← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1592–1631 · переход к 1597.

стр. 1592

الثامنةُ: اختبارُ مدَّعي الإعسارِ، فإنهُ ﷺ لم يصدِّقْهُ في أوَّلِ دَعْوَاهُ الإعسارَ حتَّى ظَهرَ لهُ قرائنَ صِدْقِهِ، وهوَ دليلٌ على أنهُ لا تسمعُ اليمينُ منْ مدَّعِي الإعسارِ حتَّى تظهرَ قرائنُ إعسارِهِ. التاسعة: أنَّها لا تجبُ الخطبةُ للعقدِ لأنَّها لم تذكرْ في شيءٍ منْ طرقِ الحديثِ. وتقدَّمَ (١) أنَّ الظاهريةَ تقولُ بِوُجُوبِها، وهذَا يردُّ قولَهم، وأنهُ يصحُّ أنْ يكونَ الصَّدَاقُ منفعةً كالتعليمِ فإنهُ منفعةٌ. ويُقَاسُ عليهِ غيرُه، ويدل عليهِ قصةُ موسى (٢) معَ شعيبٍ. وقدْ ذهبَ إلى جوازِ كونِه منفعةً الهادويةُ (٣)، وخالفتِ الحنفيةُ (٤)، وتكلَّفُوا لتأويلِ الحديثِ وادعاء أن التزوبج بغيرِ مهرٍ منْ خواصِّه ﷺ وهوَ خلافُ الأصلِ. العاشرةُ: قولُه: بما معكَ منَ القرآنِ، يحتملُ كما قالهُ القاضي (٥) عياضُ وجهينِ أظهرُهما أن يعلِّمها ما معهُ منَ القرآنِ أوْ قَدْرًا مُعَيَّنًا منهُ ويكونُ ذلكَ صَدَاقًا، وبؤيدُه قولُه في بعضِ طُرُقِهِ الصحيحةِ (٦): فَعَلِّمْهَا منَ القرآنِ، وفي بعضِها تعيينُ عشرين آية، ويُحْتَمَلُ أن الباءَ للتعليلِ وأنهُ زَوَّجَهُ بها بغيرِ صَدَاقٍ إكرامًا لهُ لكونِه حافظًا لبعضٍ منَ القرآنِ، ويؤيِّدُ هذا الاحتمالَ قصةُ أمِّ سُلَيْم معَ أبي سُلَيْم وذلكَ "أنهُ خَطَبَها فقالتْ: واللهِ ما مِثْلُكَ يُرَدُّ وَلَكِنَكَ كافرٌ وأنا مسلمة ولا يحلُّ لي أن أتزوَّجَكَ، فإنْ تُسْلِمْ فذلكَ مهرُكَ لا أسألَك غيرَهُ، فأسْلَمَ فكانَ ذلكَ مهرَها"، أخرجَهُ النسائي (٧) وصحَّحَهُ عن ابن عباسٍ (٨) وتَرْجَمَ لَهُ النسائي بابُ التَّزْوِيجِ على الإسلامِ.

стр. 1593

وترجمَ عَلَى حديثِ سهلٍ هذَا بقولِه بابُ التزويجِ عَلَى سورةِ البقرةِ (١)، وهذا ترجيحٌ منهُ للاحتمالِ الثاني. والاحتمالُ الأولُ أظْهَرُ كما قالَهُ القاضي لثبوتِ روايةِ: فعلِّمْهَا منَ القرآنِ. الحادية عشْرة: أن النكاحَ ينعقدُ بلفظِ التمليكِ وهوَ مذهبُ الهادويةِ (٢) والحنفيةِ (٣) ولا يخْفَى أنه قد اختلفتِ (٤) الألفاظُ في الحديثِ فرُوِيَ بالتمليكِ وبالتزويجِ وبالإمكانِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٥): هذهِ لَفْظَةٌ واحدة في قصةٍ واحدةٍ اختلفتْ معَ اتحادِ مَخْرَجِ الحديثِ، والظاهرُ أن الواقعَ منَ النبيّ ﷺ لفظٌ واحدٌ فالمرجعُ في هذَا إلى الترجيحِ، وقدْ نُقِلَ عن الدَّارَقُطْنيّ (٦) أن الصَّوابَ روايةُ مَن رَوَى قدْ زوَّجْتُكَها وأنَّهم أكثرُ وأحفظُ. وأطالَ المصنفُ ﵀ في "الفتح" (٦) الكلامَ على هذهِ الثلاثةِ الألفاظِ ثمَّ قالَ: فروايةُ التزويج والإنكاحِ أرجحُ، وأما قولُ ابن التينِ (٦) إنهُ اجتمعَ أهلُ الحديثِ على أن الصحيح روايةُ زوَّجْتُكَها وأنَّ روايةَ مَلَّكْتُكَهَا وهمٌ فيهِ، [فقالَ] (٧) المصنفُ: إنَّ ذلكَ مبالغةٌ منهُ. وقالَ البغويُّ (٨): الذي يظهرُ أنهُ كانَ بلفظِ التزويجِ على وِفْقِ قَوْلِ الخاطبِ زوِّجْنِيهَا إذْ هوَ الغالبُ في لفظِ العقودِ، إذْ قلَّمَا يختلفُ فيهِ لفظُ المتعاقدينِ، وقدْ ذهبتِ الهادويةُ (٩) والحنفيةُ (١٠) وهو المشهورُ عن المالكيةِ (١١) إلى جوازِ العقدِ بكلِّ لفظ يفيدُ معناهُ إذا قُرِنَ بهِ الصداقُ أو قُصِدَ بهِ النكاحُ كالتمليكِ ونحوِه، ولا يصحُّ بلفظِ العاريةِ والإجارةِ والوصيةِ.

стр. 1594

إعلان النكاح وضرب الدف فيه ١٠/ ٩٢١ - وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ ﵃ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أعْلِنُوا النِّكَاحَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). [حسن] ترجمة عامر بن الزبير (وعنْ عامِرِ بن عبدِ اللَّهِ بن الزبيرِ) عامرٌ تابعي سمعَ أباهُ وغيرَه، ماتَ سنةَ (٣) أربع وعشرينَ ومائةٍ، (عنْ أبيهِ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أعْلِنُوا النكاحَ. رواهُ أحمدُ وصحَّحَه الحاكمُ). وفي البابِ عنْ عائشةَ: "أعْلِنُوا النكاحَ واضْرِبُوا عليهِ بالغِرْبَالِ" أي الدفِّ، أخرجَهُ الترمذيُّ (٤) وفي رُوَاتِهِ عِيْسَى بنُ ميمونٍ ضعيفٌ (٥) كما قَالَهُ الترمذيُّ، وأخرجَهُ ابنُ ماجهْ (٦)، والبيهقي (٧) وفي إسناد خالدُ بنُ إلياس

стр. 1595

مُنْكَرُ الحديثِ قالَه أحمدُ. وأخرجَ الترمذيُّ (١) أيضًا منْ حديثِ عائشةَ وقالَ حَسَنٌ غريبٌ: "أعْلِنُوا هذا النكاحَ واجعلُوه في المساجدِ واضْرِبُوا عليهِ بالدفوفِ، ولْيُولِمْ أحدُكم ولو بشاةٍ، فإذا خطبَ أحدُكمْ امرأةً وقدْ خضَّبَ بالسوادِ فَلْيُعْلِمْها لا يغرُّها". دلَّتِ الأحاديثُ على الأمرِ بإعلانِ النكاح والإعلانُ خِلافُ الإسْرارِ، وعلَى الأمرِ بضَرْبِ الغِرْبَال وفسَّرهُ بالدفِّ. والأحاديث فيهِ واسعةٌ وإنْ كانَ في كلٍّ منْها مقالٌ إِلَّا أنَّها يعضدُ (٢) بعضُها بعضًا، ويدلُّ على شرعيةِ ضَرْبِ الدُّفِّ لأنهُ أبلغُ في الإعلانِ منْ عَدَمِهِ، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ ولعلَّه لا قائلَ بهِ فيكونُ مسنُونًا ولكنْ بشرطِ أنْ لا يصْحَبَهُ محرَّمٌ منَ التغني بصوتٍ رخيمٍ منِ امرأةٍ أجنبيةٍ بشعرٍ فيهِ مدحُ القدودِ والخدودِ، بلْ ينظرُ الأسلوبُ العربيُّ الذي كانَ في عصرِه ﷺ فهوَ المأمورُ بهِ، وأما ما أحْدَثَهُ الناسُ بعدَ ذلكَ فهوَ غيرُ المأمورِ بهِ، ولا كلامَ أنهُ في هذهِ الأعْصَارِ يَقْتِرنُ بمُحَرَّمَاتٍ كثيرةٍ فيحْرُمُ لذلكَ لا لِنَفْسِهِ. اشتراط الولي في النكاح ١١/ ٩٢٢ - وَعَنْ أبي بُرْدَةَ بن أَبي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَالأرْبَعَةُ (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِي وَالتِّرْمِذِيُّ (٥)، وابْن حِبَّانَ (٦). وَأُعِلَّ بِالإرْسَالِ. [صحيح بشواهده]

стр. 1596

-[وَرَوى الإمَامُ أَحْمَدُ (١) عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ مَرْفُوعًا: "لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْنِ] (٢). [صحيح بشواهده] (وعنْ أبي بُردةَ بن أبي موسَى عنْ أَبيهِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ. رواهُ أحمدُ والأربعة، وصحَّحَه ابن المديني والترمذيُّ وابنِ حِبَّانَ وأَعلَّهُ بالإرسال). قالَ ابنُ كثيرٍ: قدْ أخرجَه أبو داودَ والترمذيُّ وابنُ ماجهْ وغيرُهم منْ حديثِ إسرائيلَ وأبي عُوَانَة وشريكٍ القاضي وقيسِ بن الربيعِ ويونسَ بن أبي إسحاقَ وزهيرِ بن معاويةَ كلُّهم عنْ أبي إسحاقَ، كذلكَ قالَ الترمذيُّ (٣). ورواهُ شُعْبةُ والثَّوْرِيُّ عنْ أبي إسحاقَ مرسلًا قالَ: والأولُ عندي أصحُّ، هكَذَا صحَّحَهُ عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي فيما حكاهُ ابنُ خزيمةَ عنْ أبي المثنَّى عنهُ. وقالَ عليُّ بنُ المديني (٤): حديثُ إسرائيلَ في النكاح صحيحٌ، وكَذَا صحَّحَهُ البيهقيُّ وغيرُ واحدٍ منَ الحفاظِ، قالَ: ورواهُ أبو يعلى الموصليِّ في مسندِه (٥) عنْ جابرٍ مَرْفُوعًا، قالَ الحافظُ الضِّياءُ: بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثِقَاتٌ. قلتُ: ويأتي (٦) حديثُ أبي هريرةَ: "لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها"، وحديثُ (٧) عائشةَ: "إن النكاحَ [بغير] (٨) وليٍّ باطلٌ". قالَ الحاكمُ (٩): وقدْ

