← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1487–1526 · переход к 1492.

стр. 1487

[الباب الخامس عشر] باب المساقاة والإجارة ١/ ٨٥٥ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا (٢): فَسَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَقَرُّوا بِهَا، حَتَّى أَجْلاهُمْ عُمَرُ ﵁. [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٣): أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا، عَلَى أنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلَهُمْ شَطْرُ ثَمَرِهَا. [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن رسولَ اللهِ ﷺ عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرجُ منها من ثمرٍ أو زرعٍ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ لهما: فسأَلُوهُ أنْ يقرَّهم بها عَلَى أنْ يَكْفُوا عملَها ولهمْ نِصْفُ الثمرِ، فقالَ [لهم] (٤) رسولُ الله ﷺ : نقِرُّكم بها على ذلكَ ما شِئْنَا فَقَرُّوا بها حتى أجلاهم عمرُ ﵁. ولمسلمٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ دفعَ إلى يهودِ خيبرَ

стр. 1488

نخلَ خيبرَ وأرضَها، على أنْ يعتملوها منْ أموالِهم، ولهمْ شطرُ ثمرِها). الحديثُ دليل على صحةِ المساقاةِ والمزارعةِ، وهوَ قولُ عليًّ (١)، وأبي بكر، وعمرَ ﵃، وأحمدَ (٢)، وابنِ خزيمةَ، وسائرِ فقهاءِ المحدثينَ. وأنَّهما تجوزانِ مجتمعين، وتجوزُ كلُّ واحدةٍ منفردةً. والمُسْلمُونَ في جميعِ الأمصارِ والأعصارِ مستمرونَ على العملِ بالمزارعةِ. وفي قولِهِ: ما شِئْنَا دليلٌ على صحةِ المساقاةِ والمزارعةِ وإنْ كانتِ المدةُ مجهولةً (٣). وقالَ الجمهورُ: لا تجوزُ المساقاةُ والمزارعةُ إلَّا في مدةٍ معلومةٍ كالإجارةِ، وتأوَّلُوا قولَه: "ما شِئْنا" عَلَى مدةِ العهدِ، وأنَّ المرادَ نُمَكِّنُكُمْ منَ المقامِ في خيبرَ ما شِئنا، ثمَّ نخرجُكم إذا شِئْنَا، لأنهُ ﷺ عازِمًا على إخراجِ اليهودِ منْ جزيرةِ العربِ، وفيهِ نظرٌ. وأما المساقاةُ فإنَّ مدَّتَها معلومةٌ، لأنها إجارةٌ. وقدِ اتفقُوا على أنها لا تجوزُ إلا بأجل معلومٍ، وقالَ ابنُ القيمِ ﵀ في "زادِ المعادِ" (٤): في قصةِ خيبرَ دليلٌ على جوازِ المساقاةِ والمزارعةِ بجزءٍ منَ الغلةِ منْ ثمرٍ أوْ زرعٍ، فإنهُ ﷺ عاملَ أهلَ خيبرَ على ذلكَ، واستمرَّ على ذلكَ إلى حينِ وفاتِه لمْ ينسخِ ألبتةَ، واستمرَّ عملُ خلفائِه الراشدينَ عليهِ، وليسَ هذا منْ بابِ المؤاجرةِ في شيءٍ، بلْ منْ بابِ المشاركةِ وهوَ نظيرُ المضاربةِ سواءٌ، فمنْ أباحَ المضاربةَ وحرَّمَ ذلكَ فقد فرَّق بينَ متماثلينِ، فإنَّه ﷺ دفعَ إليهم الأرضَ على أن يعملوها منْ أموالِهم، ولم يدفعْ إليهم البذْرَ ولا كانَ يحملُ إليهمُ البذرَ منَ المدينةَ قَطْعًا، فدلَّ على أن هديَهُ ﷺ عدمُ اشتراطِ كونِ البذرِ منْ ربِّ الأرضِ، وأنهُ يجوزُ أنْ يكونَ منَ العاملِ، وهذا كانَ هَدْيُهُ ﷺ ، وَهَدْيُ الخلفاءِ الراشدينَ منْ بعدِه، وكما أنهُ هوَ المنقولُ فهوَ الموافقُ للقياسِ، فإنَّ الأرضَ بمنزلةِ رأسِ المالِ في المضاربةِ، [والبذرُ يجري مَجْرَى سَقْي الماءِ، ولهذا يموتُ في الأرض فلا يرجعُ إلى صاحبهِ، ولوْ كانَ بمنزلةِ رأسِ المالِ في المضاربةِ] (٥) لاشترطَ عودَه إلى صاحبهِ، وهذا يفسدُ المزارعةَ فعلمَ أن القياسَ الصحيحَ هوَ الموافقُ لِهَدْي

стр. 1489

رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وخلفائِه الراشدينَ، انتَهى. وقدْ أشارَ في كلامِه إلى ما [ذهبَ] (١) إليهِ الحنفيةُ (٢)، والهادويةُ (٣) منْ أن المساقاةَ والمزارعةَ لا تصحُّ وهيَ فاسدةٌ. وتأوَّلُوا هذا الحديثَ بأنَّ خيبرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ فكانَ أهلُها عبيدًا لهُ ﷺ ، فما أخذه فهوَ له، وما تركَه فهوَ له، وهوَ كلامٌ مردودٌ لا يحسنُ الاعتمادُ عليهِ. صحة كراء الأرض بأجرة معلومة ٢/ ٨٥٦ - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ ﵁ قالَ: سَألْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كَرَاءِ الأرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَالَ: لَا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هذَا ويَسْلَمُ هَذا، وَيسْلَمُ هَذَا وَيهْلِكُ هذَا، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيءٌ مَعْلُومٌ مضمونٌ فَلَا بَاسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي الْمُتَّفَقِ (٥) عَلَيْهِ مِنْ إِطْلَاقِ النَّهْيِ عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ.

стр. 1490

(وعنْ حنظلةَ بن قيسٍ ﵁) هوَ الزرقيُّ الأنصاريُّ، منْ ثقاتِ أهلِ المدينةِ (قالَ: سألتُ رافعَ بنَ خديجٍ عنْ كراءِ الأرضِ بالذهبِ والفِضةِ فقالَ: لا بأسَ بهِ، إنَّما كانَ الناس [يؤجرون] (١) على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ على الماذِياناتِ) بذالٍ معجمةٍ مكسورةٍ، ثمَّ مثناةٍ تحتيةٍ، ثم ألفٍ، ثم نونٍ، ثم ألفٍ، ثم مثناةٍ فوقيةٍ، هي مسايلُ المياهِ، وقيلَ: ما ينبتُ حولَ السواقي، (وأقبالِ الجداولِ) بفتحِ الهمزةِ، فقافٍ، فموحدةٍ، أوائلُ الجداولِ ورؤوسها، والجدول النهر الصغير، (وأشياءَ منَ الزرعِ فيهلكُ هذا ويسلَم هذا، ويَسْلَمُ هذا ويَهْلِكُ هذا، ولم يكنْ للناسِ كِرَاءٌ إلا هذا، فلذلك زَجَرَ عنهُ. فأما شيءٌ معلومٌ مضمون فلا بأسَ به. رواة مسلمٌ. وفيه بيانٌ لما أجْمِلَ في المتفقِ عليهِ منْ إطلاقِ النهي عنْ كِرَاءِ الأرضِ). الحديثُ دليلٌ على صحةِ كراءِ الأرضِ بأجرةٍ معلومةٍ منَ الذهبِ والفضةِ، ويقاسُ عليهما غيرُهما منْ سائرِ الأشياءِ المتقوَّمةِ، ويجوزُ بما يخرُج منها منْ ثلثٍ أو ربعٍ لما دلَّ عليهِ الحديثُ الأولُ، وحديثُ ابن عمرَ (٢) قالَ: "قدْ علمتُ أن الأرض كانتْ تُكْرَى على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بما على الأربعاءِ، وشيءٍ منَ التبنِ لا أدري [كم] (٣) هوَ. أخرجه مسلمٌ (٢)، وأخرجَ أيضًا أن ابنَ عمر (٤) كانَ يعطي أرضَه بالثلثِ والربعِ ثمَّ تَرَكَهُ"، ويأتي (٥) ما يعارضُه. وقولُه: على الأربعاءِ جمعُ ربيعٍ، وهي الساقيةُ الصغيرةُ، ومعناهُ هوَ وحديثُ الباب أنَّهم كانُوا يَدفَعون الأرضَ إلى مَنْ يَزرَعُها ببذرٍ منْ عندِه على أن يكونَ لمالكِ الأرضِ ما ينبتُ على

стр. 1491

مسايلِ المياهِ، ورؤوسِ الجداولِ، أوْ هذهِ القطعةِ والباقي للعاملِ، فَنهُوا عنْ ذلكَ لما فيهِ مِنَ الغَرَرِ، فَرُبَّما هلكَ ذا دونَ ذاكَ. ٣/ ٨٥٧ - وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ أن رَسُول الله ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) أَيْضًا. [صحيح] (وعنْ ثابتِ بن الضحاكِ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن المزارعةِ، وأمرَ بالمؤاجرةِ، رواهُ مسلمٌ). وأخرجَ مسلمٌ (٢) أيضًا أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كانَ يُكْري أرضَه حتى بَلَغَهُ أن رافعَ بنَ خديجٍ الأنصاريِّ كانَ يَنْهَى عنْ كراءِ المزارعِ، فلقيهُ عبدُ اللَّهِ فقال: يا ابنَ خديجٍ، ماذا تُحَدِّثُ عَنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ في كِراءِ الأرضِ؟ قال رافعٌ لعبدِ اللَّهِ: سمعتُ عَمَّيَّ وكانا شهدا بدرًا يحدثانِ أهلَ الدارِ أن رسولِ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنْ كِراءِ الأرضِ. فقالَ عبدُ اللَّهِ: لقدْ كنتُ أعلمُ في عهدِ رسول اللَّهِ ﷺ أن الأرْضَ تُكْرَى، ثم خَشِيَ عبدُ اللَّهِ أنْ يكونَ رسول اللَّهِ ﷺ أحدثَ في ذلكَ شيئًا لم يكنْ، فتركَ كراءَ الأرضِ. وفي النَّهْي عن المزارعةِ أحاديثُ (٣) ثابتةٌ، وقدْ جُمِعَ بينَها وبينَ الأحاديثِ الدالةِ على جوازِها بوجوهٍ، أحسنُها أن النَّهْيَ كانَ في أولِ الأمرِ لحاجةِ الناسِ، وكونِ المهاجرينَ ليست لهمْ أرضٌ فأمرَ الأنصارَ بالتكرُّمِ بالمواساةِ، ويدلُّ لهُ ما أخرجَهُ مسلمٌ (٤) منْ حديثِ جابرٍ قال: كانَ لرجالٍ منَ الأنصارِ فضولُ أرضٍ، وكانُوا يُكْرُونَها بالثلثِ والرُّبع، فقالَ النبي ﷺ : "مَنْ كانتْ لهُ أرضٌ فليزْرعْها، أو لِيَمْنَحْها أخاهُ، فإنْ أبَى فلْيَمْسكْها". وهذا كما نُهُوا (٥) عن ادِّخارِ لحومِ الأضحيةِ ليتصدقُوا بذلكَ، ثمَّ بعدَ توسُّعِ حالِ المسلمينَ زالَ الاحتياجُ فأبيحَ لهمُ المزارعةُ، وتصرُّفُ المالكِ في ملكِه بما شاءَ منْ إجارةٍ وغيرِها. ويدلُّ على ذلكَ ما وقعَ منَ المزارعةِ في

