← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1382–1421 · переход к 1387.

стр. 1382

رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الطَّعَامُ بِالطَّعَام مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَكَانَ طَعامَنَا يَوْمَئِذٍ الشَّعِيرُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ معمرٍ بن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: إني كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: الطعامُ بالطعام مِثْلًا بمثلٍ، وكانَ طعامَنَا يومئذٍ الشعيرُ، رواهُ مسلمٌ). ظاهرُ لفظِ الطعامِ أنهُ يشملُ كلَّ مطعوم، ويدُّلُ على أنهُ لا يباعُ متفاضلًا وإن اختلفَ الجنسُ، والظاهرُ أنهُ لا يقولُ أحدٌ بالعمومِ، وإنَّما الخلافُ في البرِّ والشعيرِ كما سيأتي (٢) عَنْ مالكٍ، ولكنَّ معمرًا خصَّ الطعامَ بالشعيرِ، وهذَا منَ التخصيص بالعادةِ الفعليةِ حيثُ لم يغلبِ الاسمُ. وقدْ ذهبَ إلى التخصيصِ بها الحنفيةُ (٣)، والجمهورُ لا يخصِّصونَ بها إلا إذا اقتضتْ غلبةُ الاسمِ، وإلَّا حُمِلَ اللفظُ على العمومِ ولكنهُ مخصوصٌ بما تقدَّمَ منْ قولِه: فإذا اختلفتِ الأصناف فبيعُوا كيفَ شِئْتُمْ بعدَ عَدِّهِ للبُر والشعيرِ، فدلَّ على أنَّهما صنفان، وهوَ قولُ الجماهيرِ. وخالفَ في ذلكَ مالكٌ (٤)، والليثُ، والأوزاعيُّ، فقالُوا: هما صنفٌ واحدٌ لا يجوزُ بيعُ أحدِهما بالآخرِ متفاضلًا، وسبقَهم إلى ذلكَ معمرُ بنُ عبدِ اللهِ راوي الحديثِ، فأخرجَ مسلمٌ (٥) عنهُ أنهُ أرسلَ [غلامَه] (٦) بصاعِ قمحٍ فقالَ: بِعْهُ ثمَّ اشترِ بهِ شعيرًا، فذهبَ الغلامُ فأخذَ صاعًا وزيادةَ بعضِ صاعٍ، فقالَ له معمرٌ: لم فعلتَ ذلكَ؟ انطلقْ فردَّه ولا تأخذ [ن] (٧) إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، ثمَّ ساقَ هذَا الحديثَ المذكورَ، فقيلَ لهُ: فإنهُ ليسَ مثلَه، فقالَ: إني أَخَافُ أنْ يضارعَ. وظاهرُه أنهُ اجتهادٌ منهُ، ويردُّ عليهمْ ظاهرُ الحديثِ، ونصُّ حديثِ أبي داودَ (٨)، والنسائيِّ (٩) منْ حديثِ عُبادةَ بن الصامتِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لا بأسَ ببيعِ البرِّ بالشعيرِ، والشعيرُ أكثرُ وهُما يدًا بيدٍ".

стр. 1383

[بيع ما فيه ذهب بذهب] ٩/ ٧٩١ - وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: اشتريتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلادَةً بِاثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ. فَفَصَلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَي عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "لا تُبَاعُ حَتى تُفْصَلَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ فضالةَ بن عُبَيْدٍ ﵁ قال: اشتريتُ يومَ خيبرَ قلادةٍ باثني عَشَرَ دينارًا فيها ذهبٌ وخرزٌ، ففصلْتُها (٢) فوجدتُ فيها أكثرَ منِ اثني عَشَرَ دينارًا، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقالَ: لا تباعُ حتَّى تُفْصَلَ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ قدْ أخرجهُ الطَّبرانيُّ في (٣) الكبيرِ بطرقٍ كثيرةٍ، بألفاظٍ متعدِّدةٍ، حتَّى قيلَ إنهُ مضَّطَربٌ، وأجابَ المصنفُ ﵀ (٤) أن هذا الاختلافَ لا يوجبُ ضعْفًا بلِ النصُّ مَن الاستدلالِ محفوظٌ لا اختلافَ فيهِ، وهوَ النَّهيُ عنْ بيعِ ما لم يفصَّلْ، وأما جنسُها وقدرُ ثمنِها فلا يُتَعَلَّقُ بهِ في هذهِ الحالةِ ما يوجبُ الاضطِراب، وحينئذٍ فَيَنْبَغِي (٥) التَّرْجِيْحُ بينَ رُوَاتِها، وإنْ كانَ الجميعُ ثقاتٍ، فَيُحْكَمُ بصحةِ روايةِ أحفظِهم وأضبطِهم، فتكونُ روايةُ الباقينَ بالنسبةِ إليهِ شاذةً، وهوَ كلامٌ حسنٌ يجابُ بهِ (٦) فيما يشابهُ هذا، مثلَ حديثِ (٧) جابرٍ، وقصةِ جَمَلِهِ، ومقدارِ ثمنِه. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يجوزُ بَيْعُ ذهبٍ معَ غيرهِ بذهبٍ حتّى يُفْصَلَ [فيباع] (٨) الذهبُ بوزِنه ذهبًا، ويباعَ الآخرُ بما زادَ، ومثلُه غيرُه منَ الربوياتِ فإنهُ ﷺ قال: "لا تُبَاعُ حتَّى

стр. 1384

تفصلَ"؛ فصرَّحَ بِبُطْلانِ العقْدِ، وأنهُ يجبُ التداركُ [له] (١). وقد اختُلِفَ في هذا الحكمِ فذهبَ كثيرٌ منَ السلفِ (٢)، وأحمدُ (٣)، والشافعي (٤)، وغيرُهم إلى العملِ بظاهرِ الحديثِ، وخالفَ في ذلكَ الهادويةُ (٥)، والحنفيةُ (٦)، وآخرونَ. وقالُوا بجوازِ ذلكَ بأكثرَ مما فيهِ منَ الذهبِ، ولا يجوزُ بمثلِه ولا بدونهِ، قالُوا: [وذلكَ] (٧) لأنهُ حصلَ الذهبُ في مقابلةِ الذهبِ، والزائدُ منَ الذهبِ في مقابلةِ المصاحبِ لهُ فصحَّ العقدُ، قالوا: لأنهُ إذا احتملَ العقدُ وجْهَ صحةٍ وبطلانٍ حُمِلَ على الصِحَّةِ، قالُوا: وحديثُ القلادةِ الذهبُ فيها أكثرُ منِ اثْنَى عَشَرَ دينارًا، لأنها إحدَى الرواياتِ في مسلمٍ (٨). وصحَّحَها أبو علي الغسانيُّ ولفظُها: قلادةٌ فيها اثنا عشرَ دينارًا، وهي أيضًا كروايةِ الأكثرِ في الحكمِ، وهوَ على التقديريْنِ لا يصحُّ لأنهُ لا بدَّ أنْ يكونَ المنفردُ أكثرَ منَ المصاحبِ، ليكونَ ما زادَ منَ المنفردِ في مقابلةِ المصاحبِ. وأجابَ المانعونَ بأنَّ الحديثَ فيهِ دلالةٌ على علةِ [المنع] (٩)، وهيَ عدمُ الفصلِ حيثُ قالَ: لا تُبَاعُ حتَّى تُفْصَلَ. وظاهرُه الإطلاقُ في المساوي وغيرِه، فالحقُّ معَ القائلين بعدمِ الصحةِ، ولعلَّ وجْهَ حكمةِ النَّهي هوَ سدُّ الذريعةَ إلى وقوعِ التفاضلِ في الجنسِ الربويِّ، ولا يكونُ إلَّا بتمييزهِ بفصلٍ، واختيارِ المساواةِ بالكيلِ أو الوزْنِ، وعدمِ الكفايةِ بالظنِّ في التغليبِ. ولمالكٍ (١٠) قولٌ ثالثٌ في المسْألةِ، وهوَ أنّهُ يجوزُ بيعُ السيفِ المحلَّى [بالذهبِ] (١١) إذا كانَ الذهبُ في [البيع] (١٢) تابعًا لغيرِه، وقدْرُه بأنْ يكونَ الثلثَ فما دونَه، وعُلِّلَ لقولِه بأنهُ إذا كانَ الجنسُ المقابلُ لجنسه الثلثَ فما [دون] (١٣) فهوَ مغلوبٌ ومكثورٌ للجنسِ المخالفَ،

стр. 1385

والأكثر ينزل في غالبِ الأحكام منزلةَ الكلِّ، فكأنَّهُ لم يبعْ ذلكَ الجنسَ بجنسهِ، ولا تخْفَى رِكَّتُه وضعْفُه. أضعفُ منهُ القولُ الرابعُ (١)، [وهو] (٢) جواز بيعِه بالذهبِ مطلقًا مِثْلًا [بمثْلٍ] (٣)، أوْ أقلَّ أو أكثر، ولعلَّ قائلَهُ ما عرفَ حديثَ القِلادةِ. [النهي عن بيع الحيوان بالحيوان] ١٠/ ٧٩٢ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوانِ بالْحَيَوانِ نسيئةً. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٤)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥)، وَابْنُ الْجَارُودِ (٦). [صحيح]. (وعنْ سمُرةَ بن جُنْدَبٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ الجارودِ)، وأخرجهُ أحمدُ، وأبو يعلى، والضياءُ في المختارةِ؛ كلُّهم منْ حديثِ الحسنِ عنْ سمرةَ. وقدْ صحَّحَهُ الترمذيُّ، وقالَ غيرُه: رجالُه ثِقاتٌ إلا أن الحفَّاظَ رجَّحُوا إرسالَه لما في سماعِ (٧) الحسنِ منْ سمُرةَ منَ النزاعِ، لكنْ رواهُ ابنُ حِبَّانَ (٨)، والدارقطني (٩) منْ حديثِ

