← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1452–1491 · переход к 1457.

стр. 1452

هذا وقدْ قَسَّمَ الفقهاءُ الشركةَ إلى أربعةِ (١) أقسام، وأطالُوا فيها وفي فروعهِا في كتبِ الفروعِ فلا نطيلُ بها. قال ابنُ بطالٍ (٢): أجمعُوا على أن الشركةَ الصحيحةَ أنْ يُخْرِجَ كلُّ واحدٍ [مثل ما] (٣) أخرجَ صاحبُه، ثمَّ يخلطَ ذلكَ حتَّى لا يتميزُ، ثمَّ يتصرَّفَا جميعًا إلا أن يقيمَ كل منهما الآخرَ مقامَ نفسِه، وهذِه تسمَّى شركةَ العنانِ، وتصحُّ إنْ أخرجَ أحدُهما أقلَّ منَ الآخرِ منَ المالِ، ويكونُ الربحُ والخسرانُ على قدرِ مالِ كلِّ [واحدٍ] (٤) منْهما، وكذلكَ إذا اشتَرَيا سلعة بينَهما على السواءِ، أو ابتاعَ أحدُهما أكثرَ منَ الآخرِ منْهما فالحكمُ في ذلكَ أنْ يأخذَ كل منَ الربحِ والخسرانِ بمقدارِ ما أَعْطَى منَ الثمنَ، وبرهانُ ذلكَ أنهما إذا خَلَطَا المالينِ فقدْ صارتْ تلكَ الجملةُ [مشتركة] (٥) بينَهما، فما ابتاعا بها فمشاع بينَهما، وإذا كانَ كذلكَ فثمنُه وربحُه وخسرانُه مشاعٌ بينَهما، [وكذلك] (٦) السلعةُ التي اشتريَاها فإنَّها بدلٌ منَ الثمنِ. ٤/ ٨٣٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إذَا أَتَيتَ وَكِيلِي بِخَيبَرَ، فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٧) وَصَحَّحَهُ. [ضعيف] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: أردتُ الخروجَ إلي خيبرَ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فقالَ: إذا أتيتَ وكيلي بخيبرَ فخذْ منهُ خمسةَ عشرَ وَسْقًا. رواهُ أبو داودَ وصحَّحهُ). تمامُ الحديثِ: فإنِ ابتغَى منكَ آيةً فضعْ يدكَ على تُرْقُوَتِهِ. وفي الحديثِ دليل على شرعيةِ الوكالةِ. والإجماعُ (٨) على ذلكَ، وتعلُّق الأحكامُ بالوكيلِ.

стр. 1453

وتمامُ الحديثِ فيهِ دليلٌ على العملِ بالقرينةِ في مالِ الغيرِ، وأنهُ يُصدَّقُ بها الرسولُ لقبضِ العينِ. وقدْ ذهبَ إلى تصديقِ الرسولِ في القبضِ جماعةٌ منَ العلماءِ، وقيَّدهُ المهدي في الغيثِ (١): معَ غلبةِ ظن صِدْقِهِ. وعندَ الهادويةِ (٢) أنهُ لا يجوزُ تصديقُ الرسولِ لأنهُ مالُ الغيرِ فلا يصحُّ التصديقُ فيهِ. وقيلَ عنْهم إلا أنْ يحصلَ الظنُّ بصدقِ الرسولِ جازَ الدفعُ إليهِ. ٥/ ٨٣٤ - وَعَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقيِّ رَضيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً - الْحَدِيثَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في أَثْنَاءِ حَدِيثٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ (٣). [صحيح] (وعنْ عروةَ البارقيِّ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ بعثَ معهُ بدينارٍ يشتري لهُ أضحية. الحديث رواهُ البخاريُّ في أثناءِ حديثٍ، وقدْ تقدَّمَ). أي في كتاب البيعِ، وتقدَّمَ الكلامُ (٤) على ما فيهِ منَ الأحكامِ. توكيل الإمام للعامل في قبض الصدقة ٦/ ٨٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، الْحَدِيثَ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هُرَيرَةَ ﵁ قالَ: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ عمرَ على الصدقةِ، الحديثَ. متفقٌ عليهِ). تمامُه: "فقيلَ منعَ ابنُ جميلٍ، وخالدُ بنُ الوليدِ، والعباسُ عمُّ رسول الله ﷺ ، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ما ينقمُ ابنُ جميلٍ إلَّا أنهُ كانَ فقيرًا فأغناهُ اللَّهُ، وأما خالدُ فإنكمُ تظلمونَ خالدًا، قد احتبسَ أدراعَه وأضْمادَه في سبيلِ اللَّهِ، وأما العباسُ فهيَ عليَّ ومثلُها مَعَها". والظاهرُ أنهُ بعثَ عمرَ لقبضِ الزكاةِ، وابنُ جميلِ من الأنصارِ كانَ منافقًا ثمَّ تابَ بعدَ ذلكَ.

стр. 1454

قالَ المصنِّفُ (١): وابنُ جميل لم أقفْ على اسمِه. وقولُه: "ما ينقِم" بكسرِ القافِ، ما ينكرُ "إلَّا أنهُ كانَ فقيرًا فأغناهُ اللَّهُ"، وهوَ منْ بابِ تأكيدِ المدحِ بما يشبهُ الذمَّ، لأنهُ إذا لم يكنْ له عذرٌ إلا ما ذكرَ فلا عُذْرَ لهُ، وفيهِ التعريضُ بكفرانِ النعمة، والتقريعُ بسوءِ الصنيعِ. وقولُه: أعْتَادَهُ، جمعُ عَتَدٍ بفتحتينِ، وهوَ ما يُعِدُّهُ الرجلُ منَ السلاحِ والدوابِّ، وقيلَ: الخيلُ خاصة. وحملَ البخاريُّ معناهُ على أنهُ جَعَلَهَا زكاةَ مالهِ وصرفَها في سبيل اللَّهِ، وهوَ بناءٌ على أنهُ يجوزُ إخراجُ القيمةِ عن الزكاةِ. وقولُه: (فهي عليَّ ومثلُها معَها) يفيدُ أنهُ ﷺ تحمَّلَها عن العباسِ تَبَرُّعًا، وفيهِ صحةُ تبرعِ الغيرِ بالزكاةِ، ونظيرُه حديثُ (٢) أبي قتادةَ في تبرعهِ بتَحَمُّلِ الدَّينِ عن الميتِ وهذا أقربُ الاحتمالاتِ. وقدْ رُوِيَ بألفاظٍ أُخَرَ تحتملُ احتمالاتٍ كثيرة بسطَها المصنفُ في الفتحِ (٣)، [ونقلهُ] (٤) الشارحُ. وأما حديثُ (٥) أنهُ ﷺ كانَ [تقدَّم] (٦) منهُ زكاةَ عامينِ فقدْ رُوِيَ منْ طرقٍ لم يَسْلَمْ شيءٌ منها منْ مقالٍ. وفي الحديثِ دليلٌ على توكيلِ الإمام للعاملِ في قبض الزكاةِ، ولأجْلِ هذا ذكرهُ المصنفُ هنَا، وفيهِ أن بَعْثَ العمالِ لقبضِ الزكاةِ سُنَّةٌ نبويةٌ، وفيهِ أنهُ يذكِّرُ الغافلَ بما أنعمَ اللَّهُ عليهِ بإغنائِهِ بعدَ أنْ كانَ فقيرًا ليقومَ بحقِّ اللَّهِ. وفيه جوازُ ذِكْرِ مَنْ مَنَعَ الواجبَ في غيبتِه بما ينقصُه. وفيهِ تحملُ الإمامِ عنْ بعضِ المسلمينَ، والاعتذارُ عن البعضِ وحسنُ التأويلِ.

стр. 1455

صحَّة التوكيل في نحر الهدي ٧/ ٨٣٦ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلاثًا وَسِتِّينَ وَأَمَرَ عَلِيًا ﵁ أنْ يَذْبَحَ الْبَاقِيَ، الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ نَحَرَ ثلاثًا وستينَ، وأَمَرَ عليًا ﵁ أنْ يذبحَ الباقي، الحديثَ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ الحجِّ، وفيه دلالةٌ على صحةِ التوكيلِ في نحرِ الهدْي، وهوَ إجماعٌ (٢) إذا كانَ الذابحُ مُسْلِمًا، فإنْ كانَ كافِرًا كتابيًا صحَّ عندَ الشافعيِّ (٣) بشرطِ أنْ ينويَ صاحبُ الهدْيَ عندَ دَفْعِهِ إليْهِ، أوْ عندَ ذَبْحِهِ. صحَّة التوكيل في إقامة الحدود ٨/ ٨٣٧ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ في قِصَّةِ الْعَسِيفِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاغْدُ بَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنِ اعْتَرَفتْ فَارْجُمْهَا" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ في قصةِ العسيفِ) بعينٍ وسينِ مهملتينِ، فمثناةٍ تحتيةٍ، ففاءٍ، الأجيرِ وَزْنًا ومعنًى، (قالَ النبيُّ ﷺ : أُعدُ يا اُنَيْسُ على امرأةِ هذَا فإنِ اعترفتْ فارجُمْها، الحديث. متفقٌ عليهِ)، وسيأتي في الحدودِ (٥) مُسْتَوْفَى. وذُكِرَ هنا بناءً على أن المأمورَ وكيلٌ عن الإمامِ في إقامةِ الحدِّ، وبوَّبَ البخاريُّ (٦) (بابُ الوكالةِ في الحدودِ)، وأوردَ هذا الحديثَ وغيرَه، وقالَ المصنفُ في "الفتحِ" (٧): والإمامُ لمَّا لم يتولَّ إقامةَ الحدِّ بنفسهِ [وولَّى] (٨) غيرَه كانَ ذلكَ بمنزلةِ توكيلِه للغيرِ.

стр. 1456

[الباب العاشر] باب الإقرار الإقرارُ [هو] (١) لغةً: الإثباتُ، وفي الشرعِ: إخبارُ الإنسانِ بما عليهِ، وهوَ ضدُّ الجحودِ. الدعوة لقول الحق ١/ ٨٣٨ - عنْ أَبي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "قُلِ الحَقَّ وَلَوْ كَانَ مُرًّا"، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صحيح] (عَنْ أبي ذرٍّ ﵁ قالَ: قالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : قلِ الحقَّ ولوْ كانَ مرًّا. صحَّحه ابنُ حبانَ منْ حديثٍ طويلٍ) سَاقهُ الحافظُ المنذريُّ في "الترغيب والترهيبِ" (٣)، وفيهِ وصايا نبويَّةٌ. ولفظُه: قالَ: "أوصانِي خَلِيلي رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أنظُرَ إلى مَنْ هُوَ أسفلَ مني، ولا أنظرَ إلى مَنْ هُوَ فوقي، وأنْ أحبَّ المساكينَ، وأنْ أدنوَ منْهم، وأنْ أصلَ رحمي وإن قطعوني وجَفَوْني، وأنْ أقولَ الحق ولوْ كانَ مُرًّا، وأن لا أخَافَ في اللهِ لومةَ لائمٍ، وأنْ لا أسألَ أحدًا شيئًا، وأن [أستكثرَ] (٤) منْ لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، فإنَّها [كنز] (٥) منْ كنوزِ الجنةِ".