стр. 1492

عَهْدِهِ ﷺ وعَهْدِ الخلفاءِ منْ بعدِه، ومنَ البعيدِ غَفْلَتُهم عنه النَّهْي، وتركِ إشاعةِ رافعٍ لهُ في هذهِ المدةِ، وذكرهُ في آخِرِ خلافةِ معاويةَ (١). قالَ الخطابي (٢): قدْ عَقَلَ المعنَى ابنُ عباسٍ (٣) وأنهُ ليسَ المرادُ تحريمَ المزارعة بشطرِ ما تخرجُه الأرضُ، وإنَّما أُرِيْدَ بذلكَ أنْ يتمانحوا، وأنْ يرفقَ بعضُهم بعضًا، انتهى. وعن زيدِ (٤) بن ثابتٍ: يغفرُ اللَّهُ لرافعٍ، أنَا واللَّهِ أعلمُ بالحديثِ منهُ: "إنَّما أتاهُ رجلانِ منَ الأنصارِ قدِ اختلفَا، فقالَ: إنْ كانَ هذا شأنُكم فلا تُكْرُوا المزارعَ"، كأن زيدًا يقولُ: إنَّ رافعًا اقتطعَ الحديثَ، فرَوَى النَّهْيَ غير راوٍ أوَّلَه فأخلَّ بالمقصودِ، وأما الاعتذارُ عنْ جهالةِ الأجرةِ فقدْ صحَّ في المرضعةِ (٥) بالنفقةِ، والكسوةِ معَ الجهالةِ قدْرًا، ولأنه كالمعلومِ جملة، لأنَّ الغالبَ تَقَارُبُ حالِ الحاصلِ، وقدْ حُدَّ بجهةِ الكميةِ أعني النصفَ والثلثَ، وجاءَ النصُّ فقطعَ التكلُّفاتِ. جواز إعطاء الحجَّام أجرَهُ ٤/ ٨٥٨ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦). [صحيح]

стр. 1493

(وعنِ ابن عباسٍ ﵁ قالَ: احتجمَ رسول اللَّهِ ﷺ ، وأعْطَى الذي حَجَمَهُ أَجْرَهُ، ولوْ كانَ حرامًا لم يعطه. رواهُ البخاريُّ)، وفي لفظٍ في البخاريِّ (١): ولو عَلِمَ كراهيةً (٢) لم يعطِه. وهذَا منْ قولِ ابن عباسٍ ﵁، كأنهُ يريدُ الردَّ على مَنْ زعمَ أنهُ لا يحلُّ إعطاءُ الحجَّام أُجْرَتَهُ، وأنهُ حرامٌ. وقدِ اختلَفَ العلماء في أُجْرَةِ الحجَّامِ، فذهبَ الجمهورُ (٣) إلى أنهُ حلالٌ، واحتجُّوا بِهَذَا الحديثِ، وقالُوا: هوَ كَسْبٌ فيهِ [زيادة] (٤) دناءةٌ، وليسَ بِمُحَرَّمٍ. وحملُوا النَّهْيَ على التنزيهِ، وَمنْهم (٥) من ادَّعَى النَّسخَ، وأنهُ كانَ حرامًا ثمَّ أُبِيحَ، وهوَ صحيحٌ إذا عُرِفَ التاريخُ، وذهبَ أحمدُ (٦) وآخرونَ إلى أنهُ يُكْرَهُ لِلْحُرِّ الاحترافُ بالحجامةِ، ويحرمُ عليهِ الإنفاقُ [لنفسه] (٧) منْ أجرته، ويجوزُ له الإنفاقُ على الرقيقِ، والدوابِّ، وحُجَّتُهمِ ما أخرجَهُ مالكٌ (٨)، وأحمدُ (٩)، وأصحابُ السُّنَنِ (١٠) برجالٍ ثقاتٍ منْ حديثِ محيصةَ أنهُ سألَ رسول اللهِ ﷺ عنْ كسبِ الحجّامِ فنهاهُ، فذكرَ لهُ الحاجة فقال: اعلفْهُ نواضِحَكَ، وأباحوا للعبدِ مُطْلَقًا. وفيهِ جوازُ التَّداوي بإخراجِ الدَّمِ [وغيرِه] (١١) وهوَ إجماعٌ. ٥/ ٨٥٩ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢). [صحيح]

стр. 1494

(وعنْ رافعِ بن خُدَيْجٍ ﵁ قَالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ. رواهُ مسلمٌ). الخبيثُ ضدُّ الطَّيِّب، وهلْ يدلُّ على تحريمِه؟ الظاهرُ أنهُ لا يدلُّ له، فإنهُ تعالى قالَ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) فسمَّى رذالَ المالِ خبيثًا ولم يحرِّمْه. وأما حديثُ (٢): من السُّحْتِ كَسْبُ الحجَّامِ" فقدْ فسَّره هذا الحديثُ، وأنهُ أُرِيدَ بالسُّحتِ عدمُ الطِّيبِ. وأَيَّدَ ذلكَ إعطاؤهُ ﷺ الحجَّامَ أُجْرَتَهُ. قالَ ابنُ العربيِّ (٣): يُجْمَعُ بينَه وبينَ إعطائِه ﷺ الحجَّامَ أُجْرَتَه بأنَّ محلَّ الجوازِ ما إذا كانتِ الأجرةُ على عملٍ، ومحلُّ الزَّجْرِ ما إذا كانت [الأجرةِ] (٤) على عملٍ مجهولٍ. قلتُ: هذا بناءً على أن ما يأخذُه حرامٌ. وقالَ ابنُ الجوزي ﵀: إنَّما كُرِهَتْ لأنها منَ الأشياءِ التي تجبُ على المسلمِ للمسلمِ إعانتُه بهِ عندَ [الحاجة] (٥)، فما كان ينبغي له أنْ يأخذَ على ذلكَ أَجْرًا. شدة جُرم من ذكر في الحديث ٦/ ٨٦٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ : ثَلَاثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلْ اسْتَأجَرَ أَجِيرًا، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح]

стр. 1495

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : قالَ اللَّهُ تعالَى: ثلاثةٌ أنا خصمُهم يومَ القيامةِ: رجلٌ أعْطَى بي ثمَّ غدرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثَمَنَهُ، ورجلٌ استأجَرَ أجيرًا فاستوفَى منهُ، ولم يعطِه أجْرَهُ. رواهُ مسلم). فيهِ دلالةٌ على شِدَّةِ جُرْمِ مَنْ ذُكِرَ، وأنهُ تعالى يخصمُهم يومَ القيامةِ نيابةً عمَّنْ ظلموهُ. وقولُه: أعْطَى بي، أي: حلفَ باسمي وعاهدَ، أوْ أعطى الأمانَ باسمي وبما شرعْتُهُ منْ ديني، وهو مجمع على تحريمِ الغدْرِ والنَّكثِ، وكذا بيعُ الحرِّ مجمعٌ (١) على تحريمِهِ. وقولُ: استوفَى استكملَ منهُ العملَ ولم يعطِهِ الأجْرَةَ فهوَ أكْلٌ لمالِهِ بالباطلِ معَ تَعبهِ وكدِّهِ. جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن ٧/ ٨٦١ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إن أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ"، أخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إن أحقَّ ما أخذْتُم عليهِ أجْرًا كتابُ اللهِ. أخرجَهُ البخاريُّ). وقدْ عارضَهُ ما أخرجَهُ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ عبادةَ بن الصامتِ ولفظُه: "علَّمْتُ ناسًا منْ أهلِ الصُّفَّةِ الكتابَ والقرآنَ؛ فأهْدَى إليَّ رجلٌ منْهم قوسًا، فقلتُ: ليستْ بمالٍ وأرمي عليها في سبيل اللَّهِ، فأتيتُه فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، رجلٌ أَهْدَى إليَّ قَوْسًا ممنْ كنتُ أعلِّمُهُ الكتابَ والقرآن فليست لي بمالٍ فَأَرْمِي عليها في سبيلِ اللَّهِ، فقالَ: إنْ كنتَ تحبُّ أنْ تطوَّقَ طَوْقًا منْ نارٍ فاقبلْها". فاختلفَ العلماءُ في العملِ بالحديثينِ، فذهبَ الجمهورُ منهم: مالكٌ (٤)،

стр. 1496

والشافعيُّ (١)، إلى جوازِ أخذِ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ، سواءٌ كانَ المتعلمُ صغيرًا أو كبيرًا، ولو تعيَّنَ تعليمُه على المعلمِ عملًا بحديثِ ابن عباسٍ، ويؤيدُه ما يأتي في النكاحِ منْ جَعْلِهِ (٢) ﷺ تعليمَ الرجلِ لامرأتِه القرآنَ مهرًا لها، قالُوا: وحديثُ عبادةَ لا يعارضُ حديثَ ابن عباسٍ؛ إذْ حديثُ ابن عباسٍ صحيحٌ، وحديثُ عبادةَ في رواته مغيرةُ بنُ زيادة مختلفٌ (٣) فيه، واستنكرَ أحمدُ حديثَه. وفيه أيضًا الأسودُ بنُ ثعلبةَ فيهِ مقالٌ (٤)، فلا يعارضُ الحديثَ الثابتَ. قالُوا: ولو صحَّ فإنهُ محمولٌ على أن عُبادةَ كانَ متبرّعًا بالإحسانِ وبالتعليمِ، غيرَ قاصدٍ لأخْذِ الأجرةِ، فحذَّرهُ ﷺ منْ إبطالِ أجْرهِ، وتوعَّده في أخْذِ الأجرةِ منْ أهلِ الصُّفَّةِ بخصوصِهم كراهةً ودناءةً؛ لأنهم ناسٌ فقراءُ كانُوا يعيشونَ بصدقةِ الناسِ، فَأَخْذُ المالِ منْهم مكروهٌ. وذهبَ الهادويةُ (٥) والحنفيةُ (٦) وغيرُهما إلى تحريمِ أَخْذِ الأجرةِ على تعليم القرآنِ، مستدلِّينَ بحديثِ عُبَادَةَ، وفيهِ ما عرفتَ قريبًا. نعمْ استطردَ البخاريُّ (٧) ذِكْرَ أخذِ الأجرةِ على الرقيةِ في هذا البابِ، فأخرجَ حديثِ أبي سعيدِ في رقيةِ بعض الصحابةِ لبعضِ العربِ، وأنهُ لم يرقَهُ حتَّى شرطَ [عليهم] (٨) قطيعًا منْ