стр. 1386

ابن عباسٍ، ورجالهُ ثِقَاتٌ أيضًا إلَّا أنهُ رجَّحَ البخاريُّ (١)، وأحمدُ إرسالَهُ، وأخرجَهُ الترمذيُّ (٢) عنْ جابرِ بإسنادٍ ليِّنٍ، وأخرجَهُ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في زوائد المسندِ (٣) عنْ جابرِ بن سمرةَ، والطحاويُّ (٤)، والطبرانيِّ (٥) عن ابن عمرَ وهوَ يعضِّدُ بعضُه بعضًا. وفيهِ دليلٌ على عدمِ صحةِ بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً، إلَّا أنهُ قدْ عارضَه روايةُ أبي (٦) رافع أنهُ ﷺ استَسْلَفَ بعيرًا بَكْرًا وقَضى رباعيًا، وسيأتي. فاختلفَ العلماءُ في الجمْع بينَه وبينَ حديثِ سمُرةَ، فقيلَ المرادُ بحديثِ سمرةَ أنْ يكونَ نسيئة منَ الطرفينِ معًا، فيكونُ منْ الكالئ بالكالئ، وهوَ لا يصحُّ، وبهذا فسَّرهُ الشافعيُّ (٧) جمْعًا بينَه وبينَ حديثِ أبي رافعٍ. قلتُ: لا يخفى أن حديث أبي رافع في القرض وليس ببيع، والزيادة في القضاء تفضلًا منه ﷺ ، فلا تعارض أصلًا، وذهبتِ الهادويةُ (٨)، والحنفيةُ (٩)، والحنابلةُ (١٠)

стр. 1387

إلى أنَّ هذا ناسخٌ لحديثِ أبي رافعٍ. وأجيبَ عنهُ بأنَّ النسخَ لا يثبتُ إلا بدليلٍ، والجمعُ أَوْلَى منهُ، وقدْ أمكنَ بما قالَه الشافعيُّ. ويؤيدُه آثارٌ عن الصحابةِ أخرجَها البخاريُّ (١)، قالَ: اشتَرى ابنُ عمرَ راحلةً بأربعةِ أبعرةٍ مضمونةٍ عليهِ، يوفيها صاحبُها بالرّبذةِ (٢)، واشترى رافعُ بنُ خديجٍ بعيرًا ببعيرينِ، فأعطاهُ أحدَهما وقالَ: آتيكَ بالآخرِ غَدًا. وقالَ ابنُ المسيِّبِ: لا رِبَا في البعيرِ بالبعيرينَ، والشاةِ بالشاتينِ إلى أجلٍ. واعلمْ أن الهادويةَ (٣) يعللونَ منعَ بيعِ الحيوانِ الموجودِ بالحيوانِ المفقودِ بأنَّ المبيعَ القيميَّ لا بدَّ أنْ يكونَ موجودًا وإن لم يكنْ حاضرًا مجلسَ العقدِ، فلا بدَّ أنْ يكونَ مُتَمَيِّزًا عندَ البائعِ إما بإشارةٍ، أو لَقَبٍ، أوْ وصْفٍ، وأما منعهم (٤) لقرض الحيوإن فيعلِّلونَهُ بعدمِ إمكانِ ضبطهِ. وحديثُ أبي رافع يزعمونَ نسخَه، ويأتي تحقيقُ الكلامِ في شرحِ الحديثِ الرابعِ عشر (٥). [بيع العينة] ١١/ ٧٩٣ - وَعَن ابْن عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَركْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦) مِنْ رِوَايةِ نَافِعٍ عَنْهُ، وَفي إسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلأَحْمَدَ (٧) نحوُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وصَحّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ (٨). [صحيح بطرقه]

стр. 1388

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: إذا تبايعتُم بالعِينةَ) بكسرِ العينِ المهملةِ، وسكونِ المثناةِ التحتيةِ، (وأخذْتُم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزرعِ، وتركتُمُ الجهادَ، سلَّط اللهُ عليكم ذُلًّا) بضمِّ الذالِ المعجمةِ والكسرُ الاستهانةُ والضعفُ، (لا ينزعُه حتَّى ترجِعُوا إلى دينِكُم، رواهُ أبو داودَ منْ روايةِ نافعِ عنهُ، وفي إسنادِه مقالٌ)، لأنَّ في إسنادهِ أبا عبدَ الرحمنِ الخراسانيَّ، اسمُه إسحاقُ، عنْ عطاءٍ الخراسانيِّ. قالَ الذهبيُّ (١) في "الميزان": هذَا منْ مناكيرهِ. (ولأحمدَ نحوُهُ منْ روايةِ عطاءٍ، ورجالُه ثقاتٌ، وصحَّحهُ ابنُ القطان). قالَ المصنفُ (٢): وعندي أنَّ الحديثَ الذي صحَّحَهُ ابنُ القطانِ معلولٌ، لأنهُ لا يلزمُ منْ كونِ رجالهِ ثقاتٍ أنْ يكونَ صحيحًا، لأنَّ الأعمشَ مدلِّسٌ، ولم يذكرْ سماعَهُ منْ عطاءٍ، وعطاءٌ يحتمل أن يكون هو الخراساني فيكون من تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابنِ عمرَ، فيرجعُ إلى الحديثِ (٣) الأولِ، وهوَ المشهورُ اهـ. والحديثُ لهُ طُرُقٌ [كثيرة] (٤) عقدَ [لها] (٥) البيهقيُّ (٦) بابًا وبيَّنَ عِلَلَها. واعلمْ أن بيعَ العينةِ هوَ أن يبيعَ سلعةً بثمنِ معلومٍ إلى أجلٍ ثمَّ يشتريَها منَ المشتري بأقلَّ ليبقى الكئيرُ في ذِمَّتهِ، وسُمِّيَتْ عينةَ لحصولِ العينِ أي النقدِ فيها، ولأنهُ يعودُ إلى البائع عينُ مالهِ، وفيهِ دليل على تحريمِ هذا البيعِ. وذهبَ إليهِ مالكٌ (٧)، وأحمدُ (٨)، وبعضُ الشافعيةِ (٩) عملًا بالحديثِ. قالُوا: ولما فيهِ منْ تفويتِ مقصدِ الشارعِ منَ المنعِ عن الرِّبا، وسدُّ الذرائعِ مقصودٌ. قالَ القرطبيُّ ﵀: لأنَّ بعضَ صورِ هذا البيعِ يُؤَدِّي إلى بيعهِ التمرِ بالتمر متفاضلًا ويكونُ الثمنُ لغوًا.

стр. 1389

وأما الشافعيُّ (١) فَنُقِلَ عنهُ أنهُ قالَ بجوازِه أخذًا منْ قولهِ ﷺ في حديثِ (٢) أبي سعيدٍ، وأبي هريرةَ الذي تقدَّمَ: "بعِ الجمعَ بالدراهمِ، ثم ابتعْ بالدراهمِ جنيبًا"، قالَ: فإنهُ دالٌّ على جوازِ بيعِ العينةِ، فيصحُّ أنْ يشتريَ ذلكَ البائعُ له، ويعودَ له عينُ مالهِ لأنهُ لمَّا لمْ يفصلْ ذلك في مقامِ الاحتمالِ دلَّ على صحةِ البيعِ مطلقًا، سواءٌ كانَ منَ البائعِ أو غيرهِ، وذلكَ لأنَّ تركَ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يجري مَجْرَى العمومِ في المقالِ. وأيدَ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ بأنهُ قدْ قامَ الإجماعُ على جوازِ البيعِ منَ البائعِ بعدَ مدةٍ لا لأَجْلِ التوصُّلِ إلى عَوْدِه إليهِ بالزيادةِ. وقالتِ الهادويةُ (٣): يجوزُ البيعُ منَ البائعِ إذا كانَ غيرَ حيلةِ، ولا فرْقَ بينَ التعجيلِ والتأجيلِ، وبأنَّ المعتبرَ في ذلكَ وجودُ الشرطِ في أصلِ العقدِ وعدمهِ، فإذا كانَ مشروطًا عندَ العقدِ أو قبلَه على عَوْد إلى البائعِ فالبيعُ فاسدٌ أو باطلٌ على الخلافِ، وإنْ كانَ مضْمَرًا غيرَ مشروط فهوَ صحيحٌ، ولعلَّهم يقولونَ: حديثُ العينةِ فيهِ مقالٌ فلا ينتهضُ دليلًا على التحريم. وقولُه: "وأخذْتُمْ أذنابَ البقرِ" كنايةٌ عن الاشتغالٍ عن الجهادِ بالحرْثِ، والرِّضَا بالزرعِ كنايةٌ عن كونهِ قدْ صارَ همَّهم ونهمتهم، وتسليطُ اللهِ كنايةٌ عنْ جعْلِهم أذلاء بالتسليطِ لما في ذلكَ منَ الغلبةِ والقهْرِ. وقولُه: حتَّى ترجعُوا إلى دينكِم، أي [ترجعوا] (٤) إلى الاشتغالِ بأعمالِ الدِّين، وفي هذه العبارةِ زجر بالغٌ، وتقريعٌ شديدٌ حتَّى جعلَ ذلكَ بمنزلةِ الرِّدة، وفيه الحثُّ على الجهادِ. [الهدية إلى الشافع من الربا] ١٢/ ٧٩٤ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَة ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَفَعَ لأَخَيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَأَبُوُ دَاوُدَ (٦)، وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ. [حسن]

стр. 1390

(وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ شَفَعَ لأَخِيهِ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبوُ دَاوُدَ، وَفي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ)، فيهِ دليلٌ على تحريمِ الهديةِ في مقابلةِ الشفاعةِ، وظاهرُه سواءٌ كانَ قاصدًا لذلكَ عندَ الشفاعةِ أو غيرَ قاصدٍ لها، وتسميتُه رِبا منْ بابِ الاستعارةِ للشَّبَهِ بينَهما، وذلكَ لأنَّ الربا هوَ الزيادةُ في المالِ منَ الغيرِ لا في مقابلةِ عِوَضٍ، وهذَا مثلُه. ولعلَّ المرادَ إذا كانتِ الشفاعةُ في واجبٍ كالشفاعةِ عندَ السلطانِ في إنقاذِ المظلومِ منْ يدِ الظالم، أوْ كانتْ في محظورٍ كالشفاعةِ عندَه في توليةِ ظالمٍ على الرعيةِ؛ فإنَّها في الأُوَلى واجبةٌ، فأخْذُ الهديةِ في مقابِلها محرَّمٌ، والثانية [في مقابلة] (١) محظور [ة] (٢) فَقَبْضُها محظورٌ. وأما إذا كانتِ الشفاعةُ في أمرِ مباحٍ فلعلَّه جائزٌ أخذُ الهديةِ، لأنَّها مكافأةٌ على إحسان غير واجبٍ، ويحتمل أنها تحرمُ لأنَّ الشفاعة شيء يسير لا تأخذ عليه مكافأة. وإنَّما قالَ "المصنفُ ﵀: وفي إسنادِه مقالٌ، لأنهُ رواهُ القاسمُ عنْ أبي أمامةَ، وهوَ أبو عبدِ الرحمنِ مولاهُمُ الأمويُّ الشاميُّ فيهِ مقالٌ، قالُه المنذريُّ (٣). قلت: في الميزانِ (٤) إنَّه قالَ أحمدُ: رَوَى عنهُ علي بن زيدٍ (٥) أعاجيبَ، وما أَرَاها إلَّا منْ قِبَلِ القاسمِ. وقالَ ابنُ حبانَ: كانَ [ممّن] يروي عنْ أصحابِ

