← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1557–1596 · переход к 1562.

стр. 1557

[الباب الحادي والعشرون] باب الوصايا الوصَايا جَمْعُ وصيةٍ، كهدَايا وهديةٍ، وهي شَرْعًا: عهدٌ خاصٌّ يُضَافُ إلى ما بعدَ الموتِ. حكم الوصية ١/ ٩٠٦ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيلَتَينِ إِلَّا وَوَصيّتُهُ مَكْتُوبَة عِنْدَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصيَ فيهِ يبيتُ ليلتينِ إلّا ووصيتُه مكتوبةٌ عندَهُ. متفقٌ عليهِ). كلمةُ ما بمعنَى ليسَ، وحقُّ اسمِها وخبرِها ما بعدَ إلَّا، والواوُ زائدةٌ في الخبرِ لوقوعِ الفصلِ بإلا.

стр. 1558

قالَ الشافعي (١) ﵀: معناهُ ما الحزمُ والاحتياطُ للمسلمِ إلَّا أنْ تكونَ وصيَّتُه مكتوبةٌ عندَهُ إذَا كانَ لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصيَ فيهِ، لأنهُ لا يدري متَى تأتيهِ مَنِيّتُهُ؛ فتحولُ بينَه وبينَ ما يريدُ منْ ذلكَ. وقالَ غيرهُ (٢): الحقُّ لغةً الشيءُ الثابِتُ، ويُطْلَقُ شرْعًا على ما يثبتُ بهِ الحكمُ، والحكمُ الثابتُ أعمُّ منْ أنْ يكونَ واجِبًا أوْ مندُوبًا، ويطْلَقُ على المباحِ بقلةٍ (٣)، فإنِ اقْتَرنَ بهِ "على" ونحوُه كانَ ظاهرًا في الوجوبِ، وإلَّا فهوَ على الاحتمالِ. وفي قولِهِ: "يريدُ أنْ يوصي" ما يدلُّ على أن الوصيةَ ليستْ بواجبةٍ، وإنَّما ذلكَ عندَ إرادتِهِ. وقدْ أجْمَعَ (٤) المسلمونَ على الأمرِ بها، وإنَّما اختلفُوا هلْ هيَ واجبةٌ أمْ لا؟ فذهبَ الجماهيرُ إلى أنَّها مندوبةٌ، وذهبَ داودُ وأهلُ الظاهرِ (٥) إلى وجُوبها، وحُكِيَ عن الشافعيِّ (٦) في القديمِ وادعى ابنُ عبدِ البَرّ (٧) الإجماعَ على عدمِ وُجُوبِها مُسْتدِلًّا منْ حيثُ المعنَى بأنهُ لو لم يوصِ لَقُسِمَ جميعُ مالهِ بينَ وَرَثَتِهِ بالإجماعِ، فلوْ كانتِ الوصية واجبةً لأَخْرَجَ منْ مالهِ سهمًا ينوبُ عن الوصيةِ، والأقربُ ما ذهبَ إليهِ الهادويةُ (٨)، وأبو ثورٍ منْ وجوبها على مَنْ عليهِ حقٌّ شَرْعِيٌّ يَخْشَى أنْ يَضِيْعَ إنْ لم يوصِ بهِ، كوديعةٍ، ودَيْنٍ للَّهِ تعالَى، أوْ لآدَميٍّ. ومحلُّ الوجوبِ فيمنْ عليهِ حقٌّ ومعَهُ مالٌ، ولم يُمْكِنْهُ تخليصُه إلَّا إذا أَوْصَى بهِ، وما انتَفَى فيهِ واحدٌ منْ ذلكَ [فليسَ بواجبِ] (٩)، وقولُه: "ليلتينِ" للتقريبِ لا للتحديدِ، وإلا فقدْ رُويَ (١٠) ثلاثُ ليالٍ. وقالَ الطيبيُّ (١١): في تخصيصِ الليلتينِ والثلاثِ تسامحٌ في إرادةِ المبالغةِ أي: لا ينبغي أنْ يبيتَ زمانًا وقدْ سامحْنَاهُ في الليلتينِ والثلاثِ، فلا ينبغي أنْ

стр. 1559

يتجاوزَ ذلكَ. ورَوَى مسلمٌ (١) عن ابن عمرَ راوي الحديثِ أنهُ قالَ: لمْ أبتْ ليلةً إلَّا ووصيَّتي مكتوبةٌ عندي، وأما ما أخرجَهُ ابنُ المنذرِ (٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ نافعٍ أنهُ قيلَ لابنِ عمرَ في مرضِ موتهِ: ألا تُوصِي؟ [فقال:] أما مالي فاللهُ أعلمُ ما كنتُ أصنعُ فيهِ، فَيُجْمَعُ (٣) بينَهُ وبينَ ما قَبْلَهَ بأنهُ كانَ يكتبُ وَصِيَّتَهُ، ويتعاهدُها وينجزُ ما كانَ يوصي بهِ حتَّى وَفَدَ عليهِ الموتُ، ولم يكنْ لهُ شيءٌ يوصي بهِ. وفي قولِهِ: "أما مالي فاللَّهُ أعلمُ ما كنتُ أصنعُ فيهِ"، ما يدلُّ لِهَذَا الجَمْعِ. واستدلَّ بقولِه: "مكتوبةٌ عندَهُ"، على جوازِ الاعتمادِ على الكتابةِ والخطِّ، وإنْ لم يقترنْ بشهادةٍ. وقالَ بعضُ أئمةِ الشافعيةِ (٤): إنَّ ذلكَ خاصٌّ بالوصيةِ، وأنهُ يجوزُ الاعتمادُ على الخطِّ فيها منْ دونِ شهادةٍ لثُبُوتِ الخبرِ فيها، ولأنَّ الوصيةَ لما أمرَ الشارعُ ﷺ بها وهيَ تكونُ مما يلزمُ المؤمن منْ حقوقٍ ولوازمَ لا تزال تُجَدّدُ في الأوقاتِ، واستصحابُ الإشهادِ في كل لازِمٌ يريدُ أنْ يتخلَّصَ منهُ خشيةَ مفاجأةِ الأجلِ متعسِّرٌ بل متعذرٌ في بعضِ الأوقاتِ، فيلزمُ منهُ عَدَمُ وجوب الوصيةِ أوْ شرعيَّتُها بالكتابةِ منْ دون شهادةٍ؛ إذْ لا فائدةَ في ذلكَ. وقدْ ثبتَ الأمرُ المذكورُ في الحديثِ بها فدلَّ على قَبُولِهَا منْ غيرِ شهادةٍ. وقالَ الجماهيرُ (٥): المرادُ مكتوبة بشروطها وهوَ الشهادةُ واستدلُوا بقولهِ تعالَى: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٦)؛ فإنه دالٌّ على اعتبارِ الإشهادِ في الوصيةِ، وأَجِيْبَ بأنهُ لا يلزمُ منْ ذِكْرِ الإشهادِ في الآيةِ أنَّها لا تَصِحُّ الوصيةُ إلَّا بهِ، والتحقيقُ أن المُعْتَبَرَ معرفةُ الخطِّ فإذا عُرِفَ خطُّ الموصِي عُمِلَ بهِ، ومثلُه خَطُّ الحاكِم، وعليهِ عَمِلَ الناسُ قديمًا وحديثًا، وقدْ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يبعثُ الكتبَ (٧) يدعُو فيها العبادَ إلى اللَّهِ تعالى وتقومُ عليهمُ الحجَّةُ بذلكَ، ولم يزلِ

стр. 1560

الناسُ يكتبُ بعضهم إلى بعض في المهماتِ منَ الدّينياتِ والدُّنْيَوياتِ، ويعملونَ بها، وعليهِ العملُ بالوجادةِ (١)، كلُّ ذلكَ منْ دونِ إشهادٍ. والحديثُ دليل على الإيصاءِ بشيءٍ يتعلَّقُ بالحقوقِ ونحوِها لقولِه: "لهُ شيءٌ يريدُ أنْ يوصِي فيه". وأما كَتْبُ الشهادتينِ ونحوهِما مما جرتْ بهِ عادةُ الناسِ فلا يُعْرَفُ فيهِ حديثٌ مرفوعٌ وإنَّما أخرجَ عبدُ الرزاقِ (٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ موقُوفًا قالَ: كانُوا يكتبونَ في صدورِ وَصَاياهُم: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ، هذَا ما أَوْصَى بهِ فلانُ بنُ فلانٍ أنهُ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ اللَّهَ يبعثُ مَنْ في القبورِ، وأوْصَى مَنْ تَرَكَ منْ أهلِهِ أنْ يتَّقُوا اللَّهِ، ويصلِحُوا ذاتَ بَيْنِهِم، ويطيعُوا اللَّهَ ورسولَه إنْ كانُوا مؤمنينَ، وأوصاهمُ بما أَوْصَى بهِ إبراهيمُ بنيهِ ويعقوبُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣)، وضميرُ كانُوا عائد إلى الصحابةِ إذِ المخبرُ صحابيٌّ. واختلفَ العلماءُ هلْ أَوْصَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أوْ لمْ يوصِ لاختلافِ الرواياتِ في ذلكَ؟ ففي البخاريِّ (٤) عن ابن أبي أَوْفَى أنهُ لم يوصِ قالُوا: لأنهُ لم يتركْ بعده مالًا. وأمَّا الأرضُ فقدْ كانَ سَبَّلها، وأما السلاحُ والبغلةُ فقدْ كانَ أخبرَ أنَّها لا تُورَّثُ، كذا ذكرهُ النوويُّ (٥). وفي "المغازي" (٦) لابنِ إسحاقَ أنهُ ﷺ لم يوصِ

стр. 1561

عندَ موتهِ إلَّا بثلاثٍ لكلٍّ منَ الدارسينَ، والرهاويينَ، والأشعريينَ، بجادّ (١) مائةِ وسْقٍ منْ خيبرَ، وأنْ لا يُتْرَكَ في جزيرةِ العربِ دِيْنَانِ، وأنْ يُنَفَّذَ بعثُ أسامةَ. وأخرجَ مسلمٌ (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ ﵁: "أوْصَى رسول اللَّهِ ﷺ بثلاثٍ: أجيزُوا الوفدَ بنحو ما كنتُ أجيزُهم"، الحديثَ. وفي حديثِ ابن أبي أَوْفَى أَوْصَى بكتاب اللَّهِ، وفي حديثِ أنسٍ عندَ النسائيِّ (٣)، وأحمدَ (٤)، وابنِ سعدٍ (٥) كانتْ وَصِيّتهُ ﷺ حينَ حَضَرَهُ الموتُ الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكم. وقد ثبتتْ وصيتُه بالأنصارِ (٦)، وبأهلِ بيتِه (٧)، ولكِنَّها ليستْ عندَ الموتِ، ورُوِيَ غيرُ ذلكَ. وقدْ ثبتَ أنهُ ﷺ أرادَ في مرضِهِ أنْ يكتبَ كتابًا وهوَ وصيّتُه ﷺ للأمةِ إلا أنهُ حِيْلَ بينَه وبينَه كما [رواه] (٨) البخاريُّ (٩). الوصيَّة عند الموت بثلث المال ٢/ ٩٠٧ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا

стр. 1562

رَسُولِ اللَّهِ، أَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدُّقُ بِثُلْثَي مَالِي؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: أَمَّا"تَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: "لا"، قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ سعدِ بن أبي وقاصٍ قالَ: قلت: يا رسولَ اللهِ، أنا ذو مالٍ) وقعَ في روايةٍ (٢): (كثير)، (ولا يرثُني إلا ابنةٌ لي واحدةٌ، أفأتصدق بثُلثَيْ مالي؟ قالَ: لا، قلت: أفأتصدقُ بِشَطْرِ مالي؟ قالَ: لا، قلت؟ أفأتصدق بثلُثِهِ؟ قَالَ: الثُّلُث، والثلث كثيرٌ إنكَ إنْ) يُرْوَى بفتحِ الهمزةِ وكسرِها، فالفتحُ على تقديرِ لامِ التعليلِ، والكسرُ على أنَّها شرطيةٌ، وجوابُه خيرٌ على تقديرِ فهوَ خيرٌ (تذرْ وَرَثَتَكَ أغنِياءَ خيرٌ [لكَ] (٣) منْ أنْ تَذَرَهم عالةً)، جَمْعُ عائلٍ هوَ الفقيرُ، (يتكففونَ) يسألونَ (الناسَ) بِأَكُفِّهم (متفقٌ عليه). اخْتلِفَ متَى وقعَ هذا الحكمُ، فقيلَ: في حَجَّةِ الوداعِ بمكةَ، فإنهُ مرضَ سعدٌ فعادَهُ ﷺ فذكرَ ذلكَ، وهوَ صريحٌ في روايةِ الزُّهْرِيِّ (٤). وقيلَ: في فتحِ مكةَ أخرجَهُ الترمذيُّ (٥) عن ابن عُيَيْنَةَ، واتفقَ الحفاظُ (٦) أنهُ وَهْمٌ، وأنَّ الأوَّلَ هوَ الصحيحُ. وقيلَ: وقعَ ذلكَ في المرتينِ مَعًا، وأُخِذَ من مفهومِ قولِه: كثيرٌ أنهُ لا يُوصَى منْ مالٍ قليلٍ. رُوِيَ (٧) هذَا عنْ عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وعائشةَ. وقوله: "لا يَرِثُنِي إلَّا ابنةٌ لي"، أي لا يرثُني منَ الأولادِ، وإلَّا فإنَّ سعدًا كانَ منْ بني زُهرةَ،

стр. 1563

وهمْ عُصْبَتُهُ، وكانَ هذا قبلَ أنْ يولدَ لهُ الذُّكُورُ، وإلَّا فإنهُ ذكرَ الواقديُّ (١) أنهُ ولدَ لسعدٍ بعدَ ذلكَ أربعةُ بنينَ، وقيلَ أكثرُ منْ عَشَرَةٍ، ومنَ البناتِ اثْنَتَا عَشْرَةَ بِنْتًا، وقولُه: "أفأتصدقُ"، يحتملُ أنهُ استأذَنَهُ في تنجيزِ ذلكَ في الحالِ، أو [أنهُ] (٢) أرادَ بعدَ الموتِ، إلَّا أنهُ في روايةٍ بلفظِ (٣): أوصي، وهي نصٌّ في الثاني، فَيُحْمَلُ الأولُ عليهِ. وقولُه: "بشطرِ مالي" أرادَ بهِ النِّصْف، وقولُه: "والثلثُ كثيرٌ" يُروَى بالمثلثةِ، وبالموحدةِ على أنهُ شكٌّ منَ الراوي، وقعَ ذلكَ في البخاريِّ (٤)، ومثلهُ وقعَ في النسائيِّ (٥)، وأكثرُ الرواياتِ بالمثلثةِ، ووصفَ الثُّلُثَ بالكثرةِ بالنسبةِ إلى ما دونَه. وفي فائدةِ وصْفِه بذلكَ احتمالانِ: الأولُ: بيانُ الجوازِ بالثلث، وأنَّ الأوْلَى أن ينقص عنها ولا يزيد عليهِ، وهذا المتبادرُ وفَهِمَهُ ابنُ عباسٍ (٦) ﵁ فقالَ: وددتُ أن الناسَ غضُّوا منَ الثلثِ إلى الرُّبُع في الوصيةِ. والثاني: بيانُ أن التصدُّقَ بالثلثِ هوَ الأكملُ أي كثيرٌ أجْرُه، ويكونُ منَ الوصفِ بحالِ المتعلِّقِ. وفي الحديثِ دليلٌ علَى مَنْعِ الوصيةِ بأكثرَ منَ الثُّلثِ لمنْ لهُ وارثٌ، وعلى هذَا استقرَّ الإجماعُ (٧). وإنَّما اختلفُوا هلْ يُسْتَحَبُّ الثُّلُثُ أوْ أقلُّ، فذهبَ ابنُ عباسٍ والشافعي (٨)، وجماعةٌ إلى أن المسْتَحَبَّ ما دونَ الثُّلُثِ لقولِه: والثُّلُثُ كثيرٌ. قالَ قتادةُ (٩): أَوْصَى أبو بكرٍ بالخُمسِ، وأَوْصَى عمرُ بالرُّبُعِ والخمسُ أحبُّ إليَّ، وذهبَ آخرونَ إلى أن المسْتَحَبَّ الثُّلُثُ لقولِه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ جعلَ لكمْ في الوصيةِ ثلثَ أموالِكم زيادة في حسناتِكم"، وسيأتي (١٠) قَرِيْبًا أنهُ

стр. 1564

حديثٌ ضعيفٌ. والحديثُ ورد فيمن له وارثٌ، فأمّا منْ لا وارت له فذهبَ مالكٌ (١) إلى أنه مِثلُ مَنْ لهُ وارثٌ لا تستحب لهُ الزيادةٌ على الثُّلُث، وأجازتِ الهادويةُ (٢): والحنفيةُ (٣) لهُ الوصية بالمالٍ كلِّه وهو قولٌ ابن مسعود (٤). فلو أجاز الوارثُ الوصية صحّت بأكثرٌ من الثلثِ نُفِّذَتْ لإسقاطهم حقَّهِم وإلى هذا ذهب الجمهورٌ. وخالفت الظاهرية (٥): والمزنيُّ وسيأتي (٦) في حديث ابن عباسٍ ﵁: "إلّا أن يشاء الورثة" وأنه حَسَنٌ يُعْمَلُ به. نعم فلو رجع الورثةٌ عن الإجازة فذهبَ جماعةٌ إلى أنه لا رجوعَ لهم في حياةٍ الموصي، ولا بعد وفاته. وقيل إِنْ رجِعُوا بعد وفاتِهِ فلا يصحُّ. لأنّ الحقَّ قد انقطع بالموت بخلاف حال الحياةِ، فإنهُ يتجددُ لهم الحق. وسبب الخلاف الاختلاف في المفهوم من قوله ﷺ : "إنَّك إن تَذر" إلى آخره هل يُفهم منه علّةُ المنع من الوصية بأكثر منَ الثُّلُث، وأنَّ السبب في ذلك رعايةُ حقِّ الوارث، وأنه إذا انتَفى ذلك الحكمُ بالمنع، أو أن العلَّة لا تعدي الحكم، أو يُجْعَلُ المسلمون بمنزلة [الوارث] (٧) كما كما هو قول المؤيد (٨)، وأحد قولي الشافعي (٩). والأظهرٌ أنَّ العلةَ متعديةٌ وأنهُ ينتفي الحكمُ في حقِّ مَنْ ليس لهُ وارثٌ مُعَيّنٌ. ٣/ ٩٠٨ - وَعَن عائِشةَ أن رجُلًا أتى النَّبيّ ﷺ فَقَال: يا رسُول الله، إنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نفسُها وَلَم تُوصِ، وأَظُنُّها لو تَكلَّمَت تَصَدَّقت، أفلَها أجْرٌ إنْ تَصَدَّقت عنْها؟ قال: "نعم"، مُتَّفَقٌ عليه (١٠). واللفظ لِمُسلمٍ. [صحيح]

стр. 1565

(وعنْ عائشة ﵂ أنّ رجلًا) جاء مبينًا (١) أنه سعد بن عبادة (أتَى النبي ﷺ فقالَ: يا رسول اللَّه، إنّ أمي افتُلِتَتْ) بِضمِّ المثناةٍ بعد الفاءٍ الساكنة، وكسر اللام (نفسها) أي أُخِذتْ فَلْتَةً (ولم توصِ، وأظنُّها لو تكلّمت تصدّقت، أفَلها أَجْرٌ إن تصدّقتُ عنها؟ قالَ: نعم. متفقٌ عليه، واللفظ لمسلم). [فيه] (٢) دليلٌ أنَّ الصدقة منّ الولد تلحقُ الميت. ولا يعارضُه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (٣) لثبوت حديث (٤): "إنّ أولادكم من كسْبكُم" ونحوهُ، فولده منْ سَعْيه، وثبوتٍ (٥): "أوْ ولدٍ صالحٍ يدعو له". وقَدَّمْنَا الكلام في ذلك (٦) في آخر كتاب الجنائزٍ. لا وصية لوارث ٤/ ٩٠٩ - وَعَنْ أبِي أُمَامَةَ الْبَاهِليِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يَقُولُ: "إنَّ الله قَد أَعطَى كُلّ ذِي حَقٍّ حَقَّه، فلا وَصِيَةَ لوَارث" رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧). وَالأربَعَة (٨) إِلَّا النّسَائِيَّ، وَحسّنَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُ، وَقَوّاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُود (٩). [صحيح]

стр. 1566

- وَرَواهُ الدَّرَقُطْنِيُّ (١) من حديث ابْنِ عَبَّاس ﵄، وَزَاد في آخرِهِ: "إلَّا أَنْ يَشاءَ الوَرَثة"، وإسْنادُهُ حَسَنٌ. [حسن] (وعنْ أبي أمامة الباهليِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنَّ الله قدْ أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارثٍ. رواه أحمدُ، والأربعةُ إلَّا النسائيّ، وحسَّنَهُ أحمد، والترمذيُّ، وقوَّاه ابنُ خُزيْمة، وابنُ الجارود، ورواه الدارقطنيُّ من حديث ابن عباس، وزاد في آخره: إلَّا أن يشاء الورثة. وإسنادهُ حَسَنٌ). وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند الترمذيِّ (٢) والنسائيِّ (٣)، وعن أنسٍ عندَ ابن ماجه (٤)، وعنْ عمرو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدَّهِ عندَ الدارقطني (٥)، وعن جابر عنده (٦) أيضًا، وقال: الصواب إرساله. وعنْ عليٍّ عند ابن أبي شيبة (٧)، ولا يخلو إسناد كلِّ واحدٍ منهما عنْ مقالٍ، لكنَّ مجموعها ينتهض على العمل به، بل جزم الشافعيُّ (٨) في "الأمِّ" أن هذا المتْنَ متواترٌ؛ فإنه قال: إنه نَقْلُ كافةٍ عن كافةٍ، وهو أقْوى من نقلِ واحدٍ. قلتُ: الأقرب وجوبُ العمل به، لتعدُّدِ طرقهِ، ولما قاله الشافعيُّ، وإنْ نازع

