← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1417–1456 · переход к 1422.

стр. 1417

والقول الثالث: للأوزاعي (١) والليثِ، أن المرادَ منَ الحديثَ أنهُ إذا امتنعَ الراهنُ منَ الإنفاقِ على المرهونِ، فيباحُ حينئذٍ للمرتهنِ الإنفاقُ على الحيوانِ حِفْظًا لحياتِه، وجُعِلَ لهُ في مقابلة نفقته الانتفاعُ بالركوبِ، أو شربِ اللبنِ، بشرطِ أنْ لا يزيدَ قدرُ ذلكَ أو قيمتُه على قدْر عَلَفِه، وقوَّى هذا القولَ في الشرحِ، ولا يخْفَى أنهُ تقييدٌ للحديثِ بما لم يقيِّدْه بهِ الشارعُ، وإنما قيَّدَه بالضابطِ المتصيَّدِ منَ الأدلةِ، وهوَ أنّ كلَّ عينِ لغيرهِ في يدِه بإذنِ الشرعِ فإنهُ ينفقُ عليها بنيةِ الرجوعِ على المالكِ، ولهُ أنْ يؤَجِّرها أو يتصرف في لبنِها في قيمة العلفِ، إلَّا أنهُ إذا كانَ في البلدِ حاكمٌ ولم يستأذنْه فلا رجوعَ له بما أنفقَ، وتلزمُه غرامةُ المنفعةِ واللبنٍ، فإنْ لم يكنْ في البلدِ حاكمٌ، أو كانَ الحيوانُ يتضررُ بمدةِ الرجوع إلى الحاكم، فلهُ أنْ ينفقَ ويرجعَ بما أنفقَ، إلا أنهُ قدْ يقالُ إنَّها قاعدةٌ عامةٌ فَتُخَصُّ بحديث الكتابِ. ٦/ ٨١٢ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الذي رَهنَه، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيهِ غُرْمُهُ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ (٢)، وَالْحَاكِمُ (٣)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلا أَنَّ الْمَحْفُوظَ عنْدَ أَبي دَاوُدَ (٤) وَغَيْرِهِ إِرْسَالُهُ. [ضعيف] (وعنهُ) أي أبي هريرةَ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يَغْلَقُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ، وغينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، ولام مفتوحةٍ وقافٍ. يقالُ: غلقَ الرهن إذا خرجَ عنْ مُلْكِ الراهنِ واستَولَى عليهِ المرتهنُ بسببِ عجزْهِ عنْ أداء ما رهَنَه فيهِ، وكانَ هذا عادةَ العربِ فنهى عنه النبي ﷺ (الرهنُ منْ صاحبِه الذي رهَنَه. لهُ غُنْمُه)

стр. 1418

زيادتُه: (وعليهِ غُرْمُه) هلاكُه ونَفَقَتُه (رواهُ الدارقطنيُّ، والحاكم، ورجاله ثقاتٌ إلا أن المحفوظَ عندَ أبي داودَ وغيرهِ إرسالُه). قالَ الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ (١) ﵁: اختُلفَ في قولِه: له غُنْمُه وعليهِ غُرْمُهُ، فقيلَ: هيَ مدرجةٌ منْ قولِ سعيدِ بن المسيِّبِ. قالَ: ورفَعَهَا ابنُ أبي ذِئْبٍ ومعمر وغيرُهما معَ كونِهم أرسلُوا الحديثَ على اختلاف على ابن أبي ذئبٍ، ووقَفَها غيرُهم. وقدْ رَوَى ابنُ وهْب (٢) هذا الحديثَ [فجوَّدهُ] (٣)، وبيَّنَ أن هذهِ اللفظةَ منْ قولِ ابن المسيِّبِ، وكذَا أبو داودَ في المراسيلِ قوَّى أنَّها منْ قولِه. ومعنَى لا يغلق لا يستحقُّه المرتهنُ إذا عجزَ صاحبُه عَنْ فَكِّهِ. والحديثُ قد وردَ لإبطالِ ما كانَ عليهِ الجاهليةُ من غلاق الرهنِ عندَ المرتهنِ، وبيانِ أن زيادتَهُ للمرتهنِ ونفقتُه عليهِ كما سلَفَ فيما قبلَهُ. الدليل على جواز قرض الحيوان ٧/ ٨١٣ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَسلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبلٌ مِنْ إبلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِع أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُل بَكْرَهُ، فَقَالَ: لا أجِدُ إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ: "أَعْطِهِ إيَّاهُ، فإنَّ خِيَارَ الناسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] وهوَ منْ أحاديثِ بابِ القرضِ، والأحاديثُ في فضْلِه والحثُّ عليهِ كثيرةٌ. (وعنْ أبي رافعٍ ﵁ أن النَّبي ﷺ استلَفَ منْ رجلٍ بَكْرًا) بفتحِ الموحدةِ، وسكونِ الكافِ، الصغيرُ منَ الإبلِ، (فقدِمَتْ عليهِ إبلٌ من إبلِ الصدقةِ، فأمرَ أبا رافعٍ أنْ يقضي الرجلَ بكرهُ، فقالَ: لا أجدُ إلَّا خِيارًا) - وفي لفظ لمسلم من حديث أبي رافع

стр. 1419

أيضًا: فقال: لم أجد إلا خيارًا - (١) (رَباعيًا)، [هوَ] (٢) بفتحِ الراءِ الذي يدخلُ في السَّنةِ السابعةِ، ويلقي (٣) رباعيتُه. (فقالَ: أعطهِ إياهُ؛ فإنَّ خيارَ الناسِ أحسنُهم قَضَاءً. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ (٤) الكلامُ على الخلافِ في قرضِ الحيوانِ. والحديثُ دليلٌ على جوازه، وأنَّه يستحب لمن عليه دينٌ من قرضٍ أو غيرهِ أنْ يردَّ أجودَ منَ الذي عليهِ، وأنَّ ذلكَ منْ مكارم الأخلاقِ المحمودةِ عُرْفًا وَشَرْعًا، ولا يدخلُ في القرضِ (٥) الذي يجرُّ نفعًا؛ لأنهُ لم يكنْ مشروطًا منَ المقرضِ، وإنَّما ذلكَ تبرُّعٌ منَ المستقرضِ، وظاهرُه العمومُ للزيادةِ عددًا أو صفةً. وقال مالكٌ (٦): الزيادةُ في العددِ لا تحِلُّ. ٨/ ٨١٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ : "كل قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا"، رَوَاهُ الْحَارِثُ (٧) بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، وَإِسْنَادُهُ سَاقِطٌ. [ضعيف] - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ عِنْدَ الْبَيْهَقِي (٨). [ضعيف] - وآخَرُ مَوْقُوفٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (٩). [ضعيف]

стр. 1420

(وعنْ عليِّ [بن أبي طالب] (١) ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ رِبًا. رواهُ الحارثُ بنُ أبي أسامةَ واسنادهُ ساقطٌ)، لأنَّ في إسناده سوار (٢) بنُ مصعبٍ الهمداني المؤذنُ الأعْمى، وهوَ متروكٌ. (ولهُ شاهدٌ ضعيفٌ عنْ فضالةَ بن عبيدٍ عند البيهقيِّ) أخرجهُ البيهقي في المعرفةِ (٣) بلفظِ: كلُّ قرضٍ جرَّ منفعةً فهوَ وجْهٌ منْ وجوهِ الرِبا، (وآخرُ موقوفٌ عنْ عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ عندَ البخاريِّ) لم أجده (٤) في البخاريِّ في بابِ الاستقراضِ، ولا نَسَبَهُ المصنفُ في "التلخيص" إلى البخاريِّ، بلْ قالَ (٥): إنهُ رواهُ البيهقيُّ في السُّننِ الكبير عن ابن مسعودٍ (٦)، وأُبي بن كعب (٧)، وعبدِ اللَّهِ بن سلامٍ (٨)، وابنِ عباسٍ (٩) موقوفًا عليهم، انتهى. فلوْ كانَ في البخاريِّ لما أهملَ نسبتَه إليهِ في "التلخيصِ". والحديثُ بعدَ صحتهِ لا بدَّ من التوفيقِ بينَه وبينَ ما تقدَّم، وذلكَ بأنَّ هذا محمولٌ على أن المنفعةَ مشروطةٌ منَ المقترض، أوْ في حكمِ المشروطةِ، وأما لوْ كانتْ تبرُّعًا منَ المقترضِ فقدْ تقدَّم أنهُ يستحبُّ له أنْ يُعطِي خيْرًا مما أخذَ. * * *

стр. 1421

[الباب السادس] باب التفليس والحَجْر هوَ لغةً: مصدرُ فلستُه، نَسَبْتُه إلى الإفلاسِ الذي هوَ مصدرُ أفلسَ، أي: صارَ إلى حالةٍ لا يملكُ فيها فَلْسًا. والحجْرُ هو لغةً مصدرُ حَجَرَ، أي: مَنَعَ وضيَّقَ. وشرْعًا قولُ الحاكمِ للمديونِ حجرتُ عليكَ التصرفَ في مالِكَ. من وجد متاعه عند مفلسَ فهو أحق به ١/ ٨١٥ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَينِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيرِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] - ورَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَمَالِكٌ (٣) مِنْ رِوَايَةِ أَبي بَكْر بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ مُرْسلًا بِلَفْظِ: "أَيُّمَا رَجُلٌ بَاعَ مَتَاعًا فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ وَلَمْ يَقْبضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيئًا، فَوَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ

стр. 1422

الْغُرَمَاءِ"، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ (١)، وَضَعَّفَهُ تبَعًا لأَبي دَاوُدَ (٢). [صحيح] - وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣)، وَابْنُ مَاجَهْ (٤) مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ خَلَدَةَ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ في صَاحِبٍ لنَا قَدْ أَفْلسَ، فَقَالَ: لأقْضِيَنَّ فِيكُمْ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَفْلَسَ أَو مَاتَ فَوَجَدَ رَجلٌ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ". وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٥)، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ (٦)، وَضَعَّفَ أيضًا هذِهِ الزيَادَةَ في ذِكْرِ الْمَوْتِ. [ضعيف] ترجمة أبي بكر بن عبد الرحمن (عنْ أبي بكرٍ بن عبدِ الرحمنِ) (٧) أي ابن الحارثِ بن هشامٍ المخزوميِّ، قاضي المدينةِ، تابعيٌّ سمعَ عائشةَ وأبا هريرةَ، رَوَى عنهُ الشعبيُّ والزُّهريُّ (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: سمعْنا رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: منْ أدركَ مالَه بعينِه) لم يتغيرْ بصفةٍ منَ الصفاتِ ولا بزيادةٍ ولا نُقْصَانٍ، (عندَ رجلٍ قدْ أفْلسَ فَهوَ أحقُّ بهِ منْ غيرهِ، متفقٌ عليهِ. ورواهُ أبو داودَ، ومالكٌ منْ روايةِ أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ مرسلًا). وقدْ وَصَلَهُ أبو داودَ (٨) منْ طريق أُخْرى فيها إسماعيلُ بنُ عياشٍ، إلا أنها منْ