стр. 1597

صحَّتِ الروايةُ فيهِ عنْ أزواجِ النبيِّ ﷺ عائشةَ وأمِّ سلمةَ وزينبَ بنتِ جحشٍ، [قال] (١): وفي البابِ عنْ عليٍّ وابنِ عباسٍ، ثمَّ سردَ ثلاثينَ صحابيًا (٢). والحديثُ دلَّ على أنهُ لا يصحُّ النكاحُ إلا بوليٍّ لأنَّ الأصْلَ في النفي (٣) نفيُ الصِّحَّةِ لا [نفي] (٤) الكمالِ، والوليُّ هوَ الأقربُ إلى المرأةِ منْ عُصْبَتِهَا دونَ ذوي أرحامِها. [واختلفَ] (٥) العلماءُ في اشتراطِ الوليِّ في النكاحِ، فالجمهورُ (٦) على اشتراطِهِ، وأنَّها لا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها. وحُكِيَ عن ابن المنذرِ (٦) أنهُ لا يُعْرَفُ عنْ أحدٍ منَ الصحابةِ خلافُ ذلكَ وعليهِ دلَّتِ الأحاديثُ. وقالَ مالكٌ (٧): يُشْتَرَطُ في حقِّ الشريفةِ لا الوضيعةِ، فَلَهَا أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها. وذهبتِ الحنفيةُ (٨) إلى أنهُ لا يُشْتَرَطُ مُطْلَقًا مُحْتَجِّينَ بالقياسِ على البيعِ فإنَّها تستقل ببيع لسِلْعَتهَا؛ وهوَ قياس فاسدُ (٩)

стр. 1598

الاعتبارِ إذْ هوَ قياسٌ معَ نصٍّ. ويأتي الكلامُ في ذلكَ مُسْتَوْفَى في شرحِ (١) حديثِ أبي هريرةَ: "لا تزوِّجُ المرأةُ المرأة - الحديثَ". وقالتِ الظاهريةُ (٢): يعتبرُ الوليُّ في حقِّ البكرِ لحديثِ: "الثِّيبُ أَوْلَى بِنَفْسِها" وسيأتي (٣). ويأتي أن المرادَ منهُ اعتبارُ رِضَاها جمعًا بينَه وبينَ أحاديثِ اعتبارِ الوليِّ. وقالَ أبو ثورٍ (٤): للمرأةِ أنْ تُنْكِحَ نفسَها بِإِذْنِ وليِّها لمفهومِ الحديثِ الآتي: ١٢/ ٩٢٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطلٌ، فَإنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَليُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ"، أخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٥) إلَّا النَّسَائِيَّ، وصَحّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ حِبّانَ (٦) وَالْحَاكِمُ (٧). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أيُّمَا امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إِذْنِ وليِّها

стр. 1599

فنكاحُها باطلٌ، فإنْ دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ منْ فَرْجِها، فإنْ اشْتَجَرُوا فالسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها. أخرجَهُ الأربعةُ إلَّا النسائيَّ وصحَّحَهُ أبو عُوَانَةَ وابنُ حِبَّانَ والحاكمُ)، قالَ ابنُ كثيرٍ: وصحَّحَهُ يحيَى بنُ معينٍ وغيرُه منَ الحفَّاظِ. قالَ أبو ثورٍ [قولُه] (١): "بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها" يُفْهَمُ منهُ أنهُ إذا أَذِنَ لها جازَ أنْ تعقدَ لِنَفْسِها، وأجيبَ (٢) بأنهُ مفهومٌ لا يقْوى على معارضةِ المنطوقِ باشتراطِه. واعلمْ أنها طعنت الحنفيةُ (٣) في هذا الحديثِ بأنهُ رواهُ سليمانُ بنُ موسى عن الزُّهْرِيِّ، وسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عنْهُ فلمْ يَعْرِفْهُ، والذي رَوَى هذا القَدْحَ هو إسماعيلُ بنُ عليةَ القاضي عن ابن جريج الراوي عنْ سليمانَ أنهُ سألَ الزُّهْرِيَّ عنهُ أي عن هذا الحديثِ فلم يعرفْه، وأُجِيْبَ (٤) عنهُ بأنهُ لا يلزمُ منْ نسيانِ الزُّهْرِي لهُ أنْ يكونَ سليمانُ بنُ موسى وَهِمَ عليهِ لا سيَّما وقدْ أثْنَى الزُّهْرِيُّ على سليمانَ بن موسى. وقدْ طالَ كلامُ العلماءِ على هذا الحديثِ واستوفَاهُ البيهقيُّ في "السُّننِ الكبرى" (٥)، وقدْ عاضَدَتْهُ أحاديثُ اعتبارِ الوليِّ وغيرُها مما يأتي (٦) في شرحِ حديثِ أبي هريرةَ. وفي الحديثِ دليلٌ على اعتبارِ إذْنِ الوليّ في النكاحِ وهو بعقدِه لها أوْ عقدِ وكيلِهِ، وظاهرُه أن المرأةَ تستحقُّ المهْرَ بالدخولِ وإنْ كانَ النكاحُ باطلًا لقولِه ﷺ : "فإنْ دخلَ بها فَلَهَا المهرُ بما اسْتَحَلَّ منْ فَرْجِهَا"، وفيهِ دليل على أنهُ إذا اختلَّ ركنٌ منْ أركانِ النكاحِ فهوَ باطلٌ معَ العلمِ والجهلِ، وأنَّ النكاحَ يُسَمَّى باطلًا وصحيحًا ولا واسطةَ. وقد أثبتَ الواسطةَ الهادويةُ (٧) وجعلُوها العقدَ الفاسدَ قالُوا: وهوَ ما خالفَ مذهبَ الزوجينِ أو أحدَهما جاهِلينَ ولم تكنِ المخالفةُ في أمرٍ مُجْمَع عليهِ وتُرَتَّبُ عليهِ أحكامٌ مبينةٌ في الفروعِ. والضمير في قولِه: "فإنِ اشْتَجَرُوا" عائدٌ إلى الأولياءِ الدالِّ عليهمْ ذِكْرُ الوليِّ والسياقُ، والمرادُ بالاشتجارِ مَنْعُ الأولياءِ منَ العقدِ عليها، وهذَا هوَ العضْلُ وبهِ تنتقلُ الولايةُ إلى السلطانِ إنْ عضلَ الأقربُ، وقيلَ بلْ تنتقلُ إلى الأبعدِ وانتقالُها إلى السلطانِ مبنيٌّ على مَنْعِ الأقربِ والأبعدِ وهوَ

стр. 1600

مُحْتَمَلٌ، ودلَّ على أن السلطانَ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها لِعَدَمِهِ أو لِمَنْعِهِ، ومثْلُهُما غيبةُ الوليِّ. ويؤيدُ حديثَ البابِ ما أخرجَهُ الطبرانيُّ (١) منْ حديثِ ابن عباسٍ مرفوعًا: "لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ، والسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لهُ"، وإنْ كانَ فيهِ الحجاجُ بنُ أرطأةَ فقدْ أخرجَهُ سفيانُ في جامِعِهِ (٢) ومنْ طريقِه الطبراني في "الأوسط" بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عباسٍ بلفظِ: "لا نِكَاحَ إلَّا بوليٍّ مرسل أو سلطانٍ". ثمَّ المرادُ بالسلطانِ مَنْ إليهِ الأمرُ جائرًا كانَ أوْ عادلًا لعمومِ الأحاديثِ (٣) القاضيةِ بالأمرِ لطاعةِ السلطانِ جائرًا أو عادلًا، وقيلَ: بلِ المرادُ بهِ العادلُ المتولِّي لمصالحِ العبادِ لا سلاطينُ الجَورِ فإنَّهم ليسُوا بأهل لذلكَ. إذن البكر واستئمار الثيِّب ١٣/ ٩٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تُسْتَأمَرَ، ولا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتى تُسْتَأْذَنَ"، قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: "أنْ تَسْكُتَ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ أَبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا تُنْكَحُ) مغيَّرُ الصيغةِ مجزومًا ومرفُوعًا ومثلُه الذي بعدَه (الأيِّمُ) التي فارقتْ زوجَها بطلاقٍ أو موتٍ (٥) (حتى

стр. 1601

تُسْتَأْمَرَ) منَ الاسْتِئْمَارِ طلبُ الأمرِ (ولا تنكحُ البكرُ حتَّى تُسْتَأدنَ، قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ وكيفَ إِذْنُها؟ قالَ: أنْ تسكتَ. متفقٌ عليهِ)، فيهِ أنهُ لا بدَّ منْ طلبِ الأمرِ منَ الثيبِ (وأمرُها) (١)، فلا يعقدُ عليها حتَّى يَطْلُبَ الوليُّ الأمرَ منْها بالإذْنِ بالعقدْ. والمرادُ منْ ذلكَ اعتبارُ رِضَاها وهوَ معنَى أحقِّيّتِها بِنَفْسِها منْ وليِّها في الأحادِيثِ. وقولُه: "والبكرُ" أرادَ بها البكرُ البالغةُ، وعبَّرَ هنا بالاستئذانِ، وعبَّرَ في الثيب بالاستئمارِ إشارةً إلى الفرقِ بينَهما وأنهُ متأكَّدٌ مشاورةُ الثيبِ ويحتاجُ الولي إلى صَرِيحِ القَوْلِ بالإذْنِ منْها في العقدِ عليها، والإذنُ منَ البِكْرِ دائرٌ بينَ القولِ والسكوتِ، بخلافِ الأمرِ فإنهُ صريحٌ في القَوْلِ، وإنَّما اكْتُفِيَ منْها بالسكوتِ لأنَّها قدْ تَسْتَحِي منَ التَّصْرِيحِ. وقدْ وردَ في روايةٍ أن عائشةَ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ البكرَ تستحي، قالَ: "رِضَاهَا صِمَاتُها" أخرجَهُ الشيخانِ (٢). ولكنْ قالَ ابنُ المنذرِ (٣): يُسْتَحَبُّ أنْ يعلمَ أن سكوتَها رضًا. وقالَ سفيانُ (٤): يُقَالُ لها ثلاثًا إنْ رضيتِ فاسكُتي وإنْ كرهتِ فانطقي، فأمَّا إذا لم تنطقْ ولكنَّها بَكَتْ عندَ ذلكَ فقيلَ لا يكونُ سكوتُها رِضًا معَ ذلكَ، وقيلَ لا أثرَ لبكائِها في المنعِ إلَّا أنْ يقترنَ بصياحٍ ونحوه، وقيلَ يعتبرُ الدمعُ هلْ هوَ حارٌّ فهوَ يدلُّ على المنعِ أو باردٌ فهوَ يدلّ على الرِّضَا، والأَوْلَى أنْ يُرْجَعَ إلى القرائِنِ فإنَّها لا تخفَى. وَالْحَديثُ عامٌّ للأولياءِ منَ الأبِ وغيرِه في أنهُ لا بدَّ منْ إذنِ البكرِ البالغةِ وإليهِ ذهبَ الهادويةُ (٥) والحنفيةُ (٦) وآخرونَ عملًا بعمومِ الحديثِ هُنَا وبالخاصِّ الذي أخرجَهُ مسلمٌ (٧) بلفظِ: "والبكرُ