стр. 1391

رسولِ اللهِ ﷺ المُعضلاتِ، ثم قالَ: إنهُ وثقهُ ابنُ معينٍ. وقالَ الترمذيُّ: ثقةٌ، انتَهى. [لعن الراشي والمرتشي] ١٣/ ٧٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢) وَصَحَّحَهُ. [صحيح] (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ. رَوَاهُ أَبو دَاودُ، وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَه)، ورواهُ أحمدُ في القضاءِ، وابنُ ماجه في الأحكامِ، والطبرانيُّ في الصغيرِ، وقالَ الهيثميُّ (٣): رجالُه ثقاتٌ. وذكرَ المصنفُ ﵀ هذا الحديثَ في أبوابِ الرِّبا لأنهُ أفادَ لعنَ مَنْ ذكرَ لأَجْلِ أخذِ المالِ الذي يشبهُ الرِّبا، كذلكَ أخذُ الرِّبا. وقدْ تقدَّم لعنُ آخذِه أولَ البابِ (٤). وحقيقةُ اللعنِ البعدُ عنْ مظانِّ الرحمةِ ومواطنِها. وقدْ ثبتَ (٥) اللعنُ عنهُ ﷺ لأصنافٍ كثيرةٍ تزيدُ على

стр. 1392

العشرينَ، وفيهِ دلالةٌ على جوازِ لعنِ العُصاةِ منْ أهل القِبلةِ. وأما حديثُ: "المؤمنُ ليسَ باللعَّانِ" (١) فالمرادُ بهِ لعنُ مَنْ لا يستحقُّ ممن لم يلعنْه اللهُ ولا رسولُه، أو ليسَ بالكثيرِ اللعنِ كما تفيدُه صيغةُ فعَّالٍ. والراشي هوَ الذي يبذُلُ المالَ للتوصلِ إلى الباطلِ، مأخوذٌ منَ الرِّشَاءِ، وهوَ الحَبْلُ الذي يُتَوَصَّلُ بهِ إلى الماءِ في البئرِ، فعلَى هذا بذلُ المالِ للتوصلِ إلى الحقِّ لا يكونُ رشوةً، والمرتشي آخذُ الرشوةِ، وهوَ الحاكمُ، واستحقَّا اللعنةَ جميعًا لتوصلِ الراشي بمالِه إلى الباطلِ، والمرتشي للحكم بغيرِ الحقِّ. وفي حديثِ ثوبانَ (٢) زيادةٌ: الرائشُ، وهوَ الذي يمشي بينَهما. ١٤/ ٧٩٦ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفَدَتِ الإِبلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأَخُذَ عَلَى قَلائِصِ الصَّدَقَةِ. قَالَ: فَكُنْتُ آخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلى إبلِ الصَّدَقَةِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ (٣)، وَالْبَيْهَقِيُّ (٤)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [حسن] (وعنهُ) أي ابن عمرٍو (أن رسولَ اللهِ ﷺ أمرَه أن يجهِّزَ جيشًا فَنَفَدَتِ الإبلُ، فأمرَه أنْ يأخذَ على قلائصِ الصدقةِ. قال: فكنت آخذُ البعيرَ بالبعيرينِ إلى إبلِ الصدقةِ: رواهُ الحاكمُ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثِقاتٌ). ذِكْرُ المصنفِ لهُ هنا لأنَّ الحديثَ

стр. 1393

يدلُّ أنْ لا رِبا في [الحيوان] (١)، وإلا فبابهُ القرضُ. وفي الحديثِ دليل على جوازِ اقتراضِ الحيوانِ، وفيه أقوالٌ ثلاثةٌ: الأول: جوازُ ذلكَ وهوَ قولُ الشافعيِّ (٢)، ومالكٍ (٣)، وجماهيرَ علماء السلفِ والخلَفِ، عملًا بهذا الحديثِ، وبأنَّ الأصلَ جوازُ ذلكَ إلا جاريةً (٤) لمنْ يملكُ وطْأها، فإنهُ لا يجوزُ. ويجوزُ لمنْ لا يملكُ وطأها كمحارِمِها، والمرأةُ. والثاني: يجوزُ مطلقًا للجاريةِ وغيرِها، وهوَ لابنِ جريرٍ (٥)، وداودَ. الثالثُ: للهادويةِ (٦)، والحنفيةِ (٧)، أنهُ لا يجوزُ قرضُ شيءٍ منَ الحيواناتِ، وهذَا الحديثُ يردُّ قولَهم. وتقدَّمَ (٨) دعواهُم النّسخَ وعدمُ صِحَّتِهِ. واعْلمْ أنَّهُ قدْ وَقَعَ في الشّرح أن حديثَ ابنَ عَمْرٍو في قرضِ الحيوانِ كما ذكرْناهُ، وراجعْنا كُتُبَ الحديثِ فوجدْنا في سننِ البيهقي (٩) ما لفظُهُ بعدَ سياقهِ بإسنادهِ قالَ عمروُ بنُ حريشٍ لعبدِ اللَّهِ بن عمرو بن العاصِ: إنَّا بأرضٍ ليسَ فيها ذهبٌ ولا فضةٌ، [أفنبيع] (١٠) البقرةَ بالبقرتينِ؟ والبعيرَ بالبعيرينِ؟ والشاةَ بالشاتين؟ فقالَ: "أمرني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أجهزَ جيشًا - الحديثَ" [المصدرُ] (١١) في الكتابِ. وفي لفظٍ (١٢): "فأمرَه النبي ﷺ أنْ يبتاعَ ظَهْرًا إلى خروجِ المصدقِ"، فسياقُ الأولِ واضحٌ أنهُ في البيعِ، ولفظُ الثاني صريحٌ في ذلكَ، وإذا عرفتَ هذا فحمْلُه على القرضِ خلافٌ ما دلَّ عليهِ، [وهو] (١٣) بيع الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً. وقدْ عارضَه حديثُ النَّهْي عنْ بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نسيئةً كما تقدَّمَ في الحديثِ (١٤) العاشر،

стр. 1394

وقد عرفت ما قيلَ فيه. والأقربُ منْ بابِ الترجيحِ أن حديثَ ابن عمروٍ [أرجحُ] (١) منْ حيثُ الإسنادِ، فإنهُ قدْ قالَ الشافعي في حديثِ سمرةَ: إنهُ غيرُ ثابتٍ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ كما رواهُ عنهُ البيهقي (٢). وقرضُ الحيوانِ بالحيوانِ قدْ صحَّ (٣) عنهُ جوازُه أيضًا. النهي عن بيع المزابنة ١٥/ ٧٩٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْر كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَإِنْ كانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: نَهَى رسول اللَّهِ ﷺ عن المزابنةِ)، وفسَّرها بقولِه: (أنْ يبيعَ ثمرَ حائطهِ إنْ كانَ نَخْلًا بتمرٍ كيلًا، وإنْ كانَ كَرْمًا أن يبيعَه بزبيب كيلًا، وإنْ كانَ زرْعًا أن يبيعَه بكيلِ طعامٍ، نَهَى عنْ ذلكَ كلِّه. متفقٌ عليه). تقدَّم (٥) الكلامُ على تفسيرِ المزابنةِ واشتقاقِها ووجهِ التَّسميةِ. وقولُه: ثمرٌ، بالمثلثةِ وفتحِ الميمِ، فشملَ الرطبَ وغيرَه. والمرادُ ما كانَ في أصلِه رُطَبًا منْ هذهِ الأمورِ المذكورةِ، وأرادَ بالكرمِ العِنبَ، وقد اختلفَ العلماءُ في تفسير المزابنةِ. وتقدَّم أن المعوَّلَ عليهِ في تفسيرِها ما فسَّرها بهِ الصحابيُّ لاحتمالِ أنهُ مرفوعٌ، وإلَّا فهوَ أعرفُ بمرادِ الرسولِ ﷺ . قالَ ابنُ عبدِ البر (٦): لا مخالفَ لهمْ أن مثلَ هذا مزابنةٌ، وإنَّما اختلفُوا هلْ يلحقُ بذلكَ كلُّ ما لا يجوزُ بيعُه إلَّا مِثْلًا بِمْثلٍ؟ فالجمهورُ على الإلحاقِ في الحكمِ للمشاركةِ في العلَّةِ في ذلكَ، وهوَ عدمُ العلمِ بالتساوي معَ الاتفاقِ في الجنسِ والتقديرِ،

стр. 1395

وأما تسميةُ ما أُلْحِقَ مزابنةً فهوَ إِلحاق في الاسمِ، فلا يصحّ إلا على [قول] (١) مَنْ أثْبَتَ اللغةَ بالقياسِ. النهي عن بيع الرطب بتمر ١٦/ ٧٩٨ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَن اشْتِرَاءِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَقَالَ: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَنَهَى عَنْ ذلِكَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي، وَالتّرْمِذِيُّ (٣)، وَابْنُ حِبَّانَ (٤)، وَالْحاكِمُ (٥). [صحيح] (وعنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ ﵁ قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يسأل عن اشتراءِ الرُّطبِ بالتمرِ؟ فقالَ: أينقصُ الرطبُ إذا يَبِسَ؟ قالُوا: نعمْ، فَنَهَى عنْ ذلكَ. رواهُ الخمسةُ، وصحَّحهُ ابن المديني، والترمذيُّ، وابنُ حِبانَ، والحاكمُ). وإنَّما صحَّحه ابنُ المديني (٦) وإنْ كان مالكٌ علَّقَهُ عنْ داودِ بن الحصين (٧)؛ لأن مالكًا لقي شيخَه