стр. 1423

روايتهِ عن الشاميينَ، وروايتُه عنْهم صحيحةٌ (بلفظِ (١): أيُّما رجلٍ باعَ متاعًا فأفلسَ الذي ابتاعَه، ولم يقبض الذي باعَه منْ ثمنهِ شيئًا، فَوَجَدَ متاعَه بعينهِ فهوَ أحقُّ بهِ، وإنْ ماتَ المشتري فصاحبُ المتاعِ أسوة الغرماءِ. ووصلَه البيهقيُّ، وضعَّفهُ تبْعًا لأبي داودَ). راجعْنا سننَ أبي داودَ فلمْ نجدْ فيها تضعيفًا للروايةِ هذهِ، بلْ قالَ في هذهِ الروايةِ بعدَ إخراجهِ لها منْ طريقِ مالكٍ: وحديثُ مالك أصحُّ، يريدُ أنهُ أصحُّ (٢) منْ روايةِ أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ التي ساقَها أبو داودَ (٣)، وفيها قال أَبو بكرٍ: "قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن مَنْ تُوُفِّيَ وعندَه سلعةُ رجلٍ بعينِها لم يقبض منْ ثمنِها شيئًا، فصاحبُ السلعةِ أسوةُ الغرماءِ فيها". ولم يتكلم الشارحُ ﵀ على هذا بشيءٍ، (وروى أبو داودَ، وابنُ ماجهْ منْ روايةِ عمرَ بن خَلَدة) بفتحِ الخاءِ المعجمةِ، واللام، ودالٍ مهملةٍ (قالَ: أتيْنا با هريرةَ في صاحبٍ لنا قدْ أفلسَ فقالَ: لأقضينَّ فيكم بقضاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، مَنْ أَفلسَ أو ماتَ، فوجدَ رجلٌ متاعَه بعينِه فهوَ أحقُّ بهِ. وصحَّحهُ الحاكمُ، وضعَّفَهُ أبو داودَ، وضعَّفَ أيضًا هذهِ الزيادةَ في ذكرِ الموتِ). سكتَ عليهِ الشارحُ، وقدْ راجعتُ سننَ أبي داودَ فلم أجدْ فيها تضعيفًا (٤) لروايةِ عمرَ بن خلدةَ، بلْ قالَ البيهقيُّ (٥) بعدَ روايته لحديث أبي بكرِ بن عبدِ الرحمنِ المرسلةِ التي ساقَ لفظَها المصنفُ هنا بلفظِ: أيمَّا رجلٍ إلى آخرهِ. إنهُ قالَ الشافعيُّ: روايةُ عمرَ بن خلدةَ (٦) أَوْلَى منْ روايةِ أبي بكرٍ هذه. قالَ: لأنَّها موصولة جَمَعَ فيها النبيُّ ﷺ بينَ الموتِ والإفلاسِ. قالَ: وحديثُ ابن شهاب - يريدُ بهِ روايةَ أبي بكرٍ بن عبدِ الرحمنِ المذكورةَ - منقطعٌ، وساقَ في ذلكَ كلامًا كثيرًا يرجحُ بهِ روايةَ عمرَ بن خلدةَ، فلا أدري كيف كلام

стр. 1424

المصنف ﵀ هنا، وروايته عن أبي داود، وتضعيف رواية عمر بن خلدة فَلْيُنْظَرْ. هذا الحديثُ اشتملَ على مسائلَ: الأولى: أنهُ إذا وجدَ البائغ متاعَهُ عندَ مَنْ شراهُ منهُ، وقدْ أفلسَ، فإنهُ أحقُّ بمتاعِه منْ سائرِ الغرماءِ، فيأخذُه إذا كانَ لهُ غرماءُ، وعمومُ قولِه: منْ أدركَ مالَه، يعمُّ مَنْ كانَ لهُ مالٌ عندَ الآخرِ بقرضٍ أو بيعٍ، وإنْ كانَ قدْ وردتْ أحاديثُ مصرَّحة بلفظِ البيعِ، فقدْ أخرجَ ابن خزيمةَ، وابنُ حبانَ (١) وغيرُهما الحديثَ بلفظِ: "إذا ابتاعَ الرجلُ سلعة ثمَّ أفلسَ وهي عندَه بعينها فهوَ أحقُّ بها منَ الغرماءِ"، فقدْ عرفَ في الأصولِ أن الخاصَّ الموافقَ للعامِّ لا يخصِّصُ العامَّ (٢) إلا عندَ أبي ثورٍ (٣)، وقدْ زَّيفُوا ما ذهبَ إليهِ منْ ذلكَ، ولذلكَ ذهبَ الشافعيُّ (٤) وآخرونَ إلى أن المقرضَ أَوْلى بمالهِ في القرضِ، كما أنهُ أَوْلَى بهِ في البيعِ، وذهبَ غيرُه إلى أنهُ يختصُّ ذلكَ بالبيعِ [لتصريحه] (٥) بهِ في أحاديثِ البابِ، لكنْ قدْ عرفْتَ أن ذلكَ لا يخص عمومَ حديثِ البابِ. المسألةُ الثانيةُ: أفادَ قولُه بعينِه أنهُ إذا وُجِدَ وقد تغيَّر بصفةٍ منَ الصفاتِ، أو بزيادةٍ، أو نقصانٍ، فإنهُ ليسَ صاحبُه أَوْلَى بهِ بلْ يكونُ أسوةَ الغرماءِ. وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبتِ الهادويةُ (٦)، والشافعي (٧) أنهُ إذا تغيرتْ صفتُه بعيبٍ فللبائعِ أخذُه، ولا أرْشَ لهُ، وإن تغيَّرَ بزيادةٍ كانَ للمشتري غرامةُ تلكَ الزيادةِ وهيَ ما أنفقَ عليهِ حتَّى حصلتْ، وكذلكَ الفوائدُ للمشتري، ولو كانتْ متصلةً لأنَّها إنَّا حدثَتْ في ملكِه، ويلزمُ له قيمةُ ما لا حدَّ لبقائهِ كالشجرةِ إذا غرسَها، وإبقاءِ مالَه حدٌّ بلا أُجرةٍ كالزرعِ، وكذلكَ إذا نقصتِ العين بأن هلك بعضها، فلهُ أخذُ الباقي بحصتهِ منَ الثمنِ. والحديثُ يتناولُه لأنَّ الباقي مبيعٌ بعينهِ. المسألةُ الثالثةُ: دلَّ لفظُ حديث أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ المرسلُ أن البائعَ

стр. 1425

إذا كانَ قدْ قبضَ بعضَ الثمنِ فليسَ له حقٌّ في استرجاعِ المبيعِ، بلْ يكونُ أسوةَ الغرماءِ، وبهذَا أخذَ جمهورُ العلماءِ. وعندَ الهادويةِ (١)، وهوَ راجحُ قول الشافعيِّ (٢) أنهُ لا يصيرُ المبيع بقبضِ بعض ثمنهِ أسوةَ الغرماءِ بلِ البائعُ أَوْلَى به، وكأنَّ الشافعيَّ ذهبَ إلى هذا لأنهُ لم يصحَّ له الحديثُ (٣) المذكور، بلْ قالَ: إنهُ منقطعٌ، فمنْ قالَ بصحةِ الحديثِ وأنهُ موصولٌ قالَ بما قالهُ الجمهورُ، ومَنْ لا فلا. وفي وصْلِه وعدَمِه خِلافٌ منعهم مَنْ رجَّحَ إرسالَهُ، وهمْ أكثرُ الحفاظِ. المسألةُ الرابعةُ: قولُه: "فإنْ ماتَ المشتري فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ"، فيه حذفٌ تقديرُه فمتاعُ صاحبِ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ، وهذَا [دل] (٤) علَى التفرقةِ بينَ الموتِ والإفلاسِ، وإلى التفرقةِ بينَهما ذهبَ مالكٌ (٥)، وأحمدُ (٥) عملًا بهذهِ الروايةِ. قالُوا: ولأنَّ الميتَ بَرئَتْ ذِمَّتُه، وليسَ للغرماءِ محلٌّ يرجعونَ إليهِ فاسْتَوَوْا في ذلكَ، بخلافِ المفلسِ، وسواءٌ خَلَّفَ الميتُ وفاءً أوْ لا، وذهبتِ الهادويةُ (٦) إلى أنهُ إذا خَلَّفَ وفاءَ فليسَ البائعُ أَوْلَى بمتاعه بلْ يسلَّمُ الورثةُ الثَّمنَ منَ [تركته] (٧)، وحجَّتُهم أنهُ قدْ وردَ في حديثِ أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ زيادةُ لفظِ (٨): "إلا إنْ تركَ صاحبه وفاءً"، لكنْ قالَ الشافعيُّ (٩): يحتملُ أن الزيادةَ منْ [رأْي] أبي بكر بن عبدِ الرحمنِ، وقرينةُ الاحتمالِ أنّ الذينَ وصلُوهُ عنهُ لم يذكرُوا

стр. 1426

قضيةَ الموتِ، وكذلكَ الذينَ رَوَوْهُ عنْ أبي هريرةَ. وذهبَ الشافعيُّ (١) إلى أنهُ لا فرقَ بينَ الموتِ والإفلاسِ، وأنَّ صَاحِبَ المتاعِ أَوْلَى بمتاعهِ [لعموم] (٢): "مَنْ أدركَ مالَه عندَ رجلٍ"، الحديثُ المتفقُ عليهِ. قالَ: ولا فرقَ بينَ الموتِ والإفلاسِ، والتفرقةُ بينَهما بروايةِ أبي بكر بن عبدِ الرحمن، وقولُه فيها: فنْ ماتَ فصاحبُ المتاعِ أسوةُ الغرماءِ، غيرُ صحيحةٍ؛ لأنَّ الحديثَ مرسلٌ لم يصحَّ وصلُه، فلا يُعْمَلْ بهِ بلْ في روايةِ عمرَ بن خلدةَ التسويةُ بينَ الموتِ والإفلاسِ، وهوَ "حديثٌ (٣) حسنٌ يُحْتَجُّ بمثلِه". مطل الغني ظلم ٢/ ٨١٦ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤)، وَالنَّسَائِيُّ (٥)، وَعَلَّقَهُ الْبُخارِيُّ (٦)، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبّانَ (٧). [حسن] (وعنْ عمرو بن الشريدِ ﵁) بفتحِ الشينِ المعجمةِ، وكسرِ الراءِ، تابعيٌّ سمعَ ابنَ عباس [وغيرَه] (٨)، (عنْ أبيهِ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : ليُّ) بفتحِ اللامِ، ثمَّ مثناةٍ تحتيةٍ مشددةٍ، مصدرُ لوىَ يَلْوي أي مَطَلَ أضيفَ إلى فاعلِه، وهوَ (الواجدِ) بالجيمِ الغني، منَ الوُجْدِ بالضمِّ، أي: القدرةِ (يُحِلُّ) بضمِّ حرف المضارعَةِ (عرضَه وعقوبَتَهُ. رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وعلَّقهُ البخاري، وصحَّحهُ ابنُ حِبَّانَ)،

