← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1627–1666 · переход к 1632.

стр. 1627

[الباب الثاني] باب الكفاءة والخيار الكفاءةُ: المساواةُ والمماثلةُ، والكفاءةُ في الدِّينِ معتبرةٌ فلا يحلُّ تزَوُّج مسلمةٍ بكافرٍ إجماعًا (١). الكفاءة واشتراطها ١/ ٩٤١ - عَنٍ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكفَاءُ بَعضٍ، وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ كفَاءُ بَعْضٍ، إلَّا حَائِكًا أوْ حَجَّامًا"، رَوَاهُ الْحَاكِمُ (٢)، وَفي إِسْنَادهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم (٣). [موضوع] - وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الْبَزَّارِ (٤) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ. [ضعيف جدًّا]

стр. 1628

(عن ابن عمرَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : العربُ بعضهم أكْفاءُ بعضٍ، والموالي بعضُهم أكْفاءُ بعضٍ إلَّا حائِكًا أو حجَّامًا. رواهُ الحاكمُ، وفي إسنادِه راوٍ لم يسَمَّ، واستنكرَهُ أبو حاتمٍ، ولهُ شاهدٌ عندَ البزَّارِ عنْ معاذِ بن جبلٍ بسندٍ منقطعٍ). وسألَ ابنُ أبي حاتمٍ (١) عنْ هذا الحديثِ أباهُ فقالَ: هذا كَذِبٌ لا أصلَ لهُ، وقالَ في موضعٍ آخرَ: باطلٌ. ورواهُ ابنُ عبدِ البرِّ في "التمهيدِ" (٢)، قالَ الدارقطنيُّ في "العلل": لا يصِحُّ. وحدَّثَ بهِ هشامُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الرازي فزادَ فيهِ بعد أوْ حجَّامًا: أو دبَّاغًا، فاجتمعَ عليهِ الدبَّاغونَ وهمُّوا بهِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢): هذا مُنْكَرٌ موضوعٌ ولهُ طُرُقٌ كلُّها واهيةٌ. والحديثٌ دليلٌ على أن العربَ كلهم سواءٌ في الكفاءةِ بعضُهم لبعض وأنَّ المواليَ ليسُوا أكفَاءَ لهمْ، وقدِ اختلفَ العلماءُ في المعتَبَرِ منَ الكفاءةِ خلافًا كثيرًا، والذي يقوى هوَ ما ذهبَ إليهِ زيدُ (٣) بن عليٍّ ومالكٌ (٤) ويُرْوَى (٥) عن عمرَ وابنِ مسعودٍ وابنِ سيرينَ وعمرَ بن عبدِ العزيز وأحدُ قَوْلَي الناصرِ (٣) أنَّ المعتَبَرَ الدِّينُ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٦)، ولحديثِ: "الناسُ كلُّهم ولدُ آدمَ": تمامُه: "وآدمُ منْ تراب"، أخرجَه ابنُ سعدٍ (٧) منْ حديثِ أبي هريرةَ وليسَ فيهِ لفظُ كلهم، "والناسُ كَأسنانِ المشطِ لا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا بالتقوى"، أخرجَهُ ابنُ لالٍ (٨) بلفظٍ قريبٍ منْ لفظه من حديثِ سهلِ بن سعدٍ. وأشارَ البخاري إلى نُصْرَةِ هذا القولِ حيثُ قالَ: بابُ (٩) الإكفاءِ في الدينِ، وقولُه تعالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ (١٠) الآيةَ، فاستنبطَ منَ

стр. 1629

الآيةِ الكريمةِ المساواةَ بينَ بني آدمَ ثمَّ أَرْدَفَهُ (١) بإنكاحِ أبي حذيفةَ منْ سالمِ بابنةِ أخيهِ هند بنتِ الوليدِ بن عتبةَ بن ربيعةَ، وسالمٌ مولى لامرأةٍ منَ الأنصارِ، وقد تقدَّم (٢) حديثُ: "فعليكَ بذاتِ الدينِ". وقدْ خطبَ (٣) النبيُّ ﷺ يومَ فتحِ مكةَ فقالَ: "الحمدُ للهِ الذي أَذْهَبَ عنكمْ عُبِّيَّة (٤) - بضم المهملةِ وكسرِها - الجاهليةِ وَتَكَبُّرِها. يا أيها الناسُ إنَّما الناسُ رجلانِ: مؤمنٌ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ"، ثمَّ قرأ الآيةَ وقالَ (٥): "منْ سرَّهُ أنْ يكونَ أكرمَ الناسِ فليتقِ اللَّهِ"، فجعلَ ﷺ الالتفاتَ إلى الأنسابِ منْ عُبِّيَّةِ الجاهليةِ وتكبُّرِها، فكيفَ ويعتبرها المؤمنُ ويبني عليها حُكْمًا شرعيًا، وفي الحديثِ: "أربعٌ منْ أمورِ الجاهليةِ لا يتركُها الناسُ"، ثم ذكرَ منْها الفخرَ بالأنسابِ. أخرجَهُ ابنُ جريرٍ (٦) منْ حديثِ ابن عباسٍ. وفي الأحاديثِ شيءٌ كثيرٌ في ذمِّ الالتفاتِ إلى الترفُّعِ بها. وقدْ أمرَ (٧) ﷺ بني بياضةَ بإنكاحِ أبي هندٍ الحجَّامَ وقالَ: "إنَّما هوَ امرؤٌ منَ المسلمينَ"، فنبَّهَ على الوجْهِ المقتضي لمساواتِهم وهوَ الاتفاقُ في وصفِ الإسلام. وللناس في هذه المسألة عجائبُ لا تدورُ على دليلٍ غير الكبرياءِ والترفُّع، ولا إله إلا اللَّهُ كم حُرِمتِ المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم لأنفسهم، اللهمَّ نبرأُ إليكَ منْ شرط وَلَّدَه الهَوَى وربَّاهُ الكبرياءُ. ولقدْ مُنِعَتِ الفاطمياتُ في

стр. 1630

جهةِ اليمنِ ما أحلَّ اللَّهُ لهنَّ منَ النكاحِ لقولِ بعضِ أهلِ مذهبِ الهادوية (١) إنهُ يحرمُ نكاحُ الفاطميةِ إلا من فاطميٍّ منْ غيرِ دليلٍ ذكرُوه، وليسَ مذهبًا لإمامِ المذهبِ الهادي ﵇، بلْ زوَّج بناتِه من الطبريين. وإنَّما نشأ هذا القولُ منْ بعدِه في أيام الإمامِ أحمدَ بن سليمانَ وتَبعَهم بيتُ رياستها فقالُوا بلسانِ الحالِ [بتحريم] (٢) شرائِفهم على الفاطميينَ إلَّا منْ مِثْلِهم، وكلُّ ذلكَ منْ غيرِ علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منيرٍ، بلْ ثبتَ خلافُ ما قَالُوه عنْ سيِّدِ البشرِ كما دلَّ لهُ: ٢/ ٩٤٢ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: "انْكِحِي أُسَامَةَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). [صحيح] ترجمة فاطمة بنت قيس (وعنْ فاطمةَ بنتِ قيسٍ ﵄ أن النبي ﷺ قالَ لها: انكحي أسامةَ. رواهُ مسلمٌ) وفاطمةُ (٤) قرشيةٌ فِهْرِيَّةٌ أختُ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ، وهيَ منَ المهاجراتِ الأوَّلِ كانتْ ذاتَ جمالٍ وفَضْلٍ وكمالٍ، جاءتْ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ بعدَ أنْ طَلَّقَها أبو عمرو بن حفصِ بن المغيرةِ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها منهُ فأخبرتْه أن معاويةَ بنَ أبي سفيانَ وأبا جُهْم خَطَبَاها، فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاهُ عنْ عاتقِه، وأما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ له، انكحي أسامةَ بنَ زيدٍ - الحديثَ"، فأمرَها بنكاحِ أسامةَ مولاهُ ابن مولاهُ وهي قرشيةٌ، وقدَّمه على أكْفَائِها ممنْ ذُكِرَ ولا علمَ أنهُ طلبَ منْ أحدٍ منْ أوليائِها إسقاطَ حقِّه، وكأن المصنف ﵀ أورد هذا الحديث بعد بيان ضعف الحديث الأول للإشارةِ إلى أنهُ لا عبرةَ في الكفاءةِ بغيرِ الدينِ كما أوردَ لذلكَ قولَهُ: ٣/ ٩٤٣ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أن النَّبيَّ ﷺ : قَالَ: "يا

стр. 1631

بَنِي بَيَاضَةَ، أَنكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَانْكِحُوا إلَيهِ"، وَكَانَ حَجَّامًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالْحَاكِمُ (٢) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ. [حسن] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن النبي ﷺ قالَ: يا بني بياضةَ أنكِحُوا أبا هندٍ) اسمُهُ يسارُ (٣) وهوَ الذي حجَمَ النبيَّ ﷺ وكانَ مولى بني بياضةَ (وانكحُوا إليه. [وكانَ حجَّامًا] (٤)، رواه أبو داودَ والحاكم بسندٍ جيِّدٍ) فهوَ منْ أدلةِ عدمِ اعتبارِ كفاءةِ الأنساب. وقدْ صحَّ أن بلالًا (٥) نكحَ هالةَ بنتَ عوفِ أختَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ وعرضَ (٦) عمرُ بنُ الخطابِ ابنَته حفصةَ على سلمانَ الفارسيِّ. تخيير من عتقت بعد زواجها ٤/ ٩٤٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خُيِّرَتْ بريرَةُ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧)، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صحيح] - وَلمُسْلِمٍ (٨) عَنْهَا ﵄، أن زَوْجَهَا كَانَ عَبْدًا، وَفِي رِوَايَةٍ (٩) عَنْهَا: كَانَ حُرًّا. والأوّلُ أَثْبَتُ. [صحيح]

стр. 1632

وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (١) أَنَّهُ كَانَ عبدًا. [صحيح]. (وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: خُيِّرَتْ بريرةُ على زوجِها حينَ عَتَقَتْ. متفقٌ عليهِ [من] (٢) حديثٍ طويلٍ. ولمسلمٍ عنْها: أن زوجَها كانَ عبدًا. وفي روايةٍ عنْها: كانَ حُرًا، والأولُ أثبتُ) لأنهُ جزمَ البخاريُّ [بأنه] (٣) كانَ عبدًا، ولذَا قَالَ: (وصحَّ عن ابن عباسٍ ﵁ عندَ البخاريِّ أنهُ كانَ عبدًا)، ورواهُ علماءُ المدينةِ، وإذا رَوَى علماءُ المدينةِ شيئًا ورأَوْهُ فهوَ أصحُّ. وأخرَجَه أبو داودَ (٤) منْ حديثِ ابن عباسٍ بلفظِ: "إنَّ زوجَ بريرةَ كانَ عَبْدًا أسودَ يسمَّى مُغِيثًا فخيَّرها النبي ﷺ وأمرَها أنْ تعتدَّ"، وفي البخاريِّ (٥) عن ابن عباسٍ: "ذاكَ مغيثٌ عبدُ بني فلانٍ يعنى زوج بريرةَ"، وفي أُخْرَى عندَ البخاريِّ (٦): "كانَ زوجُ بريرة عبدًا أسودَ يقالُ لهُ مغيثٌ"، قالَ الدارقطني (٧): لم تختلفِ الروايةُ عنْ عروةَ عنْ عائشةَ أنهُ كانَ عبدًا. وكذا قالَ جعفرُ (٨) بنُ محمدٍ عنْ أبيهِ عنْ عائشةَ. قالَ النوويُّ (٩): يؤيدُ قولَ مَنْ قالَ كانَ عبدًا قولُ عائشةَ كانَ عبدًا، فأخبرتْ وهي صاحبةُ القصةِ بأنهُ كانَ عبدًا فصحَّ رجحانُ كونِه عبدًا قوةً وكثرةً وحفظًا. والحديثُ دليلٌ على ثبوتِ الخيارِ للمعتقَةِ بعدَ عَتْقِهَا في زوجِها إذا كانَ عبدًا وهوَ إجماعٌ (١٠). واختُلِفَ إذا كانَ حُرًّا، فقيلَ: لا يثبتُ لها الخيارُ وهوَ قولُ

