← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1697–1736 · переход к 1702.

стр. 1697

بالصلاةِ المعروفةُ، أي يشتغلُ بالصلاةِ ليحصِّلَ له فضلَها وينالَ بركتَها أهلُ الطعامِ والحاضرونَ. وظاهرُه أنهُ لا يلزمُه الإفطارُ [فيجيبُ] (١) فإنْ كانَ صومُه فرضًا فلا خلافَ أنهُ يحرمُ عليهِ الإفطارُ، وإنْ كانَ نفلًا جازَ لهُ. وظاهرُ قولِه فليطعَمْ وجوبُ الأكلِ. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في ذلكَ، والأصح عندَ الشافعيةِ أنهُ لا يجبُ الأكلُ في طعامِ الوليمةِ ولا غيرِها، وقيلَ يجبُ لظاهرِ الأمرِ، وأقله لقمةٌ ولا تجبُ الزيادةُ، وقالَ منْ لم يوجبِ الأكلَ: الأمرُ للندبِ، والقرينةُ الصارفةُ إليهِ قولُه: (ولهُ) أي لمسلمٍ (منْ حديثِ جابرٍ ﵁ نحوَه وقالَ: إنْ شاءَ طَعِمَ وإنْ شاءَ تَرَكَ)، فإنهُ خيَّره والتخييرُ دليلٌ على عدمِ الوجوبِ للأكلِ، ولذلكَ أوردَه المصنفُ ﵀، عقيبَ حديثِ أبي هريرةَ. أيام الوليمة ٥/ ٩٨٣ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "طَعَامُ الْوَلِيمَةِ أَوَّلَ يَوْم حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سَمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ (٢)، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ. [ضعيف] - ولَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ (٣). [ضعيف] (وعنِ ابن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : طعامُ [الوليمة] (٤) أولَ يومٍ حقٌّ) أي واجبٌ أوْ مندوبٌ (وطعامُ يومِ الثاني سنةٌ، وطعامُ يومِ الثالثِ سَمْعةٌ. رواهُ الترمذي واستغربَهُ) وقالَ: لا نعرفُه إلَّا منْ حديثِ زيادِ بن عبدِ اللَّهِ البكائي وهوَ كثيرُ الغرائبِ والمناكير، قالَ المصنفُ كالرادِ على الترمذي ما لفظُه: (ورجالُه

стр. 1698

رجالُ الصحيحِ) إلَّا أنهُ قالَ المصنفُ (١): إنَّ زيادًا مُخْتَلَفٌ فيهِ وشيخُه عطاءُ بنُ السائبِ (٢) اختلطَ وسماعُه منهُ بعدَ اختلاطِه، انتَهى. قلتُ: وحينئذٍ فلا يصحُّ قولُه إنَّ رجالَه رجالُ الصحيحِ، ثمَّ قالَ: (ولهُ شاهدٌ عنْ أنسٍ عندَ ابن [ماجهْ]) (٣) وفي إسناده عبدُ الملكِ بنُ حسينِ (٤) وهوَ ضعيفٌ وفي البابِ أحاديثُ لا تخلُو عنْ مقالٍ، والحديثُ دليلٌ على شرعيةِ الضيافةِ في الوليمةِ يومينِ ففي أولِ يومٍ واجبةٌ كما يفيدُه لفظُ "حق" لأنهُ الثابتُ اللازمُ وتقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ، وفي اليومِ الثاني سنةٌ أي طريقةٌ مستمرةٌ يعتادُ الناسُ فعلَها لا يدخلُ صاحبُها الرياءَ والتسميعَ، وفي اليومِ الثالثِ رياءٌ وسمعةٌ فيكونُ فعلُها حرامًا والإجابةُ إليها كذلكَ وعليهِ أكثرُ العلماءِ. قالَ النوويُّ (٥): إذا أوْلَمَ ثلاثًا فالإجابةُ في اليومِ الثالثِ مكروهةٌ، وفي اليومِ الثاني لا تجبُ مطلقًا ولا يكونُ استحبابُها فيهِ كاستحبابِها في اليوم الأولِ. وذهبَ جماعةٌ إلى أنَّها لا تُكْرَهُ في الثالثِ لغيرِ المدعوِّ في اليومِ الأولِ والثاني؛ لأنهُ إذا كانَ المدعوِّ كثيرينَ وهو يشق جَمْعُهم في يومٍ واحدٍ فَدَعَا في كلِّ يومٍ فريقًا لم يكنْ في ذلكَ رياءٌ ولا سمعةٌ وهذَا [أقرب] (٦). وجنحَ البخاريُّ (٧) إلى أنهُ لا بأسَ بالضيافةِ ولوْ إلى سبعةِ أيامٍ حيثُ قالَ: بابُ حقِّ إجابةِ الوليمةِ والدعوةِ ومَنْ أَوْلَمَ سبعةَ أيامٍ ونحوَه. ولم يوقِّتِ النبيُّ ﷺ يومًا ولا يومينِ، وأشارَ بذلكَ إلى ما أخْرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ (٨) مِنْ طريقِ

стр. 1699

حفصة بنتِ سيرينَ قالتْ: لما تزوَّجَ أبي دعا الصحابةَ سبعةَ أيامٍ، وفي روايةٍ ثمانيةَ أيامٍ، وإليها أشارَ البخاريُّ (١) بقولِه أوْ نحوِه. وفي قولِه: "ولم يوقتْ" ما يدلُّ على عدمِ صحةِ حديثِ البابِ عندَه. قالَ القاضي عياضٌ: استحبَّ أصحابُنا لأهلِ السعةِ كونها أسبوعًا، فأخذتِ المالكيةُ بما دلَّ عليهِ كلامُ البخاريّ. الوليمة بما تيسر من الطعام ٦/ ٩٨٤ - وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسِائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). [صحيح] ترجمة صفية بنت شيبة (وعن صفيةَ بنتِ شيبةَ) (٣) أي ابن عثمانَ بن أبي طلحةَ الحجيِّ منْ بني عبدِ الدارِ، قيلَ: إنَّها رأتِ النبيَّ ﷺ ، وقيلَ: إنَّها لم ترهُ، وجزمَ ابنُ سعدٍ أنها تابعيةٌ (قالتْ: أولَمَ النبيُّ ﷺ على بعضِ نسائِه بِمُدَّيْنِ منْ شعيرٍ. أخرجَهُ البخاريُّ) قالَ المصنفُ (٤): لم أقفْ على تعيينِ اسمِها، يعني بعضِ نسائِه المذكورةَ هنا، قالَ: وفي البابِ أحاديثُ تدلّ على أنَّها أمُّ سلمةَ، وقيلَ إنَّها وليمةُ عليٍّ بفاطمةَ ﵄، وأرادَ ببعضِ نسائِهِ مَنْ تَنْتَسِبُ إليهِ منَ النساءِ في الجملةِ وإنْ كانَ خلافُ المتبادرِ له، إلَّا أنهُ يدلُّ لهُ ما أخرَجُه الطبراني (٥) منْ حديثِ أسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ قالتْ: لقدْ أوْلَمَ علي بفاطمةَ فما كانتْ وليمةٌ في ذلكَ الزمانَ أفضلَ منْ وليمتِهِ رَهَنَ درعَه عندَ يهوديٍّ بشطرِ شعيرٍ، ولعلَّ المرادُ بمدَّينِ منْ شعيرٍ؛ لأنَّ المدينِ نصفُ صاعٍ فكأنَّه قالَ شطرُ صاعٍ فينطبقُ على القصةِ التي في البابِ، [وتكونُ] (٦) نسبةُ الوليمةِ إلى