стр. 1567

في تواترُه الفخرُ الرازيُّ (١)، ولا يضرُّ ذلكَ بثبوتهِ، فإنهُ مُتلقَّى بالقَبول منَ الأمةِ كما عُرِفَ. وقدْ ترجمَ به البخاريُّ (٢) فقال: بابُ لا وصيةَ لوارثٍ، وكأنهُ لم يثبتْ على شرطِه، فلمْ يُخَرِّجْهُ، ولكنهُ أخرجَ (٣) بعدَهُ عنْ عطاءِ بن أبي رباح، عن ابن عباسٍ موقُوفًا في تفسيرِ الآيةِ (٤)، ولهُ حكمُ المرفوعِ. والحديثُ دليلٌ على مَنْعِ الوصيةِ للوارثِ، وهوَ قولُ الجماهيرِ (٥) منَ العلماء. وذهبَ الهادي (٦) وجماعة إلى جوازِها مستدلينَ بقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ (٧) الآيةُ. قالُوا: ونَسْخُ الوجوبِ لا ينافي بقاءَ الجوازِ. قُلْنا: نعمْ لوْ لم يردْ هذا الحديثُ فإنهُ نافٍ لجوازِها؛ إذْ وجوبُها قد عُلِمَ نسخُه منْ آيةِ المواريثِ (٨) كما قال ابنُ عباسٍ (٩) ﵁ كانَ المال للولدِ، والوصيةُ للوالدينِ، فَنَسَخَ اللَّهُ سبحانَه منْ ذلكَ ما أحبَّ، فجعلَ للذكرِ مثلُ حظِّ الأنْثَيَيْنِ، وجعلَ للأبوينِ لكل واحدٍ منْهما السُّدُسَ، وجعلَ للمرأةِ الثُّمُنَ والرُّبُعَ، وللزوجِ الشَّطْرَ، والرُّبُع. وقولُه: "إلَّا أن يشاء الورثة" دلَّ على أنَّها تصحُّ وتُنَفَّذُ الوصيةُ للوارثِ إنْ أجازَها الورثةُ. وتقدَّم الكلامُ (١٠) في إجازةِ الورثةِ ما زادَ على الثُلُثِ، هلْ ينفذُ بِها أو لا، وأنَّ الظاهريَةِ (١١) ذهبتْ إلى أنهُ لا أثرَ لإجازتِهم. والظاهرُ معَهم لأنهُ ﷺ لما نَهَى عن الوصيةِ للوارثِ قيَّدَها بقولِه: "إلا أنْ يشاءَ الورثةُ". وأطلقَ لما منعَ من الوصيةِ بالزائدِ علَى الثُّلُثِ وليسَ لنا تقييدُ ما أطْلَقَهُ، ومَنْ قَيَّدَ هنالك قال: إنهُ يُؤْخَذُ القيدُ منَ التعليلِ بقولهِ (١٢): "إنكَ إنْ تذرْ إلخ"؛ فإنهُ دلَّ على أن المنْعَ منَ الزيادةِ على

стр. 1568

الثُّلُثِ كانَ مراعاةً لحقِّ الورثةِ؛ فإنْ أجازُوا سقطَ حقُّهم ولا يخلُو عنْ قوةِ. هذَا في الوصيةِ للوارثِ. واختلفُوا إذا أقرَّ [للورثة] (١) بشيءٍ منْ مالهِ فأجازَه الأوزاعيُّ (٢) وجماعةٌ مطلقًا. وقالَ أحمدُ (٣): لا يجوزُ إقرارُ المريضِ لوارثهِ مُطْلَقًا. واحتجَّ بأنهُ لا يؤمنُ بعدَ المنعِ منَ الوصيةِ لوارثه أنْ يجعلَها إقرارًا. واحتجَّ الأولُ بما يتضمنُ الجوابَ عنْ هذِه الحجةِ فقالَ: إنَّ التهمةَ في حقِّ المحتضَرِ بعيدةٌ، وبأنهُ وقعَ الاتفاقُ أنهُ لو أقرَّ بوارثِ صحَّ إقرارُه معَ أنهُ يقتضي الإقرارَ بالمالِ، وبأنَّ مدارَ الأحكامِ على الظاهرِ، فلا يُتْرَكُ إقرارُه للظنِّ المحتَمَلِ، فإنَّ أمْرَهُ إلى اللَّهِ. قلت: وهذَا القولُ أَقْوَى دليلًا. واسْتَثْنَى مالكٌ (٤) ما إذا أقرَّ لِبِنْتِهِ ومَعها مَنْ يشارِكُها منْ غيرِ الولدِ كابنِ العمِّ. قالَ: لأنهُ متهم في أنهُ يزيدُ لابنَتِهٍ وينقصُ ابنَ العمِّ، [وكذا] (٥) استَثْنَى ما إذا أقرَّ لزوجته المعروفِ بِمَحَبَّتِهِ لها، وميلِهِ إليها، وكانَ بينَه وبينَ ولدِهِ منْ غيرِها تباعدٌ [لا] سيما إذا كانَ لهُ مِنْها ولدٌ في تِلْكَ الحالِ. قلت: الأحسنُ ما قيلَ عنْ بعضِ المالكية واختارَهُ الروياني (٤) منَ الشافعيةِ أن مدارَ الأمرِ على التُّهْمَةِ وعدمِها، فإنْ فقدتْ جازَ، وإلَّا فَلَا، وهيَ تُعْرَفُ بقرائنِ الأحوالِ وغيرِها، وعنْ بعضِ الفقهاءِ أنهُ لا يصح إقرارهُ إلَّا للزوجةِ بمهْرِها. ٥/ ٩١٠ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِن الله تَصَدَّقَ عَلَيكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ زِيادَةً في حَسَنَاتِكُمْ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٦). [حسن بشواهده]

стр. 1569

- وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١)، وَالْبَزَّارُ (٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ. [حسن بشواهده] - وَابْنُ مَاجَهُ (٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ، لكِنْ قَدْ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. [ضعيف] (وعنْ معاذِ بن جَبَلٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنّ الله تصدَّقَ عليكمْ بِثُلُثِ أموالِكم عندَ وفاتِكم زيادةً في حَسَنَاتِكُمْ. رواهُ الدارقطنيُّ، وأخرجَهُ أحمدُ والبزَّارُ منْ

стр. 1570

حديثِ أبي الدرداءِ، وابن ماجهْ منْ حديثِ أبي هريرةَ، وكلُّها ضعيفةٌ. لكنْ قدْ يقوِّي بعضُها بعضًا)، وذلكَ لأنَّ في إسنادهِ إسماعيلَ (١) بنَ عياشٍ وشيخَه عتبةَ (٢) بنَ حُمَيْدٍ، وهما ضعيفانِ، وإنْ كانَ لهم في روايةِ إسماعيلَ تفصيلٌ معروفٌ. والحديثُ دليلٌ على شَرْعِيَّةِ الوصيةِ بالثُّلُثِ، وأنهُ لا يُمْنَعُ منهُ الميتُ، وظاهرُه الإطلاقُ في حقِّ مَنْ لهُ مالٌ كثيرٌ، ومَنْ قلَّ مالُه، وسواءٌ [كان] (٣) لوارثٍ أو غيرِهِ، ولكنْ يُقَيِّدُهُ ما سَلَفَ منَ الأحاديثِ التي هي أصحُّ منهُ، فلا تُنَفَّذُ للوارثِ. وإليهِ ذهبَ الفقهاءُ (٤) الأربعةُ، وغيرُهم، والمؤيدُ باللَّهِ رَوَى عنْ زيدِ (٥) بن عليٍّ. وذهبتِ الهادويةِ (٥) إلى نفوذِها للوارثِ وادَّعى فيهِ إجماعَ أهلِ البيتِ، ولا يصحُّ هذا. تقديم الدَّين على الوصية في الأداء واعلمْ أن قولَه تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٦) يقتضي ظاهرها أنهُ يخرجُ الدَّيْنُ والوصيةُ منْ تَرِكَةِ الميِّتِ على سواءٍ، فتشاركُ الوصيةُ الدَّيْنَ إذا استُغْرِقَ المالُ. وقد اتفقَ العلماءُ (٧) على أنهُ يقدَّمُ إخراجُ الدَّيْنِ على الوصيةِ لما أخرجَه أحمدُ (٨)، والترمذيُّ (٩) وغيرُهما منْ حديث عليٍّ ﵁ منْ روايةِ الحارِثِ

стр. 1571

الأعْورِ عنهُ قالَ: "قَضَى محمدٌ ﷺ أن الدَّيْنَ قَبْلَ الوصيةِ، وأنتمُ تقرأونَ الوصيةَ قبلَ الدَّيْنِ". وعلَّقَهُ البخاري (١)، وإسنادُهُ ضعيفٌ. لكنْ قالَ الترمذيُّ: العملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ، وكأنَّ البخاريَّ اعتمدَ عليهِ لاعتضَادهِ بالاتفاقِ على مقتضاهُ. وقدْ أوردَ لهُ شواهد (٢) ولم يختلف العلماءُ أن الدَّيْنَ يُقَدَّمُ على الوصيةِ. فإنْ قيلَ: فإذا كانَ الأمرُ هكَذَا فَلِمَ قُدِّمَتِ الوصيةُ على الدَّيْنِ في الآيةِ؟ قُلْتُ: أجابَ السُّهَيْلي (٣) بأنَّها لَمَّا كانتِ الوصيةُ تقعُ على وَجْهِ البرِّ والصلةِ، والدَّيْنُ يقعُ بِتَعَدّي الميتِ بحسبِ الأغلبِ، فبدأ بالوصيةِ لكَوْنِها أفضلَ، وأجابَ غيرُه (٣) بأنَّها إنَّما قُدِّمَتِ الوصيةُ لأنهُ شيءٌ يُوخَذُ بغيرِ عِوَضٍ، والدَّيْنُ يؤخذُ بِعِوضٍ، فكانَ إخراجُ الوصيةِ أشقَّ على الوارثِ منْ إخراجِ الدَّيْنِ، وكانَ أداؤُها مَظَنَّةَ التفريطِ بخلافِ الدَّيْنِ، فَقُدِّمَتِ الوصيةُ لذلكَ، ولأنَّها حظُّ الفقيرِ والمسكينِ غالبًا، والدَّيْنُ حظ الغريم يطلبُه بقوةٍ، ولهُ مقالٌ، ولأنَّ الوصيةَ ينشئُها الموصي منْ قِبَلْ نَفْسِهِ فَقُدِّمَتْ تحريضًا على العملَ بها، بخلافِ الدَّيْنِ فإنهُ مطلوبٌ منهُ ذَكرَ أو لم يذكرْ، ولأنَّ الوصيةَ ممكنةٌ منْ كلّ أحدٍ مطلوبة منه إما نَدْبًا، أوْ وُجُوبًا؛ فيشتركُ فيها جميعُ المخاطبينَ. وتقعُ بالمالِ وبالعملِ. وقلَّ منْ يخلُو عنْ ذلكَ بخلافِ الدَّيْنِ، وما يكثرُ وقوعُه أهم بأنْ يذكرَ أوَّلًا على ما يقلُّ وقُوعُهُ. * * *

стр. 1572

[الباب الثاني والعشرون] باب الوديعة الوديعةُ هي العينُ التي يضعُها مالِكُها أو نَائِبُهُ عندَ آخرَ ليحفَظها، وهي مندوبةٌ إذا وثقَ منْ نفسهِ بالأمانةِ لقولهِ تعالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١)، وقولِه ﷺ : "اللَّهُ في عونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عونِ أخيهِ"، أخرجَهُ مسلمٌ (٢). وقدْ تكونُ واجبةً إذا لم يكنْ مَنْ يَصْلُحُ لها غيرُه وخافَ الهلاكَ عليْها إن لم يقبلْها. عدم ضمان الوديعة ١/ ٩١١ - عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَيسَ عَلَيهِ ضَمانٌ" أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (٣)، وَفي إِسنَادِهِ ضعفٌ. [حسن بطرقه] وَبَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ تَقَدَّمَ (٤) في آخِرِ الزكَاةِ. وَبَابُ قَسْمِ الفيءِ والغنيمةِ (٥) يأتي عَقِبَ الجهادِ إِن شاءَ الله تعالى.