стр. 1427

وأخرجهُ أحمدُ، وابنُ ماجه، والبيهقيُّ، وفسَّرَ البخاريُّ (١) حلَّ العِرضِ بما علَّقه عنْ سفيانَ قال: يقولُ مَطَلَني، وعُقوبته حَبْسُهُ، وهوَ دليلٌ لزيدِ (٢) بن عليٍّ أنهُ يُحْبَسُ حتَّى يَقْضي دَيْنَهُ. وأجازَ الجمهورُ الحجْرَ وبيعَ الحاكم عنهُ مالَه، وهذا أيضًا داخلٌ تحتَ لفظِ عقوبتِه، لا سيَّما وتفسيرُها بالحبْسِ [غيرُ] (٣)، مرفوعٍ. ودلَّ الحديثُ على تحريمُ مُطْلِ الواجدِ، ولِذا [أبيحتْ] (٤) عقوبتُه، وإنَّما اختلفَ العلماءُ هل يبلغُ لَيّ الواجد الكبيرةَ فيفسُقُ، وتُرَدُّ شهادتُه بمطلِه مرةً واحدةً أمْ لا؟ فذهبتِ الهادويةُ (٥) إلى أنهُ يفسُقُ بذلكَ، واختلفوا في قدْرِ ما يفسقُ بهِ، فقالَ الجمهورُ منْهم: إنَّهُ يفسقُ بمطلِ عشرةِ دراهمَ فما فوقَ قياسًا على نصابِ السرقةِ، وفي كلامِ الهادي ﵇ ما يقضي بأنهُ يفسقُ بدونِ ذلكَ، وكذلكَ ذهبتْ إلى هذَا المالكية (٦) والشافعيةُ (٧) إلا أنَّهم تردَّدُوا في اشتراطِ التكرارِ، ومُقْتَضَى مذهبِ الشافعي اشتراطُه، ثمَّ يدلُّ بمفهومِه على أنَّ مُطْلَ غيرِ الواجدِ وهوَ المعسِرُ لا يحلُّ عرضُه ولا عقوبتُه، والحكمُ كذلكَ عندَ الجماهيرِ، وهو الذي دلَّ له قولُه تعالى: ﴿فَنَظِرةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٨). الحجر على المدين ٣/ ٨١٧ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَأَفْلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيهِ"، فتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلك وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيسَ لَكُمْ الَّا ذلِكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). [صحيح]

стр. 1428

(وعنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: أصيبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكثُرَ دَيْنُهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : تصدَّقُوا عليهِ، فتصدَّقَ الناسُ عليهِ، ولم يبلغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِه، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لغرمائهِ: خذُوا ما وجدتُم، وليسَ لكمْ إلا ذلكَ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ (١) في [الجمع بين] (٢) هذا الحديثِ، وحديثِ جابرٍ (٣). وقولُه: " [فليس] (٤) لكَ أنْ [تأخذَهُ] (٥) "، بأنَّ هذَا على جهةِ الاستحبابِ والحثِّ على جَبْرِ منْ حَدَثت عليه حادثة. ويدلُّ [له] (٦) أيضًا قولُه: "وليسَ لكَمْ إلَّا ذلكَ" على أن الثمرةَ غيرُ مضمونةٍ، إذْ لو كانتْ مضمونةً لقالَ: وما بقيَ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ، ونحوَه، إذِ الدَّيْنُ لا يسقطُ بإعسارِ المَدِيْنِ، وإنَّما تتأخرُ عَنهُ المطالبةُ في الحالِ، ومتَى أيسرَ وجبَ عليهِ القضاءُ. ٤/ ٨١٨ - وَعَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ مَالَهُ، وَبَاعَهُ في دَيْنٍ كَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطنِيُّ (٧)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٨) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٩) مُرْسَلًا، وَرُجّحَ إِرْسَالَهُ. [ضعيف] (وعنِ ابن كعب [بن مالكٍ] (١٠) (اسمُه عبدُ الرحمنِ، سمَّاهُ عبدُ الرزاقِ (١١) (عنْ أبيهِ أن النبِيَّ ﷺ حجَرَ على معاذٍ مالَه وباعَه في دَيْنٍ كانَ عليهِ. رواهُ الدارقطنيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ. وأخرجَه أبو داودَ مرسلًا، ورُجِّحَ إرسَالَهُ) قالَ عبدُ الحقِّ (١٢):

стр. 1429

المرسلُ أصحُّ منَ المتصلِ، وقالَ ابنُ الصلاحِ (١) في الأحكامِ: هوَ حديثٌ ثابتٌ، كانَ ذلكَ في سنةِ تسعِ، وجعلَ لغرمائِه خمسةَ أسباعِ حقوقِهم، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، بعْه لنا، فقالَ: "ليسَ لكم إليهِ سبيلٌ" (٢). وأخرجَهُ البيهقي منْ طريقِ الواقدي، وزادَ (٣) أنّ النبيَّ ﷺ بعثَه بعدَ ذلكَ إلى اليمنِ ليجبرَه. والحديثُ دليلٌ على أن الحاكمَ يحجرُ على المدينِ التصرفَ في مالهِ، ويبيعُه عنهُ لقضاءِ غرمائِه، والقولُ بأنهُ حكايةُ فعلٍ غيرُ صحيحٍ، فإنَّ هذَا فعلٌ لا يتمُّ إلا بأقوالٍ تصدرُ عنهُ ﷺ يحجرُ بها تصرفَه، وألفاظ يبيعُ بها مالَه وألفاظ يقضي بها غرماءَه، وما كان بهذِه المثابةِ لا يقالُ إنهُ حكايةُ فعلٍ، إنَّما حكايةُ الفعلِ مثلُ حديثِ (٤): "خَلَعَ نعلَه فَخَلَعُوا نِعَالَهم" كما لا يخْفَى. وظاهرُ الحديثِ أن مالَه كانَ مُسْتَغْرَقًا بالدَّيْنِ، فهلْ يلحقُ بهِ مَنْ لمْ يستغرقْ مالَه في الحجْرِ والبيعِ عنهُ كالواجدِ إذا مَطَلَ؟ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فقالَ جمهورُ الهادويةُ (٥) والشافعيُّ (٦): إنهُ يلحقُ بهِ فيحجرُ عليه، ويباعُ مالُه لأنهُ قدْ حَصَلَ المقتضي لذلكَ، وهوَ عدمُ المسارعةِ بقضاءِ الدَّينِ. وقالَ زيدُ (٧) بنُ عليٍّ، والحنفيةُ (٨): إنهُ لا يلحقُ بهِ فلا يحجرُ عليهِ، ولا

стр. 1430

يباعُ عنهُ بلْ يجبُ حبسهُ حتَّى يقضي دينَه لحديثِ (١): "إنهُ لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبةٍ منْ نفسهِ"، ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٢). ومقْتَضَى الحجْر والبيعِ إخراجُ المالِ منْ غيرِ طيبةٍ منْ نفسه ولا رِضًا. والجوابُ عنهُ بأنَّ الحديثَ والآيةَ عامَّانِ خُصِّصَا بحديثِ معاذٍ لا يتمُّ؛ لأنَّ حديثَ معاذٍ ليسَ إلا في المستغرِقِ مالَه بِدَينْهِ، والكلامُ في غيرهِ، وهوَ الواجدُ الماطلُ، فالأَوْلَى أنْ يُقَالَ إنهما خُصِّصَا بقياسِ الماطلِ الواجدِ على من [يستغرق] (٣) دَيْنُه مالَه، إلا أنهُ لا يخْفَى عدمُ نهوضِ القياسِ. نعمْ في حديثِ (٤): "ليُّ الواجدِ يحلُّ عرضُه وعقوبتُه" دليلٌ على أنهُ يُحْجَرُ عليهِ، ويباعُ عنهُ مالُه، فإنه داخلٌ تحتَ مفهومِ العقوبةِ، وتفسيرُها بالحبْسِ فقطْ مجردُ رأي مِنْ قائلِه. هذا وقدْ حكمَ عمرُ ﵁ في أسيفعِ جهينةَ كحكمِه ﷺ في معاذٍ، فأخرجَ مالًا في "الموطأ" (٥) بسندٍ منقطعٍ، ورواهُ الدارقطني (٦) في غرائبِ مالكٍ بإسنادٍ متصلٍ: "أن رجلًا منْ جُهينةَ كانَ يشتري الرواحلَ، فيغالي فيها، فيسرعُ المسيرَ فيسبقُ الحاجَّ،

стр. 1431

فأفلسَ فَرُفِعَ أمرُه إلى عمرَ [بن الخطابِ] (١) فقالَ: أما بعدُ: أيها الناسُ، فإنَّ الأسيفعَ أُسيْفعَ جهينةَ قدْ رَضيَ [من] (٢) دينِه وأمانتِه أنْ يُقَالَ سبقَ الحاجَّ، وفيهِ: إلَّا أنهُ أدانَ (٣) معرِضًا فأصبحَ وقدْ رِين (٤) بهِ - أي أحاطَ بهِ الدَّيْنُ - فمنْ كانَ له عليهِ دينٌ فليأتِنا بالغداةِ فنقسمُ مالَهُ بينَ غرمائهِ، وإياكمْ والدين، فإنَّ أولَه همٌّ وآخرَه حربٌ"، انتَهى. وأما قصةُ جابرٍ (٥) معَ غرماءِ أبيهِ، وهي أنهُ لما قُتِلَ أبوهُ في أُحُدٍ وعليهِ دَيْنٌ فاشتدَّ الغرماءُ في حقوقِهم، قالَ: "فأتيتُ النبيَّ ﷺ فسألَهم أنْ يقبلُوا ثمرَ حائطي، ويحلِّلُوا أبي فلمْ يعْطِهمُ النبي ﷺ حائطي، وقالَ: سنغدو عليكَ فَغَدا علينا حينَ أصبحَ فطافَ في النخلِ، ودَعَا في ثمرِها بالبركةِ فجذذْتها فقضيتُهم، وبقي لنا منْ ثمرها". فإنَّ فيها دليلًا على أنّ انتظارَ الغلةِ والتمكنَ منْها لا يعدُّ مُطلًا. قيلَ ويؤخذُ [منه] (٦) أن مَنْ كانَ له دخلٌ ينظرُ إلى دخْلهِ وإنْ طالتْ مدَّتُه، إذْ لا فرقَ بينَ المدةِ الطويلةِ والقصيرةِ في حقِّ الآدمي، ومَنْ لا دخلَ لهُ لا يُنْظَرُ، ويبيعُ الحاكمُ مالَه لأهلِ الدَّيْنِ. نعمْ وأما الحجْرُ على البالغِ لسفهٍ، وسوءِ تصرفٍ فقالَ به الشافعي (٧)، ولمْ يقلْ بهِ زيدُ بنُ عليٍّ، ولا أبو حنيفةَ (٨). وبوَّبَ لهُ البيهقيُّ في السننِ الكبرى (٩) بابُ الحجْرِ على البالغينَ بالسَّفَهِ، وذكرَ فيه بسندِه (١٠): "أن عبدَ اللَّهِ بنَ جعفرَ اشتَرى أرضًا بستمائةِ ألفِ درهمٍ، فهمَّ عليٌّ وعثمانُ أن يحجُرا عليهِ، قالَ: فلقيتُ الزبيرَ فقالَ: ما اشترى أحدٌ بيعًا أرخصَ مما اشتريتَ. قالَ: فذكرَ [له] (١١) عبدُ اللَّهِ الحجْرَ، قالَ: لو أن عندي مالًا