стр. 1602

يستأذنُها أبوها"، ويأتي الخلافُ في ذلكَ واستيفاءُ الكلامِ عليهِ في شرحِ الحديثِ الآتي: الثيب أحق بنفسها ١٤/ ٩٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ : قالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأمَرُ، وَإذْنُهَا سُكُوتُهَا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: "لَيسَ لِلْوَليِّ مَعَ الثَّيبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢) والنَّسَائيُّ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ قَالَ: الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها منْ وليِّها والبكرُ تُسْتَأْمرُ وإذْنُهَا سُكُوتُها. رواهُ مسلمٌ، وفي لفظٍ) أي منْ روايةِ ابن عباسٍ: (ليسَ للوليِّ معَ الثيبِ أمرٌ، واليتيمة تُسْتَأْمرُ. رواهُ أبو داودَ والنسائي وصحَّحَه ابنُ حِبَّانَ). تقدَّمَ (٥) الكلامُ على أن المرادَ بأحقِّيَّةِ الثيبِ بِنَفْسِهَا اعتبارُ رِضَاها كما تقدَّمَ (٥) عَلَى استئمارِ البكرِ، وقولُه: "ليسَ للوليِّ معَ الثيّبِ أمرٌ"، أي إنْ لم ترضَ (٦) لما سلفَ منَ الدليلِ على اعتبارِ رِضَاهَا وعلى أن العقدَ إلى الولي، وأما قولُه: "واليتيمةُ تُسْتَأْمَرُ"، فاليتيمةُ في الشرعِ: الصغيرةُ التي لا أبَ لها، وهوَ دليل للنَّاصِرِ (٧)

стр. 1603

والشافعيِّ (١) في أنهُ لا يُزَوِّجُ الصغيرةَ إلَّا الأبُ؛ لأنهُ ﷺ قالَ: تستأمرُ اليتيمةُ ولا استئمارَ إلَّا بعدَ البلوغِ إذْ لا فائِدَةَ لاستئمارِ الصَّغيرةِ. وذهبتِ الهادوية (٢) والحنفيةُ (٣) إلى أنهُ يجوزُ أنْ يزوِّجَها الأولياءُ مُسْتَدِلّيْنَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٤) الآيةُ وما ذُكِرَ في سَبَبِ نزولها (٥) في أنهُ يكونُ في حِجْرِ الولي يتيمةٌ ليسَ لهُ رغبةً في نِكَاحِهَا وإنَّما يَرْغَبُ في مالِها فيتزوَّجَها لِذَلِكَ فَنُهُوا، وليسَ بصريحٍ في أنْ ينكحَها صغيرةً لاحْتمالِ أنهُ يمنعُها الأزواجَ حتَّى تبلغَ ثمَّ يتزوَّجها قالُوا: ولها بعدَ البلوغِ الخيارُ قياسًا على الأَمَةِ فإنَّها تُخَيَّرُ إذا أعتقَت وهي مزوَّجة، والجامع حدوث ملك التصرفِ ولا يَخْفَى ضعفُ هذَا القولِ وما تفرع منهُ منْ جوازِ الفسْخِ وضعفِ القياسِ، ولهذَا قالَ أبو يوسفَ (٦): لا خيارَ لها معَ قولِه بجوازِ تزويجِ غيرِ الأبِ لها كأنهُ لم يقلْ بالخيارِ لضعفِ القياسِ، فالأرجحُ ما ذهبَ إليهِ الشافعيُّ. اشتراط الولي ١٥/ ٩٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأةُ المرأةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَها"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٧) وَالدَّارَقُطْنِي (٨) وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأة نفسَها. رواهُ ابن ماجه والدارقطني ورجالُه ثقاتٌ). فيهِ دليلٌ على أن

стр. 1604

المرأةَ ليسَ لها ولايةٌ في الإنكاحِ لنفسِها ولا لغيرِها، فلا عبارَة لها في النكاحِ إيجابًا ولا قبولًا فلا تُزَوِّجُ نفسَها بإِذنِ الوليِّ ولا غيرِه، ولا تُزَوِّجُ غيرَها بولايةٍ ولا بوكالةٍ، ولا تَقْبلُ النكاحَ بولايةٍ ولا وكالةٍ وهوَ قولُ الجمهورِ (١). وذهبَ أبو حنيفةَ (٢) إلى تزويجِ البالغةِ العاقلةِ نفسَها وابنتَها الصغيرةَ وتتوكلُ عن الغيرِ لكنْ لو وضعتْ نفسَها عندَ غيرِ كُفْءٍ، فَلأوْليَائِها الاعتراضُ. وقالَ مالكٌ: تُزَوِّجُ الدنيَّةُ نفسَها دونَ الشريفةِ كما تقدَّمَ (٣). واستدلَّ الجمهورُ بالحديثِ وبقولِه تعالَى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤)، قَالَ الشافعيُّ (٥) ﵀: هي أصرحُ آيةٍ في اعتبارِ الوليِّ وإلَّا لَمَا كانَ لَعَضلِهِ معنَى. وسببُ نُزُولها في معقلِ بن يسارٍ زوَّجَ أُخْتَه فطلَّقها زوجُها طلقةً رجعيةً وتركَها حتَّى انقضتْ عدَّتُها ورامَ رجعتَها فحلفَ أنْ لا يزوِّجَها، قالَ: ففيَّ نزلتْ هذهِ الآيةُ. رواهُ البخاريُّ (٦)، زادَ أبو داودَ (٧): فكفَّرتُ عنْ يميني وأنكحتُها إياهُ. فلوْ كانَ لها تزويجُ نفسِها لم يُعَاتَبْ أخاها على الامتناعِ ولكانَ نزولُ الآيةِ لبيانِ أنَّها تُزَوِّجُ نفسَها. وبسببِ نزولِ الآيةِ يُعْرَفُ ضعفُ قولِ الرازي (٨) إنَّ الضميرَ للأزواجِ، وضعفُ قولِ صاحبِ "نهاية المجتهدِ" (٩): إنهُ ليسَ في الآيةِ إلا نَهْيُهُمْ عن العضلِ ولا يُفْهَمُ منهُ اشتراطُ إِذْنِهِمْ في صحةِ العقدِ لا حقيقةً ولا مجازًا، بلْ قدْ يُفْهَمُ منهُ ضدُّ هذا وهوَ أن الأولياءَ ليسَ لهم سبيلٌ على مَنْ يلونَهم اهـ. ويُقَالُ عليهِ: قدْ فهمَ السلفُ شرطَ إِذْنِهِمْ في عصرِه ﷺ وبادرَ منْ نزلتْ فيهِ إلى التكفيرِ عنْ يمينِهِ والعقدِ، ولوْ كانَ لا سبيلَ للأولياءِ لأبانه تعالَى غايةَ البيانِ، بلْ كرَّرَ تعالى كونَ الأمرِ إلى الأولياءِ في عِدَّةِ آياتٍ ولمْ يأتِ حرفٌ واحدٌ أن للمرأةِ إنكاحُ نفسِها، ودلَّتْ أيضًا على أن نِسبةَ النكاحِ إليهنَّ في الآياتِ

стр. 1605

مثل: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) مرادٌ بهِ الإنكاحُ بعقدِ الوليِّ، إذْ لوْ فَهِمَ ﷺ أنَّها تُنْكِحُ نفسَها لأمَرَهَا بَعدَ نزولِ الآيةِ بذلكَ ولأبانَ لأخِيهَا أنهُ لا ولايةَ لهُ ولم يبحْ له الحنْث في يمينِه والتكفير. ويدلُّ لاشتراطِ الوليِّ ما أخرجَهُ البخاريُّ (٢) وأبو داود (٣) منْ حديثِ عروةَ عنْ عائشةَ أنَّها أخبرتْهُ أن النكاح في الجاهليةِ [كانَ] (٤) علَى أربعةِ أنحاءٍ منْها نكاحُ الناسِ اليومَ، يخطبُ الرجلُ إلى الرجلِ وَليّتَهُ أو ابنتَهُ فيصدقُها ثمَّ ينكحُها، ثمَّ قالتْ في آخرِه: فلما بُعِثَ محمدٌ ﷺ بالحقِّ هدمَ نِكَاحَ الجاهليةِ كلَّه إلَّا نكاحَ الناسِ اليومَ، فهذَا دالٌّ [على] (٥) أنهُ ﷺ قَرَّرَ ذلكَ النكاحَ المعتبرُ فيهِ الوليُّ، وزادَه تأكيدًا بما قدْ سمعتَ منَ الأحاديثِ، ويدلُّ إنكاحُه (٦) ﷺ لأمِّ سلمةَ وقولُها: إنهُ ليسَ أحدٌ منْ أوليائِها حاضرًا ولمْ يقلْ [ ﷺ ] أَنْكِحِي أنتِ نفسَك معَ أنهُ مقامُ البيانِ، ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تُنكِحُوا المُشْرِكَاتَ﴾ (٧) فإنهُ خطابٌ للأولياءِ بأنْ لا يُنْكِحُوا المسلماتِ المشركينَ، ولو فُرضَ أنهُ يجوزُ لها إنكاحُ نفسِها لما كانتِ الآيةُ دالة على تحريمِ ذلكَ عليهنَّ لأنَّ القائلَ بأنَّها تُنْكِحُ