стр. 1700

رسولِ اللَّهِ ﷺ مجازيةً إما لكونِه الذي وفَّى اليهوديَّ شعيره، أو لغيرِ ذلكَ. قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ تكلُّفٌ ولا مانعَ أنْ يولمَ ﷺ بمدينِ ويولمَ عليٌّ ﵁ بمدينِ، والمذكورُ في البابِ وليمتُه ﷺ . ٧/ ٩٨٥ - وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ، فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إلَى وَليمَتِهِ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبُز وَلا لَحْم، وَمَا كَانَ فِيهَا إلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمرُ والأَقِطُ والسَّمْنُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قَالَ: أَقَامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَ خيبرَ والمدينةِ ثلاثَ ليالٍ يُبْنَى) مغيَّرُ الصيغةِ (عليهِ بصفيةَ) أي يبنَى عليهِ خباءٌ جديدٌ بسببِ صفيةَ أو بمصاحَبَتِها (فدعوت المسلمين إلى وليمتهِ فما كانَ فيها منْ خبزٍ ولا لحمٍ وما كانَ فيها إلَّا أنْ أمرَ بالأنطاعِ فَبُسِطَتْ فَألقِيَ عليها التمرُ والأقِطُ)، وفي "القاموس" (٢): الأقطُ ككتفٍ وإبلٍ شيءٌ يُتَّخَذُ منَ المخيضِ الغنميِّ (والسمن) ومجموعُ هذه الأشياءِ يسمَّى حَيْسًا (متفقٌ عليهِ. واللفظُ للبخاريِّ)، فيهِ إجزاءُ الوليمةِ بغيرِ ذبحِ شاةٍ والبناءُ بالمرأةِ في السفرِ وإيثارُ الجديدةِ بثلاثةِ أيامٍ وإنْ كانُوا في السفرِ. ٨/ ٩٨٦ - وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا اجْتَمَعَ دَاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُما بَابًا، فَإنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٣)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ (٤). [ضعيف] (وعنْ رجلٍ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: إذا اجتمعَ داعيانِ فأجبْ أقربَهما بابًا) زادَ في "التلخيص" (٥): فإنَّ أقربَهُما إليكَ بابًا أقربهُما إليكَ جِوارًا، (فإن سبقَ

стр. 1701

أحدُهما فأجبِ الذي سبقَ. رواهُ أبو داودَ وسندُه ضعيفٌ) لكنَّ رجالَ سنده موثقونَ ولا يُدْرَى ما وجهُ ضعفِ سندِه؛ فإنهُ رواهُ أبو داودَ عن هنادِ بن السريِّ عنْ عبدِ السلامِ بن حرب عن أبي خالدٍ الدالانيِّ عنْ أبي العلاءِ الأوْدي عنْ حُميدِ بن عبدِ الرحمنِ الحميريِّ عنْ رجلٍ منْ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وكلُّ هؤلاءِ وثَّقَهُمُ الأئمةُ إلَّا أبا خالدٍ الدالاني فإنَّهم اختلفُوا فيهِ فوثَّقَهُ أبو حاتمٍ، وقالَ أحمدُ وابنُ معينِ: لا بأسَ بهِ، وقالَ ابنُ حِبَّانَ: لا يجوزُ الاحتجاجُ بهِ، وقالَ ابنُ عديٍّ، حديثُه ليِّنٌ، وقالَ شريكٌ: كانَ مرجِئًا. والحديثُ على سياقِ المصنفِ ظاهرُه الوقفُ، وفيهِ دليل على أنهُ إذا اجتمعَ داعيانِ فالأحقُّ بالإجابةِ الأسبقُ، فإنْ استويا قُدِّمَ الجارُ، والجارُ على مراتبَ، فأحقُّهم أقربُهم بابًا، فإنِ استويا أقْرَعَ بينَهم. الآكل متكئًا ٩/ ٩٨٧ - وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لا آكُلُ مُتكِئًا"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنْ أبي جحيفةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا آكلُ متكئًا. رواهُ البخاريُّ) الاتكاءُ مأخوذٌ منَ الوكاءِ، والتاءُ بدلٌ عن الواوِ، والوكاءُ هوَ ما يُشَدُّ بهِ الكيسُ أوْ غيرُه فكأنهُ أوكأَ مقعدتَه ويشدَّها بالقعودِ على الوطاءِ الذي تحتَه، ومعناهُ الاستواءُ على وطاء متمكنًا. قالَ الخطابيُّ (٢): المتكئُ هنا هوَ المتمكنُ في جلوسِه منَ التربُّعِ وشبهِه المعتمدُ على الوطاءِ تحتَه، قالَ: ومنِ استوى قاعدًا على وطاءِ فهو متكئٌ والعامة لا تعرفُ المتكئَ إلا مَنْ مالَ على أحدِ شِقَّيْهِ. ومعنَى الحديثِ: إذا أكلتُ لا أقعدُ متكئًا كفعلِ مَنْ يريدُ الاستكثارَ منَ الأكلِ ولكنْ آكلُ بُلغةً فيكونُ قعودي مستوفزًا، ومَنْ حملَ الاتكاءَ على الميلِ على أحدِ الشقينِ تأولَ ذلكَ على مذهبِ أهلِ الطبِ بأنَّ ذلكَ فيه [ضررٌ] (٣) فإنهُ لا ينحدرُ في مجاري الطعامِ سهلًا ولا يسيغُه هنيئًا وربَّما تأذَّى بهِ.

стр. 1702

حكم التسمية على الطعام ١٠/ ٩٨٨ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أبي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يا غُلامُ، سَمِّ الله وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) [صحيح] (وعنْ عمرَ بن أبي سلمةَ قالَ: قالَ [لي] (٢) رسولُ الله ﷺ : يا غلامُ سمِّ الله وكلْ بيمينكَ وكلْ مما يليكَ. متفقٌ عليهِ). الحديثُ دليلٌ على وجوبِ التسميةِ للأمرِ بها، وقيلَ إنها مستحبةٌ في الأكلِ ويقاسُ عليهِ الشربُ. قالَ العلماءُ: ويستحبُّ أن يجهرَ بالتسميةِ لِيُسْمِعَ غيرَهُ ويُنَبِّهَهُ عَلَيْها؛ فإنْ تركَهَا لأي سبب منْ نسيانٍ أو غيرِه في أولِ الطعامِ فليقلْ في أثنائِه بسم اللهِ أولَه وأخرَه حديث أبي داودَ (٣) والترمذيِّ (٤) وغيرِهما، قالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، أنهُ ﷺ قالَ: "إذا أكلَ أحدُكم فليذكرِ اسمَ اللَّهِ فإنْ نسي أنْ يذكرَ الله في أولهِ فليقلْ بِسْمِ اللهِ أولَهُ وآخرَه". وينبغي أنْ يسميَ كلُّ [واحد] (٥) منَ الآكلينَ فإنْ سمَّى واحدٌ فقطٌ فقدْ حصلَ بتسميتِه السنةُ، قالَهُ الشافعيُّ. ويستدلُّ لهُ بأنهُ ﷺ أخبرَ أن الشيطانَ يستحلُّ الطعامَ الذي لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليهِ فإنْ ذكَرَهُ واحدٌ منَ الآكلينَ صدقَ عليهِ أنهُ ذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ. وفي الحديثِ دليلٌ على وجوبِ الأكلِ باليمينِ للأمرِ بهِ أيضًا، ويزيدُه تأكيدًا أنهُ ﷺ أخبرَ أن الشيطانَ يأكلُ بشمالِه ويشربُ بشمالِه (٦)، وفعلُ الشيطانِ يحرمُ على الإنسانِ. ويزيدُه تأكيدًا أن رجلًا أكلَ عندَه ﷺ بشمالِه فقالَ:

стр. 1703

"كلْ بيمينكَ"، فقالَ: لا أستطيعُ، قالَ: "لا استطعتَ" ما منعَه إلا الكبرُ فما رفعَها إلى فيهِ، أخرجَهُ مسلمٌ (١)، ولا يدعُو ﷺ إلا على مَنْ تَركَ الواجبَ، وأما كونُ الدعاءِ لتكبُّرِه فهوَ محتملٌ أيضًا. ولا ينافي أن الدعاءَ عليهِ للأمرينِ معًا. وفي قولِه: "وكلْ مما يليكَ"، دليلٌ أنهُ يجبُ الأكلُ مما يليهِ وأنهُ ينبغي حسنُ العشرةِ للجليس وأنْ لا يحصلَ منَ الإنسانِ ما يسوءُ جليسَه مما فيهِ سوءُ عُشْرةٍ وتركُ مروءةٍ، فقدْ يتقذَّرُ جليسُه ذلكَ لا سيَّما في الثريد والأمراقِ ونحوِها، إلَّا في مثلِ الفاكهةِ فإنهُ قدْ أخرجَ الترمذيُّ (٢) وغيرُه منْ حديثِ عكراشِ بن ذؤيبٍ قالَ: أُتِيْنا بجفنةٍ كثيرةِ الثريدِ والوَذَرِ - وهوَ بفتحِ الواوِ وفتحِ الذالِ المعجمةِ فراءِ جَمْعُ وذرةِ قطعةٌ منَ اللحمِ لا عظمَ فيها - فخبطتُ بيدي في نواحيها وأكلَ رسولُ اللهِ ﷺ منْ بين يديْه فقبضَ بيدِه اليسرى على يدي اليمنَى ثمَّ قالَ: "يا عكراشُ كلْ منْ موضعٍ واحدٍ فإنهُ طعامٌ واحدٌ"، ثم أُتِيْنَا بطبقٍ فيهِ ألوانُ التمرِ فجعلتُ آكلُ منْ بين يدي وجالتْ يدُ رسولِ اللهِ ﷺ في الطبقِ فقالَ: "يا عكراشُ كلْ منْ حيثُ شئتَ فإنهُ غيرُ لونٍ واحدٍ"، فهذَا يدلُّ على التفرقةِ بينَ الأطعمةِ والفواكِهِ. بلْ يدلُّ على أنهُ إذا تعددَ لونُ المأكولِ منْ طعامِ أم غيرِه فلهُ أنْ يأكلَ من أيّ جانبٍ. وكذلكَ إذا لم يبقَ تحتَ يدِ الآكلِ شيءٌ فلهُ أنْ [يتتبع] (٣) ذلكَ ولوْ منْ سائرِ الجوانبِ. فقدْ أخرجَ البخاريُّ (٤) ومسلمٌ (٥) منْ حدِيثِ أنسٍ أن خياطًا دعا النبيَّ ﷺ لطعامٍ صنَعهُ قالَ: فذهبتُ معَ النبيِّ ﷺ فقرَّبَ خبزَ شعيرٍ ومرقًا فيهِ دباءٌ وقديدٌ فرأيتُ النبيَّ ﷺ يتتبعُ الدباءَ منْ حوالي القصعةِ أي جوانِبَها فلمْ أزلْ أتتبعُ الدباءَ منْ يومئذٍ. وفي الحديثِ قال أنسٌ: فلمَّا رأيتُ ذلكَ جعلتُ ألقيهِ إليهِ ولا أطعمهُ، وهوَ دليلٌ على تطلبهِ له منْ جميعِ القصعةِ لمحبتِه لهُ. وهذا مما نُهِيَ عنهُ الأكلُ منْ وسطِ القصعةِ كما يدلُّ لهُ الحديثُ الآتي وهوَ قولُه:

стр. 1704

النهي عن الأكل من وسط القصعة ١١/ ٩٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ. فَقَالَ: "كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا"، رَوَاهُ الأرْبَعَةُ (١)، وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيّ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بقصعةٍ منْ ثريدٍ فقالَ: كُلُوا منْ جوانِبها ولا تأكلُوا منْ وسَطِهَا فإنَّ البركةَ تنزلُ في وسطِها، رواهُ الأربعةُ وهذا لفظُ النسائي وسندُه صحيحٌ). دلَّ على النَّهْي عن الأكْلِ منْ وسطِ القصعةِ وعلَّلَهُ بأنها تنزلُ البركةُ في وسطِها، وكأنهُ إذا أكلَ منهُ لم تنزِل البركةُ على الطعامِ، والنهيُ يقتضي التحريمَ وسواءً كانَ الآكلُ وحدَه أو معَ جماعةٍ. ما عاب النبي ﷺ طعامًا قط ١٢/ ٩٩٠ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: ما عابَ رسولُ اللهِ ﷺ طعامًا قطُّ، كانَ إذا اشتَهى

стр. 1705

شيئًا أكلَه وإن كَرِهَة تركَه. متفقٌ عليه)، فيه إخبارٌ بعدمِ عيبِه ﷺ للطعامِ وذمِّه لهُ فلا يقولُ هوَ مالحٌ أو حامضٌ أو نحوَ ذلكَ. وحاصلُه أنهُ دلَّ على عدم عنايتِه ﷺ بالأكلِ بلْ ما اشتهاهُ أكلَه وما لم يشتَهِهِ تركَه، وليسَ في تركِهِ ذلكَ دليل علَى أنهُ يحرمُ عيبُ الطعامِ. النهي عن الأكل بالشمال ١٣/ ٩٩١ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَأكُلُوا بِالشِّمَالِ، فإنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِالشِّمَالِ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (وعنْ جابرٍ ﵁ عنْ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا تأكلُوا بالشمالِ فإنَّ الشيطانَ يأكلُ بالشمالِ، رواهُ مسلمٌ). تقدَّم أنهُ منْ أدلةِ تحريمِ الأكلِ بالشمالِ وإنْ ذهبَ الجماهيرُ إلى كراهتِه لا غيرُ. وقدْ وردَ في الشربِ كذلكَ أيضًا، وهوَ دليل على أن الشيطان يأكلُ أكلًا حقيقيًا. آداب الشرب ١٤/ ٩٩٢ - وَعَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا شَرِبَ أحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنْ أبي قتادةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: إذا شربَ أحدُّكم فلا يتنفسْ في الإناءِ. متفقٌ عليهِ). وقد أخرجَ الشيخانَ (٣) منْ حديثِ أنسٍ ﵁ أنهُ ﷺ كانَ يتنفسُ في الشرابِ ثلاثًا، أي في أثناءِ الشرابِ لا أنهُ في إناءِ الشرابِ. ووردَ تعليلُ ذلكَ في روايةِ مسلمٍ (٤) أنهُ أرْوَى، أي أقمعُ للعطشِ، وأبرأُ، أي أكثرُ بُرًا لما فِيهِ منَ

стр. 1706

الهضْمِ ومنْ سلامتِهِ من التأثيرِ في بردِ المِعدَةِ، وأَمرأُ أي أكثرُ مراءةً لما فيهِ منَ السهولة، وقيلَ العلةُ خشيةَ تقذيرِه [على غيرهِ] (١)؛ لأنهُ قدْ يخرجُ شيءٌ منَ الفمِ فيتصلُ بالماءِ فيقذِّرُه على غيرِهِ. ١٥/ ٩٩٣ - وَلأبِي دَاوُدَ (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، نَحْوَهُ، وَزَادَ: "وَينْفُخْ فِيهِ"، وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). [صحيح] (ولأبي داودَ نحوَه عن ابن عباسٍ) أي مرفُوعًا (وزاد) على ما ذكرَ (وينفخُ فيهِ. وصحَّحه الترمذيُّ)، فيهِ دلالةٌ على تحريمِ النفخِ في الإناءِ. وأخرجَ الترمذيُّ (٤) منْ حديثِ أبي سعيدٍ أن النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن النفخِ في الشرابِ فقالَ رجلُ: القَذَاةُ في [الشرابِ] (٥) فقالَ: "أهْرقْها"، قالَ: فإني لا أرْوَى منْ نَفَسٍ واحدٍ، قالَ: "فأبِنِ القدحَ عنْ فيكَ ثمَّ تنفسْ". وفي الشربِ ثلاثَ مراتٍ منْ حديثِ ابن عباسٍ (٦) ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا تشربُوا واحدًا - أي شُرْبًا واحدًا - كشربِ البعيرِ ولكنِ اشربُوا مثنَى وثُلاثَ، وسمُّوا إذا أنتُم شربتُم واحمدُوا إذا أنتُم رفعْتُم"، وأفادَ أن المرتينِ سنةٌ [أيضًا] (٧). نعمْ، وقدْ وردَ النَّهيُ عن الشربِ منْ فمِ السِّقاءِ فأخرجَ الشيخانِ (٨) منْ حديثِ ابن عباسٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن الشربِ منْ فيِّ السقاءِ. وأخرجَا (٩) منْ حديثِ أبي سعيدٍ قالَ: "نَهَى