стр. 1396

بعدَ ذلكَ. فحدَّثَ بهِ مرةً عنْ داودٍ، ثمَّ استقرَّ رأيهُ على التحديثِ بهِ عنْ شيخهِ. قالَ ابنُ المديني: إنَّ والدَهُ حدَّثَ بهِ عنْ مالكٍ بتعليقهِ عنْ داودِ، إلَّا أن سماعَ والدِه عنْ مالكٍ قديمٌ، ثمَّ حدَّثَ بهِ مالكٌ عنْ شيخهِ فصحَّ منْ طريقِ مالك، ومَنْ أعلَّهُ بجهالةِ أبي (١) عياشٍ فقدْ ردَّ عليهِ بأنّ الدارقطنيَّ قالَ: إنهُ ثَبْتٌ ثقةٌ. وقالَ المنذريُّ (٢): قدْ رَوَى عنهُ ثقاتٌ وقدِ اعتمدَهُ مالكٌ معَ شدةِ نَقْد. قالَ الحاكمُ: ولا أعلمُ أحدًا طَعَنَ فيهِ. والحديثُ دليلٌ على عدمِ جوازِ بيعِ الرطبِ بالتمرِ لعدمِ التساوي كما تقدَّم. النهي عن بيع الكالئ بالكالئ ١٧/ ٧٩٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئِ بالْكَالِئِ، يَعْنِي الدَّينَ بالدَّينِ. رَوَاهُ إِسْحَاقُ وَالْبَزَّارُ (٣) بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن النبي ﷺ نَهَى عنْ بيعِ الكالئِ بالكالئِ، يعني الدَّينَ بالدَّينِ. رواة إسحاقُ، والبزاز بإسنادٍ ضعيف)، ورواهُ الحاكمُ والدارقطنيُّ منْ دونِ تفسير، لكنَّ في إسنادهِ موسى بنَ عبيدةَ الربذيَّ وهوَ ضعيفٌ (٤). قالَ أحمدُ (٥): لا تحلُّ الروايةُ عندي عنهُ، ولا أعرفُ هذا الحديثَ لغيره، وصحَّفَهُ الحاكمُ فقالَ

стр. 1397

موسىَ بنُ عقبة (١)، فصحَّحَهُ على شرطِ مسلم. وتعجَّبَ البيهقي منْ تصحيفهِ على الحاكمِ. قالَ أحمدُ (٢): ليسَ في هذا حديثٌ يصحُّ، لكنَّ إجماعَ الناسِ [على] (٣) أنهُ لا يجوزُ بيعُ دَيْنِ بِدَيْنٍ. وظاهرُ الحديثِ أن تفسيرَهُ بذلكَ مرفوعٌ. والكالئُ منْ كلأَ الدَّينَ كلوءًا فهوَ كالئٌ إذا تأخَّرَ، وكلأتُهُ إذا أنسأتُه، وقدْ لا يهمزُ تخفيفًا. قالَ في "النهاية" (٤): هوَ أنْ يشتريَ الرجلُ شيئًا إلى أجلٍ، فإِذَا حلَّ الأجلُ لم يجدْ ما يقضي بهِ، فيقولُ بعنيهِ إلى أجلٍ آخرَ [بأكثر] (٥) بزيادة شيءِ، فيبيعهُ ولا يجري بينَهما تقابضٌ. والحديثُ دلَّ على تحريمِ ذلكَ، وإذا وقعَ كانَ باطلًا.

стр. 1398

[الباب الرابع] باب الرخصة في العرايا وبيع أصول الثمار ١/ ٨٠٠ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ في الْعَرَايَا: أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٢): رَخَّصَ في الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. [صحيح] (عنْ زيدِ بن ثابتٍ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ رخَّصَ في العرايا أن تُباعَ بخرصِها كيلًا. متفقٌ عليه. ولمسلمٍ رخَّصَ في العريةِ يأخذها أهل البيتِ بخرصِها تمرًا، يأكلونَها رُطَبًا). الترخيصُ في الأصلِ التسهيلُ والتيسيرُ، وفي عُرفِ المتشرعةِ ما شرعَ من الأحكامِ لعذرٍ معَ بقاءِ دليلِ الإيجابِ والتحريمِ لولا ذلك العذرُ، وهذا دليل على أن حكمَ العرايا مُخرجٌ منْ بين المحرَّماتِ، مخصوصٌ بالحكمِ. وقدْ صرَّحَ باستِثنائهِ في حديثِ جابر عندَ البخاريِّ (٣) بلفظ: "نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ بيْعِ الثَّمرِ حتَّى يطيبَ، ولا يباعَ شيءٌ منه إلَّا بالدنانيرِ والدراهمِ إلَّا العرايا"، وفي قولهِ: في العرايا مضافٌ محذوفٌ، أي: في بيعهِ ثمرِ

стр. 1399

العرايا؛ لأنَّ العريةَ هي النخلةُ، وهَي في الأصلِ عطيةُ ثمرِ النخلِ دونَ الرقبةِ (١)، كانتِ العربُ في الجدبِ يتطوعُ أهلُ النخلِ منْهم بذلكَ على منْ لا ثمرَ لهُ، كما كانُوا يتطوَّعونَ بمنيحةِ الشاةِ والإبلِ. قالَ مالكٌ (٢): العريةُ أنْ يعري الرجلُ الرجلَ النخلةَ ثم يتأذَّى المعرِّي بدخولِ المعرَّى عليهِ، فرخَّص لهُ أنْ يشتريَها أي رطَبها منهُ بتمير أي يابسٍ. وقدْ وقعَ اتفاق الجمهورِ على جوازِ رخصةِ العرايا، وهوَ بيعُ الرطبِ على رؤوسِ النخلِ بقدْرِ كيلهِ منَ التمرِ خَرْصًا فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ (٣) بشرطِ التقابضِ، وإنما قلْنا فيما دونَ خمسةِ أوسقٍ لحديثِ أبي هريرةَ وهوَ: الرُّخصة في بيع العرايا ٢/ ٨٠١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ رخَّصَ في بيعِ العَرَايا بخرصِها فيما دونَ خمسةِ أوْسُقٍ، أوْ في خمسةِ أَوْسُقٍ. متفقٌ عليهِ)، وبيَّنَ مسلمٌ (٥) أن الشكَّ فيهِ

стр. 1400

منْ داودَ بن الحصينِ. وقدْ وقعَ الاتفاقُ بينَ الشافعي (١)، ومالكٍ (٢)، على صحتهِ فيما دونَ الخمسةِ، وامتناعُه فيما فوقَها، والخلافُ (٣) بينَهما فيها، والأقربُ تحريمُه فيها لحديثِ (٤) جابرٍ ﵁: "سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ حينَ أَذِنَ لأصحابِ العَرَايا أنْ يبيعُوها بخرصِها يقولُ: الوِسْقُ والوسقينِ والثلاثةُ والأربعةُ"، أخرجهُ أحمدُ. وترجمَ (٥) له ابنُ حبانَ: الاحتياطُ على أنْ لا يزيدَ على أربعةِ أوسقٍ. وأما اشتراطُ التقابضِ فَلأنَّ الترخيصَ إنَّما وقعَ في بيعِ ما ذُكِرَ معَ عدمِ تيقُّنِ التساوي فقطْ. وأما التقابضُ فلم يقعْ فيهِ ترخيصٌ فبقيَ على الأصلِ منِ اعتبارهِ، ويدلُّ لاشتراطِه ما أخرجهُ الشافعي (٦) منْ حديثِ زيدِ بن ثابتٍ: "أنهُ سمَّى رجالًا محتاجينَ منَ الأنصارِ، شَكَوْا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ (٧)، ولا نَقْدَ في أيديهم يبتاعونَ بهِ رُطَبًا ويأكلونَ مَع الناسِ، وعندَهم فضولُ قوتِهم منَ التمرِ، فرخَّص لهم أنْ يبتاعُوا العَرَايا بِخَرْصِها من التمرِ" (٨). وفيهِ مأخذ لمنْ يشترطِ التقابضَ، وإلَّا لم يكنْ لِذكْرِ وجودِ التمرِ عندَهم وَجْهٌ. واعلمْ أنَّ الحديثَ وردَ في الرُّطَبِ بالتمرِ على رؤوسِ الشجرِ، وأما شراءُ الرطبِ بعدَ قطعهِ بالتمرِ فقالَ بجوازِهِ كثيرٌ منَ

стр. 1401

الشافعيةِ (١) إلحاقًا لهُ بما على رؤوسِ الشجرِ، بناءً على إلغاءِ وصْفِ كونهِ على رؤوسِ الشجرِ كما بوَّبَ بذلكَ البخاريُّ (٢)؛ لأنَّ محلَّ الرخصةِ هوَ الرُّطَبُ نفسُه مطلقًا أعمُّ منْ كونهِ على رؤوسِ النخلِ، أو قد قطعَ فيشملُه النصُّ، [فلا] (٣) يكونُ قياسًا، ولا منعَ إذْ قدْ تدعُو حكمةُ الترخيصِ إلى شراءِ الرطبِ الحاصلِ، فإنهُ قد تدعُو إليهِ الحاجةُ في الحالِ، وقدْ يكونُ معَ المشتري تمر فيأخذُه [منه] (٤)، فيدفعُ بهِ قولُ ابن دقيقِ العيد: إنَّ ذلكَ لا يجوزُ وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ أحدَ المعاني في الرخصةِ أنْ يأكلَ الرطبَ على التدريجِ طَريًا، وهذَا [المقصودُ] (٥) لا يحصلُ مما على وجْهِ الأرضِ. النهي عن بيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه ٣/ ٨٠٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بيْعِ الثِّمَارِ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٦). وَفي رِوَايَةٍ (٧): وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ: حَتى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ. [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ قالَ: نَهَى رسولُ الله ﷺ عنْ بيْعِ الثِّمارِ حتَّى يَبْدُوَ صلاحُها، نَهَى البائعَ والمبتاعَ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ: كانَ إذا سُئِلَ عنْ صلاحِها قالَ: حتَّى تذهبَ عاهته)، وهيَ الآفةُ والعيْبُ. اختلفَ السلفُ في المراد ببدُوِّ الصلاحِ على ثلاثةِ أقوالٍ:

стр. 1402

الأولُ: أنه يكفي بُدُوُّ الصلاحِ في جنسِ الثمارِ، بشرطِ أنْ يكونَ الصَّلاحُ متلاحقًا، وهوَ قولُ الليثِ، والمالكيةِ (١). الثاني: أنه لا بدَّ أن يكون في جنسِ تلكَ الثمرةِ المبيعةِ، وهوَ قولٌ لأحمدَ (٢). الثالثُ: أنهُ يعتبرُ الصلاحُ في تلكَ الشجرةِ المبيعةِ، وهوَ قولُ الشافعيةُ (٣). ويُفْهَمُ منْ قولهِ يبدُو أنهُ لا يُشْتَرطُ تكاملُه فيكفي زُهُوُّ بعضِ الثمرةِ، وبعضِ الشجرةِ معَ حصولِ المعنَى المقصودِ، وهوَ الأمانُ منَ العاهةِ، وقدْ جرتْ حِكمةُ اللَّهِ أنْ لا تطيبَ الثمارُ دُفْعَة واحدة، لتطولَ مدةُ التفكُّهِ بها والانتفاعِ. والحديثُ دليلٌ على النَّهْي عنْ بيعِ الثمارِ قبلَ بُدُوِّ صلاحِها. والإجماعُ (٤) قائمٌ على أنهُ لا يصحُّ بيعُ الثمارِ قبلَ خروجها لأنهُ بيعٌ معدومٌ، وكذَا بعدَ خروجِها قبلَ نفعه إلَّا أنهُ رَوَى المصنفُ ﵀ في الفتح (٥) أن الحنفيةَ أجازُوا بيعَ الثمارِ قبلَ بدوِّ الصلاح، وبعدَه بشرطِ القطْعِ، وأبطلُوهُ بشرطِ البقاءِ قبلَه وبعدَه، وأما بعدَ صلاحِها ففيهِ تفاصيلُ، فإنْ كانَ بشرطِ القطْعِ صحَّ إجماعًا (٦)، وإنْ كانَ بشرطِ البقاءِ كانَ بيعًا فاسدًا إنْ جُهِلَتِ المدةُ، فإنْ عُلِمَتْ صحَّ عندَ الهادوية (٧) ولا غرَرَ، وقالَ المؤيدُ (٨): لا يصحُّ للنَّهْي (٩) عنْ بيعٍ وشرط، وإنْ أُطْلِقَ صحَّ

стр. 1403

عندَ الهادِوية وأبي حنيفةَ (١)، إذ ما تردَّد بين صحَّة وفساد حمل على الصحَّةِ؛ إذْ هيَ الظاهرُ إلَّا أنْ يجري عُرْفٌ ببقائِه مدةً مجهولةً فسد، وأفادَ نَهْيُ البائعِ والمبتاعِ، أما البائعُ فَلِئَلَّا يأكلَ مالَ أخيهِ بالباطلِ، وأما المشتري فلئلَّا يضيعَ مالُه. والعاهةُ هي الآفةُ التي تصيبُ الثمارَ، وقدْ بيَّنَ ذلكَ حديثُ زيدِ بن ثابتٍ (٢) قالَ: "كانَ الناسُ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يبتاعونَ الثمارَ فإذا جدَّ الناسُ وحضرَ تقاضِيْهمْ قالَ المبتاعُ: إنهُ أصابَ الثمرُ الدُّمانَ وهوَ فسادُ الطَّلْعِ وسوادُه مراض (٣) قشامٍ عاهاتٌ يحتجونَ بها، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لما كثرتْ عندَه الخصومةُ في ذلكَ: فأمَّا لا فلا تَبْتَاعُوا حتَّى يبدُوَ صلاحُ الثمرةِ، كالمشورةِ يشيرُ بها لكثرةِ خصوماتِهم" انتَهى. وأَفْهَمَ قولُه كالمشورةِ أن النَّهْيَ للتنزيهِ لا للتحريمِ، كأنهُ فَهِمَه منَ السياقِ وإلَّا فأصْلُه التحريمُ، وكانَ زيدُ (٤) لا يبيعُ ثمارَ أرضِه حتَّى تطلعَ الثُرَيَّا فيتبينُ الأصفرُ منَ الأحمر. وأخرجَ أبو داودَ (٥) منْ حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: "إذا طلعَ النَّجْمُ صباحًا رُفِعَتِ العاهةُ عن كلِّ بلدٍ". والنجمُ الثُّريَّا، والمرادُ طلوعُها صباحًا، وهوَ في أولِ فصلِ الصيفِ، وذلكَ عندَ اشتدادِ الحرِّ [في] (٦) بلادِ الحجازِ، وابتداءِ نُضْجِ الثمارِ وهوَ المعتبرُ حقيقةً، وطلوعُ الثريا علامةٌ.

стр. 1404

النهي عن بيع الثمار حتى تُزهى ٤/ ٨٠٣ - وَعَنْ أَنَسٍ بن مَالِكٍ رَضيَ اللَّهُ تعالَى عَنْهُ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتى تُزْهَى، قِيلَ: وَمَا زَهْوُهَا؟ قالَ: "تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عنْ بيعِ الثمارِ حتَّى تُزْهَى، قيلَ) في روايةِ النَّسائيِّ (٢): قيلَ: يا رسولَ الله، فأفادَ أن التفسيرَ مرفوعٌ، (وما زَهْوُها) قيل بفتحِ الزاي (قالَ: تَحْمَارُّ وتَصْفَارُّ. متفقٌ عليهِ. واللفظٌ للبخاريِّ). يقالُ: أَزْهَى يَزْهَى إذا احمرَّ واصفرَّ، وَزَها النخلُ يزهُو إذا ظهرتْ ثمرتُه. وقيلَ هما بمعنَى الاحمرارِ والاصفرارِ، ومنْهم مَنْ أنكرَ يزهُو، ومنْهم مَنْ أنكرَ يزْهى، كذا في "النهاية" (٣). قالَ الخطابيُّ (٤) في هذه الروايةِ: هي الصوابُ، ولا يُقالُ في النخلِ يزهُو وإنَّما يُقَالُ [يزهى] (٥) لا غيرُ. ومنهُم منْ قالَ زَهَا إذا طالَ واكتملَ، وأَزْهَى إذا احمرَّ واصفرَّ. قال الخطابي (٦): قوله: تحمارُّ وتصفارُّ لم يُردْ بذلك اللَّونَ الخالِصَ من الحمرةِ والصفرةِ، إنَّما أرادَ حمرةً أو صفرةً بكمودةٍ، فلذلكَ قالَ: تحمارُّ وتصفارُّ. قالَ: ولو أرادَ اللونَ الخالصَ لقالَ: تحمرُّ وتصفرُّ. قالَ ابنُ التينِ (٧): أرادَ بقولِه تحمارُّ وتصفارُّ ظهورَ أوائلِ الحمْرةِ والصفْرةِ قبلَ أن تنضجَ (٨). قالَ: وإنما يقالُ تفعال في اللونِ المتغيرِ إذا كانَ يزولُ ذلكَ. وقيلَ: لا فرقَ، إلا أنهُ قدْ يقالُ في هذا المحلِّ المرادُ بهِ ما ذُكِرَ بقرينةِ الحديثِ الآتي:

стр. 1405

النهي عن بيع العنبِ حتى يسودَّ ٥/ ٨٠٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ. رَوَاهُ الْخَمْسَة (١) إلَّا النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢)، وَالْحَاكِمُ (٣). [صحيح] وهوَ قولُه: (وعنْ أنسٍ [بن مالك]) (٤) قياسُ قاعدتِه: وعنهُ، (أن النبي ﷺ نَهَى عنْ بيعِ العنبِ حتى يسودَّ، وعنْ بيعِ الحبِّ حتى يشتدَّ. رواهُ الخمسةُ إلَّا النسائيَّ، وصحَّحهُ ابنُ حبانَ، والحاكمُ). والمرادُ باسودادِ العنبِ، واشتدادِ الحبِّ بدوُّ صلاحهِ. قالَ النوويُّ (٥): فيهِ دليلٌ لمذهبِ الكوفيينَ، وأكثرُ العلماءِ في أنهُ يجوزُ بيعُ السنبلِ المشتدِّ، وأما مَذْهَبُنَا ففيهِ تفصيلٌ، فإنْ كانَ السنبلُ شعيرًا، أو ذُرَةً، أو مما في معناهُما، مما تُرَى حباتُه خارجةً صحَّ بيعُه، وإنْ كانَ حنطةً، أو نحوَها مما تُسْتَرُ حبَّاتُه بالقُشورِ التي تزول بالدِّياس (٦) ففيهِ قولانِ للشافعيِّ: الجديدُ أنهُ لا يصحُّ وهوَ أصحُ قَوْلَيْهِ، والقديمُ أنهُ يصحُّ. وأما قبلَ الاشتدادِ فلا يصحُّ إلا بشَرْطِ القطْعِ كما ذكْرنا، فإذا باعَ الزَّرْعَ قبلَ الاشتدادِ معَ الأرضِ بلا شرطٍ صحَّ تِبْعًا للأرضِ، وكذَا الثمارُ قبلَ الصلاحِ إذا بِيعَ معَ الشجرِ جازَ بلا شرطٍ تبعًا، وهكذا حكمُ القولِ في الأرضِ لا يجُز بيعُها دونَ الزرعِ إلا بشرطِ القطع، وكذَا لا يصحُّ بيعُ البطيخ ونحوِه قبلَ بُدُوِّ صلاحهِ، وفروعُ المسألةِ كثيرةٌ.

стр. 1406

وقدْ نَقَّحْتُ مقاصدَها في روضةِ الطالبينَ (١)، وشرح المهذبِ (٢)، وجمعت فيها جملةٌ مستكثرةٌ، وباللَّهِ التوفيقُ. ثمن ما أصابته جائحة من مال البائع ٦/ ٨٠٥ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخيكَ ثَمَرًا فأصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيرِ حَقٍّ؟ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ لَهُ (٤): أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. [صحيح] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لو بعتَ منْ أخيكَ ثَمَرًا فأصابتْه جائحةٌ)، هي الآفة تصيبُ الزرعَ، (فلا يحلُّ لكَ أنْ تأخذَ منهُ شيئًا، بِمَ تأخذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حقٍّ؟. رواهُ مسلمٌ. وفي روايةٍ له أن النبيَّ ﷺ أمرَ بوضعِ الجوائح). الجائحةُ مشتقةٌ منَ الجَوْحِ وهوَ الاستئصالُ، ومنهُ حديثُ (٥): "إنَّ أبي يجتاحُ مالي". وفي الحديثِ دليلٌ على أن الثمارَ التي على رءوسِ الشجرِ إذا باعهَا المالكُ، وأصابتْها جائحةٌ أنْ يكونَ تلفُها منْ مالِ البائعِ، وأنهُ لا يستحقُّ على المشتري في ذلكَ شيئًا. وظاهرُ الحديثِ فيما باعَهُ بَيْعًا غيرَ مَنْهيٍّ عنهُ، وأنهُ

