← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 192–231 · переход к 197.

стр. 192

قولِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (١) الآيةُ، وأنهُ يقدمُ اليمنى، (إلى المِرْفَقِ) بكسرِ ميمِهِ، وفتح فائهِ، وبفتحهمَا، وكلمةُ (إلى) في الأصل للانتهاءِ، وقد تستعمل بمعنى مَعَ، وبينَتِ الأحَاديثُ أنهُ المرادُ، كما في حديث جابرٍ: "كان ﷺ يديرُ الماءَ على مرفقيهِ"، أي النبيُّ ﷺ . أخرجهُ الدارقطنيُّ (٢) بسندٍ ضعيفٍ، وأخرجَ (٣) بسندٍ حسنٍ في صفةِ وضوءِ عثمانَ أنهُ غسلَ يديهِ إلى المِرْفَقينِ حتى مسحَ أطرافَ العضُدَينِ، وهوَ عندَ البزَارِ (٤)، والطبرانيِّ (٥) منْ حديثِ وائلِ بن حجرٍ في صفةِ الوضوءِ: "وغسلَ ذراعيهِ حتى جاوزَ المرافقَ". وفي الطحاويِّ (٦)، والطبرانيِّ (٧) من حديثِ ثعلبةَ بن عبادٍ عنْ أبيهِ: "ثمَّ غسلَ ذراعيهِ حتى [سال] (٨) الماءُ على مرفقيهِ"، فهذهِ الأحاديثُ يقوي بعضُها بعضًا (٩). قَالَ إسحاقُ بنُ راهويه: (إلى) في الآيةِ: يحتملُ أنْ تكونَ بمعنى الغايةِ، وأنْ تكونَ بمعنى مَعَ، فبيَّنتِ السنَّةُ أنَّها بمعْنى معَ.

стр. 193

قالَ الشافعي: لا أعلمُ خلافًا في إيجابِ دخولِ المرفقينِ في الوضوءِ، وبهذا عرفتَ أن الدليلَ قدْ قامَ على دخولِ المرافقِ. قال الزمخشريُّ: لفظُ (إلي) يفيدُ معنى الغايةِ مطلقًا، فأمَّا دخولُها في الحكمِ وخروجُها فأمرٌ يدورُ معَ الدليلِ، ثمَّ ذكرَ أمثلةً لذلكَ، وقدْ عرفتَ أنهُ قدْ قامَ ها هنَا الدليلُ علَى دخولِها (ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ) أي: إلى المرافق ثَلاثَ مَرَّاتٍ، (ثُمَّ مَسَحَ برأسهِ) هوَ موافقٌ للآيةِ في الإتيانِ بالباءِ، ومسحَ يتعدَّى بها، وبنفسِهِ. قالَ القرطبيُّ (١): إن الباءَ هنَا للتعديةِ يجوزُ حذفُها وإثباتُها، وقيلَ: دخلتِ الباءُ ها هنا لمعنى تفيدُهُ، وهوَ أن الغَسْلَ لغةً يقتضي مغسولًا بهِ، والمسحُ لغة لا يقتضي ممسوحًا به، فلو قالَ: امسحوا رؤوسكم لأجزأَ المسحُ باليدِ بغيرِ ماءٍ، فكأنه قال: وامسحوا برؤوسِكُم الماءَ، وهوَ من بابِ القلبِ، والأصلُ فيه امسحوا بالماءِ رؤوسَكم. ثمَّ اختلفَ العلماءُ: هلْ يجبُ مسحُ كلِّ الرأسِ أو بعضِهِ؟ قَالوا: والآيةُ لا تقتضي أحدَ الأمرينِ بعينِهِ، إذْ قولُهُ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢) يحتملُ جميعَ الرأسِ أو بعضَهُ، ولا دلالَة في الآيةِ على استيعابِهِ، ولا عدمٍ استيعابهِ، لكنَّ مَنْ قالَ: يُجزئُ مسحُ بعضهِ قالَ: إنَّ السنةَ وردتْ مبيِّنةً لأحدِ احتمالي الآيةِ، وهوَ ما رواهُ الشافعيُّ (٣) منْ حديثِ عطاءٍ: "أن رسولَ الله ﷺ توضأَ فحسرَ العمامةَ عنْ رأسهِ ومسحَ مُقَدَّمَ رأسِهِ"، وهوَ وإنْ كانَ مرسلًا، فقدْ اعتضدَ بمجيئهِ مرفوعًا منْ حديثِ أنسٍ (٤)، وهو وإن كانَ في سندِهِ مجهولٌ، فقدْ عضدَ بما أخرجهُ سعيدُ بنُ منصورٍ (٥) من حديثِ عثمانَ في صفةِ الوضوءِ: "أنهُ مسحَ مُقَدَّمَ رأسهِ"، وفيه راوٍ مختلفٌ فيهِ.

стр. 194

وثبتَ عن ابن عمرَ (١) الاكتفاءُ بمسحِ بعضِ الرأسِ. قالَ ابنُ المنذرِ وغيرُهُ: ولمْ ينكِرْ عليهِ أحدٌ منَ الصحابةِ. ومنَ العلماءِ مَنْ يقولُ لا بُدَّ مِنْ مسحِ البعضِ منَ التكميلِ على العمامةِ؛ لحديثِ المغيرةِ وجابرٍ عندَ مسلم (٢). ولم يذكرْ في هذهِ الروايةِ تكرارَ مسحِ الرأسِ كما ذكرهُ في غيرِها، وإنْ كانَ قَدْ طوى ذكرَ التكرارِ أيضًا في المضمضةِ كما عرفتَ، وعدمُ الذكرِ لا دليلَ فيه. ويأتي الكلامُ في ذلك. (ثُمَّ غَسَلَ رِجْلهُ اليُمْنى إلى الكعبين ثلاثَ مراتٍ)، الكلامُ في ذلكَ كما تقدَّمَ في يدِهِ اليمنى إلى المرفقِ، إلَّا أن المرافقَ قدْ اتُّفِقَ علَى مُسَمَّاهَا بخلافِ الكعبينِ فوقعَ في المرادِ بهمَا هنا خلافٌ. فالمشهورُ إنَّهُ العظمُ الناشزُ عندَ ملتقَى الساقِ، وهوَ قولُ الأكثرِ، وحُكِيَ عنْ أبي حنيفةَ والإماميةِ أنهُ العظمُ الذي في ظهرِ القدمِ عندَ معقدِ الشراكِ. وفي المسألةِ مناظراتٌ ومقاولاتٌ طويلةٌ. قال في الشرحِ: ومِنْ أوضحِ الأدلةِ - أي على ما قاله الجمهورُ - حديثُ النعمانِ بن بشير (٣) في صفةِ الصفِ في الصلاةِ: "فرأيتُ الرجُلَ منَّا يُلْزِقُ كعبَه بكعبِ صاحبِهِ". قلتُ: ولا يخفى أنهُ لا أنهضيَّة فيهِ؛ لأنَّ المخالفَ يقولُ: أنا أسميهِ كعبًا، ولا أخالفُكمْ فيهِ لكني أقولُ: إنهُ غيرُ المرادِ في آيةِ الوضوءِ، إذِ الكعبُ يطلقُ على الناشزِ، وَعَلَى مَا في ظهر القدم، وغايةُ مَا في حديثِ النعمانِ أنهُ سمَّى

стр. 195

الناشزَ كعبًا، ولا خلافَ في تسميتِهِ. وقدْ [أيَّدْنا] (١) في حواشي (ضوءِ النَّهارِ) (٢) أرجحيةَ مذهبِ الجمهور بأدلةٍ هنالكَ، (ثمَّ اليسرى مثلَ ذلكَ) أي إلى الكعبينِ ثلاثَ مراتٍ. (ثمَّ قالَ) أي: عثمانُ (رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ توضأَ نحوَ وضوئي هَذَا. متفقٌ عليهِ). وتمامُ الحديثِ: (فقالَ - أي رسولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ توضأَ نحوَ وضوئي هَذَا، ثم صلَّى ركعتينِ لا يحدِّثُ فيهما نفسه، غفرَ له ما تقدمَ مِنْ ذنبِهِ)، أي لا يحدثُ فيهما نفسَهُ بأمورِ الدُّنيا، وما لا تعلقَ لهُ بالصلاةِ، ولوْ عرضَ لهُ حديثٌ فأعرضَ عَنه بمجردِ عروضهِ عفي عنهُ، ولا يعدُّ محدِّثًا لنفسهِ. واعلمْ أن الحديثَ قد أفادَ الترتيبَ بينَ الأعضاءِ المعطوفةِ بثُمَّ، وأفادَ التثليثَ، ولمْ يدلّ على الوجوبِ؛ لأنهُ إنَّما هوَ صفةُ فعلٍ ترتبتْ عليهِ فضيلة، ولمْ يترتبْ عليهِ عدمُ إجزاءِ الصلاةِ، إلَّا إذا كانَ بصفتِهِ، وَلا وردَ بلفظٍ يدلُّ على إيجابِ صفاتهِ. فأمَّا الترتيبُ، فخالفتْ فيهِ الحنفيةُ، وقالُوا: لا يجبُ. وأمَّا التثليثُ، فغيرُ واجب بالإجماعِ، وفيهِ خلافٌ شاذٌّ. ودليلُ عدم وجوبهِ تصريحُ الأحاديثِ بأنُه ﷺ توضأَ مرتينِ مرتينِ (٣)، ومرةً مرةً (٤)، وبعضَ الأَعضاءِ ثلَّثَها وبعضَها بخلافِ ذلكَ، وصرَّحَ في وضوءِ مرةٍ مرةٍ أنهُ لا يقبلُ اللَّهُ الصلاةَ إلا بهِ. وأمَّا المضمضةُ والاستنشاقُ فقدِ اخْتُلفَ في وجوبِهمَا، فقيلَ: يجبانِ لثبوتِ

