينَهما لا تساوما منْ غيرِ عَقْدٍ، (فكلُّ واحدٍ منْهما بالخيارِ ما لم يتفرَّقا)، وفي لفظٍ: يفْتَرِقا، والمرادُ بالأبدانِ، (وكانا جميعًا، أو يخَيِّرْ) منَ التخيير (أحدُهما الآخرَ)؛ فإن خيَّر أحدهما الآخر أي إذا اشترط أحدهما الخيار مدةً معلومةً فإن

стр. 1368

الخيار لا ينقضي بالتفرق، بلْ يبقَى حتَّى تمضي مدةُ الخيارِ التي شَرَطَهَا. وقيلَ المرادُ إذا اختارَ إمضاءَ البَيْعِ قبلَ التفرقِ لزمهُ البيعُ حينئذٍ وبطلَ اعتبارُ التفرقِ، ويدلُّ لهذا قولُه: (فإنْ خيَّر أحدُهما الآخرَ فتبايعَا على ذلك فقدْ وجبَ البيعُ) أي نفذَ وتمَّ، (وإنْ تفرَّقا) [أي] (١) بالأبدانِ (بعدَ أنْ تبايعَا) أي عَقَدَا عقْدَ البيعِ، (ولم يتركْ واحدٌ منْهما البيعَ فقدْ وجبَ البيعُ. متفقٌ عليهِ، واللفظ لمسلمٍ). الحديثُ دليلٌ على ثبوتِ خيارِ المجلسِ للمتابعينِ، وأنهُ يمتدُّ إلى أنْ يحصلَ التفرق بالأبدانِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ثبوتِه على قولين: [آراء الفقهاء في خيار المجلس] الأولُ: ثبوتُه وهوَ لجماعةٍ منَ الصحابةِ (٢)، منْهم عليٌّ ﵇ (٣)، وابنُ عباسٍ (٤)، وابنُ عمرَ وغيرهم. وإليهِ ذهبَ أكثرُ التابعينَ (٥)، والشافعي (٦)، وأحمدُ (٧)، وإسحاقُ (٨)، والإمامُ يحيى (٩)، قالُوا: والتفرق الذي يَبْطُلُ بهِ الخيارُ ما يُسَمَّى عادةً تفرقًا؛ ففي المنزلِ الصغيرِ بخروج أحدهما، وفي الكبير بالتحوُّلِ منْ مجلسِه إلى آخرَ بخطوتينِ أو ثلاثٍ، ودلَّ على أنَّ هذا تفرُّق فعلُ (١٠) ابن عمرَ المعروفُ؛ فإنْ قامَا [معًا] (١١)

стр. 1369

وذَهَبا معًا فالخيارُ باقٍ، وهذَا المذهبُ دليلُه هذا الحديثُ المتفقُ عليهِ. القولُ الثاني: للهادويةِ (١)، والحنفيةِ (٢)، ومالكٍ (٣)، والإماميةِ (١)، أنهُ لا يَثْبُتُ خيارُ المجلسِ بلْ متى تفرَّقَ المتبايعانِ بالقولِ فلا خيارَ إلا ما شرطَ مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٤)، وبقولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥)، قالُوا: والإشهادُ إنْ وقعَ بعدَ التفرُّقِ لم يطابقِ الأمرَ، وإنْ وقعَ قبلَه لم يصادفْ محلَّه، وحديثُ: "إذا اختلفَ البيِّعانِ فالقولُ قولُ البائعِ" (٦) ولم يفصَّلْ. وأجيبَ بأنَّ الآيةَ مطلقةٌ قُيِّدتْ بالحديثِ، وكخيارِ الشرطِ، وكذلكَ الحديثُ، وآيةُ الإشهادِ يُرَادُ [بهما] (٧) عندَ العقدِ ولا ينافيهِ ثبوتُ خيارِ المجلسِ، كما لا ينافيهِ سائرُ الخياراتِ. قالُوا: والحديثُ منسوخٌ بحديثِ: "المسلمونَ على شروطِهم" (٨). والخيارُ بعدَ لزومِ العقدِ يفيدُ الشرطَ. ورُدَّ بأنَّ الأصلَ عدمُ النسخِ، ولا يثبتُ بالاحتمال. قالُوا: ولأنهُ منْ روايةِ مالكٍ (٩)، ولا يعملُ بهِ. وأجيبَ بأنّ مخالفةَ الراوي لا توجبُ عدمَ العملِ بروايتهِ، لأنَّ عملَه مبنيٌّ على اجتهادِه، وقدْ يظهرُ له ما هوَ أرجحُ عندَه مما رواهُ، وإن لم يكنْ أرجحَ في نفسِ الأمرِ، قالُوا: وحديثُ البابِ يحملُ على المتساومينِ فإنَّ استعمالَ البائعِ في المساومِ شائعٌ. وأجيبَ عنهُ بأنهُ إطلاقٌ مجازيٌ، والأصلُ الحقيقةُ، وعُوِرضَ بأنهُ يلزمُ أيضًا حملُهُ على المجازي على القولِ الأولِ؛ فإنهُ على تقديرِ القولِ بأنَّ المرادَ التفرقُ (١٠) بالأبدانِ هوَ بعدَ تمامِ الصيغةِ وقدْ مضَى، فهو مجاز في الماضي. وردَّت هذه المعارضة