стр. 1407

وقعَ البيعُ بعدَ بُدُوِّ الصلاحِ لأنهُ مَنْهِيٌّ، [عن] (١) [بيعهِ] (٢) قبلَ بُدُوِّهِ، ويحتملُ ورودُه أي حديثُ وضعِ الجوائحِ قبلَ النَّهْي، وبدلُّ لهُ ما وقعَ في حديثِ (٣) زيدِ بن ثابتٍ أنهُ قالَ: "قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، ونحنُ نبتاعُ الثمارَ قبلَ أنْ يبدوَ صلاحُها وسمعَ خصومةً فقالَ: ما هذا؟ فذكرَ الحديثَ، وأنهُ نَهَى عنْ بيعِها قبلَ [أنْ يبدوَ] (٤) صلاحُها"، إلا أنه أفاد معَ ذكرِ سببِ النَّهْي تاريخَ ذلكَ، فيكونُ حديثُ وضعِ الجوائحِ مُتَأَخِّرًا، فيحملُ حديثُ وضعِ الجوائحِ على البيعِ بعدَ بدوِّ الصلاحُ. وقدِ اختلفَ (٥) العلماءُ في وضعِ الجوائحِ، فذهبَ الأقلُّ إلى أن الجائحةَ إذا أصابتِ الثمرَ جميعَه أنْ يوضعَ الثَّمنُ جميعُه، وأنَّ التلفَ منْ مالِ البائعِ عملًا بظاهرِ الحديثِ. وذهبَ الأكثرُ إلى أن التلفَ منْ مالِ المشتري، وأنهُ لا وضعَ لأجلِ الجائحةِ إلَّا ندْبًا، واحتجُّوا لهُ بحديثِ (٦) أبي سعيدٍ: "أنهُ ﷺ أمرَ النَّاسَ أنْ يتصدَّقُوا على الذي أصيبَ في ثمارهِ" وسيأتي. قالُوا: ووجْهُ تلفهِ منْ مالِ المشتري أن التخليةَ في العقدِ الصحيح بمنزلةِ القبضِ، وقدْ سلَّمهُ البائعُ للمشتري بالتخليةِ فكأنهُ قبضَهُ. وأجيبَ عنهُ بَأنَّ قوله ﷺ : "لا يحل لكَ أنْ تأخذَ منهُ شيئًا - الحديثَ" دالٌ على التحريم، وأنهُ تلفٌ على البائعِ لقولِه: مالُ أخيكَ إذْ يدلُّ أنهُ لم يستحقَّ منهُ الثمنَ [فإنه] (٧) مالُ أخيهِ لا مالُهُ. وحديثُ (٨) التصدُّقِ محمولٌ على الاستحبابِ بقرينةِ قولِه: لا يحلُّ لكَ، وفائدةُ الأمرِ بالتصدقِ الإرشادُ إلى الوفاءِ بغرضين: جبرُ البائعِ، وتعريضُ المشتري لمكارمِ الأخلاقِ، كما يدلُّ لهُ قولُه في آخرِ الحديثِ (٨) لما طلبُوا الوفاءَ: "ليسَ لكم إلا ذلكَ". فلو كانَ لازِمًا لأمرَهم بالنظرةِ إلى ميسرَةٍ.

стр. 1408

الثمر بعد التأبير للبايع ٧/ ٨٠٦ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا عَنْ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ الَّذِي بَاعَها إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: منِ ابتاعَ نخلًا) هوَ اسمُ جنسٍ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، والجمعُ نخيل (بعدَ أنْ تُؤَبَّرَ). والتَّأبيرُ: التشقيقُ والتلقيحُ، وهوَ شقُّ طَلْعِ النخلةِ الأنثَى ليذَر فيها منْ طلعِ النخلةِ الذكرِ، (فثمرتُها للبائعِ الذي باعها إلَّا أنْ يشترطَ المبتاعُ. متفقٌ عليه). دلَّ الحديثُ على أنَّ الثمرةَ بعدَ التأبيرِ للبائعِ، وهذا منطوقُه ومفهومُه إنها قبلُه للمشترِي. وإلى هذا ذهب جمهورُ العلماءِ (٢) عملًا بظاهرِ الحديثِ. وقال أَبو حنيفةَ (٣): هي للبائعِ قبلَ التأبيرِ وبعدَه، فَعَمِلَ بالمنطوقِ ولم يعملْ بالمفهومِ بناءً على أصلهِ منْ عدمِ العملِ بمفهومِ المخالفةِ. وَرُدَّ عليهِ بأن الفوائدَ المستترةَ تخالفُ الظاهرةَ في البيعِ، فإنَّ وَلَدَ الأمةِ المنفصلَ لا يتبعُها، والحملُ يتبعُها. وفي قولِه: إلَّا أنْ يشترطَ المبتاعُ، دليلٌ على أنهُ إذا قالَ المشتري اشتريتُ الشجرة بثمرتِها كانتِ الثمرةُ لهُ. ودلَّ الحديثُ على أن الشرطَ الذي لا ينافي مقتضى العقدِ لا يفسدُ البيعَ، فيخصُّ النَّهْيَ (٤) عنْ بيعٍ وشرطٍ، وهذا النص في النخلِ، ويقاسُ عليهِ غيرُه منَ الأشجارِ. * * *

стр. 1409

[الباب الخامس] أبواب السلم والقرض والرهن ١/ ٨٠٧ - عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فِي ثَمَرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلِ مَعْلُومٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَلِلْبُخَارِيِّ (٢): "مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ". [صحيح] (عن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قَدِمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، وهمْ يسلفونَ في الثمارِ السنةَ والسنتينِ)، منصوبان [على نزع] (٣) الخافض، أي: إلى السنةِ والسنتين، (فقالَ: مَنْ أسلفَ في تمرٍ)، يُروى بالمثناةِ، والمثلثةِ، فهوَ بها أعمُّ، (فَلْيُسْلِفْ في كيلٍ معلومٍ)، إذا كانَ مما يُكالُ، (وَوَزْنٍ معلومٍ) إذا كانَ مما يوزنُ (إلى أجلٍ معلومٍ. متفقٌ عليهِ. وللبخاريِّ: مَن أسلفَ في شيءٍ). السلفُ بفتحتينِ (٤): هوَ السَّلَمُ وزنًا ومعنَى، قيلَ (٥): وهوَ لغةُ أهلِ العراقِ، والسلفُ لغةُ أهلِ الحجازِ، وحقيقتُه

стр. 1410

شَرْعًا: بيعٌ موصوفٌ في الذمةِ ببدلٍ [ما] (١)، يُعْطَى عاجلًا، وهوَ مشروعٌ إلَّا عند ابن المسيبِ (٢). واتفقُوا على أنهُ يشترطُ فيهِ ما يُشْتَرَطُ في البيعِ، وعلى تسليمِ رأسِ المالِ في المجلسِ، إلَّا أنهُ أجازَ (٣) مالكٌ تأجيلَ الثمنِ يومًا أو يومينِ، ولا بدَّ منْ أنْ يقدر بأحدِ المقدارينِ كما في الحديثِ، فإنْ كانَ مما لا يُكالُ ولا يُوزَنُ فقالَ المصنفُ ﵀ في فتحِ الباري (٤): فلا بدَّ فيهِ منْ عددٍ معلومٍ، رواهُ عن ابن بطالٍ، وادَّعَى عليهِ الإجماعَ، وقالَ المصنفُ (٤): أو ذَرْعٍ معلومٍ، فإنَّ العددَ والذَّرْعَ يلحقانِ بالوزْنِ والكيلِ للجامعِ بينَهما، وهوَ ارتفاعُ الجهالةِ بالمقدارِ، واتفقُوا على اشتراطِ تعيينِ الكيلِ فيما يُسَلَّمُ فيهِ بالكيلِ كصاعِ الحجازِ، وقفيزِ العراقِ، وإردبِّ مصرَ. وإذا أُطْلِقَ انصرف إلى الأغلبِ في الجهةِ التي وقعَ فيها عَقدُ السلمِ، واتفقُوا (٥) على أنهُ لا بدَّ منْ معرفةِ صفةِ الشيءِ المسلَّمِ فيهِ صِفةٌ عنْ غيرِه، ولم يتعرضْ لهُ في الحديثِ؛ لأنَّهم كانُوا يعلمونَ بهِ، وظاهرُ الحديثِ أن التأجيلَ شرطٌ في صحة السلَمِ، فإنْ كانَ حالً لم يصحَّ أو كانَ الأجلُ مجهولًا، وإلى هذا (٦) ذهبَ ابنُ عباسٍ وجماعةٌ منَ السلفِ، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ شرطيةِ ذلكَ، وأنَّه يجوزُ السلمُ في الحالِ. والظاهرُ أنهُ لم يقعْ في عصر النبوةِ إلَّا في المؤجلِ، وإلحاقُ الحالِ بالمؤجلِ قياسٌ على ما خالفَ القياسَ [لأن السلم خالف القياس] (٧)؛ إذْ هو بيعٌ معدومٌ وعَقدٌ غَرَرٌ. واختلفُوا (٨) أيضًا في شرطيةِ المكانِ الذي يسلمُ فيهِ فأثبَتهُ جماعةٌ قياسًا على الكيلِ، والوزنِ، والتأجيلِ. وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ اشتراطهِ. وفصَّلتِ (٩) الحنفيةُ فقالتْ: إنْ كانَ لحمْلِه مؤونةٌ فيشترطُ، وإلَّا فلا. وقالتِ الشافعيةُ (١٠): إنْ عقدَ حيثُ لا يصلحُ للتسليمِ كالطريقِ فيشترطُ، وإلا فقولانِ. وكلُّ هذهِ التفاصيلِ مُسْتنَدُها العرفُ.