стр. 1606

نفسَها يقولُ بأنهُ يُنْكِحُها وليُّها أيضًا فيلزمُ أن الآيةَ لم تفِ بالدلالةِ على تحريمِ إنكاحِ المشركينَ للمسلماتِ لأنَّها إنَّما دلَّتْ على نَهْي الأولياءِ عنْ إنكاحِ المشركينَ لا على نَهْي المسلماتِ أنْ يُنْكِحْنَ أنفسَهنَّ منْهم. وقدْ عُلِمَ تحريمُ نكاحِ المشركينَ المسلماتِ فالأمرُ للأولياءِ دالٌّ على أنهُ ليسَ للمرأةِ ولايةٌ في النكاحِ. ولقدْ تكلَّمَ صاحبُ "نهاية المجتهدِ" على الآيةِ بكلامٍ في غايةِ السُّقوطِ فقالَ (١): الآيةُ مترددةٌ بينَ أنْ تكونَ خطابًا للأولياءِ أوْ لأُولي الأمرِ، ثمَّ قالَ: فإنْ قيلَ هوَ عام والعامُّ يشملُ أُولي الأمرِ والأولياء، قيل: هذَا الخطابُ إنَّما هوَ خطابٌ بالمنعِ، والمنعُ بالشرعِ، فيستوي فيهِ الأولياءُ وغيرُهم، وكونُ الولي مأمورًا بالمنعِ بالشرعِ لا يوجبُ لهُ ولاية خاصة بالإذنِ، ولو قُلْنا: إنهُ خِطابٌ للأولياءِ يوجبُ اشتراطَ إِذْنِهِمْ في النكاحِ لكانَ مجملًا لا يصحُّ بهِ عملٌ لأنهُ ليسَ فيهِ ذكرُ أصنافِ الأولياءِ ولا مراتبهم، والبيانُ لا يجوزُ تأخيرُه عنْ وقتِ الحاجةِ اهـ. والجوابُ: أن الأظهرَ أن الآيةَ خطابٌ لكافةِ المؤمنينَ المكلَّفينَ الذينَ خُوطِبُوا بِصَدْرِهَا، أعني قولَهُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢)، والمرادُ: لا يُنْكِحُهنَّ مَنْ إليهِ الإنكاحُ وهمُ الأولياءُ، أو خطابٌ للأولياءِ ومنْهمُ الأمراءُ عندَ فَقْدِهم أو عَضلِهم لما عرفتَ من قولِه (٣): "فإنِ اشتجَرُوا فالسلطانُ وليُّ مَنْ لا وليَّ لها"، فبطلَ قولُه: إنهُ مترددٌ بينَ خطابِ الأولياءِ وأُولي الأمر. وقولُه: قُلْنا هذَا الخطابُ إنَّما هوَ خطابٌ بالمنعِ بالشرعِ، قلنا: نعمْ. قولُه: والمنعُ بالشرعِ يستوي فيهِ الأولياءُ وغيرُهم. قلنا: هذَا كلامٌ في غايةِ السُّقوطِ، فإنَّ المنعَ بالشرعِ هُنَا للأولياءِ الذينَ يتولُّوْنَ العقدَ إما جَوَازًا كما تقولُه الحنفيةُ (٤)، أو شَرْطًا كما يقولُه غيرُهم (٥). فالأجنبيُّ بمعزلٍ عن المنعِ لأنهُ لا ولايةَ لهُ على بناتِ زيدٍ مَثَلًا، فما معنَى نَهْيِه عنْ شيءٍ ليسَ منْ تكليِفِهِ؟ فهذَا تكليفٌ يخصُّ الأولياءَ، فهوَ كمنعِ الغَنِيِّ عن

стр. 1607

السؤالِ ومنعِ النساءِ عن التَّبَرُّجِ، فالتكاليفُ الشرعيةُ منها ما يخصُّ الذكورَ، ومنْها ما يخصُّ الإناثَ، ومنْها ما يخصُّ بعضًا منَ الفريقينِ أوْ فَرْدًا مِنْهما، [وفيهما] (١) ما يعمُّ الفريقينِ، وإنْ أرادَ أنهُ يجبُ على الأجنبيِّ الإنكارُ على مَنْ يُزَوِّجُ مسلمةً بمشركٍ فخروجٌ عن البحثِ. وقولُه: ولوْ قُلْنا إنهُ خطابٌ للأولياءِ لكانَ مجملًا لا يصحُّ بهِ عملٌ، جوابُهُ أنهُ ليسَ بِمُجْمَل، إِذِ الأولياءُ معروفونَ في زمانِ مَنْ أُنزِلَتْ عليهمُ الآيةُ، وقدْ كانَ معروفًا عندَهم، ألا تَرَى إلى قولِ عائشةَ (٢): يخطبُ الرجلُ إلى الرجلِ وليّتَهُ، فإنَّهُ دالٌّ على أن الأولياءَ معروفونَ، وكذلكَ قولُ أم سلمةَ (٣) لهُ ﷺ : ليسَ أحدٌ منْ أوليائي حاضرًا، وإنَّما ذكرنَا هذَا لأنهُ نقلَ الشارحُ ﵀ كلامَ "النهايةِ" وهوَ طويلٌ وجَنَحَ إلى رأي الحنفية واستوفاه الشارحُ [﵀] (٤)، ولم يقْوَ في نظري ما قالَه، فأحببتُ [أنْ] (٥) أُنَبِّهَ على بعضِ ما فيهِ، ولولا محبةُ الاختصارِ لنقلْتُه بِطُولِهِ وأبَنْتُ ما فيهِ. ومنَ الأدلةِ على اعتبار الولي قولُه ﷺ (٦): "الثيِّبُ أحقُّ بنفسِها منْ وليِّها"، فإنهُ أثبتَ حقًّا للوليِّ كما يفيدُه لفظُ: "أحقُّ"، وأحقِّيَّتُه هي الولايةُ، وأحقيَّتُها رِضَاها، فإنهُ لا يصحُّ عقدُه بِها إلا بعدَه، فحقها بنفسِها آكدُ منْ حقِّه لِتَوَقُّفِ حقِّه عَلَى إِذْنَها. النهي عن نكاح الشِّغار ١٦/ ٩٢٧ - وَعَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الشِّغَارِ، والشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٧). [صحيح]

стр. 1608

وَاتَّفَقَا (١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَلَى أن تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ. (وعنْ نافِعٍ عن ابن عمرَ قالَ: نَهَى رسول الله ﷺ عن الشِّغارِ) فسَّرهُ بقولِهِ: (أن يزوِّجَ الرجلُ ابنتَه على أنْ يزوِّجَه الآخرُ ابنتَه وليسَ بينَهما صَدَاقٌ. متفقٌ عليهِ) واتفقا على وجه آخر على أن تفسير الشغار من كلام نافع. قالَ الشافعيُّ: لا أدري التفسيرُ عن النبيِّ ﷺ أو عن ابن عمرَ أوْ عنْ نافعِ أو عنْ مالكٍ، حكاهُ عنهُ البيهقيُّ في "المعرفة" (٢). وقالَ الخطيبُ (٣): إنهُ ليسَ منْ كلامِ النبي ﷺ وإنَّما هوَ قولُ مالكٍ وُصِلَ بالمتنِ المرفوعِ، وقدْ بيَّنَ ذلكَ ابنُ مهدي والقعنبيُّ. ويدلُّ أنهُ منْ كلامِ مالكٍ أنهُ أخرجَه الدارقطنيُّ (٤) منْ طريقِ خالدِ بن مخلدٍ عنْ مالكٍ قالَ: سمعتُ أن الشِّغَارَ أنْ يزوِّجَ الرجلُ إلخ. وأما البخاريُّ فصرَّحَ في كتابِ الحيلَ (٥) أن تفسيرَ الشِّغارِ منْ قولِ نافعٍ. قالَ القرطبيُّ (٦): تفسيرُ الشِّغَارِ بما ذكرَ صحيحٌ موافقٌ لما ذكرهُ أهلُ اللغةِ؛ فإنْ كانَ مرفوعًا فهوَ المقصودُ، وإنْ كانَ منْ قولِ الصحابيِّ فمقبولٌ أيضًا لأنهُ أعلمُ بالمقال وأقعد بالحالِ اهـ. وإذْ قدْ ثبتَ النَّهْيُ عنهُ فقدِ اختلفَ الفقهاءُ هلْ هوَ باطلٌ أو غيرُ باطلٍ، فذهبتِ الهادويةُ (٧) والشافعيُّ (٨) ومالكٌ (٩) إلى أنهُ باطلٌ للنَّهْيِ عنهُ وهوَ يقتضي البطلانَ. وللفقهاءِ خلافٌ في علل النَّهْي لا نُطَوِّلُ بهِ فكلُّها أقوالٌ تخمينيةٌ، ويظهرُ منْ

стр. 1609

قولِه في الحديثِ: "لا صَدَاقَ بينَهما" أنهُ عِلَّةُ النَّهْي، وذهبتِ الحنفيةُ (١) وطائفةٌ (٢) إلى أن النكاحَ صحيحٌ ويلغُو ما ذكرَ فيهِ عملًا بعمومِ قولِه تعالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣)، ويُجَابُ بأنهُ خصَّهُ النَّهْيُ. تخيير من زوِّجت وهي كارهة ١٧/ ٩٢٨ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أن جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَذَكَرَتْ: أن أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥) وابْنُ مَاجَهْ (٦)، وَأُعِلَّ بِالإرْسَال (٧). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن جاريةً بِكْرًا أتتِ النبيَّ ﷺ فذكرتْ أن أباها زوَّجَها وهيَ كارهةٌ، فيخيَّرها رسولُ اللَّهِ ﷺ . رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجهْ وأُعِلَّ بالإرسالِ) وأجيبَ عنهُ بأنهُ رواهُ أيوبُ بن سويدٍ عن الثوريّ عنْ أيُّوبَ موصولًا، [وكذا] (٨) رواهُ معمرُ بنُ سليمانَ الرقيّ عنْ زيدِ بن حِبَّانَ عنْ أيوبَ موصولًا. وإذا اختُلِفَ في وصْلِ الحديثِ وإِرْسَالِه فالحكمُ لمنْ [وصل] (٩). قالَ المصنفُ (١٠): الطعنُ في الحديثِ لا معنَى لهُ؛ لأنَّ لهُ طُرُقًا يقوّي بعضُها بعضًا اهـ. وقدْ تقدَّمَ (١١) حديثُ أبي هريرةَ المتفقُ عليهِ وفيهِ: ولا تُنْكَحُ البكرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ. وهذَا الحديثُ أفادَ ما أفادَهُ فدلَّ على تحريمِ إجبارِ الأبِ [ابنته] (١٢) [البكر] (١٣) على

стр. 1610

النكاحِ وغيرُه منَ الأولياءِ بالأَوْلَى. وإلى عدمِ جوازِ إجبارِ الأبِ ذهبتِ الهادوية (١) والحنفيةُ (٢) لما ذُكِرَ ولحديثِ مسلم (٣) بلفظ: "والبكرُ يَسْتَأْذِنُها أبُوها". وإنْ قالَ البيهقيُّ (٤): زيادةُ الأبِ في الحديثِ غيرُ محفوظةٍ ردَّه المصنفُ (٥) بأنَّها زيادةُ عدلٍ، يعني فَيُعْمَلُ بها، وذهبَ أحمدُ (٦) وإسحاقُ (٦) والشافعيُّ (٧) إلى أن للأبِ إجبارَ ابنتِهِ البكرِ البالغةِ على النكاحِ عملًا بمفهومِ: "الثَّيّبُ أحقُّ بنَفْسِها" كما تقدَّمَ (٨)، فإنهُ دلَّ أن البِكْرَ بخلافها، وأنَّ الوليَّ أحقُّ بها. ويُرَدُّ بأَنهُ مفهومٌ لا يقاوِمُ المنطوقَ، وبأنهُ لوْ أُخِذَ بعمومِه لزمَ في حقّ غيرِ الأبِ منَ الأولياءِ وأنْ لا يُخَصَّ الأبُ بجوازِ الإجبارِ. وقالَ البيهقيُّ (٩) في تقويةِ كلامِ الشافعيّ: إنَّ حديثَ ابن عباسٍ هذَا محمولٌ على أنهُ زوَّجَها منْ غيرِ كُفْءٍ. قالَ المصنفُ (١٠): جوابُ البيهقيِّ هوَ المعتمدُ لأنَّها واقعةُ عينٍ فلا يثبتُ الحكمُ بها تعميمًا. قلتُ: كلامُ هذينِ الإمامينِ محاماةٌ على كلامِ الشافعي ومذهبهم، وإلِّا فتأويلُ البيهقي لا دليلَ عليهِ، فلوْ كانَ كما قالَ لذكرتْه المرأةُ، بلْ قالتْ: إنهُ زَوَّجَها وهي كارهة، فالعِلَّةُ كراهتُها فعليها عُلّقَ التخييرُ؛ لأنَّها المذكورةُ، فكأنه قالَ ﷺ : إذا كنتِ كارهةً فأنتِ بالخِيارِ، وقولُ المصنفِ: إنها واقعةُ عينٍ، كلامٌ غيرُ صحيح، بلْ حكمٌ عام لعمومِ عِلَّتِهِ، فأينَما وُجِدَتِ الكراهةُ ثبتَ الحكمُ. وقدْ أخرجَ النسائيُّ (١١) عنْ