стр. 1633

الجمهورِ (١) قالُوا: لأنَّ العِلَّةَ في ثبوتِ الخيارِ إذا كانَ عبدًا هوَ عدمُ المكافأةِ منَ العبدِ للحرةِ في كثيرٍ من الأحكامِ، فإذا عُتِقَتْ ثبتَ لها الخيارُ منَ البقاءِ في عِصْمَتِهِ والمفارقةِ؛ لأنَّها في وقتِ العقدِ عليها لم تكنْ منْ أهلِ الاختيارِ. وذهبتِ الهادويةُ (٢) وآخرونَ إلى أنهُ يثبتُ لها الخيارُ وإنْ كانَ حُرًا، واحتجُّوا بأنهُ قدْ وردَ في روايةٍ أن زوجَ بريرةَ كان حرًا وردَّه الأولونَ بأنَّها روايةٌ مرجوحةٌ (٣) لا يُعْمَلُ بها، قالُوا: ولأنَّها عندَ تزويجها لم يكنْ لها اختيارٌ فإنَّ سيِّدَها يزوِّجُها وإنْ كرهتْ فإذا أُعْتِقَتْ تجدَّدَ لها حالٌ لم يكنْ قبلَ ذلكَ، قالَ ابن القيِّمِ (٤): إن في تخييرِها ثلاثةَ مآخذَ وذكرَ مأخذينِ وضعَّفَهما ثمَّ ذكرَ الثالثَ وهوَ أرجحُها، وتحقيقُه أن السيِّدَ عَقَدَ عليها بحكمِ المُلْكِ حيثُ كانَ مالكًا لِرَقَبَتِهَا ومنافعِها والعِتْقُ يقتضي تمليكَ الرقبةِ والمنافعَ للمعتقِ، وهذا مقصودُ العتقِ، فإذا ملكت رقبتَها ملكت بضعَها ومنافعَها، ومنْ جملتِها منافعُ البضْعِ فلا يُمْلَكُ عليها إلا باختيارِها فخيَّرها الشارعُ بينَ الأمرينِ البقاءَ تحتَ الزوجِ أو الفسخِ منهُ. وقدْ جاءَ في بعضِ طرق حديثِ بريرةَ (٥): "مَلَكْتِ نفسَكَ فاختاري"، قلتُ: وهوَ منْ تعليقِ الحكمِ وهوَ الاختيارُ على مُلْكِها لِنَفْسِهَا فهوَ إشارةٌ إلى علةِ التخييرِ وهذا يقتضي ثبوتَ الخيارِ وإنْ كانتْ تحتَ حرٍّ. وهلْ يقعُ الفسخُ بلفظِ الاختيارِ؟ قيلَ: نعمْ كما يدلُّ لهُ قولُه في الحديثِ "خُيِّرْتُ"، وقيلَ: لا بدَّ منْ لفظِ الفسخِ، ثمَّ إذا اختارتْ نفسَها لم يكنْ للزوجِ الرجعةُ عليها وإنَّما يراجعُها بعقدٍ جديدٍ إنْ رضيتْ به ولا يزالُ لها الخيارُ بعدَ عِلْمِهَا ما لمْ يطأها لما أخرجَهُ أحمدُ (٦) عنهُ ﷺ : "إذا عُتِقَتْ الأمةُ فهيَ بالخيارِ ما لم يطأها إنْ تشأْ فارقتْهُ وإنْ وَطِئَها فلا خيارَ لها"، وأخرجَهُ الدارقطني (٧) بلفظِ: "إنْ وطِئَكِ فلا خيارَ لكِ"، وأخرَجه أبو داودَ (٨) بلفظِ: "إنْ [قارَبكِ] (٩) فلا خِيارَ لكِ"، فدلَّ أن

стр. 1634

الوَطْءَ مانعٌ منَ الخيارِ وإليهِ ذهبت الحنابلةُ (١). واعلمْ أن هذَا الحديثَ جليلٌ قَدْ ذكرَهُ العلماءُ في مواضعَ منْ كُتُبِهِمْ في الزكاةِ وفي العتقِ وفي البيعِ وفي النكاحِ، وذكرَه البخاريُّ في البيع، وأطالَ المصنفُ (٢) في عدةِ ما استخْرَجَ منهُ منَ الفوائدِ حتَّى بلغتْ مائةَ واثنتينِ وعشرينَ فائدة، فنذكرُ ما لَهُ تعلُّق بالباب الذي نحنُ بصددِه. منها: جوازُ بيع أحدِ الزوجينِ الرقيقينِ دونَ الآخرِ، وأَنَّ بيعَ الأمَةِ المزوَّجةِ لا يكونُ طلاقًا، وأن عِتْقَها لا يكونُ طَلَاقًا ولا فَسْخًا، وأنَّ للرقيقِ أنْ يسعَى في فكاكِ رَقْبَتهِ منَ الرقِّ، وأنَّ الكفاءةَ معتبرةٌ في الحرة. قلتُ: قدْ أشارَ الحديثُ إلى سببِ تخييرِها وهوَ ملَّكَها نفسَها كما عرفتَ فلا يتمُّ هذا، وأنَّ اعتبارها يَسْقُطُ برضَا المرأةِ التي لا وليَّ لها، ومما ذُكرَ في قصةِ بريرةَ أنَّ زوْجَها كانَ يتبعُها في سككِ المدينةِ يتحدَّرُ دمعُه لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لها، قَالُوا فَيُؤْخَذُ منهُ أنَّ الحبَّ يُذْهِبُ الحياءَ وأنهُ يُعْذَرُ مَنْ كانَ كذلكَ إذا كانَ بغيرِ اختيارٍ منهُ، فيعذرُ أهلُ المحبةِ في اللَّهِ إذا حصلَ لهمُ الوجْدُ عند سِمَاع ما يفهمونَ منهُ الإشارةَ إلى أحوالِهم حيثُ يُغْتَفَرُ منْهم ما لا يحصلُ عن اختيارٍ كالرقصِ (٣) ونحوِه. قلت: لا يخْفَى أنَّ زوجَ بريرةَ بكى من فراقِ مُحبِّهِ، فمحبُّ اللهِ يبكي شَوْقًا إلى لقائِه وخَوْفًا منْ سَخَطِهِ ما كان يبكي رسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ سماعِ القرآنِ وكذلكَ أصحابُه ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانِ، وأما الرقْصُ والتصفيقُ فشأنُ أهلِ الفسقِ والخلاعةِ لا شأنُ مَنْ يحبُّ الله ويخشاه، فعجب لهذا المأخذِ الذي أخذُوه منَ الحديثِ وذكَرَهُ المصنفُ في "الفتحِ" ثم سردَ فيه غيرَ ما ذكرْنَاهُ وأبلغَ فوائدَه إلى العددِ الذي وصفْناه، وفي بعضِها خفاءٌ وتَكَلَّفٌ لا يليقُ بجميل كلام رسولِ اللهِ ﷺ . من أسلم وتحته أختان فارق إحداهما ٥/ ٩٤٥ - وَعَنِ الضَّحّاكِ بن فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِي عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :

стр. 1635

"طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣)، والدَّارَقُطْنِي (٤) وَالْبَيْهَقِي (٥)، وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ. [حسن] ترجمة الضحاك (وعنِ الضَّحَّاكِ) (٦) تابعيٌّ معروفٌ رَوى عنْ أبيهِ (ابن فَيروزَ) بفتحِ الفاءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ وضمِّ الراءِ وسكونِ الواوِ وآخرَه زايٌّ، هوَ أبو عبدِ اللَّهِ (الديلميِّ) ويقالُ الحميريُّ لنزوله حميرَ، وهوَ منْ أبناءِ فارسَ منْ فُرْسِ صنعاءَ، كانَ ممنْ وَفَدَ على النبيِّ ﷺ وهوَ الذي قَتَلَ العنسيَّ الكذَّابَ الذي ادَّعَى النبوةَ في سنةِ إحدَى عَشْرَةَ وَأَتَى النبيَّ ﷺ خبر قتله وهوَ مريضٌ مرضَ موتِه، وكانَ بينَ ظهورِه وقَتْلِهِ أربعةُ أشهرٍ (عنْ أبيهِ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إني أسلمتُ وتحتي أختانِ، فقالَ رسول اللَّهِ ﷺ : طلِّقْ أيَّتهُما شئتَ. رواهُ أحمدُ والأربعة إلَّا النسائيّ وصحَّحَهُ ابن حِبَانَ والدارقطنيُّ والبيهقيُّ وأعلَّه البخاريّ) بأنهُ رواهُ الضَّحَاكُ عنْ أبيهِ ورواهُ عنهُ أبو وهبٍ الجيشانيّ - بفتح الجيمِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ والشينِ المعجمةِ فنونٍ - قالَ البخاريُّ (٧): لا نعرفُ سماعَ بعضِهم منْ بعضٍ. والحديثُ دليلٌ على اعتبارِ أنكحةِ الكفارِ وإن خالفتْ نكاحَ الإسلامِ، وأنَّها لا تخرجُ المرأةُ عن الزوجِ إلا بطلاقِ بعدَ الإسلامِ، وأنهُ يبقَى بعدَ الإسلامِ بلا

стр. 1636

تجديدِ عقدٍ، وهذا مذهبُ مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ وداودَ وعندَ الهادويةِ والحنفيةِ أنهُ لا يقرُّ منهُ إلا ما وافقَ الإسلامَ. وتأوَّلُوا هذا الحديثَ بأنَّ المرادَ بالطلاقِ الاعتزالُ وإمساكُ الأختِ الأخْرى التي بقيتْ عندَه بعقدٍ جديدٍ، ولا يخْفَى أنهُ تأويلٌ متعسِّفٌ، وكيفَ يخاطبُ رسولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ دخلَ في الإسلامِ ولم يعرفِ الأحكامَ بمثلِ هذا، وكذلكَ تأوَّلوا مِثْلَ هذَا قولَهُ: من أسلم وتحته أكثر من أربع ٦/ ٩٤٦ - وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أن غَيْلانَ بنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبيُّ ﷺ : "أنْ يَتَخَيّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا". رواهُ أَحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣) وَالْحَاكِمُ (٤)، وأَعَلَّهُ الْبُخَارِي (٥) وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ (٦). [صحيح] (وعنْ سالم [بن عبد اللَّهِ] (٧) عنْ أبيهِ) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (أن غيلانَ بنَ سلمةَ) هوَ ممنْ أسلمَ بعدَ فتحِ الطائفِ ولم يهاجرْ، وهوَ منْ أعيانِ ثقيفٍ وماتَ في خلافةِ عمرَ ﵁، (أسلم وله عشر نسوة وأسلمن معة فأمره النبيّ ﷺ أن يتخيَّرَ منهنَّ أربعًا. رواة أحمدُ والترمذيُّ وصحَّيحَهُ ابن حبانَ والحاكمُ وأعلَّه البخاريُّ وأبو زرعةَ وأبو حاتم)، قالَ الترمذيُّ (٨): قالَ البخاري: هذا حديث غيرُ محفوظٍ. وأطالَ المصنفُ في "التلخيص" (٩) الكلامَ عَلَى الحديثِ وأخصرُ منهُ أحسنُ إفادةً

стр. 1637

كلامُ ابن كثير في الإرشاد (١)، قالَ عَقِبَ سياقِه لهُ: رواهُ الإمامانِ أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ إدريسٍ الشافعي وأحمدُ بنُ حنبل والترمذيُّ وابنُ ماجهْ، وهذا الإسنادُ رجالُه على شرطِ الشيخينِ إلَّا أن الترمذيَّ يقولُ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ. والصحيحُ ما رَوَى شعيبٌ وغيرُه عن الزهريِّ قالَ: حدَّثْتَ عنْ محمدِ بن شعيب الثقفيِّ أن غيلانَ فذكرَهُ. قالَ البخاريُّ: وإنَّما حديثُ الزهريِّ عنْ سالمٍ عنْ أبيهِ أنّ رجلًا منْ ثقيفٍ طلَّقَ نساءَه، فقالَ لهُ عمرَ: لتراجعنَّ نساءكَ الحديث. قالَ ابنُ كثيرٍ (٢): قلتُ قدْ جمعَ الإمامُ أحمدُ في روايته لهذا الحديثِ بينَ هذينِ الحديثينِ بهذا السندِ فليسَ ما ذكرهُ البخاريُّ قادِحًا، وساقَ روايةَ النسائيِّ لهُ برجالٍ ثقاتٍ، إلا أنهُ يُرَدُّ علَى ابن كثيرٍ ما نقلَه الأثرمُ عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: هذا الحديثُ غيرُ صحيح. والعملُ عليهِ، وهوَ دليل على ما دلَّ عليهِ حديثُ الضَّحَّاكِ ومنْ تأوَّلَ ذلكَ تأوَّلَ هذا. فائدةٌ: سبقت إشارةٌ إلى قصةِ تطليقِ رجلٍ منْ ثقيفٍ نساءَه، وذلكَ أنهُ اختارَ أربعًا فلمَّا كانَ في عهدِ عمرَ طلَّقَ نساءَه وقسَّم مالَه بينَ بنيهِ، فلمَّا بلغ ذلكَ عمرَ فقال: "إني [لأظنُّ] (٣) الشيطانَ مما يسترقُ منَ السمعِ سمعَ بموتِكَ فقذفَه في نفسِك وأعْلَمَكَ أتكَ لا تمكثُ إلا قليلًا وأيمُ اللَّهِ لتُراجعنَّ نساءَكَ [ولترجعهن] (٤) مالَكَ أوْ لأُورثُهنَّ منكَ ولآمرنَّ بقبركَ فلْيُرْجَمْ كما رُجِمَ قبرُ أبي رِغالٍ (٥) الحديثَ". ووقَع في الوسيطِ ابنُ غيلانَ وهوَ وهْمٌ بلْ [هوَ غيلانُ] (٦)، وأشدُّ منهُ وَهْمًا ما وقعَ في مختصرِ ابن الحاجبِ ابنُ عيلانً بالعينِ المهملةِ، وفي سننِ أبي داودَ (٧): "أن