стр. 1411

صحة السلف في المعدوم حال العقد ٢/ ٨٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبي أَوْفَى، وعَبْدِ الرّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَا: كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ يَأْتِينَا أنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسْلِفُهُمْ في الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ - وَفي رِوَايَةٍ: وَالزَّيْتِ - إلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، قِيلَ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] ترجمة عبد الرحمن بن أبزى (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن أبي أَوْفَى، وعبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى) (٢) بفتحِ الهمزةِ، وسكونِ الموحدةِ، وفتحِ الزاي، الخزاعيِّ. سكنَ الكوفةَ، واستعملهُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵇ على خراسانَ، وأدركَ النبيَّ ﷺ وصلَّى خَلْفَهُ. (قالَ: كُنَّا نصيبُ المَغَانِمَ معَ رسول الله ﷺ ، وكانَ يأتينا أنباطٌ (٣) منْ أنباطِ الشامِ) همْ منَ العربِ دخلُوا في العجمِ والروم، فاختلطتْ أنسابهُم، وفسدتْ ألسنتُهم، سُمُّوا بذلكَ لكثرةِ معرفتِهم بإنباطِ الماءِ أي استخراجه، (فَنُسْلِفُهُم في الحنطةِ والشعيرِ والزبيبِ، وفي روايةٍ: والزيتِ إلي أجلٍ مُسَمَّى. قيلَ: أكانَ لهمْ زَرْعٌ؟ قالا: ما كُنَّا نسألهُم عنْ ذلك. رواهُ البخاريُّ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ السلفِ في المعدومِ حالَ العقدِ، إذْ لو كانَ منْ شرطِه وجودُ المسلَّمِ فيه لاستفصلُوهم. وقدْ قَالا: ما كنَّا نسألُهم. وتركُ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يُنْزلُ منزلةَ العمومِ في المقالِ. وقدْ ذهبَ إلى هذا

стр. 1412

الهادويةُ (١)، والشافعيةُ (٢)، ومالكٌ (٣)، واشترطُوا إمكانَ وجودِه عندَ حلولِ الأجلِ، ولا يضرُّ انقطاعُه قبلَ [حضورِ] (٤) الأجلِ لما عرفتَ منْ تركِ الاستفصالِ، كذا في الشرحِ. قلتُ: وهوَ استدلالٌ بفعلِ الصحابيِّ أوْ تركِه، ولا دليلَ على أنهُ ﷺ علمَ ذلكَ وأقرَّهُ، وأحسنُ منهُ في الاستدلالِ أنهُ ﷺ أقرَّ أهلَ المدينةِ (٥) على السَّلمِ سنةَ وسنتينِ، والرطبُ ينقطعُ في ذلكَ، ويعارضُ ذلكَ حديثُ ابن عمرَ عندَ أبي داودَ (٦): "ولا تسلفُوا في النخلِ حتَّى يبدوَ صلاحُه"؛ فإنْ صحَّ ذلكَ كانَ مقيِّدًا لتقريرِه لأهلِ المدينةِ على سلمِ السنةِ والسنتينِ، وأنهُ أمرَهم بأن لا يسلفُوا حتَّى يبدُوَ صلاحُ النخلِ، ويُقَوِّي ما ذهبَ إليهِ الناصر (٧) وأبو حنيفةَ (٨) منْ أنهُ يشترطُ في المسلَّم فيهِ أنْ يكونَ موجودًا منَ العقدِ إلى الحلولِ. أعان الله من استدان وهو يريد الوفاء ٣/ ٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ الناسِ يُريدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ تَعَالَى"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٩). [صحيح]

стр. 1413

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ أخذ [من] (١) أموالِ الناسِ يريدُ أداءَها أدَّى الله عنهُ، ومنْ أخذَها يريدُ إتلافَها أتْلَفَه اللَّهُ. رواه البخاريُّ). التعبيرُ بأخذِ أموالِ الناسِ يشملُ أخذَها بالاستدانةَ، وأخذَها لحفظِها. والمرادُ منْ إرادته التأدية [قضاها] (٢) في الدنيا، وتأديةُ اللَّهِ عنه تشملُ تيسيرُه تعالى لقضائِها في الدنيا، بأنْ يسوقَ إلى المستدينِ ما يقضي دَينَه. وأداؤُها عَنْهُ في الآخرةِ بإرضائِه غريمَهُ بما شاءَ الله تعالى. وقدْ أخرجَ ابنُ ماجه (٣)، وابن حبَّانَ (٤)، والحاكمُ (٥) مرفوعًا: "ما من مسلمٍ يدانُ دينًا يعلمُ اللَّهُ أنهُ يريدُ أداءَه، إلا أدَّاهُ اللَّهُ عنهُ في الدنيا والآخرةِ". وقولُه: "يريدُ إتلافُها" الظاهرُ أنهُ مَنْ يأخذُها بالاستدانةِ مَثَلًا لا لحاجةٍ ولا لتجارةٍ، بلْ لا يريدُ إلا إتلافَ ما أخذه على صاحبهِ، ولا ينوي [قضاءَها] (٦). وقولُه: "أتلَفه اللَّهُ"، الظاهرُ إتلافُ الشخصِ نفسَهُ في الدنيا بإهلاكهِ، وهوَ يشملُ ذلكَ، ويشملُ إتلافَ طيِّبِ عيشهِ، وتضييقِ أمورِه، وتعسُّرِ مطالبِه، ومحقِ بركتهِ، ويحتملُ إتلافُه في الآخرةِ بتعذيبِه، قالَ ابنُ بطالٍ (٧): فيهِ الحثُّ على تركِ استئكالِ أموال الناسِ، والترغيبُ في حُسْنِ التأديةِ إليهم عندَ المداينةِ، وأنَّ الجزاءَ [قدْ يكونُ] (٨) منْ جنس العمل. وأَخَذَ منهُ الداوديُّ (٧) أن مَنْ عليهِ دَيْنٌ فليسَ له أنْ يتصدَّقَ، ولا يعتقَ وفيهِ بعد. وفي الحديثِ الحثُّ على حسنِ النيةِ، والترهيبُ عنْ خلافهِ، وبيانُ أن مدارَ الأعمالِ عليها، وأن مَنِ استدانَ ناويًا الإيفاءَ أعانهُ اللَّهُ عليهِ. وقدْ كانَ عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ يرغَبُ في الدَّينِ [سئل] (٩) عنْ ذلكَ فقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ اللَّهَ معَ الدائنِ حتَّى يقضي دينَه"، رواهُ ابنُ

стр. 1414

ماجه (١)، [والحاكم] (٢)، وإسنادهُ حسنٌ. إلَّا أنهُ اختُلِفَ فيهِ على محمدِ بن عليٍّ. ورواهُ الحاكمُ (٣) منْ حديثِ عائشةَ بلفظِ: "ما منْ عبدٍ كانتْ له نيةٌ في وفاءِ دَيْنهِ إلَّا كانَ لهُ منَ اللَّهِ عونٌ"، [فقالت] (٤) يعني عائشةُ: فأنا ألتمسُ ذلكَ العونَ. إن قلتَ: [إنه] (٥) قدْ ثبتَ حديثُ (٦): "إنهُ يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذنبٍ إلا الدَّيْنَ"، وحديث (٧): "الآنَ بردتْ جلدتُه"، قاله لمن أدَّى دَيْنًا عنْ ميتٍ ماتَ وعليهِ دَيْنٌ. قلتُ: يحتملُ [أنه معنى] (٨) لا يُغْفَرُ للشهيدِ الدينُ، أنهُ باقٍ عليهِ حتَّى يوفيهِ اللَّهُ عنهُ يومَ القيامةِ، ولا يلزمُ منْ بقائه عليهِ أنْ يعاقَبَ [بِهِ] (٩) في قبرهِ، ومعنَى قولهِ: بردتْ جلدتُه، خلَّصته منْ بقاءِ الدينِ عليهِ، ويحتملُ أن ذلكَ فيمَنِ استدانَ ولم ينوِ الوفاءَ. التأجيل إلى ميسرة صحيح ٤/ ٨١٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ، فَأَخَذْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ نَسيئَةً إلَى مَيْسَرَةً؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ. أَخْرَجَهُ الحاكمُ (١٠)، وَالْبَيْهَقِي (١١)، ورجَالُهُ ثِقِاتٌ. [صحيح]

стр. 1415

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قلت يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ فلانًا قدِمَ له بزٌّ منَ الشامِ فلوْ بعثتَ إليهِ فأخذتَ منه ثوبينِ نسيئةً إلى ميسرة، فبعثَ إليهِ فامتنعَ. أخرجهُ الحاكمُ، والبيهقيُّ، ورجالُه ثِقاتٌ). فيهِ دليلٌ على بيعِ النسيئةِ، وصحةِ التأجيلِ إلى ميسرةٍ، وفيهِ ما كانَ عليهِ ﷺ منْ حسنِ معاملةِ العبادِ، وعدمِ إكراهِهمِ على الشيءِ، وعدمِ الإلحاحِ. الانتفاع بالمرهون في مقابلة نفقته ٥/ ٨١١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ"، رَوَاهُ الْبُخَارَيُّ (١). [صحيح] وهو منْ بابِ الرَّهْنِ، وهوَ لغةً: الاحتباسُ، منْ قولِهم: رَهنَ الشيءَ إذَا دامَ وثَبَتَ. ومنهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢). وفي الشرعِ: جعلُ مالٍ وثيقة على دينٍ، ويطلقُ على العينِ المرهونةِ. (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : الظَّهْرُ يرْكَبُ) بالبناءِ للمفعول، ومثلُه يُشْرَبُ (بنفقتِه إذا كانَ مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ) بفتح الدال المهملةِ، وتشديدِ الراءِ، وهوَ اللّبنُ تسميةً بالمصدرِ، قيلَ: هوَ منْ إضافةِ الشيءِ إلى نفسهِ، وقيلَ منْ إضافةِ الموصوف إلى صفتهِ. (يشربُ بنفقتِه إذا كانَ مرهونًا، وعلى الذي يَرْكَبُ ويشرب النفقةُ. رواهُ البخاريُّ). فاعلُ يركبُ ويشربُ هوَ المرتهنُ بقرينةِ العوضِ، وهوَ الركوبُ، وإنْ كانَ يحتملُ أنهُ الراهنُ إلا أنهُ احتمال بعيدٌ لأنَّ النفقةَ لازمةٌ لهُ، فإنَّ المرهونَ ملْكُه، وقدْ جعلتْ في الحديثِ على الراكبِ والشاربِ، وهوَ غيرُ المالكِ؛ إذ النفقةُ لازمةٌ للمالكِ على كلِّ حالٍ. والحديثُ دليل على أنهُ يستحقُّ المرتهنُ الانتفاعَ بالرهنِ في مقابلةِ نفقتِه. وفي المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:

стр. 1416

الأول: ذهبَ أحمدُ (١)، وإسحاقُ إلى العمل بظاهرِ الحديثِ، وخصُّوا ذلكَ بالركوبِ والدرِّ، وقالوا: يُنْتَفَعُ بِهمَا بِقَدْرِ قيمةِ النفقةِ، ولا يقاس غيرُهما عليهِمَا. والثاني: للجمهورِ (٢) قالُوا: لا ينتفِعُ المرتهنُ بشيءٍ. قالُوا: والحديثُ خالفَ القياسَ منْ وجهينِ، [أولُهما]: (٣) تجويزُ الركوبِ والشربِ لغيرِ المالكِ بغيرِ إذنهِ، وثانيهما: تضمينُه ذلكَ بالنفقةِ لا بالقيمة. [قال ابنُ عبدِ البرِّ: هذا الحديثُ عندَ جمهورِ الفقهاءِ تردُّه أصولٌ مجتمعةٌ، وآثارٌ ثابتةٌ، لا يختلفُ في صِحَّتِها] (٤)، ويدلُّ على نسخهِ حديثُ (٥) ابن عمرَ: "لا تُحْلَبُ ماشيةُ امرئٍ بغير إذنِه"، أخرجهُ البخاريُّ في [باب] (٦) المظالمِ (٧). قلت: أما النسخُ فلا بدَّ [له] (٨) منْ معرفةِ التاريخِ، على أنهُ لا يحملُ عليهِ إلا إذا تعذَّرَ الجمعُ، ولا تعذُّرَ هنا؛ إذْ يخصُّ عموم النَّهْي بالمرهونةِ، وأما مخالفةُ القياسِ فليستِ الأحكامُ الشرعيةُ مطردةً على نسقٍ واحدٍ، بلِ الأدلةُ تفرِّقُ بينَها [في] (٩) الأحكامِ، والشارعُ حَكَمَ هنا بركوبِ المرهونِ، وشربِ لبنهِ، وجعلهِ قيمةً للنفقة. وقدْ حكمَ الشارعُ ببيع الحاكمِ عن المتمردِ بغير إذنهِ، وجعلِ صاعِ التمر عِوضًا عن اللبنِ وغيرِ ذلكَ. وقالَ الشافعيُّ (١٠): المرادُ أنهُ لا يمنعُ الراهنُ منْ ظهرِها ودرِّها، فجعلَ الفاعلَ الراهنَ، وتعقِّبَ (١١) بأنهُ وردَ بلفظِ المرتهن فتعينَ الفاعلُ.

