← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1662–1701 · переход к 1667.

стр. 1662

ولكنْ يلزمُ منهُ العصمةُ وليستْ إلا للأنبياءِ. وقدْ أُجِيْبَ بأنَّ العصمةَ في حقِّ الأنبياءِ على جهةِ الوجوبِ وفي حقِّ مَن دُعِيَ لأَجْلِهِ بهذَا الدعاءِ على جهةِ الجوازِ فلا يبعدُ أنْ يوجدَ مَنْ لا يصدرُ منهُ معصيةٌ عَمْدًا، وإنْ لمْ يكنْ ذلكَ واجبًا لهُ، وقيلَ: "لم يضرَّهُ" لم يفْتِنْهُ في دينهِ إلى الكفرِ وليسَ المرادُ عصمتَه عن المعصيةِ، وقيلَ: لم يضرَّهُ مشاركةُ الشيطانِ لأبيهِ في جماعِ أمِّه، ويؤيِّدُه ما جاءَ عنْ مجاهدٍ أن الذي يجامعُ ولا يُسَمِّي يلتفُّ الشيطانُ على إِحْلِيْلِهِ فيجامعُ معهَ، قيلَ: ولعلَّ هذا أقربُ الأجوبةِ. قلت: إلا أنهُ لم يذكرْ مَنْ أخرجَه عنْ مجاهدٍ ثمَّ هوَ مرسلٌ. ثمَّ الحديثُ سِيْقَ لفائدةٍ تَحْصُلُ للولدِ ولا تحصُلُ على هذا، ولعلَّه يقولُ إنَّ عدمَ مشاركةِ الشيطانِ لأبيهِ في جماعِ أمهِ فائدتُه عائدةٌ على الولدِ أيضًا. وفي الحديثِ استحبابُ التسميةِ وبيانُ بركتِها في كلِّ حالٍ وأنْ يعتصمَ باللَّهِ وذِكْرِه منَ الشيطانِ والتبرُّكِ باسمِه والاستعاذةِ بهِ منْ جميعِ الأسواءِ. وفيهِ أنَّ الشيطانَ لا يفارقُ ابنَ آدمَ في حالٍ منَ الأحوالِ إلَّا إذا ذكرَ اللَّهَ. لعن الملائكة للمرأة إذا عصت زوجها ٩/ ٩٦٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ، فَبَاتَ غَضْبَانَ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتى تُصْبِحَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٢): "كَانَ الَّذِي في السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتى يَرْضَى عَنْهَا". [صحيح] (وعنْ أَبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: إذا دَعَا الرجلُ امرأتهُ إلى فراشهِ فأبتْ أنْ تجيءَ لعنتْها الملائكةُ حتى تصبحَ) أي وترجعَ عن العصيانِ، ففي بعضِ ألفاظِ البخاريِّ (٣) حتَّى ترجعَ، (متفقٌ عليهِ، واللفط للبخاريِّ. ولمسلمٍ: كانَ الذي في السماءِ ساخطًا عليها حتَّى يرضَى عنْها). [في] (٤) الحديثِ إخبارٌ بأنهُ يجبُ على المرأةِ

стр. 1663

إجابةُ زَوْجِها أي إذا دَعَاهَا للجماعِ؛ لأنَّ قولَه إلى فراشِهِ كنايةٌ عن الجماعِ كما في قولِه: "الولدُ للفراشِ" (١) أي للذي يطأ في الفراش، ودليلُ الوجوبِ لَعْنُ الملائكةِ لها إذْ لا يلعنونَ إلا عنْ أمرِ اللَّهِ تعالى، ولا يكونُ إلَّا عقوبةً، ولا عقوبةَ إلا على تركِ واجبٍ، وقولُه: "حتَّى تصبحَ" دليلٌ على وجوبِ الإجابةِ في الليلِ، ولا مفهومَ لهُ لأنهُ خرجَ ذكرُه مَخْرَجَ الغالبِ، وإلَّا فإنهُ [يجبُ] (٢) عليها إجابتُه نهارًا. وقدْ أخرجهُ غيرَ مقيَّدٍ بالليلِ ابنُ خزيمةَ (٣) وابنُ حبانَ (٤) مرفوعًا: "ثلاثةٌ لا تقبلُ لهم صلاةٌ ولا تصعدُ لهمْ إلى السماءِ حسنةٌ: العبدُ الآبقُ حتَّى يرجعَ، والسكرانُ حتى يصحوَ، والمرأةُ الساخطُ عليها زوجُها حتَّى يرضَى"، وإنْ كانَ هذا في سخطهِ مطلقًا، ولوْ لعدمِ طاعتِها في غيرِ الجماعِ، وليسَ فيهِ لعنٌ إلا أن فيهِ وعيدًا شديدًا يدخلُ فيهِ عدمُ طاعتِها لهُ في جماعِها منْ ليلٍ أو نهارٍ. وزادَ البخاريُّ (٥) في روايتِه في بدءِ الخلقِ: فباتَ غضبانَ عليها. أي زوجُها، قيلَ: وهذهِ الزيادةُ يتجهُ وقوعُ اللعنِ عليها لأنَّها حينئذٍ يتحققُ ثبوتُ معصيتِها بخلافِ ما إذا لمْ يغضبْ منْ ذلكَ فإنَّها لا تستحقُّ اللعنَ. وفي قولِه: "لعنتْها الملائكةُ" دلالةٌ على أن مَنْعَ مَنْ عليهِ الحقُّ عمنْ هوَ لهُ وقدْ طلبهُ يوجبُ سخطَ اللَّهِ تعالى على المانعِ سواءً كانَ الحقُّ في بدنٍ أو مالٍ، قيل: ويدلُّ أنهُ يجوزُ لعنُ العاصي المسلمِ إذا كانَ على وجْهِ الإرهابِ عليهِ قبلَ أنْ يواقعَ المعصيةَ، فإذا واقعَها دُعِيَ لهُ بالتوبةِ والمغفرةِ. قالَ المصنفُ ﵀ في "الفتحِ" (٦) بعدَ نَقْلِهِ [لِهَذَا] (٧) عن المهلبِ: ليسَ هذَا

стр. 1664

التقييدُ مستفادٌ منَ الحديثِ، بلْ منْ أدلةِ أخْرَى. والحقُّ أن منْ منعَ اللعنَ أرادَ بهِ [المعنى] (١) اللغويَّ وهوَ الإبعادُ [منَ] (٢) الرحمةِ، وهذا لا يليقُ أنْ يَدَّعِيَ بهِ على المسلمِ، بلْ يطلبُ لهُ الهدايةَ والتوبةَ والرجوعَ عن المعصيةِ، والذي أجازَه أرادَ معناهُ العرفيَّ وهوَ مطلقُ السبِّ، ولا يخْفَى أن محلَّه إذا كانَ بحيثُ يرتدعُ العاصي بهِ وينزجرُ، وَلعنُ الملائكةِ لا يلزمُ منهُ جوازُ اللعنِ منَّا، فإنَّ التكليفَ مختلِفٌ، انتَهى كلامُهُ. قلت: قولُ المهلبِ إنهُ يُلْعَنُ قبلَ وقوعِ المعصيةِ للإرهابِ كلامٌ مردودٌ فإنهُ لا يجوزُ لَعْنُه قبلَ إيقاعِه لها أصلًا؛ لأنَّ سببَ اللعنِ وقوعُها منهُ فقبلَ وقوعِ السبب لا وجْهَ لإيقاعِ المسبِّبِ. ثمَّ إنهُ رتَّبَ في الحديثِ لعنَ الملائكةِ على إباءِ المرأَةِ عن الإجابةِ، وأحاديثُ: "لعنَ اللَّهُ شاربَ الخمرِ" (٣) رتَّبَ فيها اللعنَ على وصْفِ كونِه شاربًا، وقولُ الحافظِ بأنهُ إنْ أُرِيدَ معناهُ العرفيُّ جازَ لا يخْفَى أنهُ غيرُ مرادٍ للشارعِ إلا المعنَى اللغويَّ. والتحقيقُ أن اللَّهَ تعالى أخبرَنا بأن الملائكةَ تلعنُ مَنْ ذُكِرَ، وبأنهُ تعالى لعنَ شاربَ الخمرِ، ولم يأمرْنا بلعنِه؛ فإنْ وردَ الأمرُ بلعنِه وجبَ علينا الامتثالُ ولعنهُ ما لم تُعْلَمْ توبتُه، ونُدِبَ لنا الدعاءُ لهُ بالتوفيقِ [بالتوبة] (٤) والاستغفارِ. وقدْ أخبرَ اللَّهُ تعالَى أنَّ الملائكةَ تلعنُ مَنْ ذكرَ ومعلومٌ أنهُ عنْ أمرِ اللَّهِ تعالى، وأخبرَ أنَّهم يستغفرونَ لمنْ في الأرضِ، وهو عامٌّ يشملُ مَنْ يلعنونهم منْ أهلِ الإيمانِ وهمْ المرادونَ في الآيةِ؛ إذِ المرادُ منْ عصاةِ أهلِ الإيمانِ لأنَّهمُ المحتاجونَ إلى الاستغفارِ لا أنَّها مقيدةٌ بقولِه: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥) الآية كما قيلَ؛ لأنَّ التائبِ مغفورٌ له، وإنما [دعاؤُهم] (٦) لهُ بالمغفرةِ تعبُّدٌ وزيادةُ تنويهٍ [لشأن] (٧) التائبينَ.

стр. 1665

وأما شمولُ عمومِها الكفارَ فمعلومٌ أنهُ غيرُ مرادٍ، وبهذَا يُعْرَفُ أن الملائكةَ قامُوا بالأمرينِ كما أشرْنا إليهِ. وفي الحديثِ رعايةُ اللَّهِ لعبدِه ولعنُ مَنْ عصاهُ في قضاءِ شهوتهِ منهُ، وأيُّ رعايةٍ أعظمُ منْ رعايةِ الملِكِ الكبيرِ للعبدِ الحقيرِ، فليكنْ لِنِعَمِ مولاهُ ذاكرًا، ولأياديهِ شاكرًا، ومنْ معاصيهِ محاذِرًا، ولهذهِ النكتةِ الشريفِ منْ كلامِ رسولِ اللَّهِ ذاكرًا. لعن رسول اللهِ ﷺ الواصلة والمستوصلة … ١٠/ ٩٦٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن النبيَّ ﷺ لعنَ الواصلةَ) بالصادِ المهملةِ (والمستوصلةَ والواشمةَ) بالشينِ المعجمةِ (والمستوشمةَ. متفقٌ عليه). الواصلةُ هي المرأةُ التي تَصِلُ شَعْرَها بِشَعْرِ غيرِها سواءٌ فعلتهُ لنفسِها أو لغيرِها، والمستوصلةُ التي تطلبُ فعلَ ذلكَ، وزادَ في الشرحِ: ويفعلُ بها، ولا يدلَّ عليهِ اللفظُ. والواشمةُ فاعلةُ الوشْمِ وهوَ أنْ تغرزَ إبرةً ونحوَها في ظهرِ كفِّها أو شَفَتِهَا أو نحوهما منْ بَدَنِها حتَّى يسيلَ الدَّمُ ثم تحشُو ذلكَ الموضعَ بالكحلِ أو النورةِ فَيَخْضَرُّ. والمستوشمةُ الطالبةُ لذلكَ. والحديثُ دليلٌ على تحريمِ الأربعةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديثِ، فالوصلُ محرَّمٌ للمرأةِ مطلقًا بِشَعْرٍ محرَّمٍ أو غيرِه، آدميٍّ أو غيرِه، سواء كانتِ المرأةُ ذاتَ زينةٍ أوْ لا، مزوجةٌ أو غيرُ مزوَّجةٍ. وللهادويةِ والشافعيةِ خلافٌ وتفاصيلُ لا ينهضُ عليها دليلٌ، بلِ الأحاديثُ قاضيةٌ بالتحريمِ مطلقًا لوصلِ الشعرِ واسْتِيْصالِه، كما هيَ قاضيةٌ بتحريمِ الوشْمِ وسؤالِه، ودلَّ اللَّعنُ أن هذِه المعاصي منَ الكبائرِ (٢). هذَا وقدْ عُلِّلَ الوشمُ في بعضِ الأحَاديثِ بأنهُ تغييرٌ لخلقِ اللَّهِ تعالى، ولا يُقَالُ إنَّ الخِضَابَ بالحِنَّاءِ ونحوهِ تشملُه العِلَّةُ؛ لأنها وإنْ شملتْه فهوَ