стр. 1707

رسولُ اللَّهِ ﷺ عن اختناثِ الأسقية". زادَ في روايةٍ (١): واختناثُها أنْ يقلبَ رأسَها ثمَّ يشربَ منهُ. وقدْ عارضَه حديثُ كبشةَ قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ فشربَ منْ فيِّ قربةٍ مُعَلَّقةٍ قائمًا فقمتُ إلى فيها فقطعْتُهُ، أي أخذْتُه شفاءً نتبركُ بهِ ونستشفي بهِ. أخرجَهُ الترمذيُّ (٢) وقالَ: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وأخرجَه ابنُ ماجَهْ (٣). وجُمِعَ بَيْنهما بأنَّ النَّهْيَ إنَّما هوَ في السقاءِ الكبيرِ والقربةُ هي الصغيرةُ، أوْ أن النهيَ للتنزيهِ لئلَّا يتخذَّه الناسُ عادةً دونَ الندرةِ، وعلةُ النهي أنَّها قدْ تكونُ فيهِ دابةٌ فتخرجُ إلى فيِّ الشاربِ فيبتلعُها معَ الماءِ كما روي أنهُ شربَ رجلٌ منْ فيِّ السقاءِ فخرجتْ منهُ حيةٌ. وكذلكَ ثبتَ النَّهْيُ عن الشربِ قائِمًا، فأخرجَ مسلمٌ (٤) منْ حديثِ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "لا يشربنَّ أحدُكمَ قائمًا فمنْ نَسِيَ فلْيستقئْ" أي يتقيأْ، وفي روايةٍ (٥) عنْ أنسٍ: زَجَرَ عن الشربِ قائمًا، قالَ قتادةُ: قلنا: "فالأكلُ قالَ: أشدُّ وأخبثُ". ولكنه عارضَه ما أخرجَه مسلمٌ (٦) منْ حديثِ ابن عبسٍ قالَ: سقيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ منْ زمزَم فشربَ وهوَ قائمٌ. وفي لفظٍ (٧): أن رسولَ اللَّهِ ﷺ شربَ منْ زمزمَ وهوَ قائمٌ، وفي "صحيح البخاريِّ" (٨) أن عليًا ﵁ شربَ قائمًا وقالَ: رأيتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعلَ كما رأيتموني، وجُمِعَ بينَهما بأنَّ النهيَ للتنزيهِ فَعَلَهُ ﷺ بيانًا لجوازِ ذلكَ فهوَ واجبٌ في حقِّه ﷺ التشريعِ وقدْ وقعَ منهُ ﷺ مثلُ هذا في صورٍ كثيرةٍ. وأما التقيؤُ لمنْ شربَ قائمًا فإنهُ يستحبُّ للحديثِ الصحيحِ الواردِ بذلكَ، وظاهرُ حديثِ التقيؤ أنهُ يُسْتَحَبُّ مطلقًا لعامدٍ وناسٍ ونحوِهما. وقالَ القاضي عياضُ: إنهُ مَنْ شربَ ناسيًا فلا خلافَ بينَ العلماءِ أنهُ ليسَ عليهِ أنْ يتقيأَ. نعم، ومنْ آدابِ الشربِ أنهُ إذا كانَ عندَ الشاربِ جلساءُ وأرادَ أنْ

стр. 1708

يعممَ الجلساءَ بهِ أنْ يبدأ بِمَنْ عنْ يميِنه كما أخرجَ الشيخانِ (١) منْ حديثِ أنسٍ أنهُ أُعْطِيَ ﷺ القدحَ فشربَ وعلى يسارِه أبو بكرٍ وعنْ يمينِه أعرابيٌّ فقالَ عمرُ: أعطِ أبا بكرٍ يا رسولَ اللَّهِ، فأعطَى الأعرابيَّ الذي عنْ يمينِه ثمَّ قالَ: "الأيمنُ فالأيمنُ". وأخرجَا (٢) منْ حديثِ سهلِ بن سعدٍ قالَ: أُتِيَ النبي ﷺ بقدحٍ فشربَ منهُ وعنْ يمينِه غلامٌ أصغرُ القومِ هو عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ والأشياخُ عنْ يسارِه فقالَ: "يا غلامُ أتأذنُ أنْ أعطيهُ الأشياخَ"؟ فقالَ: ما كنتُ لأوثرَ بفضلٍ منكَ أحدًا يا رسولَ اللَّهِ، فأعطاهُ إياهُ. ومِنْ مكروهاتِ الشربِ أنْ لا تشربَ منْ ثُلمةِ القدحِ، لما أخرجَه أبو داودَ (٣) منْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ: نَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن الشربِ منْ ثلْمَةِ القدحِ. * * *

стр. 1709

[الباب السادس] باب القسم بين الزوجات ١/ ٩٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أمْلِكُ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢) وَالْحَاكِمُ (٣)، وَلكِنْ رَجّحَ الترْمِذِيُّ إِرْسَالَهُ. [ضعيف]

стр. 1710

(عنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسول اللهِ ﷺ يقسم بينَ نسائِه فيعدل ويقول: اللهمَ هذا قَسْمي) بفتحِ القافِ (فيما أملك) وهوَ المبيتُ معَ كلِّ واحدةٍ في نَوْبَتِهَا (فلا تَلُمْني فيما تملكُ ولا أملكُ)، قالَ الترمذيُّ: يعني بهِ الحبَّ والمودةَ، (رواهُ الأربعة وصحَّحهُ ابن حبانَ والحاكمُ. ولكنْ رجَّحَ الترمذيُّ إرسالَه)، قالَ أبو زرعةَ (١): لا أعلمُ أحدًا تابعَ حمادَ بنَ سلمةَ على وصْلِهِ، لكنْ صحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ (٢) منْ طريقِ حمادِ بن سلمةَ عنْ أيوبَ السختيانيِّ عنْ أبي قلابةَ عنْ عبدِ اللَّهِ بن يزيدَ عنْ عائشةَ موصولًا. والذي رواهُ مرسلًا هوَ حمادُ بنُ يزيدَ عنْ أيوبَ عنْ أبي قلابةَ. قالَ الترمذيُّ (٣): المرسلُ أصحُّ. قلت: بعدَ تصحيحِ ابن حبانَ للوصلِ فقدْ تعاضدَ الموصولُ والمرسلُ، دلَّ الحديثُ على أنهُ ﷺ كانَ يقسِمُ بينَ نسائِه، وتقدَّمتِ الإشارةُ إلى أنهُ هلْ كانَ واجبًا عليهِ أمْ لا؟ قيلَ: وكانَ القَسْمُ عليهِ ﷺ غيرَ واجبٍ لقولِه تعالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ (٤) الآيةُ، قالَ بعضُ المفسرينَ إنهُ أباحَ اللَّهُ لهُ [ترك] (٥) التسويةَ والقسْمَ بينَ أزواجِه حتَّى إنهُ ليؤخِّرَ مَنْ [يشاء] (٦) عنْ نوبتِها ويطأُ منْ يشاءُ في غيرِ نوْبَتِها وأنَّ ذلكَ منْ خصائِصِهِ ﷺ بناءَ على أن الضميرَ في منهنَّ للزوجاتِ، وإذا ثبتَ أنهُ لا يجبُ القسمُ عليهِ ﷺ فإنهُ كانَ يقسمُ بينَهنَّ منْ حسنِ عشْرَتَهِ وكمالِ حُسْنِ خُلُقِهِ وتأليفِ قلوبِ نِسائِهِ ﷺ . والحديثُ يدلُّ على أن المحبةَ وميلَ القلبِ أمرٌ غيرُ مقدورٍ للعبدِ، بل هوَ من اللَّهِ تعالَى لا يملكُه العبدُ، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (٧) بعدَ قولِه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ (٨)، وبهِ فُسِّرَ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (٩).