стр. 196

الأمرِ بهمَا في حديثِ أبي داودَ (١) بإسنادٍ صحيحٍ، وفيهِ: (وبالغْ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تكونَ صائمًا)، ولأنهُ واظبَ عليهمَا في جميعِ وضوئِهِ. وقيل: إنهمَا سنةٌ بدليلِ حديثِ أبي داودَ (٢) والدارقطنيِّ (٣) وفيهِ: (إنهُ لا تتمُّ صلاةُ أحدِكم حتَّى يُسْبِغَ الوضوءَ كَما أمره اللَّهُ تعالى، فيغسلُ وجهَهُ ويديْهِ إلى المرفقينِ، ويمسحُ برأسهِ ورجليهِ إلى الكعبينِ)، فلمْ يذكرِ المضمضةَ والاستنشاقَ؛ فإنهُ اقتصرَ فيهِ على الواجب الذي لا يقبلُ اللَّهُ الصلاة إلَّا بهِ، وحينئذٍ فَيُؤَوَّلُ حديثُ الأمرِ بأنهُ أمرُ ندبٍ (٤). مسح الرأس ٣/ ٣١ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (وَمَسَحَ بِرَأسِهِ وَاحِدَةً) [صحيح] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٥)، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٦)، وَالنَّسَائِيُّ (٧) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، بَلْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ (٨).

стр. 197

ترجمة علي ﵁ - (وعن عليٍّ ﵇ (١). هوَ أميرُ المؤمنينَ أبو الحسنِ عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ابنُ عمِّ رسولِ اللَّهِ، وأولُ منْ أسلمَ مِنَ الذكورِ في أكثرِ الأقوالِ على [خلاف] (٢) في سنِّهِ كمْ كانت؟ وليسَ في الأقوالِ أنهُ بلغَ ثماني عشرةَ سنةً، بلْ متردِّدةً بينَ ستَّ عشْرةَ إلى سبعِ سنينَ. شهدَ المشاهدَ كلَّها إلَّا تبوكَ، فأقامهُ ﷺ في المدينةِ خليفةً عنهُ، وقالَ لهُ: (أمَا ترضَى أنْ تكونَ منِّي بمنزلةِ هارونَ مِنْ موسى) (٣).

стр. 198

استُخْلِفَ يومَ قُتِلَ عثمانُ يومَ الجمعةِ لثماني عَشْرَةَ خلتْ منْ شهرِ [ذي] (١) الحجةِ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ. واستشهد صبحَ الجمعةِ بالكوفةِ لسبع عَشْرَةَ ليلةٍ خلتْ مِنْ شهرِ رمضانَ سنةَ أربعينَ، وماتَ بعدَ ثلاثٍ منْ ضربةِ الشقيِّ ابن ملجم [لهُ] (٢)، وقيلَ غيرُ ذلكَ. وخلافتهُ أربعُ سنينَ وسبعةُ أشهرٍ وأيام. وقد أُلِّفَتْ في صفاتهِ وبيانِ أحوالهِ كتبٌ جمَّةٌ، واستوفينا شطرًا صالحًا منْ ذلكَ في (الروضةِ النديةِ شرح التحفةِ العلويةِ) (٣). (في صفةِ وضوءِ النبيِّ ﷺ قالَ: وَمَسَحَ برأسهِ واحدةً. أخرجه أبو داودَ). هوَ قطعةٌ منْ حديثٍ طويلٍ استوفَى فيهِ صفةَ الوضوءِ منْ أولهِ إلى آخرهِ، وهوَ يفيدُ ما أفادَ حديثُ عثمانَ، وإنَّما أتى المصنفُ ﵀ بما فيهِ التصريحُ بما لمْ يُصَرَّحْ بهِ في حديثِ عثمانَ، وهوَ مسحُ الرأسِ مرةً، فإنهُ نصَّ أنهُ واحدةٌ معَ تصريحهِ بتثليثِ ما عداهُ من الأعضاءِ. أقوال العلماء في تثليث مسح الرأس وقدِ اختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فقالَ قومٌ بتثليثِ مسحهِ، كما يثلَّثُ غيرُهُ منَ الأعضاءِ؛ إذْ هوَ منْ جملتِها، وقد ثبتَ فِي الحديثِ تثليثُهُ، وإنْ لم يُذْكَرْ في كلِّ حديثٍ ذُكرَ فيهِ تثليثُ الأعضاءِ. فإنهُ قدْ أخرجَ أبو داودَ (٤) من حديثِ عثمانَ في

стр. 199

تثليثِ المسحِ، أخرجهُ منْ وجهينِ صحَّحَ أحدهما ابنُ خزيمةَ، وذلكَ كافٍ في ثبوت هذهِ السنةِ. وقيلَ: لا يشرعُ تثليثهُ، لأنَّ أحاديثَ عثمانَ الصَّحاحَ كلَّها - كما قالَ أبو داودَ - تدلُّ على مسحِ الرأسِ مرَّةً واحدةً، وبأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيفِ فلا يقاسُ على الغسلِ، وبأنَّ العددَ لو اعتُبِرَ في المسحِ، لصارَ في صورةِ الغَسْلِ. وأجيبَ بأنَّ كلامَ أبي داودَ ينقضهُ ما رواهُ هوَ وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ كما ذكرناهُ، والقولُ بأنَّ المسحَ مبنيٌّ على التخفيفِ قياسٌ في مقابلةِ النصِّ فلا يسمعُ. فالقولُ بأنهُ يصيرُ في صورةِ الغسلِ لا يُبَالى بهِ بعدَ ثبوتِه عن الشارعِ، ثمَّ روايةُ التَّرْكِ لا تعارضُ روايةَ الفعلِ، وإنْ كثرتْ روايةُ التَرْكِ، إذِ الكلامُ أنهُ غيرُ واجبٍ بل هو سنةً منْ شأنِها أنْ تُفْعَلَ أحيانًا وتُتركَ أحيانًا. (وأخرجهُ) أي حديثَ عليّ ﵇ (النسائيُّ، والترمذيُّ بإسنادِ صحيحٍ، بلْ قالَ الترمذيُّ: إنهُ أصحُّ شيءٍ في الباب). وأخرجهُ أبو داودَ (١) منْ سِتِّ طرقٍ، وفي بعضِ طرقِهِ لم يَذْكُرِ المضمضةَ والاستنشاقَ، وفي بعضٍ: (ومسحَ على رأسهِ حتى لم يقطرْ). صفة مسح الرأس ٤/ ٣٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ﵄ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: (وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] - وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا (٣): (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رأسِهِ، حَتَّى ذَهَب بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدأَ مِنْهُ).