стр. 1666

مخصوصٌ بالإجماعِ وبأنهُ قدْ وقعَ في عصرِه ﷺ ، بلْ أمرَ بتغييرٍ بياضِ أصابعِ المرأةِ بالخضابِ كما في قِصَّةِ هندٍ (١). فأمَّا وصْلُ الشَّعْرِ بالحريرِ ونحوهِ منَ الخِرَقِ فقالَ القاضي عياضٌ (٢): اختلفَ العلماءُ في المسألةٍ، فقالَ مالكٌ والطبريُّ وكثيرونَ أوْ قالَ الأكثرونَ: الوصْلُ ممنوعٌ بكلِّ شيءٍ سواءٌ وصلتْه بصوفٍ أو حريرٍ أو خِرَقٍ واحتجُّوا بحديثِ مسلمٍ (٣) عنْ جابرٍ أنَّ النبيَّ ﷺ : "زَجَرَ أنْ تصلَ المرأةُ برأسِها شيئًا"، وقالَ الليثُ بنُ سعدٍ (٤): النَهْيُ مختصٌّ بالوصلِ بالشعرِ ولا بأسَ بوصلهِ بصوفٍ وخِرَقٍ وغيرِ ذلكَ، وقال بعضُهم: يجوزُ بكلِّ شيءٍ وهوَ مروي عنْ عائشةَ ولا يصحُّ عنْها. قالَ القاضي (٤): وأما ربطُ خيوطِ الحريرِ الملونةِ ونحوِها مما لا يشبهُ الشعرَ فليسَ بمنهيٍّ عنهُ لأنهُ ليسَ بوصلٍ ولا لمعنَى مقصودٍ منَ الوصلِ وإنما هوَ للتجمُّلِ والتحسينِ، انتَهى. ومرادُه منَ المعنَى المناسبِ هوَ ما في ذلكَ منَ الخداعِ للزَّوْجِ فما كانَ لونُه مغايرًا للونِ الشعرِ فلا خِدَاعَ فيهِ. حكم الغيلة والعزل ١١/ ٩٦٤ - وَعَنْ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ﵄ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أُنَاسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهى عَنِ الغيلةِ فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإذَا هُمْ يَغيلُونَ أَوْلادَهُمْ فَلا يَضُرُّ ذَلكَ أَوْلادَهُمْ شَيْئًا"، ثُمَّ سَألُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفيُّ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح]

стр. 1667

ترجمةَ جُذامةَ بنتِ وهبٍ (وعنْ جُذامةَ بنتِ وهبٍ) (١) بضمِّ الجيمِ وذالٍ معجمةٍ ويُرْوَى بالدالِ المهملةِ، قيلَ وهوَ تصحيفٌ، هيَ أختُ عكاشةَ بن محصنٍ منْ أُمّهِ، هاجرتْ معَ قَوْمِها وكانتْ تحتَ أُنَيْسِ بن قتادةَ مصغَّرُ أنسٍ، (قالتْ: حضرت رسولَ اللَّهِ ﷺ في أناسٍ وهوَ يقولُ: لقدْ هممتُ أنْ أَنْهَى عن الغِيلةِ) بكسرِ الغينِ المعجمةِ فمثناةٍ تحتيةٍ (فنظرتُ في الرومِ وفارسَ فإذا همْ يغيلونَ أولادَهم فلا يضرُّ ذلكَ أولادَهم شيئًا، ثمَّ سألوهُ عن العزْلِ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : ذلكَ الوأْدُ الخفيُّ. رواهُ مسلمٌ). اشتملَ الحديثُ على مسألتينِ: الأُولَى: "الغيلةُ" تقدَّم ضبطُها ويقالُ لها الغَيَلُ بفتحِ الغينِ المعجمةِ معَ فتحِ المثناةِ [التحتيةِ] (٢)، والغِيالُ بكسرِ الغينِ والمرادُ بها مجامعةُ الرجلِ امرأتَه وهي ترضعُ، كما قالَه مالكٌ والأصمعيُّ وغيرُهما، وقيلَ: هيَ أنْ ترضعَ المرأةُ وهيَ حاملٌ، والأطباءُ يقولونَ: إنَّ ذلكَ داءٌ والعربُ تكرهُهُ وتتقيهِ، ولكنَّ النبيَّ ﷺ ردَّ ذلكَ لهم وبيَّنَ عدمَ الضررِ الذي زعمهُ العربُ والأطباءُ، بأنَّ فارِسًا والرومَ تفعلُ ذلكَ ولا ضررَ يحدثُ معَ الأولادِ، وقولُه: "فإذا همْ يَغِيْلُونَ"، هو مِنْ أَغَالَ يَغِيْلُ. والمسألةُ الثانيةُ: "العزْلُ" وهوَ بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الزاي، وهوَ أن [ينزعَ] (٣) الرجلُ بعدَ الإيلاجِ لِيُنْزِلَ خارجَ الفرجِ، وهوَ يُفْعَلُ لأحدِ أمرينِ: أما في حقِّ الأَمَةِ فَلِئَلَّا تحملُ كراهةً لمجيءِ الولدِ منَ الأَمَةِ ولأنهُ معَ ذلكَ يتعذَّرُ بيعُها، وأما في حقِّ الحرَّةِ فكراهةَ ضررِ الرضيعِ إنْ كانَ، أوْ لِئَلَّا تحملُ المرأةُ. وقولُه في جوابِ سؤالِهم عنهُ: "إنهُ الوأْدُ الخفيُّ"، دالٌّ على تحريمهِ، لأنَّ الوأْدَ دَفْنُ البنتِ حيةً، وبالتحريمِ جزَمَ ابنُ حزمٍ (٤) محتجًا بحديثِ الكتابِ هذَا. وقالَ الجمهورُ: يجوزُ عن الحرَّةِ بِإِذْنِهَا وعنِ الأَمَةِ السُّرِّيَّةِ بغيرِ إِذْنِها، ولهمْ خلافٌ في الأَمَةِ المزوَّجةِ بحُرٍّ، قالُوا: وحديثُ الكتابِ مُعَارَضٌ بحديثينِ؛ الأولُ

стр. 1668

عنْ جابرٍ قالَ: كان لنا جوارٍ وكنَّا نعزلُ، فقالتِ اليهودُ: تلكَ الموءودةُ الصُّغْرى، فَسُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ذلكَ فقالَ: "كذبتِ اليهودُ ولوْ أرادَ اللَّهُ خَلْقَه لم تستطعْ ردَّه" أخرجَهُ النسائي (١) والترمذيُّ وصحَّحَهُ (٢)، والثاني: أخرجَه النسائيُّ (٣) منْ حديثِ أَبي هريرةِ نحوَه. قالَ الطحاويُّ (٤): والجمعُ بينَ الأحاديثِ يُحْمَلُ النَّهْيُ في حديثِ جذامةَ على التنزيهِ، ورجَّحَ ابنُ حزمٍ (٥) حديثَ جذامةَ وأنَّ النَّهْيَ فيهِ للتحريمِ بأنَّ حديثَ غيرِها مرجِّحٌ لأصلِ الإباحةِ وحديثُها مانعٌ، فَمَنِ ادَّعَى أنهُ أُبِيْحَ بعدَ المنعِ فعليهِ البيانُ. ونُوزعَ ابنُ حزمٍ في دلالةِ قولِه ﷺ : "ذلكَ الوأْدُ الخفيُّ" على الصراحةِ بالتحريم؛ لأنَّ التحريمَ لِلْوَأْدِ المحقَّقِ الذي هوَ قطعُ حياةٍ محقَّقةٍ والعزلُ شَبَّهَهُ ﷺ به، وإنما هوَ قطعٌ لما يُوَدِّي إلى الحياةِ والمشبَّه دونَ المشبَّهِ بهِ، وإنَّما سمَّاهُ وأْدًا لِمَا تعلَّقَ بهِ منْ قصدِ منعِ الحملِ، وأما عِلةُ النَّهْي عن العزلِ فالأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ وجْهَهُ أنهُ معاندةٌ لِلْقَدَرِ وهذا دالٌّ على عدمِ التفرقةِ بينَ الحرةِ والأَمَةِ. فائدةٌ: معالجةُ المرأةِ لإسقاطِ النُّطْفَةِ قبلَ نَفْخِ الروحِ يتفرعُ جوازُه وعدمُه على الخلافِ في العزلِ، فمن أجازَهُ أجازَ المعالجةَ، ومنْ حرَّمَ هذا بالأَوْلَى، ويلحقُ بهذا تعاطي المرأةِ ما يقطعُ الحَبَلَ منْ أصلِهِ، وقدْ أفتى بعضُ الشافعيةِ بالمنعِ وهوَ مُشْكِلٌ على قولِهِمْ بإباحةِ العزْلِ مطلقًا. ١٢/ ٩٦٥ - وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي جَارِيَةً، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرِّجَالُ، وَإِنَّ الْيَهُودَ تَحَدَّثُ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، قَالَ: "كَذَبَتِ الْيَهُودُ، لَو أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَأَبُو دَاوُدَ (٧)،

стр. 1669

واللفظُ لَهُ، وَالنَّسَائِيُّ (١) وَالطَّحَاوِيُّ (٢). وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٣). [صحيح] (وعنْ أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أَنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ لي جاريةً وأنا أعزلُ عنْها وأنا أكرهُ أنْ تحمِلَ، وأنا أريدُ ما يريدُ الرجالُ، وأنَّ اليهودَ تحدِّثُ أن العزْلَ الموءودةُ الصُّغْرَى قالَ: كذبتْ يهودُ، لو أرادَ اللَّهُ أنْ يخلقَه ما استطعتَ أنْ تَصْرفَه. رواهُ أحمدُ وأبو داودَ واللفظُ لهُ، والنسائيُّ والطحاويُّ ورجالهُ ثِقَاتٌ). الحديثُ قدْ عارضَ حديثَ النَّهْي وتسميتُه ﷺ العزلَ الوأدَ الخفيَّ، وفي هذا كَذِبُ يهودَ في تسميتِه الموءودةَ الصُّغْرَى. وقدْ جُمِعَ بينَهما بأنَّ حديثَ النَّهْي حُمِلَ على التنزيهِ (٤) وتكذيبِ اليهودِ لأنَّهم أرادُوا التحريم الحقيقيَّ. وقولهُ: "لو أرادَ اللَّهُ أن يخلقَه - إلى آخرهِ" معناهُ أنهُ تعالَى إذا قدَّرَ خلْقَ نفسٍ فلا بدَّ منْ خَلْقِهَا وأنهُ يسبقُكم الماءُ فلا تقدرونَ علَى دَفْعِهِ ولا ينفعُكمُ الحرصُ على ذلكَ، فقدْ يسبقُ الماءُ منْ غيرِ شعورِ العازلِ لتمامِ ما قدَّره اللَّهُ. وقدْ أخرجَ أحمدُ (٥) والبزارُ (٦) منْ حديثِ أنسٍ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ "أن رجلًا سألَ عن العزلِ فقالَ النبيُّ ﷺ : لوْ أن الماءَ الذي يكونُ منهُ الولدُ أهرقْتَهُ على صخرةٍ لأخرجَ اللَّهُ له منْها ولدًا"، وله شاهدانِ في "الكبير" للطبرانيِّ (٧) عن

стр. 1670

ابن عباسٍ وفي "الأوسطِ" (١) لهُ عن ابن مسعودِ ﵁. القرآن لم ينه عن العزل ١٣/ ٩٦٦ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَلمُسْلِمٍ (٣): فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ. [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: كُنَّا نعزلُ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ والقرآن ينزلُ، لو كانَ شيءٌ ينْهَى عنهُ لنهانَا عنهُ القرآن. متفقٌ عليهِ) إلَّا أن قولَه: لوْ كانَ شيءٌ يُنْهَى عنهُ إلى آخرِه لم يذكرْهُ البخاريُّ وإنَّما رواهُ مسلمٌ منْ كلامِ سفيانَ أحدِ رواتِه وظاهرُه أنهُ قالَه استنباطًا. قالَ المصنفُ في "الفتح" (٤): تتبعتُ المسانيدَ فوجدتُ أكثرَ رُوَاتِه عنْ سفيانَ لا يذكرونَ هذهِ الزيادةَ، انتَهى. وقدْ وقعَ لصاحبِ العمدةِ مثلُ ما وقَعَ للمصنفِ هُنَا فجعله منَ الحديثِ، وشَرَحَها ابنُ دقيقِ العيدِ واستغربَ استدلالَ جابرٍ بتقريرِ الله تعالى لهم. (ولمسلمٍ) أي عنْ جابرٍ (فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ فلمْ ينْهَنَا عنهُ) فدلَّ تقريرُه ﷺ لهمْ على جوازِهِ، وقدْ قيلَ: إنهُ أرادَ جابرٌ بالقرآنِ ما يُقْرَأَ أعمَّ منَ المتعبَّدِ بتلاوتهِ أو غيرَهُ مما يُوْحَى إليهِ، فكأنهُ يقولُ: فعلْنا في زمنِ التشريعِ ولوْ كانَ حَرَامًا لم نُقَرَّ عليهِ، قيلَ: فيزولُ استغرابُ ابن دقيقٍ العيدِ، إلَّا أنهُ لا بدَّ منْ علمِ النبيِّ ﷺ بأنَّهم فعلُوه. والحديثُ دليل على جوازِ العزْلِ ولا [تنافيه] (٥) كراهةُ التنزيهِ كما دلَّ لهُ أحاديثُ النَّهْي.