стр. 1370

بأن لا نسلم أنه مجاز في الماضي، بل هو حقيقة فيهِ كما ذهبَ إليه الجمهورُ بخلافِ المستقبلِ فمجازٌ اتفاقًا. قالُوا: المرادُ التفرقُ بالأقوالِ، والمرادُ بالتفرقِ فيها هو ما بينَ قولِ البائعِ: بعتُك بكذَا، أوْ قولِ المشتري: اشتريتُ. قالُوا: فالمشتري بالخيارِ في قولهِ: اشتريتُ أو تركَهُ، والبائعُ بالخيارِ إلى أنْ يُوجِبَ المشتري، ولا يخْفَى ركاكةُ هذا القولِ، أو بطلانُه؛ فإنهُ إلغاءٌ للحديثِ عن الفائدةِ؛ إذْ منَ المعلومِ يقينًا أن كلًّا منَ البائعِ والمشتري في هذهِ الصورةِ على الخيارِ؛ إذْ لا عقدَ بينَهما فالإخبارُ بهِ لاغٍ عن الإفادةِ، ويردُّه لفظُ الحديثِ كما لا يخْفَى، فالحق هوَ القولُ الأولُ، وأما معارضةُ حديثِ البابِ بالحديثِ الآتي: [لا يحل ترك مجلس البيع خشية الاستقالة] ٢/ ٧٨١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "الْبَائِعُ وَالْمُبتَاعُ بالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرّقَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (١) إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، (٢) وابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (٣). [حسن] وَفي روَايَة (٤): "حَتى يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهمَا". وهوَ قولُه: (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ أن النبيَّ ﷺ قالَ: البائعُ والمبتاعُ بالخيارِ [ما لم] (٥) يتفرَّقَا، إلا أنْ تكونَ صفقةَ خيارٍ، ولا يحلُّ لهُ أن يفارقَه خشيةَ أنْ يستقيلَه. رواهُ الخمسةُ إلا ابنَ ماجه، [ورواهُ] (٦) الداقطنيُّ، وابن خزيمةَ، وابنُ الجارودِ. وفي روايةٍ: حتَّى يتفرَّقا [من] (٧) مكانهما)، وبحديثِ أبي داودَ (٨) عن

стр. 1371

ابن [عمرو] (١) بلفظِ: "البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقَا إلَّا أنْ تكونَ صفقةَ خيارٍ، ولا يحلُّ لهُ أن يفارقَ صاحبَه خشيةَ أنْ يستقيلَه". قالُوا: فقولُه أنْ يستقيلَه دالٌّ على نفوذِ البيعِ، فقدْ أُجِيْبَ عنهُ بأنَّ الحديثَ دليلُ خيارِ المجلسِ أيضًا لقولهِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا، وأما قولُه أنْ يستقيلَه فالمرادُ بهِ الفسخُ لأنّهُ لو أريدَ الاستقالةَ حقيقةَ لم يكنْ للمفارقةِ معنى، فتعيَّنَ حملُها على الفسخِ، وعلى ذلكَ حملَه الترمذيُّ (٢) وغيرُه (٣) منَ العلماءِ. [قالوا] (٤): معناهُ لا يحلُّ له أنْ يفارقَه بعدَ البيعِ خشيةَ أنْ يختارَ فسخَ المبيعِ، فالمرادُ بالاستقالةِ فسخُ النادمِ، وحملُوا نفيَ الحِلِّ على الكراهةِ لأنهُ لا يليقُ بالمروءةِ وحسنِ معاشرةِ المسلمِ، لا أن اختيارَ الفسخِ حرامٌ. وأما ما رُوِيَ عن ابن عمرَ (٥) أنهُ كانَ إذا بايعَ رجلًا فأرادَ أنْ يتمَّ بيعتَه قامَ يمشي هنيهةً فرجعَ إليه فإنهُ محمولٌ على أن ابنَ عمرَ لم يبلغْه النَّهيُ. وقالَ ابنُ حزمٍ (٦): حَملُ حديثِ ابن عمروٍ هذا على التفرقِ بالأقوالِ تذهبُ معهُ فائدةُ الحديثِ، لأنهُ يلزمُ معهُ حلُّ التفرقِ سواءٌ خشيَ أنْ يستقيلَه أوْ لا، لأنَّ الإقالةَ تصِحُّ قبل التفرقِ وبعدَه. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٧): قدْ أكثرَ المالكيةُ والحنفيةُ منَ الكلامِ بردِّ الحديثِ بما يطولُ ذكرُه، وأكثرُه لا يحصلُ منهُ شيءٌ، وإذا ثبتَ لفظُ مكانِهما لم يبقَ للتأويلِ مجالٌ، وبطلَ بطلانًا ظاهرًا حملَه على تَفَرُّقِ الأقوالِ. [خيار الغبن] ٣/ ٧٨٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ فَقَالَ: "إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لا خِلابَةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨). [صحيح]

стр. 1372

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: ذكَرَ رجلٌ) هو حَبَّانُ (١) بن منقذ بفتحِ الحاءِ المهملةِ، والباء الموحدةِ (للنَّبي ﷺ أنهُ يُخْدَعُ في البيوعِ فقالَ: إذا بايعتَ فقلْ: لا خِلابَة) بكسرِ الخاءِ المعجمةِ، وتخفيفِ اللامِ، [فموحدة] (٢)، أي: لا خديعةَ (متفقٌ عليهِ). زادَ ابنُ إسحاقَ في روايةِ يونسَ (٣) بنِ بكيرٍ، وعبدِ (٤) الأَعْلَى عنهُ: "ثمَّ أنتَ بالخيارِ في كلِّ سلعةٍ ابتعتَها ثلاثَ ليالٍ، فإنْ رضيتَ فأمسكْ، وإنْ سخطْتَ فارْدُدْ، فبقيَ ذلكَ الرجلُ حتَّى أدركَ زمانَ عثمانَ، وهوَ ابنُ مائةٍ وثلاثينَ سنةٍ، فكثُرَ الناسُ في زمانِ عثمانَ، فكانَ إذا اشترَى شيئًا فقيلَ لهُ إنكَ غُبنْتَ فيهِ رجعَ، فيشهدُ له رجلٌ منَ الصحابةِ أن النبيَّ ﷺ قدْ [جعله بالخيار] (٥) ثلاثًا، [فتردُّ] (٦) لهُ دراهِمُهُ". والحديثُ دليلٌ على خيارِ الغبنِ في البيعِ والشراءِ إذا حصلَ الغَبنُ. واختلفَ فيهِ العلماءُ على قولينِ، الأولُ: ثبوتُ الخيارِ بالغبنِ، وهوَ قولُ أحمدَ (٧)، ومالكٍ (٨)، ولكنْ إذا كانَ الغبنُ فاحشًا لمنْ لا يعرفُ ثمنَ السلعةِ، وقَيَّدَهُ بعضُ المالكيةِ بأنْ يبلغَ الغبنُ ثلثَ القيمةِ، ولعلَّهم أخذُوا التقييدَ مما علمَ منْ أنه لا يكاد يسلمُ أحدٌ من مطلقِ الغبنِ في غالبِ الأحوالِ، ولأنَّ القليلَ يُتَسامَحُ بهِ في العادةِ، وأنهُ منْ رَضِيَ بالغبنِ بعدَ معرفتِه فإنَّ ذلكَ لا يُسَمَّى غَبْنًا، وإنما يكونُ [ذلك] (٩) منْ باب التساهلِ في البيعِ الذي أثنَى رسول اللهِ ﷺ على (١٠) فاعلِه، وأخبرَ أنَّ الله يحبُّ

стр. 1373

الرجلَ سهلَ البيعِ سهلَ الشراءِ. [وذهبتِ] (١) الجماهيرُ منَ العلماءِ إلى عدمِ ثبوتِ الخيارِ بالغبنِ لعمومِ أدلةِ البيعِ ونفوذِه منْ غيرِ تفرقةٍ بينَ الغبْنِ أو لا. قالُوا: وحديثُ البابِ إنَّما كانَ الخيارُ فيهِ لضعفِ عقلِ ذلكَ الرجلِ، إلَّا أنهُ ضَعْفٌ لم يَخْرج بهِ عنْ حدِّ التمييزِ، فتصرُّفُه كتصرُّفِ الصبيِّ المأذونِ لهُ يثبتُ له الخيارُ معَ الغبنِ. قلتُ: ويدلُّ لضعفِ عقلِه ما أخرجَه أحمدُ (٢)، وأصحابُ (٣) السننِ منْ حديثِ أنس بلفظِ: "إنَّ رجلًا كانَ يبايعُ وكانَ في عقلهِ لما أي: إدراكِه "ضعفٌ"، ولأنهُ لقَّنَهُ ﷺ بقولهِ لا خلابةَ اشتراطُ عدمِ الخداعِ، فكانَ شراؤهُ وبيعُه مشرُوطًا بعدمِ الخداع، فيكون منْ بابِ خيارِ الشرطِ. قالَ ابنُ العربيِّ: إنَّ الخديعةَ في هذهِ القصةِ يحتملُ أن تكونَ في العيبِ، أوْ في الملكِ، أوْ في الثمنِ، أوْ في العينِ فلا يحتجُّ بها في الغبنِ بخصوصِه، وهي قصةٌ خاصةٌ لا عمومَ فيها. قلتُ: في روايةِ ابن إسحاقَ (٤) أنهُ شَكَا إلى النبيِّ ﷺ ما يَلْقَى منَ الغبنِ، وهي تردُّ ما قالَه ابنُ العربيِّ. وقالَ بعضُهم: إنهُ إذا قال الرجلُ البائعُ أو المشتري: لا خلابةَ ثبتَ الخيارُ، وإنْ لم يكنْ فيهِ غبنٌ. وردّ بأنهُ مقيَّدٌ بما في الروايةِ أنه كانَ يغبنُ. وأثبتَ الهادويةُ (٥) الخيارَ بالغبنِ في صورتينِ، الأولى: [فيمن] (٦) تصرَّفَ عن الغيرِ. والثانيةُ: في الصبيِّ المميِّزِ، محتجِّينَ بهذا الحديثِ، وهوَ دليلٌ لهم على الصورةِ الثانيةِ إذا ثبتَ أنهُ كانَ في عقلِه ضعفٌ دونَ الأُولى. * * *

стр. 1374

الباب الثالث باب الربا الرِّبا [مكسور] (١) الراءِ مقصور [ة] (٢)، منْ رَبَا يربُو، ويقالُ: الرماءُ بالميمِ والمدِّ بمعناهُ، والرُّبيةُ بضمِّ الراء والتخفيفَ، وهوَ الزيادةُ، ومنهُ قولُه تعالَى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٣)، ويطلقُ الرِّبا على كلِّ بيعٍ محرَّمٍ، وقدْ أجمعتِ (٤) الأمةُ على تحريمِ الرِّبا في الجملةٍ، وإنِ اختلفُوا في التفاصيلِ، والأحاديثُ في النَّهْي عنهُ وذمِّ فاعلِه ومَنْ أعانَهُ، كثيرةٌ جدًّا، ووردتْ بِلَعْنِهِ ومنْها: [بيان من يأثم من الربا] ١/ ٧٨٣ - عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آكلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ"، وَقَالَ: "هُمْ سَوَاءٌ"، رَوَاهُ مُسْلمٌ (٥). [صحيح] وللْبُخَاريِّ (٦) نحوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبي جُحَيْفَةَ. [صحيح]