стр. 1638

قيسَ بنَ الحرثِ أسلمَ وعندَه ثماني نسوةِ فأمرَهُ النبي ﷺ أنْ يختارَ أربعًا". ورَوَى الشافعي (١) والبيهقي (٢) عنْ نَوْفَلِ بن معاويةَ [أنهُ] (٣) قالَ: "أسلمتُ وتحتي خمسُ نسوةٍ، فسألتُ النبيَّ ﷺ فقالَ: "فارقْ واحدة وأمسكْ أربعًا"، فعمدتُ إلى أقدمِهنَّ عندي عاقرٍ منذُ ستينَ سنةً ففارقْتُها"، وعاشَ نوفلُ بنُ معاويةَ (٤) مائةً وعشرينَ سنةَ ستينَ في الإسلامِ وستينَ في الجاهليةِ. وفي كلامِ عمرَ ما يدلُّ على إبطالِ الحيلةِ لمنعِ التوريثِ، وأنَّ الشيطانَ قدْ يقذفُ في قلبِ العبدِ ما يسترِقُه منَ السمعِ منْ أحوالِهِ، وأنهُ يرجَمُ القبرُ عقوبةً للعاصي وإهانةً وتحذيرًا عنْ مِثْلِ ما فعلَهُ. ردُّ من أسلمت أبي زوجها بالنكاح الأول ٧/ ٩٤٧ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: رَدّ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الأوَّلِ، ولَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) والأرْبَعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (٦)، وَصَحّحَهُ أَحْمدُ وَالْحَاكِمُ (٧). [صحيح دون ذكر السنين] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: ردَّ النبيُّ ﷺ ابنتَهُ زينبَ على أبي العاصِ بن الربيعِ بعدَ ستِّ سنينَ بالنكاحِ الأولِ ولم يحدثْ نِكَاحًا. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلَّا النسانيَّ وصحَّحَهُ أحمدُ والحاكمُ)، قال الترمذيُّ: حسنٌ وليسَ بإسنادِه بأسٌ. وفي لفظٍ لأحمدَ: كانَ إسلامُها قبلَ إسلامِهِ بستّ سنينَ، وعَنَى بإسلامِها هجرتَها، وإلَّا فهيَ أسلمتْ معَ سائرِ بناتِهِ ﷺ ، وهنَّ أسْلَمْنَ منذُ بَعَثَهُ اللَّهُ، وكانتْ هجرتُها بعدَ وقعةِ

стр. 1639

بدرٍ بقليلٍ، ووقعةُ بدرٍ كانتْ في رمضانَ منَ السنةِ الثانيةِ منْ هجرتِهِ ﷺ ، وحَرُمتِ المسلماتُ على الكفارِ في الحديبيةِ سنةَ ستٍّ منْ ذي القعدةِ منْها، فيكونُ مُكْثُها بعدَ ذلكَ نحوًا من سنتينِ، ولهذَا وردَ في روايةِ أبي داودَ ردَّها عليهِ بعدَ سنتينِ، وهكذَا قررَ ذلكَ أبو بكرٍ الحافظ البيهقيَ. قالَ الترمذيُّ (١): لا يُعْرَفُ وجهُ هذا الحديثِ، [يشيرُ] (٢) إلى أنهُ كيفَ ردَّها عليهِ بعدَ ستِّ سنينَ أوْ ثلاثٍ أو سنتينِ وهوَ مُشْكِلٌ لاستبعادِ أنْ تبقَى عِدَّتُها هذهِ المدةَ، ولم يذهبْ أحدٌ إلى تقريرِ المسلمةِ تحتَ الكافرِ إذا تأخرَ إسلامُه عنْ إسلامِها. نَقَلَ الإجماعَ في ذلك ابنُ عبدِ البرِّ (٣) وأشارَ إلى أنَّ بعضَ أهلِ الظاهرِ جَوَّزَهُ. وَرُدَّ بالإجماعِ وتُعُقِّبَ بثبوتِ الخلافِ فيهِ عنْ عليٍّ والنخعيِّ. أخرجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤) عنْهما وبهِ أفتَى حمَّادُ شيخُ أبي حنيفةَ، فَرَوَى عنْ عليٍّ أنَّهُ قالَ في الزوجينِ الكافرينِ يسلمُ أحدُهما: "هوَ أملكُ لِبُضْعِها ما دامتْ في دارِ هجرتِها"، وفي روايةٍ: "وهوَ أَوْلَى بها ما لمْ تخرجْ [منْ] (٥) مِصْرِها"، وفي روايةٍ عن الزهريِّ: أنهُ إنْ أسلمتْ ولم يسلمْ زوجُها فَهُما على نكاحِها ما لم يفرِّقْ بينَهما سلطانٌ. وقالَ الجمهورُ: إنْ أسلمتِ الحربيةُ وزوجُها حربيٌّ وهي مدخولة فإنْ أسلمَ وهي في العدَّةِ فالنكاحُ باقٍ، وإنْ أسلمَ بعدَ انقضاءِ عُدَّتِها وقعتِ الفرقةُ بينَهما. وهذا الذي ادَّعَى عليهِ الإجماعُ في "البحرِ" (٦) وادعاهُ ابنُ عبدِ البرِّ كما عرفتَ. وتأوَّلَ الجمهورُ حديثَ زينبَ بأنَّ عدَّتَها لم تكنْ قد انقضتْ وذلكَ بعدَ نزولِ آيةِ التحريمِ لبقاءِ المسلمةِ تحتَ الكافرِ وهوَ مقدارُ سنتينِ وأشهرٍ لأنَّ الحيضَ قدْ يتأخرُ معَ بعضِ النساءِ فردَّها ﷺ عليهِ لما كانتِ العدَّةُ غيرَ منقضيةٍ. وقيلَ: المرادُ بقولِه: بالنكاحِ الأولِ، أنهُ لم يحدثْ زيادةَ شرطٍ ولا مَهْرٍ. وردَّ هذا ابنُ القيمِ (٧) وقالَ: لا نعرفُ اعتبارَ العدَّةِ في شيءٍ منَ الأحاديثِ ولا كانَ النبيُّ ﷺ يسألُ المرأةَ هلِ انقضتْ عدَّتُها أمْ لا، ولا ريبَ أن الإسلامَ لوْ كانَ بمجرَّدِه فرقةٌ لكانتْ فرقةً بائنةً لا رجعيةً فلا أثرَ للعدةِ في بقاءِ النكاحِ، وإنما

стр. 1640

أثرُها في منعِ نكاحِها للغيرِ، فلو كانَ الإسلامُ قدْ نجزَ الفرقةَ بينَهما لم يكنْ أحقَّ بها في العدةِ. ولكنَّ الذي دلَّ عليهِ حكمهُ ﷺ أن النكاحَ موقوفٌ؛ فإنْ أسلمَ قبلَ انقضاءِ عدَّتِها فهي زوجتُه، وإنِ انقضتْ عدَّتُها فَلَها أنْ تنكحَ مَنْ شاءتْ، وإنْ أحبتِ انتظرتْهُ؛ فانْ أسلمَ كانت زوجَتهُ منْ غيرِ حاجةٍ إلى تجديدِ نكاحٍ، ولا يُعْلَمُ أحدٌ جدَّدَ بعدَ الإسلامِ نكاحَه ألبتةَ بلْ كانَ الواقعُ أحدَ الأمرينِ: إما افتراقُهما ونكاحُها غيرَه، وإما بقاؤُهما عليهِ وإن تأخرَ إسلامُه، وأما تنجيزُ الفرقةِ ومراعاةُ العدةِ فلا يعلمُ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بواحدٍ منْهما معَ كثرةِ مَنْ أسلمَ في عهدِه وقربُ إسلامِ أحدِ الزوجينِ منَ الآخرِ وبُعْدُهُ منهُ، قالَ: ولولا إقرارُه ﷺ الزوجينِ على نكاحِهما، وإنْ تأخَّرَ إسلامُ أحدِهِما عن الآخرِ بعدَ صُلْحِ الحديبيةِ وزمنِ الفتحِ لقلْنا بتعجيلِ الفرقةِ بالإسلامِ منْ غيرِ اعتبارِ عدةٍ لقولِه تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٢) ثمَّ سردَ قضايا تؤكد ما ذهب إليه وهو أقربُ الأقوالِ في المسألةِ (٣). ٨/ ٩٤٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ (٤): حَدِيثُ ابْنُ عَبّاسٍ أَجْوَدُ إِسْنَادًا، وَالْعَمَلُ أَجْوَدُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. [ضعيف] (وعنْ عمرِو بن شعيبِ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: ردَّ النبي ﷺ ابنتَه زينبَ على أبي العاصِ بن الربيعِ بنكاحٍ جديدٍ. قالَ الترمذيُّ حديث ابن عباسٍ أجودُ إسنادًا والعمل على حديثِ عمرِو بن شعيبٍ). قال الحافظُ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: قالَ الإمامُ أحمدُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ وحجَّاجُ لم يسمعْه منْ عمرِو بن شعيبٍ، إنَّما

стр. 1641

سمعَه منْ محمدِ بن عبيد اللَّهِ العرزميِّ (١)، والعرزميُّ لا يساوي حديثُه شيئًا، قالَ: والصحيحُ حديثُ ابن عباسٍ يعني المتقدِّمَ. وهكذَا قالَ البخاري والترمذيُّ والدارقطني والبيهقي وحكاهُ عنْ حُفَّاظِ الحديثِ. وأما ابنُ عبدِ البرِّ (٢) فنهُ جنحَ إلى ترجيحِ روايةِ عمرِو بن شعيبِ وجمعَ بينَه وبينَ حديثِ ابن عباسٍ، فَحُمِلَ قولُه في حديثِ ابن عباسٍ: بالنكاحِ الأولِ، أي بشروطِه، ومعنَى لم يحدثْ شيئًا: أي لم يزدْ على ذلكَ شيئًا، وقدْ أشرْنا إليهِ آنِفًا. قالَ: وحديثُ عمرِو بن شعيبٍ تعضدُه الأصولُ، وقدْ صرَّحَ فيهِ بوقوعِ عقدٍ جديدٍ ومهرٍ جديدٍ، والأخذُ بالصريحِ أوْلَى منَ الأخذِ بالمحتملِ، انتهى. قلتُ: يردُّ تأويلَ حديثِ ابن عباسٍ تصريحُ ابن عباسٍ في روايةِ: "فلمْ يحدثْ شهادةً ولا صَدَاقًا"، رواهُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ" ونسبَه إلى إخراجِ الإمامِ أحمدَ [له] (٣)، وأما قولُ الترمذيِّ: والعملُ على حديثِ عمرِو بن شعيبٍ، فإنهُ يريدُ عملَ أهلِ العراقِ، ولا يخْفَى أن عملَهم بالحديثِ الضعيفِ وهجرُ القوي لا يُقَوِّي [الضعيفَ] (٤) بل يُضَعِّفُ ما ذهبوا إليهِ منَ العملِ. من أسلم فهو أحق بزوجته ٩/ ٩٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُها فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بِإِسْلامي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ زَوْجِهَا الآخَرَ، وَرَدَّها إلى زوجِهَا الأوَّلِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَأَبُو دَاوُدَ (٦) وَابْنُ مَاجَهْ (٧). وَصَحَّحَه ابْنُ حِبَّانَ (٨) وَالْحَاكِمُ (٩). [ضعيف]