стр. 1671

لم يكن القسم بين نسائه ﷺ عليه واجبًا ١٤/ ٩٦٧ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ. أَخْرَجَاهُ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ أن النبيَّ ﷺ كانَ يطوفُ على نسائهِ بِغُسْلٍ واحدٍ. أخرجَاهُ واللفظُ لمسلمٍ). تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في بابِ الغسلِ واسْتُدِلَّ بهِ على أنهُ لم يكنِ القَسْمُ بينَ نسائِه ﷺ واجبًا. وقالَ ابنُ العربيِّ (٢): إنهُ كانَ للنبيِّ ﷺ ساعةً منَ النهارِ لا يجبُ عليهِ فيها القَسْمُ وهي بعدَ العصرِ فإن اشتغلَ عنْها كانتْ بعدَ المغربِ. وكأنهُ أخَذَه منْ حديثِ عائشةَ الذي أخرجَهُ البخاريُّ (٣): "أنهُ ﷺ كانَ إذا انصرفَ منَ العصرِ دخلَ على نسائِه فيدنُو منْ إحداهُنَّ"، فقولُها فيدنُو يحتملُ أنهُ للوقاعِ، إلَّا أن في بعضِ رِوَاياتهِ (٤) منْ غيرِ وقاعٍ، فهوَ لا يتمُّ مأخذًا لابنِ العربيِّ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٥) منْ حديثِ أنسٍ: "أنهُ ﷺ كانَ يطوفُ على نسائِهِ في الليلةِ الواحدةِ ولهُ يومئذٍ تسعُ نسوةِ"، ولا يتمُّ أنْ يُرَادَ بالليلةِ بعدَ المغربِ كما قالَه؛ لأنهُ لا يتسعُ ذلك الوقتُ سِيَّما معَ الانتظارِ لصلاةِ العشاءِ لفعلِ ذلك. كذَا قيلَ وهوَ مجرَّدُ استبعادِ وإلَّا فالظاهرُ اتساعهُ لذلكَ، فقدْ كانَ ﷺ يؤخِّرُ العِشاءَ، ولأنهُ أُعْطِيَ قوةً في ذلكَ لم يُعْطَهَا غيرُه. والحديثُ دليلٌ أنهُ كانَ لا يجبُ عليهِ القسمُ لنسائِه وهوَ ظاهرُ قولِه تعالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (٦) الآية، وذهبَ إليهِ جماعةٌ مِنْ أهلِ العلمِ.

стр. 1672

والجمهورُ يقولونَ يجبُ عليهِ القسْمُ، وتأوَّلُوا [هذا] (١) الحديثَ بأنهُ كانَ يفعلُ ذلكَ برضاءِ صاحبةِ النوبةِ، وأنهُ يُحْتَمَلُ فعلُه عند استيفاءِ القَسْمِ، ثمَّ يستأنفُ القِسْمَةَ، وبأنهُ يحتملُ أنهُ فعلَ ذلكَ قبلَ وجوبِ القَسْم. وقولُه: "ولهُ يومئذٍ تسعُ نسوةٍ" في روايةِ البخاريُّ (٢): "وهنَّ إحْدَى عَشْرَةَ" ويُجْمَعُ بينَ الروايتينِ بأنْ يُحْمَلَ قولُ مَنْ قالَ تسعٌ نظرًا إلى الزوجاتِ اللاتي اجتمعْنَ عندَه ولم يجتمعْ عندَه أكثرُ منْ تسعٍ، وأنهُ ماتَ عنْ تسعٍ كما قالَ أنسٌ ﵁ أخرجَهُ الضياءُ عنهُ في المختارةِ، ومَنْ قالَ إحدى عَشْرَةَ أدخلَ ماريةَ القبطيةَ وريحانةَ فيهنَّ وأطلقَ عليهما لفظَ نسائِه تغليبًا (٣). وفي الحديثِ دلالةٌ على أنهُ ﷺ كانَ أكملَ الرجالِ في الرجوليةِ حيثُ كانَ لهُ هذهِ القوةِ. وقدْ أخرجَ البخاريُّ (٤) أنهُ كانَ لهُ قوةُ ثلاثينَ رجلًا، وفي روايةِ الإسماعيلي (٥) قوةُ أربعينَ، ومثلُه لأبي نعيمٍ (٦) في صفةِ الجنةِ، وزادَ منْ رجالِ أهلِ الجنةِ، وقدْ أخرجَ أحمدُ (٧) والنسائيُّ (٨) وصحَّحَهُ الحاكمُ (٩) منْ حديثِ زيدِ بن أرقمٍ: "أن الرجلَ في الجنةِ لَيُعْطَى قوةُ مائةٍ في الأكْلِ والشربِ والجماعِ والشهوةِ". * * *

стр. 1673

[الباب الرابع] بابُ الصَّدَاقِ الصَّدَاقُ بفتحِ الصادِ وكسرِها، مأخوذٌ منَ الصِّدْقِ لإشعارهِ بصدقِ رغبةِ الزوجِ في الزوجةِ، وفيهِ سبعُ لغاتٍ، ولهُ ثمانيةُ أسماءٍ يجمعُها قولُه: صداقٌ ومهرٌ نحلةٌ وفريضةٌ … حباءٌ وأجرٌ ثم عقرُ علائقِ وكانَ الصَّداقُ في شرعِ مَنْ قَبْلَنَا للأولياءِ كما قالَ صاحبُ "المستعذبِ" على "المهذَّبِ". صحة جعل العتق صَدَاقًا ١/ ٩٦٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ أَعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] ترجمة صفية بنت حيي (عنْ أنسٍ ﵁ أنهُ ﷺ أعتقَ صفيةَ وجعلَ عِتْقِها صداقَها. متفقٌ عليهِ). هيَ أمُّ المؤمنينَ صفيةُ بنتُ حُيَيِّ بن أخطبَ (٢) منْ سبطِ هارونَ بن عمران، كانت تحت ابن أَبي الحُقيق، وقتل يوم خيبر ووقعت صفيةُ في السَّبْي، فاصطفاها

стр. 1674

رسول اللَّهِ ﷺ ، فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها وماتت سنة خمسين، وقيل غير ذلك. والحديثُ دليلٌ على صحةِ جَعْلِ العتقِ صدَاقًا بأيِّ عبارةٍ وقعتْ تفيدُ ذلكَ، وللفقهاءِ عِدَّةُ عباراتٍ في كيفيةِ العبارةِ في هذا المعنَى. وذهبَ إلى صحَّةِ جَعْلِ العِتْقِ مهْرًا الهادويةُ وأحمدُ وإسحاقُ وغيرُهم، واستدلَّوا بهذا الحديثِ. وذهبَ الأكثرُ إلى عدمِ صحةِ جَعلِ العِتْقِ مهْرًا وأجابُوا عن [هذا] (١) الحديثِ بأنهُ ﷺ أعتقَها بشرطِ أنْ يتزوَّجَها فوجبَ لهُ عليها قيمتُها وكانتْ معلومةً فتزوَّجَها بها، ويردُّ هذا التأويلُ أنهُ في مسلم (٢) بلفظِ: "ثمَّ تزوَّجَها وجعلَ عِتْقَها صَدَاقَها"، وفيه أنهُ قالَ عبدُ العزيزِ راويهِ: قالَ ثابتٌ لأنسٍ بعدَ أنْ رَوَى هذا الحديثَ: ما أصدقَها؟ قالَ: نفسَها وأعتقَها؛ فانهُ ظاهرٌ أنهُ جعلَ نَفْسَ العِتْقِ صدَاقًا. وأما قولُ منْ قالَ إنَّ هذا شيءٌ فهمه أنسٌ فعبَّرَ به [ويجوزُ] (٣) أن فَهْمَهُ غيرُ صحيحٍ فجوابهُ أنهُ أعرفُ باللفظِ وأفهمُ لهُ، وقدْ صرَّحَ بأنهُ ﷺ جعلَ العِتْقَ صَدَاقًا فهوَ راوٍ لِفِعْلِهِ ﷺ ، وحُسْنُ الظنِّ بهِ لِثِقَتِهِ يوجبُ قبولَ روايتِه للأفعالِ، كما يجبُ قبولُها للأقوالِ، وإلا لزمَ ردُّ الأقوالِ والأفعالِ إذْ لم ينقلُ الصحابةُ اللفظَ النبويَّ إلا في شيءٍ قليلٍ، وأكثر ما يَرْوُونَهُ بالمعنَى كما هوَ معروفٌ. وروايةُ المعنَى عُمْدَتُها فَهْمَه. وقولُه إنهُ لم يرفعْه أنسٌ بلْ قالَه تَظَنُّنًا، خلافُ ظاهرِ لفظِهِ، فإنهُ قالَ: جعلَ - يريدُ النبيَّ ﷺ صدَاقَها عِتْقَها. وقدْ أخرجَ الطبرانيُّ (٤) وأبو الشيخِ منْ حديثِ صفيةَ قالتْ: "أعتقني النبيُّ ﷺ وجعلَ عِتْقِي صَدَاقي" وهوَ صريحٌ فيما رواهُ أنسٌ وأنهُ لم يقلْ ذلكَ تظننًا كما قيلَ، وإنَّما خالفَ الجمهورُ الحديثَ وتأوَّلُوه، قالُوا لأنهُ خالفَ القياسَ لوجهينِ: أحدُهما: أن عَقْدَها على نفسها إما أن يقعَ قبلَ عِتْقِها وهوَ محالٌ وإما بعدَه وذلكَ غيرُ لازمٍ لها.

стр. 1675

والثاني: أنا إنْ جعلْنا العتقَ صَدَاقًا فإما أن يتقررَ العِتْقُ حالةَ الرقِّ وهو محالٌ أيضًا، أو حالة الحريةِ فيلزمُ سبقُها على العقد فيلزم وجودُ العتق حالَ فرضِ عدمِهِ وهوَ مُحَالٌ؛ لأنَّ الصداقَ لا بدَّ أنْ يتقدَّمَ تقرُّرُه على الزوجِ إما نصًا وإما حُكْمًا حتَّى تملكَ الزوجةُ طَلَبَهُ، ولا يَتَأَتَّى مثلُ ذلكَ في العتقِ فاستحالَ أنْ يكونَ صَدَاقًا، وأُجِيْبَ: أوَّلًا: أنهُ بعدَ صحة هذه القصةِ لا [تبالي] (١) بهذهِ المناسباتِ. وثانيًا: بعدَ تسليمِ ما قالُوه فالجوابُ عن الأوَّلِ أن العقدَ يكونُ بعدَ العتقِ وإذا امتنعتْ منَ العقدِ لزمَها السعايةُ بقيمتها ولا محذورَ في ذلكَ، وعنِ الثاني بأنَّ العتقَ منفعةٌ يصحُّ المعاوضةُ عنْها، والمنفعةُ إذا كانتْ كذلكَ صحَّ العَقْدُ عليها، مثلُ سُكْنَى الدارِ وخدمةِ الزوجِ ونحوِ ذلكَ. وأما قولُ مَنْ قالَ إنَّ ثوابَ العتْقِ عظيمٌ فلا ينبغي أنْ يفوتَ بجعلِهِ صَدَاقًا وكانَ يمكنُ جعلُ المهرِ غيرَه، فجوابُه أنهُ ﷺ يفعلُ المفضولَ لبيانِ التشريعِ ويكونُ ثوابُه أكثرَ منْ ثوابِ الأفضلِ فهوَ في حقِّهِ أفضل. وأما جعلُ حديثِ عائشةَ في قصةِ جويريةَ مؤيِّدًا لحديثِ صفيةَ ولفظهُ: "أنهُ ﷺ قالَ لجويريةَ لما جاءتْ تستعينُه في كتابتِها: هلْ لكِ أنْ أقضيَ عنكِ كتابتَكِ وأتزوَّجَكِ؟ قالتْ: قدْ فعلتُ"، أخرجَه أَبو داودَ (٢). فلا يخْفَى أنهُ ليسَ فيهِ تعرُّضٌ للمهرِ ولا غيره فليسَ مما نحنُ فيهِ. مقدار المهر ٢/ ٩٦٩ - وَعَنْ أَبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمنِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ اثْنَتَي عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ

стр. 1676

أُوقِيّةَ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لأَزْوَاجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] ترجمة أَبي سلمة بن عبد الرحمن الزهري (وعنْ أَبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ) هوَ أَبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ بن عوفِ الزُّهْريُّ (٢) القرشيُّ أحدُ الفقهاءِ السبعةِ المشهورينَ بالفقهِ بالمدينةِ في قولِ منْ مشاهيرِ التابعينَ وأعلامِهِمْ، يُقَالُ: إنَّ اسمَهُ كنيتُه. [وهو كثير] (٣) الحديثِ واسعُ الروايةِ، سَمِعَ عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ وأخذَ عنهُ جماعةٌ. ماتَ سنةَ أربعٍ [وسبعينَ] (٤)، وقيلَ: أربعٍ ومائةٍ وهوَ في سبعينَ سنةَ، (قالَ: سألتُ عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ كمْ كانَ صَدَاقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالتْ: كانَ صداقُهُ لأزواجِهِ اثنتيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) بضمِّ الهمزةِ وتشديدِ المثناةِ التحتيةِ (ونَشًّا) بفتحِ النونِ وشينٍ معجمةٍ مشدَّدَةٍ (وقالتْ: أتدري ما النشُّ؟ قلتُ: لا، قالتْ: نِصْفُ أوقية فتلك خمسمائةِ درهمٍ، فهذَا صداقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأزواجِه. رواهُ مسلمٌ). المرادُ في الحديثِ أوقيةُ الحجازِ وهيَ أربعونَ دِرْهَمًا. وكانَ كلام عائشةَ هذا بناءً على الأغلبِ، وإلَّا فإنَّ صداقَ صفيةَ عَتْقُهَا، قيلَ: ومثلُها جويريةُ. وخديجةُ لم يكنْ صداقُها هذا المقدارِ، وأمُّ حبيبةَ أصدقَها النجاشيُّ عن النبيِّ ﷺ بأربعةِ آلافِ درهمٍ وأربعةِ آلافِ دينارٍ، إلَّا أنهُ كانَ تبرُّعًا منهُ إكرامًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ ولكنه قرَّره. فهذا إخبار من عائشة عن غالب صداق أزواجه، وقد استحبَّ الشافعيةُ جعلَ المهرِ خمسمائةِ درهمٍ تأسيًا، وأما أقلُّ المهرِ الذي يصحُّ بهِ العقدُ فقدْ قدَّمْنَاهُ، أما أكثرُهُ فلا حدَّ لهُ إجماعًا، قالَ تعالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٥)، والقنطارُ قيلَ: إنهُ ألفٌ ومائتا أوقيةٍ ذهبًا، وقيلَ:

стр. 1677

ملءُ مسكِ ثورٍ ذهبًا، وقيلَ: سبعونَ ألفِ مِثقالٍ، وقيلَ: مائةُ رطلٍ ذهبًا. وقدْ كانَ أرادَ عمرُ قصْرَ أكثرِهِ على قدْرِ مهورِ أزواجِ النبيِّ ﷺ وردَّ الزيادةَ إلى بيتِ المالِ وتكلَّمَ بهِ في الخطبةِ فردتْ عليهِ امرأةٌ محتجةً بقولِه تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١) فرجَعَ وقالَ: كلُّكُمْ أفقهُ منْ عمرَ (١). ينبغي تقديم شيء للزوجة قبل الدخول ٣/ ٩٧٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمّا تَزَوّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَعْطِهَا شَيْئًا"، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ، قَالَ: "فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟ "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢) وَالنَّسَائِيُّ (٣)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٤). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ [عَنْهُمَا] (٥) قَالَ: لما تزوَّجَ عليٌّ فاطمةَ ﵄) هي

стр. 1678

سيِّدةُ نساءِ العالمينَ تزوَّجَها عليٌّ ﵁ في السَّنَةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ في شهرِ رمضانَ، وبنَى عليها في ذي الحجَّةِ، وَلَدَتْ له الحسنَ والحسينَ والمحسنَ وزينبَ ورقيةَ وأمَّ كلثومٍ، وماتتْ بالمدينةِ بعدَ موتهِ ﷺ بثلاثةِ أشهرٍ، وقدْ بسطْنا ترجمتَها في الروضةِ النديةِ (١). (قالَ لهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : أعطِها شيئًا، قالَ: ما عندي شيءٌ، قالَ: فأينَ درعُكَ الحُطَميَّةُ) بضمِّ الحاءِ المهملةِ وفتحِ الطاءِ المهملةِ نسبةً إلى حطمةَ بن محاربَ بطنٍ منْ عبدِ القيس كانُوا يعملونَ الدروعَ، (رواهُ أبو داودَ والنسائيُّ وصصَّحَهُ الحاكمُ). فيهِ دليلٌ على أنهُ ينبغي تقديمُ شيءٍ للزوجةِ قبلَ الدخولِ بها جَبْرًا لخاطرِها، وهوَ المعروفُ عندَ الناسِ كافةً. ولم يذكرْ في الروايةِ هلْ أعطاهَا درعَه المذكورةَ أو غيرَها. وقدْ وردتْ رواياتٌ في تعيينِ ما أعطَى عليٌّ فاطمةَ ﵄ إلَّا أنَّها غيرُ مسندةٍ. الصداق والحباء والعدة ٤/ ٩٧١ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ عَلَى صَدَاقٍ، أَوْ حِبَاءٍ، أَو عِدَةٍ، قَبْلَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَهُوَ لَهَا، وَمَا كَانَ بَعْدَ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَهُوَ لِمَنْ أُعْطِيَهُ، وَأَحَقُّ مَا أُكْرِمَ الرَّجُلُ عَلَيهِ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتُهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (٣). [ضعيف] (وعنِ عَمْرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ على صداقٍ أو حِبَاءٍ) بكسرِ الحاءِ المهملةِ فموحدةٍ فهمزةٍ ممدودٍ، العطيةُ للغيرِ أو للزوجةِ زائدًا على مهرهَا (لو عِدَةٍ) بكسر العينِ المهملةِ ما وعدَ بهِ الزوجُ

стр. 1679

وإنْ لم يحضرْ (قبلَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لها، وما كانَ بعدَ عصمةِ النكاحِ فهوَ لمن أُعطيَهُ وأحقُّ ما أُكْرِمَ الرجل عليهِ ابنتُه أو أختهُ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ). الحديثُ دليلٌ على أن ما سمَّاهُ الزوجُ قبلَ العقدِ فهوَ للزوجةِ وإنْ كانَ تسميتُه لغيرِها منْ أبٍ أو أخٍ، وكذلكَ ما كانَ عندَ العقدِ. وفي المسألةِ خلافٌ فذهبَ إلى ما أفادهُ الحديثُ الهادي ومالكٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والثَّوْري، وذهبَ أَبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أن الشرطَ لازمٌ لمنْ ذكرَ منْ أبٍ أو أخٍ والنكاحُ صحيحٌ، وذهبَ الشافعيُّ إلى أن تسميةَ المهرِ تكونُ فاسدةً ولها صداقُ المِثْلِ، وذهبَ مالكٌ إلى أنهُ إنْ كانَ الشرطُ عندَ العقدِ فهوَ لابنتهِ وإنْ كانَ بعدَ النكاحِ فهوَ لهُ. قالَ في "نهايةِ المجتهدِ" (١): وسببُ اختلافِهم تشبيهُ النكاحِ في ذلكَ بالبيعِ، فمنْ شَبَّهَهُ بالوكيلِ ببيعِ السلعةِ وشرطَ لنفسهِ حِباءً قالَ: لا يجوزُ النكاحُ كما لا يجوزُ البيعِ، ومن جعلَ النكاحَ في ذلكَ مخالفًا للبيعِ قالَ: يجوزُ. وأما تفريقُ مالكٍ فلأنهُ اتهمهُ إذا كانَ الشرطُ في عقدِ النكاحِ أنْ يكونَ ذلكَ اشترطَ لنفسهِ [نقصانًا] (٢) عنْ صداقِ مِثْلِهَا، ولمْ يتهِمْهُ إذا كانَ بعدَ انعقادِ النكاحِ والاتفاقِ على الصداقِ، انتهَى. وإنَّما علَّلَ ذلكَ بما سمعتَ ولم يذكرِ الحديثَ لأنَّ فيهِ مقالًا، هذَا وأمَّا ما يُعطِي الزوجُ في العُرْفِ مما هوَ للإتلافِ كالطعامِ ونحوهِ فإنْ شُرِطَ في العقدِ كانَ مَهْرًا وما سُلِّمَ قبلَ العقدِ يكون إباحةً فيصحُّ الرجوعُ فيهِ معَ بقائهِ إذا كانَ في العادةِ يُسَلَّمُ للتلفِ، وإنْ كانَ يُسَلَّمُ للبقاءِ رجعَ في قيمتهِ بعدَ تلفهِ إلَّا أن [يتمنَّعُوا] (٣) منْ زواجته رجعَ بقيمتِه في الطرفينِ جميعًا، وإذا ماتتِ الزوجةُ أو امتنعَ هوَ من التزوج كانَ لهُ الرجوعُ فيما بقي وفيما سَلَّمَ للبقاءِ وفيما تلفَ قبلَ الوقتِ الذي يُعْتَادُ التلفُ فيهِ لا فيما عدا ذلكَ، و [ما] (٤) سلَّمَهُ بعدَ العقدِ هبةً أو هديةً على حسبِ الحالِ أو رشوةَ إنْ لم تُسَلَّمْ إلَّا بهِ، وإنْ كانَ الطعامُ الذي يُفْعَلُ في وليمةِ العرسِ مما ساقَه الزوجُ إلى ولي الزوجةِ وكانَ مشروطًا معَ العقدِ لصغيرةٍ وفعلَ ذلكَ جازَ التناولُ منهُ لمنْ يعتادُ لمثلِهِ كالقرابةِ وغيرِهم؛ لأنَّ الزوجَ

стр. 1680

إنما شرطَه وسلَّمه ليفعلَ ذلكَ لا ليبقى مُلْكًا للزوجة، والعرفُ معتبرٌ في هذا. مهر من لم يفرض لها صداق ٥/ ٩٧٢ - وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَها صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتى مَاتَ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُود: لَهَا مِثْلُ صدَاقِ نسائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانِ الأَشْجَعِيُّ. فَقَالَ: قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَرْوَعَ بنت وَاشِقٍ - امْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَحّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣)، وَحَسّنَهُ جَمَاعَةٌ (٤). [صحيح] ترجمة علقمة النخعي (وعنْ علقمةَ) (٥) أي ابن قيسٍ أَبي شِبْلِ ابن مالكٍ منْ بني بكرِ بن النخعِ النخعي، رَوَى عنْ عمرَ وابنِ مسعودٍ، وهوَ تابعيٌّ جليلٌ اشتهرَ بحديثِ ابن مسعودٍ وصحبتِه، وهوَ عمُّ الأسودِ النَّخَعيِّ، ماتَ سنةَ إحدى وستينَ، (عن ابن مسعودِ أنه سُئِلَ عنْ رجلٍ تزوَّجَ امرأةً ولم يفرضْ لها صداقًا ولم يدخلْ بها حتَّى ماتَ فقالَ ابنُ مسعودٍ: لها مِثْلُ صداقِ نسائِها لا وَكْسَ) بفتحِ الواو وسكونِ الكاف وسينٍ مهملةٍ