стр. 1375

(عنْ جابرِ [بن عبد اللهِ] (١) ﵁ قالَ: لعنَ رسولَ اللهِ ﷺ آكلَ الربا، وموكلَه، وكاتَبه، وشاهدْيهِ، وقالَ: همْ سواءٌ. رواهُ مسلمٌ. وللبخاريً نحوُهُ منْ حديثِ أبي جُحيفةَ)، أي دعا على المذكورينَ بالإبعادِ عن الرحمةِ، وهو دليل على إثمِ مَنْ ذُكِرَ، وتحريمِ ما تعاطَوْهُ، وخصَّ الأكلَ لأنهُ الأغلبُ في الانتفاعِ، وغيرُه مثلُه. والمرادُ منْ موكِلهِ الذي أَعْطَى الرِّبا لأنهُ ما تَحصَّلَ الرِّبا إلا منْه فكانَ داخلًا في الإثمِ. وإثمُ الكاتبِ والشاهدينِ لإعانتِهم على المحظور، وذلكَ إذا قَصَدا وعَرَفا بالرِّبا، ووردَ في روايةٍ (٢): لعنُ الشاهدِ بالإفرادِ على إرادةِ الجنسِ. فإنْ قلتَ: حديثُ (٣): "اللهمَّ ما لعنْتُ منْ لعنةٍ فاجعلْها رحمةً" أو نحوُهُ، وفي لفظٍ (٤): "ما لعنتُ من لعنة فعلَى مَنْ لعنتُ"، يدلُّ على أنهُ لا يدلُّ اللعنُ منهُ ﷺ على التحريمِ، وأنهُ لم يردْ بهِ حقيقةَ الدعاءِ على مَنْ [وقع] (٥) عليهِ اللعنَ. قلتُ: ذلكَ فيما إذا كانَ مَنْ أوقعَ عليهِ اللعنَ غيرَ فاعل لمحرَّمٍ معلومٍ، أوْ كانَ اللعنُ في حالِ غضبٍ منْهُ ﷺ . ٢/ ٧٨٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الرِّبا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُون بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحِ الرّجُلُ أُمَّهُ، وإنَّ أَرْبَى الرِّبَا عِرْضُ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٦) مُخْتَصَرًا، وَالْحَاكِمُ (٧) بِتَمَامِهِ وَصَحّحَهُ. [صحيح]

стр. 1376

(وعنْ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: الرِّبا ثلاثةٌ وسبعونَ بابًا أيسرُها) في الإثم (مثلُ أنْ ينكحَ الرجلُ أمَّه، وإنَّ أَرْبَى الرِّبا عِرْضُ الرجلِ المسلمِ، رواهُ ابنُ ماجهْ مختصرًا، والحاكمُ بتمامهِ وصحَّحَهُ). وفي معناهُ أحاديثُ، وقدْ فسَّر الرِّبا في عرضِ المسلم بقولهِ (١): السبَّتانِ بالسبَّةِ، وفيهِ دليلٌ على أنهُ يطلقُ الربا على الفعلِ المحرَّمِ، وإنْ لم يكنْ منْ أبوابِ الربا المعروفةِ، وتشبيهُ أيسرِ الربا بإتيانِ الرجلِ أُمَّه لما فيه منِ استقباحِ ذلكَ عندَ العقلِ. [النَّهي عن ربا الفضل] ٣/ ٧٨٥ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لا تبيعوا الذَّهَبَ بِالذَّهَب الَّا مِثلًا بِمِثْلٍ، ولَا تُشفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض، وَلا تَبِيعوا الْوَرِقَ بِالْوَرِق إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِز"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي سعيدِ الخدريِّ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: لا تَبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهبِ إلَّا مِثْلًا بمثْلٍ، ولا تُشِفُّوا) بضمِّ المثناةِ الفوقيةِ فشينٍ معجمةٍ (٣) مكسورةٍ (٤)، ففاءٍ [مشدَّدةٍ] (٥)، أي لا تُفَضِّلُوا (بعضها على بعض، ولا تبيعُوا الورِقَ بالورِقِ إلَّا مِثْلًا بمثْلٍ، ولا تشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تبيعُوا منْها غائبًا بناجزٍ) بالجيمِ والزاي، أي حاضرٍ (متفقٌ عليه). الحديثُ دليلٌ على تحريم بيعِ الذهبِ بالذهبِ، والفضةِ بالفضةِ متفاضلًا، سواءٌ كانَ غائبًا أو حاضرًا، لقولهِ: إلا مِثْلًا بمثْلٍ؛ فإنهُ استُثْنى منْ أعمِّ الأحوالِ، كأنهُ قالَ: لا تبيعُوا ذلكَ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا في حالِ كونهِ مِثْلًا بمثلٍ، أي متساويينِ قَدْرًا. وزادَه تأكيدًا بقولهِ: لا تُشِفُّوا، أي: لا

