← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1522–1561 · переход к 1527.

стр. 1522

وقالَ الشافعيُّ (١) في الجديدِ: الهبةُ للثوابِ باطلةٌ لا تنعقدُ لأنَّها بيعٌ بثمنٍ مجهولٍ، ولأنَّ موضعَ الهبةِ التبرعُ فلوْ أوجَبْنَاه لكانَ في معنَى المعاوضةِ. وقدْ فرَّقَ الشَّرْعُ والعُرْفُ بينَ البيعِ والهبةٍ، فما [استحق] (٢) بالعوضِ أُطْلِقَ عليهِ لفظُ البيعِ بخلافِ الهبةِ. قيلَ: وكأنَّ مَنْ أَجَازَها للثوابِ جعَلَ العُرْفَ فيها بمنزلةِ الشَّرطِ، وهوَ ثوابُ مِثْلِها. وقالَ بعضُ المالكيةِ (٣): يجبُ الثوابُ على الهبةِ إذا أَطْلَقَ الواهبُ، أوْ كانَ ممنْ يطلبُ مِثْلُه الثوابَ كالفقيرِ للغنيِّ، بخلافِ ما يَهَبُهُ الأَعْلَى لِلأَدْنَى؛ فإذَا لم يرضَ الواهبُ بالثوابِ، فقيلَ تلزمُ الهبةُ إذا أعطاهُ الموهوبُ لهُ القيمةُ، وقيلَ: لا تلزمُ إلَّا أنْ يُراضِيَهُ، والمشهورُ الأولُ عند مالكٍ (٤) ﵀، ويردُّه الحديثُ الآتي وهوَ: ٥/ ٨٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: وَهَبَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاقَةً، فَأَثَابَهُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: "رَضِيتَ؟ "، قَالَ: لا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: "رَضِيتَ؟ "، قَالَ: لَا، فَزَادَهُ، فَقَالَ: "رَضِيتَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، وَصَحّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٦). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: وهبَ رجلٌ لرسول اللَّهِ ﷺ ناقةً فأثابَه عليها، فقالَ: رضيتَ؟ [فقال] (٧): لا، فزادَهُ، فقَالَ: رضيتَ؟ قالَ: لا، فزادَهُ، فقالَ: رضيتَ؟ قالَ: نعم. رواهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، ورواهُ الترمذيُّ (٨)، وبيَّنَ أن العِوَضَ كانَ سِتَّ

стр. 1523

بَكَرَاتٍ. وفيهِ دليلٌ على اشتراطِ رِضَا الواهبِ، وأنهُ إنْ سُلِّمَ إليهِ قَدْرَ ما وهبَ، ولم يرضَ زِيدَ لهُ، وهوَ دليلٌ لأحدِ القولينِ الماضيينِ، وهوَ قولُ عمرَ (١). قالُوا: فإذا اشترطَ فيهِ الرِّضَا فليسَ هناكَ بيعٌ انعقدَ؟ الدليل على شرعية العُمرى والرُّقبى ٦/ ٨٨١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَلِمُسْلِم (٣): "أَمْسِكُوا عَلَيكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِي لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًا وَمَيتًا وَلِعَقِبِهِ". [صحيح] وَفِي لَفْظٍ (٤): "إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتي أَجَازَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلعَقِبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرْجعُ إِلَى صَاحِبِهَا". [صحيح] وَلأَبِي دَاوُدَ (٥)، وَالنَّسَائيِّ (٦): "لا تُرْقِبُوا، وَلا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيئًا، أَوْ أُعْمِرَ شَيئًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : العُمْرَى) بضمّ المهملةِ، وسكونِ الميمِ، وألفٍ مقصورةٍ (لمنْ وُهِبَتْ لهُ. متفقٌ عليهِ. ولمسلمٍ) أي: منْ حديثِ جابرٍ ﵁: (أمسكُوا عليكمْ أموالكُم، ولا تُفْسِدُوها، فإنهُ مَنْ أعمرَ عُمْرَى فَهِيَ للذي أعمرَها حَيًّا وَميْتًا ولِعَقبهِ، وفي لفظٍ: إنَّما العُمْرَى التي أجازَها رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يقولَ: هيَ لكَ ولِعَقِبِكَ، وأما إذا قالَ: هيَ لكَ ما عِشْتَ، فإنّها ترجعُ إلى صاحِبها. ولأبي داودَ والنسائيِّ) أي: منْ حديثِ جابرٍ: (لا تُرقبوا، ولا تُعمِرُوا: فمنْ أرقبَ شيئًا أو

стр. 1524

أُعمر شيئًا فهوَ لِوَرَثَتِهِ). الأصلُ (١) في العُمْرَى والرُّقْبَى أنهُ كانَ في الجاهليةِ يُعْطي الرجلُ الرجلَ الدارَ، ويقولُ أَعْمرْتُك إيَّاها، أي: أَبَحْتَها لكَ مدةَ عُمُرِكَ، فقيلَ لها عُمْرَى لذلكَ، كما أنهُ قيلَ لها رُقْبَى لأنَّ كلًّا منْهما يرقبُ موتَ الآخرِ. وجاءتِ الشريعةُ بتقريرِ ذلكَ؛ ففي الحديثِ دلالةٌ على شَرْعيَّتِها، وأنَّها مُمْلَكَةٌ لمنْ وُهِبَتْ لهُ. وإليهِ ذهبَ العلماءُ (١) كافةً إلا روايةً عنْ داودَ (٢) أنَّها لا تصحُّ، [واختلفوا] (٣) إلى ما يتوجَّهُ التمليكُ؛ فالجمهورُ أنهُ يَتَوَجَّهُ إلى الرقبةِ كغيرِها منَ الهباتِ، وعندَ الشافعيِّ (٤) ومالكٍ (٥) إلى المنفعةِ دونَ الرقبةِ، وتكونُ على ثلاثةِ أقسامٍ: مؤبدةً إنْ قالَ أبدًا، ومُطْلَقَةً عندَ عدمِ التقييدِ، ومقيَّدَةً بأنْ يقولَ ما عشتَ، فإذا متَّ رجحتْ إليَّ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، [والصحيح] (٦) أنَّها صحيحةٌ في جميعِ الأحوالِ، وأنَّ الموهوبَ لهُ يملكُها مُلْكًا تامًّا. يتصرفُ فيها بالبيع وغيرِه منَ التصرفاتِ، وذلكَ لتصريحِ الأحاديثِ بأنَّها لَمِنْ أعمرَها حيًا وميْتًا، وأما قولُه: "فإذا قالَ هي لكَ ما عِشْتَ فإنَّها ترجعُ إلى صاحبها"، فلأنهُ بهذا القَيْدِ قدْ شرطَ أنْ تعودَ إلى الواهبِ بعدَ موتِه، فيكونُ لها حُكْمُ ما إذا صرَّحَ بذلكَ الشرطِ، وهيَ كما لوْ أعمرَهُ شَهرًا، أو سَنَةً، فإنَّها عاريةٌ إجماعًا (٧). وقولُه: "أمسكُوا عليكم أموالَكُم"، وقولُه: "لا ترقُبُوا" محمولٌ على الكراهةِ والإرشادِ لهمْ إلى حِفْظِ أموالهِمِ؛ لأنَّهم كانُوا يعمرِونَ ويرقبونَ، ويرجعُ إليهم إذا ماتَ مَنْ أعمرُوْهُ وأرقَبُوهُ، فجاءَ الشرعُ بمراغمتِهم، وصحَّحَ العقدَ وأبطلَ الشرطَ

стр. 1525

المضادَّ لذلكَ، فإنهُ أشبَه الرجوعَ في الهبةِ. وقدْ صحَّ (١) النَّهْيُ عنهُ. وأخرجَ النَّسَائِي (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁ يرفعُه: "العُمْرَى لمنْ أُعْمِرَها، والرُّقْبَى لمن أُرْقِبَها، والعائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قَيْئِهِ". وأما إذا صرَّحَ بالشرطِ كما في الحديثِ وقالَ: ما عشتَ؛ فإنَّها عاريةٌ مؤقتةٌ لا هبةٌ. ومرَّ حديثُ (٣): "العائدُ في هِبَتِهِ كالعائدِ في قيئهِ"، ومثلُه الحديثُ الآتي وهو: النهي عن شراء الهبة والهدية ٧/ ٨٨٢ - وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُه، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرِخَصٍ. فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "لا تَبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ" الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ عمرَ ﵁ قالَ: حَمَلْتُ على فرسٍ في سبيلِ اللَّهِ، فأضاعَهُ صاحبُهُ، فظننتُ أنهُ بائعهُ برِخَصٍ، فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: لا تبتعْهُ وانْ أعطاكَه بدرهمٍ، [الحديثَ] (٥). متفقٌ عليهِ)، تمامهُ: "فإنَّ العائدَ في صدقتِه كالكلبِ يعودُ في قيئه". وقولُه: فأضاعَهُ، أي قَصَّرَ في مؤنتهِ وحسنِ القيامِ به. وقولُه: لا تبتعه، أي لا تشتره، وفي لفظٍ: ولا تعدْ في صدقتِكَ، فسمَّى الشراءَ عَوْدًا في الصدقةِ، قيلَ لأنَّ العادةَ جرتْ بالمسامحةِ في ذلكَ منَ البائعِ للمشتري، فأُطْلِقَ على القدْرِ الذي يقعُ بهِ التسامحُ رُجُوعًا، ويحتملُ أنهُ مبالغةٌ وأنَّ عَوْدَهَا إليهِ بالقيمةِ كالرجوعِ، وظاهرُ النَّهْي التحريمُ، وذهبَ إليه قومٌ (٦). وقالَ الجمهورُ (٦): إنهُ للتنزيهِ. وتقدَّمَ أن الرجوعَ في الهبةِ محرَّمٌ، وأنهُ الأقْوى دليلًا إلَّا ما استُثْنِي.