стр. 1642

(وعن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: أسْلَمَتِ امرأةٌ فتزوجتْ، فجاءَ زوجُها فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إني كنت أسلمتُ وعلمتْ بإسلامي، فانتزعَها رسول اللهِ ﷺ منْ زوجِها الآخرِ وردَّها إلى زوجِها الأولِ. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجهْ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانَ والحاكمُ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ إذا أسلمَ الزَّوجُ وعلمتِ امرأتُه بإسلامه فهيَ في عقدِ نكاحِه، وإن تزوَّجتْ فهوَ تَزَوُّجٌ باطلٌ تُنْتَزَعُ منَ الزوجِ الآخرِ، وقولُه: "وعلمتْ بإسلامي"، يحتملُ أنهُ أسلم بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها أو قبلَها، وأنَّها تُرَدُّ إليهِ على كلِّ حالٍ، وأنَّ عِلْمَها بإسلامِهِ قبلَ تزوُّجِها بغيرِه يُبْطِلُ نِكَاحَها مطلقًا، سواءٌ انقضتْ عِدَّتُها أمْ لا، فهوَ منَ الأدلةِ لكلامِ ابن القيمِ الذي قدَّمناهُ؛ لأنَّ تركَهُ ﷺ الاستفصالَ هلْ علمتْ بعدَ انقضاءِ العدةِ أوْ لا، دَليلٌ على أنهُ لا حكمَ للعدةِ. إلَّا أنهُ على كلامِ ابن القيمِ الذي قدَّمناهُ أنَّها بعدَ انقضاءِ عدَّتها تزوَّج مَنْ شاءَتْ لا تتمُّ هذهِ القصةُ إلا على تقديرِ تزوُّجِها في العدَّة (١). عيوب النكاح والفسخ بها ١٠/ ٩٥٠ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنْ أبِيهِ: تَزَوّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَالِيَةَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَوَضَعَتْ ثِيَابَهَا، رَأَى بِكَشْحِهَا بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الْبَسِي ثِيَابَكِ، وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ"، وَأَمَرَ لَهَا بِالصَّدَاقِ. رَوَاهُ الحَاكِمُ (٢)، وَفِي إسْنَادِهِ جَمِيلُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، وَاخْتُلِفَ عَليْهِ في شَيْخِهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٣). [ضعيف]

стр. 1643

(وعن زيدِ بن كعبِ بن عجرةَ عنْ أبيهِ قالَ: تزوَّجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ العاليةَ منْ بني غِفَارٍ) بكسرِ الغينِ المعجمةِ ففاءٍ خفيفةٍ فراءٍ بعدَ الألف؛ قبيلةٌ معروفةٌ، (فلمَّا دخلتْ عليهِ ووضعتْ ثيابَها رأى بِكَشْحِها) بفتح الكاف فشيني معجمةٍ فحاءٍ مهملةٍ هوَ ما بينَ الخاصرتينِ إلى الضلعِ كما في القاموسِ (١)، (بياضًا، فقالَ: البسي ثيابكِ والحقي بِأَهْلِكِ، وأمرَ لها بالصَّدَاقِ. رواهُ الحاكمُ وفي إسنادِه جميلُ بنُ زيدٍ وهوَ مجهولُ واختُلِفَ عليه في شيخِه اختلافًا كثيرًا). اختُلِفَ في الحديثِ عنْ جميلٍ فقيلَ عنهُ كما قالَ المصنفُ، وقيلَ: عن ابن عمرَ (٢)، وقيلَ: عنْ كَعبِ بن عجرةَ، وقيلَ: عنْ كعبِ بن زيدٍ (٣). والحديثُ فيهِ دليلٌ على أن البَرَصَ مُنَفِّرٌ ولا يدلُّ الحديثُ على أنهُ يُفْسَخُ بهِ النكاحُ صريحًا لاحتمالِ قولِه ﷺ : "الحقي بأهلك"، أنه قصدَ به الطلاقَ، إلا أنهُ قدْ رَوَى هذا الحديثَ ابنُ كثيرٍ بلفظِ: "أنهُ ﷺ تزوَّجَ امرأةً منْ بني غفارٍ، فلمَّا دخلتْ عليهِ رَأَى بكشحها وضحًا، فردَّها إلى أهْلِها وقال: دلَّسْتُم عليَّ"، فهوَ دليلٌ على الفسخِ، وهذا الحديثُ ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في بابِ الخيارِ في النكاحِ والردِّ بالعيبِ. وقد اختلَفَ العلماءُ في فسخِ النكاحِ بالعيوبِ، فذهبَ أكثرُ الأمةِ إلى ثبوتِه وإنِ اختلفُوا في التفاصيلِ. فَرُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁[وابن] (٤) عمرَ ﵁، أنَّها لا تُرَدُّ النساءُ إلا منْ أربعٍ: من الجنونِ، والجذامِ، والبرصِ، والداءِ في الفرجِ، وإسنادُه منقطعٌ. ورَوَى البيهقي (٥) بإسنادٍ جيدٍ عن ابن عباسٍ ﵁: "أربعٌ لا يَجُزْنَ في بيعٍ

стр. 1644

ولا نكاحٍ: المجنونةُ والمجذومةُ والبرصاءُ والعفْلاءُ"، والرجلُ يشاركُ المرأةَ في ذلكَ، ويزيد بالجبِّ والعنةِ على خلافٍ في العنةِ وفي أنواعٍ منَ المنفراتِ خلافٌ. واختارَ ابنُ القيمِ (١) أن كلَّ عيبٍ يُنَفِّرُ الزوجَ الآخرَ منهُ ولا يحصلُ به مقصودُ النكاحِ منَ المودةِ والرحمةِ يوجبُ الخيارَ وهوَ أوْلَى منَ البيعِ، كما أن الشروطَ المشروطة في النكاح أوْلَى بالوفاءِ منَ الشروطِ في البيعِ. قالَ: ومَنْ تدبَّرَ مقاصدَ الشرعِ في مصادرِه وموارِده وعدْلِه وحِكْمَتِهِ وما اشتملتْ عليهِ منَ المصالحِ لم يخفَ عليهِ رجحانُ هذا القولِ وقُرْبُهُ منْ قواعدِ الشريعةِ. قالَ: وأما الاقتصارُ على عيبين أو ثلاثةٍ أو أربعةِ أو ستةِ أو سبعةٍ أو ثمانيةٍ دونَ ما هوَ أوْلَى منْها أو مساويْها فلا وجْهَ لهُ؛ فالعَمَى والخرسُ والطرشُ وكونُها مقطوعةَ اليدينِ أو الرجلينِ أو إحداهُما منْ أعظم المنفراتِ، والسكوتُ عنهُ منْ أقبحِ التدليسِ والغشِ وهوَ منافٍ للدينِ، والإطلاقُ إنما ينصرفُ إلى السلامةِ فهوَ كالمشروطِ عُرْفًا. قالَ: وقدْ قالَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ لمنْ تزوَّجَ امرأةً وهو لا يولدَ لهُ أخْبِرْها أنكَ عقيمٌ، فماذا تقولُ في العيوبِ الذي هذا عندَها كمالٌ لا نقصٌ؟! انتهى. وذهبَ داودُ وابنُ حزمٍ (٢) إلى أنهُ لا يُفْسَخُ النكاحُ بعيبٍ ألبتَةَ، وكأنهُ لما لم يثبتِ الحديثُ بهِ ولا يقولونَ بالقياسِ لم يقولُوا بالفسخِ. ١١/ ٩٥١ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَوَجَدَهَا بَرْصَاءَ، أَوْ مَجْنُونةً، أَوْ مَجْذُومَةً، فَلَهَا الصَّدَاقُ بِمَسِيسِهِ إِيَّاهَا، وَهُوَ لَهُ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بنُ مَنْصورٍ (٣) وَمَالِكٌ (٤) وَابْنُ أَبي شَيْبَةَ (٥). وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٦). [ضعيف]

стр. 1645

(وعنِ سعيدِ بن المسيَّبِ أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قالَ: أيُّما رجلٍ تزوَّجَ امرأةً فدخلَ بها فوجدَها برصاءَ أو مجنونة أو مجذومةً فلها الصَّداق بمسيسِهِ إياها، وهو لهُ على مَنْ غرَّه منها. أخرجه سعيدُ بن منصورٍ ومالكٌ وابن أَبي شيبةَ ورجالهُ ثِقَاتٌ) تقدَّمَ الكلامُ في الفسخِ بالعيبِ. وقولُه: (وهوَ)، أي المهرُ (لهُ) أي للزوجِ (على مَنْ غرَّهُ منْها) أي يرجعُ عليه، وإليهِ ذهبَ الهادي ومالكٌ وأصحابُ الشافعيِّ، وذلك لأنهُ غُرْمٌ لحقَهُ بِسبَبِهِ إلَّا أنَّهمُ اشترطُوا عِلْمَه بالعيبِ فإذا كانَ جاهلًا فلا غُرْمَ عليهِ، وقولُ عمرَ: "على مَنْ غرَّهُ"، دالٌ على ذلكَ، إذ لا غررَ منهُ إلَّا معَ العلمِ. وذهبَ أَبو حنيفةَ والشافعيُّ إلى أنهُ لا رجوعَ، إلَّا أن الشافعيَّ قالَ بِهذَا في الجديدِ. قالَ ابنُ كثيرٍ في الإرشادِ: وقدْ حَكَى الشافعيُّ في القديمِ عنْ عمرَ وعليٍّ وابنِ عباس في المغرورِ يرجعُ بالمهرِ على منْ غرَّهُ ويعتضدُ بما تقدَّم منْ قولِه ﷺ : "من غَشَّنا فليس منَّا" (١)، ثمَّ قالَ الشافعيُّ في الجديدِ: وإنَّما تركْنا ذلكَ لحديثِ: "أيُّما امرأةٍ نُكِحَتْ بغيرِ إِذْنِ وَليِّها فنكاحُها باطلٌ؛ فإنْ أصابَها فَلَهَا الصَّدَاقُ بما

стр. 1646

استحلَّ منْ فَرْجِها" (١)، قال: فجعلَ لها الصَّداقَ في النكاحِ الباطلِ وهي التي غرَّتْه، فلأنْ يجعلَ لها الصداقُ بلا رجوعٍ على الغاز في النكاحِ الصحيحِ الذي فيه الزوجُ مُخَيَّرٌ بطريقِ الأَوْلَى. انتَهى. وقدْ يقالُ: هذا مطلقٌ مُقَيَّدٌ بحديثِ البابِ. ١٢/ ٩٥٢ - وَرَوَى سَعِيدٌ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ (٢)، وَزَادَ: وَبِهَا قَرْنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ، فَإِنْ مَسّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا. [ضعيف]. (وَرَوَى سعيدٌ أيضًا) يعني ابنُ منصورٍ (عنْ عليٍّ ﵁ نحوهَ وزادَ: وبها قَرْنٌ) بفتحِ القافِ وسكونِ الرَّاءِ، هوَ العَفَلَةُ بفتحِ العينِ المهملةِ وفتحِ الفاءِ واللامِ، [وهو شيء يخرج] (٣) في قُبُلِ النساءِ وَحَيَا الناقةِ كالأَدَرَةِ في الرجالِ، (فزوجُها بالخيارِ، فإنْ مسَّها فَلَهَا المهْرُ بما استحلَّ منْ فَرْجِهَا). ١٣/ ٩٥٣ - وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (٤) أَيْضًا قَالَ: قَضَى عُمْرُ ﵁ في الْعِنينِ أَنْ يُؤَجَّلَ سَنَةً. وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [ضعيف]. (ومنْ طريقِ سعيدِ بن المسيَّبِ أيضًا)، أي: وأخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ منْ طريقِ ابن المسيبِ (قالَ: قَضَى عمرُ أنَّ العِنِّيْنَ يُؤَجَّلُ سنةَ. ورجالُه ثقاتٌ)، بالمهملةِ فنونٍ فمثناةٍ تحتيةٍ بِزِنَةِ سِكِّيْنٍ، هوَ مَنْ لا يأتي النساءَ عجزًا لعدمِ انتشارِ ذَكَرِهِ ولا يريدُهنَّ، والاسمُ: العَنَانَةُ [والعنينُ] (٥) والعِنِّيْنَةُ بالكسرِ ويشدَّدُ، والعُنَّةُ بالضمِّ الاسمُ أيضًا منْ عَنَنَ عن امرأتِهِ حَكَمَ عليهِ القاضي بذلِكِ أوْ مُنِعَ بالسحرِ. وهذَا الأثرُ دالٌّ على أنَّها عيبٌ يفسخُ بها النكاحُ بعدَ تحقُّقِها، واختلفُوا في ذلكَ، والقائلونَ بالفسخ اختلفُوا أيضًا في إمهالهِ ليحصلَ التحقيقُ، فقيلَ: يُمْهَلُ سنةً، وهوَ مرويٌّ