стр. 1681

هوَ النقصُ، أي لا ينقصُ عن مهرِ نسائها (ولا شططَ) بفتحِ الشينِ المعجمةِ وبالطاءِ المهملةِ وهوَ الجوْرُ، أي لا يجارُ على الزوجِ بزيادةِ مهرِها على نسائِها (وعليها العِدَّةُ ولها الميراثُ. فقالَ معقل) بفتحِ الميم وسكون العينِ المهملةِ وكسرِ القافِ (ابنُ سِنانٍ) (١) بكسرِ السينِ المهملةِ فنونٍ فأَلف [فنونٍ] (٢) (الأشجعيُّ) بفتحِ الهمزةِ وشينٍ معجمةٍ ساكنةٍ، ومعقلُ هو أَبو محمدٍ شهدَ فتحَ مكةَ ونزلَ الكوفةَ وحديثُه في أهلِ الكوفةِ وقُتِلَ يومَ الحرَّةَ صبْرًا (فقالَ: قَضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ في بَرْوَعَ) بفتحِ الباءِ الموحدةِ وسكون الراءِ وفتحِ الواوِ فعينٍ مهملةِ (بنتِ واشقٍ) (٣) بواوٍ مفتوحةٍ فألفٍ فشينٍ معجمةٍ فقافٍ (امرأة منَّا) بكسرِ الميمِ فنونٍ مشددةٍ [فألفٍ] (٤) (مثلَ ما قضيتَ، ففرحَ [بها] (٥) ابنُ مسعودٍ. رواهُ أحمدُ والأربعة وصحَّحَهُ الترمذيُّ وجماعةٌ) منْهم ابنُ مهدي وابنُ حزمٍ وقالَ: لا مغمزَ فيهِ لصحةِ إسنادِه، ومثلُه قال البيهقي في "الخلافياتِ". وقال الشافعي: لا أحفظُه منْ وجْهٍ يثبتُ مثلُه، وقالَ: لو ثبتَ حديثُ بَرْوَعَ لقلتُ بهِ، وقالَ في "الأمِّ" (٦): إنْ كانَ يثبتُ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ فهوَ أَوْلَى الأمورِ ولا حجةَ في أحدٍ دونَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ كبرَ، ولا شيءَ في قولِه إلا طاعةُ اللَّهِ بالتسليمِ لهُ، ولمْ أحفظْهُ عنهُ منْ وجهٍ يثبتُ مثلُه، مرةً يقالُ عنْ معقلِ بن سنانٍ، ومرةً عنْ معقلِ بن يسارٍ، ومرةً عنْ بعضِ أشجعَ لا يُسَمِّي. هذا تضعيفُ الشافعيِّ بالاضطرابِ، وضعَّفَهُ الواقديُّ بأنهُ حديثٌ وردَ إلى المدينةِ منْ أهلِ الكوفةِ فما عرفَه علماءُ المدينةِ، وقدْ رُوِيَ عنْ عليٍّ ﵁ أنهُ ردَّه بأنَّ معقلَ بنَ سنانٍ أعرابيٌّ بَوَّالٌ على عَقِبَيْهِ. وأُجِيْبَ بأنَّ الاضطرابَ غيرُ قادحٍ؛ لأنهُ متردِّدٌ بينَ صحابيٍّ وصحابيٍّ، وهذا لا يطعنُ بهِ في الروايةِ، وعنْ قولِه: إنهُ يُرْوَى عنْ بعضِ أشجعَ فلا يضرُّ أيضًا؛ لأنهُ قد فَسَّرَ ذلكَ البعضُ بمعقلٍ فقدْ تبينَ أن ذلكَ البعضَ صحابيٌّ، وأما عدمُ معرفةِ علماءِ المدينةِ لهُ فلا يُقْدَحُ بها معَ

стр. 1682

عدالةِ الراوي، وأما الروايةُ عنْ عليٍّ ﵁ فقالَ في "البدرِ المنيرِ": لم يصحَّ عنهُ. وقدْ رَوَى الحاكمُ (١) منْ حديثِ حرملةَ بن يَحْيَى أنهُ قالَ: سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: إنْ صحَّ حديثُ بَرْوَعَ بنتِ واشقٍ [عملت] (٢) بهِ، قالَ الحاكمُ: قلتُ صحَّ فقلْ بهِ. وذكرَ الدارقطنيُّ الاختلافَ فيهِ في "العلل" ثمَّ قالَ: وأنسبُها إسنادًا حديثُ قتادةَ إلا أنهُ لم يحفظْ اسمَ الصحابيِّ. قلت: [لا يضرُّ] (٣) جهالةُ اسمِه على رأي المحدثينَ. وما قالَ المصنفُ منْ أن لحديثِ بَرْوَعَ شاهدًا منْ حديثِ عقبةَ بن عامرٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ زوَّجَ امرأةً رجلًا فدخلَ بها ولمْ يفرضْ لها صداقًا فحضرتْه الوفاةُ فقالَ: أشهدُكم أن سهمي بخيبرَ لها، أخرجَه أَبو داودَ (٤) والحاكمُ (٥)، فلا يخْفى أنْ لا شهادةَ له على ذلكَ؛ لأنَّ هذا في امرأةٍ دخلَ بها زوجُها، نعمْ فيهِ شاهدٌ أنهُ يصحُّ النكاحُ بغيرِ تسميةٍ. والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ تستحقُّ كمالَ المهرِ بالموتِ وإنْ لم يسمِّ لها [الزوجُ] (٦) ولا دخلَ بها، وتستحقُّ مهر مِثْلِها، وفي المسألةِ قولانِ: الأولُ: العملُ بالحديثِ وأنَّها تستحقُّ المهرَ كما ذكرَ، وقولُ ابن مسعودٍ اجتهادٌ موافقٌ للدليلِ وقولُ أَبي حنيفةَ وأحمدَ وآخرينَ، والدليلُ الحديثُ وما طُعِنَ بهِ فيهِ قدْ سمعتَ دَفْعَهُ. والقول الثاني: لا تستحقُّ إلا الميراثَ، لعليٍّ وابنِ عباسٍ [وابن عمر] (٧) والهادي ومالكٍ وأحدُ قولَي الشافعيّ، قالُوا: لأنَّ الصداقَ عوضٌ فإذا لم يستوفِ الزوجُ المعوضَ عنهُ لم يلزمْ، قياسًا على ثمنِ المبيعِ، قالُوا: والحديثُ فيهِ تلكَ المطاعنُ، قلْنا: تلك المطاعنُ قدْ دُفِعَتْ فنهضَ الحديثُ للاستدلالِ فهوَ أَوْلَى منَ القياسِ.

стр. 1683

يصح أن يكون المهر من غير الدراهم والدنانير ٦/ ٩٧٣ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْطَى في صَدَاقِ امْرَأَةٍ سَوِيقًا، أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ وَقْفِهِ. [ضعيف] (وعنْ جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: منْ أعطَى في صداقِ امرأةٍ سويْقًا) هوَ دقيقُ القمحِ المقلوِّ أو الشعيرِ أو الذرةِ أو [غيرهما] (٢) (أوْ تمرًا فقدِ استحل. أخرجَه أَبو داودَ وأشارَ إلى ترجيحِ وقْفهِ). وقالَ المصنفُ في "التلخيص" (٣): فيهِ موسى بنُ مسلمٍ بن رومانَ وهوَ ضعيفٌ ورُوِيَ موقوفًا وهوَ أقوى، انتَهى. فكانَ عليهِ أنْ يشيرَ إلى أن فيهِ ضعفًا على عادتهِ، وأخرجَه الشافعيُّ بلاغًا. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يصحُّ [أن يكون] (٤) المهرُ منْ غيرِ الدراهمِ والدنانيرِ وأنهُ يجزي مطلقُ السَّويقِ والتمرِ وظاهرُه وإنْ قلَّ، وتقدَّمتْ أقاويلُ العلماءِ في قَدْرِ أقلِّ المهرِ في شرحِ حديثِ الواهبةِ نفسِها (٥). ٧/ ٩٧٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبيعَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ عَلَى نَعْلَيْنِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٦)، وَخُولِفَ في ذَلِكَ. [ضعيف]

стр. 1684

ترجمة عبد الله بن عامر (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن عامرِ بن ربيعةَ) (١) هوَ أَبو محمدٍ عبدُ اللَّهِ بنُ عامرِ بن ربيعةَ العنزيِّ بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ النونِ وبالزاي، وفي نَسَبِهِ خلافٌ كثيرٌ، قُبِضَ النبيُّ ﷺ وهوَ في أربعِ سنينَ أو خمسٍ. ماتَ عبدُ اللَّهِ المذكورُ سنةَ خمسٍ وثمانينَ، وقيلَ سنةَ تسعينَ، (عنْ أبيهِ أنَّ النبيَّ ﷺ أجازَ نكاحَ امرأةٍ على نعلينِ. أخرجَهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ وخُولِفَ) أي الترمذيُّ (في ذلكَ) أي في التصحيحِ. لفظُ الحديثِ أنَّ امرأةً منْ بني فزارةَ تزوَّجتْ على نعلينِ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "رضيتِ منْ نفسكِ ومالكِ بنعلينِ"؟ قالتْ: نعمْ، فأجازهُ. والحديثُ دليلٌ على صحةِ جَعْلِ المهرِ أيَّ شيءٍ له ثمنٌ. وقد سلفَ أن [كلما] (٢) صحَّ جعلُه ثمنًا صحَّ جعلُه مهرًا، وفيهِ مأخذٌ لِمَا وَرَدَ في غيرِه منْ أنَّها لا تصرَّف المرأةُ في مالِها إلا برأْي زوجِها. تقليل الصداق ٨/ ٩٧٥ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: زَوّجَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا امْرَأَةً بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ (٣)، وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ في أَوَائِلِ النِّكَاحِ. [صحيح] (وعنْ سهلِ بن سعدٍ ﵁ قالَ: زوَّج النبيُّ ﷺ رجلًا امرأةً بخاتَمٍ منْ حديدٍ. أخرجَه الحاكمُ). قد تَقَدَّمَ حديثُ سَهْلٍ في الواهبةِ نفسِها بطولِه وفيهِ أنهُ ﷺ أمرَ مَنْ خَطَبَها أنْ يلتمسَ ولو خاتَمًا منْ حديدٍ فلمْ يجدْهُ فزوَّجَهُ إيَّاها على تعليمِها شيئًا منَ القرآنِ؛ فإنْ كانَ هذا هوَ ذلكَ الحديثُ فلم يتمَّ جعلُ المهرِ خاتمًا منْ

стр. 1685

حديدٍ كما عرفتَ، وإنْ أُرِيدَ غيرُه فيحتملُ وهوَ بعيدٌ لقولِ المصنفِ (وهوَ طرفٌ منَ الحديثِ الطويلِ المتقدِّمِ في أوائلِ النكاحِ) وعلى تقديرِ أنهُ أريدَ ذلكَ الحديثُ فتأويلُه أنهُ ﷺ أَذِنَ في جَعْلِ الصداقِ خاتمًا منْ حَديدٍ وإنْ لم يتمَّ العقدُ عليهِ. ٩/ ٩٧٦ - وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: لَا يَكُونُ الْمَهْرُ أَقلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ. أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا (١)، وفي سَنَدِهِ مَقَالٌ. [ضعيف] (وعنْ عليٍّ ﵁ قالَ: لا يكونُ المهرُ أقلَّ منْ عشرةِ دراهمَ، أخرجُه الدارقطنيُّ موقوفًا وفي سندهِ مقالٌ)، أي موقوفٌ على عليٍّ ﵁. وقدْ رُويَ منْ حديثِ جابرٍ مرفوعًا ولم يصحَّ (٢). والحديثُ معارضٌ بالأحاديث المتقدمةِ المرفوعةِ الدالةِ على صحةِ أيِّ شيءٍ صح جعلُه ثمنًا صحَّ جعله مهرًا كما عرفتَ، والمقالُ الذي في الحديثِ هوَ أن فيهِ مبشرَ بنَ عبيدٍ، قالَ أحمدُ: كانَ يضعُ الحديثَ. استحباب تخفيف المهر ١٠/ ٩٧٧ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَيْرُ الصَّدَاقِ أَيْسَرَهُ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٤). [صحيح]

стр. 1686

(وعنْ عقبةَ بن عامرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ : خيرُ الصَّداقِ أيسرُه)، أي أسهلُه على الرجل (أخرجَه أَبو داودَ وصحَّحَهُ الحاكمُ) فيهِ دلالةٌ على استحبابِ تخفيفِ المهرِ وأنَّ غيرَ الأيسرِ على خلافِ ذلكَ وإنْ كانَ جائزًا كما أشارتْ إليهِ الآيةُ الكريمةُ في قولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (١). وتقدَّمَ أن عمرَ نَهَى عن المغالاةِ في المهورِ، فقالتِ امرأةٌ: ليسَ ذلكَ إليكَ يا عمرُ، إنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: "وآتيتمْ إحداهنَّ قنطارًا منْ ذهب"، قالَ عمرُ: امرأةٌ خاصمتْ عمرَ فَخَصَمَتْهُ (٢)، أخرَجه عبدُ الرزاقِ (٣). وقولُه في الروايةِ: منْ ذهبٍ، هي قراءةُ ابن مسعودٍ، ولهُ طُرُقٌ بألفاظٍ مختلفةٍ، ويحتملُ أن الخيريةَ بركةُ المرأةِ، ففي الحديثِ: "أبركُهنَّ أيسرُهنَّ مُؤْنَةً" (٤).