стр. 1526

قالَ الطبريُّ (١): يُخَصُّ منْ عمومِ هذا الحديثِ مَنْ وَهَبَ بشرطِ الثوابِ، ومن كانَ الواهبُ الوالدُ لولدِه والهبةُ التي لم تُقْبَضْ، والتي ردَّها الميراثُ إلى الواهبِ لثبوتِ الأخبارِ باستثناءِ ذلكَ، ومما لا رجوعَ فيهِ مطلقًا الصدقةُ يرادُ بها ثوابُ الآخرةِ. قلتُ: هذا في الرجوعَ في الهبةِ، فأما شراؤُها وهوَ الذي فيهِ سِيَاقُ هذا الحديثِ، فالظاهرُ أن النَّهْيَ للتنزيهِ، وإنمَا التحريمُ الرُّجُوعُ فيْها، ويحتملُ أنهُ لا فَرْقَ بينَهما للنَّهْي وأصلُه التحريمُ. الترغيب في الإهداء ٨/ ٨٨٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "تَهَادُوا تَحَابُّوا"، رَوَاهُ الْبُخَاريُّ في الأَدَب الْمُفْرَدِ (٢)، وَأَبُو يَعْلَى (٣) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. [حسن] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ قالَ: تهادُوا تحابُّوا. رواه البخاريُّ في الأدب المفردِ، وأبو يَعْلَى بإسنادٍ حَسَنٍ)، وأخرجَهُ البيهقيُّ وغيرُه، وفي كلِّ رُوَاتِه مقالٌ. والمصنِّفُ قدْ حسَّنَ (٤) إسنادَهُ، وكأنهُ لشواهدِه الذي منْها الحديثُ: ٩/ ٨٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَهَادُوا، فَإِنَّ الْهَدِيةَ تَسُلُّ السّخِيمَةَ"، رَوَاهُ الْبَزارُ (٥) بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. [ضعيف] وإنْ كانَ ضعيفًا، وهوَ قولُه: (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : تهادُوا: فإنَّ الهديةَ تَسُلُّ السخيمةَ) بالسين المهملةِ مفتوحةً، فخاءٌ معجمةٌ، فمثناةٌ

стр. 1527

تحتيةٌ. في "القاموس" (١): السَّخيمةُ والسّخيمةُ (٢) بالضمِّ الحقدُ. (رواهُ البزارُ بإسنادٍ ضعيفٍ)؛ لأنَّ في رُوَاتِه منْ ضُعِّفَ. ولهُ طُرُقٌ كُلّها لا تخلُو عنْ مقالٍ، وفي بعضِ ألفاظهِ: تُذْهِبُ وَحَرَ الصدرِ، بفتح الواوِ والحاءِ المهملةِ، وهوَ الحقدُ أيضًا. والأحاديثُ وإنْ لم تخلُ عنْ مقالٍ فإنَّ للهديةِ في القلوبِ موقعًا لا يخْفَى. ١٠/ ٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسَنَ شَاةٍ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : يا نساءَ المسلماتِ)، قالَ القاضي (٤): الأشهرُ نصبُ النساءِ على أنهُ منادَى مضافٌ إلى المسلماتِ، من إضافةِ الموصوفِ إلى الصفةِ، وقيلَ غيرُ هذَا. (لا تحقِرنَّ) بالحاءِ المهملةِ ساكنةٍ، وفتحِ القافِ وكسرها، (جارةٌ لجارتِها ولو فِرْسَنَ شاةٍ) بكسرِ الفاءِ، وسكونِ الراءِ، وكسرِ السينِ [المهملةِ] (٥)، آخرَه نونٌ، وهوَ منَ البعيرِ بمنزلةِ الحافرِ منَ الدابةِ، وربَّما استُعِيرَ في الشاةِ (متفق عليهِ). في الحديثِ حَذْفٌ تقديرُه: لا تحقرنَّ جارةٌ لجارتِها هديةً ولو فِرْسنَ شاةٍ، والمرادُ منْ ذِكْرِه المبالغةُ في الحثِّ على هديةِ الجارةِ لجارتِها، لا حقيقةُ الفرسنِ؛ لأنهُ لم تجرِ العادةُ بإهدائِه. وظاهرُه النَّهْيُ لِلْمُهْدِي (اسمُ فاعلٍ) (٦) عن استحقارِ ما يهديهِ بحيثُ يؤدي إلى تركِ الإهداءِ، ويُحتملُ أنّهُ للمُهْدَى إليهِ، والمرادُ [لا يحقِرنَّ مَا أُهدِيَ إليهِ] (٧) ولو كان حقيرًا، ويُحْتَمَلُ إرادةُ الجميعِ، وفيهِ الحثُّ على التهادي سِيَّما بينَ الجيرانِ، ولو بالشيءِ الحقيرِ لما فيهِ منْ جلْبِ المحبةِ والتأنيسِ.

стр. 1528

١١/ ٨٨٦ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَهَبَ هِبَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ يُثَبْ عَلَيهَا"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (١)، وَصَحّحَهُ، وَالْمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قَوْلُهُ (٢). [ضعيف] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: منْ وَهَبَ هبةً فهوَ أحقُّ بها ما لم يُثَبْ عليها. رواهُ الحاكمُ، وصحَّحَهُ، والمحفوظُ منْ روايةِ ابن عمرَ عنْ عمرَ قولُه)، قالَ المصنفُ ﵀: صحَّحَهُ الحاكمُ وابنُ حزمٍ (٣). وفيهِ دليلٌ على جوازِ الرجوعِ في الهبةِ التي لم يُثَبْ عليها، وعدم جوازِ الرجوعِ في الهبةِ التي أثابَ عنها الواهبُ الموهوبَ له. وتقدَّمَ (٤) الكلامُ في ذلكَ، وفي حُكْمِ الهبةِ للثوابِ والمكافأةِ. وما أحسنَ ما قيلَ في ذلكَ: إنَّ الفاعلَ لا يفعلُ إلَّا لِغَرَضٍ؛ فالهِبةُ للأَدْنَى كثيرًا ما تكونُ كالصدقةِ، وهيَ غَرَضٌ [مبهم] (٥)، وللمساوي معاشرة لجلبِ المودةِ، وحُسْنِ العُشْرَةِ المروءة، وهيَ مِثْلُ عطيةِ الأدْنَى إلَّا أن في عَطِيَّةِ الأدنَى تَوَهُّمُ الصدقةِ، والعُرْفُ جارٍ بتخالُفِ الهدايا باعتبارِ حالِ المُهْدِي والمُهْدَى إليهِ؛

стр. 1529

فإذا كانَ الغرضُ الطمعَ والتحصيلَ كما يهدي المتكسِّبُ لِلْمَلِكِ يُتْحِفُهُ بشيءٍ يرجُو فضلَه، فلو اقْتَصَرَ الملكُ على قَدْرِ قيمتِها لَذُمَّ، والذمُّ دليلُ الوجوبُ، بلْ إما أن يردَّها أو يُعْطِيَهُ خيرًا مِنْها، وإنْ كان غرضُ المهدي تحسين الاتصالِ بينهما والمخالقةِ الحسنةِ، وتصفيةِ ذاتِ البينِ، أجزأه منَ المكافأةِ أدنى شيءٍ قلَّ أو كَثُرَ، بلِ الأقلُّ أنسبُ لإشعارِه بأنْ ليس الغرضُ المعاوضةَ بل تكميلُ المودَّةِ، وأنهُ لا فرقَ بينَ ما تملكُه أنتَ وما أملكُه أنا. * * *

стр. 1530

[الباب التاسع عشر] بابُ اللُّقَطَةِ اللُّقَطَةُ بضمِّ اللام، وفتحِ القافِ، قيلَ: لا يجوزُ غيرُه. وقالَ الخليلُ (١): القافُ ساكنةٌ لا غيرُ، وَأما بفتحِها فهوَ اللَّاقِطُ. قيل: وهذا هوَ القياسُ، إلا أنهُ أجمعَ أهل اللغةِ والحديثِ على الفتحِ، ولذا قيلَ لا يجوز غيرُه. ١/ ٨٨٧ - عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مرَّ النَّبيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ في الطَّرِيقِ فَقَالَ: "لَوْلا أَنِّي أَخافُ أَنْ تَكونَ مِنَ الصَّدقةِ لأَكَلْتهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (عنْ أنسٍ ﵁ قالَ: مرّ رسولُ ﷺ بتمرةٍ في الطريقٍ فقالَ: لَوْلَا أَنِّي أخافُ أن تكونَ منَ الصدقةِ لأكلْتُها. متفقُ عليهِ). دلَّ على جوازِ أَخْذِ الشيءِ الحقيرِ الذي يُتسامحُ بهِ، ولا يجبُ التعريفُ بهِ، وأنَّ الآخِذَ يملكُه بمجردِ الأخذِ لهُ. وظاهرُ الحديثِ أنهُ يجوزُ ذلكَ في الحقيرِ، وإنْ كانَ مالكُه معروفًا. وقيلَ: لا يجوزُ إلا إذا جهل، وأما إذا علِمَ فلا يجوز إلا بإذْنهِ، وإنْ كانَ يسيرًا. وقدْ أوردَ سؤال أنهُ ﷺ كيفَ تركها في الطريقِ معَ أن [للإمام] (٣) حِفظَ المالِ الضائعِ، وحِفْظَ ما كانَ منَ الزكاةِ وصَرْفَهُ في [مصارفهِ] (٤)، ويُجابُ عنهُ بأنهُ لا دليل أنهُ ﷺ لم يأخذْها لِلْحفْظِ، وإنما تركَ أكلَها تَوَرُّعًا، أوْ أنهُ تركَها عَمْدًا ليأخذَها منْ يمرُّ ممنْ تحلُّ لهُ الصدقةُ، ولا يجبُ على الإمامِ إلَّا حفظُ المالِ الذي يعلمُ طلبَ صاحبِه

стр. 1531

لهُ لا ما جرتِ العادةُ بالإعراضِ عنهُ لِحَقَارَتهِ. وفيهِ حثٌّ علَى التورُّعِ عنْ أكْلِ ما يجوزُ فيهِ أنهُ حرامٌ. حكم الالتقاط ٢/ ٨٨٨ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا، وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُكَ بِهَا"، قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَم؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ أَوْ لأخَيكَ أَوْ لِلذئْبِ"، قَالَ: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتى يَلْقَاهَا رَبُّها"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] ترجمة زيد بن خالد الجهني (وعنْ زيدِ (٢) بن خالدٍ الجُهَنِيِّ) هوَ أبو طلحةَ، أو أبو عبدِ الرحمنِ زيدِ بن خالدِ، نزلَ الكوفةَ وماتَ بها سنةَ ثمانٍ وسبعينَ، وهوَ ابنُ خمسٍ وثمانينَ سنةً، ورَوَى عنهُ جماعةٌ (قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ لم يقمْ برهانٌ على تعيينِ الرجلِ، (فسأَلَهُ عن اللُّقَطَةِ) أي: عنْ حُكْمِها شَرْعًا (قالَ: اعرِفْ عِفَاصَها) بكسرِ العينِ المهملةِ، ففاءٍ، وبعدَ الألفِ صادٌ مهملةٌ، وعاءَها، ووقعَ في روايةٍ (٣) [أخرى] (٤)