стр. 1432

لشاركْتُكَ. قالَ: فإني أقرضُك نصفَ المالِ، قالَ: فإني شريكُكَ، فأتاهُما عليٌّ وعثمانُ وهما يتراوضانِ، قَالا: ما تراوضانِ؟ فذكَرا لهُ الحجْرَ على عبدِ اللَّهِ بن جعفر فقال: أتحجرانِ على رجلٍ أنا شريكهُ؟ قالا: لا لعمري، قالَ: فإني شريكُه". وفي روايةٍ قالَ عثمانُ: "كيفَ أحجرُ على رجلٍ في بيعٍ شريكُه فيهِ الزبيرُ". قالَ الشافعي (١): فَعَلي لا يطلبُ الحجْرَ إلا وهوَ يراهُ، والزبيرُ لو كانَ الحجرُ باطلًا لقالَ لا يحجرُ على بالغٍ، وكذلك عثمانُ، بلْ كلُّهم يعرفُ الحجْرَ ثمَّ ساقَ (٢) حديثَ عائشةَ وإرادةُ عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ الحجرَ عليها، وغيرُ ذلكَ منَ الأدلةِ منْ أفعالِ السلفِ، ويستدلُّ لهُ بالحديثِ (٣) الصحيحِ، وهوَ النَّهيُ عنْ إضاعةِ المالِ؛ فإنَّ السَّفيهَ يضيعُه بسوءِ تصرُّفِهِ فيجبُ الإنكارُ عليهِ بحجرِه [عنهُ] (٤). قالَ النوويُّ (٥): والصغيرُ لا ينقطعُ عنهُ حكمُ اليتمِ بمجردِ علوِّ السنِّ، ولا بمجردِ البلوغِ، بلْ لا بدَّ أنْ يظهرَ منه الرشْدُ في دِيْنهِ ومالهِ. وقالَ أبو حنيفةَ (٦): إذا بلغَ خمسًا وعشرينَ سنةً يجبُ تسليمُ مالِه إليهِ، وإنْ كانَ غيرَ ضابطِ. أمارات البلوغ ٥/ ٨١٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٧). [صحيح]

стр. 1433

وَفي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقيِّ (١): فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ. وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: عُرِضْتُ على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عَشْرَةَ سنةً فلم يُجِزْنِي، وعُرِضْتُ عليهِ يومَ الخندقِ وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سنةً فأجازنِي. متفقٌ عليهِ. وفي رواية للبيهقيِّ: فلمْ يجزني ولمْ يرني بلغتُ، وصحَّحَها ابنُ خزيمةُ). وجْهُ ذكرِ الحديثِ هُنا أن مَنْ لم يبلغْ خمس عَشْرَةَ سنةً لا تنفذُ تصرفاتُه منْ بيع وغيرهِ، ومعنَى قولِه: لم يجزني، لم يجعلْ لي حكمَ الرجالِ [المقاتلين] (٢) في إيجابِ الجهادِ عليَّ وخروجي معهُ. وقولِه: فأجازني أي رآني فيمنَ يجبُ عليهِ الجهادُ، ويؤذنْ لهُ في الخروجِ إليهِ. وفيهِ دليلٌ على أن من استكملَ خمسَ عشْرَةَ سنةً صارَ مكلَّفًا بالغًا، لهُ أحكامُ الرجال وعليه، ومَنْ كانَ دونَها فلا. ويدلُّ لهُ قولُه فلمْ يرني بلغتُ، وناقشَ في الاستدلالِ بهِ بعض المتأخرينَ على البلوغ قائلًا إنَّ الإذنَ في الخروجِ للحروب يدورُ على الجَلادةِ والأهليةِ، فليسَ في ردِّهِ دليلٌ على أنهُ لأجل [عدم] (٣) البلوغِ، وفهمُ ابن عمرَ ليسَ بحجةٍ. قلتُ: وهوَ احتمالٌ بعيدٌ والصحابيُّ أعرفُ بما رواهُ. وفيه دليلٌ على أن الخندقَ كانتْ سنةَ أربعٍ من الهجرة، والقولُ بأنها سنةَ خمسٍ يردُّه هذا الحديثُ [و] (٤) لأنَّهم أجمعوا (٥) أنَّ أُحُدًا كانتْ سنةَ ثلاثٍ. ٦/ ٨٢٠ - وَعَنْ عَطِيّةَ الْقُرَظيِّ ﷺ قَالَ: عُرضْنَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خَلَّى سَبِيلهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخَلَّى سَبِيلي. رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (٦)،

стр. 1434

وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١)، وَالْحَاكِمُ (٢)، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. [صحيح] (وعنْ عطيةَ القرظيِّ ﵁) بضمِّ القاف، فراءٍ، نسبةً إلى بني قُرَيْظَةَ (قالَ: عُرِضْنا على النبي ﷺ يومَ قريظةَ، فكانَ مَنْ أنبتَ قُتِلَ، ومَنْ لا ينْبِتْ خلَّى سبيلَه، فكنتُ ممنْ لم يُنْبِتْ فخلَّى سبيلي. رواهُ الأربعة، وصحَّحَهُ ابن حبانَ، والحاكمُ، وقالَ: على شرط الشيخينِ)، وهوَ كما قالَ، إلا أنَّهما لم يُخْرِجَا لعطيةَ (٣). والحديثُ دليلٌ على أنهُ يحصلُ بالإنباتِ البلوغُ فتجري على مَنْ أنْبَتَ أحكامُ المكلفينَ ولعلَّه إجماعٌ. تصرف المرأة في مالها ٧/ ٨٢١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا". وَفي لَفْظٍ: "لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَمرٌ في مَالِهَا إذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عصْمَتَهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وأَصْحَابُ (٥) السُّنَنِ إلَّا التِّرْمِذِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٦). [صحيح] (عن عمروِ بنَ شعيبٍ، عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا [تجوز] (٧) لامرأةٍ عطيةٌ إلَّا بإذنِ زوجها. وفي لفظٍ: لا يجوز للمرأةِ أمرٌ في مالِها إذا ملكَ زوجُها عصمتَها. رواهُ أحمدُ، وأصحابُ السننِ إلَّا الترمذيّ، وصحَّحهُ الحاكمُ). قالَ الخطابيُّ (٨): حملَهُ الأكثرُ على حسنِ العشرةِ، واستطابةِ النفسِ، أو يحملُ على

стр. 1435

غيرِ الرشيدةِ. وقدْ ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ (١) للنساءِ: "تصدَّقْنَ"؛ فجعلتِ المرأةُ تلقي القِرْط، والخاتمَ، وبلالٌ يتلقاهُ بردائِه، وهذه عطيةٌ بغيرِ إذْنِ الزوجِ. انتهى. وهذَا مذهبُ الجمهورِ مستدلينَ بمفهوماتَ الكتابِ والسنةِ، ولم يذهبْ إلى معنَى الحديثِ إلَّا طاوسُ (٢) فقالَ: إنَّ المرأةَ محجورةٌ عنْ مالِها إذا كانتْ مزوجةً إلا فيما أَذِنَ لها فيهِ الزوجُ. وذَهَبَ (٣) مالكٌ إلى أنْ تصرُّفَها منَ الثلثِ. من تحل له المسألة ٨/ ٨٢٢ - وَعَنْ قَبيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأَحَدِ ثلاثة: رَجُل تَحَمّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يصِيبَها، ثُم يُمْسِك، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ، وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتى يَقُولَ ثَلاثةٌ مِنْ ذَوي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وعنْ قبيصة) بفتحِ القافِ، فموحدةٍ، فمثناةٍ تحتيةٍ، فصاب مهملةٍ (ابن مخارقٍ) بضمِّ الميمِ، فخاءٍ معجمةٍ، فراءٍ مكسورةٍ (قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدِ ثلاثةٍ: رجلٍ تحمَّلَ حمالةً) بفتحِ الحاءِ المهملةِ، وتخفيفِ الميمِ، (فحلَّتْ له المسألةُ حتَّى يصيَبها، ثمَّ يمسك، ورجلٍ أصابتْه جائحةٌ اجتاحتْ مالَه فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتَّى يصيبَ قوامًا منْ عيشٍ، ورجلٍ أصابتْه فاقةٌ حتَّى يقومَ ثلاثةٌ منْ ذوي الحِجَا منْ قومِه قائلين: لقدْ [أصابت] (٥) فلانًا فاقة فحلَّتْ لهُ المسألةُ. رواهُ مسلمٌ). قدْ تقدَّمَ بلفظهِ في بابِ قسمةِ الصدقاتِ، ولعلَّ إعادتَهُ هنا أن الرجلَ الذي تحمَّلَ حمالةً قدْ لزِمَهُ دَيْنٌ فلا يكونُ لهُ حكمُ المفلِسِ في الحجْرِ عليهِ، بلْ يُتْرَكُ حتَّى يسألَ الناسَ فيقضي دينَه، وهذا يستقيمُ على القواعدِ إذا لم يكنْ قدْ ضمنَ ذلكَ المالَ.

стр. 1436

[الباب السابع] باب الصلح قدْ قسَّمَ العُلَماءُ الصُّلْحَ أقسامًا، صُلحَ المسلمِ معَ الكافرِ، والصلحَ بينَ الزوجينِ، والصلحَ بينَ الفئةِ الباغيةِ والعادلةِ، والصلحَ بينَ المتقاضيينِ، والصلحَ في الجراحِ كالعفوِ على مالٍ، والصلحَ لقطعِ الخصومةِ إذا وقعتْ في الأملاكِ والحقوقِ، وهذا القسْمُ هوَ المرادُ هنا وهوَ الذي يذكرُه الفقهاءُ في بابِ الصلحِ. ١/ ٨٢٣ - عَن عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا. والْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حلالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وصَحّحَهُ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ، لأَنَّ رَاوِيهُ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ضَعِيفٌ، وَكأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ. [صحيح لغيره] - وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. [صحيح لغيره]

стр. 1437

(عنْ عَمْروِ بن عَوْفٍ المزنيِّ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: الصُّلحُ جائزٌ بينَ المسلمينَ إلَّا صُلْحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا، والمسلمونَ)، وفي لفظ لأبي (١) داودَ: والمؤمنونَ (٢) (على شروطِهم، إلَّا شَرْطًا حرَّمَ حلالًا، أو أحلَّ حرامًا. رواهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ، وأنكرُوا عليهِ لأنهُ منْ روايةِ كثيرِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمروِ بن عوفٍ، وهوَ ضعيفٌ) كذَّبهُ الشافعيُّ، وتركَهُ أحمدُ. وفي الميزانِ (٣) عن ابن حبانَ: لهُ عنْ أبيهِ، عنْ جدِّهِ نسخةٌ موضوعةٌ. وقالَ الشافعي وأبو داودَ: هوَ ركنٌ منْ أركانِ الكذبِ، واعتذَر المصنِّفُ للترمذي بقوله: (وكأنهُ اعتبَرهُ بكثرةِ طُرُقِهِ. وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ منْ حديثِ أبي هريرةَ). فيهِ مسألتانِ: الأُولى: في أحكامِ الصُّلحِ: وهوَ أن وضْعَهُ مشروطٌ فيهِ المراضاةُ لقولِه جائزٌ أي أنهُ ليسَ بحكمٍ لازمٍ يقضي بهِ وإنْ لمْ يرضَ بهِ الخصمُ، وهوَ جائزٌ أيضًا بينَ غيرِ المسلمينِ منَ الكفارِ، فتعتبرُ أحكامُ الصُّلْحِ بينَهم، وإنَّما خَصَّ المسلمينِ بالذكرِ لأنَّهم المعْتَبَرُونَ في الخطابِ المنقادونَ لأحكامِ السنةِ والكتابِ، وظاهرُه عمومُ صِحةِ الصُّلْحِ سواءٌ كانَ قبلَ اتضاحِ الحقِّ للخصمِ أو بعدَهُ، ويدلُّ للأولِ قصةُ (٤)