стр. 1457

وقولُه: قلِ الحقَّ، [يشملُ] (١) قولَه على نَفْسِهِ وعلى غَيْرِهِ، وهوَ مشتقٌ منْ قولِه تعالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٢)، ومنْ قولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (٣). وباعتبار شمولِه ذكرهُ المصنفُ ﵀ هنا تَبْعًا للرافعيِّ (٤)، فإنهُ ذَكَرَهُ في بابِ الإقرارِ، وفيهِ دلالةٌ على اعتبارِ إقرارِ الإنسانِ على نفسِه في جميعِ الأمورِ، وهوَ أمرٌ عامٌ لجميعِ الأحكامِ، لأنَّ قولَ الحقّ على النفسِ هوَ الإخبارُ بما عليْها مما يلزمها التخلُّصُ منهُ بمالِ أو بَدَنٍ أو عَرَضٍ. وقولُه: "ولوْ كان مُرًّا" منْ باب التشبيهِ لأنَّ الحقَّ قدْ يصعُبُ إجراؤُه على النفسِ، كما يصعبُ عليها إساغةُ المرَّ لمرارتِه. ويأتي في بابِ الحدودِ (٥) والقِصَاصِ أحاديثُ في الإقرار. * * *

стр. 1458

[الباب الحادي عشر] باب العارية العاريةُ بتشديدِ المثناءِ التحتيةِ وتخفيفها، ويقالُ: عارةٌ، وهي مأخوذةٌ منْ عارَ الفرسَ إذا ذهبَ، لأنَّ العاريةَ تذهبُ منْ يدِ المعيرِ أوْ [العار] (١)، لأنهُ لا يستعيرُ أحدٌ إلَّا وبهِ عارٌ من حاجة. وهي في الشرع عبارةٌ عنْ إباحةِ المنافعِ منْ دونِ مُلْكِ العينِ. ١/ ٨٣٩ - عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى الْيَدِ مَما أخَذَتْ حَتَّى تُؤدِّيَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢)، وَالأرْبَعَةُ (٣)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٤). [ضعيف] (عنْ سمرةَ بن جندبٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : على اليدِ ما أخذتْ حتى تُؤَدِّيَهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحهُ الحاكمُ) بناءً منهُ على سماعِ الحسنِ منْ سمُرةَ، لأنَّ الحديثَ منْ روايةِ الحسنِ عنْ سمُرةَ. وللْحفَّاظِ في سماعِه منهُ ثلاثةُ مذاهبَ (٥):

стр. 1459

الأولُ: أنهُ سمعَ منهُ مُطْلقًا، وهوَ مذهبُ علي بن المديني، والبخاريِّ، والترمذيِّ. والثاني: لا مُطْلقًا، وهو مذهبُ يحيى (١) بن سعيدٍ القطانِ، ويحيى بن معينٍ، وابنِ حبانَ. والثالثُ: [أنه] (٢) لم يسمعْ منهُ إلا حديثَ العقيقة، وهوَ مذهبُ النسائيِّ، واختارَهُ ابنُ عساكرَ، وادَّعَى عبدُ الحقِّ أنهُ الصحيحُ. والحديثُ دليلٌ على وجوبِ ردِّ ما قبضَهُ المرءُ وهوَ مُلْكٌ لغيرِه، ولا يبرأُ إلا بمصيرِه إلى مالكِه أوْ مَنْ يقومُ مقامَهُ، لقولِه حتَّى تُؤَدِّيَهُ، ولا تتحققُ التأديةُ إلَّا بذلكَ. وهوَ عامٌ في الغصبِ، والوديعةِ، والعاريةِ. وذَكَرَهُ في بابِ العاريةِ لشمولِه لها، وربَّما يفهمُ منهُ أنَّها مضمونةٌ على المستعيرِ. وفي ذلكَ ثلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: أنها مضمونةٌ مطلقًا، وإليهِ ذهبَ (٣) ابنُ عباسٍ، وزيدُ بنُ عليٍّ، وعطاءُ، وأحمدُ (٤)، وإسحاقُ، والشافعيُّ (٥)، لهذا الحديثَ، ولما يأتي مما يفيدُ معناهُ. والثاني: للهادي (٦) وآخرينَ معهُ أن العاريةَ لا يجبُ ضمانُها إلا إذا شرطَ مستدلينَ بحديثِ صفوانَ، ويأتي الكلامُ (٧) عليهِ. والثالثُ: للحسنِ وأبي حنيفةَ (٨) وآخرينَ، أنها لا تضمنُ وإن ضمنتْ، لقولِه ﷺ : "ليس على المستعيرِ غيرِ المُغلِّ، ولا على المستودعِ غيرِ المُغلِّ

стр. 1460

ضمانٌ" أخرجه الدارقطنيُّ (١)، والبيهقيُّ (٢) عن ابن عمرٍو (٣)، وضعَّفَاهُ، وصحَّحَا وقْفَهُ علَى شُرَيْحٍ. وقولُه: المُغلُّ بضمِّ الميمِ فغينٍ معجمةٌ، قالَ في "النهاية" (٤): أي إذا لم يَخُنْ في العاريةِ والوديعةِ فلا ضمانَ عليهِ منَ الإغلالِ، وهوَ الخيانةُ. وقيلَ: المغلُّ المستغلُّ، وأرادَ بهِ القابضَ لأنهُ بالقبضِ يكونُ مستغلًا، والأولُ أَوْلَى، انتهى. وحينئذ فلا تقومُ به حجةٌ، على أنهُ لا تقومُ بهِ الحجةُ ولوْ صحَّ رفَعُهُ لأنَّ المرادَ ليسَ عليهِ ذلك منْ حيثُ هو مستعيرٌ لأنهُ لوِ التزمَ الضمانَ لَلَزِمَهُ. وحديثُ الباب كثيرًا ما يستدلونَ منهُ بقولِه: "على اليدِ ما أخذتْ حتَّى تؤدِّيه" على التضمين، ولا دلالة فيه صريحة، فإنَّ اليدَ الأمينةَ أيضًا عليها ما أخذت حتى تؤدي، ولذلكَ قلْنا: وربَّما يُفْهَمُ، ولم يبقَ دليلٌ على تضمينَ العاريةِ إلَّا قولَه ﷺ : "عاريةٌ مضمونةٌ" في حديثِ (٥) صفوانَ، فإنَّ وصْفَها بمضمونةٍ يحتملُ أنَّها صفةٌ موضحةٌ، وأنَّ المرادَ من شأْنِها الضمانُ فيدلُّ على ضمانِها مطلقًا، ويحتملُ أنها صفةٌ للتقييدِ وهوَ الأظهرُ لأنها تأسيسٌ، ولأنَّها كثيرةٌ، ثمَّ ظاهرهُ أن المرادَ عاريةٌ قدْ ضَمِنَّاها لكَ، وحينئذٍ يحتملُ أنهُ يلزمُ، ويحتملُ أنهُ غيرُ لازمٍ بلْ [هو] (٦) كالوعدِ وهوَ بعيدٌ، فيتمُّ الدليلُ بالحديثِ للقائلِ إنها تضمنُ - وهو الأظهرُ - بالتضمينِ، إما بطلبِ صاحِبها لهُ أو بتبرُّعِ المستعيرِ. من ظفر بحقه أخذه من ظالمه ٢/ ٨٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 1461

"أدِّ الأَمَانَةَ إلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ"، رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ (١)، وأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣)، واسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم الرَّازِي (٤)، وَأَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ (٥) مِنَ الحُفَّاظِ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَارِيَّةِ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﵁: أدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائْتمنكَ، ولا تخنْ مَنْ خانكَ. رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وحسَّنَهُ وصحَّحَهُ الحاكمُ، واستَنْكَرَهُ أبو حاتمٍ الرازي، وأخرجَهُ جماعةٌ منَ الحفاظِ وهوَ شاملٌ للعاريةِ)، والوديعةِ، ونحوِهما، وأنهُ يجبُ أداءُ الأمانةِ كما أفادَهُ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٦). وقولُه: "ولا تخنْ مَنْ خانكَ" دليلٌ على أنهُ لا يُجَازَى بالإساءةِ مَنْ أساءَ. وحملَهُ الجمهورُ على أنهُ مُسْتَحَبٌّ لدلالةِ قولِه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٧)، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٨) على الجوازِ وهذِه هيَ المعروفةُ بمسألةِ الظفرِ وفيها أقوالٌ للعلماءِ. هذا القولُ الأولُ وهوَ الأشهرُ منْ أقوالِ الشافعيِّ (٩)، وسواءٌ كانَ منْ جنسِ ما أُخِذَ عليه أو منْ غيره جِنْسِهِ. والثاني: يجوزُ إذا كانَ منْ جنسِ ما أُخِذَ عليهِ لا منْ غيرِه، لظاهرِ قولِه تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. وقولِه: ﴿مِثْلُهَا﴾ وهو رأيُ الحنفيةِ (١٠)، والمؤيَّد (١١).