стр. 1532

خِرْقَتَها. (ووكاءَها) بِكسْرِ الواوِ ممْدودًا: ما يُرْبَطُ بهِ، (ثمَّ عَرِّفْها) بتشديدِ الراءِ (سنةً، فإنْ جاءَ صاحبُها، وإلَّا فَشَأنُكَ بها. قالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمَ؟)، الضالةُ تقالُ على الحيوانِ، وما ليسَ بحيوانٍ يقالُ لهُ لُقَطَةً، ([فقال] (١): هيَ لكَ، أوْ لأخيكَ، أوْ للذئبِ. قالَ: فَضَالَّةُ الإبلِ؟ قالَ: ما لَكَ ولَهَا؟ معهَا سِقَاؤُهَا) أي جوفُها، وقيلَ: عُنُقُها، (وحِذَاؤُها) بكسرِ الحاءِ المهملةِ، فذالٍ معجمةٍ، أي خُفُّها، (تردُ الماءَ، وتأكلُ الشجرَ، حتَّى يَلْقَاها ربُّها، متفقٌ عليهِ). اختلفَ العلماءُ في الالتقاطِ هلْ هوَ أفضلُ أم التَّرْكُ؟ فقالَ أبو حنيفةَ (٢): الأفضلُ الالتقاطُ؛ لأنَّ منَ الواجبِ على المسلمِ حفظُ مالِ أخيهِ، ومثْلُه قالَ الشافعيُّ (٣): وقالَ أحمد (٤) ومالك (٥): تَرْكُهُ أَفْضَلُ لحديثِ (٦): "ضَالَّةُ المؤمنِ

стр. 1533

حرقُ النَّارِ"، ولمَا يخاف منَ التضمينِ والدَّينِ. وقالَ قومٌ: بلِ الالتقاطُ واجبٌ، وتأوَّلُوا الحديثَ [أنه] (١) فيمنْ أرادَ أَخْذَها للانتفاعِ بِها منْ أوَّلِ الأمرِ، قبلَ تعريفِه بها، هذا وقدِ اشتملَ الحديثُ على ثلاثِ مسائلَ: الأولَى: في حُكْمِ اللُّقَطَةِ، وهيَ الضائعةُ التي ليستْ بحيوانٍ فإنَّ ذلكَ يقالُ لهُ ضالةٌ، فقدْ أمرَ ﷺ الملتقطَ يعرِّفَ وِعاءَها، وما تُشَدُّ بهِ. وظاهرُ الأمرِ وجوبُ التَّعَرُّفِ لما ذُكِرَ ووجوبُ التعريفِ، ويزيدُ الأخيرُ عليهِ دلالةً قولُه: تعريف اللقطة ٣/ ٨٨٩ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ آوَى ضَالَّةَ فَهُوَ ضَالٌّ، مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنهُ) أي زيدِ بن خالدٍ (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : منْ آوَى ضالةً فهوَ ضالٌ ما لم يعرِّفْها. رواهُ مسلمٌ)، فَوَصَفَه [بالضال] (٣) إذا لم يعرِّفْ بها. وقدِ اختُلِفَ في فائدةِ معرفتِها، فقيلَ: لِتُرَدَّ للواصفِ لها [فإنه] (٤) يقبلُ قولَهُ بعدَ إخبارِه بصفَتِها، ويجبُ ردُّها إليهِ كما دلَّ لهُ ما هُنَا، وما في رواية البخاريِّ (٥): "فإنْ جاءَ أحدٌ يخبرُكَ بِها"، وفي لفظٍ (٦): "بِعَدَدِها، ووعائِها، ووكائِها فأَعْطِها إياهُ"، وإلى هذا ذهبَ أحمدَ (٧)، ومالكٌ (٨). واشترطَتِ المالكيةُ (٩) زيادةَ صفةِ الدنانيرِ والعددِ.

стр. 1534

قالُوا: لورودِ ذلكَ في بعضِ الرواياتِ، وقالُوا: لا يضرُّهُ الجهلُ بالعددِ إذا عرفَ العِفاصَ والوكَاءَ، فأما إذا عرفَ إحدى العلامتينِ المنصوصِ عليها منَ العفاصِ والوكاءِ، وجَهِلَ الأُخْرَى فقيلَ: لا شيءَ لهُ إلا بمعرفتِهِما جميعًا. وقيلَ: تُدْفَعُ إليه بعدَ الإنظارِ مدةً، ثمَّ اختُلِفَ هلْ تُدْفَعُ إليهِ بعدَ وَصْفِهِ [عفاصها] (١) ووكائِها بغيرِ يمينٍ، أمْ لا بدَّ منَ اليمينِ؟ فقيلَ: تُدْفَعُ إليهِ بغيرِ يمينٍ لأنهُ ظاهرُ الأحاديثِ. وقيلَ: لا تُردُّ إليهِ إلَّا بالبيِّنةِ. وقالَ منْ أوْجَب البيِّنةَ: إنَّ فائدةَ أمرِ الملتقطِ بمعرفَتِها لِئَلَّا تَلْتَبِسُ بمالِه لا لأَجْلِ ردِّها لمنْ وصفَها؛ فإنَّها لا تُرَدُّ إليهِ إلا بالبيِّنةِ. قالُوا: وذلكَ لأنهُ مدَّع لا يُسَلَّمُ إليهِ ما ادَّعَاهُ إلَّا بالبينةِ، وهذَا أصلٌ مُقَرَّرٌ شَرْعًا لا يخرجُ عنهُ بمجردِ وصفِ المدَّعِي للعِفاصِ والوِكَاءِ. وأُجيْبَ بأنَّ ظاهرَ الأحاديثِ وجوبُ الردِّ بمجرَّدِ الوصْفِ؛ فإنهُ قالَ (٢) ﷺ : "فَأَعْطِها إيَّاهُ". وفي حديثِ البابِ يقدر بعدَ قولِه: فإنْ جاءَ صاحِبُها فأعْطِهِ إيَّاهَا، وإنَّما حُذِفَ جوابُ الشرطِ للعلمِ بهِ. وحديثُ (٣): "البيِّنةُ على المدَّعي"، ليستِ البيِّنةُ مقصورة على الشهادةِ، بل هيَ عامة لكل ما يَتَبَيَّنُ بهِ الحقُّ، ومنْها وصفُ العِفَاصِ والوِكَاءِ، على أنهُ قدْ قالَ منِ اشترطَ البينةَ إنَّها إذا ثبتتِ الزيادةُ وهي قولُه: فأعطِها إياهُ، كانَ العملُ عليها، والزيادةُ قدْ صحَّتْ كما حقَّقَهُ المصنفُ (٤) ﵀؛ فيجبُ العملُ بها، ويجبُ الردُّ بالوصفِ، وكما أوجبَ عيهم التعريفَ بها فقدْ حدَّ وقْتَه بسنةٍ فأوجبَ التعريفَ بها سنة، وأما ما بعدَها فقيلَ لا يجبُ التعريفُ بها بعدَ السنةِ، وقيلَ: يجبُ، والدليلُ معَ الأَوَّلِ، ودلَّ على أنهُ يعرِّفُ بها سنةً لا غيرُ، حقيرةً كانتْ أوْ عظيمةً، ثمَّ التعريفُ يكونُ في مظانِّ اجتماعِ الناسِ منَ الأسواقِ وأبوابِ المساجدِ والمجامعِ الحافلةِ، قولُه: "وإلَّا فشأْنَكَ بها"، نَصَبَ شَأْنَكَ على الإغراءِ، ويجوزُ رفْعُه على الابتداءِ وخبرُه بها، وهوَ تفويضٌ لهُ في حِفْظِها أو الانتفاعِ بها، واستُدِلَّ بهِ على جوازِ تصرُّفِ الملْتَقِطِ بها بأي تصرُّفِ، إما بِصَرْفِها

стр. 1535

في نَفْسِه غَنِّيًا كانَ أوْ فقيرًا، أو التصدُّقِ بها، إلَّا أنهُ قدْ وردَ منَ الأحاديثِ ما يقتضي بأنه لا يملكها، فعندَ مسلمٍ (١): "ثمَّ عرِّفْها سنة فإنْ لم يَجِئْ صاحِبُها كانتْ وديعةً عِندَكَ"، وفي روايةٍ (٢): "ثمَّ عرِّفْها سنةً فإنْ لم تعرِّفْ فاسْتَنْفِقْها ولتكنْ وديعةً عِنْدَك، فإنْ جاءَ طَالِبُها يومًا منَ الدهرِ فأدِّها إليهِ". ولذلكَ اختلفَ العلماءُ في حُكْمِها بعدَ السُّنَّة، [فقال] (٣) في "نهاية المجتهد" (٤): إنهُ اتفقَ فقهاءُ الأمصارِ: مالكٌ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ أن لهُ تَمَلّكَها، ومثلُه عنْ عمرَ، وابنِه، وابنِ مسعودٍ، وقالَ أبو حنيفةَ (٥): ليسَ لهُ إلا أنْ يتصدقَ بها، ومثلُه يُرْوَى عنْ عليّ، وابنِ عباسٍ، وجماعةٍ منَ التابعينَ، وكلُّهم متفقونَ على أنهُ إنْ أكَلَهَا ضمِنَها لصاحبِها إلَّا أهلَ الظاهرِ، فقالُوا: تحلُّ لهُ بعدَ السَّنةِ وتصيرُ مالًا منْ مالِه، ولا يضمنُها إنْ جاءَ صاحِبُها. قلتُ: ولا أدري ما يقولونَ في حديثِ مسلم (٦) ونحوه الدالِّ على وجوبِ ضَمَانِها، وأقربُ الأقوالِ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ (٧) ومَنْ معهُ؛ لأنهُ ﷺ أَذنَ في استنفاقِهِ لها ولمْ يأمرْهُ بالتصدُّقِ بها، ثمَّ أمرهُ بعدَ الإذْنِ في الاستنفاقِ أنْ يردَّها إلى صاحبِها إنْ جاءَ يومًا منَ الدَّهْرِ، وذلكَ تضمينٌ لها. المسألةُ الثانيةُ: في ضالةِ الغَنَم فقدِ اتفقَ العلماءُ على أن لِوَاجِدِ الغَنَمِ في المكانِ القفْرِ البعيدِ منَ العُمرانِ أنْ يأكلَها لقولِهِ ﷺ (٨): "هيَ لكَ، أوْ لأخيكَ، أوْ للذئبِ"؛ فإنَّ معناهُ أنَّها معرَّضَةٌ للهلاكِ، متردِّدةٌ بينَ أنْ تأخذَها، أوْ أخُوكَ، والمرادُ بهِ ما هوَ أعمُّ منْ صاحِبها، أوْ منْ ملتقِطٍ آخرَ، والمرادُ منَ الذئبِ جِنْسُ ما يأكلُ الشاةَ منَ السباعِ، وفيهِ حثٌّ على أخْذ إيَّاها. وهلْ يجبُ عليهِ ضمانُ