стр. 1497

[الغنم] (١)، فتفلَ عليهِ، وقرأَ [عليهِ] (٢): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فكأنما نشط من العقال، فانطلق يمشي وما به قلبةٌ، أي: علة، فأوفاهُ ما شرطَ، ولما ذَكَرُوا ذلكَ لرسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: قدْ أصبتُم، اقسمُوا واضربوا لي معكم سَهْمًا، وذِكْرُ البخاري لهذِه القصةُ في هذا الباب تأييد جواز الأجرة على تعليم القرآن وإنْ لم [يكن] (٣) منَ الأجرةِ على التعليمِ، وإنَّما فيها دلالةٌ على جوازِ أَخْذِ العِوَضِ في مقابلةِ قراءةِ القرآن تعليمًا أو غيرِه، إذ لا فرقَ بينَ قراءتِه للتعليمِ وقراءتِه للطِبِّ. إعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ٨/ ٨٦٢ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اعْطُوا الأجِيرَ أجْرَهُ قَبْلَ أنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤). [صحيح بشواهده] - وَفي الْبَابِ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عِنْدَ أَبِي يَعْلَى (٥) وَالْبَيْهَقِيّ (٦)، وَجَابرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانيّ (٧)، وَكُلُّهَا ضِعَافٌ. (وعنِ بن عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أعطُوا الأجيرَ أجْرَهُ قبلَ أنْ يَجِفَّ عرقُه. رواهُ ابن ماجهْ. وفي البابِ عنْ أبي هُرَيرةَ عندَ أبي يَعْلَى، والبيهقيِّ، وجابرٍ عندَ الطبراني، وكلُّها ضِعافٌ)؛ لأنَّ في حديثِ (٨) ابن عمرَ شَرَقِيُّ بن قطامي، ومحمدَ بنَ

стр. 1498

زيادٍ الراوي عنهُ، وكذَا في مسندِ أبي يَعْلَى، والبيهقيِّ، وتمامُه عندَ البيهقيَّ (١): "وأعْلَمَهُ أجْرَهُ وهوَ في عملِه"، قالَ البيهقيُّ عقيبَ سياقِه بإسنادِه: وهذا ضعيفٌ بمرَّة. ٩/ ٨٦٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اسْتَأجَرَ أجيرًا فَلْيُسَمِّ لَهُ أُجْرَتَهُ"، رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٢)، وفيهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقيُّ (٣) مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ. [ضعيف] (وعنْ أبي سعيد ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: منِ استأجرَ أجيرًا فليسمِّ لهُ أُجْرَتَهُ. رواهُ عبدُ الرزاقِ، وفيهِ انقطاعٌ، وَوَصَلَهُ البيهقيُّ منْ طريقِ أبي حنيفةِ). وقالَ البيهقيُّ: "كَذَا رواهُ أبو حنيفةَ، وكَذَا في كتابي عنْ أبي هريرةَ. وقيلَ منْ وجْهٍ آخرَ ضعيفٌ عن ابن مسعود". والحديثِ دليلٌ على [ندبٍ] (٤) تسميةِ أجرةِ الأجيرِ عَلَى عملِهِ لئلَّا تكونَ مجهولةً [فتؤدي] (٥) إلى الشِّجارِ والخصامِ. * * *

стр. 1499

[الباب السادس عشر] باب إحياء الموات المواتُ بفتحِ الميمِ والواوِ الخفيفةِ، الأرضُ التي لم تُعْمَرْ، شُبّهَتْ العمارةُ بالحياةِ وتعطيلُها بعدمِ الحياةِ، وإحياؤُها عِمَارَتُها. واعلمْ أن الإحياءَ وردَ عن الشارعِ مُطْلقًا، وما كانَ كذلكَ وجبَ الرجوعُ فيهِ إلى العُرْفِ؛ لأنهُ قدْ يبينُ مطلقاتِ الشارعِ كما في قبضِ المبيعاتِ، والحِرْزِ في السرقةِ مما يحكمُ بهِ العرفُ، والذي يحصلُ به الإحياءُ في العرفِ أحدُ خمسةِ أسباب: تَبْيِيضُ الأرضِ وتنقيتُها للزرعِ، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نَزَلَهُ إلَّا بمطَّلعٍ، هذا كلامُ الإمامِ يحيى (١). إحياء الأرضَ تملُّكٌ لها إذا لم يثبت فيها حق للغير ١/ ٨٦٤ - عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ عَمَّرَ أَرْضًا لَيسَتْ لأحَدٍ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا"، قَالَ عُرْوَةُ: وَقَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] (عنْ عروةَ، عنْ عائشةَ ﵂ أن النبيَّ ﷺ قالَ: منْ عمَّر أرضًا) بالفعلِ الماضِي، ووقعَ: أعمرَ، في روايةٍ (٣) ماضيًا أيضًا من المزيد، والصحيحُ

стр. 1500

الأولُ (١)، (ليستْ لأحدٍ فهوَ أحقُّ بها. قالَ عروةُ: وقَضَى بهِ عمرُ في خلافتِهِ. رواهُ البخاريُّ)، وهوَ دليلٌ على أن الإحياءَ تَمَلُّكٌ [إذا] (٢) لم يكنْ قدْ ملكَها مسلمٌ، أو ذميٌّ، أو ثبتَ فيها حقٌّ للغيرِ. وظاهرُ الحديثِ أنه لا يُشْتَرَطَ في ذلكَ إذنُ الإمامِ وهوَ قولُ الجمهورِ (٣)، وعنْ أبي حنيفةَ (٤) أنهُ لا بدَّ منْ إذْنِهِ، ودليلُ الجمهورِ هذا الحديثُ والقياسُ على ماءِ البحرِ والنهرِ، وما صِيدَ منْ طيرٍ وحيوانٍ، فإنهم اتفقُوا على أنهُ لا يُشْتَرطُ فيهِ إذْنُ الإمامِ، وأما ما تقدَّمَ عَلَيْهِ يدٌ لغيرِ مُعَيَّنٍ ثم مات فإنه لا يجوز إحياؤها إلا بإذن الإمام، وكذلك ما تعلَّق به حق لغيرِ معين كبطونِ الأوديةِ، فإنه لا يجوز إلا بإذنِ الإمام مما ليسَ فيهِ ضررٌ لمصلحةٍ عامةٍ، ذَكرَهُ بعضُ الهادويةِ (٥). قالَ المؤيدُ (٥) وأبَو حنيفةَ (٦): لا يجوزُ إحياؤُها بحالٍ من الأحوالِ لِجَرْيَهَا مَجْرَى الأملاكِ، لتعلقِ سيولِ المسلمينَ بها؛ إذْ هيَ مَجْرَى السيولِ. وقالَ الإمامُ المهدي (٥) - وهوَ قويٌّ -: فإنْ تحوَّلَ عنْها جَري الماءُ جازَ إحياؤُها بإذنِ الإمامِ، لانقطاعِ الحقِّ، وعدمِ تَعَيُّنِ أهلهِ، وليسَ للإمامِ الإذنُ معَ ذلكَ إلا لمصلحةٍ عامةٍ لا ضررَ فيها. ولا يجوزُ الإذنُ لكافرٍ بالإحياءِ لقولِه (٧) ﷺ : "عاديّ (٨) الأرضِ للَّهِ ولرسولِه، ثمَّ هيَ لكمْ"، والخطابُ للمسلمينَ. قولُه: "وقَضَى بهِ عمرُ"، قيلَ: هوَ مرسلٌ لأنَّ عروةَ (٩) وُلدَ في آخِرِ خلافةِ عمرَ. ٢/ ٨٦٥ - وَعَنْ سَعِيد بْنِ زيدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : قَالَ: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ"، رَوَاهُ الثَّلاثَةُ (١٠)، وَحَسَّنَهُ التّرْمَذِيُّ، وَقَالَ: رُوِيَ مُرْسَلًا، وَهُوَ كَمَا

стр. 1501

قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي صَحَابِيِّه، فَقِيلَ: جَابِرٌ، وَقِيلَ: عَائِشَةُ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَالرَّاجِحُ الأَوَّلُ. [صحيح] (وعَنْ سعيدِ بن زيدٍ) تقدَّمتْ ترجمتُه في كتابِ الوضوءِ (عن النبيِّ ﷺ قالَ: مَنْ أحْيا أرضًا مَيْتَةً فَهيَ لَهُ. رَوَاهُ الثلاثةُ، وحسَّنهُ الترمذيُّ وقالَ: رُوِيَ مرسلًا وهوَ كما قالَ واخُتلِفَ في صحابِيِّهِ) أي في راويهِ منَ الصحابةِ، (فقيلَ جابرٌ، وقيلَ عائشةٌ، وقيلَ عبدُ اللَّهِ بن عمر، والراجحُ) منَ الثلاثةِ الأقوالِ (الأولِ) وفيهِ أن رجلينِ اختصَما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، غرسَ أحدُهما نخلًا في أرضِ الآخرِ، فقضَى لصاحبِ الأرضِ بأرضِهِ، وأمرَ صحابَ النخلِ أنْ يخرجَ نَخْلَه منْها قالَ: فلقدْ رأيتُها، وإنَّها تُضْرَبُ أصولُها بالفؤوسِ، وإنَّها لنخلٌ عمٌّ حتَّى أُخْرِجَتْ منْها. وتقدَّمَ (١) الكلامُ على فِقْهِهِ، وأنهُ (٢): "ليسَ لِعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ". لا حمى إلا لله ولرسوله ٣/ ٨٦٦ - وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أن الصَّعْبَ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ أخْبَرَهُ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا حِمَى إلَّا لله وَلِرَسُولِهِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن الصَّعْبَ) بفتحِ الصادِ المهملةِ، وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحَّدةٍ (ابنَ جَثَّامَة) بفتحِ الجيمِ، فمثلثةٍ مشددةٍ (أخبرَهُ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا حِمَى إلا للَّهِ ولرسولِه. رواهُ البخاريُّ)، الحِمَى يُقْصَرُ ويمدُّ، والقصْرُ أكثرْ، وهوَ المكانُ المحمي، وهوَ خلافُ المباحِ، ومعناهُ أنْ يمنعَ الإمامُ الرعْيَ في أرضٍ مخصوصةٍ لتختصَّ برَعْيها إبلُ الصدقةَ مَثَلًا، وكانَ (٤) في الجاهليةِ أنه أرادَ الرئيسُ أنْ يمنعَ الناسَ منْ محلٍّ يريدُ اختصاصَهُ استَعوى كَلْبًا منْ مكانٍ عالٍ، فإلى حيثُ