стр. 1611

عائشةَ أن فتاةَ دخلتْ عليها فقالتْ: إنَّ أبي زوَّجني منِ ابن أخيهِ يرفعُ بي خَسِيْسَتَهُ وأنا كارهةٌ، قالتْ: اجلسي حتَّى يأتيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فجاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فأخبرتْهُ، فأرسلَ إلى أَبيهَا، فدعاهُ فجعلَ الأمرَ إليها، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ قدْ أَجَزْتُ ما صَنَعَ أبي ولكنْ أردتُ أنْ أُعَلِّمَ النساءَ أنْ ليسَ للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ. والظاهرُ أنَّها بِكْرٌ ولعلَّها البكرُ التي في حديثِ ابن عباسٍ وقدْ زوَّجَها أبوها كُفْئًا ابنُ أخيهِ وإنْ كانتْ ثيبًا فقدْ صرَّحتْ أنهُ ليسَ مرادُها إلا إعلامَ النساءِ أنهُ ليسَ للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ. ولفظُ النساءِ عام لِلثَّيِّبِ والبكرِ، وقدْ قالتْ هذه عندَهُ ﷺ فأقرَّها عليهِ، والمرادُ بنفي الأمرِ عن الآباءِ نفيُ التزويجِ للكارهةِ؛ لأنَّ السياقَ في ذلكَ فلا يقالُ هوَ عامٌّ لكلِّ شيءٍ. من عقد لها وليان فهي للأول ١٨/ ٩٢٩ - وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "أيُّمَا امْرَأةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأوَّلِ مِنْهُما"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) والأَرْبَعَةُ (٢)، وَحَسّنَهُ التّرْمِذِيُّ. [ضعيف] ترجمة الحسن أبي سعيد (وعنِ الحسنِ) وهوَ أبو سعيدٍ (٣) الحسنُ بنُ أبي الحسنِ مولَى زيدِ بن ثابتٍ

стр. 1612

وُلِدَ لسنتينِ بقيتَا منْ خلافةِ عمرَ بالمدينةِ وقدمَ البصرةَ بعدَ مقتلِ عثمانَ، وقيلَ: إنهُ لقيَ عليًا ﵁ بالمدينةِ، وأما بالبصرةِ فلمْ تصحَّ رؤيتُه إياه، [و] (١) كانَ إمامَ وقْتِهِ عِلْمًا وزُهْدًا وَوَرَعًا، ماتَ في رجبٍ سنةَ عشرٍ ومائةٍ (عنْ سمُرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: أيُّمَا امرأةِ زوَّجَها وَلِيَّانِ فَهِيَ للأولِ مِنْهما. رواهُ أحمدُ والأربعة وحسَّنَه الترمذيُّ). تقدَّمَ ذِكْرُ الخلافِ (٢) في سماعِ الحسنِ [من] (٣) سمُرةَ ورواهُ أحمدُ (٤) والشافعيُّ (٥) والنسائيُّ (٦) منْ طريقِ قتادةَ عن الحسن عنْ عقبةَ بن عامر، قالَ الترمذيُّ (٧): الحسنُ عنْ سمرةَ في هذا أصحُّ. قالَ ابنُ المديني (٨): لم يسمعِ الحسنُ عن عقبةَ شيئًا. والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ إذا عقدَ لها وليَّانِ لرجلينِ وكانَ العقدُ مترتبًا أنَّها للأولِ منْهما سواءٌ دخلَ بها الثاني أوْ لا، أما إذا دخلَ بها عالمًا فإجماعٌ أنهُ زِنَى وأنَّها للأوَّلِ، وكذلكَ إنْ دخلَ بها جاهلًا، إلا أنهُ لا حدَّ عليهِ للجهلِ؛ فإنْ وقعَ العقدانِ في وقتٍ واحدٍ بَطَلَا، وكذَا إذا علمَ ثمَّ التبسَ فإنهما يبطلانِ، إلَّا أنَّها إذا أقرَّتِ الزوجةُ أو دخلَ بها أحدُ الزوجينِ برضَاها؛ فإنَّ ذلكَ يقررُ العقدَ الذي أقرَّتْ بسبقِه، إذ الحقُّ عليها فإقْرارُها صحيحٌ، وكذا الدخولُ بِرضَاها فإنهُ قرينةُ السبقِ لوجوبِ الحملِ على السلامةِ. تحريم نكاح العبد بغير إذن سيده ١٩/ ٩٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوّجَ بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ أَوْ أَهْلِهِ فَهُوَ عَاهرٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٩) وَأَبُو دَاوُدَ (١٠)

стр. 1613

وَالتِّرْمِذِي (١) وصحّحه، وكذَلك ابن حِبان (٢). [حسن] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : أيُّما عبدٍ تزوَّجَ بغيرِ إذْنِ مواليهِ أو أهلِه فهو عاهرٌ) أي زانٍ (رواهُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ وصحَّحَهُ وكذلكَ) صحَّحهُ (ابنُ حِبَّانَ) ورواهُ (٣) منْ حديثِ ابن عمرَ موقُوفًا وأنهُ وجدَ عبدًا لهُ تزوَّجَ بغيرِ إذنِه ففرَّقَ بينَهما وأبطلَ عقْدَ [نكاحه] (٤) وضَرَبَهُ الحدَّ. والحديثُ دليل على أنَّ نكاحَ العبدِ بغيرِ إذنِ مالكِه باطلٌ وحكمُه حكمُ الزِّنَى عندَ الجمهورِ (٥)، إلَّا أنهُ يسقطُ عنهُ الحدُّ إذا كانَ جاهلًا للتحريم ويلحقُ بهِ النَّسَبُ. وذهبَ داودُ إلى أنَّ نكاحَ العبدِ بغيرِ إذنِ مالكِهِ صحيحٌ؛ لأَن النكاحَ [عندَهُ] (٦) فرضُ عينٍ لا يفتقرُ إلى إذنِ السيِّدِ، وكأنهُ لم يثبتْ لديهِ الحديثُ. وقالَ الإمامُ يحيى (٧): إنَّ العقدَ الباطلَ لا يكونُ لهُ حكمُ الزِّنَى هُنا [ولو] (٨) كانَ عالمًا بالتحريمِ؛ لأنَّ العقدَ شبهةٌ يَدْرأ بها الحدَّ. وهلْ ينفذُ عقْدُه بالإجازةِ منْ سيِّدِهِ؟ فقالَ الناصرُ (٧)

стр. 1614

والشافعي (١): لا ينفذُ بالإجازةِ؛ لأنهُ سمَّاهُ النبي ﷺ عاهِرًا. وأجيبَ بأن المرادَ إذا لم تحصلِ الإجازةُ، إلَّا أن الشافعي (١) لا يقولُ بالعقدِ الموقوفِ أصلًا، والمرادُ بالعاهرِ أنهُ كالعاهِرِ وأنهُ ليسَ بِزَانٍ حقيقةً. تحريم الجَمع بين المرأةِ وعمتها ٢٠/ ٩٣١ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لَا يُجْمَعُ بَينَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَينَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا يجمَعُ) بلفظِ المضارع المبنيِّ للمجهولِ ولا نافيةٌ فهوَ مرفوعٌ وهو في معنى النهيِ وقدْ وردَ في إحدَى رواياتِ الصحيحِ (٣) بلفظِ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجْمَعَ (بين المرأةِ وَعَمَّتها، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها. متفقٌ عليهِ) فيه دليل على تحريمِ الجمْعِ بينَ مَنْ ذُكِرَ. قالَ الشافعي (٤): يحرمُ الجمعُ بينَ مَنْ ذُكِرَ وهوَ قولُ مَنْ لَقْيتُهُ منَ المفتينَ لا خلافَ بينَهم في ذلكَ، ومثله قالَ الترمذيُّ (٥). وقالَ ابنُ المنذرِ (٦): لستُ

стр. 1615

أعلمُ في منعِ ذلكَ اختلافًا اليومَ، وإنَّما قالَ بالجوازِ فِرقةٌ منَ الخوارجِ، وَنَقَلَ الإجماعَ ابنُ عبدِ البرِّ (١) وابنُ حزمٍ (٢) والقرطبيُّ (٣) والنوويُّ (٤) ولا يخْفَى أن هذا الحديثَ خَصَّصَ عمومَ قولِهِ تعالَى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٥) الآيةَ. قيلَ: ويلزمُ الحنفيةُ أنْ يجوِّزُوا الجمعَ بينَ مَنْ ذُكِرَ؛ لأنَّ أصولَهم [تقديمُ] (٦) عموم الكتاب على أخبارِ الآحادِ إلَّا أنهُ أجابَ صاحبُ "الهدايةِ" (٧) بأنهُ حديثٌ مشهورٌ والمشهورُ لهُ حكمُ القطعي لا سيِّما معَ الإجماعِ منَ الأمةِ وعدمِ الاعتدادِ بالمخالفِ. نكاح المحرم ٢١/ ٩٣٢ - وَعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: "وَلَا يَخْطُبُ"، وَزَادَ ابْنُ حِبّانَ (٩): "وَلَا يُخْطَبُ عَلَيهِ". (عنْ عثمانَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا يَنْكِحُ) بفتحِ حرفِ المضارعةِ منْ نَكَحَ (المحرمُ لا يُنْكِحُ) بضمِّهِ منْ أنكَحَ (رواهُ مسلمٌ. وفي روايةٍ لهُ) أي عنْ عثمانَ (ولا يخطُبُ) أي لنفسِه أو لغيرِه (زاد ابنُ حبانَ: ولا يُخْطَبُ عليهِ) وتقدَّم ذلكَ في كتابِ (١٠) الحجِّ إلَّا قولَه: "ولا يُخْطَبُ عليه"، والمرادُ أنهُ لا يَخْطُبُ أحد منهُ وليّتَهُ.