стр. 1647

عنْ عمرَ (١) وابنِ مسعودِ (٢)، وَرُوِيَ عنْ عثمانَ أنهُ لم يؤجِّلْه، وعنِ الحارثِ بن عبدِ اللَّهِ (٣) يُؤَجَّلُ عَشَرةَ أشهرٍ، وذهبَ أحمدُ والهادي وجماعةٌ إلى أنهُ لا فسخَ بذلك. واستدلُّوا بأنَّ الأصلَ عدمُ الفسخِ وهذا أثرٌ لا حجةَ فيهِ وبأنهُ ﷺ لمْ يُخَيِّرِ امرأةَ رُفاعةَ وقدْ شكتْ منهُ ذلكَ وهوَ في موضعِ التعليمِ. وقدْ أجابَ في "البحر" (٤) بقولِه: قُلْنَا [لهُ] (٥) لعلَّ زوجَها أنكرَ والظاهرُ معهُ. قلتُ: لا يخفَى أن امرأةَ رفاعةَ لم تشكُ منْ رفاعةَ فإنهُ كانَ قد طلَّقَها فتزوَّجَها عبدُ الرحمنِ بنُ الزبيرِ فجاءتْ تشكوُ إليهِ ﷺ وقالتْ إنما معهُ مثلُ هُدْبَةِ الثوبِ، فقالَ ﷺ : "أتريدينَ أنْ ترجعي إلى رفاعةَ؟ لا حتَّى يذوقَ عُسَيلتَكِ وتذوقي عُسَيْلَتَهُ" (٦). وفي روايةِ "الموطأِ" (٧): "أن رفاعةَ طلَّقَ امرأتَه تميمةَ بنتَ وَهْبٍ في عَهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ثلاثًا فَنَكحت عبدَ الرحمنِ ابنَ الزبيرِ فاعترض عنْها فلم يستطِعْ أنْ يَمَسَّها ففارقَها، فأرادَ رفاعةُ أنْ يَنْكِحَها وهوَ زوجُها الأولُ فقالَ ﷺ : أتريدينَ - الحديثَ". وبهذَا يُعْرَفُ عدمُ صحةِ الاستدلالِ [بحديث] (٨) رفاعةَ فإنَّها لم تطلبِ الفسخَ بلْ فهمَ مِنْها ﷺ أنَّها تريدُ أنْ يراجعَها رفاعةُ فأخبرَها أن عبدَ الرحمنِ حيثُ لم تذق عسيلته ولا ذاق عسيلتها [لا يُحِلُّها] (٩) لرفاعةَ. وكيفَ يحملُ حديثها على طلب الفسخِ وقدْ أخرجَ مالكٌ في "الموطأ" (٧) "أن عبدَ الرحمنِ لم يستطعْ أنْ يمسَّها فطلَّقَها فأراد رفاعةُ أنْ ينكحَها وهوَ زوجُها الأولُ فجاءتْ تستفتي رسولَ اللَّهِ ﷺ فأجابَها بأنَّها لا تحلُّ لهُ". وأما قصةُ أَبي ركانةَ وهيَ: "أنهُ نكحَ امرأةَ منْ مزينةَ فجاءتْ إلى النبيِّ ﷺ فقالتْ: ما يغني عَنِّي إلَّا كما تغني عنيِّ هذهِ الشعرةُ، لشعرةٍ أخذتْها منْ رأسِها ففرِّقْ بيني وبينَه، فأخذتِ النبيَّ ﷺ حميةٌ فدعا بركانةَ وإخوتِهِ ثمَّ قالَ لجلسائهِ:

стр. 1648

أترونَ فلانًا - يعني ولدًا لهُ - يشبهُ منهُ كذَا وكذَا من عبد يزيد (١)، وفلانًا لابنه الآخر يشبه منه كذا وكذا، قالُوا: نعمْ، قالَ النبيُّ ﷺ لعبدِ يزيدَ: طلِّقْها، ففعلَ - الحديثَ"، أخرجَه أَبو داودَ (٢) عن ابن عباسٍ. والظاهرُ أنهُ لم يثبتْ عندَهُ ﷺ ما ادَّعَتْهُ المرأةُ منَ العنَّةِ؛ لأنَّها خلافُ الأصلِ؛ ولأنهُ ﷺ تَعرَّفَ أولادَه بالقيافةِ، وسألَ عنْها أصابَهُ ﷺ فدلَّ [على] (٣) أنهُ لم يثبتْ لهُ أنهُ عِنِّينٌ فأمرهَ بالطلادقِ إرشادًا إلى أنهُ ينبغي لهُ فراقُها حيثُ طلبتْ ذلكَ منهُ لا أنه يجبُ عليهِ. فائدةٌ: قالَ ابنُ المنذرِ (٤): اختلفُوا في المرأةِ تطالبُ الرجلَ بالجماعِ، فقالَ الأكثر: إنْ وَطِئَها بعدَ أنْ دخلَ بها مرةً واحدةً لم يؤجَّلْ أَجَلَ العنِّينِ، وهوَ قولُ الأوزاعيِّ والثوريِّ وأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وإسحاقَ. وقالَ أَبو ثورٍ: إنْ تركَ جِمَاعَها لِعِلَّةٍ أَجَّلَ لها سنةً، وإنْ كانَ لغيرِ عِلَّةٍ فلا تأجيلَ. وقالَ عياضٌ: اتفقَ كافةُ العلماءِ على أن للمرأةِ حقًّا في الجماعِ فيثبتُ الخيارُ لها إذا تزوَّجَتْ المجبوبَ والممسوحَ جاهلةً بهمَا، ويضربُ للعنينِ أجلُ سنةٍ لاختبارِ زوالِ ما بهِ، انتَهى. قلتُ: ولم يستدلُّوا على مقدارِ الأجلِ بالسنةِ بدليلٍ ناهضٍ، إنما يذكرُ الفقهاءُ لأَجْلِ أنْ تمرَّ بهِ الفصولُ الأربعةُ فيتبيَّنُ حالهُ. * * *

стр. 1649

[الباب الثالث] باب عِشْرةِ النساء بكسرِ العينِ وسكونِ الشينِ المعجمةِ، أي عشرةَ الرجالِ - أي الأزواجِ - النساءَ، أي الزوجاتِ. ١/ ٩٥٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً في دُبُرِهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢) وَاللَّفْظُ لَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لكِنْ أُعِلَّ بِالإِرْسَالِ. [حسن]. (عنْ أَبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ملعونٌ منْ أَتَي امرأةً في دُبُرِها. رواهُ أَبو داودَ والنسائيُّ واللفظُ لهُ، ورجالهُ ثقاتٌ، لكنْ أُعِلَّ بالإرسالِ). رُوِيَ هذا الحديثَ بلفظهِ منْ طُرُقٍ كثيرةٍ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ منْهم عليُّ بنُ أَبي طالبٍ (٣) ﵁، وعمرُ (٤)،

стр. 1650

وخُزَيْمَةُ (١)، وعليُّ بنُ طَلْقٍ (٢) وطلقُ بنُ عليٍّ وابنُ مسعودٍ (٣) وجابرٌ (٤) وابنُ عباسٍ (٥) وابنُ عمر (٦) والبراءُ (٧)، وعقبةُ بنُ عامرٍ (٨)،

стр. 1651

وأنسٌ (١)، وأبو ذرٍّ (٢) ﵃، وفي طُرُقِهِ جميعِها كلامٌ ولكنَّهُ معَ كثرةِ الطرقِ واختلافِ الرواةِ يشدُّ بعضُ طرقِهِ بعضًا، ويدلُّ على تحريمِ إتيانِ النساءِ في أدبارهنَّ، وإلى هذا ذهبتِ الأمةُ إلَّا القليلَ للحديثِ هذَا؛ ولأنَّ الأصلَ تحريمُ المباشرةِ إلا لما أحلَّه اللَّهُ، ولم يحلَّ تعالى إلا القُبُلَ كما دلَّ [عليه] (٣) قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٤)، وقولهُ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٥) فأباحَ موضعَ الحرثِ. [والمرادُ] (٦) منَ الحرثِ نباتُ الزرعِ، فكذلكَ النساءُ الغرضُ منْ إتيانهنَّ هوَ طلبُ النَّسْلِ لا قضاءُ الشهوةِ وهوَ لا يكونُ إلا في القُبُلِ فيحرمُ ما عدا موضعَ الحرثِ، ولا يقاسُ عليهِ غيرهُ لعدمِ المشابهةِ في كونِهِ محلًا للزرعِ. وأما حلُّ الاستمتاعِ فيما عدا الفرجِ فمأخوذٌ مَنْ دليلٍ آخرَ وهو جوازُ مباشرةِ الحائضِ فيما عدا الفرجِ، وذهبتِ الإماميةُ (٧) إلى جوازِ إتيانِ الزوجة والأمةِ بلْ والمملوكِ في الدُّبُرِ. ورُوِيَ عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: لم يصحَّ في تحليلِهِ ولا تحريمِهِ شيءٌ والقياسُ أنهُ حلالٌ. ولكنْ قالَ الربيعُ: واللَّهِ الذي لا إلهَ إلا هوَ لقدْ نصَّ الشافعيُّ على تحريمِه في ستةِ كتبٍ، ويقالُ إنهُ كانَ يقولُ بحِلِّهِ في القديمِ (٨).

стр. 1652

وفي الهدي النبويِّ (١) عن الشافعيِّ أنهُ قالَ: لا أرخِّصُ فيهِ بلْ أَنْهَى عنهُ، وقالَ: إنَّ منْ نقلَ عن الأئمةِ إباحتهُ فقدْ غَلِطَ عليهم أفحشَ الغلطِ وأقبحَه وإنما الذي أباحُوهُ أنْ يكونَ الدبرُ طريقًا إلى الوطءِ في الفرجِ فيطأُ منَ الدبرِ لا في الدبرِ فاشتبَه على السامعِ، انتَهى. ويُرْوَى جوازُ ذلكَ عن مالكٍ وأنكرَه أصحابُه. وقدْ أطالَ الشارحُ القولَ في هذه المسألةِ بما لا حاجةَ إلى استيفائِه هنا وقرَّرَ آخرًا تحريمه، ومنْ أدلةِ تحريمهِ قولُه: ٢/ ٩٥٥ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَتى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً في دُبُرِهَا"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢) وَالنَّسَائِيُّ (٣) وَابْنُ حِبَّانَ (٤)، وَأُعِلّ بِالْوَقْفِ. [إسناده حسن]. (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: لا ينظرُ اللَهُ إلى رجلٍ أَتَى رجلًا أو أمرأةً في دُبُرِهَا. رواهُ الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ حبانَ وأُعِلَّ بالوقفِ) على ابن عباسٍ، ولكنَّ المسألةَ لا مسرحَ للاجتهادِ فيها سِيَّما ذكرُ هذا النوعِ منَ الوعيدِ فإنهُ لا يُدْرَكُ بالاجتهادِ فلهُ حكمُ الرفع. الوصاة بالجار وبالنساء ٣/ ٩٥٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤذِي جَارَهُ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ في الضِّلْعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ

стр. 1653

أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح]. وَلِمُسْلِم (٢): "فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُها طَلاقُهَا". (وعنْ أَبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: منْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فلا يؤذي جارَهُ، واستوصُوا بالنساءِ خيرًا فإنهنَّ خُلِقْنَ منْ ضِلعٍ) بكسرِ الضادِ المعجمةِ وفتحِ اللامِ وإسكانِها، واحدُ [الأضلع] (٣) (فإنَّ أعوجَ شيء في الضلعِ أعلاهُ إذا ذهبتَ تقيمهُ كسرتَه وإنْ تركتَه لم يزلْ أعوجَ، واستوصُوا بالنساءِ خيرًا) أي اقبلُوا الوصيةَ فيهنَّ، والمعنَى إني أوصيكم بهنَّ خيرًا، أو المعنَى يوصي بعضكم بعضًا فيهنَّ خيرًا (متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ. ولمسلمٍ: فإنِ استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عِوَجٌ) هوَ بكسرِ أولِه على الأرجحِ (وإنْ ذهبتَ تقيمها كسرتَها وكسرُها طلاقُها). الحديثُ دليلٌ على عِظَمِ حقِّ الجارِ وأنّ من آذى الجار فليس بمؤمن بالله واليومِ الآخر، وهذا وإنْ كانَ يلزمُ منهُ كفرُ مَنْ آذى جارَه إلَّا أنهُ محمولٌ على المبالغةِ؛ لأنَّ منْ حقِّ الإيمانِ ذلكَ فلا ينبغي لمؤمنِ الاتصافُ بهِ وقدْ عدَّ أذَى الجارِ منَ الكبائرِ، والمراد منْ كانَ يؤمنُ إيمانًا كاملًا. وقدْ وصَّى اللَّهُ على الجارِ في القرآنِ، وحدُّ الجارِ إلى الأربعين دارًا كما أخرجَ الطبرانيُّ (٤) أنهُ: "أَتَى النبيَّ ﷺ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ إني نزلتُ في محلِّ بني فلانٍ وإنَّ أشدَّهم لي أذىً أقربُهم إليَّ دارًا، فبعثَ النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ وعمرَ وعليًا ﵃ يأتون المسجدَ فيصيحونَ على أن أربعينَ دارًا جارٌ ولا يدخلُ الجنةَ منْ خافَ جارُه بوائقهُ (٥) ". وأخرج الطبرانيُّ في "الكبير" "والأوسطِ" (٦):

стр. 1654

"إنَّ اللَّهَ ليدفعُ بالمسلمِ الصالحِ عنْ مائةِ بيتٍ منْ جيرانِهِ"، وهذا فيه زيادةٌ على الأولِ. والأذيةُ للمسلم مطلقًا محرمةٌ، قالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾ (١)، ولكنهُ في حقِّ الجارِ أشدُّ تحريمًا فلا يغتفرُ منهُ شيءٌ، وهوَ كلُّ ما يُعَدُّ في العُرْفِ أذىً حتَّى وردَ في الحديثِ: "إنهُ لا يؤذيهِ بِقَتَارِ قِدْرِه إلَّا أنْ يغرفَ لهُ منْ مرقتهِ، ولا يحجزُ عنهُ الريحَ إلا بإذنِه، وإنِ اشترى فاكهةً أَهْدَى [له] (٢) إليه" (٣)، وحقوقُ الجارِ مستوفاةٌ في الإحياءِ للغزاليِّ (٤). وقولُه: "واستوصُوا" تقدَّمَ بيانُ معناهُ وعلَّلَه بقولهِ: فإنهنَّ خُلْقِنَ منْ ضلعٍ، يريدُ خلِقنَ خلقًا فيهِ اعوجاجٌ لأنهنَّ خلقنَ منْ أصلٍ مُعْوَجٍّ، والمرادُ أن حوَّاءَ أصلُها خلقتْ منْ ضلعِ آدمَ كما قالَ تعالَى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (٥) بعدَ قولهِ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٥). وأخرجَ ابنُ إسحاقَ منْ حديثِ ابن عباسٍ: "إنَّ حوَّاءَ خُلِقَتْ من ضلعِ آدمَ الأقصرِ الأيسرِ وهوَ نائمٌ" (٦)، وقولهُ: "وإنَّ أعوجَ ما في الضلعِ" إخبارٌ بأنها خلقتْ منْ أعوجِ أجزاءِ الضلعِ مبالغةً في إثباتِ هذهِ الصفةِ [فيهنَّ] (٧). وضميرُ قولهِ تقيمهُ وكسرتَهُ للضلعِ، وهوَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكذا في لفظِ البخاريِّ تقيمها وكسرتَها ويحتملُ أنهُ للمرأةِ، وروايةُ مسلمٍ صريحةٌ في ذلكَ حيثُ قالَ: "وكسرُها طلاقُها". والحديثُ فيهِ الأمرُ بالوصيةِ بالنساءِ والاحتمالُ لهنَّ، والصبرُ على عِوَجِ أخلاقِهنَّ، وأنهُ لا سبيلَ إلى إصلاحِ أخلاقِهنَّ بلْ لا بدَّ منَ العوجِ فيها، وأنهُ مِنْ أصلِ الخلقةِ. وتقدَّمَ ضبطُ العِوَجِ هُنَا، وقالَ أهلُ اللغةِ (٨): العوجُ بالفتحِ في كلِّ منتصبٍ كالحائطِ والعودِ وشِبْهِهِمَا وبالكسر ما كانَ في بساطٍ أو [عيش] (٩) أو دِيْنٍ ويقالُ: فلانٌ في دينهِ عِوَجٌ بالكسرِ.

стр. 1655

نهى ﷺ المسافر عن طروق أهله ليلًا ٤/ ٩٥٧ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزاةٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: "أَمْهِلُوا حَتَّى تدخلوا لَيْلًا - يَعْنِي عِشَاءً - لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ"، مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح]. وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (٢): "إِذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغَيْبَةَ فلا يَطْرُق أَهْلَهُ لَيْلًا". [صحيح]. (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: كُنَّا معَ النبيِّ ﷺ في غزاةٍ، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ ذَهَبْنَا لندخلَ فقالَ ﷺ : أمهلُوا حتَّى تدخلُوا ليلًا - يعني عشاءً - لكي تمتشطَ الشعثةُ) بفتحِ الشينِ المعجمةِ وكسرِ العينِ المهملةِ فمثلثةٍ (وتستحدَّ) بسينِ وحاءٍ مهملتينِ (المغيبةً) بضمِّ الميمِ وكسرِ المعجمةِ بعدَها مثناةٌ تحتيةٌ ساكنةٌ فموحدةٌ [مفتوحةٌ] (٣) التي غابَ عنْها زوجُها (متفقٌ عليهِ). فيهِ دليلٌ على أنهُ يحسنُ التأني [للقادمِ] (٤) على أهلهِ حتَّى يشعرُوا بقدومِهِ قبلَ وُصولِهِ بزمانٍ يتسعُ لما ذُكرَ منْ تحسينِ هيئاتِ منْ غابَ عنهنَّ أزواجُهن منَ الامتشاطِ وإزالةِ الشعرِ بالموسَى مثلًا منَ المحلاتِ التي يحسنُ إزالتُه منْها، وذلكَ لئلَّا يهجمَ على أهلهِ وهمْ في هيئةٍ غيرِ مناسبةٍ فينفرُ الزوجُ عنهنَّ، والمرادُ إذا سافرَ سَفَرًا يطيلُ فيه الغيبةَ كما دلَّ لهُ قولهُ: (وفي روايةِ البخاريِّ) أي عنْ جابرٍ: (إذا أطالَ أحدُكم الغيبةَ فلا يطرقْ أهلَه ليلًا) قالَ أهلُ اللغةِ: الطروقُ المجيءُ [ليلًا] (٥) منْ سَفَرٍ وغيرِهِ على غَفْلَةٍ، ويقالُ لكلِّ آتٍ بالليلِ طارقٌ ولا يقالُ في النهارِ إلَّا مجازًا. وقولُه: "ليلًا" ظاهرُه تقييدُ النَّهْي بالليلِ وأنهُ لا كراهةَ في وصوله إلى أهلهِ نهارًا منْ غيرِ شُعُورِهم. واختُلِفَ في علةِ التفرقةِ بينَ الليلِ والنهارِ، فعلَّلَ البخاريُّ في ترجمةِ البابِ بقولهِ: بابُ لا يطرقُ الرجلُ أهلَه ليلًا إذا أطالَ الغيبةَ مخافةَ أن يتخوَّنهم أو يلتمسَ [عوراتهم] (٦) فعلَى هذا التعليلِ يكونُ الليلُ جزءَ [علة] (٧)؛ لأنَّ الريبةَ تغلبُ في الليلِ وتندرُ في النهارِ وإنْ

стр. 1656

كانتِ العلةُ ما صرَّحَ بهِ وهوَ قولُه: "لكي تمتشطَ إلى آخرِهِ" [فهوَ حاصلٌ] (١) في الليلِ والنهارِ. قيلَ: ويحتملُ أنْ يكونَ معتبرًا في العلة على كلَا التقديرينِ، فإنَّ الغرضَ منَ التنظيفِ والتزيينِ هوَ تحصيلٌ [لكمالِ] (٢) الغرضِ منْ قضاءِ الشهوةِ وذلكَ في الأغلبِ يكونُ في الليلِ، فالقادمُ في النهارِ يَتَأَنَّى [لتحصيل زوجته] (٣) التنظيفُ والتزيينُ لوقتِ المباشرةِ وهوَ الليلُ بخلافِ القادمِ في الليلِ، [وكذلكَ] (٤) ما يُخْشَى منهُ منَ العثورِ على وجودِ أجنبيٍّ هوَ في الأغلبِ يكونُ في الليلِ. وقدْ أخرجَ ابنُ خزيمةَ (٥) عن ابن عمرَ قالَ: "نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن نطرقَ النساءَ ليلًا، فطرقَ رجلانِ كلاهُما فوجدَ - يريدُ كلُّ واحدٍ منْهما - معَ امرأتِه ما يكرَهُ". وأخرجَ أَبو عوانة في صحيحهِ (٦) منْ حديثِ جابرٍ: "أن عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ أتَى امرأتَه ليلًا وعندَها امرأةٌ تمشطُها فظنَّها رجلًا فأشارَ إليها بالسيفِ، فلمَّا ذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ نَهَى أنْ يطرقَ الرجلُ أهلَه ليلًا". وفي الحديثِ الحثُّ على البعدِ عنْ تَتَبُّعِ عوراتِ الأهلِ والحثُّ على ما يجلبُ التودُّدَ والتحابَّ بينَ الزوجينِ وعدمُ التعرضِ لما يوجبُ سوءَ الظنِّ بالأهلِ وبغيرِهم أَوْلَى. وفيهِ أن الاستحدادَ ونحوَه مما تتزينُ بهِ المرأةُ لزوجِهَا محبوبٌ للشرعِ وأنهُ ليسَ من تغيير خلقِ اللَّهِ المنْهِيِّ عنهُ. نهي الزوجين عن إفشاء ما يكون دينهما ٥/ ٩٥٨ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولَ اللهِ ﷺ : "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ منْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وتُفْضِي إِلَيهِ، ثُمّ يَنْشُرُ سرَّهَا"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٧). [صحيح]

стр. 1657

(وعنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّ شرَّ الناسِ عندَ اللَّهِ منزلةً يومَ القيامةِ الرجلُ يفضي إلى امرأتِهِ)، مِنْ أفْضَى الرجلُ إلى المرأةِ جامعَها أو خَلا بهَا، جامعَ أم لا، كما في القاموسِ، (وتفضي إليه ثم ينشرُ سِرَّها)، أي وتنشرُ سرَّهُ (أخرجهُ مسلمٌ)، إلَّا أنهُ بلفظِ: "إنَّ مِنْ أشرِّ الناسِ". قالَ القاضي عياضٌ: وأهلُ النحوِ يقولونَ: لا يجوزُ أشرُّ وأخْيَرُ، وإنَّما يقالُ: هوَ خيرٌ منهُ وشرُّ منهُ، قالَ: وقدْ جاءتِ الأحاديثُ الصحيحةُ باللغتينِ جميعًا، وهي حجةٌ في جوازهما جميعًا وأنَّهما لغتانِ. والحديثُ دليل على تحريمِ إفشاءِ الرجلِ ما يقعُ بينَه وبينَ امرأتِهِ منْ أمورِ الوقاعِ ووصْفِ تفاصيلِ ذلكَ، وما يجري منَ المرأةِ فيهِ منْ قولٍ أوْ فِعْلٍ ونحوه، وأما مجرَّدُ ذكرِ الوقاعِ فإذا لم يكنْ لحاجةٍ فذكرُه مكروهٌ؛ لأنهُ خلافُ المروءةِ. وقدْ قالَ ﷺ : "مَنْ كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فليقلْ خيرًا أو ليصمتْ" (١)، فإنْ دعتْ إليهِ حاجةٌ أوْ ترتبتْ عليهِ فائدةٌ، كان ينكرَ إعراضَه عنْها أو تَدَّعي عليهِ العجزَ عن الجماعِ أو نحو ذلكَ فلا كرَاهةَ [في ذِكْرِهِ] (٢)، كما قالَ ﷺ : "إني لأفعلُه أنا وهذِهِ" (٣)، وقالَ لأبي طلحةَ: "أعرَّسْتمُ الليلةَ" (٤)، وقالَ لجابرٍ: "الكَيْسَ الكَيْسَ" (٥)، وكذلكَ المرأةُ لا يجوزُ لها إفشاءُ سِرِّه، وقدْ وردَ بهِ نصٌّ أيضًا. هجر الزوجةَ تأديبًا ٦/ ٩٥٩ - وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَقُّ زَوْجِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: "تُطْعِمُهَا إِذَا أَكَلْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا في الْبَيتِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَأَبُو دَاوُدَ (٧)