стр. 200

ترجمة عبد اللَّه بن زيد المازني (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) (١)، هو الأنصاريُّ المازنيُّ منْ [بني] (٢) مازنِ بن النجارِ، شهدَ أُحُدًا، وهوَ الذي قَتَلَ مسيلِمةَ الكذَّابَ وشاركهُ وحشيٌّ. وقُتِلَ عبدُ اللَّهِ يومَ الحَرَّةِ سنةَ ثلاثٍ وستينَ، وهوَ غيرُ عبدِ اللَّهِ بن زيدِ بن عبدِ ربهِ الذي يأتي حديثُهُ في الأذانِ، وقدْ غلطَ فيهِ بعضُ أئمةِ الحديثِ، فَلِذَا نَبَّهْنَا عليهِ. (في صفَةِ الوضوءِ قَالَ: وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفقٌ عليه). فَسَّرَ الإقبالَ بِهِمَا بأنهُ بدأَ مِنْ مُؤَخَّرِ رأسهِ. فإنَّ الإقبالَ باليدِ إذا كانَ مقدّمًا يكونُ منْ مُؤَخَّرِ الرأسِ، إلَّا أنهُ قدْ وردَ في البخاريِّ بلفظِ: (وَأَدْبَر بِيَدَيْهِ وأَقْبَلَ)، واللّفظُ الآخرُ في قولهِ: (وفي لفظِ لهما) [أيْ للشيخين] (٣): (بدأَ بِمُقَدَّمِ رَأسهِ حتَّى ذَهَبَ بِهِمَا) [أيْ اليدينِ] (٤) (إلى قَفَاهُ ثُمَّ ردَّهُمَا إلى المكَانِ الذي بَدَأَ مِنْهُ). الحديثُ يفيدُ صفَة المسحِ للرأسِ، وهوَ أنْ يأخذَ الماءَ ليديهِ فيقبلُ بهمَا ويدبرُ. أقوال العلماء في صفة مسح الرأس وللعلماء ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: أنْ يبدأ بِمُقَدَّمِ رأسهِ الذي يلي الوجهَ، فيذهبُ إلى القَفَا ثمَّ يردُّهما إلى المكان الذي بدأَ منهُ، وهوَ مُبْتَدَأُ الشعرِ من حدِّ الوجهِ، وهذا هو الذي يعطيهِ ظاهرُ قولهِ: (بدأَ بِمُقَدَّمِ رأسهِ حتَّى ذهبَ بهمَا إلى قفاهُ، ثمَّ ردَّهُما حتى رجعَ إلى

стр. 201

المكانِ الذي بدأَ منهُ)، إلَّا أنَّهُ أوردَ على هذه الصفةِ أنه أدبرَ بهمَا وأقبلَ؛ لأنَّ ذهابهُ إلى جهةِ القفا إدبارٌ، ورجوعَه إلى جهة الوجهِ إقبالٌ. وأجيبَ بأنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيبَ، فالتقديرُ أدبرَ وأقبلَ. والثاني: أنْ يبدأ بمؤَخَّرِ رأسِهِ، ويمرَّ إلى جهةِ الوجهِ، ثمَّ يرجعُ إلى المؤَخَّرِ، محافظةً على ظاهرِ لفظِ: (أقبلَ وأدبرَ)؛ فالإقبالُ إلى مُقَدَّمِ الوجهِ، والإدبارُ إلى ناحيةِ المؤَخَّرِ، وقدْ وردتْ هذهِ الصفةُ في الحديثِ الصحيحِ: (بدأ بمؤَخَّرِ رأسِهِ)، ويحتملُ الاختلافُ في لفظِ الأحاديثِ على تعددِ الحالات. والثالثُ: أن يبدأَ بالناصيةِ، ويذهبَ إلى ناحيةِ الوجهِ، ثمَّ يذهبُ إلى جهةِ مؤَخَّرِ الرأسِ، ثمَّ يعودُ إلى ما بدأَ منهُ وهو الناصيةُ، ولعلَّ قائلَ هذا قصدَ المحافظَةَ على قولهِ: (بدأَ بمقدَّمِ رأسهِ) معَ المحافظةِ على ظاهرِ لفظِ: (أقبلَ وأدبرَ)؛ لأنهُ إذا بدأ بالناصيةِ صدقَ أنهُ بدأ بمقدَّمِ رأسهِ، وصدقَ أنهُ أقبلَ أيضًا، فإنهُ ذهبَ إلى ناحية الوجهِ، وهوَ الْقَبْلُ. وقد أخرجَ أبو داودَ (١) منْ حديثِ المقدام: (أنهُ ﷺ لما بلغَ مَسْح رأسهِ وضعَ كفيهِ على مقدَّمِ رأسهِ، فأمرَّهُما حتى بلغَ القفَا، ثمَّ رَدَّهُما إلى المكانِ الذي بدأَ منهُ)، وهيَ عبارةٌ واضحةٌ في المرادِ. والظاهرُ أن هذا منَ العملِ المخيَّرِ فيهِ، وأنَّ المقصودَ مِنْ ذلكَ تعميمُ الرأسِ بالمسحِ. مسح الأذنين ٥/ ٣٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنْ عَمْرٍو ﵄ في صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: (ثُمَّ مسَحَ بِرَأسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ). [إسناد حسن] أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحّحَهُ ابْنُ خُزْيَمَةَ.

стр. 202

ترجمة عبد اللَّهِ بن عمرو بن العاص (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو) (١) بفتحِ العينِ المهملةِ. وهوَ أبو عبدِ الرحمنِ، أو أبو محمدٍ، عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ بن وائلٍ السهميُّ القرشيُّ. يلتقي معَ النبيِّ ﷺ في كعبِ بن لؤيِّ. أسلمَ عبدُ اللَّهِ قبلَ أبيهِ، وكانَ أبوهُ أكبرَ منهُ بثلاثَ عشْرَةَ سنةً. وكانَ عبدُ اللَّهِ حافظًا عالمًا عابدًا. وكانتْ وفاتُهُ سنةَ ثلاث وستينَ، وقيلَ: وسبعينَ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، واخْتُلِفَ في موضعِ وفاتِهِ فقيلَ: بمكةَ، [أو الطائف] (٢)، أو مصرَ، أو غيرِ ذلكَ. (في صفةِ الوضوءِ قالَ: ثمَّ مسَحَ) أيْ رسولُ الله ﷺ (بِرَأْسِهِ وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبّاحَتْينِ) بالمهملةِ، فموحدةٌ، فألفٌ بعدَها مهملةٌ، تثنيةُ سبَّاحةٍ. وأرادَ بهما مسبِّحتي اليدِ اليمنى واليسرى، وسمِّيتْ سبَّاحةً؛ لأنه يشارُ بها عندَ التسبيحِ. (في أذنيهِ، ومسحَ بإبهاميهِ) إبهامَيِ يديهِ (ظَاهِرَ أُذُنَيْه. أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، والنسائيُّ، وصححهُ ابنُ خزيمةَ). والحديثُ كالأحاديثِ الأُوَلِ في صفةِ الوضوءِ، إلَّا أنهُ أتى بهِ المصنفُ لما ذكرَ منْ إفادةِ مسحِ الأذنينِ الذي لم تفدْهُ الأحاديثُ التي سلفتْ، وَلِذَا اقتصرَ المصنف على ذلكَ منَ الحديثِ. ومسحُ الأذنينِ قدْ وردَ في عدةٍ منَ الأحاديثِ، ومنْ حديثِ المقدامِ بن معدِي كربَ عندَ أبي داودَ (٣)، والطحاويِّ (٤) بإسنادٍ حسنٍ، ومنْ حديثِ الرُّبيِّعِ، أخرجهُ أبو داودَ (٥) أيضًا. ومنْ حديثِ أنسٍ عندَ

стр. 203

الدارقطنيِّ (١) والحاكم (٢)، ومنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ وفيهِ: (أنهُ ﷺ مسحَ أذُنيهِ بماءٍ غيرِ الماءِ الذي مسحَ بهِ رأسَهُ)، وسيأتي (٣). وقالَ فيهِ البيهقيُّ: هذا إسنادٌ صحيحٌ، وإنْ كانَ قدْ تعقَّبهُ ابن دقيقِ العيدِ، وقالَ: الذي في ذلكَ الحديثِ: (وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ)، ولم يذكرِ الأذنينِ، وأَيَّدهُ المصنفُ بأنهُ عندَ ابن حبانَ (٤)، والترمذيَّ (٥) كذلكَ. واخْتَلَفَ العلماءُ: هلْ يُؤْخَذُ للأذنينِ ماءٌ جديدٌ، أوْ يُمْسَحَانِ ببقيةِ ما مُسِحَ بهِ الرأسُ؟ والأحاديثُ قدْ وردتْ بهذَا وهذَا، ويأتي الكلامُ عليه قريبًا. الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم ٦/ ٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثًا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٦). [صحيح] (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁[قَالَ] (٧): قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا استيقظَ أحدُكُم منْ