стр. 1377

تفاضِلُوا وهوَ منَ الشِفِّ بكسرِ الشينِ، وهيَ الزيادةُ هُنَا. وإلى ما أفادَهُ الحديثُ ذهبتِ الجلَّةُ منَ العلماءِ، الصحابةِ (١) والتابعينَ والعترةِ (٢)، والفقهاءِ. فقالُوا: يحرمُ التفاضلُ فيما ذُكِرَ غائبًا كانَ أو حاضِرًا. وذهبَ ابنُ عباسٍ (٣) وجماعةٌ منَ الصحابةِ إلى أنهُ لا يحرمُ الربا إلا في النسيئةِ، مستدلينَ بالحديثِ الصحيحِ (٤): "لا رِبَا إلا في النسيئةِ". وأجابَ الجمهورُ (٥) بأنَّ معناهُ لا رِبَا أشدُّ إلا في النسيئةَ، فالمرادُ نفيُ الكمالِ لا نفيُ الأصلِ، ولأنهُ مفهومٌ، وحديثُ أبي سعيدٍ منطوقٌ، ولا يقاومُ المفهومُ المنطوقَ؛ فإنهُ مطَّرِحٌ معَ المنطوقِ. وقدْ رَوَى (٦) الحاكمُ أن ابنَ عباسٍ ﵁ رجع عنْ ذلكَ القولِ، أي بأنهُ لا رِبَا إلا في النسيئةِ واستغفَرَ الله عن القولِ بهِ. ولفظُ الذهبِ عامٌّ لجميعِ ما يُطْلَقُ عليهِ منْ مضروبٍ وغيرهِ، وكذلكَ لفظُ الورِقِ. وقولُه: لا تبيعُوا غائبًا منْها بناجزٍ، المرادُ بالغائبِ ما غابَ عنْ مجلسِ [البيع] (٧) مؤجَّلًا كانَ أَوْ لا، والناجزُ الحاضرُ.

стр. 1378

[أنواع الربويات] ٤/ ٧٨٦ - وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَد، فَإذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَد"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ عبادةَ بن الصامتِ ﵁ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ الذهبُ بالذّهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والملحُ بالملحِ، مِثْلًا بِمِثلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيدٍ، فإذَا اختلفتْ هذهِ الأصنافُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُم إذا كان يدًا بيدٍ. رواهُ مسلمٌ). لا يخْفَى ما أفادهُ منَ التأكيدِ بقولهِ: مِثْلًا بِمثلٍ، وسواءً بسواءٍ. وفيهِ دليلٌ على تحريمِ التفاضلِ فيما اتفقَا جِنْسًا منَ الستةِ المذكورةِ التي وقعَ عليها النصُّ، وإلى تحريمِ الرِّبا فيها ذهب الأمةُ (٢) كافةً، واختلفُوا فيما عداها، فذهبَ الجمهورُ إلى ثبوتهِ فيما عَدَاها مما شارَكَها في العِلِّةِ، ولكنْ لَمَّا لمْ يجدُوا علةً منصوصةً اختلفُوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوى للناظرِ العارفِ أن الحقَّ ما ذهبتْ إليهِ الظاهريةُ (٣) منْ أنهُ لا يجري الرِّبا إلَّا في الستةِ المنصوصِ عليها. وقدْ أفردْنا الكلامَ على ذلكَ [في] (٤) رسالةٍ مستقلة [سمَّيناها] (٥): "القولُ المجتبى" (٦). واعلمْ أنهُ اتفقَ العلماءُ على جوازِ بيعِ رِبَوِيٍّ بربويٍّ لا يشارِكهُ في الجنسِ مؤجَّلًا ومتفاضِلًا، كبيعِ الذهبِ بالحنطةِ، والفضةِ بالشعيرِ وغيرِه منَ المكيلِ، واتفقُوا على أنهُ لا يجوزُ بيعُ الشيء بجنسهِ وأحدُهما مؤجلٌ. واتفقوا على أنه يجوز التفاضل إذا كان يدًا بيد كصاع من حنطة بصاعين من حنطةٍ.

стр. 1379

٥/ ٧٨٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذهبِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْل. وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْل، فَمَنْ زادَ أَو استَزَادَ فَهُوَ رِبًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : الذهبُ بالذهبِ وزنًا بوزْنٍ) نُصِبَ على الحالِ، (مِثْلًا بمثْلٍ، والفضةُ بالفضةِ وزْنًا بوزنٍ، مِثْلًا بمثْلٍ، فمنْ زادَ أو استزادَ فهوَ رِبًا. رواهُ مسلمٌ). فيهِ دليلٌ على تعيينِ التقديرِ بالوزْنِ لا بالخرْصِ والتخمينِ، بلْ لا بدَّ منَ التعيينِ الذي يحصلُ بالوزْنِ. وقولُه: فمنْ زادَ، أي: أعْطَى الزيادةَ، أو استزادَ، أي: طلبَ الزيادةَ، فقدْ أَرْبَى، أي: فَعَلَ الرِّبا المحرَّمَ، واشتركَ في إثْمِهِ الآخذُ والمعطي. ٦/ ٧٨٨ - وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وأَبي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيبَرَ هَكَذَا"؟ فَقَالَ: لا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، والصّاعَيْنِ بالثَّلاثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَفْعل، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا". وَقَالَ في الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وَلِمُسْلِمٍ (٣): "وَكَذَلِكَ الْمِيزَانُ". [صحيح] (وعنْ أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ ﵄ أن رسولَ الله ﷺ استعملَ رجلًا) اسمهُ سوادُ (٤) بفتحِ السينِ المهملةِ، وتخفيفِ الواوِ، ودالٍ مهملةٍ، ابنُ غزيةَ بفتحِ الغينِ المعجمةِ، والزاي، ومثناةٍ تحتيةٍ، بزنةِ عطيةَ، وهوَ منَ الأنصارِ، (على خيبرَ،