стр. 1536

قِيْمَتِها لصاحِبها أوْ لا؟ فقالَ الجمهورُ (١): إنهُ يضمنُ قيمتَها والمشهورُ عنْ مالكٍ (٢) أنهُ لا يضمنُ، واحتجَّ بالتسويةِ بينَ الملتقِطِ والذِّئب، والذّئبُ لا غرامةَ عليهِ، فكذلكَ المُلتَقِطُ. وأُجِيبَ بأنَّ اللَّامَ ليستْ للتّمليكِ لأنَّ الذئبَ لا يملكُ. وقدْ أجمعُوا (٣) على أنهُ لو جاءَ صاحِبُها قبلَ أنْ يأكلَها الملتقِطُ فهيَ باقيةٌ على مُلْكِ صاحِبها. والمسألةُ الثالثةُ: في ضالةِ الإبلِ، وقدْ حَكَمَ ﷺ بأنَّها لا تُلْتَقَطُ بلْ تُتْرَكُ تَرْعَى الشجرَ وتردُ المياهَ حتَّى يأتيَ صاحبُها. قالُوا: وقدْ نَبَّهَ ﷺ على أنَّها غنيةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى الحفظِ بما ركَّبَ اللَّهُ في طِبَاعِهَا منَ الجلادةِ علَى الْعَطَشِ، وتناولِ الماءِ بغيرِ تَعَبٍ لطولٍ عُنُقِها وقوتِّها على المشي، فلا تحتاجُ إلى الملتقِطِ بخلافِ الغنمِ. وقالتِ الحنفيةُ (٤) وغيرُهم: الأَوْلى التقاطُها، قالَ العلماءُ: والحِكْمَةُ في النَّهْي عن التقاطِ الإبلِ أن بقاءَها حيثُ ضلَّتْ أقربُ إلى وُجْدَانِ مالِكِها لها منْ تَطَلُّبِهِ لها في رحالِ الناسِ. ٤/ ٨٩٠ - وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدَ لُقَطَة فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلْيَحْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمّ لَا يَكْتُمْ، وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللهِ يُؤتيهِ مَنْ يَشَاءُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥)، والأَرْبَعَةُ (٦)، إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (٧)، وَابْنُ حِبّانَ (٨). [صحيح]

стр. 1537

ترجمة عياض (وعنْ عياضٍ) (١) بكسرِ المهملةِ، آخرهُ ضاد معجمةٌ (ابن حمارٍ) بلفظِ الحيوانِ المعروفِ، صحابيٌّ معروفٌ (قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : منْ وَجَدَ لُقَطَةً فليُشْهِدْ ذويْ عَدْلٍ، وليحفظْ عِفَاصَها وَوِكَاءَها، ثمَّ لا يَكْتُمْ ولا يُغَيِّبْ، فإنْ جاءَ ربُّها فهوَ أحقُّ بها، إلا فهوَ مالُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ، وابنُ الجارودِ، وابن حِبَّانَ). تقدَّمَ الكلامُ (٢) في اللقطةِ والعِفاصِ والوكاءِ، وأفادَ هذا الحديثُ زيادةَ وجوبِ الإشهادِ بعدلينِ على التقاطِها. وقدْ ذهبَ إلى هَذَا أبو حنيفةَ (٣)، وهوَ أحدُ قَوْلَيّ الشافعيِّ (٤) فقالُوا: يجبُ الإشهادُ على اللُّقَطَةِ، وعلَى أوْصَافِها. وذهبَ الهادي (٥)، ومالكٌ (٦)، وهوَ أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ (٧) إلى أنهُ لا يجبُ، قالُوا: لِعَدَمِ ذِكْرِ الإشهادِ [على اللقطة] (٨) في الأحاديثِ الصحيحةِ (٩)، فَيُحْمَلُ هَذا على النَّدْبِ، وقالَ الأولون: هذِه الزيادةُ بعدَ صِحَّتِها يجبُ العملُ بها فيجبُ الإشهادُ، ولا ينافي ذلكَ عدمُ ذِكْرِهِ في غيرِه منَ الأحاديثِ، والحقُّ وجوبُ الإشهادِ، وفي قولِهِ: "فهوَ مالُ اللَّهِ يؤتيهِ منْ يشاءُ" دليلٌ للظاهريةِ (١٠) في أنَّها تصيرُ مُلْكًا للملتقطِ ولا يَضْمَنُها، وقدْ يجابُ بأنَّ هذَا مقيَّدٌ بما سلفَ من إيجابِ الضمانِ. وأما قولُه ﷺ : يؤتيهِ منْ يشاءُ، فالمرادُ أنهُ يحلُّ انتفاعُه بها بعدَ مرورِ سنةِ التعريفِ. النهي عن لقطة الحاج ٥/ ٨٩١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

стр. 1538

نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] ترجمة عبد الرحمن التيمي (وعنْ عبدِ الرحمنِ (٢) بن عثمانَ التيميِّ) هوَ قُرَشِيٌّ، وهوَ ابنُ أخي طلحةَ بن عبيدِ اللَّهِ صحابيٌّ، وقيلَ إنهُ أدركَ النبيَّ ﷺ وليستْ لهُ رؤيةٌ، وأسلمَ يومَ الحديبيةِ. وقيلَ يومَ الفتْحِ، وقُتِلَ معَ ابن الزبيرِ، (أن النبي ﷺ نَهَى عنْ لُقَطَةِ الحاجّ. رواهُ مسلمٌ)، أي عن التقاطِ الرجلِ ما ضاعَ للحاجّ، والمرادُ ما ضاعَ في مكةَ لما تقدَّمَ (٣) منْ حديثِ أبي هريرةَ أنَّها: "لا تحلُّ لُقَطَتُها إلا لِمُنْشِدٍ". وتقدَّمَ أنهُ حملَ الجمهورُ على أنهُ نَهَى عن التقاطِها لِلتَّمَلُّكِ لا للتعريفِ بها فإنهُ يحلُّ، قالُوا: وإنَّما اختصتْ لقطةُ الحاجّ بذلكَ لإمكانِ إيصَالِها إلى أربابها؛ لأنَّها إنْ كانتْ لمكيٍّ فظاهرٌ، وإنْ كانتْ لآفاقيٍّ فلا يخلُو أفقٌ في الغالبِ منْ واردٍ منهُ إليها، فإذا عرَّفَها واجِدُها في كلِّ عامٍ سَهُلَ التوصُّلُ إلى معرفةِ صاحِبها قالهُ ابنُ بطَّالٍ (٤). وقالَ جماعةٌ: هي كغيرهَا منَ البلادِ وإنَّما تَخْتَصُّ مكةُ بالمبالغةِ في التعريفِ، لأنَّ الحاجَّ يرجعُ إلى بلدِهِ وقدْ لا يعودُ فاحتاجَ الملتقِطُ إلى المبالغةِ في التعريفِ بها، والظاهرُ القولُ الأولُ، وأنَّ حديثَ النَّهي هذا مقيد بحديثِ أبي هريرةَ بأنهُ لا يحل التقاطُها إلَّا لِمُنْشِدٍ، فالذي اختصَّتْ بهِ لقطةُ مكةَ أنَّها لا تلتقطُ إلَّا للتعريفِ بها أبدًا فلا تجوزُ [للتمليك] (٥)، ويحتملُ أن هذَا الحديثَ في لُقَطَةِ الحاجِّ مُطْلَقًا في مكةَ وغيرِها؛ لأنهُ هُنَا مطلقٌ، ولا دليلَ علَى تقييدِهِ بِكَوْنِها في مكةَ. لقطة الذمي والمعاهد كلقطة المسلم ٦/ ٨٩٢ - وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 1539

"أَلَا لَا يَحِلُّ ذُو نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا اللقَطَةُ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ، إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١). [صحيح] (وعنِ المقدامِ بن معدِ يكربَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَا لا يحلُّ ذو نابٍ منَ السِّبَاعِ، ولا الحمارُ الأهليُّ، ولا اللقطةُ منْ مالِ معاهِدٍ إلَّا أنْ يستغنيَ عنْها. رواهُ أبو داودَ). ويأتي (٢) الكلامُ على تحريمِ ما ذُكِرَ في باب الأطعمةِ وذَكَرَ الحديثَ هُنَا لقولِهِ: "ولا اللقطةُ منْ مالِ معاهدٍ"؛ فدلَّ على أن اللقطةَ منْ مالهِ كاللقطةِ منْ مالِ المسلمِ، وهذَا محمولٌ على التقاطِها منْ محلِّ غالب أهلُه، أو كلُّهم ذميُّونَ، وإلَّا فاللقطةُ لا تُعْرَفُ منْ مالِ أيِّ إنسان عندَ التقاطِها. وقولُه: "إلَّا أن يستغنيَ عنَها" مُؤَوَّلٌ بالحقيرِ كما سلفَ في التمرةِ ونحوِها، أو بعدمِ معرفةِ صاحِبها بعدَ التعريفِ بها كما سلفَ أيضًا، وعبَّرَ عنهُ بالاستغناءِ لأنهُ سببُ عدمِ المعرفةِ في الأغلبِ، فإنهُ لو لم يستغنِ عنْها لبالغَ في طَلَبِها أو نحوِ ذلكَ. فائدةٌ: قالَ النوويُّ في "شرح المهذَّب" (٣): اختلفَ العلماءُ فيمنْ مرَّ ببستانٍ أو زَرْعٍ أو ماشيةٍ، فقالَ الجمهورُ: لا يجوز أَن يَأْخُذَ منهُ شيئًا إلا في حالِ الضرورةِ، فيأخذُ ويغرَّمُ عندَ الشافعيِّ والجمهورِ، وقالَ بعضُ السلفِ: لا يلزمُه شيءٌ. وقالَ أحمدُ: إذا لمْ يكنْ للبستانِ حائطٌ جازَ لهُ الأكلُ منَ الفاكهةِ الرطبةِ في أصحِّ الروايتينِ، ولوْ لمْ يحتجْ إلى ذلكَ. وفي الأُخْرَى إذا احتاجَ ولا ضمانَ عليهِ في الحالينِ، وعلَّقَ الشافعيُّ (٤) القولَ بذلك على صحةِ الحديثِ، قالَ البيهقيّ (٥) يعني حديثَ ابن عمرَ مَرْفُوعًا: "إذا مرَّ أحدُكم بحائطٍ فليأكلْ ولا يتخذْ خبنةً" أخرجَهُ الترمذيُّ (٦)، واستغرَبَهُ.