стр. 1658

وَالنَّسَائِيُّ (١) وابْنُ مَاجَهْ (٢) وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٤) والْحَاكِمُ (٥). [صحيح] ترجمة حكيم بن معاوية (وعنْ حكيمِ بن معاويةَ) (٦) أي ابن حَيدةَ بفتحِ الحاءِ المهملةِ فمثناةٍ تحتيةٍ ساكنةٍ فدالٍ مهملةٍ، ومعاويةُ صحابيٌّ (٧) رَوَى عنهُ ابنُهُ حكيمٌ، ورَوَى عنْ حكيم ابنُه بَهْزٌ بفتحِ الموحدةِ وسكونِ الهاءِ فزاي (عنْ أبيهِ قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما حقٌّ زوجِ أحدِنا) هكذَا بعدمِ التاءِ هيَ اللغةُ الفصيحةُ وجاءَ زوجةُ بالتاءِ (عليهِ، قالَ: تطعمُها إذا أكلتَ وتكسُوها إذا اكتسيتَ ولا تضربِ الوجْهَ ولا تُقَبِّحْ ولا تهجرْ إلا في البيتِ. رواهُ أحمدُ والنسائيُّ وأبو داودَ وابنُ ماجهْ، وعلَّقَ البخاريُّ بعضَه) حيثُ قالَ: "بابُ هجرِ النبيِّ ﷺ نساءَه في غيرِ بيوتهنَّ" (٨) ويُذْكرُ عنْ معاويةَ بن حيدةَ رفعُه: "ولا تهجرْ إلا في البيتِ" والأولُ أصحُّ، (وصحَّحهُ ابنُ حبانَ والحاكمُ). دلَّ الحديثُ على وجوبِ نفقةِ الزوج وكسوتِها وأن النفقةَ بِقَدْرِ سَعَتِهِ لا يُكَلَّفُ فوقَ وُسْعِهِ لقولِه: "إذا أكلتَ" كَذَا قيلَ، وفي أخذِه منْ هذا اللفظِ خفاءٌ فمتَى قدرَ على تحصيلِ النفقةِ وجبَ عليهِ أنْ لا يختصَّ بها دونَ زوجتهِ، ولعلَّه مقيَّدٌ بما زادَ على قَدْرِ سَدِّ خلَّتِهِ لحديثِ: "ابدأْ بِنَفْسِكَ". ومِثْلُه القولُ في الكسوةِ. وفي الحديثِ دليل على جوازِ الضربِ تأديبًا إلَّا أنهُ مَنْهِيٌّ عنْ ضربِ

стр. 1659

الوجْهِ للزوجةِ وغيرها. وقولهُ: "لا [تقبِّحْ] (١) "أي لا [تُسمعْها] (٢) ما تكرهُ و [تقولُ] (٣) قبَّحَكِ اللَّهُ ونحوَه منَ الكلامِ الجافي، ومعنَى قولِه: "لا [تهجرْ] (٤) إلَّا في البيتِ"، أنهُ إذا أرادَ هَجْرَهَا في المضجعِ تأديبًا لها كما قالَ تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (٥) فلا يهجرْها إلَّا في البيتِ ولا يتحولْ إلى دارٍ أخرى أو يحوِّلْها إليها. إلَّا أن روايةَ البخاريِّ (٦) التي ذكرَنَاها دلَّتْ أنهُ ﷺ هجرَ نساءَه في غيرِ بيوتهنَّ، وخرجَ إلى مشربةٍ لهُ، وقدْ قالَ البخاريُّ: إنَّ هذا أصحُّ منْ حديثِ معاويةَ. هذا وقدْ يُقَالُ دلَّ فعلُه على جوازِ هجرهنَّ في غيرِ البيوتِ، وحديثُ معاويةَ على هجرهنَّ في البيوتِ، ويكون مفهومُ الحصْرِ غيرُ مرادٍ. واختلفوا في تفسيرِ الهجْرِ، فالجمهورُ فسَّروهُ بتركِ الدخولِ عليهنَّ والإقامةِ عندَهنَّ على ظاهرِ الآيةِ وهوَ منَ الهجرانِ بمعنَى البُعدِ، وقيلَ: يضاجعُها ويوليها ظهرَه، وقيلَ: يتركُ جِمَاعَها، وقيلَ: يجامعُها ولا يكلِّمُها، وقيلَ: هو منَ الهُجرِ الإغلاظُ في القولِ، وقيلَ: منَ الهِجَارِ وهوَ الحبلُ الذي يربطُ بهِ البعيرُ، أي أوثقوهنَّ في البيوتِ، قاله الطبريُّ واستدلَّ له ووهَّاهُ ابنُ العربيِّ. ٧/ ٩٦٠ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال: كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٧)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٨)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ قالَ: كانتِ اليهودُ تقولُ: إذا أَتَى الرجل امرأتَهُ منْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا كانَ الولدُ أحولَ فنزلَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٩)، متفقٌ عليهِ واللفظُ لمسلمٍ)، ولفظُ البخاريِّ سمعتُ جابرًا يقولُ: كانتِ اليهودُ تقولُ إذا

стр. 1660

جامَعها مِنْ ورائِها أي في قُبُلِهَا كما فسَّرتْهُ الروايةُ الأُولَى جاءَ الولدُ أحولَ فنزلتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١)، واختلفتِ الرواياتُ في سببِ نُزُولِها على ثلاثةِ أقوالٍ: الأولُ: ما ذكرَه المصنفُ منْ روايةِ الشيخينِ أنَّهُ في إتيانِ المرأةِ منْ وَرَائِها في قُبُلِها، وأخرجَ هذا المعنى جماعةٌ منَ المحدِّثِيْنَ عنْ جابرٍ وغيرِه، واجتمعَ فيهِ ستةٌ وثلاثونَ طريقًا صرَّحَ في بعضِها بأنه لا يحلُّ إلا في القُبُلِ وفي أكثرِها الردُّ على اليهودِ. الثاني: أنها نزلتْ في حِلِّ إتيانِ دُبُرِ الزوجةِ، أخرجَهُ جماعةٌ عنَ ابن عمرَ منِ اثْنَي عشرَ طريقًا (٢). الثالثُ: أنَّها نزلتْ في حِلِّ العزلِ عن الزوجةِ، أخرجَه أئمةٌ منْ أهلِ الحديثِ عن ابن عباسٍ وعنِ ابن عمرَ وعنِ ابن المسيِّبِ، ولا يَخْفَى أنَّ ما في الصحيحينِ مقدَّمٌ على غيرهِ فالراجحُ هوَ القولُ الأولُ. وابنُ عمرَ قدِ اختلفتْ عنهُ الروايةُ والقولُ بأنهُ أريدَ بها العزلَ لا يناسبُه لفظُ الآيةِ. هذا وقدْ رُوِيَ عن ابن الحنفيةِ أن معنَى قولِه تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾، إذا شئتُم، فهوَ بيانٌ للفظِ أنَّى [و] (٣) أنهُ بمعنَى إذا فلا يدلُّ على شيءٍ مما ذُكِرَ أنهُ سببُ النزولِ بل على أن إتيانَ الزوجةِ موكولٌ إلى مشيئةِ الزوجِ. التسمية عند مباشرة الزوجة ٨/ ٩٦١ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، الْلَّهُمّ جَنِّبْنَا الشَّيطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا،

стр. 1661

فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَينَهُما وَلَدٌ في ذلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لوْ أن أحدَكم إذا أرادَ أنْ يأتيَ أهلَه قالَ: بسمِ اللَّهِ اللَّهمَّ جَنِّبْنَا الشيطانَ وجنِّبِ الشيطانَ ما رزقْتَنَا، فإنه إنْ يُقَدَّرْ بينَهما ولدٌ في ذلكَ لم يضرَّهُ الشيطانُ أبدًا. متفقٌ عليهِ) هذا لفظُ مسلمٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يكونُ القولُ قَبْلَ المباشرةِ عندَ الإرادةِ، وهذِه الروايةُ تفسرُ روايةَ: "لو أن أحدَكمِ يقولُ حينَ يأتي أهلَه" - أخرجَها البخاريُّ (٢) - بأنَّ المرادَ حينَ يريدُ وضميرُ جَنِّبنَا للرجلِ وامرأتِه. وفي رواية الطبرانيِّ (٣): جنِّبني وجَنِّبْ ما رزقْتَني بالإفرادِ. وقولُه: "لم يضرَّهُ الشيطانُ أبدًا" أي لم يُسَلَّطْ عليهِ. قالَ القاضي عياضٌ (٤): نَفْيُ الضررِ على وجهةِ العمومِ في جميعِ أنواع الضررِ غيرُ مرادٍ وإنْ كانَ الظاهرُ العمومَ في جميعِ الأحوالِ منْ صيغةِ النفي معَ التَّأبيدِ، وذلكَ لما ثبتَ في الحديثِ [منْ] (٥) أن كلَّ ابن آدمَ يطعنُ الشيطانُ في بطنه حينَ يولدُ إلا مريمَ وابنَها؛ فإنَّ في هذا الطعنِ نوعُ ضررٍ في الجملةِ معَ أن ذلكَ سببُ صُراخِهِ. قلتُ: هذا منَ القاضي مبنيٌّ على عمومِ الضَّرَرِ [الدينيِّ] (٦) والدنيويِّ. وقيل: ليسَ المرادُ إلَّا الدينيُّ وأنهُ يكونُ منْ جملةِ العبادِ الذينَ قالَ تعالى فيهمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٧)، ويؤيدُ هذَا أنهُ أخرجَ عبدُ الرزاقِ (٨) عن الحسنِ وفيهِ: فكانَ يُرْجَى إنْ حملتْ بهِ أنْ يكونَ ولدًا صالحًا، وهوَ مرسلٌ. لكنهُ لا يقالُ منْ قِبلِ الرأي. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٩) ﵀: يُحْتَمَلُ أنهُ لا يضرُّهُ في دينهِ

стр. 1662

ولكنْ يلزمُ منهُ العصمةُ وليستْ إلا للأنبياءِ. وقدْ أُجِيْبَ بأنَّ العصمةَ في حقِّ الأنبياءِ على جهةِ الوجوبِ وفي حقِّ مَن دُعِيَ لأَجْلِهِ بهذَا الدعاءِ على جهةِ الجوازِ فلا يبعدُ أنْ يوجدَ مَنْ لا يصدرُ منهُ معصيةٌ عَمْدًا، وإنْ لمْ يكنْ ذلكَ واجبًا لهُ، وقيلَ: "لم يضرَّهُ" لم يفْتِنْهُ في دينهِ إلى الكفرِ وليسَ المرادُ عصمتَه عن المعصيةِ، وقيلَ: لم يضرَّهُ مشاركةُ الشيطانِ لأبيهِ في جماعِ أمِّه، ويؤيِّدُه ما جاءَ عنْ مجاهدٍ أن الذي يجامعُ ولا يُسَمِّي يلتفُّ الشيطانُ على إِحْلِيْلِهِ فيجامعُ معهَ، قيلَ: ولعلَّ هذا أقربُ الأجوبةِ. قلت: إلا أنهُ لم يذكرْ مَنْ أخرجَه عنْ مجاهدٍ ثمَّ هوَ مرسلٌ. ثمَّ الحديثُ سِيْقَ لفائدةٍ تَحْصُلُ للولدِ ولا تحصُلُ على هذا، ولعلَّه يقولُ إنَّ عدمَ مشاركةِ الشيطانِ لأبيهِ في جماعِ أمهِ فائدتُه عائدةٌ على الولدِ أيضًا. وفي الحديثِ استحبابُ التسميةِ وبيانُ بركتِها في كلِّ حالٍ وأنْ يعتصمَ باللَّهِ وذِكْرِه منَ الشيطانِ والتبرُّكِ باسمِه والاستعاذةِ بهِ منْ جميعِ الأسواءِ. وفيهِ أنَّ الشيطانَ لا يفارقُ ابنَ آدمَ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا إذا ذكرَ اللَّهَ. لعن الملائكة للمرأة إذا عصت زوجها ٩/ ٩٦٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتى تُصْبِحَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٢): "كَانَ الَّذِي في السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتى يَرْضَى عَنْهَا". [صحيح] (وعنْ أَبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: إذا دَعَا الرجلُ امرأتهُ إلى فراشهِ فأبتْ أنْ تجيءَ لعنتْها الملائكةُ حتى تصبحَ) أي وترجعَ عن العصيانِ، ففي بعضِ ألفاظِ البخاريِّ (٣) حتَّى ترجعَ، (متفقٌ عليهِ، واللفط للبخاريِّ. ولمسلمٍ: كانَ الذي في السماءِ ساخطًا عليها حتَّى يرضَى عنْها). [في] (٤) الحديثِ إخبارٌ بأنهُ يجبُ على المرأةِ