стр. 1687

الدليل على شرعية المتعة للمطلَّقة قبل الدخول ١١/ ٩٧٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ - تَعْني لَمَّا تَزَوّجَهَا - فَقَالَ: "لَقَدْ عُذْتِ بمُعَاذ" فَطَلَّقَهَا، وَأَمَرَ أُسَامَةَ فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (١)، وَفي إِسْنَادِهِ رَاوٍ مَتْرُوكٌ (٢). [منكر] - وَأَصْلُ الْقِصّةِ في الصَّحِيحِ (٣) مِنْ حَدِيثِ أَبي أَسِيدِ السَّاعِدِيّ. [صحيح] (وعنْ عائشةِ ﵂ أن عَمْرَةَ بنتَ الجَوْنِ) بفتحِ الجيمِ وسكونِ الواوِ فنونٍ (تعوَّذتْ منْ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ أُدْخِلَتْ عليهِ تعني لما تزوَّجَها فقالَ: لقدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ) بفتحِ الميمِ ما يستعاذُ بهِ (فطلَّقها وأمرَ أسامةَ فمتعها بثلاثةِ أثوابٍ. أخرجَهُ ابنُ ماجَهُ وفي إسنادهِ [رجل] (٤) متروكٌ. وأصلُ القصةِ في الصحيحِ منْ حديثِ أَبي أسيدٍ الساعدي)، وقدْ سمَّاها في الحديثِ عمرةَ ووقعَ معَ ذلكَ اختلافٌ في اسمِها ونسبِها كثيرٌ، لكنهُ لا يتعلَّقُ بهِ حكمٌ شرعيٌّ، واختُلِفَ في سببِ تعوُّذِها: ففي روايةٍ أخرجَها ابنُ سعدٍ (٥) أنهُ ﷺ لما دخلَ عليها وكانتْ منْ أجملِ النساءِ فداخلَ نساءَه ﷺ غيرةً، فقيلَ لها: إنما تحظَى المرأةُ عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ أنْ تقولَ إذا دخلتْ عليهِ: أعوذُ باللَّهِ منكَ، فاستعيذي منه. وفي روايةٍ أخرجَها ابنُ سعدٍ (٦) أيضًا بإسنادِ البخاريِّ أن عائشةَ وحفصةَ دَخَلَتَا عليها أولَ ما قدمتْ مشَّطَتَاها

стр. 1688

وخضَّبَتَاهَا وقالتْ لها إحداهُما: إنَّ النبيَّ ﷺ يُعْجِبُهُ منَ المرأةِ إذا دخلَ عليها أنْ تقولَ أعوذُ باللَّهِ منكَ، وقيلَ في سببهِ غيرُ ذلكَ. والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ المتعةِ للمطلقةِ قبلَ الدخول، واتفقَ [الأكثرُ] (١) على وجوبِها في حقِّ مَنْ لم يسمِّ لها صَدَاقًا إلَّا عن الليثِ ومالكٍ. وقدْ قالَ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢) الآية، وظاهرُ الأمرِ الوجوبُ. وأخرجَ البيهقيُّ (٣) في سُنَنِهِ عن ابن عباسٍ قالَ: المسُّ النكاحُ والفريضةُ الصداقُ، ومتِّعوهنَّ قالَ: هوَ على الزوج يتزوجُ المرأةَ ولم يسمِّ لها صَدَاقًا ثمَّ يطلِّقُها قبل أنْ يدخلَ بها فأمَرَهُ اللَّهُ تعالى أَن يمتِّعَها على قدرِ عُسرهِ ويُسرِه - الحديثَ. وقدْ أخرجَ عنهُ ابنُ جريرٍ وابن المنذر، وابنُ أَبي حاتمٍ (٤): "متعةُ الطلاقِ أعلاها الخادمُ، ودونَ ذلكَ الورِقُ، ودونَ ذلكَ الكسوةُ". نعمْ هذهِ المرأةُ التي متَّعَها ﷺ يُحْتَمَلُ أنهُ لم يسمِّ لها صَدَاقًا فمتَّعها كما قضتْ بهِ الآيةُ [الكريمة] (٥)، ويحتملُ أنهُ كانَ سمَّى لها فمتَّعها إحسانًا منهُ وفضلًا، وأما تمتيعُ مَنْ لم يسمِّ لها الزوجُ مهرًا ودخلَ بها ثم فارقَها فقدِ اختُلِفَ في ذلكَ؛ فذهبَ عليٌّ وعمرُ والشافعيُّ إلى وجوبها أيضًا عملًا بقولِهِ تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٦)، وذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ إلى أنهُ لا يجبُ إلا مهرُ المِثْلِ لا غيرُ. قالُوا: وعمومُ الآيةِ مخصوصٌ بِمَنْ لم يكنْ قدْ دخلَ بها، والذي خصَّه الآيةُ الأخرى التي أوجبَ فيها المتعةَ؛ لأنهُ شرطَ فيها عدمَ المسِّ وهذا قدْ مسَّ، وأما قولُه تعالَى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ (٧) فإنهُ يَحْتَمِلُ نفقةَ العدَّةِ ولا دليلَ معَ الاحتمالِ هذا. وقد سبقتْ إشارةٌ إلى أن الليثَ لا يقولُ بوجوبِ المتعةِ مطلقًا، واستُدِلَّ بأنَّها لو كانتْ واجبةً لكانتْ مقدَّرةً، ودُفِعَ بأنَّ نفقةَ القريبِ واجبةٌ ولا تقديرَ لها. * * *

стр. 1689

[الباب الخامس] باب الوليمة الوليمةُ مشتقةٌ منَ الوَلْمِ بفتحِ الواوِ وسكونِ اللامِ وهوَ الجمعُ؛ لأنَّ الزوجينِ يجتمعانِ، قالهُ الأزهريُّ (١) وغيرُه. والفعلُ مِنْها أَوْلَمَ، وتقعُ على كلِّ طعام يُتَّخَذُ لسرورٍ حادِثٍ، ووليمةُ العُرسٍ ما يُتَّخَذُ عندَ الدخولِ وما يتخذُ عندَ الإملاكِ (٢). حكم وليمة العرس ١/ ٩٧٩ - عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرّحْمنِ بن عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: "مَا هذَا؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي تَزَوّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. [صحيح] (عنْ أنسِ بن مالك ﵁ أن النبيَّ ﷺ رَأَى على عبدِ الرحمنَ بن عوفٍ أثرَ صفرةٍ فقالَ: ما هذا؟ قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إني تزوَّجْتُ امرأةَ على وزنِ نواةٍ منْ ذهبٍ، فقال: باركَ اللَّهُ لكَ أَوْلِمْ ولوْ بشاةٍ. متفقٌ عليهِ، واللفظُ لمسلمٍ). جاءَ في الرواياتِ تعيين الصُّفرةِ بإنهُ رَدْغٌ منْ زعفرانَ، وهوَ بفتحِ الراء ودالٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ، أثرُ الزعفرانِ.

стр. 1690

فإنْ قلتَ: قدْ عُلِمَ النَّهْيُ عن التزعفرِ فكيفَ لم ينكرْهُ ﷺ . قلت: هذا [مخصِّصٌ] (١) للنَّهي بجوازِه للعرس، وقيلَ: يحتملُ أنَّها كانتْ في ثيابهِ دونَ بدنهِ بناءً على جوازِهِ في الثوبِ. وقدْ مَنَعَ جوازَه فيهِ أَبو حنيفةَ والشافعيُّ ومَنْ تَبعَهُمَا، والقولُ بجوازِه في الثياب [روي] (٢) عنْ مالكٍ وعلماءِ المدينةِ، واستدلَّ لهمْ بمفهومِ النَّهْي الثابتِ في الأحَاديثِ الصحيحةِ كحديثِ أَبي موسَى مرفوعًا: "لا يَقْبلُ اللَّهُ صلاةَ رَجُلٍ في جسدِه شيءٌ منَ الخلوقِ" (٣). وأُجِيب بأنَّ ذلكَ مفهومٌ لا يقاومُ النَّهيْ الثابتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ وبأنَّ قصةَ عبدِ الرحمنِ كانتْ قبلَ النَّهي في أولِ الهجرةِ، وبأنهُ يحتملُ أن الصفرةَ التي رَآهَا ﷺ كانتْ منْ جهةِ امرأتهِ علقتْ بهِ فكانَ ذلكَ غيرَ مقصودٍ لهُ، ورجَّحَ هذا النوويَّ (٤) وعزاهُ للمحققينَ وبَنَى عليهِ البيضاويُّ. وقولُه: "على وزنِ نُواةٍ منْ ذهبٍ" قيلَ المرادُ واحدةُ نَوَى التمرِ، قيلَ كانَ قدْرَها يومئذٍ رُبْعُ دينارٍ، وَرُدَّ بأنَّ نَوَى التمرِ يختلفُ فكيفَ يُجْعَلُ معيارًا لما يُوزَنُ، وقيلَ: إنَّ النواةَ منْ ذهبٍ عبارةٌ عما قيمتُه خمسةُ دراهمَ منَ الورقِ وجزَمَ بهِ الخطابيُّ (٥) واختارَهُ الأزهريُّ (٦) ونقلَه عياضٌ عنْ أكثرِ العلماءِ، ويؤيدُه أن في روايةِ البيهقيِّ (٧) وزنُ نواةٍ منْ ذهبٍ قُوِّمَتْ خمسةُ دراهمَ. وفي روايةٍ عند البيهقيِّ (٨) عنْ قتادةَ قوِّمتْ ثلاثةُ دراهمَ وثُلْثًا وإسنادُه ضعيفٌ، لكنْ جزمَ بهِ أحمدُ، وقيلَ في قَدْرِها غيرُ ذلكَ، وعنْ بعضِ المالكيةِ أن النواةَ عندَ أهلِ المدينةِ ربعُ دينارٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يُدْعَى للمعرِّس بالبركةِ وقدْ نالَ عبدُ الرحمنِ بركةَ الدعوةِ النبويةِ حتَّى قال: لقدْ رأيتُني لو رفعتُ حَجَرًا لرجوتُ أنْ أصيبَ ذهبًا أو فضةً، رواهُ البخاريُّ عنهُ في آخرِ هذهِ الروايةِ، وفي

стр. 1691

قولهِ: "أوْلِمْ ولوْ بشاةٍ"، دليلٌ على وجوبِ الوليمةِ في العرسِ، وإليهِ ذهبَ الظاهريةُ (١)، قيلَ: وهوَ نصُّ الشافعيِّ في "الأمِّ" (٢)، ويدلُّ لهُ ما أخرجَه أحمدُ (٣) منْ حديثِ بريدةَ أنهُ ﷺ قالَ لما خطبَ عليٌّ فاطمةَ ﵄: "لا بدَّ منْ وليمةٍ"، وسندُه لا بأسَ بهِ، وهوَ يدلُّ علَى لزوم الوليمةِ وهوَ في معنَى الوجوبِ. وما أخرجَه أَبو الشيخِ والطبرانيُّ في "الأوسطِ" (٤) منْ حديثِ أَبي هريرةِ مرفُوعًا: "الوليمةُ حقٌّ وسنةٌ فمنْ دُعِيَ ولم يجبْ فقدْ عَصَى"، والظاهرُ منَ الحقِّ الوجوبُ. وقالَ أحمدُ: الوليمةُ سنةٌ، وقالَ الجمهورُ: مندوبةٌ، وقالَ ابنُ بطالٍ: لا أعلمُ أحدًا أوجبَها، وكأنهُ لم يعرفِ الخلافَ. واستدلَّ الجمهور على النُّدبيةِ بما قالَ الشافعيُّ ﵀: لا أعلمُ أمرَ بذلكَ غيرَ عبدِ الرحمنِ، ولا أعلمُ أنهُ ﷺ تركَ الوليمةَ، رواهُ عنهُ البيهقيُّ فجعلَ ذلكَ مستندًا إلى كونِ الوليمةِ غيرَ واجبةٍ ولا يخفَى ما فيهِ (٥). واختلفَ العلماءُ في وقتِ الوليمةِ، هلْ هيَ عندَ العقدِ أو عقبَهُ أو عندَ الدخولِ؟ وهي أقوالٌ في مذهبِ المالكيةِ، ومنْهم مَنْ قالَ عندَ العقدِ وبعدَ الدخولِ، وصرَّحَ الماوردي منَ الشافعيةِ (٦) بأنَّها عندَ الدخولِ، قالَ ابنُ السبكي: والمنقولُ منْ فِعْلِ النبيِّ ﷺ أنها بعدَ الدخولِ، وكأنهُ يشيرُ إلى قصةِ زواجِ زينبَ بنتِ جحشٍ (٧)، لقولِ أنسٍ: أصبحَ - يعني النبيُّ ﷺ عروسًا بزينبَ فدعَا القومَ. وقدْ ترجَم عليهِ البيهقيُّ بابُ وقتِ الوليمةِ (٨). وأما مقدارُها فظاهرُ الحديثِ أن الشاةَ أقلُّ ما يجزئُ، إلَّا أنهُ قدْ ثبتَ أنهُ ﷺ أَوْلَمَ على أمِّ سلمةَ وغيرِها بأقلَّ منْ شاةٍ (٩)، وأولمَ على زينبَ بشاةٍ.