стр. 1573

(عنْ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عن النبي ﷺ قالَ: مَنْ أودِعَ وديعةً فليسَ عليهِ ضمانٌ. أخرجَه ابن ماجهْ، وإسنادُهُ ضعيفٌ)، وذلكَ أن في رُوَاتِهِ المثنَّى بنَ الصباح، وهوَ متروكٌ. وأخرجَهُ الدارقطني (١) بلفظِ: "ليسَ على المستعيرِ غيرُ المغِلِّ ضمانٌ، ولا على المستودَعِ غيرِ المغلِّ ضمانٌ"، وفي إسنادهِ [ضعيفانِ] (٢). قالَ الدارقطني (١): وإنَّما يُرْوَى هذَا عنْ شريحٍ غيرَ مرفوعٍ، وفسَّرَ المغلَّ في روايةِ الدارقطنيِّ بالخائنِ، وقيلَ هوَ المستغِلُّ. وفي البابِ آثارُ عنْ أبي بكرٍ (٣)، وعلي (٤)، وابنِ مسعودٍ، وجابرٍ أن الوديعةَ أمانةٌ، وفي بعضِها مقالٌ. ويغني عنْ ذلكَ الإجماعُ (٥)؛ فإنهُ وقعَ على أنهُ ليسَ على الوديعةِ ضمانٌ إلَّا ما يُرْوَى عن الحسنِ البصريِّ (٦) أنهُ إذا [اشترطَ] (٧) عليهِ الضمانَ فإنهُ يضمنُ. وقدْ [تُؤَوَّلُ] (٨) بأنهُ معَ التفريطِ، والوديعةُ قدْ تكونُ باللفظِ كاستودعْتُكَ ونحوِه منَ الألفاظِ الدالةِ على الاستحفاظِ، وَيكْفي القَبُولُ لفظًا. وقدْ يكونان (٩) بغيرِ لفظٍ كَأَنْ يَضَعَ في حانوتِه وهوَ حاضرٌ ولا يمنعْهُ منْ ذلكَ، أو في المسجدِ وهوَ غيرُ مُصَلٍّ. وأما إذا كانَ في الصلاةِ فلا لأنهُ لا يمكنُه إظهارُ الكراهةِ. وفي بابِ الوديعةِ تفاصيلُ في الفروعِ كثيرةٌ. (وباب قَسْمِ الصدقاتِ) بينَ الأصنافِ الثمانيةِ (تقدمَ في آخرِ الزكاةِ)، وهوَ أَلْيَقُ بالاتصالِ بهِ.

стр. 1574

(وبابُ قَسْمِ الفيءِ والغنيمةِ، ويأتي عَقبَ الجهاد إنْ شاءَ اللهُ تعالى)، وهوَ أَوْلَى بأن يلِيَ الجهادَ لأنه عن توابعِهِ، وإنما ذكرَ المصنفُ هذَا لأنها جرتْ عادةُ كُتُبِ فروعِ الشافعيةِ على جَعْل هذينِ البابينِ قُبَيْلَ كتابِ النكاحِ، والمصنفُ خالَفهُم فألحَقَهُمَا بما هوَ أَلْيَقُ بِهِمَا. * * * تمَّ بحمد الله المجلَّد الخامس من "سُبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام" ولله الحمد والمنة ويليه المجلد السادس وأوله: [الكتاب الثامن] كتاب النكاح * * *

стр. 1575

[الكتاب الثامن] كتاب النكاح [الباب الأول] أحكام النكاح النِّكَاحُ هو لغةً: الضمُّ والتداخلُ ويُسْتَعْمَلُ في الوطْءِ وفي العقْدِ، قيلَ: مجازٌ منْ إطلاقِ المسبِّبِ على السَّبَبِ، وقيلَ: إنهُ حقيقة فيهمَا وهوَ مرادُ مَنْ قالَ: إنهُ مشتركٌ فيهما، وكَثُرَ استعمالُه في العَقْدِ فقيلَ: إنهُ فيهِ حقيقةٌ شرعيةٌ ولم يردْ في الكتابِ (١) العزيزِ إلا في العَقْدِ. الترغيب في النكاح ١/ ٩١٢ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُم البَاءَةَ فَلْيَتَزَوّج، فَإنهُ أَغَضُّ للْبَصَرِ، وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّومِ، فَإنهُ لَهُ وِجَاءٌ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح]

стр. 1576

(عن ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ ﷺ : يا معشرَ الشَّبابِ من استطاعَ مِنْكمُ الباءةَ) بالباءِ الموحدةِ والهمزةِ والمدِّ (فليتزوَّجْ، فإنهُ أغضُّ للبصرِ وأحصنُ للفرجِ، ومنْ لم يستطعْ فعليهِ بالصومِ فإنهُ لهُ وِجَاءٌ) بكسرِ الواوِ والجيمِ والمدِّ (متفقٌ عليهِ)، وقعَ الخطابُ منهُ ﷺ للشبابِ لأنَّهم مظنةُ الشهوةِ للنساءِ. [وقد] (١) اختلفَ العلماءُ (٢) في المرادِ بالباءةِ، والأصحُّ أن المرادَ بها الجماعُ. فتقديرهُ من [راد] (٣) منكمُ الجماعَ لِقُدْرَتهِ على مُؤنَةِ النكاحِ فليتزوجْ، ومنْ لم يستطعِ الجماعَ لِعَجزِهِ عنْ مُؤْنَتِهِ فعليهِ بالصومِ ليدفعَ شهوتَهُ ويقطعَ شرَّ مائِهِ كما يقطعه الوِجاءُ. ووقعَ في روايةِ ابن حبانَ (٤) مُدْرَجًا تفسيرُ الوجاءِ بأنهُ الإخصاءُ. وقيلَ الوِجاءُ: رضُّ الخصيتينِ، والإخصاءُ: سلُّهما. والمرادُ أن الصَّوْمَ كالوجاءِ والأمر بالتزوجِ يقتضي وجوبَهُ معَ القدْرةِ على تحصيلِ مؤنه، وإلى الوجوبِ ذهبَ داودُ (٥) وهوَ روايةٌ عَنْ أحمدَ (٦). وقالَ ابن حَزْمٍ (٧): وفَرْضٌ على كلِّ قادرٍ على الوَطْءِ إنْ وجدَ أنْ يتزوجَ أو يتسرَّى فإنْ عجزَ عنْ ذلكَ فليكثرْ منَ الصومِ، وقالَ: إنهُ قولُ جماعةٍ منَ السلفِ. وذهبَ الجمهورُ (٨) إلى أن الأمرَ للنَّدْب مستدلينَ بأنهُ تعالَى خَيَّرَ بينَ التزوجِ والتسرِّي بقولِه: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٩). والتسرّي لا يجبُ إجْمَاعًا (١٠) فكذلك النكاحُ لأنهُ لا يخيَّر بين الواجب وغير الواجب، إلَّا أن دَعْوَى الإجماعِ غيرُ صحيحةٍ لخلافِ داودَ وابنِ حزمٍ. وذكرَ ابنُ دقيقِ (١١) العيدِ أن منَ الفقهاءِ مَنْ قالَ بالوجوبِ على مَنْ خافَ الْعَنَتَ، وقَدَرَ على النكاحٍ، وتعذَّرَ التَّسَرِّي، وكَذَا حكاهُ القرطبيُّ (١٢) فيجبُ على مَنْ لا يقدِرُ على تركِ الزّنى

стр. 1577

إلَّا بِهِ. ثمَّ ذكرَ مَنْ يحرُمُ عليهِ ويُكْرَهُ، ويُنْدَبُ لهُ ويُبَاحُ، فيحرمُ على منْ يخلُّ بالزوجةِ في الوطْءِ والإنفاقِ معَ قُدْرَته عليهِ وتوقانِهِ إليهِ، ويكرهُ في حقِّ مثلِ هذا حيثُ لا إضرارَ بالزوجةِ، والإباحةُ فيما إذا انتفتِ الدَّواعي والموانعُ، ويُنْدَبُ في حق كل مَنْ يُرْجَى منهُ النَّسْلُ ولوْ لم يكنْ لهُ في الوطءِ شهوةٌ لقولهِ ﷺ (١): "فإني مكاثرٌ بكمُ الأممَ"، ولظواهرِ الحثِّ على النِّكَاحِ والأمرِ. وقولُهُ: "فعليهِ بالصومِ" إغراءٌ بلزومِ الصومِ، وضميرُ عليهِ يعودُ إلى "منْ" (٢) فهُوَ مخاطبٌ في المعنَى، وإنَّما جُعِلَ الصومُ وجاءَ لأنهُ بتقليلِ الطعامِ والشرابِ يحصلُ للنفسِ انكسارٌ عن الشهوةِ ولسِرٍّ جعلَهُ اللهُ [تعالى] في الصومِ فلا ينفعُ تقليلُ الطعام وحدَه منْ دونِ صومٍ. واستدل بهِ الخطابي (٣) على جوازِ التداوي لقطعِ الشهوةِ بالأدويةِ، وحكاهُ البغويُّ في "شرح السُّنةِ" (٤). ولكنْ يحملُ على دواءٍ يُسَكّنُ الشهوةَ ولا يَقْطَعَها بالأصالةِ لأنهُ قدْ يَقْوَى على وُجْدَانِ مُؤَنِ النِكاحِ، بلْ قدْ وعدَ اللهُ منْ يستعفَ أنْ يُغْنِيَهُ اللهُ منْ فَضْلِهِ؛ لأنهُ جعلَ الإغْناءَ غايةَ الاستعفاف؛ ولأنَّهمُ اتفقُوا عَلَى مَنْعِ الجبِّ والإخْصَاءِ فيلحقُ بذلكَ ما في معناهُ. وفيهِ الحثُّ على تحصيلِ ما يُغَضُّ بهِ البصرُ ويُحْصَنُ الفرجُ، وفيهِ أنهُ لا يُتَكَلَّفُ للنكاحِ بغيرِ الممكنِ كالاستدانةِ. واستدل بهِ [القرافي] (٥) على أن التشريكَ في العبادةِ لا يضرُّ بخلافِ الرياءِ، لكنَّهُ يقالُ (٦) إنْ كانَ المُشَرَّكُ عبادةَ كالمشرَّكِ فيهِ فلا يضر فإنهُ يحصلُ بالصومِ تحصينُ الفرجِ وعضُّ البصرِ، وأما تشريكُ المباحِ كما لو دخلَ إلى الصلاةِ لتركِ خطابِ مَنْ يحلُّ خطابُه فهو محلُّ نظرِ يُحتَملُ القياسُ على ما ذُكِرَ ويحتملُ عدمُ صحةِ القياسِ. نعمْ إنْ دخلَ في الصلاةِ لتركِ الخوضِ في الباطلِ أو الغيبةِ وسماعِها كانَ مَقْصِدًا صحيحًا. واستدل بهِ بعضُ المالكيةِ (٧) على تحريمِ الاستمناءِ لأنهُ لو كانَ مباحًا لأرشدَ إليهِ لأنهُ أسهلُ، وقدْ أباحَ الاستمناءَ بعضُ الحنابلةِ وبعضُ الحنفيةِ.