стр. 1502

ينتَهي صوتُه حمَاهُ منْ كلِّ جانبٍ، فلا يرعاهُ غيرُه، وَيرْعَى هوَ مَعَ غيرِه، فأبطلَ الإسْلامُ ذلك، وأثبتَ الحِمَى للَّهِ ولرسولِهِ، قالَ الشافعيُّ (١): يحتملُ الحديثُ شيئينِ، أحدُهما: ليسَ لأحدٍ أنْ يحميَ للمسلمينَ إلَّا ما حماهُ النبي ﷺ ، والآخرُ معناهُ: إلَّا على مِثْلِ ما حماهُ عليهِ النبيُّ ﷺ ، فعلَى الأوَّلِ ليسَ لأحد منَ الولاةِ بعدَه أنْ يحمِيَ، وعلى الثاني يختصُّ الحمَى بمنْ قامَ مقامَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهو الخليفة خاصةً. ورجَّحَ هذا الثاني بما ذكرهُ البخاريُّ (٢) عن الزهريّ تعليقًا أن عمرَ حَمَى الشَّرفَ والربذةَ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٣) بإسنادٍ صحيحٍ عن نافع، عن ابن عمرَ [أن عمرَ] (٤) حَمَى الرَّبْذَةَ لإبلِ الصدقةِ. وقدْ ألحقَ بعضُ الشافعيةِ (٥) وُلاةَ الأقاليمِ في أنَّهم يحمونَ لكنْ بشرطِ أنْ لا يضرَّ بكافةِ المسلمينَ. واختُلِفَ هلْ للإمامِ أنْ يحمي لنفسِه أو لا يحمي إلا لما هوَ للمسلمينَ فقالَ المهدي (٦): كانَ لَهُ ﷺ أنْ يحميَ لنفسِه، ولكنّهُ [لا] (٧) يملكْ لنفسهِ ما يحمي لأجلِه. وقالَ الإمامُ يحيى (٦): والفريقانِ (٨) لا يحمي إلا لخيلِ المسلمينَ، ولا يحمي لنفسِه ويحمي لإبلِ الصدقةِ، ولمنْ ضَعُفَ منَ المسلمينَ عن الانتجاعِ، لقوله ﷺ : لا حِمَى إلَّا للَّهِ. الحديثَ. ولا يخْفَى أنهُ لا دليلَ فيهِ على الاختصاصِ، أما قصةُ عمرَ فإنَّها دالةٌ على الاختصاصِ، ولفظُها فيما أخرجَهُ أبو عبيدٍ (٩)، وابنُ أبي شيبةَ (١٠)، والبخاريُّ (١١)، والبيهقيّ (١٢) عنْ أسلمَ أن

стр. 1503

عمرَ بنَ الخطابِ استعملَ مولىَ لهُ يُسَمَّى هنيًا على الحِمَى فقال له يا هنيُّ، اضممْ جناحَك عن المسلمينَ، واتقِ دعوةَ المظلومِ؛ فإنّ دعوةَ المظلومِ مجابةٌ. وأدخلْ ربَّ الصريمةِ والغنيمةِ، وإياك ونعمَ ابنَ عوفٍ، ونعمَ ابن عفانَ، فإنهما إنْ تَهْلِكْ ماشيتُهما يرجعانِ إلى نخلٍ وزرعٍ، وإنَّ ربَّ الصريمةِ والغنيمةِ إنْ تهلكْ ماشيتُهما يأتيني ببنيهِ، يقول: يا أميرَ المؤمنينَ، أفتارِكُهم أنا لا أبا لك. فالكلأ والماءُ أيسرُ عليَّ منَ الذهبِ والورقِ، وأيمُ اللَّهِ إنَّهم يرونَ أني ظلمتُهم، وإنّها لَبِلادُهُمْ قاتلُوا عليها في الجاهليةِ، وأسلمُوا عليها في الإسلامِ، والذي نفسي بيدِه لولا المالُ الذي أحمل عليهِ في سبيلِ اللَّهِ ما حميتُ على الناسِ في بلادِهم، انتَهى. فهذا صريحٌ أنهُ لا يَحْمِي الإمامُ لنفسِه. لا ضرر ولا ضرار ٤/ ٨٦٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا، قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : "لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وابْنُ مَاجَهْ (٢). [صحيح لغيره] - وَلَهُ (٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ، وَهُوَ في "الْمُوَطَّإِ" (٤) مُرْسَلٌ. [صحيح بشواهده]

стр. 1504

(وعنْ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : لا ضَرَرَ ولا ضِرَار. رواهُ أحمدُ، وابن ماجَهْ. ولهُ) أي ابن ماجهْ (منْ حديثِ أبي سعيدٍ مثلُه، وهوَ في "الموطأ" مرسلٌ)، وأخرجهُ ابنُ ماجهْ أيضًا، والبيهقيُّ منْ حديثِ عبادةَ بن الصامتِ. وأخرجهُ مالكٌ عنْ عمرِو بن يحيى المازنيِّ، عنْ أبيهِ مرسلًا بزيادةِ: "مَنْ ضارَّ ضارَّهُ اللَّهُ، ومنْ شاقَّ شاقَّ اللَّهُ عليهِ"، وأخرجهُ بها الدارقطنيُّ، والحاكمُ، والبيهقي عنْ أبي سعيدٍ مرفُوعًا، وأخرجَهُ عبدُ الرزاقِ، وأحمدُ عن ابن عباسٍ أيضًا، وفيهِ زيادةُ (١) "وللرجلِ أنْ يضعَ خشبتَهُ في حائطِ جارهِ، والطريقُ الميتاءُ سبعةُ أذرعٍ. وقولُه: لا ضررَ، الضررُ ضدُّ النفعِ، يقالُ: ضرَّهُ يضرُّهُ ضرًا، وضَرارًا، وأضرَّ بهِ يضرُّ إضرارًا، ومعناهُ لا يضرُّ الرجلُ أخاه فينقصَه شيئًا منْ حقِّه، والضَّرارُ فعالٌ منَ الضُّرِّ، أي لا يجازي بإضرارِه بإدخالِ الضرِّ عليهِ، فالضرُّ بفتح الضاد وضمها أفاده القاموس (٢) ابتداءُ الفعلِ، والضرارُ الجزاءُ عليهِ. قلت: يبعدُه جوازُ الانتصارِ لمنْ ظُلِمَ: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (٣) الآيةَ: ﴿وَجَزَاءُ سَيئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٤)، وقيلَ الضر: ما تضرُّ بهِ صاحِبَكَ وتنتفعُ أنتَ بهِ، والضرُّ أنْ تضرَّ من غيرِ أنْ تنتفعَ. وقيلَ: هما بمعنَى، وتكرارُهما للتأكيدِ، وقدْ دلَّ الحديثُ على تحريمِ الضر؛ لأنهُ إذا نَفَى ذاتَه دلَّ على النَّهي عنهُ؛ لأنَّ النَّهْيَ لطلبِ الكفِّ عن الفعلِ، وهو يلزمُ منهُ عدمُ الفعلِ فاستعملَ اللازمَ في الملزومِ، وتحريمُ الضر معلومٌ عقلًا وشرْعًا إلا ما دلَّ الشَّرْعُ على إباحتِه رعايةً للمصلحةِ التي تربُو على المفسدةِ، وذلكَ مثلُ إقامةِ الحدودِ ونحوِها، وذلكَ معلومٌ في تفاصيلِ الشريعةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ لا تُسَمَّى الحدودُ منَ القتلِ والضَّربِ ونحوِه ضرًا منْ فاعِلها لغيرِه؛ لأنهُ إنَّما امتثلَ أمَر اللَّهِ لهُ بإقامتهِ الحدَّ على العاصي، فهوَ عقوبةٌ منَ اللَّهِ تعالى، لا أنهُ إنزالُ ضررٍ، ولهذا لا يُذَمُّ الفاعلُ لإقامةِ الحدِّ بلْ يُمْدَحُ على ذلكَ. ٥/ ٨٦٨ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ

стр. 1505

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلَى أرْضٍ فَهِيَ لَهُ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ (٢). [صحيح بشواهده] (وعنْ سمُرةَ بن جندبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرضٍ فهيَ لهُ. رواهُ أبو داودَ، وصحَّحَهُ ابنُ الجارودِ). وتقدَّم (٣) أن مَنْ عَمَرَ أرْضًا ليستْ لأحدٍ فهيَ لهُ. وهذا الحديثُ بَيَّنَ نوعًا منْ أنواعِ العِمَارَةِ، ولا بدَّ منْ تقييدِ الأرضِ بأنهُ لا حقَّ فيها لأحد كما سَلَفَ. حريم البئر ٦/ ٨٦٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أن النبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا عَطَنًا لِمَاشِيَتِهِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤) بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ. [حسن لغيره] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أن النبي ﷺ قالَ: مَنْ حفرَ بِئْرًا فَلَهُ أربعونَ ذِرَاعًا عَطَنًا)، بفتحِ العينِ المهملةِ، وفتحِ الطاءِ المهملة. في القاموسِ (٥): العطنُ محركةً وَطَنُ الإبلِ ومَبْرَكُها حولَ الحوضِ ماشيتِه. رواهُ ابن ماجهْ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ لأنَّ فيهِ إسماعيلَ (٦) بنَ مسلمِ. وقدْ أخرجَهُ الطبرانيُّ (٧) منْ حديثِ

стр. 1506

أشعثَ عن الحسنِ، وفي البابِ عنْ أبي هريرةَ عندَ أحمدَ (١): "حريمُ البئرِ البديء خمسةٌ وعشرونَ ذِراعًا، وحريمُ البئرِ العادي خمسونَ ذراعًا"، وأخرجهُ الدارقطنيُّ (٢) منْ طريقِ سعيدِ بن المسيبِ عنهُ، وأعلَّها بالإرسالِ، وقالَ: منْ أسندَه فقدْ وهِمَ، وفي سندِهِ محمدُ (٣) بنُ يوسفُ المقْرِي شيخُ شيخِ الدارقطنيِّ، وهوَ متَّهمٌ بالوضْعِ. ورواهُ البيهقيُّ منْ طريقِ يونسَ عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيبِ مرسلًا، وزادَ فيهِ: "وحريمُ بئرِ الزرعِ ثلثمائة ذراعٍ منْ نواحيها كلِّها"، وأخرجهُ الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ موصولًا، ومرسلًا، والموصولُ فيه عمرُ (٤) بنُ قيسٍ ضعيفٌ. والحديثُ دليلُ على ثبوتِ الحريمِ للبئرِ. والمرادُ بالحريمِ ما يمنعُ منهُ المحيي والمحتفرُ لإضرارهِ. وفي "النهاية" سُمِّيَ بالحريمِ لأنهُ يحرِّمُ منعَ صاحبه منهُ، ولأنهُ يحرِّم على غيرهِ التصرفَ فيهِ. والحديثُ نصٌّ في حريمِ البئرِ. وظاهرُ حديثِ عبدِ اللَّهِ أن العلةَ في ذلكَ هو ما يحتاجُ إليهِ صاحبُ البئرِ عندَ سقْي إِبِلِهِ لاجتماعِها على الماءِ. وحديثُ أبي هريرةَ ﵁ على أن العلةَ في ذلكَ هوَ ما يحتاجُ إليهِ البئرُ لئلَّا تحصلَ المضرَّةُ عليها بقربِ الإحياءِ منْها، ولذلكَ اختلفَ الحالُ في البديء (٥) والعاديِّ، والجمعُ بينَ الحديثينِ أنهُ ينظرُ ما يحتاجُ إليهِ إما لأجْلِ السَّقْي للماشيةِ، أو لأجْلِ البئرِ. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك، فذهبَ الهادي (٦)، والشافعيُّ (٧)،