стр. 1692

وقالَ أنسٌ: لم يولمْ على غيرِ زينبَ بأكثرَ مما أولمَ عليها، إلَّا أنهُ أولمَ ﷺ على ميمونةَ بنتِ الحارثِ لما تزوَّجها بمكةَ عامَ القَضِيَّةِ (١)، وطلبَ منْ أهلِ مكةَ أن يحضُروا فامتنعُوا، بأكثرَ منْ وليمتهِ على زينبَ وكأنَّ أَنَسًا يريدُ أنهُ وقعَ في وليمةِ زينبَ بالشاةِ منَ البركةِ في الطعام ما لمْ يقعْ في غيرِها فإنهُ أشبعَ الناسَ خبزًا ولحمًا، فكانَ المرادُ لم يشبعْ أحدًا خبزًا ولحمًا في وليمةٍ منْ ولائِمهِ ﷺ أكثرَ مما وقعَ في وليمةِ زينبَ. ٢/ ٩٨٠ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَلِمُسْلِمٍ (٣): "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ". [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا دُعِيَ أحدُكم إلي وليمةٍ فليأتِها. متفقٌ عليهِ، ولمسلمٍ) أي عن ابن عمرَ مرفوعًا: (إذا دَعَا أحدُكم أخاهُ فليجبْ عرسًا كانَ أو نحوَه)، الحديثُ. الأولُ: دالٌّ على وجوبِ الإجابةِ إلى الوليمةِ. والثاني: دالٌّ على وجوبِها إلى كلِّ دعوةٍ، ولا تعارضَ بينَ الروايتينِ وإنْ

стр. 1693

[كانا] (١) عنْ راوٍ واحدِ [لأنه يحتمل أنه تارة اقتصر على بعض الحديث، وتارة استوفاه، أو أن ذلك من أحد رواته] (٢). وقد أخذتِ الظاهريةُ (٣) والشافعيةِ (٤) بِظاهرِه فقالُوا: تجبُ الإجابةُ إلى الدعوةِ مطلقًا، وزعمَ ابنُ حزمٍ (٥) أنه قولُ جمهورِ الصحابةِ والتابعينَ. ومنْهم مَنْ فرَّقَ بينَ وليمةِ العرسِ وغيرِها، فنقلَ ابنُ عبدِ البرِّ (٦) وعياضُ والنوويُّ الاتفاقَ على وجوبِ إجابةِ وليمةِ العرسِ، وصرَّحَ جمهورُ الشافعيةِ والحنابلةِ (٧) بأنَّها فرضُ عينٍ ونصَّ عليهِ مالكٌ، وعنِ البعضِ فرضُ كفايةٍ. وفي كلامِ الشافعيِّ ما يدلُّ على وجوبِ الإجابةِ في وليمةِ العُرسِ وعدمِ الرخصةِ في غيرِها فإنهُ قالَ: إتيانُ دعوةِ الوليمةِ حقٌّ، والوليمةُ التي تعرفُ وليمةُ العرسِ، وكل دعوةٍ دُعِيَ إليها رجلٌ وليمةٌ [ولا] (٨) أرخِّصُ لأحدٍ في تركِها، ولو تركَها لم يتبينْ لي أنهُ عاصٍ كما تبيَّنَ لي في وليمةِ العرسِ. وفي "البحرِ" (٩) للمهدي حكايةُ إجماعِ العترةِ على عدمِ وجوبِ الإجابةِ في الولائمِ كلِّها. موانع إجابة الدعوة هذا وعلى القولِ بالوجوبِ، فقدْ قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في شرحِ الإلمام: وقدْ يُسَوَّغُ تركُ الإجابةِ لأعذارٍ منْها: أنْ يكونَ في الطعامِ شبهةٌ أو يخصُّ بها الأَغنياءَ، أو يكونَ هناكَ مَنْ يتأذَّى بحضورِه معهُ أو لا يليقُ لمجالستِه أو يدعُوه لخوفِ شَرِّه أو لطمع في جاهِهِ أو ليعاونَه على باطلٍ، أو يكونَ هناكَ منكرٌ منْ خمرٍ أو لَهْو أوْ فراشِ حريرٍ أو سَتْرٍ لجدارِ البيتِ، أو صورةٍ في البيتِ، أوْ يتعذرُ إلى الداعي فيتركُه، أو كانت في الثالثِ (١٠) كما يأتي، فهذه الأعذارُ ونحوُها في تركِها على القولِ بالوجوبِ وعلى القولِ بالندبِ بالأَوْلى. وهذا مأخوذٌ مما عُلِمَ مِنَ الشريعةِ ومنْ قَضَايا وقعتْ للصحابةِ كما في البخاريِّ: أن أبا أيوبَ دعاهُ ابنُ عمرَ فرأَى

стр. 1694

في البيتِ سِتْرًا على الجدارِ فقالَ ابنُ عمرَ: غَلَبَنَا عليهِ النساءُ، فقالَ: منْ كنتُ أخشَى عليهِ فلمْ أكنْ أخشَى عليكَ، واللَّهِ لا أطعمُ لكَ طعامًا فرجعَ. أخرجَه البخاريُّ تعليقًا (١) ووصلَه أحمدُ (٢) ومسدِّدٌ (٣). وأخرجَ الطبراني (٤) عنْ سالمِ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ قالَ: أعرسْتُ في عهدِ أبي فَأَذِنَّا الناسَ وكان أبو أيوبَ فيمنْ أَذَنَّا، وقدْ سَتَرُوا بيتي ببجادٍ أخضرَ فأقبلَ أبو أيوبَ فاطَّلعَ فرآهُ فقالَ: يا عبدَ اللَّهِ أتسترونَ الجُدُرَ؟ فقالَ أبي واستَحَى: غَلَبَنَا عليهِ النساءُ يا أبا أيوبَ، فقالَ: منْ خشيتَ أنْ يغلبه النساءُ فذكره. وفي روايةِ: فأقبلَ أصحابُ النبيِّ ﷺ يدخلونَ الأولَ فالأولَ حتَّى أقبلَ أبو أيوبَ وفيهِ: فقالَ عبدُ اللَّهِ: أقسمتُ عليكَ لترجعنَّ، فقالَ: وأنا أعزمُ على نفسي أنْ لا أدخلَ يومي هذَا، ثُمَّ انصرفَ. وأخرجَ أحمدُ في كتابِ "الزهدِ" أن رجلًا دَعَا ابنَ عمرَ إلى عرسٍ فإذا بيتُه قد سُتِرَ بالكرورِ، فقالَ: يا فلانٌ مَتى تحولتِ الكعبةُ في بيتِكَ، ثمَّ قالَ لنفرٍ معَهُ منْ أصحابِ محمدٍ ﷺ : ليهتكْ كلُّ رجلٍ ما يليهِ. والحديثُ وما قبلَهُ دليلٌ على تحريم ستْرِ الجدرانِ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٥) وغيرُه منْ حديثِ ابن عباس ﵁ مرفوعًا: "لا تسترُوا الجدُرَ بالثيابِ" وفيهِ ضعفٌ ولهُ شاهدٌ. وأخرجَ البيهقي (٦) وغيره منْ حديثِ سلمانَ موقوفًا أنهُ أنكرَ سَتْرَ البيتِ فقالَ: محمومٌ بيتُكم أو تحولتِ الكعبةُ؟ ثمَّ قالَ: لا أدخلُه حتَّى يُهْتَكَ. والمسألةُ فيها خلافٌ جزمَ جماعةٌ بالتحريمِ لسترِ الجدران وجمهورُ الشافعيةِ على أنهُ مكروهٌ. وقد أخرجَ مسلمٌ (٧) أنهُ ﷺ قالَ: "إن اللَّهَ لم يأمرْنا أنْ نكسوَ

стр. 1695

الحجارةَ والطينَ" وجذبَ السترَ حتَّى هتكَهُ في قصةٍ معروفةٍ، وقدْ كنَّا كتبْنا رسالةً في هذا، جوابِ سؤال في مدةٍ قديمةٍ. وأخرجَ الطبرانيُّ في "الأوسطِ" (١) منْ حديثِ عمرانَ بن [حصينِ] (٢): نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عنْ إجابةِ طعامِ الفاسقينَ. وأخرجَ النسائي (٣) منْ حديثِ جابرٍ مرفُوعًا: "مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا يقعدْ على مائدةٍ يدارُ عليها الخَمْرُ" وإسنادُه جيدٌ، وأخرجَه الترمذيُّ (٤) منْ وجْهٍ آخرَ عنْ جابرٍ وفيهِ ضعفٌ. وأخرجَهُ أحمدُ (٥) منْ حديثِ عمرَ. وبالجملةِ الدعوةُ مقتضيةٌ للإجابةِ وحصولُ المنكرِ مانعٌ عنْها، فتعارضَ المانعُ والمقتضي والحكمُ للمانعِ. من دعي إلى وليمة العرس فليجب ٣/ ٩٨١ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "شَرُّ الطِّعامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ: يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيهَا مَنْ يَأْباهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصى اللهُ وَرَسُولَهُ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : شرُّ الطعامِ طعامُ الوليمةِ يُمْنَعْهَا مَنْ يأتيها) وهمُ الفقراءُ كما يدلُّ لهُ حديثُ ابن عباسٍ عندَ الطبرانيِّ (٧):

стр. 1696

"بئسَ الطعامُ طعامُ الوليمةِ يُدْعَى إليها الشبعانُ ويمنعُ عنه الجيعانُ". اهـ. فلوْ شَمِلَتْ الدعوةُ الفريقينِ زالتِ الشرِّيَّةُ عنْها (ويُدْعَى إليها مَنْ يأباها) يعني الأغنياءُ، (ومنْ لم يجبِ الدعوة) بفتحِ الدال المهملة على المشهور، وضمها قطرب في مثلثته وغلط (فقد عَصَى اللَّهَ ورسولَه. أخرجَه مسلمٌ). المرادُ منَ الوليمةِ وليمةُ العرسِ لما تقدَّمَ قريبًا منْ أنَّها إذا أُطلِقَتْ منْ غيرِ تقييد انصرفتْ إلى وليمةِ العرسِ وشرِّيَّةُ طعامِها قدْ بيَّنَ وجْهَهُ. قولُه: "يمنعها من يأتيها ويُدْعَى إليها مَنْ يأباها"، فإنَّها جملةٌ مستأنفةٌ بيانٌ لوجهِ شرِّيَّة الطعامِ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على مَنْ يُدْعَى الإجابةُ وإن كانتْ إلى شرِّ طعامٍ، وأنهُ يعصي اللَّهَ ورسولَه مَنْ لم يُجِبْ، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلكَ. إذا دعي إلى وليمة العرس فليجب ولو كان صائمًا ٤/ ٩٨٢ - وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ"، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا (١). [صحيح] - وَلَهُ (٢) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوَهُ وَقَال: "فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ". [صحيح] (وعنْه) أي أبي هريرة (قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إذا دُعِيَ أحدُكم فليجبْ فإنْ كانَ صائمًا فليصلِّ، وإنْ كانَ مفطِرًا فَلْيَطْعَمْ. أخرجَهُ مسلمٌ). فيهِ دليل على أنهُ يجبُ على مَنْ كانَ صَائِمًا أنْ لا يعتذِرَ بالصومِ. ثمَّ إنهُ قدِ اختُلِفَ في المرادِ منَ الصلاةِ، فقالَ الجمهورُ: المرادُ فليدعُ لأهلِ الطعامِ بالمغفرةِ والبركةِ، وقيلَ المرادُ