стр. 1578

القصد في العبادات والنهي عن الإضرار بالنفس ٢/ ٩١٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: "لكِنِّي أَنا أُصلِّي وَأَنامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فَلَيسَ مِنِّي"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أنس بن مالكٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ حَمِدَ الله وأثْنَى عليهِ وقالَ: لكنِّي أنا أصلِّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النِّساءَ، فمنْ رغبَ عنْ سُنَّتي فليسَ منِّي. متفقٌ عليه) هذا لفظ مسلم. وللحديثِ (٢) سببٌ وهوَ أنهُ قالَ أنسٌ: جاءَ ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ ﷺ يسألونَ عنْ عبادتِه ﷺ ، فلما أخْبِرُوا كأنَّهم تَقَالُّوها فقالُوا: وأينَ نحنُ منْ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، قدْ غَفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ منْ ذنبهِ وما تأخَّرَ، فقالَ أحدُهم: أما أنا فإني أصلِّي الليلَ أبدًا، وقالَ آخَرُ: وأنا أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ، وقالَ آخرُ: وأنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ. فجاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إليهم فقالَ: "أنتُم قُلْتُمْ كَذَا وكَذَا، أَمَا واللَّهِ إني [أخشاكم] (٣) للَّهِ وأتقاكُم له، لكنِّي [أنا] (٤) أصلِّي - الحديث". وهوَ دليلٌ على أن المشروعَ هوَ الاقتصادُ في العباداتِ دونَ الانهماكِ والإضرارِ بالنفسِ وهَجْرِ المألوفاتِ كلِّها، وأنَّ هذهِ الملَّةَ المحمديةَ مبنيةٌ شريعتُها على الاقتصادِ والتسهيلِ والتيسيرِ وعدمِ التعسيرِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥). قالَ الطبريُّ (٦): في الحديثِ الردُّ على مَنْ مَنَعَ استعمالَ الحلالِ منَ الطيباتِ مأكلًا ومَلْبَسًا. قالَ القاضي عياضُ (٦) ﵀: هذا مما اختلفَ فيهِ السلفُ فمنْهم مَنْ ذهبَ إلى ما قالهُ الطبريُّ، ومنْهم مَنْ عكسَ، واستدلَّ بقولهِ تَعَالَى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٧)، قالَ: والحقُّ أن الآيةَ في الكفارِ. وقدْ أخذَ النبيُّ ﷺ بالأمرينِ، والأَوْلَى التوسطُ في الأمورِ وعدمُ الإفراطِ في ملازمةِ الطيباتِ فإنهُ يُؤَدِّي إلى الترفُّهِ والبطرِ ولا يأمنُ منَ الوقوعِ في الشُّبُهاتِ،

стр. 1579

فإنَّ مَنِ اعتادَ ذلكَ قدْ لا يجدُهُ أحيانًا فلا يستطيعُ الصبرَ عنهُ فيقعُ في المحظورِ، كما أنَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ تناوُلِ ذلكَ أحيانًا قدْ يفضي بهِ إلى التنطُّعِ وهوَ التكلُّفُ المؤدِّي إلى الخروجِ عن السنةِ المنْهِيِّ عنهُ، ويردُّ عليهِ صريحُ قوله تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (١). كما أن الأخْذَ بالتشديدِ في العبادةِ يؤدي إلى المللِ القاطعِ لأصْلِها وملازمةِ الاقتصارِ علَى الفرائضِ مثلًا وتركُ النفلِ يُفْضِي إلى البطالةِ وعدمِ النشاطِ إلى العبادةِ وخيارُ الأمورِ أوساطها، وأرادَ ﷺ بقولهِ: "فمنْ رغبَ عنْ سُنَّتِي" عنْ طريقتي، "فليسَ مِنِّي" أي ليسَ منْ أهلِ الحنيفيةِ السهلةِ، بلِ الذي يتعيَّنُ عليهِ أنْ يفطرَ ليَقْوَى على الصومِ، وينامُ ليقْوَى على القيامِ، وينكحُ النساءِ ليُعِفَّ نظرَهُ وفَرْجَهُ. وقيلَ (٢): إنْ أرادَ منْ خالفَ هَدْيَهُ ﷺ وطريقتَه أن الذي أَتَى بهِ منَ العبادةِ أَرْجَحُ مما كانَ عليهِ ﷺ ، فمعنَى ليس مِنِّي أي ليسَ منْ أهلِ مِلَّتي لأنَّ اعتقادَ ذلكَ يؤدي إلى الكفرِ. تنكح المرأة لأربع ٣/ ٩١٤ - وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُنَا بِالْبَاءَةِ ويَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: "تَزَوَّجُوا الولُودَ الْوَدُودَ، فَإنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأَنبيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح]

стр. 1580

- وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيَّ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَار. [صحيح لغيره] (وعنه) أي [عنْ] (١) أنسٍ (قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يأمرُنا بالباءةِ وَيَنْهَى عن التبتلِ نَهْيًا شديدًا ويقولُ: تزوَّجُوا الولودَ الودود، فإنِّي مكاثرٌ بِكمُ الأنبياءَ يومَ القيامةِ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَه ابن حِبَّانَ. وله شاهدٌ عندَ أبي داودَ والنسائيَّ وابنِ حِبَّانَ أيضًا منْ حديثِ معقلِ بن يسار)، التبتلُ الانقطاعُ عن النساءِ وتركُ النكاحِ انقطاعًا إلى عبادةِ اللَّهِ تعالى. وأصلُ التبتلِ القْطعُ ومنهُ قيلَ لمريمَ ﵇ البتولُ، ولفاطمةَ ﵂ البتولُ، لانقطاعِهِمَا عنْ نساءِ [زمانيهما] (٢) دِيْنًا وفَضْلًا ورغبةً في الآخرةِ. والمرأةُ الولودُ كثيرةُ الولادةِ، ويعرفُ ذلكَ في البكرِ بحالِ [قَرَابَتِهَا] (٣)، والودودُ المحبوبةُ بكثرةِ ما هيَ عليهِ منْ خصالِ الخيرِ وحُسْنِ الخُلُقِ والتحبُّب إلى زَوْجِها. والمكاثرةُ: المفاخرةُ، وفيهِ جوازُها في الدارِ الآخرةِ، ووجْهُ ذلكَ أنّ مَنْ أُمَّتُهُ أكثرُ فثوابُه أكثرُ لأنَّ لهُ مثلَ أجرِ مَنْ تَبِعَهُ. ٤/ ٩١٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤) مَعَ بَقِيّةِ السّبْعَةِ (٥). [صحيح] (وعنْ أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: تُنْكَح المرأةُ لأربع) أي الذي يُرغِّبُ إلى نكاحِها ويدعُو إليه أحد أربع خصال: (لمالها وحَسَبِها وجمالِها ولِدِيْنِها، فاظفر بذاتِ الدِّينْ تَرِبَتْ يداكَ. متفقٌ عليهِ) بينَ الشيخينِ (معَ بقيةِ السَّبعةِ) الذينَ تقدَّمَ ذِكْرُهُم في خطبةِ الكتابِ. الحديثُ إخبارٌ بأن الذي يدعُو الرجالَ إلى التزوجِ أحدُ هذهِ الأربعِ، وآخرُها عندَهم ذاتُ الدينِ فَأَمَرَهُمْ ﷺ بأنَّهم إذا وجدُوا ذات الدِّيْنِ فلا يعدلون عنْها.

стр. 1581

وقدْ وردَ النَّهْيُ عنْ نِكَاحِ المرأةِ لغيرِ دِيْنِهَا، فأخرجَ ابنُ ماجَهْ، (١) والبزَّارُ (٢)، والبيهقي (٣)، منْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرو مرفُوعًا: "لا تَنْكِحُوا النسَاءَ لِحُسْنِهنَّ فلعلَّه يُرْدِيْهنَّ، ولا لِمالهنَّ فلعلَّه يُطْغِيهنَّ، وانكحوهنَّ للدِّينِ، ولأَمَةٌ سوداءُ خَرْقَاءُ ذاتُ دِيْنٍ أفضلُ". ووردَ في صفةِ خيرِ النساءِ ما أخرجَهُ النسائيُّ (٤) عنْ أبي هريرةَ ﵁ أنهُ قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النساءِ خيرٌ؟ قالَ: "التي تسرُّه إنْ نظرَ، وتطيعُه إنْ أمرَ، ولا تخالفُه في نفسها ومالِها بما يَكْرَهُ"، والحَسَبُ هوَ الفِعْلُ الجميلُ للرجلِ وآبائِه. وقدْ فُسِّرَ الحسبُ بالمالِ في الحديثِ الذي أخرجَهُ الترمذيُّ (٥) وحسَّنَهُ منْ حديثِ سَمُرَةَ مرفُوعًا: "الْحَسَبُ المالُ، والكرمُ التَّقْوَى"، إلَّا أنهُ لا يُرَادُ [بالمال] (٦) في حديثِ البابِ لِذِكْرِهِ له بِجَنْبِهِ، فالمرادُ فيهِ المعنَى الأولُ. ودلَّ الحديثُ على أن مصاحبةَ أهلِ الدِّينِ في كلِّ شيءٍ هي الأَوْلَى لأنَّ مُصَاحِبَهُم يستفيدُ منْ أخلاقهم وبركتِهمْ وطرائقهم ولا سيَّما الزوجةُ فَهِيَ أَوْلَى مَنْ يُعْتَبَرُ دِيْنُهُ؛ لأنَّهَا ضجيعتُه وأمُّ أولادِه وأَمِينَتُهُ على مالهِ ومنزلهِ وعلَى نفسِها. وقولُه: "تَرِبَتْ يداكَ"، أي التصقتْ بالترابِ منَ الفقرِ، وهذهِ الكلمةُ خارجةٌ مخرجَ ما يعتادُه الناسُ في المخاطباتِ لا أنهُ ﷺ قصدَ بها الدعاء. الدعاء للمتزوج بالبركة ٥/ ٩١٦ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ إذَا رَفَّأ إِنْسَانًا إِذَا تَزَوَّج قَالَ: "بَارَك اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيكَ، وَجَمَعَ بَينَكُمَا في خَيْرٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧)