стр. 1540

قالَ البيهقي (١): لم يصحّ وجاءَ منْ أَوْجُهٍ أُخَرَ غيرِ قويةٍ. قالَ المصنفُ (٢) ﵀: والحقُّ أن مجموعَها لا يَقْصُرُ عنْ درجةِ الصحيحِ، وقدِ احتجُّوا في كثيرٍ منَ الأحكامِ بما هوَ دونَها، وقدْ بيَّنتُ ذلكَ في كتابِ "المنحةُ فيما علقَ الشافعيُّ القولَ بهِ على الصَّحةِ" اهـ. وفي المسألةِ خلافٌ وأقاويلُ كثيرةٌ، وقدْ نَقَلَها الشارحُ عن "المهذبِ"، ولم يتخلَّص البحثُ لتعارضِ الأحاديثِ في الإباحةِ والنَّهي، فلمْ تَقْوَ أحاديثُ الإباحةِ على نَقْلِ الأصلِ، وهوَ حرمةُ مالِ الآدميِّ، وأحاديثُ (٣) النَّهْي أكَّدَتْ ذلكَ الأصلَ. * * *

стр. 1541

[الباب العشرون] باب الفرائض الفرائض جَمْعُ فريضةٍ، وهيَ فعيلةٌ بمعنَى مفروضةٍ منَ الفرْضِ، وهوَ القطْعُ، وخُصَّتِ المواريثُ باسمِ الفرائضِ منْ قولِه تعالَى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١)، أي مقدرًا معلومًا. وقدْ وردتْ أحاديثُ (٢) كثيرةٌ في الحثِّ على تَعَلُّمِ علمِ الفرائضِ، ووردَ أنهُ أولُ عِلْمٍ يُرْفَعُ (٣). ١/ ٨٩٣ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ") (٤). [صحيح] (عن ابن عباسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ألحقُوا الفرائضَ بِأَهْلِها)، والمرادُ بها الستُّ المنصوصُ عليها وعلى أهلِها في القرآنِ، (فما بقيَ فَهُوَ لأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ). اختُلِفَ في فائدةِ وَصْفِ الرجلِ بالذَّكرِ والأقربُ أنهُ تأكيدٌ. ونَقَلَ في

стр. 1542

الشرحِ كلامًا كثيرًا وفائدتُه قليلةٌ (متفقٌ عليهِ). والفرائضُ المنصوصةُ في القرآنِ (١) ستٌّ:

стр. 1543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1544

النِّصْفُ، ونصفهُ، ونصفُ نِصْفِهِ، والثلثانِ، ونصفُهما، ونصفُ نِصْفِهمَا. والمرادُ منْ أهْلِها مَنْ يستحقُّها بنصِّ كتاب اللهِ، قالَ ابنُ بطَّالٍ (١): المرادُ بِأوْلَى رجلٍ أن الرجالَ منَ العصبةِ بعدَ أهلِ الفَرائضِ إذا كانَ فيهمْ مَنْ هوَ أقربُ إلى الميْتِ استحقَّ دونَ مَنْ هوَ أبعدُ، فإنِ اسْتَووْا اشتركُوا ولم يقصدْ منْ يدلي بالآباءِ والأمهاتِ مَثَلًا لأنهُ ليسَ فيهمْ مَنْ هوَ أوْلَى [إلى الميت] (٢) إذا اسْتَوَوْا في المنزلةِ. وقالَ غيرُه (٣): المرادُ بهِ العمَّةُ معَ العمِّ، وبنتُ الأخ معَ ابن الأخِ، وبنتُ العمِّ معَ ابن العمِّ، وخَرَجَ منْ ذلكَ الأخُ والأختُ لأبوينِ، أَوْ لأب، فإنهم يرثونَ بنصِّ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤) وأقربُ العصباتِ البنونَ، ثمَّ بَنُوْهُم وإنْ سَفلُوا، ثمَّ الأبُ، ثمَّ الجدُّ أبُو الأبِ وإنْ عَلَا، وتفاصيلُ العصباتِ وسائرِ أهلِ الفرائضِ مُسْتَوْفَى في كُتُبِ الفرائضِ. والحديثُ مبنيٌّ على وجودِ عَصَبةٍ منَ الرجالِ فإذا لم توجدْ عَصَبَةٌ منَ الرِّجالِ أعْطَى بقيةَ الميراثِ مَنْ لا فَرْضَ لهُ منَ النساءِ كما يأتي (٥) في بنتٍ، وبنتِ ابنٍ، وأختٍ. منع التوريث بين المسلم والكافر ٢/ ٨٩٤ - وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 1545

(وعنْ أسامةَ بن زيدٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: لا يرثُ المسلم الكافرَ، ولا يرثُ الكافر المسلمَ. متفقٌ عليهِ). المسلمُ في صدرِ الحديثِ فاعلٌ، والكافرُ مفعولٌ، وفي آخرِه بالعكسِ، وإلى ما أفادَهُ الحديثُ ذهبَ الجماهيرُ (١)، ورُوِيَ خلافُه عنْ معاذٍ، ومعاويةَ، ومسروقٍ، وسعيدِ بن المسيبِ، وإبراهيمَ النخعيِّ، وإسحاقَ. وذهبَ إليهِ الإماميةُ (٢)، والناصرُ فقالوا: إنهُ يرثُ المسلمُ الكافرَ منْ غير عكسٍ، واحتجَّ معاذٌ بأنهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: "الإسلامُ يزيدُ ولا ينقصُ"، أخرجَهُ أبو داودَ (٣)، وصحَّحَهُ الحاكمُ (٤). وقدْ أخرجَ مسدِّدٌ (٥) أنهُ اخْتَصَمَ إلى معاذٍ أخوان: مسلم ويهودي ماتَ أبوهما يهوديًا فحاز ابنه اليهودي ميراثه، فنازعه المسلمُ فورَّث معاذٌ المسلمَ. وأخرجَ ابنُ أبي شيبةَ (٦) منْ طريقِ عبدِ اللَّهِ بنَ مَعْقِلٍ (٧) قالَ: ما رأيتُ قضاءً أحسنَ منْ قضاءِ معاويةَ، نرثُ أهلَ الكتاب ولا يرثونا، كما يحلُّ لنا النكاحُ منْهم، ولا يحلُّ لهم مِنَّا. وأجابَ الجمهورُ (٨) بأنَّ الحديثَ المتَّفَقَ عليهِ نصُّ في مَنْعِ التوريثِ، وحديثَ معاذٍ ليسَ فيهِ دلالةٌ على خصوصيةِ الميراثِ، وإنَّما فيهِ الإخبارُ بأنَّ دينَ الإسلامِ يَفضُلُ غيرَه منْ سائرِ الأديانِ، ولا يزالُ يزدادُ ولا ينقصُ.

стр. 1546

ميراث البنت وبنت الابن والأخت ٣/ ٨٩٥ - وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ رضِيَ الله تَعَالَى عنْهُ في بِنْتٍ، وَبِنْتِ ابن، وَأُخْتٍ، فَقَضَى النَّبيُّ ﷺ : "للابْنَةِ النِّصْف، وَلابْنَةِ الابن السُّدْس - تكمِلَةَ الثُّلُثَينِ - وَمَا بَقِيَ فَلِلأخْتِ" رَوَاهُ الْبُّخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ في بنتٍ، وبنتِ ابنٍ، وأختٍ، فقضَى النبيُّ ﷺ للابنةِ النِّصْفُ، ولابنةِ الابنِ السدس، تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وما بقيَ فللأختِ. رواهُ البخاريُّ). فيهِ دلالةٌ على أن الأختَ معَ البنتِ، وبنتِ الابن عُصْبَةٌ تُعْطَى بقي الميراثِ وهوَ مجمع (٢) على أنَّ الأخواتِ معَ البناتِ عصبات، وقدْ كانَ (٣) أفتَى أبو موسى بأنَّ لِلأختِ النصفَ ثمَّ أمر السائلَ أنْ يسألَ ابنَ مسعودٍ فقضَى ابنُ مسعودٍ بقضاء النبيِّ ﷺ فقالَ أبو موسى: لا تَسألُوني ما دامَ هذا الحبْرُ فيكمْ. ضبطَ أئمةُ اللغةِ الحبْرَ بكسرِ الحاءِ وفتحِها، ورواية المحدِّثينَ جميعًا لهُ بِفَتْحِها، قالَ أبو عُبَيْدٍ (٤): هوَ العالمُ بتحبيرِ الكلامِ وتحسينِه، وقيلَ سُمِّيَ حَبْرًا لما يبقى منْ أثرِ علومهِ - زادَ الراغبُ (٥) - في قلوب الناسِ وعنْ آثارِ أفعالِه الحسنةِ المُقتَدَى بِهَا. ٤/ ٨٩٦ - وَعَنْ عَبْدُ الله بْنِ عَمْرٍو (٦) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَتوَارَث أَهْل مِلَّتَينِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)، والأَربَعَة (٨)، إلَّا (٩) التِّرمِذِيَّ، وَأَخْرَجَهُ