стр. 1462

والثالث: لا يجوزُ ذلكَ إلا بحكم [الحاكم] (١) لظاهرِ النَّهْي في الحديثِ، ولقولِه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٢). وأُجِيبَ بأنه ليسَ أكلًا بالباطلِ. والحديثُ يُحْمَلُ فيهِ النَّهْيُ على التنزيه. الرابعُ: لابنِ حزمٍ أنهُ يجبُ عليهِ أنْ يأخذَ بقدْرِ حقِّه سواءٌ كانَ منْ نوع ما هوَ لهُ أوْ من غيرِه، ويبيعُه ويستوفي حقَّه، فإن فَضَلَ على ما هوَ له ردَّهُ لهُ أو لورثتِه، وإن نقصَ بقيَ في ذمةِ مَنْ عليهِ الحقُّ، فإنْ لم يفعلْ ذلك فهو عاصٍ للهِ [تعالى] (٣)، إلَّا أنْ يُحْلِلَهُ ويبرئَه فهوَ مأجورٌ، فإنْ كانَ الحقُّ الذي لهُ لا بينةَ له عليهِ وظَفَرَ بشيءٍ منْ مالِ مَنْ عندَهُ لهُ الحقُّ أَخَذَهُ، فإنْ طُولِبَ أنْكَرَ، فإن استُحلفَ حلفَ وهوَ مأجور في ذلكَ. قالَ: وهذَا هوَ قولُ الشافعيِّ (٤)، وأبي سليمانَ (٥)، وأصحابهما، وكذلكَ عندنَا كلُّ مَنْ ظَفَرَ لظالمٍ بمالٍ ففَرضَ عليهِ أخذَه وإنصافَ المظلومِ منْهُ، واستدلَّ بالآيتينِ وبقولِه تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ (٦)، وبقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ (٧)، وبقولِه تعالَى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٨)، وبقولِه تعالَى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، وبقولِه ﷺ (٩) لهندٍ امرأةِ أبي سفيانَ: "خُذِي ما يكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ" لما ذكرتْ لهُ أن أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، وأنهُ لا [يعطيني] (١٠) ما يكفيني وَبَنيَّ، فهلْ عليَّ منْ جُناحٍ أنْ آخُذَ منْ مالِه شيئًا؟ ولحديثِ البخاريِّ (١١):

стр. 1463

"إنْ نزلتُم بقومٍ فأمَرُوا لكمْ بما ينبغي للضيفِ فاقبلُوا، فإن لم يفعلُوا فخذُوا منْهم حقَّ الضيفِ". واستدلَّ بكونه إذا لم يفعلْ عاصيًا بقولِه تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). قالَ: فمنْ ظفرَ بمثلِ ما ظُلِمَ فيهِ هوَ، أوْ مسلمٌ، أو ذِمِّيٌ فلم يزلْه عنْ يدِ الظالمِ، ويرَدُّ إلى المظلومِ حقَّه فهوَ أحدُ الظالِمينَ، ولم يعِنْ على البرِّ والتقْوى بلْ أعانَ على الإثم والعدوانِ، وكذلكَ أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ (٢) منْ رأى مُنْكَرًا أنْ يغيِّرَهُ بيدِه إنِ استطاعَ فمنْ قَدَرَ على قطعِ الظلمِ وكفِّهِ وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه فلم يفعلْ فقدْ قَدَرَ على إنكارِ المنكرِ ولم يفعلْ، فقدْ عَصَى رسول اللهِ ﷺ . ثمَّ ذكرَ حديثَ أبي هريرةَ فقالَ: هو من روايةِ طَلْقِ (٣) بن غنَّامٍ، عنْ شريكٍ (٤)، وقيسِ (٥) بن الربيعِ، وكلُّهم ضعيفٌ، قالَ: ولئنْ صَحَّ فلا حجةَ فيهِ، لأنهُ ليسَ انتصافُ المرءِ منْ حقِّهِ خيانةً بلْ هوَ حقٌّ واجبٌ، وإنكارُ مُنْكَرٍ. وإنَّما الخيانةُ أنْ تخون بالظلمِ الباطل مَنْ لا حقَّ لك عِنْدَهُ. قلتُ: ويؤيدُ ما ذهبَ إليه حديث (٦): "انصر أخاكَ ظالمًا أو مظْلومًا"، فإنَّ الأمرَ ظاهرٌ في الإيجاب، ونصرُ الظالمِ بإخراجِه عن الظلمِ، وذلكَ بأخذِ ما في يدِه مما هو في يده لغيرِه ظلمًا.

стр. 1464

ضمانَ العارية ٣/ ٨٤١ - وعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَتَتْكَ رُسُلِي فَأَعْطِهِمْ ثَلَاِثينَ دِرْعًا"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ، أوْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ؟ قَالَ: "بَلْ عَارِيَةٌ مُؤَدَّاةٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [حسن] ترجمة يعلى بن أمية (وعنْ يَعْلَى بِنْ أميةَ) (٥) ويقالُ مُنَيَّةُ بضمِّ الميم وفتحِ النونِ، وتشديدِ التحتيةِ، صحابيٌّ مشهورٌ. (قال: قالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ : إذا أتتْكَ رُسُلي فأعطِهمْ ثلاثين دِرعًا، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أعاريةٌ مضمونةٌ أو عاريةٌ مؤداةٌ؟ قالَ: بلْ عاريةٌ مؤدَّاةٌ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ ابنُ حبانَ). المضمونةُ التي تضمنُ إنْ تلفتْ بالقيمةِ، والمؤداةُ التي تجبُ تأديتُها معَ بقاءِ عَيْنِها فانْ تلفتْ لم تُضْمَنْ بالقيمةِ. والحديثُ دليلٌ لمنْ ذهبَ إلى أنَّها لَا تُضْمَنُ العاريةُ إلا بالتضمينِ. [وقد] (٦) تقدَّمَ أنهُ أوضحُ الأقوالِ. ٤/ ٨٤٢ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ دُرُوعًا يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ: أغَصْبٌ يَا مُحَمدُ؟ قَالَ: "بَلْ عَارِيةٌ مَضْمُونَةٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٧)، وأَحْمَدُ (٨)، وَالنَّسَائِيُّ (٩)، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١٠) [حسن]

стр. 1465

- وَأَخْرَجَ (١) لَهُ شَاهِدًا ضَعِيفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. ترجمة صفوان بن أمية (وعنْ صفوانَ (٢) بن أمية) قرشيٌّ من أشرافِ قريشٍ، هربَ يومَ الفتحِ فاستؤمن لهُ فعادَ (٣)، وحضرَ معَ النبيِّ ﷺ حُنَيْنًا، والطائفَ كافرًا، ثمَّ أسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، (أن النبيَّ ﷺ استعارَ منهُ دروعًا يومَ حنينٍ فقالَ: أغصْبٌ يا محمدُ؟ [فقال] (٤) بلْ عاريةٌ مضمونةٌ. رواة أبو داودَ، وأحمدُ، والنسائيُّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ. وأخرجَ لهُ شاهدًا ضعيفًا عن ابن عباسِ) ولفظُه (٥): "بلْ عاريةٌ مؤدَّاةٌ". وفي عددِ الدروعِ رواياتٌ فلأبي داودَ (٦): وكانتْ ما بينَ الثلاثينَ إلى الأربعينَ، وللبيهقيِّ (٧)

стр. 1466

في حديثٍ مُرْسَلٍ كانتْ ثمانينَ، وللحاكمِ (١) منْ حديثِ جابرٍ كانتْ مائةَ درعٍ وما يُصْلِحُها، وزادَ (٢) أحمدُ والنسائيُّ في روايةِ ابن عباسٍ فَضَاعَ بعضُها فعرضَ النبيُّ ﷺ أنْ يضْمَنَهَا لهُ فقالَ: أنا اليومَ يا رسولَ اللهِ أرغبُ في الإسلام. وقولُه: مضمونةٌ، تقدَّمَ (٣) الكلامُ عليْها، وأنَّ أصْلَ الوصفِ التقييدُ، وأنهُ الأكثرُ، فهوَ دليل على ضمانِها بالتضمينِ كما أسلفْنا، لا أنهُ يَحْتَمِلُ ويكونُ مجملًا كما قيلَ، قالَهُ الشارحُ. * * *

стр. 1467

[الباب الثاني عشر] باب الغصب هو صدر غصَبَهُ يغصِبُهُ: أخذه ظلمًا، كاغتصبت، كما في القاموس. غصب الأرض وعقوبته ١/ ٨٤٣ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرْضِينَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عنْ سعيدِ بن زيدٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: مَنْ اقتطعَ شِبْرًا منَ الأرضِ) أي: مَنْ أخذهُ وهوَ أحدُ ألفاظِ الصحيحينِ (ظُلْمًا، طوَّقَهُ اللهُ إياهُ يومَ القيامةِ منْ سبْعِ أرضينَ. متفقٌ عليهِ). اختُلِفَ (٢) في معنَى التطويقِ؛ فقيلَ معناهُ: أنه يُعاقَبُ بالخسْفِ إلى سبعِ أرضينَ فتكونُ كلُّ أرضٍ في تلكَ الحالةِ طَوْقًا في عنقِه، ويؤيدُه أن في حديثِ (٣) ابن عُمَرَ خُسِفُ بهِ يومَ القيامةِ إلى سبع أرضينَ. وقيلَ: يكلفُ نقلَ ما ظلمَهُ منْها يومَ القيامةِ إلى المحشرِ، [وتكون] (٤) كالطوقِ في عُنُقِهِ لا أنهُ طَوْقٌ حقيقةً، ويؤيدُه حديثُ: "أيُّما رجلٍ ظلمَ شبرًا منَ الأرضِ كلَّفهُ اللهُ أن يحفرَه حتَّى يبلغَ آخرَ سبْعِ أرضينَ ثمَّ يطوقهُ حتَّى يُقْضَى بينَ الناسِ" أخرجهُ الطبرانيُّ (٥)،

стр. 1468

وابنُ حبانَ (١) من حديثِ يعلى بن مرةَ مرفُوعًا. ولأحمدَ (٢)، والطبرانيِّ (٣): "مَنْ أخَذَ أرْضًا بغيرِ حقِّها كُلِّفَ أنْ يحملَ ترابَها إلى المحشرَ"، وفيهِ قولانِ آخرانِ. والحديثُ دليلٌ على تحريم الظلمِ والغصْبِ، وشدةِ عقوبتهِ، وإمكانِ غَصْبِ الأرضِ، وأنهُ منَ الكبائرِ، وَأنَّ مَنْ مَلَكَ أرْضًا مَلَكَ أسْفَلَها إلى تخوم الأرضِ، ولهُ منعُ مَنْ أرادَ أن يحفرَ تحتَها (٤) سِرْبًا أو بِئْرًا، وأنهُ مَنْ ملكَ ظاهرَ الأرضِ ملكَ باطِنَها بما فيهِ منْ حجارةٍ، أو أبنيةٍ، أوْ معادنَ، وأنَّ لهُ أنْ ينزلَ بالحفرِ ما شاءَ ما لم يضرَّ مَنْ يجاورُه، وأنَّ الأرضينَ السَّبعَ متراكمةٌ لم يفتقْ بعضُها منْ بعضٍ، لأنَّها لو فُتِقَتْ لاكْتُفِيَ في حقِّ هذا الغاصبِ بتطويقِ التي غصبَهَا لانفصَالِها عما تحتَها، وفيهِ دلالةٌ على أن الأرضَ تصيرُ مغصوبةً بالاستيلاءِ عليها. وهلْ تُضْمَنُ إذا تلفتْ بعدَ الغصْبِ، فيهِ خلافٌ، فقيلَ لا تضمنُ لأنهُ إنما يضمنُ ما أخذَ لقولِه (٥) ﷺ : "على اليدِ ما أخذتْ حتّى تُؤَدِّيَهُ" قَالُوا: ولا يقاسُ ثبوتُ اليدِ على النقلِ في المنقُولِ لاختلافِهما في التصرُّفِ. وذهبَ الجمهورُ (٦) إلى أنها تضمنُ بالغصْبِ قياسًا على المنقولِ المتّفقِ على أنَّهُ يضْمنُ بعدَ النَّقلِ بجامعِ الاستيلاءِ الحَاصلِ في نقلِ المنْقُولِ، وفي ثبوتِ اليدِ على غير المنقولِ، بل الحقُّ أن ثبوتَ اليدِ استيلاءٌ وإن لم ينقلْ. يقالُ: استولَى الملكُ على البلدِ، واستولَى زيدٌ على أرضِ عمرٍو. وقولُه: شبرًا، وكذَا ما فوقَهُ بالأَوْلَى، وما دونَه داخلٌ في التحريمِ، وإنَّما لم يذكرْ لأنهُ قدْ لا يقعُ إلا نادرًا. وقدْ وقعَ في بعضِ ألفاظِه عندَ البخاريِّ (٧) شيئًا عوضًا عن شبرٍ فعمَّ. إلَّا أن