стр. 1711

تحريم الميل إلى إحدى الزوجتين ٢/ ٩٩٥ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ (٢)، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: منْ كانتْ لهُ امرأتانِ فمالَ إلى إحداهُما - دونَ الأُخْرى (٣) - جاءَ يومَ القيامةِ وشِقهُ مائلٌ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ وسندُه صحيحٌ). الحديثُ دليلٌ على أنهُ يجبُ على الزوجِ التَّسويةُ بينَ الزوجاتِ ويحرمُ عليهِ الميلُ إلى إحداهنَّ. وقدْ قالَ تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ (٤)، والمرادُ الميلُ في القَسْمِ والإنفاقِ لا في المحبةِ لما عرفتَ منْ أنَّها مما لا يملكُه العبدُ. ومفهومُ قولِه: "كلَّ الميلِ" جوازُ الميلِ اليسيرِ ولكنَّ إطلاقَ الحديثِ ينفي ذلكَ، ويحتملُ تقييدُ الحديثِ بمفهومِ الآيةِ. للزوج البكر سبعة أيام وللثيب ثلاثة ٣/ ٩٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإذَا تَزَوّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥)، واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: منَ السنةِ إذا تزوَجَ الرجلُ البكرَ على الثيِّبَ أقامَ عندَها سبعًا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا ثم قَسَمَ. متفقٌ عليهِ واللفظُ للبخاريِّ). يريدُ منْ سنةِ النبيّ ﷺ ، فلهُ حكمُ الرفعِ. ولِذَا قالَ أبو قلابةَ راوْيهِ عنْ أنسٍ: ولوْ شئتُ لقلتُ إنَّ أَنَسًا رفعَه إلى النبيِّ ﷺ ، يريدُ فيكونُ راوْيهِ بالمعنَى، إذْ

стр. 1712

معنَى منَ السنةِ هوَ الرفعُ إلا أنهُ رأى المحافظةَ على قولِ أنسٍ أوْلَى، وذلكَ لأنَّ كونَه مرفوعًا إنما هوَ بطريقٍ اجتهاديٍّ محتَمَلٍ والرفعُ نصٌّ، وليسَ للراوي أنْ ينقلَ ما هوَ محتمَلٌ إلى ما هوَ نصٌّ غيرُ مُحْتَمَلٍ. كذَا قالَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (١). وبالجملةِ إنَّهم لا يعنونَ بالسنةِ إلا سنةَ النبيّ ﷺ ، وقدْ قالَ سالمٌ: وهلْ يعنونَ - يريدُ الصحابةَ - بذلكَ إلا سنةَ النبيِّ ﷺ ، والحديثُ قد أخْرَجَهُ أئمةٌ منَ المحدِّثينَ عنْ أنسٍ مرفُوعًا منْ طُرُقٍ مختلفةِ عنْ أبي قلابةَ، والحديثُ دليلٌ على إيثارِ الجديدةِ لمنْ كانتْ عندَه زوجةٌ. وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٢): جمهورُ العلماءِ على أن ذلكَ حقٌّ للمرأةِ بسببِ الزفافِ سواءٌ كانتْ عندَه زوجةٌ أمْ لا واختارهُ النوويُّ (٣)، لكنَّ الحديثَ دلَّ على أنهُ فيمنْ كانتْ عندَه زوجةٌ. وقدْ ذهبَ إلى التفرقةِ بينَ البكرِ والثِّيبِ بما ذكرَ الجمهورُ فظاهرُ الحديثِ أنهُ واجبٌ، وأنهُ حق للزوجةِ الجديدةِ وفي الكل خلافٌ لم يقمْ عليهِ دليل يقاومُ الأحاديثَ، والمرادُ بالإيثارِ في البقاءِ عندَها ما كان متعارَفًا حالَ الخطابِ، والظاهرُ أن الإيثارَ يكونُ بالمبيتِ والقيلولة لا استغراقَ ساعاتِ الليلِ والنهار عندَها كما قالَه جماعةٌ، حتَّى قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ إنهُ أفرطَ بعضُ الفقهاءِ حتَّى جعلَ مُقَامَهُ عندَها عُذْرًا في إسقاطِ الجمعةِ. وتجبُ الموالاةُ في السبعِ والثلاثِ، فلوْ فرَّقَ وجبَ الاستئنافُ ولا فَرْقَ بينَ الحرةِ والأمَةِ، فلو تزوَّجَ أُخْرَى في مدةِ السبعِ أو الثلاثِ، فالظاهرُ أنهُ يتمُّ ذلكَ لأنهُ قدْ صارَ مستَحَقًا لها. ٤/ ٩٩٧ - وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أن النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: "إنهُ لَيسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانْ، إنْ شِئْتِ سَبعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبّعْتُ لِنِسَائي"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). [صحيح] (وعنْ أمِّ سلمةَ ﵂ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ لما تزوَّجَها أقَامَ عندَها ثلاثًا وقالَ: إنهُ ليسَ بكَ على أهْلِكِ) يريدُ نفسَه (هوانٌ، إنْ شئتِ سبَّعْتُ لكِ) أي أتممتُ عندكِ سبعًا (وإنْ سَبَّعْتُ لكِ سَبَّعْتُ لنسائي. رواهُ مسلمٌ) وزاد في روايةٍ (٥): "إن شئتِ ثلثتُ ثم درتُ، قالت: ثلِّث"، وفي رواية (٦): "دخلَ عليها فلمَّا أرادَ أنْ يخرجَ أخذتْ

стр. 1713

بثوبِه، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ إنْ شئتِ زدتُ لكِ وحاسبْتُكِ للبكرِ سبعٌ وللثيبِ ثلاث. دلَّ ما تقدَّمَ على استحقاقِ البكرِ والثيبِ ما ذُكِرَ منَ العددِ، ودلَّتِ الأحاديثُ على أنهُ إذا تعدَّى الزوْجُ المدةَ المقدرةَ برضا المرأةِ سَقَطَ حَقها منَ الإيثارِ ووجبَ عليهِ القضاءُ لذلك، وأما إذا كانَ بغيرِ رِضَاها فحقها ثابتٌ وهوَ مفهومُ قولِه ﷺ : "إن شئتِ"، ومعنَى قولِه: "ليسَ بك على أهلِكِ" هوَ أنهُ لا يلحقَكَ منَّا هوانٌ ولا نضيعُ مما تستحقيْنَهُ شيئًا بل تأخذِيْنَهُ كاملًا. ثم أعْلَمَهَا بأن إليها الاختيارَ بينَ ثلاثٍ بلا قضاءٍ وبينَ سبعٍ ويقضي نساءَه، وفيهِ حسنُ ملاطفةِ الأهلِ وإبانةُ ما يجبُ لهمْ وما لا يجبُ والتخييرُ لهم فيما هوَ لهمْ. جاز تنازل المرأة عن نوبتها ٥/ ٩٩٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ أَن سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ. وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيوْمَ سَوْدَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] ترجمة سودة بنت زمعة (وعنْ عائشةَ ﵂ أن سودَة بنتَ زمعةَ) (٢) بفتح الزاي والميمِ وعينٍ مهملةٍ وكانَ ﷺ تزوَّجَ سودةَ بمكةَ بعدَ موتِ خديجةَ ﵂ وتوفيتْ بالمدينةِ سنةَ أربعٍ وخمسينَ (وهبتْ يومَها لعائشةَ وكانَ النبيُّ ﷺ يقسمُ لعائشةَ يومَها ويومَ سودَة. متفقٌ عليهِ)، زادَ البخاري: وليلتَها، وزادَ أيضًا في آخرِه: تبتغي بذلكَ رِضَا رسولِ اللَّهِ ﷺ . وأخرجَه أبو داوَد (٣) وذكرَ فيهِ سببَ الهبةِ بسندٍ رجالُه رجالُ مسلمٍ أنَّ سودةَ حينَ أسنَّتْ وخافتْ أن يفارقَها رسولُ اللهِ ﷺ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ يومي لعائشةَ، فقبلَ منها ذلكَ، ففيها وأشباهِها نزلتْ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٤) الآية. وأخرجَ ابنُ سعدٍ (٥) برجالٍ ثقاتٍ منْ روايةِ القاسمِ بن