стр. 1438

الزبيرِ والأنصاريِّ، فإنهُ ﷺ لم يكنْ قدْ أبانَ للزبيرِ ما يستحقه، وأمرَهُ أنْ يأخذَ بعضَ ما يستحقُهُ على جهة الإصلاحِ، فلمَّا لم يقبلِ الأنصاريُّ بالصلحِ وطلبَ مُرَّ الحقّ أبانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ للزبيرِ قدْرَ ما يستحقه، كذا قاله الشارحُ. والثابتُ أن هذا ليسَ منَ الصُّلْحِ معَ الإنكارِ، بلْ منَ الصلحِ معَ سكوتِ المدَّعَى عليهِ، وهيَ مسألةٌ مسْتَقِلَّةٌ، وذلكَ لأنَّ الزبيرَ لم يكنْ عالمًا بالحقِّ الذي لهُ حتَّى يذعن بالصلحِ بلْ هذَا أولُ التشريعِ في قدْرِ السُّقْيا، والتحقيقُ أنهُ لا يكونُ الصلحُ إلَّا هكذَا، وأما بعدَ إبانةِ الحقِ للخصمِ فإنما يُطْلَبُ منْ صاحبِ الحق أن يتركَ لخصمِه بعضَ ما يستحقُّه. وإلى جوازِ الصلحِ على الإنكارِ ذهبَ مالكٌ (١)، وأحمدُ (٢)، وأبو حنيفةَ (٣). وخالفَ في ذلكَ الهادويةُ (٤)، والشافعي (٥) وقالُوا: لا يصحُّ [الصلحُ] (٦) معَ الإنكارِ، ومعنَى عدمِ صحتهِ أنهُ لا يطيبُ مالُ الخصمِ معَ إنكارِ المصالحِ، وذلكَ حيثُ يدَّعي عليهِ آخَرُ عَيْنًا أو دَيْنًا فَيُصَالَحُ ببعضِ العينِ أو الدَّيْنِ معَ إنكارِ خَصْمِهِ، فإنَّ الباقي لا يطيبُ لهُ بلْ يجبُ عليهِ تسليمُه لقوله (٧) ﷺ : "لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبةٍ منْ نفسه"، وقولُه تعالَى: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ (٨). وأُجِيْبَ بأنَّها قدْ وقعتْ طِيبةُ النفسِ بالرِّضَا بالصلحِ، وعقدُ الصلحِ قدْ صارَ في حكمِ عقدِ المعاوضةِ، فيحلُّ لهُ ما بقيَ.

стр. 1439

قلتُ: الأَوْلَى أنْ يُقَالَ إنْ كانَ المدَّعي يعلمُ أن لهُ حقًّا عندَ خَصْمِهِ جازَ لهُ قَبْضُ ما صُولِحَ عليهِ، وإنْ كانَ خصمُه منكرًا، وإنْ كانَ يدعي باطلًا فإنهُ يحرمُ عليهِ الدَّعْوى وأخذُ ما صولحَ بهِ، والمدَّعَى عليهِ إنْ كانَ عندَه حقٌّ يعلمُه، وإنَّما ينكِرُ لغرضٍ وجبَ عليهِ تَسْلِيمُ ما صولحَ بهِ عليهِ، وإنْ كانَ يعلمُ أنهُ ليسَ عندَه حقٌّ جازَ لهُ إعطاءُ جُزْءٍ منْ مالهِ في دَفْعِ شجارِ غريم وأذيتِهِ، وحَرُمَ على المدَّعي أخذُه، وبهذَا تجتمعُ الأدلةُ فلا يقالُ الصلحُ على (١) الإنكارِ لا يصحُّ، ولا أنه يصحُّ على الإطلاقِ بلْ يُفَصَّلُ فيهِ. المسألةُ الثانيةُ: ما [أفاده] (٢) قولُه: والمسلمونَ على شروطِهم - أي ثابتون عليها، واقفونَ عندَها. وفي تعديتِه بعَلَى ووصفهِم بالإسلامِ أوِ الإيمانِ دلالةٌ على عُلُوِّ مرتبتِهِمْ، وأنَّهم لا يُخِلُّونَ بشروطِهم، وفيهِ دلالةٌ على لزومٍ الشرطِ إذا شرطَهُ المسلمُ إلا ما استثناهُ في الحديثِ. وللمفرِّعينَ تفاصيلُ في الشروطِ، وتقاسيمُ منْها ما يصحُّ ويلزمُ حكْمُهُ، ومنها ما لا يصحُّ ولا يلزمُ، ومنها ما يصحُّ ويلزمُ منهُ فسادُ العقدِ، وهي هنالكَ مبسوطةٌ بعللٍ ومناسباتِ. وللبخاريِّ في كتابِ الشروطِ (٣) تفاصيلُ كثيرةٌ معروفةٌ. وقولُه: "إلَّا شرطًا حرَّمَ حلالًا"، وذلكَ كاشتراطِ البائعِ أنْ لا يطأ الأمةَ، أو أحلَّ حرامًا مثلَ أنْ يشترطَ وطءَ الأمةِ التي حرَّمَ اللَّهُ [عليهِ] (٤) وطْأَها. انتفاع الجارد بحائط جاره ٢/ ٨٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبةً فِي جِدَارِهِ"، ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ واللَّهِ لأرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 1440

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا يَمْنَعْ) يُرْوَى بالرفعِ على الخبرِ، والجزمِ على النَّهْي (جارٌ جارَه أنْ يغرزَ خشبة) بالإفرادِ، وفي لفظٍ: خشبَهُ بالجمعِ (في جدارِهِ، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: ما لي أراكم عنها معرضينَ؟ واللَّهِ لأرمينَّ بها بين أكنافكم) بالنون (١) جمْعُ كَنِفٍ - بفتحها - وهو الجانب (متفقٌ عليه). وفي [رواية] (٢) لأبي داود (٣): فَنَكَسُوا رؤُوسَهم. ولأحمدَ (٤): حينَ حدَّثهم بذلكَ طأطأوا رؤوسَهم. والمرادُ المخاطبونَ، وهذا قالَهُ أبو هريرةَ أيامَ إمارتِه على المدينةِ في زمنِ مروانَ، فإنهُ كانَ يستخلفُه فيها، فالمخاطبونَ ممنْ يجوزُ أنَّهم جاهلونَ بذلكَ وليْسُوا بصحابةٍ. وقد رَوَى أحمدُ (٥)، وعبدُ الرزاقِ (٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ: "لا ضررَ ولا ضِرارَ، وللرجلِ أنْ يضعَ خشبة في حائطِ جارِه". الحديثُ دليلٌ أنهُ ليسَ للجارِ أنْ يمنعَ جارَهُ منْ وضْع خشبةٍ على جدارِه، وأنهُ إذا امتنعَ عنْ ذلكَ أجْبِرَ لأنهُ حق ثابتٌ لجارِهِ، وإلى هذا ذهبَ أحمدُ (٧)، وإسحاقُ وغيرُهما من أصحاب الحديث عملًا بالحديثِ، وذهبَ إليهِ الشافعيُّ (٨) وفي القديم، وقضَى بهِ عمرُ في أيامِ وُفُورِ الصحابةِ، وقالَ الشافعيُّ: إنَّ عمرَ لم يخالفْه أحدٌ منَ الصحابةِ: وهوَ فيما رواهُ مالكٌ (٩) بسندٍ صحيح: أن الضحاكَ بنَ خليفةَ سألهُ محمدُ بنُ مسلمةَ أنْ يسوقَ خليجًا له فَيُجْرِيَهُ في أرضٍ لمحمدِ بن مَسْلَمَةَ فامتنعَ، فكلَّمهُ عمرُ في ذلكَ فأبَى فقالَ: واللَّهِ ليمرنَّ بهِ ولو على بَطْنِكَ.

стр. 1441

وهذَا نظيرُ قصةِ [حديث] (١) أبي هريرةَ، وعمَّمَهُ عمرُ في كُلِّ ما يحتاجُ الجارُ إلى الانتفاعِ بهِ منْ دارِ جارهِ وأرضهِ. وذهبَ آخرونَ إلى أنهُ لا يجوزُ أنْ يضعَ خشبةً إلَّا بإذنِ جارهِ، فإنْ لم يأذنْ له لم يجزْ. قالُوا: لأنَّ أدلةَ (٢) "لا يحلَّ مالُ امرئٍ مسلم إلا بطيبةٍ منْ نفسِه" تَمْنَعُ هذَا الحكمَ فهوَ للتّنزِيهِ. وأجيبَ عنهُ بما [قاله] (٣) البيهقيُّ (٤): لم نجدْ في السننِ الصحيحةِ ما يعارِضُ هذا الحكمَ إلا عموماتٌ لا ينكرُ أن يخصَّها، وقد حملَه الراوي على ظاهرهِ منَ التحريمِ، وهوَ أعلمُ بالمرادِ بدليلِ قولِه: "ما لي أراكم [عنها] (٥) معرضين"؛ فإنهُ استنكارٌ لإعراضِهم، دالٌّ على أن ذلكَ للتحريمِ. قالَ الخطابيُّ (٦): معنَى قولِه: "بينَ أكتافِكم" إنْ لم تقبلُوا هذا الحكمَ وتعملُوا بهِ راضينَ لأجعلنَّها - أي الخشبةَ - على رقابِكم كارهينَ. قالَ: وأرادَ بذلكَ المبالغة. قلت: والذي يتبادرُ أنَّ المرادَ لأرمينَّها أي هذهِ السنة المأمورَ بها بينكم بلاغًا لِما تحمَّلْتُه منْها، وخروجًا عنْ كَتْمِها وإقامة الحجةِ عليكمْ بها. حرمة اغتصاب المال ٣/ ٨٢٥ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لامْرِئٍ أنْ يَأخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (٧)، وَالْحَاكِم (٨) في صَحِيحَيْهِمَا. [صحيح] (وعنْ أبي حُمَيْدِ الساعديِّ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : لا يحلُّ لامرئٍ أنْ يأخذَ

стр. 1442

عَصَا أخيهِ بغيرِ [طيبةِ] (١) نفسٍ منهُ. رواهُ الحاكمُ، وابن حبانَ في صحيحيْهما). وفي البابِ أحاديثُ كثيرةٌ [في معناهُ] (٢)، وأخرجَ الشيخانِ (٣) منْ حديثِ (٤) عمرَ: "لا يحلبنّ أَحدٌ ماشيةَ أحدٍ بغيرِ إذْنِهِ". وأخرجَ أبو داودَ (٥)، والترمذيُّ (٦)، والبيهقي (٧) منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن السائبِ بن يزيدَ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ بلفظِ: "لا يأخذْ أحدُكم متاعَ أخيهِ لاعِبًا ولا جادًا". والأحاديثُ دالةٌ على تحريمِ مالِ المسلمِ إلا بطيبةٍ من نفسهِ وإنْ قلَّ، والإجماعُ واقعٌ على ذلك، وإيرادُ المصنفِ ﵀ لحديثِ أبي حميدٍ عقيبَ حديثِ أبي هريرةَ إشارةٌ إلى تأويلِ حديثِ أبي هريرةَ، وأنهُ محمولٌ على التنزيهِ كما هوَ قولُ الشافعي (٨) في الجديدِ. ويردُّ عليهِ أنهُ إنما يحتاجُ إلى التأويلِ إذا تعذَّرَ الجمع، وهوَ هنا ممكنٌ بالتخصيصِ؛ فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ خاصٌّ وتلكَ الأدلةُ عامة كما عرفتَ، وقدْ أُخْرِجَ منْ عمومِها أشياءُ كثيرةٌ كأخْذِ الزكاة كرْهًا، وكالشُّفْعَةِ، وإطعامِ المضطَّرِّ، ونفقةِ القريبِ المعسِرِ، والزوجةِ، وكثيرٍ منَ الحقوقِ الماليةِ التي لا يخرجُها المالكُ برضاه، فإنَّها تُوخذُ [منهُ] (٩) كَرْهًا، وَغَرزُ الخشبةِ منْها على أنهُ مجردُ انتفاعٍ والعينُ باقيةٌ. * * *