стр. 1380

فجاءهُ بتمرٍ جَنيبِ) بالجيمِ المفتوحةِ، والنونِ بزنةِ عظيمٍ، يأتي بيانُ معناهُ، (فقالَ رسولُ الله ﷺ : كُلُّ تمرِ خيبرَ هكذَا؟ فقالَ: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنا لنأخذُ الصاعَ منْ هذَا بالصاعينِ، والصاعين بالثلاثةِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : لا تفعلْ، بعِ الجَمْعَ) بفتحِ الجيمِ، وسكونِ الميم، التمرُ الرديءُ، (بالدراهمِ، ثمَّ ابتعْ بالدراهمِ جنيبًا. وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلكَ. متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ: وكذلكَ الميزانُ). الجنيبُ قيلَ: الطيبُ، وقيلَ: الصَّلْبُ، وقيلَ: الذي أُخْرِجَ منهُ حشفُهُ ورديئُهُ، وقيلَ: هوَ الذي لا يختلطُ بغيرِه. وقدْ فسَّر الجمعَ بما ذكرنَاه آنفًا، وفسَّر في روايةٍ لمسلمٍ (١) بأنه الخلْطُ منَ التمرِ، ومعناهُ مجموعٌ منْ أنواعٍ مختلفةٍ. والحديثُ دليلٌ على أن بيعَ الجنسِ بجنسهِ يجبُ فيهِ التساوي سواءٌ اتَّفَقَا في الجودةِ والرداءةِ أو اختلفَا، وأنَّ الكلَّ جنسٌ واحدٌ. وقولُه: وقالَ في الميزانِ مثلَ ذلكَ قالَ: فيما كانَ يوزَنَ إذا بيعَ بجنسهِ، مثلَ ما قالَ في المكيلِ [بأنه] (٢) لا يباعُ متفاضلًا، وإذا أُرِيدَ مثلُ ذلكَ بيْع بالدراهمِ، وشَرَىَ ما يرادُ بها. والإجماعُ (٣) قائم على أنهُ لا فرقَ بينَ المكيلِ والموزونِ في ذلكَ الحكْمِ. واحتجتِ الحنفيةُ (٤) بهذا الحديثِ على أن ما كانَ في زمنهِ ﷺ مكيلًا لا يصحُّ أن يُبَاعَ ذلكَ بالوزْنِ متساويًا، بلْ لا بدَّ منِ اعتبارِ كيلِه وتساويهِ كيلًا، وكذلكَ الوزنُ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٥): إنَّهم أجمعوا أن ما كانَ أصلهُ الوزنَ لا يصحُّ أن يباعَ بالكيلِ، بخلافِ ما كانَ أصلُه الكيلَ فإنَّ بعضَهم يجيزُ فيهِ الوزنَ، ويقولُ: إنَّ المماثلةَ تُدْرَكُ بالوزنِ في كلِّ شيءٍ، وغيرُهم يعتبرونَ الوزْنَ الكيلَ بعادةِ البلدِ، ولو خالفَ ما كانَ عليهِ في ذلكَ الوقتِ، فإنِ اختلفتِ العادةُ اعتُبِرَ بالأغلبِ، فإنِ استَوى الأمرانِ كانَ لهُ حكمُ المكيلِ إذا بيعَ بالكيلِ، وإنْ بيعَ بالوزنِ كانَ له حكمُ الموزونِ. واعلمْ أنهُ لم يذكرْ في هذهِ الروايةِ أنهُ ﷺ أمرَ بردِّ

стр. 1381

[المبيع] (١)، بلْ [الظاهر] (٢) أنهُ قرَّره، وإنَّما أعلمَهُ بالحكمِ وعذَرَهُ للجهلِ بهِ، إلَّا أنهُ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٣): إنَّ سكوتَ الراوي عنْ روايةِ فَسْخِ العقدِ وردِّهِ لا يدلُّ على عدمِ وقوعِهِ. وقدْ أُخْرِجَ منْ طريقٍ أُخْرى، وكأنهُ يشيرُ إلى ما أخرجَه منْ طريقِ أبي نضرة (٤) عنْ أبي سعيدٍ (٥) نحوَ هذهِ القصةِ (٦) فقالَ: هذَا الرِّبا فَرُدَّهُ. قالَ (٧): وبحتملُ تعددُ القصةِ، وأنَّ التي لم يقعْ فيها الردُّ كانتْ متقدمةً. وفي الحديثِ دلالةٌ على جوازِ الترفيهِ على النفسِ باختيارِ الأفضلِ. ٧/ ٧٨٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). [صحيح] (وعنْ جابرٍ [بن عبد اللهِ] (٩) ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عنْ بيعِ الصُّبرةِ) بضمِّ الصادِ المهملةِ، الطعامِ المجتمعِ (من التمرِ لا يُعْلَمُ مكيلُها، بالكيلِ المسمَّى منَ التمرِ. رواهُ مسلمٌ). دلَّ الحديثُ على أنهُ لا بدَّ منَ التساوي بينَ الجنسينِ. وتقدَّمَ (١٠) اشتراطهُ وهوَ وَجْهُ النَّهي. [شرط المثلية في الربويات] ٨/ ٧٩٠ - وَعَنْ مَعْمَرٍ بن عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنْهُ قَالَ: إِنِّي كُنتُ أَسْمَعُ