стр. 1714

أبي بزةَ مرسلًا أن النبيَّ ﷺ طلَّقَها، يعني سودةَ، فقعدتْ على طريقِهِ وقالتْ: والذي بَعَثَكَ بالحقِّ ما لي في الرجالِ حاجةٌ ولكنْ أحبُّ أنْ أُبْعَثَ مَع نسائِكَ يومَ القيامةِ، فأنشدُكَ بالذي أنزلَ عليكَ الكتابَ هل طلَّقْتَني لموجدة وجدتَها عليَّ؟ قالَ: لا، قالتْ: فأنشدكَ اللَّهَ لما راجعْتَنِي فراجَعَها، قالتْ: فإني جعلتُ يومي لعائشةَ حبَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وفي الحديثِ دليلٌ على جوازِ هبةِ المرأةِ نوبتَها لضُرَّتِها ويعتبرُ رِضَا الزوجِ؛ لأنَّ لهُ حقًّا في الزوجةِ فليسَ لها أن تسقطَ حقَّهُ إلَّا برضاهُ. واختلفَ الفقهاءُ إذا وهبتْ نوبتَها للزوجِ فقالَ الأكثرُ: تصحُّ وَيخصُّ بها الزوجُ مَنْ أرادَ وهذا هوَ الظاهرُ. وقيلَ: ليسَ لهُ ذلكَ بلْ تصيرُ كالمعدومةِ، وقيلَ: إنْ قالتْ له خُصَّ بها مَنْ شئتَ جازَ لا إذا أطلقتْ له، قالُوا: ويصحُّ الرجوعُ للمرأةِ فيما وهبتْ منْ نوبتِها؛ لأنَّ الحقَّ يتجدَّدُ. يجوز للرجل الدخول على من لم يكن يومها من نسائه ٦/ ٩٩٩ - وَعَنْ عُرْوَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّل بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مَكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُوَ مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتى يَبْلُغَ الَّتي هُوَ يَوْمُهَا، فَيَبِيتُ عِنْدَهَا، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُوا دَاوُدَ (٢) وَاللَّفْظُ لَهُ. وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). [صحيح] (وعنْ عروةَ قالَ: قالتْ عائشةُ: يا ابنَ أختي كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لا يفضِّلُ بعضَنا على بعضٍ في القَسْمِ من مكْثِهِ عندَنا وكان قلَّ يومٌ إلَّا وهوَ يطوف علينا جميعًا فيدنُوَ منْ كلِّ امرأة منْ غيرِ مسيسٍ)، وفي روايةٍ (٤): بغيرِ وِقَاعٍ، فهوَ المرادُ هنا، (حتَّى يبلغَ التي هوَ يومُها فيبيتُ عندَها، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ واللفظُ له،

стр. 1715

وصحَّحَه الحاكم) فيهِ دليلٌ على أنهُ يجوزُ للرجلِ الدخولُ على مَنْ لم يكنُ في يومِها منْ نسائِه والتأنيسُ لها واللمسُ والتقبيلُ، وفيه بيانُ حسنِ خُلُقِهِ ﷺ وأنهُ كانَ خيرَ الناسِ لأهلِه، وفي هذِه ردٌّ لما قالَه ابنُ العربي. وقدْ أشرنا إليهِ سابقًا (١) أنهُ كانَ له ﷺ ساعةٌ منَ النهارِ لا يجبُ عليهِ القَسْمُ فيها وهي بعدَ العصرِ، قالَ المصنفُ ﵀: لم أجدْ لما قالَه دليلًا. وقدْ عيَّنَ الساعةَ التي كانَ يدورُ فيها الحديثُ الآتي وهو قولُه: ٧/ ١٠٠٠ - ولمُسْلِمٍ (٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دارَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يَدْنُو مِنْهُنَّ. الْحَدِيثَ. [صحيح] (ولمسلمٍ عنْ عائشةَ كانَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا صلَّى العصرَ دارَ على نسائِه ثمَّ يدنُو منهنَّ، الحديث) أي دنُوَّ لمسٍ وتقبيلٍ منْ دونِ وِقَاعٍ كما عرفتَ. ٨/ ١٠٠١ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْأَلُ في مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "أَيْنَ أَنا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يسألُ في مرضِه الذي ماتَ فيهِ أينَ أنا غدًا يريدُ يومَ عائشةَ، فأذنَ له أزواجُه يكون حيث [يشاء] (٤) فكانَ في بيتِ عائشةِ. متفقٌ عليهِ). وفي روايةٍ: وكانَ أولَ ما بُدئَ بهِ منْ مرضِهِ في بيتِ ميمونَةَ، أخرجَها البخاريُّ في آخرِ كتابِ المغازي. وقولُه: فأذنَ له أزواجُه، وقعَ عندَ أحمدَ (٥) عنْ عائشةَ أنهُ ﷺ قالَ: إني لا أستطيعُ أنْ أدورَ بيوتَكنَّ فإنْ شئتنّ أذنتنَّ لي فَأَذِنَّ لهُ، ووقعَ عندَ ابن سعدٍ (٦) بإسنادٍ صحيحٍ عن الزهريِّ أن فاطمةَ ﵂ هيَ التي خاطبتْ أمهاتِ المؤمنينَ وقالتْ: إنهُ يشقُّ عليه الاختلافُ، ويمكنُ أنهُ

стр. 1716

استأذنَ ﷺ واستأذنتْ له فاطمةُ ﵂ فيجتمعُ الحديثانِ. ووقعَ في روايةٍ أنهُ دخلَ بيتَ عائشةَ يومَ الاثنينِ وماتَ يومَ الاثنينِ الذي يليهِ. والحديثُ دليلٌ على أن المرأةَ إذا أذنتْ كانَ مسقطًا لحقِّها منَ النوبةِ وأنها لا تكفي القرعةُ إذا مرضَ كما تكفي إذا سافرَ كما دلَّ لهُ قولُه: إقراع المسافر بين نسائه ٩/ ١٠٠٢ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيّتُهُنَ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْها) أي عائشةَ (قالتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أرادَ سفرًا أَقْرَعَ بينَ نسائِه فَأيَّتُهُنَّ خَرَجَ سهمُها خرجَ بها معَهُ. متفقٌ عليهِ). وأخرجَهُ ابنُ سعدٍ وزادَ فيهِ عنْها فكانَ إذا خرجَ سهمُ غيري عُرِفَ فيهِ [الكراهة] (٢). دلَّ الحديثُ على القرعةِ بينَ الزوجاتِ لمن أرادَ سفرًا وأرادَ إخراجَ إحداهنَ معهُ، وهذا فعلٌ لا يدلُّ على الوجوبِ، وذهبَ الشافعي إلى وجوبِهِ وذهبتِ الهادويةُ إلى أن له السفرَ بمنْ شاءَ وأنها لا تلزمُه القرعة، قالُوا: لأنهُ لا يجبُ عليهِ القَسْمُ في السفرِ وفعلُه ﷺ إنَّما كانَ منْ مكارِمِ أخلاقِهِ ولطفِ شمائِله وحسنِ معاملتِه؛ فإنْ سافرَ بزوجةٍ فلا يجبُ القضاءُ لغيرِ مَنْ سافرَ بها. وقالَ [أبو حنيفةَ:] (٣) يجبُ القضاءُ سواءً كانَ سفرُه بقرعةٍ أو بغيرِها. وقالَ الشافعي إنْ كانَ بقرعةٍ لم يجبِ القضاءُ، وإنْ كانَ بغيرِها وجبَ عليهِ القضاءُ ولا دليلَ على الوجوبِ مطلقًا ولا مفصلًا. والاستدلالُ بأنَّ القَسْمَ واجبٌ وأنهُ لا يسقطُ الواجبُ بالسفرِ، جوابُه أن السفرَ أسقطَ هذا الواجبَ بدليلِ أن له أنْ يسافرَ ولا يخرجَ منهن أحدًا فإنهُ لا يجبُ عليهِ بعدَ عَوْدِةِ قضاءُ أيامِ سفرِه لهنَّ اتفاقًا، والإقراعُ لا يدلُّ الحديثُ على وجوبهِ لما عرفتَ أنهُ فعلٌ وفي الحديثِ دليلٌ على اعتبارِ القرعةِ بينَ الشركاءِ ونحوِهم. والمشهورُ عن المالكيةِ والحنفية عدمُ اعتبارِ القرعةِ. قالَ القاضي عياضُ: هو مشهورٌ عنْ مالكٍ وأصحابِهِ