стр. 1663

إجابةُ زَوْجِها أي إذا دَعَاهَا للجماعِ؛ لأنَّ قولَه إلى فراشِهِ كنايةٌ عن الجماعِ كما في قولِه: "الولدُ للفراشِ" (١) أي للذي يطأ في الفراش، ودليلُ الوجوبِ لَعْنُ الملائكةِ لها إذْ لا يلعنونَ إلا عنْ أمرِ اللَّهِ تعالى، ولا يكونُ إلَّا عقوبةً، ولا عقوبةَ إلا على تركِ واجبٍ، وقولُه: "حتَّى تصبحَ" دليلٌ على وجوبِ الإجابةِ في الليلِ، ولا مفهومَ لهُ لأنهُ خرجَ ذكرُه مَخْرَجَ الغالبِ، وإلَّا فإنهُ [يجبُ] (٢) عليها إجابتُه نهارًا. وقدْ أخرجهُ غيرَ مقيَّدٍ بالليلِ ابنُ خزيمةَ (٣) وابنُ حبانَ (٤) مرفوعًا: "ثلاثةٌ لا تقبلُ لهم صلاةٌ ولا تصعدُ لهمْ إلى السماءِ حسنةٌ: العبدُ الآبقُ حتَّى يرجعَ، والسكرانُ حتى يصحوَ، والمرأةُ الساخطُ عليها زوجُها حتَّى يرضَى"، وإنْ كانَ هذا في سخطهِ مطلقًا، ولوْ لعدمِ طاعتِها في غيرِ الجماعِ، وليسَ فيهِ لعنٌ إلا أن فيهِ وعيدًا شديدًا يدخلُ فيهِ عدمُ طاعتِها لهُ في جماعِها منْ ليلٍ أو نهارٍ. وزادَ البخاريُّ (٥) في روايتِه في بدءِ الخلقِ: فباتَ غضبانَ عليها. أي زوجُها، قيلَ: وهذهِ الزيادةُ يتجهُ وقوعُ اللعنِ عليها لأنَّها حينئذٍ يتحققُ ثبوتُ معصيتِها بخلافِ ما إذا لمْ يغضبْ منْ ذلكَ فإنَّها لا تستحقُّ اللعنَ. وفي قولِه: "لعنتْها الملائكةُ" دلالةٌ على أن مَنْعَ مَنْ عليهِ الحقُّ عمنْ هوَ لهُ وقدْ طلبهُ يوجبُ سخطَ اللَّهِ تعالى على المانعِ سواءً كانَ الحقُّ في بدنٍ أو مالٍ، قيل: ويدلُّ أنهُ يجوزُ لعنُ العاصي المسلمِ إذا كانَ على وجْهِ الإرهابِ عليهِ قبلَ أنْ يواقعَ المعصيةَ، فإذا واقعَها دُعِيَ لهُ بالتوبةِ والمغفرةِ. قالَ المصنفُ ﵀ في "الفتحِ" (٦) بعدَ نَقْلِهِ [لِهَذَا] (٧) عن المهلبِ: ليسَ هذَا

стр. 1664

التقييدُ مستفادٌ منَ الحديثِ، بلْ منْ أدلةِ أخْرَى. والحقُّ أن منْ منعَ اللعنَ أرادَ بهِ [المعنى] (١) اللغويَّ وهوَ الإبعادُ [منَ] (٢) الرحمةِ، وهذا لا يليقُ أنْ يَدَّعِيَ بهِ على المسلمِ، بلْ يطلبُ لهُ الهدايةَ والتوبةَ والرجوعَ عن المعصيةِ، والذي أجازَه أرادَ معناهُ العرفيَّ وهوَ مطلقُ السبِّ، ولا يخْفَى أن محلَّه إذا كانَ بحيثُ يرتدعُ العاصي بهِ وينزجرُ، وَلعنُ الملائكةِ لا يلزمُ منهُ جوازُ اللعنِ منَّا، فإنَّ التكليفَ مختلِفٌ، انتَهى كلامُهُ. قلت: قولُ المهلبِ إنهُ يُلْعَنُ قبلَ وقوعِ المعصيةِ للإرهابِ كلامٌ مردودٌ فإنهُ لا يجوزُ لَعْنُه قبلَ إيقاعِه لها أصلًا؛ لأنَّ سببَ اللعنِ وقوعُها منهُ فقبلَ وقوعِ السبب لا وجْهَ لإيقاعِ المسبِّبِ. ثمَّ إنهُ رتَّبَ في الحديثِ لعنَ الملائكةِ على إباءِ المرأَةِ عن الإجابةِ، وأحاديثُ: "لعنَ اللَّهُ شاربَ الخمرِ" (٣) رتَّبَ فيها اللعنَ على وصْفِ كونِه شاربًا، وقولُ الحافظِ بأنهُ إنْ أُرِيدَ معناهُ العرفيُّ جازَ لا يخْفَى أنهُ غيرُ مرادٍ للشارعِ إلا المعنَى اللغويَّ. والتحقيقُ أن اللَّهَ تعالى أخبرَنا بأن الملائكةَ تلعنُ مَنْ ذُكِرَ، وبأنهُ تعالى لعنَ شاربَ الخمرِ، ولم يأمرْنا بلعنِه؛ فإنْ وردَ الأمرُ بلعنِه وجبَ علينا الامتثالُ ولعنهُ ما لم تُعْلَمْ توبتُه، ونُدِبَ لنا الدعاءُ لهُ بالتوفيقِ [بالتوبة] (٤) والاستغفارِ. وقدْ أخبرَ اللَّهُ تعالَى أنَّ الملائكةَ تلعنُ مَنْ ذكرَ ومعلومٌ أنهُ عنْ أمرِ اللَّهِ تعالى، وأخبرَ أنَّهم يستغفرونَ لمنْ في الأرضِ، وهو عامٌّ يشملُ مَنْ يلعنونهم منْ أهلِ الإيمانِ وهمْ المرادونَ في الآيةِ؛ إذِ المرادُ منْ عصاةِ أهلِ الإيمانِ لأنَّهمُ المحتاجونَ إلى الاستغفارِ لا أنَّها مقيدةٌ بقولِه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥) الآية كما قيلَ؛ لأنَّ التائبِ مغفورٌ له، وإنما [دعاؤُهم] (٦) لهُ بالمغفرةِ تعبُّدٌ وزيادةُ تنويهٍ [لشأن] (٧) التائبينَ.

стр. 1665

وأما شمولُ عمومِها الكفارَ فمعلومٌ أنهُ غيرُ مرادٍ، وبهذَا يُعْرَفُ أن الملائكةَ قامُوا بالأمرينِ كما أشرْنا إليهِ. وفي الحديثِ رعايةُ اللَّهِ لعبدِه ولعنُ مَنْ عصاهُ في قضاءِ شهوتهِ منهُ، وأيُّ رعايةٍ أعظمُ منْ رعايةِ الملِكِ الكبيرِ للعبدِ الحقيرِ، فليكنْ لِنِعَمِ مولاهُ ذاكرًا، ولأياديهِ شاكرًا، ومنْ معاصيهِ محاذِرًا، ولهذهِ النكتةِ الشريفِ منْ كلامِ رسولِ اللَّهِ ذاكرًا. لعن رسول اللهِ ﷺ الواصلة والمستوصلة … ١٠/ ٩٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن النبيَّ ﷺ لعنَ الواصلةَ) بالصادِ المهملةِ (والمستوصلةَ والواشمةَ) بالشينِ المعجمةِ (والمستوشمةَ. متفقٌ عليه). الواصلةُ هي المرأةُ التي تَصِلُ شَعْرَها بِشَعْرِ غيرِها سواءٌ فعلتهُ لنفسِها أو لغيرِها، والمستوصلةُ التي تطلبُ فعلَ ذلكَ، وزادَ في الشرحِ: ويفعلُ بها، ولا يدلَّ عليهِ اللفظُ. والواشمةُ فاعلةُ الوشْمِ وهوَ أنْ تغرزَ إبرةً ونحوَها في ظهرِ كفِّها أو شَفَتِهَا أو نحوهما منْ بَدَنِها حتَّى يسيلَ الدَّمُ ثم تحشُو ذلكَ الموضعَ بالكحلِ أو النورةِ فَيَخْضَرُّ. والمستوشمةُ الطالبةُ لذلكَ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديثِ، فالوصلُ محرَّمٌ للمرأةِ مطلقًا بِشَعْرٍ محرَّمٍ أو غيرِه، آدميٍّ أو غيرِه، سواء كانتِ المرأةُ ذاتَ زينةٍ أوْ لا، مزوجةٌ أو غيرُ مزوَّجةٍ. وللهادويةِ والشافعيةِ خلافٌ وتفاصيلُ لا ينهضُ عليها دليلٌ، بلِ الأحاديثُ قاضيةٌ بالتحريمِ مطلقًا لوصلِ الشعرِ واسْتِيْصالِه، كما هيَ قاضيةٌ بتحريمِ الوشْمِ وسؤالِه، ودلَّ اللَّعنُ أن هذِه المعاصي منَ الكبائرِ (٢). هذَا وقدْ عُلِّلَ الوشمُ في بعضِ الأحَاديثِ بأنهُ تغييرٌ لخلقِ اللَّهِ تعالى، ولا يُقَالُ إنَّ الخِضَابَ بالحِنَّاءِ ونحوهِ تشملُه العِلَّةُ؛ لأنها وإنْ شملتْه فهوَ

стр. 1666

مخصوصٌ بالإجماعِ وبأنهُ قدْ وقعَ في عصرِه ﷺ ، بلْ أمرَ بتغييرٍ بياضِ أصابعِ المرأةِ بالخضابِ كما في قِصَّةِ هندٍ (١). فأمَّا وصْلُ الشَّعْرِ بالحريرِ ونحوهِ منَ الخِرَقِ فقالَ القاضي عياضٌ (٢): اختلفَ العلماءُ في المسألةٍ، فقالَ مالكٌ والطبريُّ وكثيرونَ أوْ قالَ الأكثرونَ: الوصْلُ ممنوعٌ بكلِّ شيءٍ سواءٌ وصلتْه بصوفٍ أو حريرٍ أو خِرَقٍ واحتجُّوا بحديثِ مسلمٍ (٣) عنْ جابرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ : "زَجَرَ أنْ تصلَ المرأةُ برأسِها شيئًا"، وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ (٤): النَهْيُ مختصٌّ بالوصلِ بالشعرِ ولا بأسَ بوصلهِ بصوفٍ وخِرَقٍ وغيرِ ذلكَ، وقال بعضُهم: يجوزُ بكلِّ شيءٍ وهوَ مروي عنْ عائشةَ ولا يصحُّ عنْها. قالَ القاضي (٤): وأما ربطُ خيوطِ الحريرِ الملونةِ ونحوِها مما لا يشبهُ الشعرَ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ لأنهُ ليسَ بوصلٍ ولا لمعنَى مقصودٍ منَ الوصلِ وإنما هوَ للتجمُّلِ والتحسينِ، انتَهى. ومرادُه منَ المعنَى المناسبِ هوَ ما في ذلكَ منَ الخداعِ للزَّوْجِ فما كانَ لونُه مغايرًا للونِ الشعرِ فلا خِدَاعَ فيهِ. حكم الغيلة والعزل ١١/ ٩٦٤ - وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵄ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهى عَنِ الغيلةِ فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإذَا هُمْ يَغيلُونَ أَوْلادَهُمْ فَلا يَضُرُّ ذَلكَ أَوْلادَهُمْ شَيْئًا"، ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفيُّ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح]
следующие страницы →