стр. 204

منامهِ) ظاهرهُ ليلًا، أو نهارًا، (فَلْيَسْتَنْثِرَ ثلاثًا) في القاموسِ (١): استنثرَ استنشق الماءَ، ثمَّ استخرجَ ذلك بنفَسِ الأنفِ اهـ. وقدْ جمع بينهما في بعضِ الأحاديث، فمعَ الجمعِ يرادُ من الاستنثارِ دفعُ الماءِ من الأنفِ، ومنَ الاستنشاقِ جذبُهُ إلى الأنفِ. (فَإِنَّ الشيطانَ يبيت على خَيْشُومِهِ) هو أعلى الأنفِ، وقيلَ: الأنفُ كلُّهُ، وقيلَ: عظامٌ رقاقٌ ليِّنة في أقصى الأنفِ، بينهُ وبين الدماغِ، وقيلَ غيرُ ذلك (متفقٌ عليهِ). [وهذا لفظ مسلم] (٢). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ الاستنثار عند القيامِ منَ النومِ مطلقًا، إلَّا أن في روايةٍ للبخاريِّ: (إذَا استيقظَ أحدُكم منْ منامهِ فتوضأَ، فَلْيستنثرَ ثلاثًا؛ فإنَّ الشيطانَ - الحديثُ)، فيقيدُ الأمر المطلقُ به هنا بإرادةِ الوضوءِ، ويقيد النومُ بمنامِ الليلِ، كما يفيدُهُ لفظُ: (يبيت)؛ إذ البيتوتة فيه، وقد يقالُ: إنهُ خرجَ على الغالبِ، فلا فرقَ بين نومِ الليلِ ونوم النهارِ. والحديث من أَدِلةِ القائلينَ بوجوبِ الاستنثار دونَ المضمضةِ، وهو مذهبُ أحمدَ وجماعةٍ. وقال الجمهورُ: لا يجب بل الأمر للندبِ، واستدلوا بقوله ﷺ للأعرابيِّ: (توضأ كما أمركَ اللَّهُ)، وعيَّنَ له ذلك في قوله: (لا تتمُّ صلاةُ أحدٍ حتى يسبغ الوضوء كما أمرهُ اللَّهُ، فيغسلُ وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسَهُ ورجليهِ إلى الكعبين) كما أخرجهُ أبو داود (٣) منْ حديث رفاعةَ؛ ولأنهُ قدْ ثبتَ [من روايات] (٤) صفة وضوئهِ ﷺ منْ حديثِ عبد اللَّهِ بن زيدٍ (٥)، وعثمانَ (٦) وابن عمرٍو بن العاصِ (٧) عدمُ ذكرهِما، معَ استيفاءِ صفةِ وضوئِه، وثبت ذكرُهُما أيضًا، وذلكَ منْ أدلةِ الندبِ. وقولُهُ: (يبيت الشيطانُ)، قال القاضِي عياضُ: يحتملُ أنْ يكونَ على حقيقتهِ، فإنَّ الأنف أحدُ منافذ الجسمِ التي يُتَوَصَّلُ إلى القلبِ منها بالاشتمام،

стр. 205

وليس في منافذ الجسمِ ما ليس عليهِ غلقٌ سواهُ، وسوى الأذنينِ، وفي الحديث: (إنَّ الشيطان لا يَفْتَحُ غلقًا) (١)، وجاءَ في التثاؤبِ الأمرُ بكظمهِ من أجلِ دخولِ الشيطانِ حينئذٍ في الفم. ويحتملُ الاستعارةَ، فإنَّ الذي ينعقدُ من الغبارِ منْ رطوبةِ الخياشيمِ قذارةٌ توافقُ الشيطانَ. قلتُ: والأول أظهرُ. غسل اليد لمن قام من نومه ٧/ ٣٥ - وَعَنْهُ: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ منْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يدهُ في الإِناءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثلاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ باتتْ يدُهُ)، متفقٌ عَلْيهِ (٢). وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. [صحيح] (وَعَنْه) أي أبي هريرة عندَ الشيخين أيضًا: (إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلا

стр. 206

يَغْمِس يَدَهُ)، [خَرَجَ] (١) ما إذا أدخلَ يدهُ بالمغرفةِ ليستخرجَ الماءَ فإنهُ جائزٌ؛ إذ لا غمسَ فيهِ لليدِ، وقد ورد بلفظِ: (لا يُدْخِلُ)، لكنْ يرادُ بهِ إدخالُها للغمسِ، لا للأخذِ (في الإِنَاءِ) يخرجُ البِرَكُ والحِياضُ (حتى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ. متفقٌ عليهِ، وهذا لفظ مسلم). الحديثُ يدلُّ على إيجابِ غسلِ اليدِ [لمن] (٢) قامَ منْ نومهِ ليلًا أو نهارًا. وقال بذلكِ - من نومِ الليلِ - أحمدُ؛ لقولهِ: (باتتْ) فإِنَّهُ قرينةُ إرادة نوم الليل - كما سلفَ - إلَّا أنهُ قدْ ورد بلفظِ: (إذَا قامَ أحدُكمْ من الليلِ) عند أبي داود (٣)، والترمذيِّ (٤) منْ وجه آخرَ صحيحٍ، إلَّا أنَّهُ يردُّ عليهِ أن التعليلَ يقتضي إلحاق نومِ النهارِ بنوم الليلِ. وذهبَ غيرُهُ - وهوَ الشافعيُّ ومالكٌ وغيِرُهُما - إلى أن الأمرَ في روايةِ (فليغسلْ) للندبِ، والنهيَ الذي في هذه الرواية للكراهةِ، والقرينةُ عليهِ ذكرُ العدد، فإنَّ ذكرَهُ في غيرِ النجاسةِ العينيةِ دليلُ الندبِ؛ ولأنهُ عُلِّلَ بأمرٍ يقتضي الشكَّ، والشكُّ لا يقتضي الوجوبَ في هذا الحكمِ؛ استصحابًا لأصل الطهارةِ، ولا تزولُ الكراهةُ إلَّا بالثلاثِ الغسلاتِ، وهذا في المستيقظِ منَ النومِ. وأما منْ يريدُ الوضوءَ من غيرِ نومٍ؛ فيستحبُّ له لما مرَّ في صفةِ الوضوءِ، ولا يُكْرَهُ التركُ؛ لعدم ورود النَّهيِ فيهِ. والجمهورُ على أن النَّهيَ والأمرَ لاحتمال النجاسةِ في اليدِ، وأنهُ لو دَرى أينَ باتتْ يدهُ كمنْ لفَّ عليها [خرقة] (٥) فاستيقظَ - وهي على [حالها] (٦) فلا يكرَهُ لهُ أنْ يغمسَ يدَه وإنْ كانَ غَسْلُهَا مستحبًّا، كما في المستيقظِ. وغيرُهم يقولونَ: الأمرُ بالغسلِ تعبدٌ فَلا فرقَ بين الشاكِّ والمتيقنِ. وقولُهم أظهرُ كما سلفَ. المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم ٨/ ٣٦ - وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ﵁ قال: قال رَسُول اللَّهِ ﷺ : (أَسْبغِ الوُضُوءَ،

стр. 207

وَخَلَّلْ بَيْنَ الأصَابعِ، وَبَالِغْ في الاستنشاق، إلَّا أن تكون صائمًا). [صحيح] أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٢). - وَلأَبِي دَاوُدَ (٣) في رواية: (إِذَا تَوَضَّأتَ فَمَضْمِضْ). [صحيح] ترجمة لقيظ بن صَبِرةَ (وَعَنْ لَقِيط) (٤) بفتح اللام وكسرِ القافِ ابن عامرِ (ابن صَبِرَةَ) بفتح الصادِ المهملةِ وكسرِ الموحدةِ، كنيتُهُ أبو رزينَ - كما قال ابن عبد البرِّ - صحابيٌّ مشهورٌ عِدادُهُ فِي أهلِ الطائفِ. (قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : أَسْبِغِ الوُضُوء) الإسباغُ الإتمامُ واستكمالُ الأعضاءِ، (وَخَلِّلْ بينَ الأَصَابع) ظاهرٌ في إرادةِ أصابعِ اليدينِ والرِّجْلَيْنِ، وقدْ صرَّحَ بهما في حديثِ ابن عباسٍ: (إذَا توضأتَ فخلِّلْ أصابعِ يديكَ ورجليكَ) يأتِي من خرَّجهُ قريبًا (٥)، (وبالغ في الاستنشاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا. أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ وصحَحَّهُ ابن خُزَيْمَةَ، ولأبِي داودَ في روايةِ: إذا توضَّأَتَ فَمَضْمِضْ)، وأخرجهُ

стр. 208

أحمد (١)، والشافعي (٢)، وابنُ الجارود (٣)، وابنُ حبانَ (٤) والحاكم (٥)، والبيهقي (٦)، وصححهُ الترمذيُّ (٧)، والبغويُّ (٨)، وابنُ القطانِ (٩). والحديثُ دليل على وجوبِ إسباغِ الوضوءِ - وهوَ إتمامهُ - واستكمالِ الأعضاءِ. وفي (القاموس) (١٠): أَسْبَغَ الوُضُوءَ أَبْلَغَهُ مواضعهُ، ووفَّى كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ. وفي غيره مثلهُ، فليس التثليثُ للأعضاءِ من مسمَّاهُ، ولكنَّ التثليثَ مندوبٌ. ولا يزيدُ على الثلاثِ، فإنْ شكَّ: هلْ غَسَلَ العضوَ مرتينِ أو ثلاثًا، جعلها مرتين. وقال الجوينيُّ: يجعلُ ذلكَ ثلاثًا ولا يزيدُ عليها مخافةً منَ ارتكابِ البدعةِ (١١). وأما ما رُويَ عن ابن عمرَ أنهُ كانَ يغسلُ رجليهِ سبعًا، ففعلُ صحابيٍّ لا حجةَ فيه (١٢)، ومحمول على أنهُ كانَ يغسلَ الأربعَ من نجاسةٍ لا تزولُ إلَّا بذلكَ.