стр. 1717

لأنهُ من بابِ الخطرِ والقمارِ وحُكِيَ عن الحنفيةِ إجازتُها. اهـ. واحتجَّ منْ مَنْعَ منَ القرعةِ بأنَّ بعضَ النساءِ قدْ تكونُ أنفعَ في السفرِ منْ غيرِها، فلوْ خرجتِ القرعةُ للتي لا نفعَ فيها في السفرِ لأضرَّ بحالِ الزوجِ، وكَذَا قدْ يكونُ بعضُ النساءِ أقومَ برعايةِ مصالحِ بيتِ الرجلِ في الحضرِ، فلوْ خرجتِ القرعةُ عليها بالسفرِ لأضرَّ بحال الزوج مِنْ رعايةِ مصالحِ بيتِ الرجلِ. وقالَ القرطبي: تختصُّ مشروعيةُ القرعةِ بما إذا اتفقتْ أحوالُهُنَّ لئلَّا يخصُّ واحدةً فيكونُ ترجيحًا بلا مرجِّحٍ، قيلَ: هذا تخصيصٌ لعمومِ الحديثِ بالمعنَى الذي شُرِعَ لأجلِه الحكمُ، والجرْيُ على ظاهِرِهِ كما ذهبَ إليهِ الشافعي أقْوَمُ. النهي عن جلد المرأة ١٠/ ١٠٠٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمْ امْرَأتهُ جَلْدَ الْعَبْدِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] ترجمة عبد الله بن زمعة (وعنْ عبدِ اللَّهِ بن زَمْعَةَ (٢) ﵁ هوَ ابنُ الأسودِ بن عبدِ المطلبِ بن أسدٍ بن عبدِ العزَّى صحابيٌّ مشهورٌ وليسَ لهُ في البخاريِّ سِوى هذا الحديثِ وعدادُه في أهلِ المدينةِ، (قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : لا يَجْلِد أحدُكم امرأتَه جَلْدَ العبدِ) بالنصبِ على المصدريةِ (رواهُ البخاريُّ) وتمامُه فيهِ: "ثمَّ يجامعُها"، وفي روايةٍ (٣): ولعلَّه أنْ يضاجعَها. وفي الحديثِ دليل على جوازِ ضَرْبِ المرأةِ ضربًا خفيفًا لقولِه جلدَ

стр. 1718

العبدِ، ولقولِه في روايةِ أبي داودَ (١): "ولا تضربْ ظعينتَكَ ضربَكَ أَمَتَكَ"، وفي لفظِ للنسائيِّ (٢): "كما تضربُ العبدَ أوِ الأمةَ"، وفي روايةِ للبخاريِّ (٣): "ضَرْبَ الفحلِ أو العبدِ"، فإنَّها دالةٌ على جوازِ الضربِ إلَّا أنهُ لا يبلغُ ضربَ الحيواناتِ والمماليكِ. وقدْ قالَ تعالَى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (٤) ودلَّ على جوازِ ضربِ غيرِ الزوجاتِ فيما ذكرَ ضربًا شديدًا. وقولُه: ثمَّ يجامعُها، دالٌ على أن علةَ النَّهْي أن ذلكَ لا يستحسنُه العقلاءُ في مجرى العاداتِ؛ لأنَّ الجماعَ والمضاجعةَ إنما تليقُ مَع ميلِ النفسِ والرغبةِ في العشرةِ والمجلودُ غالبًا ينفرُ عمَّن جَلَدَهُ بخلافِ التأديبِ المستحسَنِ فإنهُ لا ينفرُ الطباعَ، ولا ريبَ أن عدمَ الضربِ والاغتفارَ والسماحةَ أشرفُ منْ ذلكَ كما هوَ أخلاقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وقدْ أخرجَ النسائيُّ (٥) منْ حديثِ عائشةَ: ما ضربَ رسولُ اللَّهِ ﷺ امرأةً لهُ ولا خادمًا قط، ولا ضربَ بيدِه قط إلا في سبيلِ اللَّهِ، أو تُنْتَهَكُ محارمُ اللَّهِ فينتقمُ للَّهِ تعالى. * * *

стр. 1719

[الباب السابع] باب الخُلْع بضمِّ المعجمةِ وسكونِ اللامِ، هوَ فراقُ الزوجةِ على مالٍ، مأخوذٌ منْ خَلَعَ الثوبَ؛ لأنَّ المرأةَ لباسُ الرجلِ مجازًا. وضم المصدرِ تفرقةٌ بينَ المعنَى الحقيقيِّ والمجازيِّ، والأصلُ فيهِ قولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). الخُلع ورد ما أخذت الزوجة ١/ ١٠٠٤ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ في خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ في الإِسْلَامِ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢)، وفي روَايَةٍ لَهُ (٣): وَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا. [صحيح] - وَلأَبِي دَاوُدَ (٤) وَالتِّرْمِذِي (٥)، وَحَسّنَهُ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ، فَجعَلَ النَّبي ﷺ عِدَّتَهَا حَيْضَةً. [صحيح]

стр. 1720

(عن ابن عباسٍ ﵄ أن امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ) سمَّاها البخاريُّ جميلةً، ذكرهُ (١) عنْ عكرمةَ مرسلًا وأخرجَ البيهقي (٢) مرسلًا أن اسمَها زينبُ بنتُ عبدِ اللَّهِ بن أُبيِّ بن سلولٍ، وقيلَ غيرُ ذلكَ، (أتتِ النبيَّ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ ثابت بن قيسٍ (٣) هوَ خزرجيٌّ أنصاريٌّ شهدَ أُحُدًا وما بعدَها وهوَ منْ أعيانِ الصحابةِ، كانَ خطيبًا للأنصارِ ولرسولِ اللَّهِ ﷺ شهدَ لهُ النبيَّ ﷺ بالجنةِ (ما أعيبُ) رُوِيَ بالمثناةِ الفوقيةِ مضمومةً ومكسورةً منَ العتْبِ وبالمثناةِ التحتيةِ ساكنةً من العيْبِ وهوَ أوفقُ بالمرادِ (عليهِ في خُلُقٍ) بضمِّ الخاءِ المعجمةِ وضمّ اللامِ ويجوزُ سكونُها، (ولا دينٍ، ولكنِّي أكرهُ الكفرَ في الإسلامِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أتردِّينَ عليهِ حديقتَه، فقالتْ: نعمْ، فقالَ رسول اللهِ ﷺ : اقبلِ الحديقةَ وطلِّقْها تطليقةً. رواة البخاريُّ، وفي روايةٍ لهُ: [فأمره] (٤) بطلاقِها. ولأبي داودَ والترمذيِّ) أي منْ حديثِ ابن عباسٍ (وحسَّنَه: أن امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ اختلعتْ منة فجعلَ النبيُّ ﷺ عدَّتَها حيضةً). قولُها: أكرهُ الكفرَ في الإسلامِ، أي أكرهُ منَ الإقامةِ عندَه أنْ أقَعَ فيما يقتضي الكفرَ، والمرادُ ما يضادُّ الإسلامَ منَ النشوزِ وبغضِ الزوجِ وغيرِ ذلكَ، أطلقتْ على ما ينافي خُلُقُ الإسلامِ الكفرَ مبالغةً، ويحتملُ غيرُ ذلكَ. وقولُه: "حديقتُه" أي بستانَه، ففي الروايةِ أنهُ كانَ تزوَّجَها على حديقةِ نَخْلٍ. الحديثُ فيهِ دليلٌ على شرعيةِ الخُلْعِ وصِحَّتهِ وأنهُ يحلُّ أَخْذُ العِوَضِ منَ المرأةِ، واختلفَ العلماءُ هلْ يُشْتَرَطُ في صحتهِ أنْ تكونَ المرأةُ ناشزةً أمْ لا؟ فذهبَ إلى الأولِ الهادي والظاهريةُ (٥)، واختارهُ ابنُ المنذرِ

стр. 1721

مستدلِّينَ بقِصةِ ثابتٍ هذهِ فإنَّ طلبَ الطلاقِ نشوزٌ، [ولقوله] (١) تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢)، وقولهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٣). وذهبَ أبو حنيفةَ والشافعي والمؤيدُ وأكثرُ أهلِ العلمِ إلى الثاني وقالُوا: يصحُّ الخلعُ معَ التراضي بينَ الزوجينِ وإنْ كان الحالُ مستقيمةً بينَهمَا ويحلُّ العِوَضُ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسً﴾ (٤) الآيةَ ولم يفرق، ولحديثِ: "إلا بطيبةٍ منْ نفسهِ" (٥)، وقالُوا: إنهُ ليسَ في حديثِ ثابتٍ هذَا دليلٌ علَى الاشتراطِ، والآيةُ يحتملُ أن الخوفَ فيها وهوَ الظنُّ والحسبانُ يكونُ في المستقبلِ فيدلُّ على جوازهِ وإنْ كانَ الحالُ مستقيمًا بينَهما وهما مقيمانِ لحدودِ اللهِ [تعالى] (٦) في الحالِ، ويحتملُ أنْ يرادَ أنْ يَعْلَمَا ألَّا يقيما حدودَ اللهِ ولا يكونُ العلمُ إلا لِتَحَقُّقِهِ في الحالِ، كذَا قيلَ، وقدْ يقالُ إنَّ العلمَ لا ينافي أنْ يكونَ النشوزُ مستقبلًا، والمرادُ إني أعلمُ في الحالِ أني لا أحتملُ معهُ إقامةَ حدودِ اللَّهِ في الاستقبالِ وحينئذٍ فلا دليلَ على اشتراطِ النشوزِ في الآيةِ على التقديرينِ.