стр. 1507

وأبو حنيفةَ (١) إلى أن حَريمَ البئرِ الإسلامية أربعونَ، وذهبَ أحمدُ (٢) بنُ حنبل إلى أن الحريمَ خمسةٌ وعشرونَ. وأما العيونُ فذهبَ الهادي (٣) إلى أن حريمَ العينِ الكبرى الفوَّارةِ خمسمائةِ ذراعٍ منْ كلِّ جانبٍ استحسانًا. قيلَ: وكأنهُ نظرَ إلى أرضٍ رخْوةٍ تحتاجُ إلى ذلكَ القدْرِ، وأما الأرضُ الصُّلْبَةُ فدونَ ذلكَ، والدارُ المنفردةُ حريمُها فَنَاؤُها، وهوَ مقْدارُ طولِ جدارِ الدارِ. وقيلَ ما تصلُ إليهِ الحجارةُ إذا انهدمتْ. وإلى هذا ذهبَ زيدُ (٤) بنُ عليّ وغيرُه. وحريمُ النَهْرِ قَدْرُ ما يلقَى عنه كسحُه، وقيلَ: مثلُ نِصْفِه منْ كل جانبٍ، وقيلَ: بلْ بقدرِ أرضِ النهرِ جميعًا. وحريمُ الأرضِ ما تحتاجُ إليهِ وقْتَ عملِها وإلقاءُ كسحِها، وكذا المسيلُ حريمُه مثلُ البئرِ على الخلافِ. وكلُّ هذهِ الأقوالِ قياسٌ على البئرِ بجامعِ الحاجةِ، وهذا في الأَرْضِ المباحةِ، وأما الأرضُ المملوكةُ فلا حريمَ في ذلكَ بلْ لكلّ أنْ يعمل في مُلْكِهِ ما يشاء. حكم الإقطاع ٧/ ٨٧٠ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ أن النَّبِيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٦)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٧). [صحيح] (وعنْ علقمةَ بن وائلٍ عنْ أبيهِ أن النبيَّ ﷺ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بحضرموتَ. رواهُ أبو داودَ، والترمذي، وصحَّحَه ابنُ حبَّانَ)، وصحَّحهُ أيضًا الترمذيُّ، والبيهقيُّ. ومعناهُ أنهُ خصَّهُ ببعضِ الأرضِ المواتِ فيختصُّ بهِ، ويصيرُ أَوْلَى بها بإحيائِه ممنْ لم

стр. 1508

يسبقْ إليها بالإحياءِ. واختصاصُ الإحياءِ بالمواتِ متفقٌ عليهِ في كلام الشافعيةِ (١)، والهادويةِ (٢)، وغيرِهم. وَحَكَى القاضي عياضٌ (٣) أن الإقطاعَ تسويغُ الإمامِ منْ مالِ اللَّهِ شيئًا لمنْ يراهُ أهلًا لذلكَ. قالَ: وأكثرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الأرضِ، وهوَ أنْ يخرجَ منْها لمنْ يراهُ ما يجوزهُ إما بأنْ يملّكَه إياهُ فيعمر، وإما بأن يجعلَ لهُ غلته مدةً. قالَ: والثاني الذي يُسَمَّى في زمانِنا هذا إقطاعًا ولمْ أرَ أَحَدًا منْ أصحابِنَا ذَكَرَهُ، وتخريجُه على طريق فقهي مشكلٌ، والظاهرُ أنهُ يحصلُ للمقْطِع بذلك اختصاصٌ كاخْتصَاصِ المتحجِّر ولكنهُ لا يملكُ الرقبةَ بذلكَ انتَهى. وبهِ جزمَ المحِبُّ الطبريُّ، وادَّعى الأوزاعي الخلافَ في جوازِ تخصيصِ الإمام بعضَ الجندِ بغلةِ أرضٍ إذا كانَ مُسْتَحِقًا لذلكَ. قالَ ابنُ التينِ: إنما يُسَمَّى إقطاعًا إذا كانَ منْ أرضٍ أوْ عقارٍ وإنما يقطعُ منَ الفيءِ، ولا يقطعُ منْ حقِّ مسلمٍ ولا معاهدٍ. قالَ: وقدْ يكونُ الإقطاعُ تمليكًا وغيرَ تمليكٍ، وأما ما يقطعُ في أرضِ اليمنِ في هذهِ الأزمنةِ المتأخرةِ منْ إقطاعِ جماعةِ من أعيانِ الآلِ قُرًى منَ البلادِ العشريةِ، يأخذونَ زكاتَها وينفقونَها على أنفسِهم مع غِنَاهُم فهذا شيءٌ محرَّمٌ لم تأتِ بهِ الشريعةُ المحمديةُ، بل أتتْ بخلافِه وهوَ تحريمُ (٤) الزكاةِ على آلِ محمدٍ، وتحريمُها (٥) على الأغنياءِ منَ الأمةِ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعونَ. ٨/ ٨٧١ - وعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن النَّبِيَّ ﷺ : أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ. فَأَجْرَى الْفَرَسَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ. فَقَالَ: "أَعْطُوهُ حَيثُ بَلَغَ السَّوْطَ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٦). فيهِ ضَعْفٌ. [صحيح]

стр. 1509

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن النبيّ ﷺ أقطَعَ الزبيرَ حُضْرَ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ، وسكونِ الضادِ، فراءٍ (فرسِهِ) أي: ارتفاعُ فرسه في عَدْوِهِ (١)، (فأجْرَى الفرسَ حتَّى قامَ، ثمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ فقالَ: أعطوهُ حيثُ بلغَ السَّوْطَ. رواهُ أبو داودَ، وفيهِ ضَعْفٌ)، لأنَّ فيهِ العمريَّ المكبرَ وهوَ عبدُ اللَّهِ (٢) بنُ عمرَ بن حفصٍ بن عاصمٍ بن عمرَ بن الخطاب، وفيهِ مقالٌ، وأخرجَهُ أحمدُ (٣) منْ حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، وفيهِ أن الإقطاعَ كانَ منْ أموالِ بني النَّضَيْرِ (٤). قالَ في "البحرِ" (٥): وللإمامِ إقطاعُ المواتِ لإقطاعِ النبيِّ ﷺ الزبيرَ حُضْرَ فرسِهِ، ولفِعْلِ أبي بكرٍ وعمرَ. اشتراك الناس في الماء والنار والكلأ ٩/ ٨٧٢ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵁ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْكَلأ، وَالْمَاءِ، وَالنَّارِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦)، وَأَبُو دَاوُدَ (٧)، وَرِجَالُهُ ثُقَاتٌ. [شاذ بلفظ الناس، وصحيح بلفظ المسلمون]

стр. 1510

(وعنْ رجلٍ منَ الصحابةِ، قالَ: غزوتُ معَ النبيِّ ﷺ فسمعتُه يقول: الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: الكلأ) مهموزٌ ومقصورٌ، (والماءِ، والنارِ. رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، ورجالُه ثِقاتٌ)، ورواه ابنُ ماجهْ من حديثِ أبي هريرةَ مرفُوعًا: "ثلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الكلأُ والماءُ والنارُ" وإسنادُه صحيحٌ. وفي البابِ رواياتٌ كثيرةٌ لا تخلُو منْ مقالٍ، ولكنَّ الكُلَّ ينهضُ على الحُجِّيَّةِ، ويدلُّ للماءِ بخصوصِه أحاديثُ في مسلمٍ (١) وغيرِه، والكلأُ النباتُ رَطْبًا كانَ أو يابِسًا، وأما الحشيشُ والهشيمُ فمختصٌّ باليابسِ، وأما الخلا: مقصورٌ غيرُ مهموزٍ فيختصُّ بالرطبِ ومثلُه العشبُ. والحديثُ دليلٌ على عدمِ اختصاصِ أحدٍ منَ الناسِ بأحدِ الثلاثةِ، وهوَ إجماعٌ في الكلأ في الأرضِ المباحةِ والجبالِ التي لم يحرزْها أحدٌ؛ فإنه لا يُمْنَعُ منْ أخذِ كَلَئِها أحدٌ إلا ما حماهُ الإمامُ كما سلفَ. وأما النابتُ في الأرضِ المملوكةِ والمتحجرةِ ففيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ، فعندَ الهادويةِ (٢) وغيرهم أن ذلكَ مباحٌ أيضًا، وعمومُ الحديثِ دليلٌ لهم. وأما النارُ فاخْتُلِفَ في المرادِ بها فقيلَ أُرِيدُ بها الحطبُ الذي يحطبهُ الناسُ، وقيلَ أريدَ بها الاستِصْباحُ منْها والاستضاءةُ بضوئِها، وقيلَ الحجارةُ التي تُورَى فيها النارُ إذا كانتْ في مواتٍ، والأقربُ أنهُ أريدَ بها النارُ حقيقةً، فإنْ كانتْ منْ حَطبٍ مملوكٍ فقيلَ حكْمُها حكمُ أصله، وقيلَ يحتملُ أنهُ يأتِي فيها