стр. 1469

الفقهاءَ يقولونَ: إنهُ لا بُدَّ أنْ يكونَ المغصوبُ لهُ قيمةٌ، وألزموا أنهُ حينئذٍ يأكلُ الرجلُ صاعَ تمرٍ أو زبيبٍ علَى واحدةٍ واحدةٍ فلا يضمنُ، فيأكلُ عمرَهُ منَ المالِ الحرامِ ولا يضمنُ وإنْ أثِمَ، كأكلِه منَ الخبزِ واللحمِ على لقمةٍ لقمةٍ منْ غيرِ استيلاءٍ على الجميعِ. من أتلف شيئًا ضمنه ٢/ ٨٤٤ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ لَهَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتِ الْقَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ وَقَالَ: "كُلُوا"، وَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ لِلرَّسُول، وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢)، وَسَمَّى الضَّارِبَةَ عَائِشَةَ، وَزَادَ: فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "طَعَامٌ بِطَعَامٍ، وَإنَاءٌ بإنَاء"، وَصَحَّحَهُ. [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ عندَ بعضِ نسائِه فأرسلتْ إحدَى أمهاتِ المؤمنينَ) سمَّاها ابنُ حزمٍ (٣) زينبَ بنتَ جحشٍ (معَ خادِمٍ لها) قالَ: المصنفُ ﵀: لم أقفْ على اسمِ الخادمِ (بقصعةٍ فيها طعامٌ، فضربتْ بيدِها فَكَسَرَتْ القصعةَ، فضمَّها، وجعلَ فيها الطعامَ وقالَ: كُلوا، ودفعَ القصعة الصحيحةَ للرسولِ، وحَبَسَ المكسورةَ. رواهُ البخاريُّ، والترمذيُّ، وسمَّى الضاربةَ عائشةَ. وزادَ: فقالَ النبيُّ ﷺ : طعامٌ بطعامٍ، وَإِنَاءٌ بإناءٍ، وصحَّحَهُ). واتفقتْ مثلُ هذِهِ القصةِ منْ عائشَةَ في صحفةِ أمِّ سلمةَ فيما أخرجَهُ النّسائيُّ (٤) عنْ أمِّ سلمةَ: "أنَّها أتتْ بطعامٍ في صحفةِ إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، فجاءتْ عائشةُ متزرةً بكساءٍ، ومعَها فِهرٌ (٥)،

стр. 1470

ففلقتْ بهِ الصَّحْفَةَ - الحديثَ. وقدْ وقعَ مثلُها لحفصةَ (١)، وأنَّ عائشة كسرتِ الإناءَ". ووقعَ مثلُها لصفيةَ (٢) معَ عائشةَ. والحديثُ دليلٌ على أن منِ استهلكَ على غيرِه شيئًا كانَ مضمونًا بمثلِه، وهوَ متفقٌ عليهِ في المِثْلِيِّ منَ الحبوبِ وغيرِها. وأما القيميِّ ففيهِ ثلاثةُ أقوالٍ. الأولُ للشافعيِّ (٣) والكوفيينَ: أنهُ يجبُ فيهِ المثلُ حيوانًا كانَ أو غيرَهُ، ولا تجزئُ القيمةُ إلَّا عندَ عدمِه. والثاني للهادويةِ (٤): أن القيميَّ يُضْمَنَ بقيمتِه. وقالَ مالكٌ (٥) والحنفيةُ (٦): أما ما يُكالُ أو يُوزَنُ فمثلُه وما عدَا ذلكَ منَ العُروضِ والحيواناتِ فالقيمةُ. واستدلَّ الشافعيُّ ومَنْ معَهُ بقولِ النبيّ ﷺ : "إناءٌ بإناءٍ وطعامٌ بطعامٍ"، وبما وقعَ في روايةِ ابن أبي حاتمٍ (٧): "منْ كسرَ شيئًا فهوَ له عليهِ مثلُه". زادَ في روايةِ الدارقطنيِّ (٨): فصارتْ قضيةً، أي مِنَ النَّبيِّ ﷺ ، أي حُكمًا عامًا لكلِّ مَنْ وقعَ لهُ مثلُ ذلكَ، فاندفعَ قولُ مَنْ قالَ إنَّها قضيةُ عينٍ لا عمومَ فيها، ولو كانتْ كذلكَ لكانَ قولُه ﷺ : "إناءٌ بإناءٍ وطعامٌ بطعامٍ" كافيًا في الدَّلِيلِ على أن ذكرَه للطَّعام أوضح في التشريعِ العامِّ، لأنهُ لا غرامة هنا للطعامِ بلِ الغرامةُ

стр. 1471

للإناءِ. وأما الطعامُ فهوَ هديةٌ لهُ ﷺ ، فإنْ عدمَ المثلُ فالمضمونُ لهُ مخيَّرٌ بينَ أنْ يمهلَهُ حتَّى يجدَ المِثْلَ، وبينَ أنْ يأخذَ القيمةَ. واستدلَّ في البحرِ (١) وغيرِه لمنْ قالَ بوجوبِ القيمةِ بأنَّهُ ﷺ قَضَى (٢) على مَنْ أعتقَ شِرْكًا لهُ في عبدٍ أنْ يقوَّمَ عليهِ باقيهِ لشَريكِهِ. قالوا: فقضَى ﷺ بالقيمةِ، وأجيبَ بأنَّ المعتِقَ نصيبَه منْ عبدٍ بينَه وبين آخرِ لم يستهلك شيئًا، ولا غصبَ شيئًا، ولا تعدَّى أصلًا بلْ أعتقَ حِصَّتَهُ التي أباحَ اللهُ لهُ عِتْقَها، ثمَّ إنَّ المستهلكَ بزعمِ المستدلِّ هُنَا هوَ الشِّقْصُ منَ العبدِ، ومناظرةُ شقصٍ لشقصٍ [بعيد] (٣)، فيكونُ النقدُ أقربَ وأبعدَ منَ الشجارِ، على أن التقويمَ لغةً يشملُ التقديرَ بالمثلِ أو بالقيمةِ، وإنما خُصَّ اصطلاحًا بالقيمةِ. وكلامُ الشارعِ يفسَّرُ باللغةِ لا بالاصْطلاحِ الحادثِ، واستدلَّ بإمسَاكِهِ ﷺ أكسارَ القصعةِ في بيتِ التي كَسَرتْ للهادويةِ (٤) والحنفيةِ (٥) القائلينَ بأنَّ العينَ المغصوبةَ إذا زالَ بفعلِ الغاصبِ اسمُها ومعظمُ نَفْعِهَا تصيرُ مُلْكًا للغاصبِ، قالَ ابنُ حزمٍ (٦): إنهُ ليسَ في تعليمِ الظَلَمةِ أكلَ أموالِ الناسِ بالباطل أكثرُ من هذا، فيقالُ لكلِّ فاسقٍ إذا أردت أخْذَ قمح يتيمٍ أو غَيرِه، أوْ أكْلَ غنمه، واستحلالَ ثيابِه فاغصبها وقطعها ثيابًا على رغمِه، واذْبحْ غَنَمهُ واطبخْهَا، وخذِ الحنطةَ واطحنْها، وَكُلْ ذلكَ حلالًا طيبًا، وليسَ عليكَ إلا قيمةُ ما أخذْتَ، وهذا خلافُ القرآنِ في نَهْيِهِ تعالى (٧) أنْ تُوكَلَ أموالُ الناسِ بالباطلِ، وخلافُ المتواترِ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ (٨): "إنَّ أموالكُمْ عليكمْ حرامٌ"، واحتجَّ المخالفُ بقضيةِ القصْعةِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ فيها. واحتجُّوا (٩) بخيرِ الشاةِ المعروفِ، وهوَ أن امرأةً دَعَتْهُ ﷺ إلى طعامٍ فأخبرتْه أنَّها أرادتِ ابتياعَ شاةٍ فلم تَجدْها، فأرسلتْ إلى جارةٍ لها أن

стр. 1472

ابعثي لي الشاةَ التي لِزَوْجِكِ فَبَعَثَتْ بهَا إليْهَا، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالشاةِ أنْ تُطعَمَ الأُسارى. قالوا: فهذا يدلُّ على أن حقَّ صاحبِ الشاةِ قدْ سقطَ عنْها إذا شُوِيَتْ، وأجيبَ بأنَّ الخبرَ لا يصحُّ فإنْ صحَّ فهوَ حجةٌ عليهم لأنهُ خلافُ قولهم؛ إذْ فيهِ أنهُ ﷺ لم يُبْقِ ذلكَ اللحمَ في مُلْكِ التي أخذتها بغيرِ إذنِ مالكِها، وهمْ يقولونَ إنهُ للغاصبِ، وقدْ تصدَّقَ بها ﷺ بغيرِ إذْنِها، وخبرُ شاةِ الأُسارى قدْ بحثْنا فيهِ في منحةِ الغفارِ (١). من غصب أرضًا فزرعها فله ما غرم ٣/ ٨٤٥ - وَعَنْ رَافعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمِ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيءٌ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢)، والأَرْبَعَةُ (٣) إلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. ويُقَالُ إنَّ البُخَارِيَّ (٤) ضَعَّفَهُ. [صحيح بشواهده] (وعنْ رافعِ بن خَديجٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : منْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذْنِهِمْ، فليسَ لهُ من الزرعِ شيءٌ، ولهُ نَفَقَتُهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ إلَّا النسائيَّ، وحسَّنَهُ الترمذيُّ. ويقالُ إنَّ البخاريَّ ضعَّفَه). وهذا القولُ عن البخاريِّ ذَكَرَهُ الخطابيُّ (٥)، وخالفَهُ الترمذيُّ فَنَقَلَ عن البخاريِّ تحسينُه، إلَّا أنهُ قالَ أبو زرعَةَ