стр. 1582

وَالأَرْبَعَةُ (١)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (٢). [صحيح] (وعنهُ) أي أبي هريرةَ (أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رفَّئ) بالراءِ وتشديدِ الفاءِ فألفٍ مقصورةٍ (إنسانًا إذا تزوجَ قالَ: "باركَ اللَّه لكَ، وباركَ عليكَ، وجمعَ بينَكما في خيرٍ". رواهُ أحمد والأربعة وصحَّحَه الترمذيُّ وابن خزيمةَ وابن حِبَّانَ). الرَّفاءُ الموافقةُ وحسنُ المعاشرةِ، وهوَ منْ رَفَأ الثوبَ، وقيلَ: منْ رفوت الرجلِ إذا سَكَّنْتَ ما بهِ منْ رَوْعِ. فالمرادُ إذا دَعَاء ﷺ للمتزوجِ بالموافقةِ بينَه وبينَ أهلِهِ وحسنِ العشْرةِ بينَهما قالَ ذلكَ. وقدْ أخرجَ بقيُّ بنُ مخلدِ (٣) عنْ رجلٍ منْ بني تميمٍ قالَ: كُنَّا نقولُ في الجاهليةِ بالرَّفَاءِ والبنينَ، فعلَّمنا رسولُ الله ﷺ فقالَ قولُوا: - الحديثِ. وأخرجَ مسلمٌ (٤) منْ حديثِ جابرٍ: "أنهُ ﷺ قالَ لهُ: تزوجتَ؟ قالَ: نعمْ، قالَ: باركَ اللَّهُ لك"، وزادَ الدارميُّ (٥): "وباركَ عليكَ". وفيهِ أن الدعاءَ للمتزوجِ سنةٌ، وأما المتزوجُ فَيُسَنَّ لهُ أنْ يفعلَ ويدعوَ بما أفادَهُ حديثُ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ عن النبيِّ ﷺ : "إذا أفادَ أحدُكم امرأةً أوْ خادمًا أو دابةً فليأخذْ بنَاصِيَتِها وليقلْ: اللهمَّ إني أسألك خيرَها وخيرَ ما جُبلَتْ عليهِ، وأعوذُ بكَ منْ شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليهِ"، رواهُ أبو داودَ (٦) والنسائي (٧)، وابنُ ماجهْ (٨). خطبة الحاجة ٦/ ٩١٧ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 1583

التَّشَهُّدَ في الْحَاجَةِ: "إن الْحَمْدَ للهِ، نَحْمدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَستَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنَا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلا اللهُ، وأَشْهَدُ أَن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، وَيَقْرَأُ ثَلاثَ آياتٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ (٢) وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِي وَالْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ ﵁ قالَ: علَّمَنَا رسولُ اللهِ ﷺ التشهُّدَ في الحاجةِ) زادَ فيهِ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ في النكاحِ وغيرِه (إن الحمدَ للَّهِ نحمدُهُ ونستعينه ونستغفره، ونعوذ باللَّهِ منْ شرور أَنْفسنَا، مَنْ يهدِ اللَّه فلا فضِلَّ لهُ، ومَنْ يضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسوله، ويقرأُ ثلاثَ آياتٍ. رواهُ أحمد والأربعة، وحسَّنَة الترمذيُّ والحاكم). والآياتُ [الثلاث] (٤): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى [قوله] (٥) ﴿رَقِيبًا﴾ (٦)، والثانيةُ [قوله تعالى] (٧): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ إلى آخرها (٨)، والثالثة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قولهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ (٩). كذَا

стр. 1584

في الشرحِ وفي الإرشادِ لابنِ كثيرٍ عدَّ الآياتِ في نفسِ الحديثِ إلَّا أنه جعل الأولى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الآية، والثانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ الآية، والثالثة كما هنا. وقولهُ: "في الحاجةِ" عامٌّ لكلِّ حاجةٍ ومنْها النِّكاحُ، وقدْ صَرَّحَ بهِ في روايةٍ كما ذَكَرْنَاهُ. وأخرجَ البيهقي (١) أنهُ قالَ شعبةُ: قُلْتُ لأبي إسحاقَ: هذهِ في خُطبَةِ النِّكاحِ وغَيْرِها؟ قالَ: في كلّ حاجةٍ. وفيهِ دلالةٌ على سُنِّيَّةِ ذلكَ في النكاحِ وغيرهِ، وَيخْطُبُ بِها العاقدُ [لنفسه] (٢) حالَ العقْدِ وهيَ منَ السُّنَنِ المهجورةِ. وذهبتِ الظاهريةُ (٣) إلى أنَّها واجبةٌ ووافقَهم منَ الشافعيةِ أبو عَوَانَةَ فترجم في صحيحه: بابُ وجوبِ الخِطْبةِ عندَ الْعَقْدِ، ويأتي في شرح الحديثِ التاسعِ (٤) ما يدلُّ على عَدَمِ الوجوبِ. جواز النظر إلى المخطوبة ٧/ ٩١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكمُ الْمَرْأَةَ، فَإنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وَأَبُو دَاوُدَ (٦)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٧) [حسن] - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (٨) وَالنَّسَائيِّ (٩) عَنِ الْمُغِيرَةِ. [صحيح]

стр. 1585

- وَعنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (١) وَابْنِ حِبَّانَ (٢) مِنْ حَدِيث مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. [صحيح] - وَلمُسْلِمٍ (٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً: "أَنظَرْتَ إِلَيهَا؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيهَا". [صحيح] (وعن جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : إذا خطبَ أحدكم المرأةَ فإنِ استطاعَ أنْ ينظرَ منْهَا إلى ما يدعوه إلى نِكَاحِها فليفعلْ)، وتمامُهُ قالَ جابرٌ: فخطبتُ جاريةً فكنتُ أتخبَّأ لها حتَّى رأيتُ منْها ما دعاني إلى نِكَاحِهَا فتزوَّجْتُها (رواهُ أحمد وأبو داودَ ورجاله ثِقَاتٌ، وصحَّحَه الحاكم. وله شاهدٌ عندَ الترمذي والنسائيِّ عن المغيرةِ) ولفظُه أنهُ قالَ لهُ وقدْ خطبَ امرأةً: "انظرْ إليها فإنهُ أحْرَى أنْ يُؤدَمَ بينَكما". (وعندَ ابن ماجهْ وابنِ حبَّانَ منْ حديثِ محمدِ بن مسلمةَ. ولمسلم عنْ أبي هريرةَ أن النبيَّ ﷺ قالَ لرجلٍ تَزَوَّجَ امرأةً:) أي أرادَ ذلكَ (أَنَظَرتَ إليها؟ قالَ: لا، قالَ: اذهبْ فانظر إليها). دلَّتِ الأحاديثُ على أنهُ يُنْدَبُ للرجلِ تقديمُ النظرِ إلى مَنْ يريدُ نكَاحَها وهوَ قولُ جماهيرِ (٤) العلماءِ. والتظرُ إلى الوَجهِ والكفَّينِ لأنهُ يُسْتَدَلُّ بالوجْهِ على الجمالِ أو ضدِّه، والكفينِ على خصوبةِ البدنِ أو عدمِها. وقالَ الأوزاعيُّ (٥): ينظرُ إلى مواضعِ اللحم، وقالَ داودُ (٦): ينظرُ إلى جميعِ بَدَنِها. والحديثُ مُطْلَقٌ، فينظرُ إلى ما يحصل لهُ المقصودُ بالنظرِ إليهِ. ويدلُّ على فَهْمِ

стр. 1586

الصحابةِ لذلكَ ما رواهُ عبدُ الرزاقِ (١) وسعيدُ (٢) بنُ منصورٍ أن عمرَ كشفَ عنْ ساقِ أمِّ كلثوم بنتِ عليٍّ لما بعثَ بها عليٌّ إليهِ ليَنْظُرَها ولا يشترطُ رِضَا المرأةِ بذلكَ النظرِ بلْ لهُ أنْ يفعلَ ذلكَ على غَفْلَتِهَا كما فعلَهُ جابرٌ. قالَ أصحابُ الشافعيِّ (٣): ينبغي أنْ يكونَ نظرهُ إليها قبلَ الخِطْبةِ حتَّى إنْ كَرِهَهَا تركَها منْ غيرِ إيذاءٍ بخلافهِ بعدَ الخِطْبةِ، وإذا لم يُمْكِنْهُ النظرَ إليها استُحِبَّ أنْ يبعثَ امرأةً يَثِقُ بها تنظرُ إليها وتخبرُهُ بصفاتها، فقدْ رُوِيَ عن أنسٍ أنهُ ﵁: "بعثَ أمَّ سليمٍ إلى امرأةٍ فقالَ: انظُري إلى عُرْقُوبها وشُمِّي معاطِفَها"، أخرجَهُ أحمدَ (٤) والطبراني (٥) والحاكمُ (٦) والبيهقيُّ (٧) وفيهِ كلامٌ. وفي روايةٍ: "شُمِّي عوارِضَها" وهيَ الأسنانُ التي في عرضِ الفمِ وهيَ ما بينَ الثنايا والأضراس واحدها عارض، والمراد اختبار رائحةِ النكهة، وأما المعاطف فهي ناحِيَتَا العُنُقِ. ويثبتُ مِثْلُ هذَا الحكمِ للمرأةِ فإنَّها تنظرُ إلى خاطبِها فإنهُ يعجبُها منهُ مثل ما يعجبُه منْها كذَا قيلَ، ولمْ يردْ بهِ حديثٌ، والأصلُ تحريمُ نظرِ الأجنبيِّ والأجنبيةِ إلَّا بدليلٍ كالدليلِ على جوازِ نظرِ الرجلِ لمنْ يريدُ خِطْبَتَهَا. النهي عن الخطبة على الخطبة ٨/ ٩١٩ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ : "لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، حَتى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]

стр. 1587

(وعنْ ابن عمر ﵄ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا يخطبُ أحدُكم على خطْبةِ أَخِيهِ) تقدَّم أنَّها بِكَسْرِ الخاءِ هنا (حتى يتركَ الخاطب قبلَه أوْ يأذنَ له. متفقٌ عليهِ، واللفظُ للبخاري). النَّهْيُ أَصْلُهُ التحريمُ إلَّا لدليلٍ يَصْرِفُهُ عنهُ. وادَّعَى النوويُّ (١) الإجماعَ على أنهُ لهُ. وقالَ الخطابي (٢): النَّهْيُ للتأديبِ وليسَ للتحريمِ، وظاهرُه أنهُ مَنْهِيٌّ عنهُ سواءٌ قد أجيبَ الخاطبُ أمْ لا، وقدَّمْنَا في البيعِ أنهُ لا يحرمُ إلا بعدَ الإجابةِ، والدليلُ حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ وتقدَّم (٣). والإجماعُ على تحريمِه بعدَ الإجابةِ، والإجابةُ منَ المرأةِ المكلَّفةِ في الكُفْءِ، ومِنْ وليِّ الصغيرةِ، وأما غيرُ الكُفْءِ فلا بدَّ منْ إِذْنِ الوليِّ علَى القولِ بأنَّ لهُ المنعَ، وهذَا في الإجابةِ الصريحةِ، وأمَّا إذا كانتْ غيرَ صريحةٍ فالأصحُّ عدمُ التحريمِ، وكذلكَ إذا لم يحصلْ ردٌّ ولا إجابة. ونصَّ الشافعيُّ (٤) أن سكوتَ البكْرِ رِضًا بالخاطبِ فهوَ إجابةٌ، وأما العقدُ معَ تحريمِ الخِطْبَةِ فقالَ الجمهورُ (٤): يصحُّ، وقالَ دَاودُ (٤): يفسخُ النكاحُ قبلَ الدخولِ وبعدَه. وقولُه: "أوْ يأذنَ لهُ"، دلَّ أنهُ يجوزُ لهُ الخِطْبَةُ بعدَ الإذْنِ وجوازُها للمأذونِ لهُ بالنصِّ ولغيرِه بالإلحاقِ، لأنَّ إذْنَهُ قدْ دلَّ على إضرابِه فتجوزُ خِطْبَتُها لكلّ مَنْ يريدُ نِكَاحِها، وتقدَّمَ (٥) الكلامُ على قولِه أخيهِ، وأنهُ أفادَ التحريمَ على خِطْبَةِ المسلمِ لا علَى خِطبَةِ الكافرِ، وتقدَّمَ الخلافُ فيهِ. وأما إذا كانَ الخاطبُ فاسقًا فهل يجوزُ للعفيفِ الخِطْبةُ على خِطْبَتِهِ؟ قالَ الأميرُ الحسينُ في "الشفاءِ" (٦): إنهُ يجوزُ الخطبةُ على خطبةِ الفاسقِ، ونُقِلَ عن ابن القاسمِ صاحبِ مالكٍ ورجَّحَهُ ابنُ العربيِّ (٧)، وهوَ قريبٌ فيما إذَا كانتِ المخطوبةُ عفيفةً فيكونُ الفاسقُ غيرَ كُفْءٍ لها، فتكونُ خِطْبَتُه كَلا خطبة، ولم يعتبرِ الجمهورُ (٧) بذلكَ إذا صدرتْ منها علامةُ القَبولِ.