стр. 1547

الْحَاكِمُ (١) بِلَفْظِ أُسَامَةَ (٢). وَرَوَى النَّسَائِي (٣) حَدِيثَ أُسَامَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ (٤) [بإسناد حسن] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يتوارثُ أهلُ مِلَّتَيْنِ. رواهُ أحمدُ، والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ، وأخرجهُ الحاكمُ بلفظِ أسامةَ، ورَوَى النسائي حديثَ أسامةَ بهذا اللفظِ). والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا توارثَ بينَ أهلِ ملَّتَيْنِ مختلفتينِ بالكفرِ، أو بالإسلامِ والكفرِ، وذهبَ الجمهورُ (٥) إلى أن المرادَ بالملَّتينِ الإسلامُ والكفرُ؛ فيكونُ كحديثِ: "لا يرثُ المسلمُ الكافرَ"، الحديثَ. قالُوا: وأما توارث مِلَلِ الكفر بعضهم منْ بعضٍ فإنهُ ثابتٌ، ولم يقلْ بعمومِ الحديثِ لِلْمِلَلِ كلِّها إلَّا الأوزاعيُّ (٥)؛ فإنهُ قالَ: لا يرثُ اليهوديُّ منَ النصرانيِّ ولا عَكْسُهُ، وكذلكَ سائرُ المللِ. [وظاهر] (٦) الحديثِ معَ الأوزاعي، وهوَ مذهبُ الهادويةِ (٧). والحديثُ مخصِّصٌ للقرآنِ في قولهِ [تعالى] (٨): ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٩)؛ فإنهُ عامٌّ [للأولاد] (١٠) فيخصُّ [به] (١١) الولدُ الكافرُ؛ فإنه لا يرثُ منْ أبيهِ المسلمِ، والقرآنُ يُخَصُّ بأخبارِ الآحادِ (١٢) كما عُرِفَ في الأصولِ. ميراث الجد والجدَّة ٥/ ٨٩٧ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ﷺ

стр. 1548

فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ، فَمَا ليَ مِنْ مِيرَاثِهِ؟ فَقَالَ: "لَكَ السُّدُسُ،، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "لَكَ سُدُسٌ آخَرُ"، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: "إِن السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَحّحَهُ التّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصرِيّ عَنْ عِمْرَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. [ضعيف] (وعنْ عِمْرَانَ بن الحصينِ ﵁ قالَ: جاءَ رجلٌ إلى النبي ﷺ فقالَ: إن ابنَ ابني ماتَ فما لي منْ ميراثِهِ؟ قالَ: لكَ السُّدُس، فلما ولَّى دعاهُ، فقالَ: لك سُدُسٌ آخر، فلما ولَّى دعاهٌ، فقالَ: إنَّ السُّدُس الآخرَ طعمةٌ. رواه أحمد، والأربعة، وصحَّحَه الترمذي، وهوَ منْ روايةِ الحسنِ البصري عنْ عمرانَ. وقيلَ: إنه لم يَسْمَعْ مِنْه). قالَ قتادةُ (٣): لا أدري معَ أيِّ شيءٍ وَرِثَهُ، وقالَ: أقلُّ شيءٍ وُرِّثَ الجدُّ السدسُ (٤)، وصورةُ هذهِ المسألةِ أنهُ تركَ الميتُ بنتينِ وهذَا السائلُ وهوَ الجدُّ، فللبنتينِ الثلثانِ، وبقيَ ثلثٌ، فدفَعَ النبيُّ ﷺ إلى السائلِ السُّدسَ بالفرضِ لأنهُ فرضُ الجدِّ هنا، ولم يدفعْ إليهِ السدسَ الآخرَ لِئَلّا يظنُّ أن فَرْضَه الثلثُ، وتَرَكَهُ حتَّى ولَّى أيْ ذهبَ فَدَعَاهُ وقال: لكَ سُدُسٌ آخرُ وهوَ بقيةُ التَّرِكَةِ، فلما ذهبَ دعاهُ فقالَ: إنَّ الآخِرَ - بكسرِ الخاءِ - طُعْمَةٌ أي زيادةٌ على الفريضةِ. والمرادُ منْ ذلكَ إعلامُه بأنهُ زائدٌ على الفرضِ الذي لهُ فله السدس فَرْضًا والباقي تَعْصِيْبًا. ٦/ ٨٩٨ - وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ، إِذَا لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥) وَالنَّسَائيُّ (٦). وَصَحّحَهُ ابْنُ

стр. 1549

خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ (١) وَقَوّاهُ ابْنُ عَدِيٍّ. [ضعيف] (وعنِ ابن بُرَيْدَةَ ﵁ عنْ أبيهِ ﵁ هوَ بريدةُ بنُ الحُصَيْبِ (أن النبي ﷺ جعلَ للجدَّةِ السدسَ إذا لم يكنْ دونَها أمٌّ. رواة أبو داود، والنسائي، وصحَّحَهُ ابن خزيمةَ، وابن الجارودِ، وقوَّاه ابن عَدِيٍّ). فيهِ عبيدُ اللَّهِ (٢) العَتَكِيُّ مُختَلَفٌ (٣) فيهِ، وثَّقَهُ أبو حاتم. والحديثُ دليلٌ على أن ميراث الجدَّةِ السدسُ، سواءً كانتْ أمُّ أمٍّ، أوْ أمُّ أب، ويشتركُ فيهِ الجدَّتانِ فأكثرُ إذا استوينَ؛ فإنِ اختلفْنَ سقط الأبعد منَ الجهتينِ بالأقربِ، ولا يسقطهنَّ إلا الأمُّ وإلا الأبُ يُسقطُ مَنْ كانَ منْ جهَتِهِ. توريث الخال وذوي الأرحام ٧/ ٨٩٩ - وَعَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْخَالُ وَارثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٤)، وَالأَرْبَعَةُ (٥) سِوَى التِّرْمِذِيِّ، وَحَسّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَصَحّحَهُ الحَاكِمُ (٦)، وَابْنُ حِبَّانَ (٧). [صحيح]

стр. 1550

(وعنِ المقدامِ بن معدِ يكربَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : الخال وارث مَنْ لا وارثَ له. أخرجه أحمدُ، والأربعة سِوَى الترمذي، وحسَّنَة أبو زرعةَ الرازي، وصحَّحَه الحاكمُ وابنُ حِبَّانَ). فيهِ دليلٌ على توريثِ الخالِ عندَ عدمِ منْ يرثُ منَ العصبةِ، وذوي السِّهامِ. والخالُ منْ ذوي الأرحامِ. وقدْ اختلفَ العلماءُ في توريثِ ذوي الأرحامِ، فذهبتْ طائفةٌ كثيرةٌ منْ علماءِ الآلِ (١) وغيرِهم إلى تَوْرِيثهمِ، فمنْ خلَّفَ عمَّتَه وخالتَهُ ولا وارثَ لهُ سِوَاهُما كانَ للعمَّةِ الثلثانِ والخالةِ الثلثُ، واستدلُّوا بِهَذَا الحديثِ، وبقولهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٢)، وخالفتْ طائفة منَ الأئمةِ (٣) وقالُوا: لا يثبتُ لذوي الأرحامِ ميراثٌ لأنَّ الفرائضَ لا تَثْبُتُ إلَّا بكتابِ اللَّهِ، أو سنةٍ صحيحَةٍ، أو إجماعٍ، والكلُّ مفقود هنا. وأجابُوا عن حديثِ البابِ بأنهُ نصٌّ في الحالِ لا في غيرِه، والآيةُ مُجْمَلَةٌ ومسمّى أولي الأرحَامِ فيها غيرُ مسمّاهُ في عُرفِ الفقهاءِ. وقدْ وَرَدتْ أحَاديثُ [بأنهُ] (٤): "لا ميراثَ للعمَّةِ والخالةِ" (٥)، وإنْ كانَ فيها مقالٌ، لكنَّها مُعْتَضِدَةٌ بأنَّ الأصْلَ عدمُ الميراثِ حتَّى يقومَ الدليلُ الناهضُ مما ذَكَرْنَاهُ والقائلونَ بأنهُ لا ميراثَ لذوي الأرحامِ يقولونَ يكونُ مالُ مَنْ لا وارثَ لهُ لِبَيْتِ المالِ إذا كانَ مُنْتظِمًا، وهوَ إذا كانَ في يدِ إمامٍ عادلٍ يصرفُه في مصارفهِ، أوْ كانَ في البلدِ قاضٍ قائمٌ بشروطِ القضاءِ مأذونٌ لهُ في التَّصَرُّفِ في مالِ المصالحِ دُفِعَ إليهِ ليصرَفه فيها. وتفاصيلُ بقيةِ مواريثِ ذوي الأرحامِ على القولِ بهِ مستوفاةٌ في كُتُبِ هذا الفنِّ فلا نُطَوِّلُ بِها. ٨/ ٩٠٠ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ﵁ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالْخَالُ

стр. 1551

وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَالأَرْبَعَةُ (٢) سِوَى أَبِي دَاوُدَ، وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). [صحيح] (وعنْ أبي أمامةَ بن سهلٍ ﵁ قالَ: كَتَبَ عمر إلى أبي عبيدة أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: الله ورسوله مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى له، والخال وارث مَنْ لا وارثَ له. رواهُ أحمد، والأربعة سِوَى أبي داود، وحسَّنة الترمذيُّ، وصحَّحَه ابن حِبَّانَ). الحديثُ يردُّ قولَ مَنْ قالَ إنَّ المرادَ بالخالِ في حديثِ المقدامِ السلطانُ، إذ لوْ كانَ كذلكَ لقالَ: وأنا وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ. وقدْ أخرجَ أبو داودُ (٤) وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٥): "أنا وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ أعقلُ عنهُ وأَرِثُه". فالجمعُ بينَه وبينَ حديثِ المقدامِ وحديثِ أبي أمامةَ الدالَّيْنِ على ثبوتِ ميراثِ الخالِ حيث لا وارثَ له، أنهُ أرادَ بهِ أنهُ ﷺ وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ في جميعِ الجهاتِ منَ العصباتِ، وذوي السِّهام، والخالِ. والمرادُ منْ إِرْثهِ ﷺ أنهُ يصيرُ المالُ لمصالحِ المسلمينَ، وأنهُ لا يكون المالُ لبيتِ المالِ إلَّا عندَ عدمِ جميعِ مَنْ ذُكِرَ منَ الخالِ وغَيرِهِ. ميراث المولود ٩/ ٩٠١ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَولُود وَرِثَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٧). [صحيح]