стр. 1616

شروط النكاح ٢٢/ ٩٣٣ - وعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: تَزَوّجَ النَّبِي ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسِ ﵄ قالَ: تزوَّجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ميمونةَ وهوَ محرمٌ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ قدْ أكثرَ الناسُ فيهِ الكلامَ لمخالفةِ ابن عباسٍ ﵁ لغيرِه. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢): اختلفتِ الآثارُ في هذا الحكمِ لكنَّ الروايةَ أنهُ تزوَّجَها وهوَ حلالٌ جاءتْ منْ طُرُقٍ شَتَّى. وحديثُ ابن عباسٍ صحيحُ الإسنادِ لكنَّ الوهْمَ إلى الواحدِ أقربُ منَ الوهمِ إلى الجماعةِ، فأقلُّ أحوالِ الخبرينِ أنْ يتعارضَا فَتُطْلَبُ الحجةُ منْ غيرِهما، وحديثُ عثمانَ صحيحٌ في منعِ نكاحِ المحرِم فهوَ المعتمَدُ، انتَهى. وقالَ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ (٣): إنَّ أبا ثورٍ يقولُ بأيِّ شيءٍ يُدْفَعُ حديثُ ابن عباسٍ أي معَ صِحَّتِهِ، قالَ: اللَّهُ المستعانُ، ابنُ المسيبِ يقولُ وهمَ ابنُ عباسٍ وميمونةُ تقولُ تزوَّجني وهوَ حلالٌ، انتَهى. يريدُ بقولِ ميمونةَ ما رواهُ عنْها مسلمٌ وهوَ: ٢٣/ ٩٣٤ - وَلمُسْلِمٍ (٤) عَنْ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا ﵄ أن النبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. [صحيح] (ولمسلمٍ عنْ ميمونةَ نفسِها أن النبيَّ ﷺ تزوَّجها وهو حلالٌ) وعضَّدَ حديثَها

стр. 1617

حديثُ عثمانَ (١) وقد تؤوِّل حديثُ ابن عباسٍ ﵁، بأنَّ معنَى وهوَ محرمٌ أي داخلٌ في الحرم أو في الأشهرِ الحُرُم، جزمَ بهذا التأويلِ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (٢) وهوَ تأويلٌ بعيدٌ لا تساعدُ عليهِ ألفاظُ الأحاديثِ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ في هذا في الحجِّ (٣). ٢٤/ ٩٣٥ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إن أَحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفَّى بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ"، متَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] (وعنْ عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : إن أحقَّ الشروطِ أنْ يُوَفَّى بهِ ما استحلَلْتُمْ بهِ الفروجَ. متفقٌ عليهِ)، أي أحقُّ الشروطِ بالوفاءِ شروطُ النكاحِ لأنَّ أمْرَهُ أحوطُ وبابهُ أضيقُ. والحديثُ دليلٌ على أن الشروطَ المذكورةَ في عقدِ النكاحِ يتعينُ الوفاءُ بها سواءٌ كانَ الشرطُ عرضًا أو مالًا حيثُ كانَ الشرطُ للمرأةِ لأنَّ استحلالَ البِضْعِ إنَّما يكونُ فيما يتعلقُ بها أو ترضى به لغيرهَا. وللعلماءِ في المسألةِ أقوالٌ، قالَ الخطابيُّ (٥): الشروطُ في النكاحِ مختلفٌ فيها، فمنْها ما يجبُ الوفاءُ بهِ اتفاقًا، وهوَ ما أمرَ الله تعالَى بهِ منْ إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ وعليهِ حملَ بعضُهم هذا الحديثَ، ومنْها ما لا يُوَفَّى بهِ اتفاقًا كطلاقِ أُختِهَا لما وردَ منَ النهْي (٦) عنهُ، ومنْها ما اختُلِفَ فيهِ كاشتراطِ أنْ لا يتزوجَ عليها ولا يتسرَّى ولا ينقلَها منْ منزِلِها إلى منزلِهِ. وأما ما يشترطُه العاقدُ لنفسِه خارجًا

стр. 1618

عن الصَّداقِ فقيلَ هوَ للمرأةِ مطلقًا وهوَ قولُ الهادويةِ (١) وعطاءٍ وجماعةٍ، وقيلَ: هوَ لِمَنْ شَرَطهُ، وقيلَ: يختصُّ ذلكَ بالأبِ دونَ غيرِه منَ الأولياءِ. وقالَ مالكٌ (٢): إنْ وقعَ في حالِ العقدِ فهوَ منْ جملةِ المهْرِ، أو خَارِجًا عنهُ فهوَ لمنْ وُهِبَ لهُ. ودليلُه ما أخرجُه النَّسَائِيُّ (٣) منْ حديثِ عمرِو بن شُعَيْبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ يرفعُه بلفظِ: "أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ على صَدَاقٍ أو حباءٍ أو عدَّةٍ قبلَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لها وما كانَ بعدَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ وأحقُّ ما أكرمَ عليهِ الرجلُ ابنتَهُ أو أختَه" وأخرجَ نحوَه (٤) الترمذيُّ منْ حديثِ عروةَ عنْ عائشةَ ثمَّ قالَ (٤): والعملُ على هذَا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ منَ الصحابةِ منْهم عمرَ قالَ: إذا تزوَّجَ الرجلُ المرأةَ بشرطِ أنْ لا يُخْرِجَها لزمَ، وبهِ يقولُ الشافعيُّ (٥) وأحمدُ (٦) وإسحاقُ، إلَّا أنهُ قدْ تعقِّبَ (٥) بأنَّ نَقْلَهُ عن الشافعي غريبٌ، والمعروفُ عن الشافعيةِ أن المرأدَ منَ الشروطِ هيَ التي لا تنافي النِّكَاحَ بلْ تكونُ منْ مقتضياتِه ومقاصِدهِ كاشتراطِ حُسْنِ العشرةِ والإنفاقِ [والكسوةِ] (٧) والسُّكْنَى وأنْ لا يقصِّرَ في شيءٍ منْ حقِّها منْ [قِسْمَةٍ] (٨) ونفقةٍ وكَشَرْطِهِ عليها ألا تخرجَ إلا بإذنِه وأنْ لا تصرف في متاعِهِ ونحوِ ذلكَ. قلتُ: هذهِ الشروطُ إنْ أرادُوا أنهُ يحملُ عليها الحديثُ فقدْ قلَّلُوا فائدتَه؛ لأنَّ هذهِ أمورٌ لازمةٌ للعقدِ لا تفتقرُ إلى شرطٍ، وإنْ أرادُوا غيرَ ذلكَ فما هوَ؟ نعمْ لو شَرَطَتْ ما ينافي العقدَ كأنْ لا يقسمَ لها ولا يتسرَّى عليها فلا يجبُ الوفاءُ بهِ، قالَ الترمذيُّ (٩): قالَ عليٌّ ﵁ سبقَ شرطُ اللَّهِ شَرْطَها. فالمرادُ في الحديثِ

стр. 1619

الشروطُ الجائزةُ لا المنْهِيُّ عنها، فأمَّا شرطُها أنْ لا يخرجَها منْ منزِلها فهذَا شرطٌ غيرُ مَنْهِيٍّ عنهُ فيتعينُ بهِ الوفاءُ. نكاح المتعة حرام ٢٥/ ٩٣٦ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ أَوْطَاسٍ في الْمُتْعَةِ، ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ نَهى عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ سلمةَ بن الأكوعِ ﵁ قالَ: رخَّصَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عامَ أوطاسٍ في المتعةِ ثلاثةَ أيامٍ ثمَّ نَهَى عنْهَا. رواهُ مسلمٌ). اعلمْ أن حقيقةَ المتعةِ كما في كتبِ الإماميةِ (٢) هي النكاحُ المؤقتُ بأمدٍ معلومٍ أوْ مجهولٍ، وغايتُه إلى خمسةٍ وأربعينَ يومًا ويرتفعُ النكاحُ بانقضاءِ المؤقتِ في المنقطعةِ الحيضِ، وبحيضتين في الحائضِ، وبأربعةِ أشهرٍ وعشرٍ في المُتَوَفَّى عنْها زوجُها. وحُكْمُه أنْ لا يثبتَ لها مهرٌ غيرُ المشروطِ ولا تثبت لها نفقة ولا توارثٌ ولا عدَّةٌ إلا الاستبراءُ بما ذُكِرَ، ولا يثبتُ بها نسبٌ إلَّا أنْ يشترطَ وتحرمُ المصاهرةُ بسببهِ، هذا كلامُهم. وحديثُ سلمةَ هذا أفادَ أنهُ ﷺ رخَّصَ في المتعةِ ونَهَى عنْها، واستمرَّ النَّهْيُ ونُسِخَتِ الرخصةُ، وإلى نَسْخِها ذهبَ الجماهيرُ (٣) منَ السلفِ والخلفِ، وقدْ رُوِيَ نسخُها بعدَ الترخيصِ في ستَّةِ (٤) مواطنَ: الأولُ: في خيبر. الثاني: في عمرةِ القضاءِ. الثالث: عامَ الفتحِ. الرابع: عامَ أوطاسٍ. الخامسُ: غزوةُ تبوكَ. السادسُ: في حجَّةِ الوداعِ. فهذهِ التي وردتْ، إلا أن في ثبوتِ بعضِها خلافًا.

стр. 1620

قالَ النوويُّ (١): الصوابُ أن تحريمَهَا وإباحتَها وَقَعَا مرتينِ، فكانتْ مباحةً قبلَ خيبرَ ثم حُرِّمَتْ فيها، ثم أبيحتْ عامَ الفتحِ وهو عامُ أوطاسٍ ثمَّ حُرِّمَتْ تحريمًا مؤبَّدًا، وإلى هذا التحريمِ ذهبَ أكثرُ الأمةِ، وذهبَ إلى بقاءِ الرخصةِ جماعةٌ منَ الصحابةِ ورُوِيَ رجوعُهم وقولُهم بالنسخِ، ومنْ أولئكَ ابنُ عباسٍ (٢) رُوِيَ عنهُ بقاءُ الرخصةِ ثمَّ رجعَ عنهُ إلى القولِ بالتحريم. قالَ البخاريُّ (٣): بيَّنَ علي ﵁ عن النبيّ ﷺ أنهُ منسوخٌ، وأخرجَ ابنُ ماجهْ (٤) عنْ عمرَ ﵁ بإسنادٍ صحيحٍ أنهُ خطبَ فقالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أذنَ لنا في المتعةِ ثلاثًا ثمَّ حرَّمَها، واللَّهِ لا أعلمُ أحدًا تمتَّعَ وهوَ محصَنٌ إلا رجمتُه بالحجارةِ، وقالَ ابنُ عمرَ (٥) ﵁: نهانا عنها رسولُ اللَّهِ ﷺ وما كنَّا مسافحينَ، إسنادُه قويٌّ. والقولُ بأنَّ إباحتَها قَطْعِي ونسخُها ظنيٌّ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الرَّاوينَ لإباحتِها رَوَوْا نَسْخَها وذلكَ إما قَطْعي في الطرفينِ أو ظنيٌّ في الطرفينِ جميعًا، كذَا في الشرحِ، وفي "نهايةِ المجتهدِ" (٦) أنَّها تواترتِ الأخبارُ بالتحريمِ إلَّا أنَّها اختلفتْ في الوقتِ الذي وقعَ فيهِ التحريمُ، انتهَى.