стр. 209

تخليلُ الأصابع واجب ودليل على إيجابِ تخليلِ الأصابعِ، وقد ثبتَ منْ حديثِ ابن عباسٍ أيضًا كما أشرنا إليهِ، الذي أخرجهُ الترمذيُّ (١)، وأحمد (٢)، وابن ماجه (٣)، والحاكمَ (٤)، وحسَّنهُ البخاريُّ (٥). وكيفيتُهُ أن يخلِّلَ بيدهِ اليسرى بالخِنصرِ (٦) منها. وأما كون التخليل باليد اليُسرى فليس في النصِّ، وإنما قال الغزاليُّ: إنهُ يكونُ بها قياسًا على الاستنجاءِ، ويبدأ بأسفل الأصابع. وقد رَوَى أبو داود (٧)، والترمذيُّ (٨) منْ حديثِ المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّادٍ: (رأيتُ رسول اللَّهِ ﷺ إذا توضأ يَدْلُكُ بخِنصرهِ ما بينَ أصابعِ رِجْلَيْهِ)، وفي لفظٍ لابن ماجه (٩): (يُخلِّلُ) بدلَ (يَدْلُكُ).

стр. 210

الأحكام الفقهية من حديث الباب والحديثُ دليلٌ على المبالغةِ في الاستنشاقِ لغيرِ الصائمِ، وإنما لم يكنْ في حقّهِ المبالغةُ لئلَّا ينزل إلى حلقهِ ما يفطِّرُهُ، دلَّ ذلك على أن المبالغةَ ليستْ بواجبةٍ، إذ لو كانت واجبةً لوجب عليهِ التحرِّي ولم يجزْ له تركُها. وقولُهُ في روايةِ أبي داود: (إذا توضأْتَ فَمَضْمِضْ)، يُسْتَدَلُّ به على وجوبِ المضمضة، ومن قال: لا تجبُ، جعل الأمرَ للندب لقرينةِ ما سلفَ من حديثِ رفاعةَ بن رافعٍ (١) في أمرهِ ﷺ للأعرابيِّ بصفةِ الوضوءِ الذي لا تجزئُ الصلاةُ إلَّا به، ولم يذكرْ فيهِ المضمضةَ والاستنشاقَ. تخليل اللحية ٩/ ٣٧ - وَعَنْ عُثْمَانَ - رَضي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُخَلِّلُ لحْيَتَهُ في الْوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التّرمِذِيُّ (٢)، وصحَّحهُ، [و] ابنُ خُزَيْمَةَ (٣) [حسن] ترجمة عثمان بن عفان (وَعَنْ عُثْمَان ﵁) (٤). هوَ أبو عبدِ اللَّهِ عثمانُ بنُ عفانَ الأمويُّ القرشيُّ، أحدُ الخلفاءِ وأحدُ العشرةِ. أسلمَ في أولِ الإسلامِ، وهاجرَ إلى الحبشةِ الهجرتينِ، وتزوجَ بنتيِ النبيِّ ﷺ رُقَيَّةَ أولًا، ثمَّ لما توفيتْ زوَّجهُ النبيُّ ﷺ بأمِّ كلثومٍ. أستُخلفَ في أولِ يومٍ من المحرمِ سنةَ أربعٍ وعشرينَ، وقُتلَ يومَ الجمعةِ لثماني عشرةَ خلتْ من ذي الحجةِ الحرامِ سنةَ خمسٍ وثلاثينَ، ودُفنَ ليلةَ السبتِ بالبقيعِ، وعمرُهُ اثنتانِ وثمانونَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلكَ.

стр. 211

(أَنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُخَلِّلُ لحيتهُ في الوُضُوءِ. أخرجهُ الترمذيُّ، وصححهُ، [و] ابنُ خزيمةَ). والحديثُ أخرجهُ الحاكُم (١)، والدَّارقطنيُّ (٢)، وابنُ حبانَ (٣) منْ روايةِ عامرِ بن شقيقٍ عنْ أبي وائلٍ. قال البخاريُّ: حديثُهُ حسنٌ. وقال الحاكمُ: لا نعلمُ فيه طعنًا (٤) بوجه من الوجوهِ، هذا كلامُهُ. وقد ضعَّفهُ ابنُ معينٍ. وقد روَى الحاكم للحديثِ شواهدَ عن أنسٍ (٥)، وعائشةَ (٦)، وعليٍّ (٧)، وعمَّارٍ (٨) ﵄.

стр. 212

قال المصنف: وفيه أيضًا عنْ أمِّ سلمةَ (١)، وأبي أيوبَ (٢)، وأبي [أمامةَ] (٣)، وابن عمرَ (٤)، وجابرٍ (٥)، وابنِ عباسٍ (٦)، وأبي الدرداءِ (٧). وقد تكلَّمَ على

стр. 213

جميعِهَا بالتضعيفِ إلَّا حديثَ عائشةَ. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ عنْ أبيه: ليسَ في تخليلِ اللِّحيةِ شيءٌ (١). وحديثُ عثمانَ هذا دالٌّ على مشروعيةِ تخليلِ اللِّحيةِ، وأما وجوبُهُ فاختُلفَ فيه. فعندَ الهادويةِ يجبُ كقبلِ نباتِها، والأحاديثُ وردت بالأمرِ بالتخليلِ إلَّا أنَّها أحاديثُ ما سلِمت عن الإعلالِ والتضعيفِ، فلم تنتهضْ على الإيجابِ. مقدار ماء الوضوء ١٠/ ٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ قَالَ: (إِنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَي مُدِّ فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعيْهِ). أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢)، وَصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ (٣) [حسن] (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن زيدٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِثُلُثَي مُدِّ) بضمِّ الميمِ، وتشديد الدال المهملةِ. في (القاموس) (٤). مكيالٌ وهوَ رِطلانِ، أو رِطلٌ وثُلُثٌ، أو ملءُ كفَّي الإنسانِ المعتدلِ إذا ملأَهُما ومَدَّ يدهُ بهما، ومنه سُمِّيَ مُدًّا، وقد جَرَّبْتُ ذلكَ فوجدتهُ صحيحًا اهـ.

стр. 214

(فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ. أخرجه أحمد، وصحَّحهُ ابنُ خزيمةَ). وقدْ أخرجَ أبو داودَ (١) من حديثِ أمّ عُمَارةَ الأنصاريةِ بإسناد حسنٍ: (أنه ﷺ توضأَ بإناءٍ فيه قَدْرُ ثلثيْ مُدٍّ)، ورواه البيهقيُّ (٢) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ. فَثُلَثَا المُدِّ هو أقلُّ ما رويَ أنهُ توضأ به ﷺ . وأما حديثُ أنه توضأَ بثلثِ مدِّ فلا أصل له. وقد صحَّح أبو زرعةَ منْ حديثِ عائشة (٣) وجابرٍ (٤): (أنهُ ﷺ كانَ يغتسلُ بالصاعِ ويتوضأَ بالمدِّ). وأخرج مسلم (٥) نحوه من حديث سَفيْنَةَ، وأبي داودَ (٦) منْ حديثِ أنسٍ: (توضأ منْ إناءٍ يسعُ رِطْلَينِ)، والترمذيُّ (٧) بلفظِ: (يُجْزِئُ في الوُضُوءِ رِطْلانِ)؛ وهي كلُّها قاضيةٌ بالتخفيفِ في ماءِ الوُضُوءِ، وقدْ عُلِمَ نهيهُ ﷺ عن الإسرافِ في الماءِ، وإخبارهُ أنهُ سيأتِي قومٌ يعتدونَ في الوضوءِ، فمنْ جاوزَ ما قال الشارعُ إنهُ يجزئُ، فقدْ أسرفَ فيحرُمُ. وقول منْ قالَ: إنَّ هذا تقريبٌ لا تحديدٌ، ما هو ببعيدٍ، لكنَّ الأحسنَ بالمتشرعِ محاكاةُ أخلاقِهِ ﷺ والاقتداءُ به في كميةِ ذلكَ. وفيه دليلٌ على [مشروعية] (٨) الدلكِ لأعضاءِ الوضُوءِ. وفيه خلافٌ: فمنْ