стр. 1417

والقول الثالث: للأوزاعي (١) والليثِ، أن المرادَ منَ الحديثَ أنهُ إذا امتنعَ الراهنُ منَ الإنفاقِ على المرهونِ، فيباحُ حينئذٍ للمرتهنِ الإنفاقُ على الحيوانِ حِفْظًا لحياتِه، وجُعِلَ لهُ في مقابلة نفقته الانتفاعُ بالركوبِ، أو شربِ اللبنِ، بشرطِ أنْ لا يزيدَ قدرُ ذلكَ أو قيمتُه على قدْر عَلَفِه، وقوَّى هذا القولَ في الشرحِ، ولا يخْفَى أنهُ تقييدٌ للحديثِ بما لم يقيِّدْه بهِ الشارعُ، وإنما قيَّدَه بالضابطِ المتصيَّدِ منَ الأدلةِ، وهوَ أنّ كلَّ عينِ لغيرهِ في يدِه بإذنِ الشرعِ فإنهُ ينفقُ عليها بنيةِ الرجوعِ على المالكِ، ولهُ أنْ يؤَجِّرها أو يتصرف في لبنِها في قيمة العلفِ، إلَّا أنهُ إذا كانَ في البلدِ حاكمٌ ولم يستأذنْه فلا رجوعَ له بما أنفقَ، وتلزمُه غرامةُ المنفعةِ واللبنٍ، فإنْ لم يكنْ في البلدِ حاكمٌ، أو كانَ الحيوانُ يتضررُ بمدةِ الرجوع إلى الحاكم، فلهُ أنْ ينفقَ ويرجعَ بما أنفقَ، إلا أنهُ قدْ يقالُ إنَّها قاعدةٌ عامةٌ فَتُخَصُّ بحديث الكتابِ. ٦/ ٨١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الذي رَهنَه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ غُرْمُهُ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (٢)، وَالْحَاكِمُ (٣)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عنْدَ أَبي دَاوُدَ (٤) وَغَيْرِهِ إِرْسَالُهُ. [ضعيف] (وعنهُ) أي أبي هريرةَ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يَغْلَقُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ، وغينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، ولام مفتوحةٍ وقافٍ. يقالُ: غلقَ الرهن إذا خرجَ عنْ مُلْكِ الراهنِ واستَولَى عليهِ المرتهنُ بسببِ عجزْهِ عنْ أداء ما رهَنَه فيهِ، وكانَ هذا عادةَ العربِ فنهى عنه النبي ﷺ (الرهنُ منْ صاحبِه الذي رهَنَه. لهُ غُنْمُه)

стр. 1418

زيادتُه: (وعليهِ غُرْمُه) هلاكُه ونَفَقَتُه (رواهُ الدارقطنيُّ، والحاكم، ورجاله ثقاتٌ إلا أن المحفوظَ عندَ أبي داودَ وغيرهِ إرسالُه). قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ (١) ﵁: اختُلفَ في قولِه: له غُنْمُه وعليهِ غُرْمُهُ، فقيلَ: هيَ مدرجةٌ منْ قولِ سعيدِ بن المسيِّبِ. قالَ: ورفَعَهَا ابنُ أبي ذِئْبٍ ومعمر وغيرُهما معَ كونِهم أرسلُوا الحديثَ على اختلاف على ابن أبي ذئبٍ، ووقَفَها غيرُهم. وقدْ رَوَى ابنُ وهْب (٢) هذا الحديثَ [فجوَّدهُ] (٣)، وبيَّنَ أن هذهِ اللفظةَ منْ قولِ ابن المسيِّبِ، وكذَا أبو داودَ في المراسيلِ قوَّى أنَّها منْ قولِه. ومعنَى لا يغلق لا يستحقُّه المرتهنُ إذا عجزَ صاحبُه عَنْ فَكِّهِ. والحديثُ قد وردَ لإبطالِ ما كانَ عليهِ الجاهليةُ من غلاق الرهنِ عندَ المرتهنِ، وبيانِ أن زيادتَهُ للمرتهنِ ونفقتُه عليهِ كما سلَفَ فيما قبلَهُ. الدليل على جواز قرض الحيوان ٧/ ٨١٣ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَسلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبلٌ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِع أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَقَالَ: لا أجِدُ إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: "أَعْطِهِ إيَّاهُ، فإنَّ خِيَارَ الناسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] وهوَ منْ أحاديثِ بابِ القرضِ، والأحاديثُ في فضْلِه والحثُّ عليهِ كثيرةٌ. (وعنْ أبي رافعٍ ﵁ أن النَّبي ﷺ استلَفَ منْ رجلٍ بَكْرًا) بفتحِ الموحدةِ، وسكونِ الكافِ، الصغيرُ منَ الإبلِ، (فقدِمَتْ عليهِ إبلٌ من إبلِ الصدقةِ، فأمرَ أبا رافعٍ أنْ يقضي الرجلَ بكرهُ، فقالَ: لا أجدُ إلَّا خِيارًا) - وفي لفظ لمسلم من حديث أبي رافع

стр. 1419

أيضًا: فقال: لم أجد إلا خيارًا - (١) (رَباعيًا)، [هوَ] (٢) بفتحِ الراءِ الذي يدخلُ في السَّنةِ السابعةِ، ويلقي (٣) رباعيتُه. (فقالَ: أعطهِ إياهُ؛ فإنَّ خيارَ الناسِ أحسنُهم قَضَاءً. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ (٤) الكلامُ على الخلافِ في قرضِ الحيوانِ. والحديثُ دليلٌ على جوازه، وأنَّه يستحب لمن عليه دينٌ من قرضٍ أو غيرهِ أنْ يردَّ أجودَ منَ الذي عليهِ، وأنَّ ذلكَ منْ مكارم الأخلاقِ المحمودةِ عُرْفًا وَشَرْعًا، ولا يدخلُ في القرضِ (٥) الذي يجرُّ نفعًا؛ لأنهُ لم يكنْ مشروطًا منَ المقرضِ، وإنَّما ذلكَ تبرُّعٌ منَ المستقرضِ، وظاهرُه العمومُ للزيادةِ عددًا أو صفةً. وقال مالكٌ (٦): الزيادةُ في العددِ لا تحِلُّ. ٨/ ٨١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "كل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا"، رَوَاهُ الْحَارِثُ (٧) بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ. [ضعيف] - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ عِنْدَ الْبَيْهَقِي (٨). [ضعيف] - وآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (٩). [ضعيف]

стр. 1420

(وعنْ عليِّ [بن أبي طالب] (١) ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ رِبًا. رواهُ الحارثُ بنُ أبي أسامةَ واسنادهُ ساقطٌ)، لأنَّ في إسناده سوار (٢) بنُ مصعبٍ الهمداني المؤذنُ الأعْمى، وهوَ متروكٌ. (ولهُ شاهدٌ ضعيفٌ عنْ فضالةَ بن عبيدٍ عند البيهقيِّ) أخرجهُ البيهقي في المعرفةِ (٣) بلفظِ: كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ وجْهٌ منْ وجوهِ الرِبا، (وآخرُ موقوفٌ عنْ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ عندَ البخاريِّ) لم أجده (٤) في البخاريِّ في بابِ الاستقراضِ، ولا نَسَبَهُ المصنفُ في "التلخيص" إلى البخاريِّ، بلْ قالَ (٥): إنهُ رواهُ البيهقيُّ في السُّننِ الكبير عن ابن مسعودٍ (٦)، وأُبي بن كعب (٧)، وعبدِ اللَّهِ بن سلامٍ (٨)، وابنِ عباسٍ (٩) موقوفًا عليهم، انتهى. فلوْ كانَ في البخاريِّ لما أهملَ نسبتَه إليهِ في "التلخيصِ". والحديثُ بعدَ صحتهِ لا بدَّ من التوفيقِ بينَه وبينَ ما تقدَّم، وذلكَ بأنَّ هذا محمولٌ على أن المنفعةَ مشروطةٌ منَ المقترض، أوْ في حكمِ المشروطةِ، وأما لوْ كانتْ تبرُّعًا منَ المقترضِ فقدْ تقدَّم أنهُ يستحبُّ له أنْ يُعطِي خيْرًا مما أخذَ. * * *

стр. 1421

[الباب السادس] باب التفليس والحَجْر هوَ لغةً: مصدرُ فلستُه، نَسَبْتُه إلى الإفلاسِ الذي هوَ مصدرُ أفلسَ، أي: صارَ إلى حالةٍ لا يملكُ فيها فَلْسًا. والحجْرُ هو لغةً مصدرُ حَجَرَ، أي: مَنَعَ وضيَّقَ. وشرْعًا قولُ الحاكمِ للمديونِ حجرتُ عليكَ التصرفَ في مالِكَ. من وجد متاعه عند مفلسَ فهو أحق به ١/ ٨١٥ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيرِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] - ورَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَمَالِكٌ (٣) مِنْ رِوَايَةِ أَبي بَكْر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ مُرْسلًا بِلَفْظِ: "أَيُّمَا رَجُلٌ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ
следующие страницы →