стр. 1552

(وعنْ جابرٍ ﵁ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ قالَ: إذا استهلَّ المولود وَرِثَ. رواهُ أبو داودَ وصحَّحَه ابن حِبَّانَ). والاستهلالُ رُوِيَ في تفسيرهِ حديثٌ مرفوعٌ ضعيفٌ: "الاستهلالُ العُطَاسُ"، أخرجَهُ البزارُ (١). وقالَ ابنُ الأثيرِ (٢): استهلَّ المولودُ إذا بَكَى عندَ وَلادَتِهِ. وهوَ كنايةٌ عنْ وِلَادَتِهِ حَيًّا وإنْ لمْ يستهلَّ، بلْ وُجِدَتْ منهُ أَمَارَةٌ تدلُّ على حياتِهِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ إذا استهل السِّقْطُ ثبتَ لهُ حكمُ غيرِه في أنهُ يَرِثُ، ويُقَاسُ عليهِ سائرُ الأحكامِ منَ الغُسلِ والتكفينِ والصلاةِ عليهِ، ويلزمُ منْ قَتْلِه القَوَدُ أوِ الدِّيَةُ، واختلفُوا هلْ يكفي في الإخبارِ باستهلالِه عَدْلَةٌ أوْ لا بدَّ منْ عَدْلَتينِ، أوْ أربعٍ. الأولُ للهادويةِ (٣)، والثاني للهادي (٣)، والثالثُ للشافعي (٤)، وهذَا الخلافُ يجري في كلِّ ما يتعلقُ بعوراتِ النساءِ. وأفادَ مفهومُ الحديثِ أنهُ إذا لم يستهلَّ لا يُحْكَم له [بحياتِه] (٥)، فلا يثبتُ لهُ شيءٌ منَ الأحكامِ التي ذَكَرْنَاها. ميراث القاتل ١٠/ ٩٠٢ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيسَ لِلْقَاتِلِ مِنْ الْمِيرَاثِ شَيءٌ"، رَوَاهُ النَّسَائيُّ (٦)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٧)، وَقَوّاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ. وَأَعَلَّهُ النَّسَائِي، وَالصَّوَابُ وَقفُهُ عَلَى عَمْرٍو. [صحيح]

стр. 1553

(وعنْ عمرِو بنَ شعَيْب عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : ليسَ للقاتلِ منَ الميراثِ شيءٌ. رواة النسائيُّ، والدارقطنى، وقوَّاهُ ابن عبدِ البرِ، وأعلَّه النسائيُّ، والصَّواب وَقْفُهُ على عمرٍو). [وللحديث] (١) شواهدُ كثيرةٌ لا تَقْصرُ عن العملِ بمجموعِها. وإلى ما أفادَهُ منْ عدمِ إرثِ القاتلِ عَمْدًا كانَ أو خطأً ذهبَ الشافعي (٢)، وأبو حنيفةَ (٣)، وأصحابهُ، وأكثرُ العلماءِ قالُوا: لا يرثُ من المال، ولا من الديةِ. وذهبتِ الهادويةُ (٤)، ومالكٌ (٥) إلى أنهُ إنْ كانَ القَتْلُ خطأً وَرِثَ منَ المالِ دونَ الديةِ، ولا يتمّ لهمْ دليلٌ ناهضٌ على هذهِ التفرقةِ، بلْ أخرجَ البيهقيُّ (٦) عنْ خِلاسٍ (٧) أن رجلًا رَمَى بحجرٍ فأصابَ أمَّهُ فماتتْ منْ ذلكَ، فأرادَ نصيبَه منْ ميراثِها فقالَ لهُ إخوتُه: لا حقَّ لكَ، فارتفعُوا إلى عليٍّ ﵇ فقالَ لهُ عليٌّ ﵇: حقُّكَ منْ ميراثِها الحجرُ، فأغرَمهُ الديةَ، ولم يعطِهِ منْ ميراثِها شيئًا. وأخرجَ أيضًا (٨) عنْ جابرِ بن زيدٍ قالَ: "أيُّما رجلٍ قتل رجلًا أوِ امرأةً عَمْدًا أو خطأً ممنْ يرثُ فلا ميراثَ لهُ مِنْهما، وأيُّما امرأةٍ قتلتْ رجلًا أوِ امرأةً عمدًا أو خطأً فلا ميراثَ لها منْهما"، وإنْ كانَ القتلُ عمدًا فالقَوَدُ إلَّا أنْ يعفوَ أولياءُ المقتولِ، فإنْ عَفَوْا فلا ميراثَ لهُ منْ عَقْلِهِ، ولا منْ مالهِ، قَضَى بذلكَ عمرُ بنُ الخطابِ، وعليٌّ، وشريحٌ، وغيرُهم منْ قضاةِ المسلمينَ (٩). اهـ. الولاء لا يورث ١١/ ٩٠٣ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

стр. 1554

يَقُولُ: "مَا أَحْرَزَ الْوَالِدُ أَوِ الْوَلَدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَالنَّسَائِي (٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ الْمَدِيني، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (٤). [حسن] (وعنْ عمرَ بن الخطابِ ﵁ قالَ: سمعت رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: ما أحرزَ الوالد أوِ الولدُ فهوَ لعصبتهِ مَنْ كانَ. رواهُ أبو داودَ، والنسائي، وابنُ ماجهْ، وصحَّحَهُ ابنُ المديني، وابنُ عبدِ البَرِّ). المرادُ بإحرازِ الوالدِ أوِ الولدِ أن ما صارَ مُسْتَحِقًا لهما منَ الحقوقِ، فإنهُ يكونُ للعصبةِ ميراثًا. والحديثُ فيهِ قصةٌ، ولفظهُ في السُّنَنِ (٥): "أن رِئَابَ بنَ حذيفةَ تزوجَ امرأةً، فولدتْ لهُ ثلاثةَ غلمةٍ، فماتتْ أمُّهُم، فورثوها رباعَها، وولاءَ مَوَاليها، وكانَ عمرُو بنُ العاصِ عصبةَ بَنِيْها، فأخرجَهُمْ إلى الشامِ فماتُوا، فقدمَ عمرُو بنُ العاصِ وماتَ مولىً لها وتركَ مالًا فخاصَمَهُ إخوتُها إلى عمرَ بن الخطابِ فقالَ عمرُ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ما أحْرزَ - الحديثَ - قالَ: فكتَب لهُ كِتَابًا فيهِ شهادةُ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، ورجلٍ آخرَ". والحديثُ دليل على أن الولاء لا يُوَرَّثُ وفيهِ خلافٌ، وتظهرُ فائدةُ الخلافِ فيما إذا أعتقَ رجلٌ عبدًا ثمَّ ماتَ ذلكَ الرجلُ وتركَ أخوينِ أو ابْنَيْن ثم ماتَ أحدُ الابنين وتركَ ابنًا، أو أحدَ الأخوين وَترك ابنًا. فعلَى القولِ بالتوريثِ ميراثُه بينَ الابنِ وابنِ الابنِ، أوِ الأخِ وابنِ الأخِ، وعلى القَولِ بعدَمِه يكُونُ للابنِ وحدَهُ. ١٢/ ٩٠٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْوَلَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (٦) مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ (٧)، عَنْ مُحَمّدِ بن الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ،

стр. 1555

وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١)، وَأَعَلَّهُ الْبَيْهَقِي (٢). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عمرَ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : الولاءُ لحمةٌ كلحمةِ النَّسَبِ، لا يبَاع ولا يوهَبُ. رواه الحاكم منْ طريقِ الشافعيِّ، عنْ محمدِ بن الحسنِ، عنْ أبي يوسفَ. وصحَّحَه ابن حِبَّانَ، وأعلَّه البيهقيُّ). وللعلماءِ كلامٌ كثيرٌ في طُرُقِ الحديثِ وصحَّتِهِ وعدَمِها. وقدْ تقدَّمَ (٣) في كتابِ البيعِ. ودلَّ على أن الولاء لا يُكْتَسَبُ ببيع ولا هِبَةٍ، ويقاسُ عليهمَا سائرُ التمليكاتِ منَ النَّذْرِ والوصيةِ، لأنهُ قدْ جعلَه كالنَّسَبِ، والنَّسَبُ لا ينتقلُ بِعِوضٍ ولا بغيرِ عِوَضٍ. ١٣/ ٩٠٥ - وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْرَضُكُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٤)، وَالأَرْبَعَةُ (٥) سِوَى أَبِي دَاودَ، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (٦)، والْحَاكِمُ (٧)، وَأُعِلّ بِالإرْسَالِ. [صحيح] ترجمة أبي قلابة (وعنْ أبي قِلَابَةَ) بِكسرِ القافِ، وتخفيفِ اللامِ، بعدَه ألفٌ مُوَحَّدَةٌ، تابعيٌّ (٨)

стр. 1556

جليلٌ، (عنْ أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أَفْرَضُكم زيدُ بنُ ثابتٍ. أخرجَهُ أحمدُ، والأربعةُ سِوَى أبي داودَ، وصحَّحَهُ الترمذيُّ، وابن حِبَّانَ، والحاكمُ، وأُعِلَّ بالإرسالِ) [لأن] (١) أبا قِلابةَ لم يسمعْ (٢) هذا الحديثَ منْ أنسٍ، وإنْ كانَ سماعُه لغيرِه منَ الأحاديثِ عنْ أنسٍ ثابتًا. وهذَا الذي ذُكِرَ قطعةٌ منَ الحديثِ، فإنهُ حديثٌ طويل (٣) فيهِ ذِكْرُ سبعةٍ منَ الصحابةِ يختصُّ كل مِنْهم بخَصْلَةِ خيرٍ، فذكرَ المصنفُ منهُ ما لهُ تعلُّقٌ ببابِ الفرائضِ [لأنها] (٤) شهادةٌ لزيدِ بن ثابتٍ بأنهُ أعلمُ المخاطَبِيْنِ من أصحابه بالمواريثِ، فَيُوخَذُ [منهُ] (٥) أنهُ يُرْجَعُ إليهِ عندَ الاختلافِ. وقد اعتمدَه الشافعي (٦) في الفرائضِ ورجَّحهُ على غيرِهِ. * * *

стр. 1557

[الباب الحادي والعشرون] باب الوصايا الوصَايا جَمْعُ وصيةٍ، كهدَايا وهديةٍ، وهي شَرْعًا: عهدٌ خاصٌّ يُضَافُ إلى ما بعدَ الموتِ. حكم الوصية ١/ ٩٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إِلَّا وَوَصيّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصيَ فيهِ يبيتُ ليلتينِ إلّا ووصيتُه مكتوبةٌ عندَهُ. متفقٌ عليهِ). كلمةُ ما بمعنَى ليسَ، وحقُّ اسمِها وخبرِها ما بعدَ إلَّا، والواوُ زائدةٌ في الخبرِ لوقوعِ الفصلِ بإلا.