стр. 1382

رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَام مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَكَانَ طَعامَنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ معمرٍ بن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: إني كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: الطعامُ بالطعام مِثْلًا بمثلٍ، وكانَ طعامَنَا يومئذٍ الشعيرُ، رواهُ مسلمٌ). ظاهرُ لفظِ الطعامِ أنهُ يشملُ كلَّ مطعوم، ويدُّلُ على أنهُ لا يباعُ متفاضلًا وإن اختلفَ الجنسُ، والظاهرُ أنهُ لا يقولُ أحدٌ بالعمومِ، وإنَّما الخلافُ في البرِّ والشعيرِ كما سيأتي (٢) عَنْ مالكٍ، ولكنَّ معمرًا خصَّ الطعامَ بالشعيرِ، وهذَا منَ التخصيص بالعادةِ الفعليةِ حيثُ لم يغلبِ الاسمُ. وقدْ ذهبَ إلى التخصيصِ بها الحنفيةُ (٣)، والجمهورُ لا يخصِّصونَ بها إلا إذا اقتضتْ غلبةُ الاسمِ، وإلَّا حُمِلَ اللفظُ على العمومِ ولكنهُ مخصوصٌ بما تقدَّمَ منْ قولِه: فإذا اختلفتِ الأصناف فبيعُوا كيفَ شِئْتُمْ بعدَ عَدِّهِ للبُر والشعيرِ، فدلَّ على أنَّهما صنفان، وهوَ قولُ الجماهيرِ. وخالفَ في ذلكَ مالكٌ (٤)، والليثُ، والأوزاعيُّ، فقالُوا: هما صنفٌ واحدٌ لا يجوزُ بيعُ أحدِهما بالآخرِ متفاضلًا، وسبقَهم إلى ذلكَ معمرُ بنُ عبدِ اللهِ راوي الحديثِ، فأخرجَ مسلمٌ (٥) عنهُ أنهُ أرسلَ [غلامَه] (٦) بصاعِ قمحٍ فقالَ: بِعْهُ ثمَّ اشترِ بهِ شعيرًا، فذهبَ الغلامُ فأخذَ صاعًا وزيادةَ بعضِ صاعٍ، فقالَ له معمرٌ: لم فعلتَ ذلكَ؟ انطلقْ فردَّه ولا تأخذ [ن] (٧) إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، ثمَّ ساقَ هذَا الحديثَ المذكورَ، فقيلَ لهُ: فإنهُ ليسَ مثلَه، فقالَ: إني أَخَافُ أنْ يضارعَ. وظاهرُه أنهُ اجتهادٌ منهُ، ويردُّ عليهمْ ظاهرُ الحديثِ، ونصُّ حديثِ أبي داودَ (٨)، والنسائيِّ (٩) منْ حديثِ عُبادةَ بن الصامتِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا بأسَ ببيعِ البرِّ بالشعيرِ، والشعيرُ أكثرُ وهُما يدًا بيدٍ".

стр. 1383

[بيع ما فيه ذهب بذهب] ٩/ ٧٩١ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: اشتريتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلادَةً بِاثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ. فَفَصَلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "لا تُبَاعُ حَتى تُفْصَلَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ فضالةَ بن عُبَيْدٍ ﵁ قال: اشتريتُ يومَ خيبرَ قلادةٍ باثني عَشَرَ دينارًا فيها ذهبٌ وخرزٌ، ففصلْتُها (٢) فوجدتُ فيها أكثرَ منِ اثني عَشَرَ دينارًا، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: لا تباعُ حتَّى تُفْصَلَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ قدْ أخرجهُ الطَّبرانيُّ في (٣) الكبيرِ بطرقٍ كثيرةٍ، بألفاظٍ متعدِّدةٍ، حتَّى قيلَ إنهُ مضَّطَربٌ، وأجابَ المصنفُ ﵀ (٤) أن هذا الاختلافَ لا يوجبُ ضعْفًا بلِ النصُّ مَن الاستدلالِ محفوظٌ لا اختلافَ فيهِ، وهوَ النَّهيُ عنْ بيعِ ما لم يفصَّلْ، وأما جنسُها وقدرُ ثمنِها فلا يُتَعَلَّقُ بهِ في هذهِ الحالةِ ما يوجبُ الاضطِراب، وحينئذٍ فَيَنْبَغِي (٥) التَّرْجِيْحُ بينَ رُوَاتِها، وإنْ كانَ الجميعُ ثقاتٍ، فَيُحْكَمُ بصحةِ روايةِ أحفظِهم وأضبطِهم، فتكونُ روايةُ الباقينَ بالنسبةِ إليهِ شاذةً، وهوَ كلامٌ حسنٌ يجابُ بهِ (٦) فيما يشابهُ هذا، مثلَ حديثِ (٧) جابرٍ، وقصةِ جَمَلِهِ، ومقدارِ ثمنِه. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجوزُ بَيْعُ ذهبٍ معَ غيرهِ بذهبٍ حتّى يُفْصَلَ [فيباع] (٨) الذهبُ بوزِنه ذهبًا، ويباعَ الآخرُ بما زادَ، ومثلُه غيرُه منَ الربوياتِ فإنهُ ﷺ قال: "لا تُبَاعُ حتَّى