стр. 1511

الخلافُ الذي في الماءِ، وذلكَ لعمومِ الحاجةِ وتسامحِ الناسِ في ذلك. وأما الماءُ فقد تقدَّم الكلامُ فيهِ، وأنهُ يحرمُ منعُ المياهِ المجتمعةِ منَ الأمطارِ في أرضٍ مباحةٍ، وأنَّهُ ليس أحدٌ أحقَّ بها من أحدٍ، إلَّا لقربِ أرضِه منها، ولو كان في أرضٍ مملوكةٍ فكذلك، إلا أن صاحبَ الأرضِ المملوكةِ أحقُّ بهِ يسقيها ويسقي ماشيتَه، ويجبُ بَذْلُه لما فضلَ منْ ذلك، فلو كانَ في أرضِه أو دارِه عينٌ نابعةٌ أو بئرٌ احتفرَها، فإنهُ لا يملكُ الماءَ بلْ حقُّه فيهِ تقديمُه في الانتفاعِ على غيرِهِ، وللغيرِ دخولُ أرضهِ كما سلفَ. فإنْ قيلَ: فهلْ يجوزُ بيعُ العينِ والبئرِ نفسِهما؟ قيلَ: يجوزُ بيعُ العينِ والبئرِ لأنَّ النَّهْيَ واردٌ عنْ بيعِ فَضْلِ الماءِ لا البئرِ والعيونِ في قراراها، والمشتري لهما أحقُّ بمائِهِمَا بقدْرِ كفايتِهِ، وقدْ ثبتَ (١) شراءُ عثمانَ لبئرِ رومةَ منَ اليهوديِّ بأمرِهِ ﷺ وسبَّلَها للمسلمينَ. فإنْ قيلَ: إذا كانَ الماءُ لا يُمْلَكُ فكيفَ تحجَّرَ اليهوديُّ البئرَ حتَّى باعَها منْ عثمانَ؟ قيلَ: هذا كانَ في أولِ الإسلامِ حينَ قدمَ النبيُّ ﷺ المدينةَ، وقبلَ تَقَرُّرِ الأحكامِ على اليهوديِّ، والنبي ﷺ أبقاهم أولَ الأمرِ على ما كانُوا عليهِ وأقرهم على ما تحتَ أيديهمْ. * * *

стр. 1512

[الباب السابع عشر] باب الوقف الوقْفُ هو لغةً الحبْسُ. يُقَالُ: وقَفْتُ كَذَا، أي حبسْتُه. وهوَ شَرْعًا: حَبْسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ بهِ معَ بقاءِ عَيْنِه بقطعِ التصرُّفِ في رقبتِه على مَصْرَفٍ مُبَاحٍ. ١/ ٨٧٣ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيةٍ، أَوْ عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (عنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: إذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عنهُ عملُه إلَّا منْ ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، أوْ علمٍ ينْتَفَعُ بهِ، أوْ ولدٍ صالح يدعُو له. رواهُ مسلمٌ). ذكرهُ في بابِ الوقْفِ؛ لأنهُ فسَّر العلماءُ الصدقةَ الجاريةَ بالوقْفِ، وكانَ أولُ وقْفٍ في الإسلامِ وَقْفَ عمرَ ﵁ الآتي حديثُه كما أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٢) أنه قال المهاجرون: أولُ حَبْسٍ في الإسلامِ صدقةُ عمرَ. قالَ الترمذيُّ (٣): لا نعلمُ بينَ الصحابةِ والمتقدِّمينَ منْ أهلِ الفقهِ خِلافًا في

стр. 1513

جوازِ وَقْفِ الأرضينَ، وأشارَ الشافعيُّ (١) أنهُ مِنْ خصائصِ الإسلامِ لا يُعْلَمُ في الجاهليةِ، وألفاظُه: وقفْتُ وحَبَسْتُ وسَبَّلْت وأَبَّدْتُ؛ فهذهِ صرائحُ ألفاظهِ، وكنايتُه تصدَّقتُ. واختُلِفَ في حرَّمْتُ فقيلَ صريحٌ، وقيلَ غيرُ صريحٍ. وقولُه: أوْ علم يُنْتَفَعُ بهِ، المرادُ النفعُ الأخرويُّ، فيخرجُ ما لا نَفْعَ فيهِ كعلمِ النجومِ منْ حيثُ أحكامِ السعادة وضدِّها، ويدخلُ فيهِ مَنْ أَلَّفَ علمًا نافعًا أو نَشَرَهُ فبقيَ مَنْ يرويهِ عنهُ وينتفعُ بهِ، أو كَتَبَ علمًا نافعًا ولو بالأُجرةِ معَ النيةِ، أو وَقَفَ كُتُبًا. ولفظُ الولدِ شاملٌ للأنثى والذكرِ، وشرطُ صلاحهِ ليكونَ الدعاءُ مُجَابًا. والحديثُ دليلٌ على أنهُ ينقطعُ أَجْرُ كلِّ عملٍ بعدَ الموتِ إلا هذهِ الثلاثةَ فإنهُ يجري أَجْرُها بعدَ الموتِ ويتجدَّدُ ثوابُها. قالَ العلماءُ: لأنَّ ذلكَ مِنْ كَسْبِه، وفيهِ دليلٌ على أن دعاءَ الولدِ لأَبَوْيهِ بعدَ الموتِ يلحقُهما، وكذلكَ غيرُ الدعاءِ منَ الصدقةِ، وقضاءِ الدَّيْنِ، وغيرِهما. واعلمْ أنهُ قدْ زِيْدَ على هذهِ الثلاثةِ ما أخرَجهُ ابنُ ماجهْ (٢) بلفظِ: "إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ منْ عملهِ وحسناتهِ بعدَ موتِه عِلْمًا عقَمَهُ ونَشَرَهُ، وولدًا صالحًا تركَهُ، أو مُصْحَفًا ورَّثَه، أو مَسْجِدًا بناهُ، أو بَيْتًا لابنِ السبيلِ بناهُ، أو نَهَرًا أجراهُ، أو صدقةً أخرجَها منْ مالهِ في صحَّتهِ وحياتهِ تلحقُه مِنْ بعدِ موتِه". ووردَ خصالٌ أخرى تبلغها عشرًا، ونَظَمَها الحافظُ السيوطي رحمهُ اللَّهُ تعالى قالَ: إذا ماتَ ابنُ آدمَ ليسَ يجري … عليهِ منْ فِعالٍ غيرُ عشرِ علومٌ بثَّها ودعاءُ نَجْلٍ … وغرسُ النخلِ والصدقاتُ تجري وِراثةُ مصحفٍ ورباطُ ثَغْرٍ … وحَفْرُ البئرِ أو إجراءُ نَهْرِ وبيتٌ للغريبِ بناهُ يأوي … إليهِ أو بناءُ محلِّ ذِكْرِ وقف العقار وعدم بيعه ٢/ ٨٧٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَصَابَ عُمَر ﵁ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى

стр. 1514

النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَا، قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، قَالَ: "إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، قَالَ: فتصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُورثُ، ولَا يُوهَبُ، فَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفَقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَليَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٢): تَصَدَّقَ بِأَصْلِهِ: لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ. (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قالَ: أصابَ عمرُ أَرْضًا بخيبرَ) في روايةِ النسائيِّ، أنهُ كانَ لعمرَ مائةُ رأسٍ، فاشْتَرَى بها مائةَ سَهْمٍ منْ خيبرَ: (فأتَى النبيَّ ﷺ يستأمرُه فيها فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إني أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ هوَ أنفسُ عندي منهُ، فقالَ: إنْ شئتَ حبستَ أصْلَها وتصدَّقْتَ بها، قالَ: فتصدَّقَ بها عمرُ، أنهُ لا يباع أصلُها، ولا يُوْرَثُ، ولا يوهَبُ، فتصدَّقَ بها على الفقراءِ، وفي القُرْبَى) أي ذوي قرْبَى عمرُ (وفي الرِّقابِ، وفي سبيلِ اللَّهِ، وابنِ السبيلِ، والضَّيفِ، لا جناحَ على مَنْ وَلِيَهَا أنْ يأكلَ مِنْهَا بالمعروفِ، أو يطْعِمَ صَدِيْقًا غيرَ مُتَمَوِّلٍ مالًا. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ. وفي روايةٍ للبخاريِّ: تَصَدَّقَ بأصْلِهِ لا يباعُ ولا يوهبُ، ولكنْ ينفقُ ثمرُه). أفادتْ روايةُ البخاريِّ أن كونَه لا يباعُ ولا يُوهَبُ منْ كلامهِ ﷺ ، وأنَّ هذَا شأنُ الوقْفِ، وهوَ يَدْفَعُ قولَ أبي حنيفةِ (٣) بجوازِ بَيْعِ الوقْفِ. قالَ أبو يوسفَ (٤): إنهُ لو بلغَ أبا حنيفةَ هذا الحديثُ لقالَ بهِ ورجعَ عنْ بيعِ الوقْفِ. قالَ القرطبي (٤): ردُّ الوقْفِ مُخَالِفٌ للإجماعِ، فلا يُلْتَفَتُ إليهِ، وقولُه: "أنه

стр. 1515

يأكل منه مَنْ وَليَها بالمعروفِ". قالَ القرطبي (١): جرتِ العادةُ أن العاملَ يأكلُ منْ ثمرةِ الوقْفِ، حتَّى لو اشترطَ الواقفُ أنْ لا يأكلَ منهُ لاستُقْبحَ ذلكَ منهُ، والمرادُ بالمعروفِ القَدْرُ الذي جرتْ بهِ العادةُ، وقيلَ: القَدْرُ الذي يَدْفَعُ الشهوَة، وقيلَ: المرادُ أنْ يأخذَ منهُ بقَدْرِ عملهِ، قيل: والأَوَّلُ أَوْلَى. وقولُه: "غيرَ متموِّلٍ"، أي غيرَ مُتَّخِذٍ منه مالًا أي مُلْكًا، والمرادُ لا يتملَّكُ من رقَابها شيئًا، ولا يأخذُ منْ غِلَّتِها ما يشتري بَدَلَه مُلْكًا بلْ ليسَ لهُ إلا ما ينفقُه. وزادَ أحمدُ (٢) في روايتِه أن عمرَ أَوْصَى بها إلى حفصةَ أمِّ المؤمنينَ، ثمَّ إلى الأكابرِ منْ آلِ عمرَ، ونحوُهُ عندَ الدارقطنيِّ (٣). وقف العروض ٣/ ٨٧٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: "فَأَمَّا خالِدٌ فقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: بعثَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عمرَ على الصَّدَقَةِ، الحديثَ وفيهِ: وأما خالدٌ فقدِ احتَبَسَ أدراعَه وأَعْتَادَهُ في سبيلِ اللَّهِ. متفقٌ عليهِ). تقدَّمَ (٥) تفسيرُ الأَعْتَادِ. والحديثُ دليلٌ على صحَّةِ وَقْفِ العينِ عن الزكاةِ، [و] (٦) أنهُ يأخذُ

стр. 1516

بزَكَاتِهِ آلاتٍ للحربِ للجهادِ في سبيلِ اللَّهِ، وعلى أنهُ يَصِحُّ وَقْفُ العَرُوضِ. وقالَ أبو حنيفةَ (١): لا يصحُّ لأنَّ العَرُوضَ تُبَدَّلُ وتُغَيَّرُ، والوقْفُ موضوعٌ للتأبيد. والحديثُ حجَّةٌ عليهِ. ودلَّ على صحَّةِ وَقْفِ الحيوان لأنَّها قدْ فُسِّرتِ الأعتادُ بالخيلِ، وعلى جوازِ صرفِ الزكاةِ إلى صِنْفٍ واحدٍ منَ الثمانيةِ. وتعقَّبَ ابنُ دقيقٍ (٢) العيدِ جميعَ ما ذُكِرَ بأنَّ القصةَ محتملةٌ لما ذُكِر ولغيره، فلا ينهضُ الاستدلالُ بها على شيءٍ مما ذُكِرَ. قالَ: ويحتملُ أنْ يكونَ تحبيسُ خالدٍ إرْصَادًا وعدمَ تَصَرُّفٍ، ولا يكونُ وَقْفًا. * * *