стр. 215

قالَ بوجوبهِ استدلَّ بهذا، ومن قالَ: لا يجبُ، قالَ: لأنَّ المأمورَ به في الآيةِ الغسلُ، وليسَ الدلكُ من مسمَّاهُ. ولعلهُ يأتي ذكرُ ذلكَ. ١١/ ٣٩ - وَعَنْهُ، أَنَّهُ رَأى النَّبيَّ ﷺ يَأخُذ لأُذُنَيْهِ مَاءً خِلافِ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأسِهِ. أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (١)، وَهُوَ عِندَ مُسْلِمٍ (٢) منْ هذا الوجه بلفظِ: (وَمَسَحَ بِرَأسِهِ بماءٍ غيرِ فضلِ يديهِ)، وهو المحفُوظُ. [إسناده صحيح] (وعنهُ) أي عن عبدِ اللَّهِ بن زيدٍ (أَنَّهُ رأى النبيَّ ﷺ يأخُذُ لأُذُنَيْهِ ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسهِ. أخرجهُ البيهقيُّ، وهوَ) أي هذا الحديث (عندَ مسلم منْ هذا الوجهِ بلفظِ: وَمَسَحَ برأسهِ بماءٍ غيرِ فضلِ يديهِ. وهو المحفوظ)، وذلك أنهُ ذكرَ المصنفُ في (التلخيص) (٣) عن ابن دقيقِ العيدِ: أن الذي رآهُ في الروايةِ هو بهذا اللفظِ الذي قالَ المصنفُ: إنهُ المحفوظُ. وقالَ المصنفُ أيضًا: إنهُ الذي في صحيح ابن حبانَ (٤)، وفي روايةِ الترمذيِّ (٥). ولم يذكرْ في (التلخيصِ) أنهُ أخرجهُ مسلمٌ، ولا رأيناه في مسلم. وإذا كانَ كذلكَ، فأخذُ ماء جديدٍ للرأسِ هوَ أمرٌ لا بدَّ منهُ، وهوَ الذي دلَّتْ عليه الأحاديثُ، وحديثُ البيهقيِّ هذا هوَ دليلُ أحمدَ والشافعيِّ في أنهُ يُؤْخَذُ للأذنينِ ماءٌ جديدٌ، وهوَ دليل ظاهرٌ، وتلكَ الأحاديثُ التي سَلَفَتْ غايةُ ما فيها أنهُ لم يذكرْ أحدٌ أنهُ ﷺ أخذَ ماءً جديدًا، وعدمُ الذكرِ ليسَ دليلًا على عدمِ الفعلِ، إلَّا أن قولَ الرواة مِنَ الصحابةِ: ومسحَ رأسَهُ وأذنيه مرةً واحدةً، ظاهرٌ في أنهُ بماءٍ واحدٍ. وحديثُ: (الأذنانِ من الرأسِ) (٦) وإن كانَ في أسانيده مقالٌ، إلَّا أن كثرةَ

стр. 216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 218

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 220

طرقهِ يشدّ بعضُها بعضًا، ويشهدُ لها أحاديثُ مسحِهمَا معَ الرأسِ مرةً واحدةً، وهي أحاديثُ كثيرٌ عن عليّ (١)، وابنِ عباسٍ (٢)، والربيعِ (٣)، وعثمانَ (٤)، كلُّهم متَّفقونَ على أنهُ مَسَحَهُمَا معَ الرأسِ مرةً وأحدةً، أيْ بماءٍ واحدٍ كما هوَ ظاهرُ لفظِ: مرةً، إذْ لوْ كانَ يؤخذُ للأذنينِ ماءٌ جديدٌ ما صدقَ أنهُ مسحِ رأسَهُ وأذنيهِ مرةً واحدةً، وإنْ احتملَ أن المرادَ أنهُ لم يكررْ مسحَهُمَا، وأنهُ أخذ لهُمَا ماءً جديدًا فهوَ احتمالٌ بعيدٌ. وتأويلُ حديثِ: إنهُ أخذَ لهما ماءً خلافَ الذي مسحَ بهِ رأسَهُ، أقربُ ما

стр. 221

يقالُ فيهِ أنهُ لمْ يبقَ في يدهِ بلةٌ تكفي لمسحِ الأذنينِ، فأخذَ لهما ماءً جديدًا. مشروعية إطالة الغُرَّة والتحجيل ١٢/ ٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إنَّ أُمّتِي يَأتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوَضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ). [صحيح] مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: إِنَّ أُمَّتي يَأْتُونَ يومَ القيامةِ غُرًّا) بضمِّ الغينِ المعجمةِ، وتشديد الراءِ، جمعُ أغرَّ، أي: ذوي غُرَّة، وأصلُها لمعةٌ بيضاءُ تكونُ في جبهةِ الفرسِ. وفي النهايةِ (٢): يُريدُ بَياضَ وجُوهِهِم بنورِ الوُضوءِ يومَ القيامة، [ونَصْبُهُ على أنه] (٣) حالٌ مِنْ فاعلِ يأتونَ، وعلى روايةِ (يدعونَ) يحتملُ المفعوليةَ. (مُحَجَّلينَ): بالمهملةِ والجيمِ منَ التحجيلِ، في النهاية (٤): أي بيضُ مَواضعِ الوُضوءِ مِنَ الأيْدي والأقْدامِ. استعارَ أَثَرَ الوضوءِ في الوجهِ واليدينِ والرجلينِ للإنسانِ من البياضِ الذي يكونُ في وجهِ الفرسِ ويديهِ ورجليهِ. (مِنْ أَثَرِ الوَضُوءِ) بفتحِ الواوِ؛ لأنهُ الماءُ، ويجوزُ الضمُّ عندَ البعضِ، كما تقدَّمَ. (فَمَنِ اسْتطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ) أي: وتحجيلَهُ، وإنما اقتصرَ على أحدِهِمَا لدلالتِهِ على الآخَرِ، وآثرَ الغرَّة وهي مؤنثةٌ على التحجيلِ وهو مذكرٌ لشرفِ موضعِهَا. وفي روايةٍ لمسلم (٥): (فلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وتحجيلَهُ)، (فَلْيَفْعَلْ. مُتفقٌ عليهِ، واللفطُ لمسلمٍ).

стр. 222

وظاهرُ السياقِ أن قولَهُ (فمنِ استطاعَ) إلى آخرِه: من الحديث، وهوَ يدلُّ على عدمِ الوجوبِ؛ إذْ هوَ في قوةِ: من شاءَ منكمْ، فلوْ كانَ واجبًا ما قيَّدَهُ بها، إذِ الاستطاعةُ لذلكَ [متحقِّقةٌ] (١) قطعًا. وقالَ نُعَيْمٌ (٢) أحدُ رواتِهِ: لا أدري قولَهُ: (فمنِ استطاعَ) إلى آخرهِ، منْ قولِ النبيِّ ﷺ ، أوْ منْ قولِ أبي هريرةَ؟ وفي (الفتح) (٣): (لمْ أرَ هذهِ الجملةَ في روايةِ أحدٍ ممنْ رَوَى هذا الحديثَ منَ الصحابةِ، وهمْ عَشرَةٌ، ولا ممنْ رواهُ عنْ أبي هريرةَ غيرَ روايةِ نُعَيْمٍ هذهِ). والحديثُ دليلٌ على مشروعيةِ إطالةِ الغرةِ والتحجيلِ. واختلفَ العلماءُ في القدْرِ المستحبِّ من ذلكَ فقيلَ: في اليدينِ إلى المنكبِ، وفي الرجلينِ إلى الركبةِ. وقد ثبتَ هذا عن أبي هريرةَ روايةً ورأيًا، وثبتَ منْ فعلِ ابن عمرَ [أخرجهُ ابنُ أبي شيبةَ (٤) وأبو عبيدٍ بإسنادٍ حسن] (٥). وقيلَ: إلى نصفِ العضُدِ والساقِ. والغرَّةُ في الوجهِ أن يغسلَ إلى [صفْحتي] (٦) العُنُقِ. والقولُ بعدمِ مشروعيتِهِمَا، وتأويلُ حديثِ أبي هريرةَ بأنَّ المرادَ بهِ المداومةُ على الوضوءِ، خلاف الظاهر [وَرُدّ بأنَّ الراوي أعرفُ بما رَوَى] (٧)، كيفَ وقدْ رفعَ معناهُ ولا وجهَ لنفيهِ (٨). وقدْ استدلَّ على أن الوضوءَ منْ خصائصِ هذه الأمةِ بهذا الحديثِ،