стр. 1621

وقدْ بسطْنا القولَ في تحريمِها في "حواشي ضوء النهارِ" (١). ٢٦/ ٩٣٧ - وَعَنْ عَلِي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] - وَعَنْهُ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. أَخْرَجَهُ السّبْعَةُ (٣) إلَّا أَبَا دَاوُدَ. [صحيح] - وَعَنْ رَبِيعِ بْنِ سَبُرَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إنِّي كنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ في الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النسَاءِ، وَإنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا، وَلَا تَأخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُن شَيئًا"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥) وَالنَّسَائِي (٦) وَابْنُ مَاجَه (٧) وَأَحْمَدُ (٨) وَابْنُ حِبّانَ (٩). [صحيح] (وعنْ عليٍّ ﵁ قالَ: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن المتعةِ عامَ خيبرَ. متفقٌ عليهِ) لَفْظُهُ في البخاري: "أن النبيَّ ﷺ نَهَى عن المُتعةِ وعنِ الحُمُرِ الأهليةِ زمنَ خيبرَ"

стр. 1622

بالخاءِ المعجمةِ أوَّلَهُ والراءِ آخرَهُ. وقدْ وَهِمَ (١) مَنْ رَواهُ عامَ حُنَيْنٍ بمهملةٍ أوَّلَهُ ونونٍ آخره. أخرجَهُ النسائيُّ والدارقطنيُّ وَنبَّه على أنهُ وَهْمٌ. ثمَّ الظاهرُ أن الظَّرْفَ في روايةِ البخاري متعلِّقٌ بالأمرينِ معًا المتعةِ ولحومِ الحمرِ الأهليةِ، وحَكَى البيهقيُّ (٢) عن الْحُمَيْدِي أنهُ كانَ يقولُ سفيانُ بنُ عيينةَ: "في خيبرَ" يتعلقَ بالحمُرِ الأهليةِ لا بالمتعةِ، قالَ البيهقيُّ: هوَ محتمِلٌ ذلكَ ولكنَّ أكثرَ الرواياتِ يفيدُ تعلُّقَه بِهِمَا. وفي روايةٍ لأحمدَ (٣) منْ طريقِ مَعْمَر بسندِه أنهُ بلغهُ (٤) أن ابنَ عباسٍ ﵁ رخَّصَ في متعةِ النساءِ فقالَ لهُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عنهُ يومَ خيبرَ وعنْ لحومِ الحمُرُ الأهليةَ، إلَّا أنهُ قالَ السُّهَيْلِي (٥): إنهُ لا يُعْرَفُ عنْ أهلِ السيرِ ورُوَاةِ الآثارِ أنهُ نَهَى عن نِكاحِ المتعةِ يومَ خيبرَ، قالَ: والذي يظهرُ أنهُ وقعَ تقديمٌ وتأخيرٌ. وقدْ ذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ (٦) أن الحميدي ذكرَ عن ابن عُيَيْنَةَ أن النَّهْيَ زمنَ خيبرَ عن لحومِ الحمرِ الأهليةِ، وأما المتعةُ فكانَ في غيرِ يومِ خيبرِ. وقالَ أبو عوانَة (٧) في صحيحه: سمعتُ أهلَ العلمِ يقولونَ: معنَى حديثِ عليٍّ ﵁، أنهُ نَهَى يومَ خيبرَ عنْ لحومِ الحمُرُ، وأما المتعةُ فسكتَ عنها، وإنَّما نَهَى عنْها يومَ الفتحِ، والحاملُ لهؤلاءِ على ما سمعت ثبوتُ الرخصةِ بعدَ زمنِ خيبرَ ولا تقومُ لعليٍّ ﵁ الحجةُ على ابن عباسٍ إلا إذا وقعَ النَّهْيُ عنْها أخيرًا، إلَّا أنهُ يمكنُ الانفصالُ عنْ ذلكَ بأنَّ عليًا ﵁ لم تبلغْهُ الرخصةُ فيها يومَ الفتحِ لوقوعِ النَّهْي عنْ قرب، ويمكنُ أن عليًا ﵁ عرفَ بالرُّخصةِ يومَ الفتحِ ولكنَّ فهمَ توقيتِ الترخيصِ وهوَ أيامُ شدةِ الحاجةِ معَ العزوبةِ، وبعدَ مُضِيِّ ذلكَ فهِيَ باقيةٌ على أصلِ التحريمِ المتقدَّمِ فتقومُ [لهُ] (٨) الحجةُ على ابن عباسٍ. وأما قولُ ابنُ القيّمِ (٩): إنَّ المسلمينَ لم يكونُوا يستمتعونَ بالكتابياتِ (١٠)، يريدُ أن يتقوَّى به على أن النَّهْي لم يقعْ [يوم] (١١) خيبرَ،

стр. 1623

إذْ لم يقعْ هناكَ نكاحُ متعةٍ فقدْ يجابُ عنهُ بأنهُ قدْ يمكن بأن يكونَ هناك مشركاتٌ غيرُ كتابياتٍ؛ فإنَّ أهْلَ خيبرَ كانُوا يُصاهرُونَ الأوسَ والخزرجَ قبلَ الإسلامِ فلعلَّه كانَ هناكَ منْ نساءِ الأوسِ والخزرجِ منْ يَسْتَمْتِعُونَ مِنْهُنَّ. تحريم التحليل ٢٧/ ٩٣٨ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ. رواه أَحْمَدُ (١) وَالنَّسَائِي (٢) وَالترْمِذِيُّ (٣) وَصَحّحَهُ. [صحيح] - وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ (٤) إلَّا النَّسَائي. [صحيح] (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قَالَ: لَعَنَ رسول اللَّهِ ﷺ المحلِّلَ والمحلَّلَ له. رواهُ أحمدُ والنسائي والترمذي وصحَّحَهُ: وفي البابِ عنْ علي ﵁ ولفظُه عنْ عليٍّ أنهُ ﷺ : "لعنَ المحللَ والمحلَّلَ لهُ"، (أخرَجَهُ الأربعة إلَّا النسائيَّ) وصحَّحَ (٥) حديثَ ابن مسعودٍ ابنُ القَطانِ، وابنُ دقيقٍ العيدِ على شرطِ البخاري، وقالَ الترمذيُّ (٦): حديثٌ صحيحٌ حسنٌ، والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ منهمْ عمرُ وعثمانُ وابنُ عمرَ (٧) وهوَ قولُ الفقهاءِ منَ التابعينَ، وأما حديثُ عليٍّ ﵁ ففي

стр. 1624

إسنادهِ مجالدٌ وهوَ ضعيفٌ وصحَّحَهُ ابنُ السَّكَنٍ (١) وأعلَّهُ الترمذيُّ (٢) ورواهُ ابنُ ماجهْ والحاكمُ منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ ولفظُه قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "ألا أخبرُكم بالتيسِ المستعَارِ"؟ قالُوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ، قالَ: "هو المحلِّلُ، لعنَ اللَّهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ لهُ". والحديثُ دليل على تحريمِ التحليلِ؛ لأنهُ لا يكونُ اللعنُ إلا على فاعلِ المحرَّمِ وكلُّ محرَّمٍ مَنْهِيٌّ عنهُ، والنَّهْيُ يقتضي فسادَ العقدِ، واللعنُ وإنْ كانَ للفاعلِ لكنَّهُ عُلِّقَ بوصفٍ يصحُّ أنْ يكونَ علةَ للحكمِ. وذكَرُوا للتحليلِ صُوَرًا، منْها أن يقولَ لهُ في العقدِ: إذا أحلَلْتُها فلا نكاحَ، وهذا مِثْلُ نكَاحِ المتعةِ لأجْلِ التوقيتِ، ومنْها أنْ يقولَ في العقدِ إذا حللتها طلَّقْتَها، ومنْها أنْ يكونَ مُضْمرًا عندَ العقدِ بأنْ يتواطئا على التحليلِ ولا يكونُ النكاحُ الدائمُ هوَ المقصودُ. وظاهرُ شمولِ اللعنِ فسادُ العقدِ لجميعِ الصورِ، وفي بعضِها خلافٌ بلا دليل ناهضٍ فلا يُشْتَغَلُ [به] (٣). نكاح الزاني والزانية ٢٨/ ٩٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَنْكِحُ الزانِي الْمَجْلُودُ إلَّا مِثْلَهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ (٥) وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرة ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : لا ينكحُ الزَّاني المجلودُ إلَّا مِثْلَه. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ ورجالُه ثَقاتٌ). الحديثُ دليل على أنهُ يحرمُ على المرأةِ أن تُزَوَّجَ بمنْ ظَهَرَ زِنَاهُ، ولعل الوصفَ بالمجلودِ بناء على الأغلبِ في حق مَنْ ظَهَرَ منهُ الزنَى، وكذلكَ الرجلُ يحرُمَ عليهِ أنْ يتزوَّجَ بالزانيةِ التي ظَهَر زِنَاها. وهذا الحديثُ موافقٌ قولَهُ تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ (٦)، إلا أنه حَمَلَ

стр. 1625

الحديثَ والآيةَ الأكثرُ منَ العلماءِ (١) على أن معنَى لا ينكحُ: لا يَرْغَبُ الزَّاني المجلودُ إلَّا في مثلِه، والزانيةُ لا ترغبُ في نكاحِ غيرِ العاهرِ، هكذَا تأوَّلوهُما، والذي يدلُّ عليهِ الحديثُ والآيةُ النَّهيُ عنْ ذلكَ لا الإخبارُ عنْ مجردِ الرغبةِ، وأنهُ يحرمُ نكاحُ الزاني العفيفةَ والعفيفُ الزانيةَ، ولا أصرحَ منْ قولِه: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي كاملي الإيمانِ الذينَ همْ ليسُوا بِزُنَاةٍ، وإلَّا فإنَّ الزاني لا يخرجُ عنْ مسمَّى الإيمانِ عندَ الأكثرِ. لا تحل المطلَّقة لمطلِّقها حتى يذوق الآخر عُسيلتها ٢٩/ ٩٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأرَادَ زَوْجُهَا الأوَّلُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: "لَا، حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ مِنْ عُسَيلَتِهَا مَا ذَاقَ الأوَّلُ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵄ قالتْ: طلَّقَ رجلٌ امرأتَه ثلاثًا فتزوَّجَها رجلٌ ثمَّ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يدخلَ بها، فأرادَ زوْجُها الأولُ أنْ يتزوَّجَها فسُئلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ ذلكَ فقالَ: لا حتَّى يذوقَ الآخرُ منْ عُسَيْلَتِهَا)، مصغَّرُ عسلٍ، وأُنِّثَ (٤) لأنَّ العسلَ مؤنثٌ، وقيلَ إنهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، (ما ذاقَ الأولُ. متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ). اختُلِفَ في المرادِ بالعُسيلةِ، فقيلَ: إنزالُ المنيِّ، وأنَّ التحليلَ لا يكونُ إلا بذلكَ وذهبَ إليهِ الحسنُ (٥)، وقالَ الجمهور (٥): ذَوْقُ العُسيلةِ كنايةٌ عن المجامعةِ وهوَ تغييبُ الحَشَفَةِ منَ الرجلِ في فرجِ المرأةِ، ويكفي منهُ ما يوجبُ الحدَّ ويوجبُ الصَّداقَ.