стр. 1517

[الباب الثامن عشر] باب الهبة، والعُمْرَى، والرُّقْبَى الهبةُ بكسرِ الهاءِ مصدرُ وهبتُ، وهيَ شرْعًا: تمليكُ عينٍ بعقدٍ على غيرِ عِوَضٍ معلومٍ في الحياةِ، ويطلقُ على الشيءِ الموهوبِ، ويُطْلَقُ على أعمَّ منْ ذلكَ. تسوية الأولاد في الهبة ١/ ٨٧٦ - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هذَا غُلَامًا كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتهُ مِثْلَ هذَا؟ "، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَارْجِعْهُ"، وَفي لَفْظٍ: فَانْطَلَقَ أَبِي إِلى النَّبيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتي. فَقَالَ: "أَفَعَلْتَ هذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ "، قَالَ: لَا قَالَ: "اتَّقُوا الله وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ"، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢) قَالَ: فَأَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيرِي"، ثُمَّ قَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرِّ سَوَاءً؟ " قَالَ: بَلَى، قَالَ: "فَلا إِذَنْ". [صحيح]

стр. 1518

(عن النُّعمانِ بن بشيرٍ أن أباهُ أَتَى بهِ النبيَّ ﷺ فقَالَ: إني نَحَلْتُ ابني هذَا غُلامًا كانَ لي، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ : أكلَّ ولدِكَ نحلْتَه مثلَ هذَا؟ فقالَ لا، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ : فَأَرْجِعْهُ. وفي لفظٍ: فانطلقَ أبي إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ لِيُشْهِدَهُ على صدقتي، فقالَ: أفعلتَ هذا بولدِك كلِّهم؟ قَال: "قالَ: فاتَّقوا اللَّهَ واعْدِلُوا بينَ أولادِكم، فرجعَ أبي فردَّ تلكَ الصدقةَ. متفقٌ عليهِ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: قالَ: فأشهِدْ على هذا غيري، ثمَّ قالَ: أيسرُّكَ أنْ يكونُوا لكَ في البرِّ سواءً؟ قالَ: بلَى، قالَ: فلا إِذَنْ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ المساواةِ بينَ الأولادِ في الهِبَةِ. وقدْ صرَّحَ بهِ البخاريُّ (١) وهوَ قولُ أحمدَ (٢)، وإسحاقَ، والثوريَّ (٣) وآخرينَ، وأنَّها باطلةٌ معَ عدمِ المساواةِ، وهوَ الذي تفيدُه ألفاظُ الحديثِ منْ أمْرِهِ ﷺ بإرجاعِه، ومنْ قَوْلِه: اتقَّوا اللَّهِ، وقولِه: اعدِلُوا بينَ أولادِكم، وقولِه: فلا إذَنْ. وقولِه: لا أشهدُ على جَوْرٍ. واخْتُلِفَ في كيفيةِ التسويةِ، فقيلَ بأنْ تكونَ عطيةُ الذَّكَر والأُنثَى سواءً، وهوَ ظاهرُ قولِه في بعضِ ألفاظهِ عندَ النسائيّ (٤): "ألا سوَّيْتَ بينَهم"، وعندَ ابن حِبَّانَ (٥): "سوُّوا بينَهم"، ولحديثِ ابن عباسٍ: "سوُّوا بينَ أولادِكم في العطيةِ، فلوْ كنتُ مفضِّلًا أحدًا لفضَّلْتُ النِّساءَ"، أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ، والبيهقيُّ (٦) بإسنادٍ حَسَنٍ. وقيلَ: بلِ التسويةُ أنْ يُجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حظِّ الأُنْثَيَيْنِ على حَسَبِ التوريثِ.

стр. 1519

وذهبَ الجمهورُ (١) إلى أنَّها لا تجبُ التسويةُ بلْ تُنْدَبُ، وأطالُوا في الاعتذارِ عن الحديثِ، وذكرَ في الشرحِ عَشْرَةَ أعذارٍ وكلُّها غيرُ ناهضةٍ، وقدْ كَتَبْنَا في ذلكَ رسالةً جوابَ سؤالٍ وأوضحْنا فيها قوةَ القولِ بوجوب التسويةِ، وأنَّ الهِبَةَ معَ عدمِها باطلةٌ. الرجوع عن الهبة ٢/ ٨٧٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يُعُودُ فِي قَيئِهِ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٣): "لَيسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءُ، الَّذِي يَعُودُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَرْجِعُ في قَيئِهِ". [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ العائذ في هِبَتِهِ كالكلبِ يقيءُ ثمَّ يعودُ في قَيْئِهِ. متفقٌ عليهِ، وفي روايةٍ للبخاريِّ: ليسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ، الذي يعودُ في هِبَتِهِ كالكلبِ يرجع في قَيْئِه). فيهِ دلالةٌ على تحريمِ الرجوع في الهبةِ، وهوَ مذهبُ جماهيرِ العلماءِ (٤). وبوَّبَ لهُ البخاريُّ (٥). بابُ لا يحلُّ (٦) لأَحَد أنْ يرجعَ في هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ، وقدِ اسْتَثْنَى الجمهورُ (٤) ما يأتي منَ الهبةِ للولدِ ونحوِه، وذهبتِ الهادويةُ (٧)، وأبو حنيفةَ (٨) إلى حِلِّ الرجوعِ في الهبةِ دونَ الصدقةِ، إلَّا الهبةَ لذي رَحِم. قالُوا: والحديثُ المرادُ بهِ التغليظُ في الكراهةِ.

стр. 1520

قالَ الطحاويُّ (١): قولُه العائدِ في قَيْئِهِ وإنِ اقْتَضَى التحريمَ لكنَّ الزيادةَ في الروايةِ الأُخْرَى، وهيَ قولُهُ: كَالْكَلْبِ، تدلُّ على عدمِ التحريمِ؛ لأنَّ الكَلْبَ غيرُ متعبَّدٍ، فالقيءُ ليسَ حرامًا عليهِ، والمرادُ التنزهُ عنْ فعل يُشْبِهُ فعلَ الكلبِ. وتُعُقِّبَ باستبعادِ التأويلِ، ومنافرةِ سياقِ [النص] (٢) لهُ، وعرَّفَ الشرعُ في مثلِ هذهِ العبارةِ الزَّجْرَ الشدِيدَ كما وَرَدَ النَّهْيُ (٣) في الصلاةِ عنْ إقعاءِ الكلبِ، ونقرة الغُرابِ، والتفاتِ الثعلبِ، ونحوِه. ولا يُفْهَمُ منَ المقامِ إلَّا التحريمُ. والتأويلُ البعيدُ لا يُلْتَفَتُ إليهِ، ويدلُّ للتحريم الحديثُ الآتي وهوَ: ٣/ ٨٧٨ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَا: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِم أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤)، وَالأَرْبَعَةُ (٥)، وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبّانَ (٦)، وَالْحَاكِمُ (٧). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ وابنِ عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: لا يحلُّ لرجلٍ مسلمٍ أنْ يُعطيَ العطيةَ ثمَّ يرجعَ فيها، إلَّا الوالدُ فيما يعطي ولدَهُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابنُ حِبَّانَ، والحاكمُ). فإنَّ قولَه: لا يحلُّ، الظاهرُ في التحريمِ، والقولُ بأنهُ مجازٌ عن الكراهةِ الشديدةِ صَرْفٌ لهُ عنْ ظاهرِهِ. وقولُه: إلَّا الوالدُ، دليلٌ على أنهُ يجوزُ للأبِ الرجوعُ فيما وَهَبَهُ لابنِهِ كبيرًا كانَ أو صغيرًا، وخصَّته

стр. 1521

الهادويةُ (١) بالطفلِ، وهوَ خلافُ ظاهرِ الحديثِ. وفرَّقَ بعضُ العلماءِ فقالَ: يحلُّ الرجوعُ في الهبةِ دون الصدقةِ لأنَّ الصدقةَ يُرَادُ بها ثوابُ الآخرةِ، وهوَ فرقٌ غيرُ مؤثرٍ في الحكمِ، وحكمُ الأمِّ حكمُ الأبِ عندَ أكثرِ العلماءِ. نعمْ وخصَّ الهادي ما وَهَبَتْهُ الزوْجَةُ لزوجِهَا منْ صَدَاقِها بأنهُ ليسَ لها الرجوعُ في ذلكَ، ومثلُه رواهُ البخاريُّ (٢) عن النخعيِّ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ تعليقًا. وقالَ الزُّهْرِيُّ: يُرَدُّ إليها إنْ كانَ خَدَعَها. وأخرجَ عبدُ الرزاقِ (٣) عن عمر بسندِ منقطع: "إنَّ النساءَ يعطينَ رغبةً ورهبة، فأيُّما امرأةٍ أعطتْ زوجَها فشاءتْ أنْ ترجعَ رجعتْ". الهدية والثواب عليها ٤/ ٨٧٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يقبلُ الهديةَ ويثيبُ عَلَيْها. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دلالةٌ على أنَّ عادتَهُ ﷺ كانتْ جارية بقبولِ الهديةِ والمكافأةِ عليها، وفي رواية لابنِ أبي شيبةَ (٥): "ويثيبُ عليها ما هوَ خيرٌ منْها". وقدِ استُدِلَّ بهِ على وجوبِ الإثابةِ على الهدية؛ إذْ كونُه عادةً لهُ ﷺ مستمرة يقتضي لزومَهُ، ولا يتمُّ الاستدلالُ على الوجوبِ؛ لأنهُ قدْ يقالُ إنَّما فَعَلَهُ ﷺ مستمرًا لما جُبِلَ عليهِ منْ مكارِمِ الأخلاقِ لا لوجوبِه. وقدْ ذهبتِ الهادويةُ (٦) إلى وجوب المكافأةِ بحسبِ العُرْفِ. قالُوا: لأنَّ الأصْلَ في الأعيانِ الأعواضُ. قالَ في "البحر" (٦): ويجبُ تعويضُها حسبَ العُرْفِ. وقالَ الإمام يحيى (٦): المِثْلِي مثلُه، والقِيْمِي قيمتُه، ويجبُ الإيصاءُ بها.