стр. 1473

وغيرُه (١): لمْ يسمعِ ابنُ أبي رباحٍ منْ رافعٍ بن خُدَيجٍ. وقد اختلفَ فيهِ الحفَّاظُ اختلافًا كثيرًا، ولهُ شواهدُ تقويهِ، وهوَ دليلٌ على أن غاصِبَ الأرضِ إذا زَرَع الأرضَ لا يملكُ الزرعَ، وأنهُ لمالكِها، ولهُ ما غَرِمَ على الزرعِ منَ النفقةِ والبذْرِ. وهذا مذهبُ أحمدَ بن حنبلٍ (٢)، وإسحاقَ، ومالكٍ (٣)، وهوَ قولُ أكثرِ علماءِ المدينةِ، والقاسمِ بن إبراهيم، وإليهِ ذهبَ أبو محمد (٤) ابنُ حزم، ويدلُّ لهُ حديثُ: "ليسَ لِعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ" سيأتي (٥)؛ إذِ المرادُ بهِ مَنْ غرسَ، أَو زَرَعَ، أو بَنَى، أوْ حَفَرَ في أرْضِ غيرِهِ بغيرِ حقٍّ ولا شُبهةٍ، وذهبَ الأكثر من الأمةِ إلى أنَّ الزرعَ لصاحب البذْرِ الغاصبِ، وعليهِ أجرةُ الأرضِ، واستدلُّوا بحديثِ (٦): "الزرعُ للزارعِ [ولو] (٧) كانَ غاصِبًا" إلَّا أنهُ لم يُخرجْهُ أحدٌ، قالَ في المنارِ: وقدْ بحثتُ عنهُ فلمْ أجدْهُ، والشارحُ نقلَه وبيضَ لمخرجِهِ، واستدلُّوا بحديثِ: "ليسَ لعرقِ ظالمٍ حقٌّ"، ويأتي (٥). وهوَ لأهلِ القولِ الأولِ أظهرُ في الاستدلالِ. يخيَّر الزارع الغاصب بين إخراج فرسه أو أخذه نفقته عليه ٤/ ٨٤٦ - وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: قالَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : إنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ في أَرْضٍ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا فِيهَا نَخْلًا والأرضُ للآخَرِ، فَقَضَى رَسُولُ الله ﷺ بالأرْضِ لِصَاحِبِهَا، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ وَقَالَ: "لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٨)، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. [حسن]

стр. 1474

- وآخِرُهُ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ (١) مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ سَعِيدِ بن زَيْدٍ، وَاخْتُلِفَ في وَصْلِهِ وإِرْسَالِهِ، وَفِي تَعْيِينِ صَحَابِيِّهِ. [صحيح] (وعنْ عروةَ بن الزبيرِ ﵁ قالَ: قالَ رجلٌ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ : إنَّ رجلينِ اختَصما إلى رسولِ الله ﷺ في أرضٍ غَرَسَ أحَدُهما فيها نخلًا، والأرضُ للآخَرِ، فقضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالأرضِ لصاحبها، وأمرَ صاحبَ النخلِ أن يُخْرِجَ نَخْلَهُ، وقالَ: ليسَ لِعِرْقِ ظالمٍ) بالإضافةِ والتوصيفِ، وأنكرَ الخطابيُّ الإضافةَ (حقٌّ. رواهُ أبو داودَ، وإسنادُه حسنٌ، وآخرُهُ عندَ أصحابِ السننِ منْ روايةِ عروةَ عنْ سعيدِ بن زيدٍ، واختُلِفَ في وصْلِهِ وإرْسَالِهِ، وفي تعيينِ صحابيِّهِ)، فرواهُ أبو داود (٢) منْ طريقٍ عن عروةَ مرسلًا، ومنْ طريقٍ أخرَى متصلًا (٣) منْ روايةِ محمدِ بن إسحاقَ، [و] (٤) قالَ: فقالَ رجلٌ منْ أصحاب النبيّ ﷺ وأكثرُ ظَنِّي أنهُ أبو سعيدٍ. وفي البابِ عن عائشةَ أخرجَهُ أبو داودَ الطيالسيُّ (٥)، وعنْ سمرةَ عندَ أبي داودَ (٦)، والبيهقيِّ (٧)،

стр. 1475

وعنْ عبادةَ وعبدِ اللهِ (١) بن عمرٍو عندَ الطبرانيِّ. واختلفُوا في تفسيرِ عِرْقِ ظالمٍ، فقيلَ: هوَ أنْ يغرسَ الرجلُ في أرضِ غيره فيستحقُّها بذلكَ. وقالَ مالكٌ (٢): كلُّ (٣) ما أُخِذ [واحتُفِرَ] (٤) غُرِسَ بغيرِ حقٍّ، وقالَ ربيعةُ: العِرْقُ الظالمُ يكونُ ظاهرًا، ويكونُ باطنًا، فالباطنُ ما احتفرَ الرجلُ منَ الآبارِ، واستخرجَه منَ المعادِن، والظاهرُ ما بناهُ أو غرسَهُ، وقيلَ الظالمُ منْ غرس أو بنى أو زَرَعَ أو حَفَرَ في أرْضِ غيرِهِ بغيرِ حقٍّ ولا شُبْهَةٍ. وكلُّ ما ذُكِرَ منَ التفاسيرِ متقارِبٌ ودليلٌ على أن الزارعَ في أرضِ غيرِه ظالمٌ ولا حقَّ لهُ، بلْ يُخَيَّرُ بينَ إخراجِ ما غرسَهُ أو أخذ نفقتِه عليهِ جمْعًا بينَ الحديثينَ منْ غيرِ تفرقةٍ بينَ زرْعٍ وشجرٍ، والقولُ بأنهُ دليلٌ على أن الزَّرْع للغاصبِ حَمْلٌ لهُ على خلافِ ظاهرِه، وكيفَ يقولُ الشارعُ ليسَ لِعرْقِ ظالمٍ حقٌّ ويسمِّيهِ ظالمًا، وينفي عنهُ الحقَّ، ونقولُ بلِ الحقُّ لهُ. ٥/ ٨٤٧ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: في خُطْبَتِهِ يَوْمَ النَّحْر بمِنًى: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هذَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي بَكْرَةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ في خطبتِه يومَ النحرِ بمنَى: إنَّ دماءَكُمْ وأموالكم عليكمْ حرامٌ، كحرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذَا، في بلدِكم هذا. متفقٌ عليه). وما دلَّ عليهِ واضحٌ وإجماعٌ، ولو بدأ بهِ المصنفُ في أولِ بابِ الغصْبِ لكانَ أليقَ أساسًا، وأحسنَ افتتاحًا.

стр. 1476

[الباب الثالث عشر] باب الشفعة الشُّفعةُ بضمِّ الشينِ المعجمةِ وسكونِ الفاءِ. في اشتقاقِها ثلاثةُ أقوالِ: قيلَ منَ الشَّفع وهوَ الزوجُ، وقيلَ منَ الزيادةِ، وقيلَ منَ الإعانةِ. وهيَ شرْعًا: [انتقالُ] (١) حِصَّةٍ إلى حِصَّةٍ [بسبب شرعيٍّ كانت] (٢) انتقلتْ إلى أجنبيٍّ بمثْلِ العوضِ المسمَّى، وقالَ أكثرُ الفقهاءً: إنَّها واردةٌ على خلافِ القياسِ، لأنَّها تُؤْخَذُ كَرْهًا، ولأنَّ الأذيةَ لا تُدْفَعُ عنْ واحدٍ بضررِ آخرَ. وقيلَ: خالفتْ هذا القياسَ ووافقتْ قياساتٍ أخرَ يدفعُ فيها ضررَ الغيرِ بضررٍ آخرَ، ويؤخذُ حقُّهُ كَرْهًا، كبيعِ الحاكمِ عن المتمرِّدِ والمفلسِ ونحوه. الشفعة في المنقول ١/ ٨٤٨ - عنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بالشُّفْعَةِ في كُلِّ مَا لَمْ يقْسَمْ. فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلا شُفْعَةَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] - وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِم (٤): "الشُّفْعَةُ في كُلِّ شِرْكٍ: في أَرْضٍ، أوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ - وَفِي لَفْظٍ (٥): لا يَحِلُّ - أنْ يَبيعَ حَتى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ". [صحيح]

стр. 1477

وَفي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ (١): قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفعَةِ في كُلِّ شَيءٍ. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح] (عنْ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵁ قالَ: قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفْعَةِ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ، فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِّفَتِ) بضمِّ الصادِ المهملةِ، وتشديدِ الراءِ ففاءٍ، معناهُ بُيِّنَتْ مصارفُ (الطرقِ) وشوارعِها (فلا شُفْعَةَ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاريِّ. وفي روايةِ مسلمٍ) أي منْ حديثِ جابرٍ: (الشفعة في كلِّ شِرْكٍ) أي مشتركٍ (في أرضٍ أو رَبْعِ) بفتحِ الراءِ، وسكونِ الموحدةِ، الدارِ، ويطلقُ على الأرضِ (أو حائطٍ، لا يصلُحُ، وفي لفظٍ: لا يحلُّ أنْ يبيعَ) الخليطَ لدلالةِ السياقِ عليهِ (حتَّى يعرضَ على شَرِيكِهِ. وفي روايةِ الطحاويِّ) أي منْ حديثِ جابر ([فقضى] (٢) النبيُّ ﷺ بالشّفْعَةِ في كلِّ شيءِ. ورجالُه ثِقَاتٌ). الألفاظُ في هذا الحديثِ قدْ تضافرتْ في الدلالةِ على ثبوتِ الشُّفْعَةِ للشريكِ في الدورِ، والعَقَارِ، والبساتينِ، وهذا مجمعٌ (٣) عليهِ إذا كانَ مما يُقْسَمُ، وفيما لا يُقْسَمُ كالحمامِ الصغيرِ ونحوِه خلافٌ. وذهبَ الهادويةُ (٤) - وفي البحرِ العترةُ (٤) - إلى صحة الشُّفْعَةِ في كل شيءٍ، ومثلُه في البحرِ (٤) عنْ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ويدلُّ لهُ حديث الطحاويِّ. ومثلُه عن ابن عباسٍ عندَ الترمذي (٥) مرفوعًا: "الشُّفعةُ في كلِّ شيءٍ"، وإنْ قيلَ إنَّ رفْعَهُ خطأُ