стр. 1626

وقالَ الأزهريُّ (١): الصَّوابُ أن معنَى الغسيلةِ حلاوةُ الجِماعِ التي تحصُلُ بتغييبِ الحشفةِ. وقالَ أبو عبيدٍ (٢): العسيلةُ لذَّةُ الجِمَاعِ، والعربُ تُسَمّي كلَّ شيءٍ تَستَلِذُّهُ عَسَلًا، والحديثُ محتملٌ. وأما قولُ سعيدِ بن المسيِّبِ إنهُ يحصلُ التحليلُ بالعقْدِ الصحيحِ، فقد قال ابنُ المنذرِ (٣): لا نعلمُ أحدًا وافقَهُ عليهِ إلا الخوارجَ، ولعلَّهُ لم يبلغْهُ الحديثُ فأخذَ بظاهر القرآنِ، وأما روايةُ ذلكَ عنْ سعيدِ بن جُبَيْرٍ فلا يوجد مُسْنَدًا عنهُ في كتاب إنَّما نقلَه (٢) أبو جعفرٍ النحاس في معاني القرآنِ، وتَبِعَهُ (٢) عبدُ الوهَّابِ المالكيُّ في شرحِ الرسالةِ، وقدْ حَكَى ابنُ الجوزيِّ (٢) قولَ ابن المسيِّبِ عنْ داودَ. * * *

стр. 1627

[الباب الثاني] باب الكفاءة والخيار الكفاءةُ: المساواةُ والمماثلةُ، والكفاءةُ في الدِّينِ معتبرةٌ فلا يحلُّ تزَوُّج مسلمةٍ بكافرٍ إجماعًا (١). الكفاءة واشتراطها ١/ ٩٤١ - عَنٍ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ كفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أوْ حَجَّامًا"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (٢)، وَفي إِسْنَادهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم (٣). [موضوع] - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ (٤) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. [ضعيف جدًّا]

стр. 1628

(عن ابن عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : العربُ بعضهم أكْفاءُ بعضٍ، والموالي بعضُهم أكْفاءُ بعضٍ إلَّا حائِكًا أو حجَّامًا. رواهُ الحاكمُ، وفي إسنادِه راوٍ لم يسَمَّ، واستنكرَهُ أبو حاتمٍ، ولهُ شاهدٌ عندَ البزَّارِ عنْ معاذِ بن جبلٍ بسندٍ منقطعٍ). وسألَ ابنُ أبي حاتمٍ (١) عنْ هذا الحديثِ أباهُ فقالَ: هذا كَذِبٌ لا أصلَ لهُ، وقالَ في موضعٍ آخرَ: باطلٌ. ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ في "التمهيدِ" (٢)، قالَ الدارقطنيُّ في "العلل": لا يصِحُّ. وحدَّثَ بهِ هشامُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرازي فزادَ فيهِ بعد أوْ حجَّامًا: أو دبَّاغًا، فاجتمعَ عليهِ الدبَّاغونَ وهمُّوا بهِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢): هذا مُنْكَرٌ موضوعٌ ولهُ طُرُقٌ كلُّها واهيةٌ. والحديثٌ دليلٌ على أن العربَ كلهم سواءٌ في الكفاءةِ بعضُهم لبعض وأنَّ المواليَ ليسُوا أكفَاءَ لهمْ، وقدِ اختلفَ العلماءُ في المعتَبَرِ منَ الكفاءةِ خلافًا كثيرًا، والذي يقوى هوَ ما ذهبَ إليهِ زيدُ (٣) بن عليٍّ ومالكٌ (٤) ويُرْوَى (٥) عن عمرَ وابنِ مسعودٍ وابنِ سيرينَ وعمرَ بن عبدِ العزيز وأحدُ قَوْلَي الناصرِ (٣) أنَّ المعتَبَرَ الدِّينُ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٦)، ولحديثِ: "الناسُ كلُّهم ولدُ آدمَ": تمامُه: "وآدمُ منْ تراب"، أخرجَه ابنُ سعدٍ (٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ وليسَ فيهِ لفظُ كلهم، "والناسُ كَأسنانِ المشطِ لا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا بالتقوى"، أخرجَهُ ابنُ لالٍ (٨) بلفظٍ قريبٍ منْ لفظه من حديثِ سهلِ بن سعدٍ. وأشارَ البخاري إلى نُصْرَةِ هذا القولِ حيثُ قالَ: بابُ (٩) الإكفاءِ في الدينِ، وقولُه تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (١٠) الآيةَ، فاستنبطَ منَ

стр. 1629

الآيةِ الكريمةِ المساواةَ بينَ بني آدمَ ثمَّ أَرْدَفَهُ (١) بإنكاحِ أبي حذيفةَ منْ سالمِ بابنةِ أخيهِ هند بنتِ الوليدِ بن عتبةَ بن ربيعةَ، وسالمٌ مولى لامرأةٍ منَ الأنصارِ، وقد تقدَّم (٢) حديثُ: "فعليكَ بذاتِ الدينِ". وقدْ خطبَ (٣) النبيُّ ﷺ يومَ فتحِ مكةَ فقالَ: "الحمدُ للهِ الذي أَذْهَبَ عنكمْ عُبِّيَّة (٤) - بضم المهملةِ وكسرِها - الجاهليةِ وَتَكَبُّرِها. يا أيها الناسُ إنَّما الناسُ رجلانِ: مؤمنٌ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ"، ثمَّ قرأ الآيةَ وقالَ (٥): "منْ سرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ الناسِ فليتقِ اللَّهِ"، فجعلَ ﷺ الالتفاتَ إلى الأنسابِ منْ عُبِّيَّةِ الجاهليةِ وتكبُّرِها، فكيفَ ويعتبرها المؤمنُ ويبني عليها حُكْمًا شرعيًا، وفي الحديثِ: "أربعٌ منْ أمورِ الجاهليةِ لا يتركُها الناسُ"، ثم ذكرَ منْها الفخرَ بالأنسابِ. أخرجَهُ ابنُ جريرٍ (٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ. وفي الأحاديثِ شيءٌ كثيرٌ في ذمِّ الالتفاتِ إلى الترفُّعِ بها. وقدْ أمرَ (٧) ﷺ بني بياضةَ بإنكاحِ أبي هندٍ الحجَّامَ وقالَ: "إنَّما هوَ امرؤٌ منَ المسلمينَ"، فنبَّهَ على الوجْهِ المقتضي لمساواتِهم وهوَ الاتفاقُ في وصفِ الإسلام. وللناس في هذه المسألة عجائبُ لا تدورُ على دليلٍ غير الكبرياءِ والترفُّع، ولا إله إلا اللَّهُ كم حُرِمتِ المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم لأنفسهم، اللهمَّ نبرأُ إليكَ منْ شرط وَلَّدَه الهَوَى وربَّاهُ الكبرياءُ. ولقدْ مُنِعَتِ الفاطمياتُ في

стр. 1630

جهةِ اليمنِ ما أحلَّ اللَّهُ لهنَّ منَ النكاحِ لقولِ بعضِ أهلِ مذهبِ الهادوية (١) إنهُ يحرمُ نكاحُ الفاطميةِ إلا من فاطميٍّ منْ غيرِ دليلٍ ذكرُوه، وليسَ مذهبًا لإمامِ المذهبِ الهادي ﵇، بلْ زوَّج بناتِه من الطبريين. وإنَّما نشأ هذا القولُ منْ بعدِه في أيام الإمامِ أحمدَ بن سليمانَ وتَبعَهم بيتُ رياستها فقالُوا بلسانِ الحالِ [بتحريم] (٢) شرائِفهم على الفاطميينَ إلَّا منْ مِثْلِهم، وكلُّ ذلكَ منْ غيرِ علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ، بلْ ثبتَ خلافُ ما قَالُوه عنْ سيِّدِ البشرِ كما دلَّ لهُ: ٢/ ٩٤٢ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "انْكِحِي أُسَامَةَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] ترجمة فاطمة بنت قيس (وعنْ فاطمةَ بنتِ قيسٍ ﵄ أن النبي ﷺ قالَ لها: انكحي أسامةَ. رواهُ مسلمٌ) وفاطمةُ (٤) قرشيةٌ فِهْرِيَّةٌ أختُ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ، وهيَ منَ المهاجراتِ الأوَّلِ كانتْ ذاتَ جمالٍ وفَضْلٍ وكمالٍ، جاءتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بعدَ أنْ طَلَّقَها أبو عمرو بن حفصِ بن المغيرةِ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها منهُ فأخبرتْه أن معاويةَ بنَ أبي سفيانَ وأبا جُهْم خَطَبَاها، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاهُ عنْ عاتقِه، وأما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ له، انكحي أسامةَ بنَ زيدٍ - الحديثَ"، فأمرَها بنكاحِ أسامةَ مولاهُ ابن مولاهُ وهي قرشيةٌ، وقدَّمه على أكْفَائِها ممنْ ذُكِرَ ولا علمَ أنهُ طلبَ منْ أحدٍ منْ أوليائِها إسقاطَ حقِّه، وكأن المصنف ﵀ أورد هذا الحديث بعد بيان ضعف الحديث الأول للإشارةِ إلى أنهُ لا عبرةَ في الكفاءةِ بغيرِ الدينِ كما أوردَ لذلكَ قولَهُ: ٣/ ٩٤٣ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النَّبيَّ ﷺ : قَالَ: "يا

стр. 1631

بَنِي بَيَاضَةَ، أَنكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيهِ"، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالْحَاكِمُ (٢) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. [حسن] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبي ﷺ قالَ: يا بني بياضةَ أنكِحُوا أبا هندٍ) اسمُهُ يسارُ (٣) وهوَ الذي حجَمَ النبيَّ ﷺ وكانَ مولى بني بياضةَ (وانكحُوا إليه. [وكانَ حجَّامًا] (٤)، رواه أبو داودَ والحاكم بسندٍ جيِّدٍ) فهوَ منْ أدلةِ عدمِ اعتبارِ كفاءةِ الأنساب. وقدْ صحَّ أن بلالًا (٥) نكحَ هالةَ بنتَ عوفِ أختَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ وعرضَ (٦) عمرُ بنُ الخطابِ ابنَته حفصةَ على سلمانَ الفارسيِّ. تخيير من عتقت بعد زواجها ٤/ ٩٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧)، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صحيح] - وَلمُسْلِمٍ (٨) عَنْهَا ﵄، أن زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ (٩) عَنْهَا: كَانَ حُرًّا. والأوّلُ أَثْبَتُ. [صحيح]
следующие страницы →