стр. 1697

بالصلاةِ المعروفةُ، أي يشتغلُ بالصلاةِ ليحصِّلَ له فضلَها وينالَ بركتَها أهلُ الطعامِ والحاضرونَ. وظاهرُه أنهُ لا يلزمُه الإفطارُ [فيجيبُ] (١) فإنْ كانَ صومُه فرضًا فلا خلافَ أنهُ يحرمُ عليهِ الإفطارُ، وإنْ كانَ نفلًا جازَ لهُ. وظاهرُ قولِه فليطعَمْ وجوبُ الأكلِ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في ذلكَ، والأصح عندَ الشافعيةِ أنهُ لا يجبُ الأكلُ في طعامِ الوليمةِ ولا غيرِها، وقيلَ يجبُ لظاهرِ الأمرِ، وأقله لقمةٌ ولا تجبُ الزيادةُ، وقالَ منْ لم يوجبِ الأكلَ: الأمرُ للندبِ، والقرينةُ الصارفةُ إليهِ قولُه: (ولهُ) أي لمسلمٍ (منْ حديثِ جابرٍ ﵁ نحوَه وقالَ: إنْ شاءَ طَعِمَ وإنْ شاءَ تَرَكَ)، فإنهُ خيَّره والتخييرُ دليلٌ على عدمِ الوجوبِ للأكلِ، ولذلكَ أوردَه المصنفُ ﵀، عقيبَ حديثِ أبي هريرةَ. أيام الوليمة ٥/ ٩٨٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْم حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سَمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (٢)، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. [ضعيف] - ولَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (٣). [ضعيف] (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : طعامُ [الوليمة] (٤) أولَ يومٍ حقٌّ) أي واجبٌ أوْ مندوبٌ (وطعامُ يومِ الثاني سنةٌ، وطعامُ يومِ الثالثِ سَمْعةٌ. رواهُ الترمذي واستغربَهُ) وقالَ: لا نعرفُه إلَّا منْ حديثِ زيادِ بن عبدِ اللَّهِ البكائي وهوَ كثيرُ الغرائبِ والمناكير، قالَ المصنفُ كالرادِ على الترمذي ما لفظُه: (ورجالُه

стр. 1698

رجالُ الصحيحِ) إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ (١): إنَّ زيادًا مُخْتَلَفٌ فيهِ وشيخُه عطاءُ بنُ السائبِ (٢) اختلطَ وسماعُه منهُ بعدَ اختلاطِه، انتَهى. قلتُ: وحينئذٍ فلا يصحُّ قولُه إنَّ رجالَه رجالُ الصحيحِ، ثمَّ قالَ: (ولهُ شاهدٌ عنْ أنسٍ عندَ ابن [ماجهْ]) (٣) وفي إسناده عبدُ الملكِ بنُ حسينِ (٤) وهوَ ضعيفٌ وفي البابِ أحاديثُ لا تخلُو عنْ مقالٍ، والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الضيافةِ في الوليمةِ يومينِ ففي أولِ يومٍ واجبةٌ كما يفيدُه لفظُ "حق" لأنهُ الثابتُ اللازمُ وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، وفي اليومِ الثاني سنةٌ أي طريقةٌ مستمرةٌ يعتادُ الناسُ فعلَها لا يدخلُ صاحبُها الرياءَ والتسميعَ، وفي اليومِ الثالثِ رياءٌ وسمعةٌ فيكونُ فعلُها حرامًا والإجابةُ إليها كذلكَ وعليهِ أكثرُ العلماءِ. قالَ النوويُّ (٥): إذا أوْلَمَ ثلاثًا فالإجابةُ في اليومِ الثالثِ مكروهةٌ، وفي اليومِ الثاني لا تجبُ مطلقًا ولا يكونُ استحبابُها فيهِ كاستحبابِها في اليوم الأولِ. وذهبَ جماعةٌ إلى أنَّها لا تُكْرَهُ في الثالثِ لغيرِ المدعوِّ في اليومِ الأولِ والثاني؛ لأنهُ إذا كانَ المدعوِّ كثيرينَ وهو يشق جَمْعُهم في يومٍ واحدٍ فَدَعَا في كلِّ يومٍ فريقًا لم يكنْ في ذلكَ رياءٌ ولا سمعةٌ وهذَا [أقرب] (٦). وجنحَ البخاريُّ (٧) إلى أنهُ لا بأسَ بالضيافةِ ولوْ إلى سبعةِ أيامٍ حيثُ قالَ: بابُ حقِّ إجابةِ الوليمةِ والدعوةِ ومَنْ أَوْلَمَ سبعةَ أيامٍ ونحوَه. ولم يوقِّتِ النبيُّ ﷺ يومًا ولا يومينِ، وأشارَ بذلكَ إلى ما أخْرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٨) مِنْ طريقِ

стр. 1699

حفصة بنتِ سيرينَ قالتْ: لما تزوَّجَ أبي دعا الصحابةَ سبعةَ أيامٍ، وفي روايةٍ ثمانيةَ أيامٍ، وإليها أشارَ البخاريُّ (١) بقولِه أوْ نحوِه. وفي قولِه: "ولم يوقتْ" ما يدلُّ على عدمِ صحةِ حديثِ البابِ عندَه. قالَ القاضي عياضٌ: استحبَّ أصحابُنا لأهلِ السعةِ كونها أسبوعًا، فأخذتِ المالكيةُ بما دلَّ عليهِ كلامُ البخاريّ. الوليمة بما تيسر من الطعام ٦/ ٩٨٤ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسِائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] ترجمة صفية بنت شيبة (وعن صفيةَ بنتِ شيبةَ) (٣) أي ابن عثمانَ بن أبي طلحةَ الحجيِّ منْ بني عبدِ الدارِ، قيلَ: إنَّها رأتِ النبيَّ ﷺ ، وقيلَ: إنَّها لم ترهُ، وجزمَ ابنُ سعدٍ أنها تابعيةٌ (قالتْ: أولَمَ النبيُّ ﷺ على بعضِ نسائِه بِمُدَّيْنِ منْ شعيرٍ. أخرجَهُ البخاريُّ) قالَ المصنفُ (٤): لم أقفْ على تعيينِ اسمِها، يعني بعضِ نسائِه المذكورةَ هنا، قالَ: وفي البابِ أحاديثُ تدلّ على أنَّها أمُّ سلمةَ، وقيلَ إنَّها وليمةُ عليٍّ بفاطمةَ ﵄، وأرادَ ببعضِ نسائِهِ مَنْ تَنْتَسِبُ إليهِ منَ النساءِ في الجملةِ وإنْ كانَ خلافُ المتبادرِ له، إلَّا أنهُ يدلُّ لهُ ما أخرَجُه الطبراني (٥) منْ حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ قالتْ: لقدْ أوْلَمَ علي بفاطمةَ فما كانتْ وليمةٌ في ذلكَ الزمانَ أفضلَ منْ وليمتِهِ رَهَنَ درعَه عندَ يهوديٍّ بشطرِ شعيرٍ، ولعلَّ المرادُ بمدَّينِ منْ شعيرٍ؛ لأنَّ المدينِ نصفُ صاعٍ فكأنَّه قالَ شطرُ صاعٍ فينطبقُ على القصةِ التي في البابِ، [وتكونُ] (٦) نسبةُ الوليمةِ إلى

стр. 1700

رسولِ اللَّهِ ﷺ مجازيةً إما لكونِه الذي وفَّى اليهوديَّ شعيره، أو لغيرِ ذلكَ. قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ تكلُّفٌ ولا مانعَ أنْ يولمَ ﷺ بمدينِ ويولمَ عليٌّ ﵁ بمدينِ، والمذكورُ في البابِ وليمتُه ﷺ . ٧/ ٩٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَليمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبُز وَلا لَحْم، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمرُ والأَقِطُ والسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: أَقَامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَ خيبرَ والمدينةِ ثلاثَ ليالٍ يُبْنَى) مغيَّرُ الصيغةِ (عليهِ بصفيةَ) أي يبنَى عليهِ خباءٌ جديدٌ بسببِ صفيةَ أو بمصاحَبَتِها (فدعوت المسلمين إلى وليمتهِ فما كانَ فيها منْ خبزٍ ولا لحمٍ وما كانَ فيها إلَّا أنْ أمرَ بالأنطاعِ فَبُسِطَتْ فَألقِيَ عليها التمرُ والأقِطُ)، وفي "القاموس" (٢): الأقطُ ككتفٍ وإبلٍ شيءٌ يُتَّخَذُ منَ المخيضِ الغنميِّ (والسمن) ومجموعُ هذه الأشياءِ يسمَّى حَيْسًا (متفقٌ عليهِ. واللفظُ للبخاريِّ)، فيهِ إجزاءُ الوليمةِ بغيرِ ذبحِ شاةٍ والبناءُ بالمرأةِ في السفرِ وإيثارُ الجديدةِ بثلاثةِ أيامٍ وإنْ كانُوا في السفرِ. ٨/ ٩٨٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُما بَابًا، فَإنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٣)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (٤). [ضعيف] (وعنْ رجلٍ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: إذا اجتمعَ داعيانِ فأجبْ أقربَهما بابًا) زادَ في "التلخيص" (٥): فإنَّ أقربَهُما إليكَ بابًا أقربهُما إليكَ جِوارًا، (فإن سبقَ

стр. 1701

أحدُهما فأجبِ الذي سبقَ. رواهُ أبو داودَ وسندُه ضعيفٌ) لكنَّ رجالَ سنده موثقونَ ولا يُدْرَى ما وجهُ ضعفِ سندِه؛ فإنهُ رواهُ أبو داودَ عن هنادِ بن السريِّ عنْ عبدِ السلامِ بن حرب عن أبي خالدٍ الدالانيِّ عنْ أبي العلاءِ الأوْدي عنْ حُميدِ بن عبدِ الرحمنِ الحميريِّ عنْ رجلٍ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وكلُّ هؤلاءِ وثَّقَهُمُ الأئمةُ إلَّا أبا خالدٍ الدالاني فإنَّهم اختلفُوا فيهِ فوثَّقَهُ أبو حاتمٍ، وقالَ أحمدُ وابنُ معينِ: لا بأسَ بهِ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ: لا يجوزُ الاحتجاجُ بهِ، وقالَ ابنُ عديٍّ، حديثُه ليِّنٌ، وقالَ شريكٌ: كانَ مرجِئًا. والحديثُ على سياقِ المصنفِ ظاهرُه الوقفُ، وفيهِ دليل على أنهُ إذا اجتمعَ داعيانِ فالأحقُّ بالإجابةِ الأسبقُ، فإنْ استويا قُدِّمَ الجارُ، والجارُ على مراتبَ، فأحقُّهم أقربُهم بابًا، فإنِ استويا أقْرَعَ بينَهم. الآكل متكئًا ٩/ ٩٨٧ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا آكُلُ مُتكِئًا"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنْ أبي جحيفةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا آكلُ متكئًا. رواهُ البخاريُّ) الاتكاءُ مأخوذٌ منَ الوكاءِ، والتاءُ بدلٌ عن الواوِ، والوكاءُ هوَ ما يُشَدُّ بهِ الكيسُ أوْ غيرُه فكأنهُ أوكأَ مقعدتَه ويشدَّها بالقعودِ على الوطاءِ الذي تحتَه، ومعناهُ الاستواءُ على وطاء متمكنًا. قالَ الخطابيُّ (٢): المتكئُ هنا هوَ المتمكنُ في جلوسِه منَ التربُّعِ وشبهِه المعتمدُ على الوطاءِ تحتَه، قالَ: ومنِ استوى قاعدًا على وطاءِ فهو متكئٌ والعامة لا تعرفُ المتكئَ إلا مَنْ مالَ على أحدِ شِقَّيْهِ. ومعنَى الحديثِ: إذا أكلتُ لا أقعدُ متكئًا كفعلِ مَنْ يريدُ الاستكثارَ منَ الأكلِ ولكنْ آكلُ بُلغةً فيكونُ قعودي مستوفزًا، ومَنْ حملَ الاتكاءَ على الميلِ على أحدِ الشقينِ تأولَ ذلكَ على مذهبِ أهلِ الطبِ بأنَّ ذلكَ فيه [ضررٌ] (٣) فإنهُ لا ينحدرُ في مجاري الطعامِ سهلًا ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى بهِ.
следующие страницы →