стр. 1478

فقدْ ثبتَ إرسالُه عن ابن عباسٍ، وهوَ شاهدٌ لرفْعِه على أن مرسلَ الصحابيِّ إذا صحَّتْ إليهِ الروايةُ حجةٌ، وعنِ المنصورِ (١) أنهُ لا شفعةَ في المكيلِ والموزونِ، لأنهُ لا ضررَ فيهِ، [والجواب] (٢) أن فيهِ ضَرَرًا هوَ إسقاط حقِّ الجوارِ، ولأنَّا لا نسلِّمُ أن العلةَ الضررُ، وذهبَ الأكثرُ إلى عدمِ ثبوتِها في المنقولِ مستدلينَ بقولِه: "فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِفَتْ الطرقُ فلا شُفْعَةَ"، فإنه دال على أنَّها لا تكونُ إلا في العقارِ، وتلحقُ بهِ الدارُ، لقولِه في حديثِ مسلم (٣): "أوْ رَبْعٍ"، قالُوا: ولأنَّ الضرَّرَ في المنقولِ نادرٌ. وأجيبَ بأنَّ ذِكْرَ حُكْمِ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يَقْصِرُه عليهِ، قالُوا: ولأنهُ أخرجَ البزارُ (٤) منْ حديثِ جابرٍ، والبيهقيِّ (٥) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ الحصْرِ فيهمَا. الأولُ: "ولا شفعةَ إلا في رَبْعٍ أو حائطٍ"، ولفظُ الثاني: "لا شفعةَ إلا في دارٍ أو عَقَارٍ"، إلَّا أنهُ قالَ البيهقيُّ بعدَ سياقِهِ لَهُ: الإسنادُ ضعيفٌ. وأجيبَ بأنَّها لو ثبتتْ لكانتْ مفاهيمَ، ولا يقاومُ منطوقَ "في كلِّ شيءٍ"، ومنْهم مَنِ اسْتَثْنَى مِن المنقولِ الثيابَ فقالُوا: تصحُّ فيها الشفعةُ، ومنْهم من استثْنَى الحيوانَ [فقالُوا] (٦): تصحُّ فيهِ الشفعةُ. وفي حديثِ مسلم دليل على أنهُ لا يحلُّ للشريكِ بيعُ حِصَّتِهِ حتَّى يعرضَ على شريكِهِ، وأنهُ محرَّمٌ عليهِ البيعُ قبلَ [عرْضِه] (٧)، ومَنْ حملَهُ على الكراهةِ فهوَ حملٌ على خلافِ أصلِ النَّهْي بلا دليلٍ. واختلفَ العلماءُ هلْ للشريكِ الشفعةُ بعدَ أنْ يؤاذنه شريكُهُ ثمَّ باعَهُ منْ غَيْرهِ؟ فقيلَ: لهُ ذلكَ، ولا يمنعُ صحَّتَها بعد مؤاذنته، وهذَا قولُ الأكثرِ. وقال الثوريُّ، والحَكَمُ، وأبو عبيدٍ، وطائفةٌ من أهلِ الحديثِ: تَسْقُطُ شفعتُه بعدَ عرضِه

стр. 1479

عليهِ، وهوَ الأوفقُ بلفظِ الحديثِ، وهوَ الذي اخترناهُ في حاشيةِ (١) ضوءِ النهارِ. وفي قولِه: أنْ يبيعَ، ما يشعرُ بأنَّها إنَّما تثبتُ فيما كان بعقدِ البيعِ وهذا مجمعٌ عليهِ، وفي غيرهِ خلاف. وقولُه: في كلِّ شيءٍ، يشملُ الشفعةَ في الإجارةِ، وقدْ منعَها الهادويةُ (٢) وقالُوا: إنما تكونُ في عينٍ لا منفعةَ. وضعفَ قولهم لأنَّ المنفعةَ تُسَمَّى شيئًا وتكونُ مشتركةً فيشملها "في كلِّ شركٍ" أيضًا؛ إذْ لو لم تكنْ شيئًا ولا مشتركةً لما صحَّ التأجيرُ [فيها] (٣)، ولا القسمةُ بالمهاباةِ ونحو ذلكَ، وهيَ بيعٌ مخصوصٌ فيشملُها [قوله] (٤): "لا يحلُّ لهُ أنْ يبيعَ"، فالحقُّ ثبوتُ الشُّفْعَةِ فيها لشمولِ الدليلِ لها، ولوجودِ علةِ الشفعةِ فيها. وظاهرُ [قولِه] (٤): "في كلِّ شركٍ" أي مشتركٍ ثبوتُها للذمي على المسلِم إذا كانَ شريكًا له في الملْكِ، وفيهِ خلافٌ، والأظهرُ ثبوتُها للذمِّيِّ في غير جزيرةِ العربِ، لأنَّهم منهيُّونَ عن البقاءِ فيها (٥). الشفعة للجار على جاره ٢/ ٨٤٩ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَارُ الدَّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ"، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٦)، وَلَهُ عِلَّةٌ. [صحيح لغيره]

стр. 1480

(وعنْ أنس بن مالكٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : جاز الدارِ أحق بالدارِ. رواهُ النسائيُ، وصحَّحَه ابن حِبَّانَ، ولهُ عِلَّةٌ)، وهيَ [أنه أخرجه] (١) أئمةٌ منَ الحفَّاظِ عنْ قتادةَ عنْ أنسٍ، وآخرونَ أخرجُوه عن الحسنِ عنْ سمُرةَ [قالُوا] (٢): وهذا هوَ المحفوظُ، وقيلَ: هما صحيحانِ جميعًا، قالهُ ابنُ القطانِ، وهوَ الأوْلَى، وهذا وإنْ كانَ فيهِ علةٌ فالحديثُ الآتي صحيحٌ. ٣/ ٨٥٠ - وَعَنْ أَبي رَافِعٍ ﵁ قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ"، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣)، وَفِيهِ قِصَّةٌ. [صحيح] وهوَ قولُه: (وعنْ أبي رافعٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : الجارُ أحقُّ بِصَقَبِه) بالصادِ المهملةِ مفتوحة، وفتحِ القافِ [القريب] (٤) (أخرجه البخاريُّ وفيهِ قصةٌ). وهيَ أنهُ قالَ أبو رافعٍ للمسورِ بن مخرمةَ: ألا تأمرُ هذا - يشيرُ إلى سعدٍ - يشتريَ مني بَيْتيَّ اللذينِ في دارهِ، فقال لهُ سعدٌ: واللَّهِ لا أزيدُ على أربعمائةِ دينارٍ، إمَّا مقطعةً أو منجَّمةً، فقال أبو رافع: سبحانَ اللَّهِ لقدْ منعتُهما منْ خمسمائةٍ نَقْدًا فلولا أني سمعتُ رسول اللَّهِ ﷺ الجارُ أحقُّ بصقبِه ما بِعْتُكَ". والحديثُ وإنْ كانَ ذَكَرَهُ أبو رافعٍ في البيعِ فهوَ يعمُّ الشُّفعةَ بالجوارِ. وقد اختلفَ العلماء في الشفعة بالجوار، فذهبَ إلى ثبوتِها الهادويةُ (٥)، والحنفيةُ (٦)، وآخرونَ، لهذهِ الأحاديثِ ولغيرِها، كحديثِ الشريدِ بن سويدٍ قالَ: قلتُ: يا رسول اللَّهِ، أرضٌ لي ليسَ لأحدِ فيها شركٌ ولا قسمٌ إلا الجوارَ قالَ: "الجارُ أحقُّ بصقبهِ". أخرجهُ ابنُ سعدٍ (٧) عنْ

стр. 1481

قتادةَ، عنْ عمْرِو بن شعيبٍ، عن الشريدِ. وحديثُ جابرٍ الآتي (١)، وذهبَ عليٌّ، وعمرُ (٢)، وعثمانُ، والشافعيُّ (٣)، وأحمدُ (٢)، وإسحاقُ، وغيرُهم إلى أنهُ لا شُفْعَةَ بالجوارِ. قالُوا: والمرادُ بالجارِ في الأحاديثِ الشَّريكُ. قالُوا: ويدلُّ على أن المرادَ بهِ ذلكَ حديثُ أبي رافعٍ؛ فإنهُ سَمَّى الخليطَ جارًا، واستدلَّ بالحديثِ، وهوَ منْ أهلِ اللسانِ وأعرفُ بالمرادِ، والقولُ بأنهُ لا يُعْرَفُ في اللغةِ تسميةُ الشريكِ جارًا غيرُ صحيح، فإنَّ كلَّ شيءٍ قاربَ شيئًا فهوَ جارٌ. وأجيبَ بأنَّ أبا رافعِ كان غيرَ شريكٍ لسعدٍ بلْ جارٌ لهُ لأنهُ كانَ يملكُ بيتينِ في دارِ سعدٍ، لا أنهُ كانَ يملكُ شِقْصًا شائعًا من منزلِ سعدٍ. واستدلُّوا أيضًا بما سلفَ من أحاديثِ الشفعةِ للشريكِ وقوله. "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة"، ونحوِه من الأحاديث التي فيها حَصْرُ الشفعةِ قبلَ القسمةِ، وأجيبَ عنْها بأنَّ غايةَ ما فيها إثباتُ الشفعةِ للشريكِ منْ غيرِ تَعَرُّضٍ للجارِ لا بمنطوقٍ ولا مفهومٍ. ومفهومُ الحصْرِ في قولِه (٤): "إنما جعلَ النبي ﷺ الشُّفْعَةَ - الحديثَ"، إنَّما هوَ قبلَ القِسْمَةِ للمبيع بينَ المشتري والشريك، فمدلولُه أن القسمةَ تُبْطِلُ الشُّفْعَةَ وهوَ صريحُ روايةِ (٤): وإنَّما جعلَ النبيُّ الشفعةَ في كلِّ ما لم يُقْسَمْ". فأحاديث إثباتِ الشفعةِ للخليطِ لا تُبْطِلُ ثبوتَها للجارِ بعدَ قيامِ الأدلةِ التي منْها ما سلفَ، ومنْها الحديثَ الآتي: شفعة الجار وشروطها ٤/ ٨٥١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْجَارُ أَحَق بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا - وانْ كَانَ غَائِبًا - إِذَا كَانَ طَرِيقُهُما وَاحِدًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥)، وَالأرْبَعَةُ (٦)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]