стр. 1443

[الباب الثامن] باب الحوالة والضمان الحوالةُ بفتحِ الحاءِ وقدْ تُكْسَرُ، حقيقتُها عندَ الفقهاءِ: نَقْلُ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ. واختلفُوا [فيها] (١) هلْ هيَ بيعُ دينٍ بدينٍ رُخِّصَ فيهِ، وأُخرجَ منَ النَّهي عنْ بيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، أوْ هيَ استيفاءٌ؟ وقيلَ: هيَ عقدُ إرفاقٍ مستقل، ويشترطُ فيها لفظُها، ورضَا المحيلِ بلا خلافٍ، والمحالُ عندَ الأكثرِ، والمحالُ عليهِ عندَ البعضِ، وتماثلُ الصفاتِ، وأنْ تكونَ في شيء معلوم، ومنْهم مَنْ خصَّها بالنقدين دونَ الطعامِ، لأنهُ بيعُ طعامٍ قبلَ أنْ يُسْتَوْفَى. مطل الغني ظلم ١/ ٨٢٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيُتْبَعْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وفي رِوَايَةٍ لأحْمَد (٣): "وَمَنْ أُحِيلَ فَلْيَحْتَلْ". [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : مطل الغنيِّ) إضافةُ المصدرِ إلى الفاعلِ، أي: مطلُ الغنيِّ غريمَه، وقيلَ: إلى المفعولِ، أي مطلُ الغريمِ [الغنيِّ] (٤)

стр. 1444

(ظلمٌ)، وبالأُولى [مطل] (١) الفقيرَ، (وإذا أُتْبِعَ) بضمِّ الهمزةِ وسكونِ المثناةِ الفوقية، وكسرِ الموحدةِ (أحدُكم على مَلِيءٍ) بالهمزةِ مأخوذٌ من الملاء، يقالُ مَلُؤَ الرجلُ أي صارَ مليئًا، (فَلْيُتْبَعْ) بإسكانِ المثناةِ الفوقيةِ أيضًا، مبنيُّ للمجهولِ كالأولِ، أي إذا أُحْيلَ فليحتلْ (متفقٌ عليهِ). دلَّ الحديثُ على تحريمِ المطل منَ الغنيِّ، والمطلُ هوَ المدافعةُ، والمرادُ هنا تأخيرُ ما استحقَّ أداؤُه بغيرِ عُذْرٍ منْ قادرٍ على الأداءِ، والمعنَى على تقديرِ أنهُ منْ إضافةِ المصدرِ إلى الفاعلِ، [أي] (٢): يحرمُ على الغنيِّ القادِرِ أنْ يمطلَ بالدَّيْنِ بعدَ استحقاقِهِ خلافِ العاجزِ، ومعناهُ على التقديرِ الثانِي أنهُ يجبُ وفاءُ الدَّيْنِ ولوْ كَانَ مستحقُّه غنيًا، فلا يكونُ غِناهُ سببًا لتأخيرِ حقِّهِ، وإذا كانَ ذلكَ في حقِّ الغنيِّ ففي حقِّ الفقيرِ أوْلَى. ودلَّ الأمرُ على وجوبِ قبولِ الإحالةِ، وحملَهُ الجمهورُ (٣) على الاستحبابِ، ولا أدري ما الحاملُ علَى صرفِه عنْ ظاهِرِهِ، [وعليه حمل] (٤) أهلُ الظاهرِ (٥). وتقدَّم (٦) البحثُ في أن المطلَ كبيرةٌ يفسقُ صاحبُه فلا نكرِّرُه، وإنما اختلفُوا هلْ يفسقُ قبلَ الطلبِ أو لا بدَّ منهُ، والذي يشعرُ به الحديثُ أنهُ لا بدَّ منَ الطلبِ، لأنَّ المُطلَ لا يكونُ إلا معَهُ، ويشملُ المطلُ كلَّ مَنْ لزمَهُ حقٌّ كالزوجِ لزوجتِهِ، والسيدِ في نفقةِ عبدِه، ودلَّ الحديثُ بمفهومِ المخالفةِ أن مُطْلَ العاجزِ عن الأداءِ لا يدخلُ في الظلمِ، ومَنْ لا يقولُ بالمفهومِ يقولُ لا يسمَّى العاجزُ ماطِلًا، والغنيُّ الغائبُ عنهُ مالُه كالمعدم، ويُؤْخَذُ منْ هذَا أن المعسِرَ لا يُطَالبُ حتَّى يوسِرَ. قال الشافعيُّ (٧): لو جازتْ مؤاخذتُه لكانَ ظالمًا، والفَرْض أنهُ ليسَ بظالمٍ لعجزِه، ويؤخذُ منهُ أنهُ إذا تعذَّرَ على المحالِ عليهِ التسليمُ لفَقْرٍ لم يكنْ للمحتالِ الرجوعُ على المحيلِ، لأنهُ لو كانَ لهُ الرجوعُ لم يكنْ لاشتراطِ الغِنَى فائدةٌ، فلمَّا شرطَه الشارعُ علمَ أنهُ انتقلَ انتقالًا لا رجوعَ لهُ كما لو عُوِّضَ في دَيْنِه بِعوَضٍ ثمَّ

стр. 1445

تَلِفَ العوضُ في يدِ صاحبِ الدَّيْنِ. وقالتِ الحنفيَّةُ (١): يرجعُ عندَ التعذرِ وشبَّهوا الحوالةَ بالضمانِ، وأما إذا جهلَ الإفلاسَ حالَ الحوالةِ فلهُ الرجوعُ. ترك الصلاة على من مات وعليه دين ٢/ ٨٢٧ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَّا، فَغَسَّلْنَاهُ وَحَنَّطْنَاهُ وَكَفَنَّاهُ، ثُمَّ أَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: تُصَلِّي عَلَيْهِ؟ فَخَطَا خُطًى، ثُمَّ قَالَ: "أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟ "، فَقُلْنَا: دِينَارَانِ. فَانْصَرَفَ، فَتَحَمَّلَهُمُا أَبُو قَتَادَةَ، فَأتَيْنَاهُ، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: الدِّينَارَانَ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَقَّ الْغَرِيم، وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (٣)، وَالنَّسَائِيُّ (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٥) وَالْحَاكِمُ (٦). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: تُوفِّيَ رجلٌ منَّا فغسَّلْناهُ، وحنَّطْناهُ، وكفَّنَّاهُ، ثمَّ أَتَيْنَا بهِ رسولَ اللهِ ﷺ فقلْنا: [تصلِّي] (٧) عليهِ، فَخَطَا خُطًى ثمَّ قالَ: عليهِ دينٌ؟ قلْنا: دينارانِ فانصرفَ) أي عن الصلاةِ عليهِ، (فتحمَّلهما أبو قتادةَ فَأتَيْنَاهُ فقالُ أبو قتادةَ: الدينارانِ عليَّ، فقالَ رسول اللهِ ﷺ : حقَّ الغريمِ) منصوبٌ على المصدرِ مؤكِّد لمضمونِ قولِه الدينارانِ عليَّ، أي حقَّ عليكَ الحقُّ، وثَبتَ عليكَ، وكنتَ غريمًا. (وبرئَ منْهما الميت. قالَ: نعمْ، فصلَّى عليهِ، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَه ابن حبَّانَ والحاكمُ)، وأخرجهُ البخاريُّ منْ حديثِ سلمةَ بن الأكوعِ، إلَّا أن في حديثِهِ ثلاثةَ دنانيرَ، وكذلكَ أخرجهُ أبو داودَ (٨)، والطبرانيُّ (٩). وجُمِعَ (١٠)

стр. 1446

بينَه وبينَ قولِه دينارانِ أن في حديثِ الكتابِ أنَّهما كانا دينارينِ وشطرًا فمنْ قالَ ثلاثةً جبرَ الكسرَ، ومَن قال ديناران ألقاهُ، أو كان الأصلُ ثلاثة فقضى قبلَ موتِه دينارًا فمن قال ثلاثةً اعتبرَ أصلَ الدَّيْنِ، ومنْ قال دينارانِ اعتبرَ الباقي. ويحتملُ أنَّهما قِصَّتانِ وإنْ كانَ بعيدًا. وفي روايةِ الحاكمِ (١) أنهُ ﷺ جعلَ إذا لقيَ أبا قَتَادَةَ [يقولُ] (٢): ما صنعتِ الديناران؟ حتَّى كانَ آخرَ ذلكَ أنْ قالَ: قضيْتُهما يا رسولَ اللهِ، قالَ: "الآنَ بَرَدَتْ جلدتُه". وَرَوَى الدارقطنيُّ (٣) منْ حديثِ عليّ ﵁: "كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أُتيَ بجنازةٍ لم يسألْ عنْ شيءِ منْ عملِ الرجلِ، ويسألُ عنْ دَيْنِهِ، فإنْ قيلَ: عليهِ دَيْنٌ كَفَّ، وإنْ قيلَ: ليسَ عليهِ دَيْنٌ صلَّى، فأُتِيَ بجنازةٍ فلمَّا قامَ ليكبِّرَ سألَ هلْ عليهِ دَيْنٌ؟ فقالُوا: دينارانَ، فعدلَ عنهُ، فقالَ عليٌّ: هما عليَّ يا رسول اللهِ، وهوَ بريٌّ منهما، فصلَّى عليهِ ثمَّ قالَ: جزاكَ اللهُ خيرًا، وفكَّ اللهُ رِهانَكَ - الحديثَ". قال ابنُ بطالٍ (٤): ذهبَ الجمهورُ إلى صحةِ هذهِ الكفالةِ عن الميتِ، ولا رجوعَ لهُ في مالِ الميتِ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يصحُّ أن يحتملَ الواجبَ غيرُ مَنْ وجبَ عليهِ، وأنهُ ينفعُه ذلكَ، ويدلُّ على شدةِ أمر الدَّيْنِ فإنهُ ﷺ تركَ الصلاةَ عليهِ لأنَّها شفاعةٌ، وشفاعتُه ﷺ مقبولةٌ لا تُرَدُّ، والدَّيْنُ لا يسقطُ إلَّا بالتأديةِ. وفي الحديثِ دليلٌ أنهُ لا يُكْتَفَى بالظاهرِ منَ اللفظِ بلْ لا بدَّ للحاكمِ في الإلزامِ بالحقِّ منْ تحققِ ألفاظِ العقودِ والإقراراتِ، وأنهُ إذا ادَّعى منْ عليهِ الحكومةُ أنهُ قصدَ باللفظِ معنَىً يحتملُه، وإنْ بَعُدَ الاحتمالُ لا يُحْكَمُ عليهِ بظاهرِ اللفظِ. وعطفُ: وبرئَ منْهما الميتُ على ذلكَ مما يؤيدُ هذا المعنَى المستنْبَطِ. قضاء الرسول ﷺ عمَّن مات وعليه دين ٣/ ٨٢٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُول ﷺ اللهِ ﷺ كانَ