стр. 1588

مشروعية المهر ولو خاتمًا من حديد ٩/ ٩٢٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصعَّدَ النظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمّ طَاطَأَ رسولُ اللَّهِ ﷺ رَأسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أنهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قَالَ: "فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيءٍ؟ "، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُر هَلْ تَجِدُ شَيئًا؟ " فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا واللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرْ وَلَوْ خَاتمًا مِنْ حَدِيدٍ" فَذَهَبَ، ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا واللَّهِ يا رسول الله، وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، ولَكِنْ هَذا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءُ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا تَصْنَعُ بِإزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنهُ شَيءٌ" فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتى إذا طَالَ مَجْلسُهُ قَامَ. فَرَآه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ بِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرآنِ؟ "، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَة كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: "تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ، فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ (٢): قَالَ لَهُ: "انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآَنِ". [صحيح] - وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِي (٣): "أمْكَنَّاكهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القْرْآنِ". [صحيح]

стр. 1589

- ولأبي دَاوُدَ (١) عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "مَا تَحْفَظُ؟ "، قَالَ: سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَ: "قُمْ فَعَلمْهَا عِشْرِينَ آيَةً". [ضعيف] (وعنْ سهلِ بن سعدٍ الساعديِّ ﵁ قَالَ: جاءتِ امرأةٌ) قالَ المصنفُ في "الفتح" (٢): لمْ أقفْ على اسمِها، (إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ جئت أهبُ لك نفسي) أي أمْرَ نفسي، لأنَّ الحرَّ لا تُملكُ رَقَبَتَهُ (فنظرَ إليها رسول اللَّهِ ﷺ فصعَّدَ النظرَ وصوَّبَهُ)، في "النهاية" (٣): ومنهُ الحديثُ فصعَّدَ فيَّ النظرِ وصوَّبه، أي نظرَ إلى أعلاي وأسفَلي وتأمَّلني، وهوَ منْ أدلةِ جوازِ النظرِ إلى منْ يريدُ زواجَها. وقالَ المصنفُ (٤): إنهُ تحرَّرَ عندَه أنهُ ﷺ كانَ لا يحرُمُ عليهِ النظرُ إلى المؤمناتِ الأجنبياتِ بخلافِ غيرِه، (ثم طأطأَ رسول اللَّهِ رأسَهُ، فلمَّا رأتِ المرأةُ أنهُ لم يقضِ فيها شيئًا جلستْ فقامَ رجلٌ منَ أصحابه) قالَ المصنفُ (٥): لم أقفْ على اسمِه، (فقال: يا رسولَ اللَّهِ إنْ لمْ يكنْ لكَ بِهَا حاجةٌ فزوِّجنِيها، فقالَ: فهلْ عندَكَ منْ شيءٍ؟ [فقال:] (٦) لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: اذهبْ إلى أهلِكَ فانظر هلْ تجدُ شيئًا؟ فذهبَ ثمَّ رجعَ فقال: لا واللَّهِ ما وجدت شيئًا، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ : انظرْ ولو خاتمًا) أي ولو نظرتَ خاتَمًا (منْ حديدٍ، فذهبَ ثمَّ رجعَ فقالَ: لا واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ولا خاتَمًا منْ حديدٍ) أي موجودٌ، فخاتمُ مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه (ولكنْ هذَا إزاري - قالَ:) سهلُ بنُ سعدٍ الراوي (ما له رداءُ (٢) فلها نِصْفُهُ، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ : ما تصنعُ بإزارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَه) أي كلَّهُ (لم يكنْ عليها منهُ شيءٌ، وإن لَبِسَتْهُ) أي كلُّه (لم يكنْ عليكَ منه شيءٌ)، ولعلَّه بهذَا الجوابِ بيَّنَ لهُ أن قِسْمَةَ الإزار لا تنفعُهُ ولا تنتفع به المرأةَ (فجلسَ الرجل حتَّى إذا طالَ مجلِسُه قامَ، فرآه رسول اللَّهِ ﷺ موَلِّيًا فَدَعَا بهِ، فلمَّا جاءَ قالَ: ما معكَ منَ القرآنِ؟ قَالَ: معي سورة كَذَا وسورة كَذَا، عَدَّدَها، فقالَ: تقرؤهنَّ عنْ ظهرِ قَلْبِكَ؟ قالَ: نعمْ، قال: اذهبْ فقدْ ملَّكْتكَهَا بما معكَ منَ القرآنِ. متفقٌ عليهِ. واللفظُ لمسلمٍ. وفي روايةٍ له قالَ: انطلقْ فقدْ زوَّجْتُكَها فعلِّمها منَ القرآنِ. وفي روايةٍ للبخاريِّ:

стр. 1590

أمكَنَّاكَها بما معكَ منَ القرآنِ. ولأبي داودَ عنْ أبي هُريرةَ قَالَ) أي رسولُ اللَّهِ ﷺ : (ما تحفظُ؟، قالَ: سورةَ البقرةِ والتي تَليها، قالَ: قمْ فعلِّمْها عشرينَ آيةً). دلَّ الحديثُ على مسائلَ عديدةِ وقدْ تَتَبَّعَها ابنُ التِّينِ (١) وقالَ: هذهِ إحدى وعشرونَ فائدةَ بوَّبَ (٢) البخاريُّ على أكثرِها. قلت: ولنأتِ بأنْفَسِها وأوضَحِها. الأولى: جوازُ عرضِ المرأةِ نفسَها على رجلٍ منْ أهلِ الصَّلاحِ وجوازُ النظرِ منَ الرجلِ وإنْ لم يكنْ خاطِبًا لإرادةِ التزوُّج، يريدُ أنهُ ليسَ جوازُ النظرِ خاصًّا للخاطبِ بلْ يجوزُ لمنْ تخطبُهُ المرأةُ، فإنَّ نظرَهُ ﷺ إِلَيْهَا دليلُ أنهُ أرادَ زواجَها بعدَ عَرْضِها عليهِ نفسَها، وكأنَّها لم تعْجبْه فأعرض عنْها. والثانيةُ: ولايةُ الإمامِ على المرأةِ التي لا قريبَ لها إذا أذنتْ، إلَّا أن في بعضِ ألفاظِ الحديثِ (٣) أنَّها فوَّضَتْ أمرَها إليهِ، وذلكَ توكيلٌ، وأنهُ يعقدُ للمرأةِ منْ غيرِ سؤالِ عنْ وَلِيِّها هلْ هوَ موجود أوْ لا، حاضرٌ أوْ لا، ولا سؤَالُها هلْ هيَ في عِصْمَةِ رجلٍ أو عَدَمه. قالَ الخطابيُّ (٤): وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ حَمْلًا على ظاهرِ الحالِ، وعندَ الهادويةِ أنَّها تحلفُ الغريبةُ احتياطًا.

стр. 1591

الثالثةُ: أنَّ الهِبَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا بالقَبولِ. الرابعةُ: أنهُ لا بدَّ منَ الصَّدَاقِ في النِّكَاحِ وَيصِحُّ أنْ يكونَ شيئًا يَسِيرًا، فإنَّ قَوْلَهُ ولوْ خَاتَمًا منْ حديدٍ مبالغةٌ في تقليلِه، فيصحُّ بكل ما تراضَى عليهِ الزوجانِ أوْ مَنْ إليهِ ولايةُ العقدِ مما فيهِ منفعةٌ، وضابطُه أن كلَّ ما يصلحُ أنْ يكونَ قيمة وثمنًا لشيءٍ يصحُّ أنْ يكونَ مَهْرًا. ونقلَ القاضي عياضُ (١) الإجماعَ على أنهُ لا يصحُّ أنْ يكونَ مما لا قيمةَ لهُ ولا يحلُّ بهِ النكاحُ. وقالَ ابنُ حزمِ (٢) ررحمه الله: يصح بكل ما يُسَمَّى شيئًا ولو حبةً منْ شعيرٍ لقولِهِ ﷺ : "هلْ تجدُ شيئًا"؟ وأجيبَ بأنَّ قولَهُ ﷺ ولوْ خَاتَمًا منْ حديدٍ مبالغةٌ في التقليلِ ولهُ قيمةٌ، وبأنَّ قولَه في الحديثِ: منِ استطاعَ منكمُ الباءةَ ومنْ لم يستطعْ دلَّ على أنهُ شيءٌ لا يستطيعُه كل أحدٍ، وحبةُ الشعيرِ مستطاعةٌ لكلِّ أحدٍ، وكذلكَ قولُهُ تعالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٣) وقولُه [تعالى]: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٤) دالٌّ على اعتبارِ الماليةِ في الصَّدَاقِ حتَّى قالَ بعضُهم: أقلُّهُ خمسونَ، وقيلَ أربعونَ، وقيلَ خمسةُ دراهم وإنْ كانتْ هذهِ التقاديرُ لا دليلَ على اعتبارِها بخصوصِهَا، والحقُّ أنهُ يَصِح بما يكونُ لهُ قيمةٌ وإنْ تحقَّرَتْ. والأحاديثُ والآياتُ يُحْتَمَلُ أنَّها خرجتْ مخرجَ الغالب، وأنهُ لا يقعُ الرِّضَا منَ الزوجةِ إلَّا بكونِهِ مالًا لهُ صورةٌ، ولا يطيقُ كلُّ أحدٍ تحصَيلَهُ. الخامسةُ: أنه ينبغي ذِكْرُ الصَّدَاقِ في العقدِ لأنهُ أقطعُ للنزاعِ وأنفعُ للمرأةِ، فلوْ عقدَ بغيرِ ذكرِ صداقٍ صحَّ العقدُ ووجبَ لها مهرُ المِثْلِ بالدخولِ، وأنهُ يُسْتَحَبُّ تعجيلُ المهرِ. والسادسةُ: أنهُ يجوزُ الْحَلِفُ وإنْ لم تكنْ عليهِ اليمينُ، وأنهُ يجوزُ الحلفُ على ما يظنُّه الحالف لأنهُ ﷺ قالَ لهُ بعدَ يمِينه: "اذهبْ إلى أهْلِكَ فانظرْ هلْ تجدُ شيئًا"؟ فدلَّ أن يمينَهُ كانتْ على ظَنِّهِ، ولوْ كانتْ لا تكونُ إلَّا عَلَى علم لم يكنْ للأمرِ بذَهَابِه إلى أَهْلِهِ فائدةٌ. السابعةُ: أنهُ لا يجوزُ للرَّجُلِ أنْ يُخْرِجَ منْ ملكِهِ ما لا بدَّ لهُ منهُ كالذي يسترُ عورتَه أو يسدَّ خلَّتَهُ منَ الطعامِ والشرابِ، لأنهُ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَهُ عنْ قِسْمَةِ ثوبِه بقولِه: "إنْ لَبِسَتْه لم يكنْ عليكَ منهُ شيءٌ".