стр. 1384

تفصلَ"؛ فصرَّحَ بِبُطْلانِ العقْدِ، وأنهُ يجبُ التداركُ [له] (١). وقد اختُلِفَ في هذا الحكمِ فذهبَ كثيرٌ منَ السلفِ (٢)، وأحمدُ (٣)، والشافعي (٤)، وغيرُهم إلى العملِ بظاهرِ الحديثِ، وخالفَ في ذلكَ الهادويةُ (٥)، والحنفيةُ (٦)، وآخرونَ. وقالُوا بجوازِ ذلكَ بأكثرَ مما فيهِ منَ الذهبِ، ولا يجوزُ بمثلِه ولا بدونهِ، قالُوا: [وذلكَ] (٧) لأنهُ حصلَ الذهبُ في مقابلةِ الذهبِ، والزائدُ منَ الذهبِ في مقابلةِ المصاحبِ لهُ فصحَّ العقدُ، قالوا: لأنهُ إذا احتملَ العقدُ وجْهَ صحةٍ وبطلانٍ حُمِلَ على الصِحَّةِ، قالُوا: وحديثُ القلادةِ الذهبُ فيها أكثرُ منِ اثْنَى عَشَرَ دينارًا، لأنها إحدَى الرواياتِ في مسلمٍ (٨). وصحَّحَها أبو علي الغسانيُّ ولفظُها: قلادةٌ فيها اثنا عشرَ دينارًا، وهي أيضًا كروايةِ الأكثرِ في الحكمِ، وهوَ على التقديريْنِ لا يصحُّ لأنهُ لا بدَّ أنْ يكونَ المنفردُ أكثرَ منَ المصاحبِ، ليكونَ ما زادَ منَ المنفردِ في مقابلةِ المصاحبِ. وأجابَ المانعونَ بأنَّ الحديثَ فيهِ دلالةٌ على علةِ [المنع] (٩)، وهيَ عدمُ الفصلِ حيثُ قالَ: لا تُبَاعُ حتَّى تُفْصَلَ. وظاهرُه الإطلاقُ في المساوي وغيرِه، فالحقُّ معَ القائلين بعدمِ الصحةِ، ولعلَّ وجْهَ حكمةِ النَّهي هوَ سدُّ الذريعةَ إلى وقوعِ التفاضلِ في الجنسِ الربويِّ، ولا يكونُ إلَّا بتمييزهِ بفصلٍ، واختيارِ المساواةِ بالكيلِ أو الوزْنِ، وعدمِ الكفايةِ بالظنِّ في التغليبِ. ولمالكٍ (١٠) قولٌ ثالثٌ في المسْألةِ، وهوَ أنّهُ يجوزُ بيعُ السيفِ المحلَّى [بالذهبِ] (١١) إذا كانَ الذهبُ في [البيع] (١٢) تابعًا لغيرِه، وقدْرُه بأنْ يكونَ الثلثَ فما دونَه، وعُلِّلَ لقولِه بأنهُ إذا كانَ الجنسُ المقابلُ لجنسه الثلثَ فما [دون] (١٣) فهوَ مغلوبٌ ومكثورٌ للجنسِ المخالفَ،

стр. 1385

والأكثر ينزل في غالبِ الأحكام منزلةَ الكلِّ، فكأنَّهُ لم يبعْ ذلكَ الجنسَ بجنسهِ، ولا تخْفَى رِكَّتُه وضعْفُه. أضعفُ منهُ القولُ الرابعُ (١)، [وهو] (٢) جواز بيعِه بالذهبِ مطلقًا مِثْلًا [بمثْلٍ] (٣)، أوْ أقلَّ أو أكثر، ولعلَّ قائلَهُ ما عرفَ حديثَ القِلادةِ. [النهي عن بيع الحيوان بالحيوان] ١٠/ ٧٩٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ بالْحَيَوانِ نسيئةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٤)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥)، وَابْنُ الْجَارُودِ (٦). [صحيح]. (وعنْ سمُرةَ بن جُنْدَبٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ الجارودِ)، وأخرجهُ أحمدُ، وأبو يعلى، والضياءُ في المختارةِ؛ كلُّهم منْ حديثِ الحسنِ عنْ سمرةَ. وقدْ صحَّحَهُ الترمذيُّ، وقالَ غيرُه: رجالُه ثِقاتٌ إلا أن الحفَّاظَ رجَّحُوا إرسالَه لما في سماعِ (٧) الحسنِ منْ سمُرةَ منَ النزاعِ، لكنْ رواهُ ابنُ حِبَّانَ (٨)، والدارقطني (٩) منْ حديثِ

стр. 1386

ابن عباسٍ، ورجالهُ ثِقَاتٌ أيضًا إلَّا أنهُ رجَّحَ البخاريُّ (١)، وأحمدُ إرسالَهُ، وأخرجَهُ الترمذيُّ (٢) عنْ جابرِ بإسنادٍ ليِّنٍ، وأخرجَهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في زوائد المسندِ (٣) عنْ جابرِ بن سمرةَ، والطحاويُّ (٤)، والطبرانيِّ (٥) عن ابن عمرَ وهوَ يعضِّدُ بعضُه بعضًا. وفيهِ دليلٌ على عدمِ صحةِ بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً، إلَّا أنهُ قدْ عارضَه روايةُ أبي (٦) رافع أنهُ ﷺ استَسْلَفَ بعيرًا بَكْرًا وقَضى رباعيًا، وسيأتي. فاختلفَ العلماءُ في الجمْع بينَه وبينَ حديثِ سمُرةَ، فقيلَ المرادُ بحديثِ سمرةَ أنْ يكونَ نسيئة منَ الطرفينِ معًا، فيكونُ منْ الكالئ بالكالئ، وهوَ لا يصحُّ، وبهذا فسَّرهُ الشافعيُّ (٧) جمْعًا بينَه وبينَ حديثِ أبي رافعٍ. قلتُ: لا يخفى أن حديث أبي رافع في القرض وليس ببيع، والزيادة في القضاء تفضلًا منه ﷺ ، فلا تعارض أصلًا، وذهبتِ الهادويةُ (٨)، والحنفيةُ (٩)، والحنابلةُ (١٠)
следующие страницы →