стр. 1482

(وعنْ جابرٍ ﵁ قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : الجارُ أحقُّ بشفعة جارِه يَنْتَظِرُ بها وإنْ كانَ غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، ورجاله ثقاتٌ). أحسنَ المصنفُ بتوثيقِ رجالِه، وعدمِ إعلالِه، وإلا فإنَّهم قدْ تكلَّموا في هذِهِ الروايةِ (١) بأنهُ انفردَ بزيادةِ قولِه: "إذا كانَ طريقُهما واحدًا"، عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمان [العرزميِّ] (٢). قلت: وعبد الملكِ ثقة مأمون لا يضرُّ انفرادُه كما عُرِفَ في الأصولِ وعلومِ الحديثِ، والحديثُ منْ أدلةِ شُفْعَةِ الجارِ إلَّا أنهُ قيَّدهُ بقولِه: "إذَا كانَ طريقُهما واحدًا". وقدْ ذهبَ إلى اشتراطِ هذا بعضُ العلماءِ (٣) قائلًا بأنَّها تثبتُ الشفعةُ للجارِ إذا اشتركَ في الطريقِ. قالَ في الشرحِ: ولا يبعدُ اعتبارُه. أما مِنْ حيثُ الدليلُ فللتصريحِ بهِ في حديثِ جابرٍ هذا. ومفهومُ الشرطِ أنهُ إذا كانَ مختلِفًا فلا شفعةَ، وأما منْ حيثُ التعليلُ فلأن شرعيةَ الشفعةِ لمناسبةِ دَفْعِ الضررِ، والضررُ بحسبِ الأغْلَبِ إنَّما يكونُ معَ شدَّةِ الاختلاطِ وشبكةِ الانتفاعِ، وذلكَ إنَّما هوَ معَ الشريكِ في الأصلِ أوْ في الطريقِ، ويندرُ الضررُ معَ عدمِ ذلكَ. وحديثُ جابرٍ المُقَيَّدُ بالشرطِ لا يحتملُ التأويلَ المذكورَ أوَّلًا، لأنهُ إذا كانَ المرادُ بالجارِ الشريكُ فلا فائدةَ لاشتراطِ كونِ الطريقِ واحدًا. قلت: ولا يَخْفَى أنهُ قدْ آلَ الكلامُ إلى الخليطِ لأنهُ معَ اتحادِ الطريقِ تكونُ الشفعةُ للخلطةِ فيها، وهذا هو الذي قرَّرْناهُ في "منحةِ الغفار" (٤) حاشيةِ ضوءِ النهارِ. قالَ ابنُ القيمِ (٥): وهوَ أعدلُ الأقوالِ، وهوَ اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمةَ. وحديثُ جابر هذا صريحٌ فيهِ فإنهُ أثبتَ الشفعةَ بالجوارِ معَ اتحادِ الطريقِ، ونفاها بهِ في حديثِه الآخَرِ معَ [اختلافهما] (٦) حيثُ قالَ: "فإذا وقعتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطرقُ فلا شفعةَ". فمفهومُ حديثِ جابرٍ هذَا هوَ بعينِه منطوقُ حديثِه المتقدِّمِ، فأحدُهما يُصَدِّقُ الآخرَ ويوافقُه، ولا يعارضُه ويناقضُه، وجابرُ رَوَى اللفظينِ فتوافقتِ السننُ وائتلفتْ بحمدِ اللَّهِ، انتهى بمعناهُ.

стр. 1483

وقولُه: ينتظرُ بها، دالٌّ أنها لا تَبْطُلُ شفعةُ الغائبِ وإنْ تَرَاخَى، وأنهُ لا يجبُ عليهِ السيرُ حينَ بلغه الشراءُ لأجلِها. وأما الحديثُ الآتي: ٥/ ٨٥٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : قالَ: "الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١)، وَالْبَزَّارُ، وَزَادَ: "وَلَا شُفْعَةَ لِغَائِبٍ"، وَإسْنَادُهُ ضعِيفٌ (٢). [ضعيف جدًّا] وهوَ قولُه: (وعنِ ابن عمرَ ﵁ الشفعةُ كحلِّ عقالٍ. رواهُ ابن ماجهْ، والبزارُ. وزادَ: ولا شفعةَ لغائبٍ، وإسنادُه ضعيفٌ) فإنه لا تقومُ بهِ حجةٌ لِمَا ستعرفَهُ، ولفظُه منْ روايتِهِما: "لا شفعةَ لغائب، ولا لصغيرِ، والشفعةُ كحلِّ عقالٍ". وضعَّفَه البزارُ، وقالَ ابنُ حبانَ (٣): لَا أصلَ لهُ. وقالَ أبو زرعةَ (٣): منكرٌ. وقالَ البيهقيَّ (٣)؛ ليسَ بثابتٍ. وفي معناهُ أحاديثُ كلُّها لا أصلَ لها. اختلفَ الفقهاءُ في ذلكَ، فعندَ الهادويةِ (٤)، والشافعيةِ (٥)، والحنابلة (٦) أنَّها على الفورِ ولهم تقاديرُ في زمانِ [الفورية] (٧) لا دليلَ على شيءٍ منها، ولا شكَّ أنهُ إذا كانَ وجْهُ شرعيَّتِها دفعَ الضررِ فإنّهُ يناسبُ الفوريةَ لأنهُ يقالُ: كيفَ يبالغُ في دفعِ ضررِ الشفيعِ، ويبالغُ في ضررِ المشتري ببقاءِ مشتراهُ مُعَلَّقًا، إلَّا أنهُ لا يكْفِي هذا القَدْرُ في إثباتِ حكمٍ، والأصلُ عدمُ اشتراطِ الفوريةِ، وإثباتُها يحتاجُ إلى دليلٍ، ولا دليلَ. وقدْ عَقَدَ البيهقيُّ بابًا في "السنن الكبرى" (٨) لألفاظِ منكرةِ يذكرُها بعضُ الفقهاءِ، وعدَّ منْها الشفعةَ كحلِّ عقالٍ، ولا شفعةَ لصبيٍّ ولا لغائبٍ، والشفعةُ لا ترثُ ولا تُورثُ، والصبيُّ على شفعته حتَّى يُدْرِكَ، ولا شفعةَ لنصرانيٍّ، ولا لليهوديِّ ولا للنصرانيِّ شفعةٌ، فعدَّ منْها حديثَ الكتابِ.

стр. 1484

[الباب الرابع عشر] باب القراض القِراضُ بكسرِ القافِ، وهوَ معاملةُ العاملِ بنصيب منَ الربحِ، وهذِه تسميتُه في لغةِ أهلِ الحجازِ، وتسمَّى مضاربةٌ مأخوذةٌ منَ الضربِ في الأرضِ، لما كانَ الربحُ يحصلُ في الغالبِ بالسفرِ، أو من الضربِ في المالِ وهوَ التصرفُ. ١/ ٨٥٣ - عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "ثَلاثٌ فِيهن الْبَرَكةُ: الْبَيعُ إلَى أجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَخَلْطُ الْبُرِّ بِالشعِيرِ لِلْبَيتِ لَا لِلْبَيعِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف جدًّا] (عنْ صهيبٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: ثلاثٌ فيهنَّ البَرَكَةُ: البيعُ إلى أجلٍ، والمقارضةُ، وخلطُ البُرِّ بالشَّعيرِ للبيتِ لَا لِلْبَيْعِ"، رواهُ ابنُ ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ)، وإنَّما كانتِ البركةُ في ثلاثةٍ لما في البيعِ إلى أجلٍ منَ المسامحةِ، والمساهلةِ، والإعانةِ للغريمِ بالتأجيلِ، وفي المقارضةِ لما في ذلكَ منَ انتفاعِ الناسِ بعضهم ببعضٍ، وخلطِ البرِّ بالشعيرِ قوتًا لا للبيعِ، لأنهُ قدْ يكونُ فيهِ غَرَرٌ وغِشٌّ. ٢/ ٨٥٤ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ﵁ أنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا

стр. 1485

أعْطَاهُ مَالًا مُقَارَضَةً: أنْ لا تَجْعَلَ مَالِي في كَبِدٍ رَطْبَةٍ، وَلَا تَحْمِلَهُ في بَحْرٍ، وَلَا تَنْزِلَ بِهِ في بَطْنِ مَسِيلٍ، فَإنْ فَعَلْتَ شَيْئًا مِن ذلك فَقَدْ ضَمِنْتَ مَالِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح] - وَقَالَ مَالِكٌ في المُوَطَّإِ (٢)، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: إنَّهُ عَمِلَ في مَالٍ لِعُثْمَانَ عَلَى أن الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ. [صحيح] (وعنْ حكيمِ بن حزامٍ ﵁ أنهُ كانَ يشترطُ على الرجلِ إذا أعطاهُ مالًا مقارضة أنْ لا تجعلَ مالي في كبدٍ رطبةٍ، ولا تحملَه في بحرٍ، ولا تنزلَ بهِ في بطنِ مسيلٍ، فإنْ فعلْتَ شيئًا منْ ذلكَ فقدْ ضَمِنْتَ مالي. رواهُ الدارقطني ورجالُه ثقاتٌ. وقالَ مالكٌ في الموطإِ عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ أنهُ عَمِلَ في مالٍ لعثمانَ على أن الربحَ بينَهما، وهوَ موقوفٌ صحيحٌ). لا خلافَ (٣) بينَ المسلمينَ في جوازِ القراضِ، وأنهُ مما كانَ في الجاهليةِ فأقرَّهُ الإسلامُ، وهوَ نوعٌ منَ الإجارةِ إلَّا أنهُ عُفِيَ فيها عنْ جهالةِ الأجرِ، وكأن الرُّخصةَ في ذلكَ [الموضع] (٤) للرفقِ بالناسِ. ولها أركانٌ وشروطٌ: فأركانُها العقدُ بالإيجابِ أو ما في حكمهِ، والقَبولُ أو ما في حكمِه، وهوَ الامتثالُ بينَ جائزي التصرفِ، إلَّا منْ مسلمٍ لكافرٍ على مالِ نقدٍ عندَ الجمهورِ. ولها أحكامٌ مُجْمَعٌ (٥) عليها، منْها: أن الجهالةَ مغتفرةٌ فيها، ومنْها أنهُ لا ضمانَ على العاملِ فيما تلفَ منْ رأسِ المالِ إذا لم يتعدَّ. واختلفُوا إذا كانَ دَيْنًا، فالجمهورُ (٦) على مَنْعِهِ، قيلَ لتجويزِ إعسارِ العامل

стр. 1486

بالدَّيْنِ فيكونُ تأخيره عنهُ لأجلِ الربحِ، فيكونُ منَ الربا المنْهِيِّ عنهُ، وقيلَ [إنما] (١) ما في الذمةِ لا يتحولُ عن الضمانةِ ويصيرُ أمانةً، وقيلَ: لأنَّ ما في الذمةِ ليسَ بحاضرٍ حقيقةً فلم يتعيَّنْ كونُه مالَ المضاربةِ، ومن شرطِ المضاربةِ أنْ تكونَ على مالٍ منْ صاحبِ المالِ، واتفقُوا أيضًا على أنهُ إذا اشترطَ أحدُهما منَ الربحِ لنفسِه شيئًا زائدًا معيَّنًا فإنهُ لا يجوزُ ويلغُو. ودلَّ حديثُ حكيمٍ على أنهُ يجوزُ لمالكِ المالِ أن يحجرَ العاملَ عما شاءَ، فإنْ خالفَ ضمنَ إذا تلفَ المالُ، وإنْ سَلِمَ المالُ فالمضاربةُ باقيةٌ إذا كان يرجعُ إلى الحفظِ، أما إذا كان الاشتراطُ لا يرجعُ إلى الحفظِ بلْ كانَ يرجعُ إلى التجارةِ وذلكَ بأنْ ينهاهُ أنْ [لا] (٢) يشتريَ نوعًا مُعَيَّنًا، ولا يبيعَ منْ فلانٍ، فإنهُ يصيرُ فضوليًا إذا خالف، فإنْ أجازَ المالكُ نفذَ البيعُ وإن لم يجزْ لم ينفذْ. * * *