стр. 1558

قالَ الشافعي (١) ﵀: معناهُ ما الحزمُ والاحتياطُ للمسلمِ إلَّا أنْ تكونَ وصيَّتُه مكتوبةٌ عندَهُ إذَا كانَ لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصيَ فيهِ، لأنهُ لا يدري متَى تأتيهِ مَنِيّتُهُ؛ فتحولُ بينَه وبينَ ما يريدُ منْ ذلكَ. وقالَ غيرهُ (٢): الحقُّ لغةً الشيءُ الثابِتُ، ويُطْلَقُ شرْعًا على ما يثبتُ بهِ الحكمُ، والحكمُ الثابتُ أعمُّ منْ أنْ يكونَ واجِبًا أوْ مندُوبًا، ويطْلَقُ على المباحِ بقلةٍ (٣)، فإنِ اقْتَرنَ بهِ "على" ونحوُه كانَ ظاهرًا في الوجوبِ، وإلَّا فهوَ على الاحتمالِ. وفي قولِهِ: "يريدُ أنْ يوصي" ما يدلُّ على أن الوصيةَ ليستْ بواجبةٍ، وإنَّما ذلكَ عندَ إرادتِهِ. وقدْ أجْمَعَ (٤) المسلمونَ على الأمرِ بها، وإنَّما اختلفُوا هلْ هيَ واجبةٌ أمْ لا؟ فذهبَ الجماهيرُ إلى أنَّها مندوبةٌ، وذهبَ داودُ وأهلُ الظاهرِ (٥) إلى وجُوبها، وحُكِيَ عن الشافعيِّ (٦) في القديمِ وادعى ابنُ عبدِ البَرّ (٧) الإجماعَ على عدمِ وُجُوبِها مُسْتدِلًّا منْ حيثُ المعنَى بأنهُ لو لم يوصِ لَقُسِمَ جميعُ مالهِ بينَ وَرَثَتِهِ بالإجماعِ، فلوْ كانتِ الوصية واجبةً لأَخْرَجَ منْ مالهِ سهمًا ينوبُ عن الوصيةِ، والأقربُ ما ذهبَ إليهِ الهادويةُ (٨)، وأبو ثورٍ منْ وجوبها على مَنْ عليهِ حقٌّ شَرْعِيٌّ يَخْشَى أنْ يَضِيْعَ إنْ لم يوصِ بهِ، كوديعةٍ، ودَيْنٍ للَّهِ تعالَى، أوْ لآدَميٍّ. ومحلُّ الوجوبِ فيمنْ عليهِ حقٌّ ومعَهُ مالٌ، ولم يُمْكِنْهُ تخليصُه إلَّا إذا أَوْصَى بهِ، وما انتَفَى فيهِ واحدٌ منْ ذلكَ [فليسَ بواجبِ] (٩)، وقولُه: "ليلتينِ" للتقريبِ لا للتحديدِ، وإلا فقدْ رُويَ (١٠) ثلاثُ ليالٍ. وقالَ الطيبيُّ (١١): في تخصيصِ الليلتينِ والثلاثِ تسامحٌ في إرادةِ المبالغةِ أي: لا ينبغي أنْ يبيتَ زمانًا وقدْ سامحْنَاهُ في الليلتينِ والثلاثِ، فلا ينبغي أنْ

стр. 1559

يتجاوزَ ذلكَ. ورَوَى مسلمٌ (١) عن ابن عمرَ راوي الحديثِ أنهُ قالَ: لمْ أبتْ ليلةً إلَّا ووصيَّتي مكتوبةٌ عندي، وأما ما أخرجَهُ ابنُ المنذرِ (٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ نافعٍ أنهُ قيلَ لابنِ عمرَ في مرضِ موتهِ: ألا تُوصِي؟ [فقال:] أما مالي فاللهُ أعلمُ ما كنتُ أصنعُ فيهِ، فَيُجْمَعُ (٣) بينَهُ وبينَ ما قَبْلَهَ بأنهُ كانَ يكتبُ وَصِيَّتَهُ، ويتعاهدُها وينجزُ ما كانَ يوصي بهِ حتَّى وَفَدَ عليهِ الموتُ، ولم يكنْ لهُ شيءٌ يوصي بهِ. وفي قولِهِ: "أما مالي فاللَّهُ أعلمُ ما كنتُ أصنعُ فيهِ"، ما يدلُّ لِهَذَا الجَمْعِ. واستدلَّ بقولِه: "مكتوبةٌ عندَهُ"، على جوازِ الاعتمادِ على الكتابةِ والخطِّ، وإنْ لم يقترنْ بشهادةٍ. وقالَ بعضُ أئمةِ الشافعيةِ (٤): إنَّ ذلكَ خاصٌّ بالوصيةِ، وأنهُ يجوزُ الاعتمادُ على الخطِّ فيها منْ دونِ شهادةٍ لثُبُوتِ الخبرِ فيها، ولأنَّ الوصيةَ لما أمرَ الشارعُ ﷺ بها وهيَ تكونُ مما يلزمُ المؤمن منْ حقوقٍ ولوازمَ لا تزال تُجَدّدُ في الأوقاتِ، واستصحابُ الإشهادِ في كل لازِمٌ يريدُ أنْ يتخلَّصَ منهُ خشيةَ مفاجأةِ الأجلِ متعسِّرٌ بل متعذرٌ في بعضِ الأوقاتِ، فيلزمُ منهُ عَدَمُ وجوب الوصيةِ أوْ شرعيَّتُها بالكتابةِ منْ دون شهادةٍ؛ إذْ لا فائدةَ في ذلكَ. وقدْ ثبتَ الأمرُ المذكورُ في الحديثِ بها فدلَّ على قَبُولِهَا منْ غيرِ شهادةٍ. وقالَ الجماهيرُ (٥): المرادُ مكتوبة بشروطها وهوَ الشهادةُ واستدلُوا بقولهِ تعالَى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٦)؛ فإنه دالٌّ على اعتبارِ الإشهادِ في الوصيةِ، وأَجِيْبَ بأنهُ لا يلزمُ منْ ذِكْرِ الإشهادِ في الآيةِ أنَّها لا تَصِحُّ الوصيةُ إلَّا بهِ، والتحقيقُ أن المُعْتَبَرَ معرفةُ الخطِّ فإذا عُرِفَ خطُّ الموصِي عُمِلَ بهِ، ومثلُه خَطُّ الحاكِم، وعليهِ عَمِلَ الناسُ قديمًا وحديثًا، وقدْ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يبعثُ الكتبَ (٧) يدعُو فيها العبادَ إلى اللَّهِ تعالى وتقومُ عليهمُ الحجَّةُ بذلكَ، ولم يزلِ

стр. 1560

الناسُ يكتبُ بعضهم إلى بعض في المهماتِ منَ الدّينياتِ والدُّنْيَوياتِ، ويعملونَ بها، وعليهِ العملُ بالوجادةِ (١)، كلُّ ذلكَ منْ دونِ إشهادٍ. والحديثُ دليل على الإيصاءِ بشيءٍ يتعلَّقُ بالحقوقِ ونحوِها لقولِه: "لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصِي فيه". وأما كَتْبُ الشهادتينِ ونحوهِما مما جرتْ بهِ عادةُ الناسِ فلا يُعْرَفُ فيهِ حديثٌ مرفوعٌ وإنَّما أخرجَ عبدُ الرزاقِ (٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ موقُوفًا قالَ: كانُوا يكتبونَ في صدورِ وَصَاياهُم: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذَا ما أَوْصَى بهِ فلانُ بنُ فلانٍ أنهُ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ اللَّهَ يبعثُ مَنْ في القبورِ، وأوْصَى مَنْ تَرَكَ منْ أهلِهِ أنْ يتَّقُوا اللَّهِ، ويصلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِم، ويطيعُوا اللَّهَ ورسولَه إنْ كانُوا مؤمنينَ، وأوصاهمُ بما أَوْصَى بهِ إبراهيمُ بنيهِ ويعقوبُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣)، وضميرُ كانُوا عائد إلى الصحابةِ إذِ المخبرُ صحابيٌّ. واختلفَ العلماءُ هلْ أَوْصَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أوْ لمْ يوصِ لاختلافِ الرواياتِ في ذلكَ؟ ففي البخاريِّ (٤) عن ابن أبي أَوْفَى أنهُ لم يوصِ قالُوا: لأنهُ لم يتركْ بعده مالًا. وأمَّا الأرضُ فقدْ كانَ سَبَّلها، وأما السلاحُ والبغلةُ فقدْ كانَ أخبرَ أنَّها لا تُورَّثُ، كذا ذكرهُ النوويُّ (٥). وفي "المغازي" (٦) لابنِ إسحاقَ أنهُ ﷺ لم يوصِ

стр. 1561

عندَ موتهِ إلَّا بثلاثٍ لكلٍّ منَ الدارسينَ، والرهاويينَ، والأشعريينَ، بجادّ (١) مائةِ وسْقٍ منْ خيبرَ، وأنْ لا يُتْرَكَ في جزيرةِ العربِ دِيْنَانِ، وأنْ يُنَفَّذَ بعثُ أسامةَ. وأخرجَ مسلمٌ (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁: "أوْصَى رسول اللَّهِ ﷺ بثلاثٍ: أجيزُوا الوفدَ بنحو ما كنتُ أجيزُهم"، الحديثَ. وفي حديثِ ابن أبي أَوْفَى أَوْصَى بكتاب اللَّهِ، وفي حديثِ أنسٍ عندَ النسائيِّ (٣)، وأحمدَ (٤)، وابنِ سعدٍ (٥) كانتْ وَصِيّتهُ ﷺ حينَ حَضَرَهُ الموتُ الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكم. وقد ثبتتْ وصيتُه بالأنصارِ (٦)، وبأهلِ بيتِه (٧)، ولكِنَّها ليستْ عندَ الموتِ، ورُوِيَ غيرُ ذلكَ. وقدْ ثبتَ أنهُ ﷺ أرادَ في مرضِهِ أنْ يكتبَ كتابًا وهوَ وصيّتُه ﷺ للأمةِ إلا أنهُ حِيْلَ بينَه وبينَه كما [رواه] (٨) البخاريُّ (٩). الوصيَّة عند الموت بثلث المال ٢/ ٩٠٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا
следующие страницы →