стр. 223

وبحديثِ مسلمٍ (١) مرفوعًا: (سِيمَا لَيْسَتْ لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ)، والسِّيما بكسرِ السينِ المهملةِ: العلامةُ. وَرُدَّ هذا بأنهُ قد ثبتَ الوضوءُ لمنْ قبلَ هذهِ الأمةِ، قيلَ: فالذي اختصَّتْ بهِ هذهِ الأمةُ هو الغُرَّةُ والتحجيلُ. هديه ﷺ في التَّرَجُّلِ والتَّنَعُلِ ١٣/ ٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجْبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ، وتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأنِهِ كُلِّهِ)، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢) [صحيح] (وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النبيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ)، أي تقديم اليمنى [(في تَنَعُّلِهِ) لِبْسِ نعلهِ] (٣)، (وَتَرَجُّلِهِ) بالجيمِ أي مَشَطِ شعرِهِ (وَطُهورِهِ، وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ) تعميمٌ بعدَ التخصيصِ، (متفقٌ عليهِ). قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: هوَ عامٌّ مخصوصٌ بدخولِ الخلاءِ والخروجِ منَ المسجدِ ونحوِهِما، فإنهُ يبدأُ فيهمَا باليسارِ. قيلَ: والتأكيدُ بكلِّهِ يدلُّ على بقاءِ التعميمِ ودفعِ التجوُّزِ عن البعضِ، فيُحتَملُ أنْ يقالَ: حقيقةُ الشأنِ مَا كانَ فعلًا مقصودًا، وما يُستَحَبُّ فيهِ التياسرُ ليسَ منَ الأفعالِ المقصودةِ، بلْ هي إمَّا تروكٌ وإما [أفعال] (٤) غيرُ مقصودةٍ. والحديثُ دليلٌ على استحبابِ البداءةِ بشقِّ الرأسِ الأيمنِ في التَّرَجُلِ والغُسلِ والحَلْقِ، وبالميامِنِ في الوضوءِ والغُسلِ والأكل والشربِ وغيرِ ذلكَ.

стр. 224

قالَ النوويُّ (١): قاعدةُ الشرعِ المستمِرَّةُ البداءةُ باليمينِ في كلِّ ما كانَ منْ بابِ التكريمِ والتزيينِ، وما كانَ بضدِّها استُحِبَّ فيهِ التياسرُ، ويأتِي الحديثُ في الوضوءِ قريبًا. وهذهِ الدلالةُ للحديثِ مبنيةٌ على أن لفظَ: (يعجبهُ)، يدلُّ على استحبابِ ذلكَ شرعًا، وقدْ ذكرْنا تحقيقَهُ في حواشي شرحِ العمدةِ (٢) عندَ الكلامِ على هذا الحديث. ١٤/ ٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (إِذَا تَوَّضَّأتُمْ فَابْدَأُوا بِمَيَامِنِكُمْ). [صحيح] أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٣)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزْيَمَةَ (٤). (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا تَوَضَّأْتم فَابْدَؤُا بِمَيَامِنِكُمْ. أخرجهُ الأربعةُ وصحَّحهُ ابن خزيمةَ)، وأخرجهُ أحمد (٥)، وابنُ حبَّانَ (٦)، والبيهقيُّ (٧). وزادَ فيهِ: (وإِذَا لَبِسْتُمْ)، قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: هوَ حقيقٌ بأنْ يُصحَّح (٨). والحديثُ دليلٌ على البداءةِ بالميامنِ عندَ الوضوءِ في غَسلِ اليدينِ والرجلينِ. وأمَّا غيرُهُما كالوجهِ والرأسِ فظاهر أيضًا شمولُهما، إلَّا أنهُ لمْ يقلْ أحدٌ بهِ فيهمَا، ولا وردَ في أحاديثِ التعليمِ، بخلافِ اليدينِ والرجلينِ، فأحاديث التعليمِ وردتْ بتقديمِ اليمنى فيهما على اليُسرى، في حديثِ عثمانَ الذي مضَى (٩)

стр. 225

وغيرِهِ. والآيةُ مجملةٌ بيَّنتْها السنَّةُ. واختُلِفَ في وجوبِ ذلكَ، ولا كلامَ في أنهُ الأَولى، فعندَ الهادويةِ يجبُ لحديثِ الكتاب، وهوَ بلفظِ الأمرِ، وهوَ للوجوبِ في أصلهِ، وباستمرارِ فعلِهِ ﷺ ؛ فإنهُ ما روي أَنه توضأَ مرةً واحدةً بخلافهِ إلّا ما يأتي [من حديث ابن عباس] (١)، ولأنهُ فعله بيانًا للواجبِ فيجبُ، ولحديثِ ابن عمر (٢)، وزيد بن ثابتٍ (٣)، وأبي هريرة (٤): (أنه ﷺ توضأَ على الولاءِ ثمَّ قالَ: هذا وضوءٌ لا يقبلُ اللَّهُ الصلاةَ إلا بهِ)، ولهُ طرقٌ يشدُّ بعضُها بعضًا. وقالتِ الحنفيةُ وجماعةٌ: لا يجبُ الترتيبُ بينَ أعضاءِ الوضوءِ، ولا بينَ اليمنى واليُسرى منَ اليدينِ والرجلينِ، قالُوا: والواوُ في الآيةِ لا تقتضي الترتيبَ. وبأنهُ قد رُويَ عنْ عليّ ﵇ أنهُ بدأَ بمياسرِه (٥) وبأنهُ قالَ: (ما أبالي بشمالي بدأتُ أمْ بيميني إذا أتممتُ الوضوءَ). [أخرجه الدارقطني (٦)، والبيهقي وقال: إنه منقطع. وكذا رواية الفعل أخرجه البيهقي] (٧). وأجيبَ عنهُ بأنَّهما أثرانِ غيرُ

стр. 226

ثابتينِ؛ فلا تقومُ بهمَا حجةٌ ولا يُقَاوِمَانِ ما سلفَ، وإنْ كانَ الدارقطنيُّ قدْ أخرجَ حديثَ عليٍّ ولمْ يضعفْهُ، وأخرجهُ منْ طرقٍ بألفاظٍ، ولكنَّها موقوفةٌ كلُّها. المسح على الناصية والعِمامة والخُفِّ ١٥/ ٤٣ - وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : (تَوَضَّأَ، فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَالْخُفَّينِ)، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] ترجمة المغيرة بن شعبة (وَعَنِ الْمُغِيرَةِ) (٢) بضمِ الميمِ، فغينٍ معجمة مكسورةٍ، فياءٍ وراءٍ، يُكْنَى أبا عبد اللَّهِ أو أبا عيسى. أسلم عامَ الخندقِ وقدمَ مهاجرًا، وأولُ مشاهدهِ الحديبيةُ، وفاتهُ سنةَ خمسينَ منَ الهجرةِ بالكوفةِ، وكان عاملًا عليها من قِبَلِ معاويةَ، وهوَ (ابنُ شُعْبَةَ) بضمِّ الشينِ المعجمةِ وسكونِ العينِ المهملةِ، فموحدةٍ مفتوحةٍ. (أن النبيَّ ﷺ توضأَ فمسحَ بناصيتِهِ). في القاموس (٣): الناصيَةُ والنَّاصاةُ قُصاصُ الشَّعَرِ. (وَعَلَى العِمَامَةِ وَالخُفَّيْنِ) تثنيةُ خُفِّ بالخاءِ المعجمةِ مضمومةٌ، أي ومسحَ عليهمَا (أخرجه مسلمٌ)، ولمْ يخرجْهُ البخاريُّ، ووهمَ مَنْ نسبهُ إليهمَا (٤).