стр. 1447

يُؤتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيسْأَلُ: "هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاء؟ " فَإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً صَلَّى عَلَيْهِ، وإلَّا قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: "أَنا أَوْلَى بالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٢): "فَمَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً". (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُؤْتَي بالرجلِ المتوفَّي عليهِ الدَّيْنُ، فيسالُ: هلْ تركَ لِدَيْنِهِ منْ قضاءٍ؟ فإنْ حُدِّثَ أنهُ تركَ وفاءً صلَّى عليهِ، وإلَّا قالَ: صلُّوا على صاحبِكم. فلمَّا فتحَ اللهُ عليهِ الفتوحَ قالَ: أنا أولَى بالمؤمنينَ منْ أنفسِهم، فمنْ تُوُفِّيَ وَعليهِ دَيْنٌ فَعَلي قَضاؤُه. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ للبخاريِّ: فمنْ ماتَ ولم يتركْ وفاءً). إيرادُ المصنّفِ لهُ عقيبَ الذي قبلَه إشارةٌ إلى أنهُ ﷺ نسخَ ذلكَ الحكمَ لما فَتَحَ عليهِ ﷺ ، واتسعَ الحالُ بِتحمُّلِهِ الدَّينَ عن الأمواتِ. وظاهر قولِه: "فعليَّ قضاؤه"، أنهُ يجبُ عليهِ القضاءُ، وهلْ هوَ منْ خالصِ مالِه، أوْ منْ مالِ المصالحِ؟ محتمِلٌ. قالَ ابنُ بطالٍ (٣): وهكذَا يلزمُ المتولِّي لأمرِ المسلمينَ أن يفعلَه فيمنْ ماتَ وعليهِ دَيْنٌ، فإنْ لم يفعلْ فالإثمُ عليهِ. وقدْ ذكرَ الرافعيُّ (٤) في آخرِ الحدِيثِ قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وعلى كلِّ إمامٍ بعدَك؟ قالَ: وعلى كلِّ إمامٍ بعدي. وقدْ وقعَ معناهُ في الطبرانيِّ الكبيرِ (٤) منْ حديثِ زاذانَ عنْ سلمانَ قالَ: "أمَرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نفدي سبايا المسلمينَ ونعطيَ سائِلَهم. ثمَّ قالَ: مَنْ تَركَ مالًا فلورثتِه، ومَنْ تركَ دَيْنًا فعليَّ وعلى الولاةِ منْ بعدي في بيتِ مالِ المسلمينَ". وفيهِ راوٍ (٥) متروكٌ ومتَّهمٌ.

стр. 1448

٤/ ٨٢٩ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا كفَالَةَ في حَدٍّ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] (وعنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا كَفالةَ في حدٍّ. رواة البيهقيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ). وقالَ: إنهُ منكرٌ. وهوَ دليل على أنهُ لا تصحُّ الكفالةُ في الحدِّ. قالَ ابنُ حزمٍ (٢): لا تجوزُ الضمانةُ بالوجهِ أصلَا لا في مالٍ، ولا حدٍّ، ولا في شيءٍ منَ الأشياءِ، لأنهُ شَرْطٌ ليسَ في كتابِ اللهِ فهوَ باطلٌ. ومنْ طريقِ النظرِ أنْ يسألَ مَنْ قالَ بصحَّتهِ عمنْ [تكفَلَ] (٣) بالوجْهِ فقطْ فغابَ المكفولُ عنهُ ماذا تصنعونَ بالضامنِ بوجْهِه، أتلزمونَهُ غرامةَ ما على المضمونِ؟ فهذَا جَوْرٌ وأَكلُ مالٍ بالباطلِ، لأنهُ لم يلتَزمْ قطُّ، أمْ تتركونَه؟ فقدْ أبطلتُم الضمانَ [بالوجْهِ] (٤)، أمْ تكفلونَهُ طَلَبَهُ؟ فهذا تكليف الحرج، وما لا طاقةَ لهُ به، وما لم يكلِّفْهُ الله إياهُ قط. وأجازَ الكفالةَ بالوجهِ جماعةٌ منَ العلماءِ، واستدلُّوا بأنهُ ﷺ (٥) كفلَ في تهمةٍ. قالَ: وهُو خَبرٌ باطلٌ لأنهُ من رواية إبراهيمَ بن خثيمٍ بن عراكٍ، وهوَ وأبوهُ في غايةِ الضعفِ، ولا تجوزُ الروايةُ عنْهما، ثمَّ ذكرَ آثارًا عنْ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وردَّها كلَّها بأنَّها لا حجةَ فيها، إذِ الحجةُ في كلامِ اللَّهِ ورسولِه لا [غيرِهِ] (٦). وهذِ الآثارُ قدْ سردَها في الشرحِ. * * *

стр. 1449

[الباب التاسع] باب الشركة والوكالة الشركةُ بفتحِ أولهِ وكسرِ الراءِ، وبكسرِه معَ سكونِها، وهى بضمِّ الشينِ اسمٌ للشيءِ المشتركِ. والشركةُ الحالةُ التي تحدثُ بالاختيارِ بينَ اثنينِ فصاعدًا. وإنْ أُرِيدَ الشركةُ بين الورثةِ في المالِ حذفتْ بالاختيارِ. "والوِكالةُ" بفتحِ الواوِ وقدْ تكسرُ، مصدرُ وكَّلَ مشددًا بمعنَى التفويضِ والحفظِ، وتُخَفَّفُ فتكونُ بمعنَى التفويضِ، وهي شرعًا إقامةُ الشخص غيره مقامَ نفسِه مطلقًا أو مقيَّدًا. ١/ ٨٣٠ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ الله تَعَالَى: أَنا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ خَرَجْتُ مِنْ بَينِهِمَا"، رَوَاهُ أَبُو داوُدَ (١)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [ضعيف] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : قالَ اللهُ: أنا ثالثُ الشريكينِ ما لم يخنْ أحدُهمَا صاحبَه، فإذا خانَ خرجتُ منْ بينِهما. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحهُ الحاكمُ)، وأعلَّه ابنُ القطانِ (٣) بالجهلِ بحالِ سعيدِ بن حيانَ. وقدْ رواهُ عنهُ ولدُهُ أبو حيانَ بنُ سعيدٍ لكنْ ذَكَرَهُ ابن حبانَ في الثقاتِ، وذكرَ أنهُ رَوَى عنهُ الحارثُ بنُ شريدٍ إلَّا أنهُ أعلَّهُ الدارقطنيُّ (٤) بالإرسالِ فلمْ يذكرْ فيهِ أبا هريرةَ، وقالَ: إنهُ

стр. 1450

الصَّوابُ، ومعناهُ أن اللَّهَ معَهما أي في الحفظِ والرعايةِ والإمدادِ بمعونتِهما في مالِهما، وإنزالِ البركةِ في تجاريهما؛ فإذا حصلتِ الخيانةُ نُزعتِ البركةُ منْ مالِهما، وفيهِ حثٌّ على التَّشَارُكِ معَ عدمِ الخيانةِ وتحذيرٌ منهُ معَها. الشركة ثابتة قبل الإسلام ٢/ ٨٣١ - وَعَنْ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ ﵁ أنَّهُ كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الْبِعْثَةِ، فَجَاءَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِأَخِي وَشَرِيكِي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وابْنُ مَاجَهْ (٣). [صحيح] (وعنِ السائبِ المخزوميِّ ﵁ أنهُ كانَ شريكَ النبيِّ ﷺ قَبلَ البعثةِ، فجاءَ يومَ الفتحِ فقالَ: مرحَبًا بأخي وشريكي. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ). قال ابنُ عبدِ البرِّ: السَّائبُ (٤) بنُ أبي السائبِ منَ المؤلفةِ قلوبهُم، وممنْ حَسُنَ إسلامُه، وكانَ منَ المعمَّرينَ، عاشَ إلى زمنِ معاوية، وكانَ شريكَ النبيِّ ﷺ في أولِ الإسلام في التجارةِ، فلمَّا كانَ يومَ الفتحِ قالَ: "مرحبًا بأخي وشريكي، كانَ لا يماري، ولا يداري". وصحَّحَهُ الحاكمُ. ولابنِ ماجهْ: كنتَ شريكي في الجاهليةِ: والحديثُ دليلٌ على أن الشّركةَ كانتْ ثابتةً قبلَ الإسلامِ، ثمَّ قرَّرَها الشارعُ على ما كانتْ [عليه] (٥). ٣/ ٨٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ. الْحَدِيثَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٦). [ضعيف]

стр. 1451

(وعنْ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ ﵁ قالَ: اشتركت أنا وعمارٌ وسعدٌ فيما نصيبُ يومَ بدرٍ، الحديث). تمامُه: فجاءَ سعدٌ بأسيرينِ ولم أجئ أنا وعمارٌ بشيء (رواه النسائيُّ). فيهِ دليل على صحَّةِ الشِّركةِ في المكاسبِ، وتسمَّى شركةَ الأبدانِ، وحقيقتُها أنْ يوكِلَ كل صاحبَه أنْ يتقبَّلَ ويعملَ عنهُ في قدْر معلوم، ويعينانِ الصنعةَ. وقدْ ذهبَ إلى صحَّتِها الهادويةُ (١)، وأبو حنيفةَ (٢)، وذهبَ الشافعي (٣) إلى عدمِ صِحَّتِها لبنائِها على الغَرَرِ، إذْ لا يقطعانِ بحصوله الربحِ لتجويزِ تَعَذُّرِ العملِ، وبقولِه قالَ أبو ثَوْرٍ (٤) وابْنُ حَزْمٍ. وقال ابنُ حَزْمٍ: لا تجوزُ الشركةُ بالأبدانِ في شيء منَ الأشياءِ أَصْلًا فإنْ وقعتْ فهيَ باطلةٌ لا تلزمُ، ولكلّ واحدٍ منْهما ما كسبَ، فإنْ اقتسماهُ وجبَ أنْ يُقْضَى لهُ ما أخذهُ وإلا بدَّلَه لأنَّها شرطٌ ليسَ في كتابِ اللَّهِ فهوَ باطلٌ. وأما حديثُ ابن مسعودٍ فهوَ منْ روايةِ ولدِه أبي عبيدةَ بن عبدِ اللَّهِ، وهوُ خبرٌ مُنْقَطِعٌ لأنَّ أبا عبيدةَ لم يذكرْ عنْ أبيهِ شيئًا، فقدْ رويناهُ منْ طريقِ وكيعٍ، عنْ شعبةَ، عنْ عمرِو بن مُرَّةَ قالَ: قلتُ لأبي عبيدةَ: أتذكرُ منْ عبدِ اللَّهِ شيئًا؟ قالَ: لا ولوّ صحَّ لكانَ حجةً على مَنْ قالَ بِصحَّةِ هذهِ الشركةِ، لأنَّهم أولُ قائلٍ مَعَنَا ومعَ سائرِ المسلمينَ: إنَّ هذه شركةٌ لا تجوزُ، وإنهُ لا ينفردُ أحدٌ منْ أهلِ العسكرِ بما يصيبُ دونَ جميعِ أهلِ العسْكرِ إلَّا السلبَ للقاتلِ على الخلافِ، فإنْ فعلَ فهوَ غلولٌ منْ كبائرِ الذنوبِ، ولأنَّ هذهِ الشركةَ لو صحَّ حديثُها فقدْ أبطلَها اللَّهُ وأنزلَ: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٥) الآية؛ فأبطلها اللَّهُ تعالى وقسَّمها هوَ بينَ المجاهدينَ، ثمَّ إنَّ الحنفيةَ (٦) لا يجيزونَ الشركةَ في الاصطيادِ، ولا يجيزُها المالكيون (٧) في العملِ في [مكانين] (٨)، فهذهِ الشركةُ في الحديثِ لا تجوزُ عندَهم (٩) اهـ.