стр. 1487

[الباب الخامس عشر] باب المساقاة والإجارة ١/ ٨٥٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا (٢): فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلاهُمْ عُمَرُ ﵁. [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٣): أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا. [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن رسولَ اللهِ ﷺ عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ منها من ثمرٍ أو زرعٍ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ لهما: فسأَلُوهُ أنْ يقرَّهم بها عَلَى أنْ يَكْفُوا عملَها ولهمْ نِصْفُ الثمرِ، فقالَ [لهم] (٤) رسولُ الله ﷺ : نقِرُّكم بها على ذلكَ ما شِئْنَا فَقَرُّوا بها حتى أجلاهم عمرُ ﵁. ولمسلمٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ دفعَ إلى يهودِ خيبرَ

стр. 1488

نخلَ خيبرَ وأرضَها، على أنْ يعتملوها منْ أموالِهم، ولهمْ شطرُ ثمرِها). الحديثُ دليل على صحةِ المساقاةِ والمزارعةِ، وهوَ قولُ عليًّ (١)، وأبي بكر، وعمرَ ﵃، وأحمدَ (٢)، وابنِ خزيمةَ، وسائرِ فقهاءِ المحدثينَ. وأنَّهما تجوزانِ مجتمعين، وتجوزُ كلُّ واحدةٍ منفردةً. والمُسْلمُونَ في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ مستمرونَ على العملِ بالمزارعةِ. وفي قولِهِ: ما شِئْنَا دليلٌ على صحةِ المساقاةِ والمزارعةِ وإنْ كانتِ المدةُ مجهولةً (٣). وقالَ الجمهورُ: لا تجوزُ المساقاةُ والمزارعةُ إلَّا في مدةٍ معلومةٍ كالإجارةِ، وتأوَّلُوا قولَه: "ما شِئْنا" عَلَى مدةِ العهدِ، وأنَّ المرادَ نُمَكِّنُكُمْ منَ المقامِ في خيبرَ ما شِئنا، ثمَّ نخرجُكم إذا شِئْنَا، لأنهُ ﷺ عازِمًا على إخراجِ اليهودِ منْ جزيرةِ العربِ، وفيهِ نظرٌ. وأما المساقاةُ فإنَّ مدَّتَها معلومةٌ، لأنها إجارةٌ. وقدِ اتفقُوا على أنها لا تجوزُ إلا بأجل معلومٍ، وقالَ ابنُ القيمِ ﵀ في "زادِ المعادِ" (٤): في قصةِ خيبرَ دليلٌ على جوازِ المساقاةِ والمزارعةِ بجزءٍ منَ الغلةِ منْ ثمرٍ أوْ زرعٍ، فإنهُ ﷺ عاملَ أهلَ خيبرَ على ذلكَ، واستمرَّ على ذلكَ إلى حينِ وفاتِه لمْ ينسخِ ألبتةَ، واستمرَّ عملُ خلفائِه الراشدينَ عليهِ، وليسَ هذا منْ بابِ المؤاجرةِ في شيءٍ، بلْ منْ بابِ المشاركةِ وهوَ نظيرُ المضاربةِ سواءٌ، فمنْ أباحَ المضاربةَ وحرَّمَ ذلكَ فقد فرَّق بينَ متماثلينِ، فإنَّه ﷺ دفعَ إليهم الأرضَ على أن يعملوها منْ أموالِهم، ولم يدفعْ إليهم البذْرَ ولا كانَ يحملُ إليهمُ البذرَ منَ المدينةَ قَطْعًا، فدلَّ على أن هديَهُ ﷺ عدمُ اشتراطِ كونِ البذرِ منْ ربِّ الأرضِ، وأنهُ يجوزُ أنْ يكونَ منَ العاملِ، وهذا كانَ هَدْيُهُ ﷺ ، وَهَدْيُ الخلفاءِ الراشدينَ منْ بعدِه، وكما أنهُ هوَ المنقولُ فهوَ الموافقُ للقياسِ، فإنَّ الأرضَ بمنزلةِ رأسِ المالِ في المضاربةِ، [والبذرُ يجري مَجْرَى سَقْي الماءِ، ولهذا يموتُ في الأرض فلا يرجعُ إلى صاحبهِ، ولوْ كانَ بمنزلةِ رأسِ المالِ في المضاربةِ] (٥) لاشترطَ عودَه إلى صاحبهِ، وهذا يفسدُ المزارعةَ فعلمَ أن القياسَ الصحيحَ هوَ الموافقُ لِهَدْي

стр. 1489

رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وخلفائِه الراشدينَ، انتَهى. وقدْ أشارَ في كلامِه إلى ما [ذهبَ] (١) إليهِ الحنفيةُ (٢)، والهادويةُ (٣) منْ أن المساقاةَ والمزارعةَ لا تصحُّ وهيَ فاسدةٌ. وتأوَّلُوا هذا الحديثَ بأنَّ خيبرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ فكانَ أهلُها عبيدًا لهُ ﷺ ، فما أخذه فهوَ له، وما تركَه فهوَ له، وهوَ كلامٌ مردودٌ لا يحسنُ الاعتمادُ عليهِ. صحة كراء الأرض بأجرة معلومة ٢/ ٨٥٦ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قالَ: سَألْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كَرَاءِ الأرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هذَا ويَسْلَمُ هَذا، وَيسْلَمُ هَذَا وَيهْلِكُ هذَا، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيءٌ مَعْلُومٌ مضمونٌ فَلَا بَاسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ (٥) عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ.

стр. 1490

(وعنْ حنظلةَ بن قيسٍ ﵁) هوَ الزرقيُّ الأنصاريُّ، منْ ثقاتِ أهلِ المدينةِ (قالَ: سألتُ رافعَ بنَ خديجٍ عنْ كراءِ الأرضِ بالذهبِ والفِضةِ فقالَ: لا بأسَ بهِ، إنَّما كانَ الناس [يؤجرون] (١) على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ على الماذِياناتِ) بذالٍ معجمةٍ مكسورةٍ، ثمَّ مثناةٍ تحتيةٍ، ثم ألفٍ، ثم نونٍ، ثم ألفٍ، ثم مثناةٍ فوقيةٍ، هي مسايلُ المياهِ، وقيلَ: ما ينبتُ حولَ السواقي، (وأقبالِ الجداولِ) بفتحِ الهمزةِ، فقافٍ، فموحدةٍ، أوائلُ الجداولِ ورؤوسها، والجدول النهر الصغير، (وأشياءَ منَ الزرعِ فيهلكُ هذا ويسلَم هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهْلِكُ هذا، ولم يكنْ للناسِ كِرَاءٌ إلا هذا، فلذلك زَجَرَ عنهُ. فأما شيءٌ معلومٌ مضمون فلا بأسَ به. رواة مسلمٌ. وفيه بيانٌ لما أجْمِلَ في المتفقِ عليهِ منْ إطلاقِ النهي عنْ كِرَاءِ الأرضِ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ كراءِ الأرضِ بأجرةٍ معلومةٍ منَ الذهبِ والفضةِ، ويقاسُ عليهما غيرُهما منْ سائرِ الأشياءِ المتقوَّمةِ، ويجوزُ بما يخرُج منها منْ ثلثٍ أو ربعٍ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ، وحديثُ ابن عمرَ (٢) قالَ: "قدْ علمتُ أن الأرض كانتْ تُكْرَى على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بما على الأربعاءِ، وشيءٍ منَ التبنِ لا أدري [كم] (٣) هوَ. أخرجه مسلمٌ (٢)، وأخرجَ أيضًا أن ابنَ عمر (٤) كانَ يعطي أرضَه بالثلثِ والربعِ ثمَّ تَرَكَهُ"، ويأتي (٥) ما يعارضُه. وقولُه: على الأربعاءِ جمعُ ربيعٍ، وهي الساقيةُ الصغيرةُ، ومعناهُ هوَ وحديثُ الباب أنَّهم كانُوا يَدفَعون الأرضَ إلى مَنْ يَزرَعُها ببذرٍ منْ عندِه على أن يكونَ لمالكِ الأرضِ ما ينبتُ على

стр. 1491

مسايلِ المياهِ، ورؤوسِ الجداولِ، أوْ هذهِ القطعةِ والباقي للعاملِ، فَنهُوا عنْ ذلكَ لما فيهِ مِنَ الغَرَرِ، فَرُبَّما هلكَ ذا دونَ ذاكَ. ٣/ ٨٥٧ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ أن رَسُول الله ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) أَيْضًا. [صحيح] (وعنْ ثابتِ بن الضحاكِ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن المزارعةِ، وأمرَ بالمؤاجرةِ، رواهُ مسلمٌ). وأخرجَ مسلمٌ (٢) أيضًا أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كانَ يُكْري أرضَه حتى بَلَغَهُ أن رافعَ بنَ خديجٍ الأنصاريِّ كانَ يَنْهَى عنْ كراءِ المزارعِ، فلقيهُ عبدُ اللَّهِ فقال: يا ابنَ خديجٍ، ماذا تُحَدِّثُ عَنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ في كِراءِ الأرضِ؟ قال رافعٌ لعبدِ اللَّهِ: سمعتُ عَمَّيَّ وكانا شهدا بدرًا يحدثانِ أهلَ الدارِ أن رسولِ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنْ كِراءِ الأرضِ. فقالَ عبدُ اللَّهِ: لقدْ كنتُ أعلمُ في عهدِ رسول اللَّهِ ﷺ أن الأرْضَ تُكْرَى، ثم خَشِيَ عبدُ اللَّهِ أنْ يكونَ رسول اللَّهِ ﷺ أحدثَ في ذلكَ شيئًا لم يكنْ، فتركَ كراءَ الأرضِ. وفي النَّهْي عن المزارعةِ أحاديثُ (٣) ثابتةٌ، وقدْ جُمِعَ بينَها وبينَ الأحاديثِ الدالةِ على جوازِها بوجوهٍ، أحسنُها أن النَّهْيَ كانَ في أولِ الأمرِ لحاجةِ الناسِ، وكونِ المهاجرينَ ليست لهمْ أرضٌ فأمرَ الأنصارَ بالتكرُّمِ بالمواساةِ، ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ مسلمٌ (٤) منْ حديثِ جابرٍ قال: كانَ لرجالٍ منَ الأنصارِ فضولُ أرضٍ، وكانُوا يُكْرُونَها بالثلثِ والرُّبع، فقالَ النبي ﷺ : "مَنْ كانتْ لهُ أرضٌ فليزْرعْها، أو لِيَمْنَحْها أخاهُ، فإنْ أبَى فلْيَمْسكْها". وهذا كما نُهُوا (٥) عن ادِّخارِ لحومِ الأضحيةِ ليتصدقُوا بذلكَ، ثمَّ بعدَ توسُّعِ حالِ المسلمينَ زالَ الاحتياجُ فأبيحَ لهمُ المزارعةُ، وتصرُّفُ المالكِ في ملكِه بما شاءَ منْ إجارةٍ وغيرِها. ويدلُّ على ذلكَ ما وقعَ منَ المزارعةِ في
следующие страницы →