стр. 227

والحديثُ دليلٌ على عدمِ جوازِ الاقتصارِ على مسح الناصيةِ. وقالَ زيدُ بنُ عليّ ﵇ وأبو حنيفةَ: يجوزُ الاقتصارُ. وقالَ ابنُ القيِّم (١): (ولمْ يصِحّ عنه ﷺ في حديثٍ واحدٍ أنهُ اقتصرَ على مسحِ بعضِ رأسهِ ألبتَّةَ، لكنْ كانَ إذا مسحَ بناصيتهِ كمَّلَ على العِمَامَةِ) كما في حديث المغيرةِ هذا. وقدْ ذكرَ الدارقطنيُّ أنهُ رواهُ عنْ ستينَ رجلًا، وأما الاقتصارُ على العِمَامَةِ بالمسحِ، فلمْ يقلْ بهِ الجمهورُ. وقالَ ابنُ القيمِ (٢): (إنهُ ﷺ كانَ يمسحَ على رأسهِ تارةً، وعلى العِمَامَةِ تارةً، وعلى الناصيةِ والعِمَامَةِ تارةً). والمسحُ على الخفينِ يأتي له بابٌ مستقلٌ، ويأتي حديثُ المسحِ على العصائبِ. ١٦/ ٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قال: (ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ). [صحيح] أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٣) هَكَذَا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٤) بِلَفْظِ الخَبَرِ. ترجمة جابر بن عبد الله (وعَنْ جَابرٍ) (٥) هوَ أبو عبدِ اللَّهِ جَابرُ (ابنُ عبدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَامٍ،

стр. 228

بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، الأنصاريُّ السلميُّ، منْ مشاهيرِ الصحابةِ، ذكرَ البخاريُّ أنهُ شهدَ بدرًا، وكانَ ينقلُ الماءَ يومئذٍ، ثمَّ شهدَ بعدَها معَ النبيِّ ﷺ ثماني عشْرةَ غزوةً، ذكرَ ذلكَ الحاكمُ أبو أحمدَ، وشهدَ صفينِ معَ عليّ ﵇ وكانَ منْ المكثرينَ الحفاظِ، وكُفَّ بصرهُ في آخرِ عمرهِ، وتوفي سنةَ أربعٍ أو سبعٍ [وتسعين] (١) بالمدينةِ، وعمرهُ أربعٌ وتسعونَ سنةً، وهوَ آخَرُ مَنْ ماتَ بالمدينةِ مِنَ الصحابةِ. (في صفةِ حجِّ النبيِّ ﷺ ) يشيرُ إلى حديثٍ جليلٍ شريفٍ [في صفة الحج، و] (٢) سيأتي - إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى - في الحجِّ. (قال) [أي النبيُّ] (٣) ﷺ : (ابْدؤُا بمَا بَدَأَ اللَّهُ بهِ. أخرجهُ النسائيُّ هكذَا بلفظِ الأمرِ، وهوَ عندَ مسلمٍ بلفظِ الخبر) أيْ بلفظِ: (أبدأُ). ولفظُ الحديث: (قالَ: ثم خرجَ - أي النبيُّ ﷺ منَ الباب - أي [بابَ الحرم] (٤) - إلى الصفَا، فلمَا دَنَا منَ الصفَا قرأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِر اللَّهِ﴾ (٥) أبدأ بما بدأَ اللَّهُ بهِ)، بلفظِ الخبرِ فِعلًا مضارِعًا؛ فبدأ بالصَّفَا لبداءةِ اللَّهِ بهِ في الآيةِ. وذكرَ المصنفُ هذهِ القطعةَ مِنْ حديثِ جابرٍ هُنَا؛ لأنهُ أفادَ أن ما بدَأَ اللَّهُ بهِ ذكْرًا نبتدئُ بهِ فعْلًا، فإنَّ كلامهُ كلامُ حكيمٍ لا يبدأُ ذكرًا إلَّا بما يستحقُّ البداءةَ بهِ فعلًا، فإنهُ مقتضَى البلاغةِ، ولذَا قالَ سيبويه: إنَّهمْ - أيْ العربُ - يقدمونَ ما همْ بشأنِه أهمُّ وهمْ به أعْنى، فإنَّ اللفظَ عامٌّ، والعامُّ لا يقصرُ على سببهِ - أعني بما بدأَ اللَّهُ بهِ - لأنَّ كلمةَ (ما) موصولةٌ، والموصولاتُ منْ ألفاظ العمومِ، وآيةُ الوضوءِ - وهي - قولُهُ تعالى: ﴿فَاغسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٦) داخلةٌ تحتَ الأمرِ بقوله ﷺ : (ابْدؤُا بما

стр. 229

بَدأَ اللَّهُ بهِ). فيجبُ البداءةُ بغسلِ الوجهِ، ثمَّ ما بعدَهُ على الترتيبِ، وإنْ كانتِ الآيةُ لم تُفِدْ تقديمَ اليُمنى على اليُسرى من اليدينِ والرجلينِ. وتقدَّمَ القولُ فيهِ قريبًا. وذهبتِ الحنفيةُ وآخرونَ إِلى أن الترتيبَ بينَ أعضاءِ الوضوءِ غيرُ واجبٍ، واستدلَّ لهمْ بحديثِ ابن عباس (١): (أنه ﷺ توضأَ فغسلَ وجههُ ويديهِ، ثمَّ رجليهِ، ثمَّ مسحَ رأسهُ بفضلِ وضوئِهِ)، وأجيبَ بأنَّهُ لا يعرف له طريقٌ صحيحةٌ حتى يتم بهِ الاستدلالُ. ثمَّ لا يخفَى أنهُ كان الأوْلَى تقديمَ حديثِ جابرٍ هَذَا على حديثِ المغيرةِ، وجعلهُ متصلًا بحديثِ أبي هريرةَ؛ لتقاربِهمَا في الدلالةِ. ١٧/ ٤٥ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: (كانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيهِ). [ضعيف جدًّا] أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِي بِإِسْنَادِ ضَعِيفٍ (٢). (وَعَنْهُ) أيْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا تَوَضَّأَ أدار الماءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ. أخرجه الدارقطنيُّ) (٣). ترجمة الدارقطني هوَ الحافظُ الإمامُ الكبيرُ العديمُ النظيرِ في حفظهِ. قالَ الذهبيُّ في حقِّهِ: هوَ حافظُ الزمانِ، أبو [الحسين] (٤) عليُّ بنُ عمرَ بن أحمدَ البغداديُّ، الحافظُ الشهيرُ، صاحبُ (السننِ). مولدهُ سنةَ ستٍّ وثلثمائةٍ، سمعَ منْ عوالمَ، وبرعَ في

стр. 230

هذا الشأنِ. قالَ الحاكمُ: صار الدارقطنيُّ أوحدَ عصرهِ في الحفظِ والفهِمِ والورعِ، وإمَامًا في القراءةِ والنحوِ، ولهُ مصنفاتٌ يطولُ ذكرُها، وأشهدُ أنهُ لمْ يُخْلَقْ على أديمِ الأرضِ مثلُهُ. وقالَ الخطيبُ: كانَ فريدَ عصرهِ وإمامَ وقتهِ، وانتهى إليهِ علمُ الأثرِ والمعرفةِ بالعللِ وأسماءِ الرجالِ، معَ الصدقِ والثقةِ وصحةِ الاعتقادِ. وقدْ أطالَ أئمةُ الحديثِ الثناءَ على هذا الرجلِ، وكانتْ وفاتُهُ في ثامنِ ذي القعدةِ سنةَ خمسٍ وثمانينَ وثلثمائةٍ. (بإسنادٍ ضعيفٍ)، وأخرجهُ البيهقيُّ (١) أيضًا بإسنادِ الدارقطنيِّ وفي الإسنادين معًا القاسمُ بنُ محمدِ بن عقيل، وهوَ متروكٌ، وضعَّفَهُ أحمدُ وابنُ معينٍ وغيرُهما (٢)، وعدَّهُ ابنُ حبانَ في الثقاتِ (٣)، لكنَّ الجارحَ أولى [وإنْ كثر المعدِّلُ] (٤)، وهنا الجارحُ أكثرُ. وصرَّحَ بضعفِ الحديثِ جماعةٌ من الحفاظِ كالمنذريِّ، وابن الصلاح، والنوويِّ، وغيرهِم (٥). قالَ المصنفُ: ويُغني عنهُ حديثُ أبي هريرةَ عندَ مسلمٍ (٦): (أنه توضأ حتى أشرعَ في العضدِ، وقالَ: هكذَا رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ توضأ) [الحديث] (٧). قلتُ: ولوْ أتى بهِ هنا لكانَ أوْلى. حكم التسمية على الوضوء ١٨/ ٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ) [حسن بشواهده]

стр. 231

أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاودَ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣)، بإسنادٍ ضَعيفٍ. - وللتْرمِذيِّ عَنْ سَعيدِ بْنِ زَيْدٍ (٤). [حديث سعيد ضعيف جدًّا] وَأَبِي سَعِيدٍ (٥) نَحْوَهُ. قَالَ
следующие страницы →