стр. 1452

هذا وقدْ قَسَّمَ الفقهاءُ الشركةَ إلى أربعةِ (١) أقسام، وأطالُوا فيها وفي فروعهِا في كتبِ الفروعِ فلا نطيلُ بها. قال ابنُ بطالٍ (٢): أجمعُوا على أن الشركةَ الصحيحةَ أنْ يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ [مثل ما] (٣) أخرجَ صاحبُه، ثمَّ يخلطَ ذلكَ حتَّى لا يتميزُ، ثمَّ يتصرَّفَا جميعًا إلا أن يقيمَ كل منهما الآخرَ مقامَ نفسِه، وهذِه تسمَّى شركةَ العنانِ، وتصحُّ إنْ أخرجَ أحدُهما أقلَّ منَ الآخرِ منَ المالِ، ويكونُ الربحُ والخسرانُ على قدرِ مالِ كلِّ [واحدٍ] (٤) منْهما، وكذلكَ إذا اشتَرَيا سلعة بينَهما على السواءِ، أو ابتاعَ أحدُهما أكثرَ منَ الآخرِ منْهما فالحكمُ في ذلكَ أنْ يأخذَ كل منَ الربحِ والخسرانِ بمقدارِ ما أَعْطَى منَ الثمنَ، وبرهانُ ذلكَ أنهما إذا خَلَطَا المالينِ فقدْ صارتْ تلكَ الجملةُ [مشتركة] (٥) بينَهما، فما ابتاعا بها فمشاع بينَهما، وإذا كانَ كذلكَ فثمنُه وربحُه وخسرانُه مشاعٌ بينَهما، [وكذلك] (٦) السلعةُ التي اشتريَاها فإنَّها بدلٌ منَ الثمنِ. ٤/ ٨٣٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إذَا أَتَيتَ وَكِيلِي بِخَيبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٧) وَصَحَّحَهُ. [ضعيف] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: أردتُ الخروجَ إلي خيبرَ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقالَ: إذا أتيتَ وكيلي بخيبرَ فخذْ منهُ خمسةَ عشرَ وَسْقًا. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ). تمامُ الحديثِ: فإنِ ابتغَى منكَ آيةً فضعْ يدكَ على تُرْقُوَتِهِ. وفي الحديثِ دليل على شرعيةِ الوكالةِ. والإجماعُ (٨) على ذلكَ، وتعلُّق الأحكامُ بالوكيلِ.

стр. 1453

وتمامُ الحديثِ فيهِ دليلٌ على العملِ بالقرينةِ في مالِ الغيرِ، وأنهُ يُصدَّقُ بها الرسولُ لقبضِ العينِ. وقدْ ذهبَ إلى تصديقِ الرسولِ في القبضِ جماعةٌ منَ العلماءِ، وقيَّدهُ المهدي في الغيثِ (١): معَ غلبةِ ظن صِدْقِهِ. وعندَ الهادويةِ (٢) أنهُ لا يجوزُ تصديقُ الرسولِ لأنهُ مالُ الغيرِ فلا يصحُّ التصديقُ فيهِ. وقيلَ عنْهم إلا أنْ يحصلَ الظنُّ بصدقِ الرسولِ جازَ الدفعُ إليهِ. ٥/ ٨٣٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ رَضيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً - الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (٣). [صحيح] (وعنْ عروةَ البارقيِّ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ بعثَ معهُ بدينارٍ يشتري لهُ أضحية. الحديث رواهُ البخاريُّ في أثناءِ حديثٍ، وقدْ تقدَّمَ). أي في كتاب البيعِ، وتقدَّمَ الكلامُ (٤) على ما فيهِ منَ الأحكامِ. توكيل الإمام للعامل في قبض الصدقة ٦/ ٨٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، الْحَدِيثَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ قالَ: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ عمرَ على الصدقةِ، الحديثَ. متفقٌ عليهِ). تمامُه: "فقيلَ منعَ ابنُ جميلٍ، وخالدُ بنُ الوليدِ، والعباسُ عمُّ رسول الله ﷺ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ما ينقمُ ابنُ جميلٍ إلَّا أنهُ كانَ فقيرًا فأغناهُ اللَّهُ، وأما خالدُ فإنكمُ تظلمونَ خالدًا، قد احتبسَ أدراعَه وأضْمادَه في سبيلِ اللَّهِ، وأما العباسُ فهيَ عليَّ ومثلُها مَعَها". والظاهرُ أنهُ بعثَ عمرَ لقبضِ الزكاةِ، وابنُ جميلِ من الأنصارِ كانَ منافقًا ثمَّ تابَ بعدَ ذلكَ.

стр. 1454

قالَ المصنِّفُ (١): وابنُ جميل لم أقفْ على اسمِه. وقولُه: "ما ينقِم" بكسرِ القافِ، ما ينكرُ "إلَّا أنهُ كانَ فقيرًا فأغناهُ اللَّهُ"، وهوَ منْ بابِ تأكيدِ المدحِ بما يشبهُ الذمَّ، لأنهُ إذا لم يكنْ له عذرٌ إلا ما ذكرَ فلا عُذْرَ لهُ، وفيهِ التعريضُ بكفرانِ النعمة، والتقريعُ بسوءِ الصنيعِ. وقولُه: أعْتَادَهُ، جمعُ عَتَدٍ بفتحتينِ، وهوَ ما يُعِدُّهُ الرجلُ منَ السلاحِ والدوابِّ، وقيلَ: الخيلُ خاصة. وحملَ البخاريُّ معناهُ على أنهُ جَعَلَهَا زكاةَ مالهِ وصرفَها في سبيل اللَّهِ، وهوَ بناءٌ على أنهُ يجوزُ إخراجُ القيمةِ عن الزكاةِ. وقولُه: (فهي عليَّ ومثلُها معَها) يفيدُ أنهُ ﷺ تحمَّلَها عن العباسِ تَبَرُّعًا، وفيهِ صحةُ تبرعِ الغيرِ بالزكاةِ، ونظيرُه حديثُ (٢) أبي قتادةَ في تبرعهِ بتَحَمُّلِ الدَّينِ عن الميتِ وهذا أقربُ الاحتمالاتِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ أُخَرَ تحتملُ احتمالاتٍ كثيرة بسطَها المصنفُ في الفتحِ (٣)، [ونقلهُ] (٤) الشارحُ. وأما حديثُ (٥) أنهُ ﷺ كانَ [تقدَّم] (٦) منهُ زكاةَ عامينِ فقدْ رُوِيَ منْ طرقٍ لم يَسْلَمْ شيءٌ منها منْ مقالٍ. وفي الحديثِ دليلٌ على توكيلِ الإمام للعاملِ في قبض الزكاةِ، ولأجْلِ هذا ذكرهُ المصنفُ هنَا، وفيهِ أن بَعْثَ العمالِ لقبضِ الزكاةِ سُنَّةٌ نبويةٌ، وفيهِ أنهُ يذكِّرُ الغافلَ بما أنعمَ اللَّهُ عليهِ بإغنائِهِ بعدَ أنْ كانَ فقيرًا ليقومَ بحقِّ اللَّهِ. وفيه جوازُ ذِكْرِ مَنْ مَنَعَ الواجبَ في غيبتِه بما ينقصُه. وفيهِ تحملُ الإمامِ عنْ بعضِ المسلمينَ، والاعتذارُ عن البعضِ وحسنُ التأويلِ.

стр. 1455

صحَّة التوكيل في نحر الهدي ٧/ ٨٣٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًا ﵁ أنْ يَذْبَحَ الْبَاقِيَ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَحَرَ ثلاثًا وستينَ، وأَمَرَ عليًا ﵁ أنْ يذبحَ الباقي، الحديثَ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ الحجِّ، وفيه دلالةٌ على صحةِ التوكيلِ في نحرِ الهدْي، وهوَ إجماعٌ (٢) إذا كانَ الذابحُ مُسْلِمًا، فإنْ كانَ كافِرًا كتابيًا صحَّ عندَ الشافعيِّ (٣) بشرطِ أنْ ينويَ صاحبُ الهدْيَ عندَ دَفْعِهِ إليْهِ، أوْ عندَ ذَبْحِهِ. صحَّة التوكيل في إقامة الحدود ٨/ ٨٣٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ في قِصَّةِ الْعَسِيفِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاغْدُ بَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ في قصةِ العسيفِ) بعينٍ وسينِ مهملتينِ، فمثناةٍ تحتيةٍ، ففاءٍ، الأجيرِ وَزْنًا ومعنًى، (قالَ النبيُّ ﷺ : أُعدُ يا اُنَيْسُ على امرأةِ هذَا فإنِ اعترفتْ فارجُمْها، الحديث. متفقٌ عليهِ)، وسيأتي في الحدودِ (٥) مُسْتَوْفَى. وذُكِرَ هنا بناءً على أن المأمورَ وكيلٌ عن الإمامِ في إقامةِ الحدِّ، وبوَّبَ البخاريُّ (٦) (بابُ الوكالةِ في الحدودِ)، وأوردَ هذا الحديثَ وغيرَه، وقالَ المصنفُ في "الفتحِ" (٧): والإمامُ لمَّا لم يتولَّ إقامةَ الحدِّ بنفسهِ [وولَّى] (٨) غيرَه كانَ ذلكَ بمنزلةِ توكيلِه للغيرِ.

стр. 1456

[الباب العاشر] باب الإقرار الإقرارُ [هو] (١) لغةً: الإثباتُ، وفي الشرعِ: إخبارُ الإنسانِ بما عليهِ، وهوَ ضدُّ الجحودِ. الدعوة لقول الحق ١/ ٨٣٨ - عنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا"، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صحيح] (عَنْ أبي ذرٍّ ﵁ قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : قلِ الحقَّ ولوْ كانَ مرًّا. صحَّحه ابنُ حبانَ منْ حديثٍ طويلٍ) سَاقهُ الحافظُ المنذريُّ في "الترغيب والترهيبِ" (٣)، وفيهِ وصايا نبويَّةٌ. ولفظُه: قالَ: "أوصانِي خَلِيلي رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أنظُرَ إلى مَنْ هُوَ أسفلَ مني، ولا أنظرَ إلى مَنْ هُوَ فوقي، وأنْ أحبَّ المساكينَ، وأنْ أدنوَ منْهم، وأنْ أصلَ رحمي وإن قطعوني وجَفَوْني، وأنْ أقولَ الحق ولوْ كانَ مُرًّا، وأن لا أخَافَ في اللهِ لومةَ لائمٍ، وأنْ لا أسألَ أحدًا شيئًا، وأن [أستكثرَ] (٤) منْ لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، فإنَّها [كنز] (٥) منْ كنوزِ الجنةِ".
следующие страницы →