стр. 1522

وقالَ الشافعيُّ (١) في الجديدِ: الهبةُ للثوابِ باطلةٌ لا تنعقدُ لأنَّها بيعٌ بثمنٍ مجهولٍ، ولأنَّ موضعَ الهبةِ التبرعُ فلوْ أوجَبْنَاه لكانَ في معنَى المعاوضةِ. وقدْ فرَّقَ الشَّرْعُ والعُرْفُ بينَ البيعِ والهبةٍ، فما [استحق] (٢) بالعوضِ أُطْلِقَ عليهِ لفظُ البيعِ بخلافِ الهبةِ. قيلَ: وكأنَّ مَنْ أَجَازَها للثوابِ جعَلَ العُرْفَ فيها بمنزلةِ الشَّرطِ، وهوَ ثوابُ مِثْلِها. وقالَ بعضُ المالكيةِ (٣): يجبُ الثوابُ على الهبةِ إذا أَطْلَقَ الواهبُ، أوْ كانَ ممنْ يطلبُ مِثْلُه الثوابَ كالفقيرِ للغنيِّ، بخلافِ ما يَهَبُهُ الأَعْلَى لِلأَدْنَى؛ فإذَا لم يرضَ الواهبُ بالثوابِ، فقيلَ تلزمُ الهبةُ إذا أعطاهُ الموهوبُ لهُ القيمةُ، وقيلَ: لا تلزمُ إلَّا أنْ يُراضِيَهُ، والمشهورُ الأولُ عند مالكٍ (٤) ﵀، ويردُّه الحديثُ الآتي وهوَ: ٥/ ٨٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "رَضِيتَ؟ "، قَالَ: لا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: "رَضِيتَ؟ "، قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: "رَضِيتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٦). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: وهبَ رجلٌ لرسول اللَّهِ ﷺ ناقةً فأثابَه عليها، فقالَ: رضيتَ؟ [فقال] (٧): لا، فزادَهُ، فقَالَ: رضيتَ؟ قالَ: لا، فزادَهُ، فقالَ: رضيتَ؟ قالَ: نعم. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، ورواهُ الترمذيُّ (٨)، وبيَّنَ أن العِوَضَ كانَ سِتَّ

стр. 1523

بَكَرَاتٍ. وفيهِ دليلٌ على اشتراطِ رِضَا الواهبِ، وأنهُ إنْ سُلِّمَ إليهِ قَدْرَ ما وهبَ، ولم يرضَ زِيدَ لهُ، وهوَ دليلٌ لأحدِ القولينِ الماضيينِ، وهوَ قولُ عمرَ (١). قالُوا: فإذا اشترطَ فيهِ الرِّضَا فليسَ هناكَ بيعٌ انعقدَ؟ الدليل على شرعية العُمرى والرُّقبى ٦/ ٨٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَلِمُسْلِم (٣): "أَمْسِكُوا عَلَيكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِي لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًا وَمَيتًا وَلِعَقِبِهِ". [صحيح] وَفِي لَفْظٍ (٤): "إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجعُ إِلَى صَاحِبِهَا". [صحيح] وَلأَبِي دَاوُدَ (٥)، وَالنَّسَائيِّ (٦): "لا تُرْقِبُوا، وَلا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : العُمْرَى) بضمّ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، وألفٍ مقصورةٍ (لمنْ وُهِبَتْ لهُ. متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ) أي: منْ حديثِ جابرٍ ﵁: (أمسكُوا عليكمْ أموالكُم، ولا تُفْسِدُوها، فإنهُ مَنْ أعمرَ عُمْرَى فَهِيَ للذي أعمرَها حَيًّا وَميْتًا ولِعَقبهِ، وفي لفظٍ: إنَّما العُمْرَى التي أجازَها رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يقولَ: هيَ لكَ ولِعَقِبِكَ، وأما إذا قالَ: هيَ لكَ ما عِشْتَ، فإنّها ترجعُ إلى صاحِبها. ولأبي داودَ والنسائيِّ) أي: منْ حديثِ جابرٍ: (لا تُرقبوا، ولا تُعمِرُوا: فمنْ أرقبَ شيئًا أو

стр. 1524

أُعمر شيئًا فهوَ لِوَرَثَتِهِ). الأصلُ (١) في العُمْرَى والرُّقْبَى أنهُ كانَ في الجاهليةِ يُعْطي الرجلُ الرجلَ الدارَ، ويقولُ أَعْمرْتُك إيَّاها، أي: أَبَحْتَها لكَ مدةَ عُمُرِكَ، فقيلَ لها عُمْرَى لذلكَ، كما أنهُ قيلَ لها رُقْبَى لأنَّ كلًّا منْهما يرقبُ موتَ الآخرِ. وجاءتِ الشريعةُ بتقريرِ ذلكَ؛ ففي الحديثِ دلالةٌ على شَرْعيَّتِها، وأنَّها مُمْلَكَةٌ لمنْ وُهِبَتْ لهُ. وإليهِ ذهبَ العلماءُ (١) كافةً إلا روايةً عنْ داودَ (٢) أنَّها لا تصحُّ، [واختلفوا] (٣) إلى ما يتوجَّهُ التمليكُ؛ فالجمهورُ أنهُ يَتَوَجَّهُ إلى الرقبةِ كغيرِها منَ الهباتِ، وعندَ الشافعيِّ (٤) ومالكٍ (٥) إلى المنفعةِ دونَ الرقبةِ، وتكونُ على ثلاثةِ أقسامٍ: مؤبدةً إنْ قالَ أبدًا، ومُطْلَقَةً عندَ عدمِ التقييدِ، ومقيَّدَةً بأنْ يقولَ ما عشتَ، فإذا متَّ رجحتْ إليَّ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، [والصحيح] (٦) أنَّها صحيحةٌ في جميعِ الأحوالِ، وأنَّ الموهوبَ لهُ يملكُها مُلْكًا تامًّا. يتصرفُ فيها بالبيع وغيرِه منَ التصرفاتِ، وذلكَ لتصريحِ الأحاديثِ بأنَّها لَمِنْ أعمرَها حيًا وميْتًا، وأما قولُه: "فإذا قالَ هي لكَ ما عِشْتَ فإنَّها ترجعُ إلى صاحبها"، فلأنهُ بهذا القَيْدِ قدْ شرطَ أنْ تعودَ إلى الواهبِ بعدَ موتِه، فيكونُ لها حُكْمُ ما إذا صرَّحَ بذلكَ الشرطِ، وهيَ كما لوْ أعمرَهُ شَهرًا، أو سَنَةً، فإنَّها عاريةٌ إجماعًا (٧). وقولُه: "أمسكُوا عليكم أموالَكُم"، وقولُه: "لا ترقُبُوا" محمولٌ على الكراهةِ والإرشادِ لهمْ إلى حِفْظِ أموالهِمِ؛ لأنَّهم كانُوا يعمرِونَ ويرقبونَ، ويرجعُ إليهم إذا ماتَ مَنْ أعمرُوْهُ وأرقَبُوهُ، فجاءَ الشرعُ بمراغمتِهم، وصحَّحَ العقدَ وأبطلَ الشرطَ

стр. 1525

المضادَّ لذلكَ، فإنهُ أشبَه الرجوعَ في الهبةِ. وقدْ صحَّ (١) النَّهْيُ عنهُ. وأخرجَ النَّسَائِي (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁ يرفعُه: "العُمْرَى لمنْ أُعْمِرَها، والرُّقْبَى لمن أُرْقِبَها، والعائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قَيْئِهِ". وأما إذا صرَّحَ بالشرطِ كما في الحديثِ وقالَ: ما عشتَ؛ فإنَّها عاريةٌ مؤقتةٌ لا هبةٌ. ومرَّ حديثُ (٣): "العائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قيئهِ"، ومثلُه الحديثُ الآتي وهو: النهي عن شراء الهبة والهدية ٧/ ٨٨٢ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُه، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرِخَصٍ. فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "لا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ عمرَ ﵁ قالَ: حَمَلْتُ على فرسٍ في سبيلِ اللَّهِ، فأضاعَهُ صاحبُهُ، فظننتُ أنهُ بائعهُ برِخَصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: لا تبتعْهُ وانْ أعطاكَه بدرهمٍ، [الحديثَ] (٥). متفقٌ عليهِ)، تمامهُ: "فإنَّ العائدَ في صدقتِه كالكلبِ يعودُ في قيئه". وقولُه: فأضاعَهُ، أي قَصَّرَ في مؤنتهِ وحسنِ القيامِ به. وقولُه: لا تبتعه، أي لا تشتره، وفي لفظٍ: ولا تعدْ في صدقتِكَ، فسمَّى الشراءَ عَوْدًا في الصدقةِ، قيلَ لأنَّ العادةَ جرتْ بالمسامحةِ في ذلكَ منَ البائعِ للمشتري، فأُطْلِقَ على القدْرِ الذي يقعُ بهِ التسامحُ رُجُوعًا، ويحتملُ أنهُ مبالغةٌ وأنَّ عَوْدَهَا إليهِ بالقيمةِ كالرجوعِ، وظاهرُ النَّهْي التحريمُ، وذهبَ إليه قومٌ (٦). وقالَ الجمهورُ (٦): إنهُ للتنزيهِ. وتقدَّمَ أن الرجوعَ في الهبةِ محرَّمٌ، وأنهُ الأقْوى دليلًا إلَّا ما استُثْنِي.

стр. 1526

قالَ الطبريُّ (١): يُخَصُّ منْ عمومِ هذا الحديثِ مَنْ وَهَبَ بشرطِ الثوابِ، ومن كانَ الواهبُ الوالدُ لولدِه والهبةُ التي لم تُقْبَضْ، والتي ردَّها الميراثُ إلى الواهبِ لثبوتِ الأخبارِ باستثناءِ ذلكَ، ومما لا رجوعَ فيهِ مطلقًا الصدقةُ يرادُ بها ثوابُ الآخرةِ. قلتُ: هذا في الرجوعَ في الهبةِ، فأما شراؤُها وهوَ الذي فيهِ سِيَاقُ هذا الحديثِ، فالظاهرُ أن النَّهْيَ للتنزيهِ، وإنمَا التحريمُ الرُّجُوعُ فيْها، ويحتملُ أنهُ لا فَرْقَ بينَهما للنَّهْي وأصلُه التحريمُ. الترغيب في الإهداء ٨/ ٨٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ في الأَدَب الْمُفْرَدِ (٢)، وَأَبُو يَعْلَى (٣) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قالَ: تهادُوا تحابُّوا. رواه البخاريُّ في الأدب المفردِ، وأبو يَعْلَى بإسنادٍ حَسَنٍ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ وغيرُه، وفي كلِّ رُوَاتِه مقالٌ. والمصنِّفُ قدْ حسَّنَ (٤) إسنادَهُ، وكأنهُ لشواهدِه الذي منْها الحديثُ: ٩/ ٨٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَهَادُوا، فَإِنَّ الْهَدِيةَ تَسُلُّ السّخِيمَةَ"، رَوَاهُ الْبَزارُ (٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] وإنْ كانَ ضعيفًا، وهوَ قولُه: (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : تهادُوا: فإنَّ الهديةَ تَسُلُّ السخيمةَ) بالسين المهملةِ مفتوحةً، فخاءٌ معجمةٌ، فمثناةٌ
следующие страницы →