стр. 1592

الثامنةُ: اختبارُ مدَّعي الإعسارِ، فإنهُ ﷺ لم يصدِّقْهُ في أوَّلِ دَعْوَاهُ الإعسارَ حتَّى ظَهرَ لهُ قرائنَ صِدْقِهِ، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا تسمعُ اليمينُ منْ مدَّعِي الإعسارِ حتَّى تظهرَ قرائنُ إعسارِهِ. التاسعة: أنَّها لا تجبُ الخطبةُ للعقدِ لأنَّها لم تذكرْ في شيءٍ منْ طرقِ الحديثِ. وتقدَّمَ (١) أنَّ الظاهريةَ تقولُ بِوُجُوبِها، وهذَا يردُّ قولَهم، وأنهُ يصحُّ أنْ يكونَ الصَّدَاقُ منفعةً كالتعليمِ فإنهُ منفعةٌ. ويُقَاسُ عليهِ غيرُه، ويدل عليهِ قصةُ موسى (٢) معَ شعيبٍ. وقدْ ذهبَ إلى جوازِ كونِه منفعةً الهادويةُ (٣)، وخالفتِ الحنفيةُ (٤)، وتكلَّفُوا لتأويلِ الحديثِ وادعاء أن التزوبج بغيرِ مهرٍ منْ خواصِّه ﷺ وهوَ خلافُ الأصلِ. العاشرةُ: قولُه: بما معكَ منَ القرآنِ، يحتملُ كما قالهُ القاضي (٥) عياضُ وجهينِ أظهرُهما أن يعلِّمها ما معهُ منَ القرآنِ أوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا منهُ ويكونُ ذلكَ صَدَاقًا، وبؤيدُه قولُه في بعضِ طُرُقِهِ الصحيحةِ (٦): فَعَلِّمْهَا منَ القرآنِ، وفي بعضِها تعيينُ عشرين آية، ويُحْتَمَلُ أن الباءَ للتعليلِ وأنهُ زَوَّجَهُ بها بغيرِ صَدَاقٍ إكرامًا لهُ لكونِه حافظًا لبعضٍ منَ القرآنِ، ويؤيِّدُ هذا الاحتمالَ قصةُ أمِّ سُلَيْم معَ أبي سُلَيْم وذلكَ "أنهُ خَطَبَها فقالتْ: واللهِ ما مِثْلُكَ يُرَدُّ وَلَكِنَكَ كافرٌ وأنا مسلمة ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجَكَ، فإنْ تُسْلِمْ فذلكَ مهرُكَ لا أسألَك غيرَهُ، فأسْلَمَ فكانَ ذلكَ مهرَها"، أخرجَهُ النسائي (٧) وصحَّحَهُ عن ابن عباسٍ (٨) وتَرْجَمَ لَهُ النسائي بابُ التَّزْوِيجِ على الإسلامِ.

стр. 1593

وترجمَ عَلَى حديثِ سهلٍ هذَا بقولِه بابُ التزويجِ عَلَى سورةِ البقرةِ (١)، وهذا ترجيحٌ منهُ للاحتمالِ الثاني. والاحتمالُ الأولُ أظْهَرُ كما قالَهُ القاضي لثبوتِ روايةِ: فعلِّمْهَا منَ القرآنِ. الحادية عشْرة: أن النكاحَ ينعقدُ بلفظِ التمليكِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ (٢) والحنفيةِ (٣) ولا يخْفَى أنه قد اختلفتِ (٤) الألفاظُ في الحديثِ فرُوِيَ بالتمليكِ وبالتزويجِ وبالإمكانِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٥): هذهِ لَفْظَةٌ واحدة في قصةٍ واحدةٍ اختلفتْ معَ اتحادِ مَخْرَجِ الحديثِ، والظاهرُ أن الواقعَ منَ النبيّ ﷺ لفظٌ واحدٌ فالمرجعُ في هذَا إلى الترجيحِ، وقدْ نُقِلَ عن الدَّارَقُطْنيّ (٦) أن الصَّوابَ روايةُ مَن رَوَى قدْ زوَّجْتُكَها وأنَّهم أكثرُ وأحفظُ. وأطالَ المصنفُ ﵀ في "الفتح" (٦) الكلامَ على هذهِ الثلاثةِ الألفاظِ ثمَّ قالَ: فروايةُ التزويج والإنكاحِ أرجحُ، وأما قولُ ابن التينِ (٦) إنهُ اجتمعَ أهلُ الحديثِ على أن الصحيح روايةُ زوَّجْتُكَها وأنَّ روايةَ مَلَّكْتُكَهَا وهمٌ فيهِ، [فقالَ] (٧) المصنفُ: إنَّ ذلكَ مبالغةٌ منهُ. وقالَ البغويُّ (٨): الذي يظهرُ أنهُ كانَ بلفظِ التزويجِ على وِفْقِ قَوْلِ الخاطبِ زوِّجْنِيهَا إذْ هوَ الغالبُ في لفظِ العقودِ، إذْ قلَّمَا يختلفُ فيهِ لفظُ المتعاقدينِ، وقدْ ذهبتِ الهادويةُ (٩) والحنفيةُ (١٠) وهو المشهورُ عن المالكيةِ (١١) إلى جوازِ العقدِ بكلِّ لفظ يفيدُ معناهُ إذا قُرِنَ بهِ الصداقُ أو قُصِدَ بهِ النكاحُ كالتمليكِ ونحوِه، ولا يصحُّ بلفظِ العاريةِ والإجارةِ والوصيةِ.

стр. 1594

إعلان النكاح وضرب الدف فيه ١٠/ ٩٢١ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ ﵃ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أعْلِنُوا النِّكَاحَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [حسن] ترجمة عامر بن الزبير (وعنْ عامِرِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ) عامرٌ تابعي سمعَ أباهُ وغيرَه، ماتَ سنةَ (٣) أربع وعشرينَ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أعْلِنُوا النكاحَ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَه الحاكمُ). وفي البابِ عنْ عائشةَ: "أعْلِنُوا النكاحَ واضْرِبُوا عليهِ بالغِرْبَالِ" أي الدفِّ، أخرجَهُ الترمذيُّ (٤) وفي رُوَاتِهِ عِيْسَى بنُ ميمونٍ ضعيفٌ (٥) كما قَالَهُ الترمذيُّ، وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (٦)، والبيهقي (٧) وفي إسناد خالدُ بنُ إلياس

стр. 1595

مُنْكَرُ الحديثِ قالَه أحمدُ. وأخرجَ الترمذيُّ (١) أيضًا منْ حديثِ عائشةَ وقالَ حَسَنٌ غريبٌ: "أعْلِنُوا هذا النكاحَ واجعلُوه في المساجدِ واضْرِبُوا عليهِ بالدفوفِ، ولْيُولِمْ أحدُكم ولو بشاةٍ، فإذا خطبَ أحدُكمْ امرأةً وقدْ خضَّبَ بالسوادِ فَلْيُعْلِمْها لا يغرُّها". دلَّتِ الأحاديثُ على الأمرِ بإعلانِ النكاح والإعلانُ خِلافُ الإسْرارِ، وعلَى الأمرِ بضَرْبِ الغِرْبَال وفسَّرهُ بالدفِّ. والأحاديث فيهِ واسعةٌ وإنْ كانَ في كلٍّ منْها مقالٌ إِلَّا أنَّها يعضدُ (٢) بعضُها بعضًا، ويدلُّ على شرعيةِ ضَرْبِ الدُّفِّ لأنهُ أبلغُ في الإعلانِ منْ عَدَمِهِ، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ ولعلَّه لا قائلَ بهِ فيكونُ مسنُونًا ولكنْ بشرطِ أنْ لا يصْحَبَهُ محرَّمٌ منَ التغني بصوتٍ رخيمٍ منِ امرأةٍ أجنبيةٍ بشعرٍ فيهِ مدحُ القدودِ والخدودِ، بلْ ينظرُ الأسلوبُ العربيُّ الذي كانَ في عصرِه ﷺ فهوَ المأمورُ بهِ، وأما ما أحْدَثَهُ الناسُ بعدَ ذلكَ فهوَ غيرُ المأمورِ بهِ، ولا كلامَ أنهُ في هذهِ الأعْصَارِ يَقْتِرنُ بمُحَرَّمَاتٍ كثيرةٍ فيحْرُمُ لذلكَ لا لِنَفْسِهِ. اشتراط الولي في النكاح ١١/ ٩٢٢ - وَعَنْ أبي بُرْدَةَ بن أَبي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَالأرْبَعَةُ (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي وَالتِّرْمِذِيُّ (٥)، وابْن حِبَّانَ (٦). وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ. [صحيح بشواهده]

стр. 1596

-[وَرَوى الإمَامُ أَحْمَدُ (١) عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ مَرْفُوعًا: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْنِ] (٢). [صحيح بشواهده] (وعنْ أبي بُردةَ بن أبي موسَى عنْ أَبيهِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ. رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحَّحَه ابن المديني والترمذيُّ وابنِ حِبَّانَ وأَعلَّهُ بالإرسال). قالَ ابنُ كثيرٍ: قدْ أخرجَه أبو داودَ والترمذيُّ وابنُ ماجهْ وغيرُهم منْ حديثِ إسرائيلَ وأبي عُوَانَة وشريكٍ القاضي وقيسِ بن الربيعِ ويونسَ بن أبي إسحاقَ وزهيرِ بن معاويةَ كلُّهم عنْ أبي إسحاقَ، كذلكَ قالَ الترمذيُّ (٣). ورواهُ شُعْبةُ والثَّوْرِيُّ عنْ أبي إسحاقَ مرسلًا قالَ: والأولُ عندي أصحُّ، هكَذَا صحَّحَهُ عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي فيما حكاهُ ابنُ خزيمةَ عنْ أبي المثنَّى عنهُ. وقالَ عليُّ بنُ المديني (٤): حديثُ إسرائيلَ في النكاح صحيحٌ، وكَذَا صحَّحَهُ البيهقيُّ وغيرُ واحدٍ منَ الحفاظِ، قالَ: ورواهُ أبو يعلى الموصليِّ في مسندِه (٥) عنْ جابرٍ مَرْفُوعًا، قالَ الحافظُ الضِّياءُ: بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثِقَاتٌ. قلتُ: ويأتي (٦) حديثُ أبي هريرةَ: "لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها"، وحديثُ (٧) عائشةَ: "إن النكاحَ [بغير] (٨) وليٍّ باطلٌ". قالَ الحاكمُ (٩): وقدْ
следующие страницы →