стр. 1722

ودلَّ الحديثُ على أنهُ يأخذُ الزوجُ منها ما أعطاها منْ غيرِ زيادةٍ واختُلفَ هل تجوزُ الزيادةُ أمْ لا؛ فذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ إلى أنَّها تحلُّ الزيادةُ إذا كانَ النشوزُ منَ المرأةِ، قالَ مالكٌ: لمْ أزلْ أسمعُ أن الفديةَ تجوزُ بالصَّداقِ وبأكثرَ منهُ لقولِه تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١). قال ابنُ بطال: ذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ يجوزُ للرجلِ أنْ يأخذَ في الخلْعِ أكثرَ مما أعْطَاها، وقال مالكٌ: لم أرَ أحدًا ممن يُقْتَدَ بهِ منعَ [من] (٢) ذلكَ لكنهُ ليسَ منْ مكارمِ الأخلاقِ، وأما الروايةُ التي فيها أنهُ قالَ [المصنف] (٣): "أما الزيادةُ فلا" فلم يثبتْ رفعُها. وذهبَ عطاءُ وطاووسُ وأحمدُ وإسحاقُ والهادويةُ وآخرونَ إلى أنَّها لا تجوزُ الزيادةُ لحديثِ البابِ، ولما وردَ منْ روايةٍ: أما الزيادةُ فلا؛ فإنهُ قدْ أخرجَها في آخرِ حديثِ الباب البيهقي (٤) وابنُ ماجهْ عن ابن جريج عنْ عطاءٍ مرسلًا، ومثلُه عندَ الدارقطنيِّ (٥) وأنَّها قالتْ: "لما قالَ النبيُّ ﷺ أتردِّينَ عليهِ حديقتَه قالتْ: وزيادةً، قالَ النبيُّ ﷺ : "أما الزيادةُ فلا" الحديثَ، ورجالُه ثقاتٌ إلا أنهُ مرسلٌ. وأجابَ منْ قالَ بجوازِ الزيادةِ بأنه لا دلالةَ في حديثِ البابِ على الزيادةِ نَفْيًا ولا إِثبَاتًا، وحديثُ: "أما الزيادةُ فلا" قدْ تقدَّم الجوابُ عنهُ مع أنهُ مرسلٌ وعلى أنه إنْ ثبتَ رفعُها فلعلَّه خرجَ مَخْرَجَ المشورةِ عَلَيْها والرأيِ، وأنهُ لا يلزمُها، لا أنهُ خرجَ مَخْرَجَ الإخبارِ عنْ تحريْمِهَا على الزوجِ. وأما أمرُهُ ﷺ بتطليقِهِ لها فإنهُ أمرُ إرشادٍ لا إيجابٍ كَذَا قيلَ، والظاهرُ بقاؤُه على أصْلِهِ منَ الإيجابِ، ويدلُّ لهُ قولُه تعالَى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٦) فإنَّ المرادَ يجبُ عليهِ أحدُ الأمْرينِ وهُنَا قدْ تعذَّر الإمساكُ بمعروفٍ لِطَلَبِها للفراقِ فيتعينُ عليهِ التسريحُ بإحسانٍ. ثمَّ الظاهرُ أنهُ يقعُ الخلعُ بلفظِ الطلاقِ وأنَّ المواطأَةَ علَى ردِّ المهرِ لأجلِ الطلاقِ يصيرُ [لها] (٧) الطلاقُ خُلْعًا. واختلفُوا إذا كانَ بلفظِ الخلعِ فذهبتِ الهادويةُ وجمهورُ العلماءِ إلى أنهُ طلاقٌ

стр. 1723

وحجَّتُهم أنهُ لفظٌ لا يملكُه إلَّا الزوجَ، فكانَ طلاقًا ولو كانَ فَسْخًا لما جازَ على غيرِ الصداقِ كالإقالةِ وهوَ يجوزُ عندَ الجمهورِ بما قلَّ أوْ كَثُرَ فدلَّ أنهُ طلاقٌ. وذهبَ ابنُ عباسٍ وآخرونَ إلى أنهُ فسْخٌ، وهوَ مشهورُ مذهبِ أحمدَ ويدلُّ لهُ أنهُ ﷺ أمرَها أن تعتدَّ بحيضةٍ (١) قالَ الخطابي: في هذا أقْوى دليلٍ لمنْ قالَ أن الخلْعَ فَسْخٌ وليسَ بطلاقٍ، إذْ لو كانَ طَلَاقًا لم يكتفِ بحيضةٍ للعدَّةِ، واستدلَّ القائلُ بأنَّهُ فسخٌ بأنهُ تعالى ذكرَ في كتابهِ الطلاقَ فقالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) ثم ذكر الافتداءَ ثم قالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣)، فلوْ كانَ الافتداءُ طَلَاقًا لكانَ الطلاقُ الذي لا تحلُّ لهُ إلا منْ بعدِ زوجٍ هوَ الطلاقُ الرابعُ وهذا الاستدلالُ مرويٌّ عن ابن عباسٍ؛ فإنهُ سألهُ رجلٌ طلَّقَ امرأته طلقَتْينِ ثمَّ اخْتَلَعَهَا قالَ: نعمْ ينكحُها فإنَّ الخلعَ ليسَ بطلاقٍ، ذكرَ اللَّهُ الطلاقَ في أولِ الآيةِ وآخرِها والخلعُ فيما بينَ ذلكَ فليسَ الخلعُ بشيءٍ، ثمَّ قالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، ثمَّ قرأَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٣). وقدْ قررْنا أنهُ ليسَ بطلاقٍ في "منحة الغفارِ" (٤) حاشيةِ "ضوءِ النهارِ" ووضَّحْنا هناكَ الأدلةَ وبسطْناها فيه، ثمَّ مَنْ قالَ إنهُ طلاقٌ يقولُ إنهُ طلاقٌ بائنٌ لأنهُ لو كانَ للزوجِ الرجعةُ لم يكنْ للافتداءِ بها فائدةٌ، وللفقهاءِ أبحاثٌ طويلةٌ وفروعٌ كثيرةٌ في الكتبِ الفقهيةِ فيما يتعلَّقُ بالخلْعِ، ومقصودُنا شرحُ ما دلَّ له الحديثُ على أنهُ قدْ زِدْنا ذلكَ ما يحتاجُ إليهِ. ٢/ ١٠٠٥ - وَفي روَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ عِنْدَ ابْنِ

стр. 1724

مَاجَهْ (١): أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ كَانَ دَمِيمًا، وَأَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: لَوْلَا مَخَافَةُ اللهِ إِذَا دَخَلَ عَلَيَّ لَبَصَقْتُ في وَجْهِهِ. [ضعيف] (وفي روايةِ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه عندَ ابن ماجهْ أن ثابتَ بنَ قيسٍ كانَ دميمًا وأن امرأتَه قالتْ: لولا مخافة اللهِ إذا دخلَ علي لبصقت في وجْهِهِ)، وفي روايةٍ (٢) عن ابن عباسٍ أن امرأةَ ثابتٍ أتتْ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ لا يجتمعُ رأسي ورأسُ ثابتٍ أبدًا، إني رفعتُ جانبَ الخباءِ فرأيتُه أقبلَ في عدةٍ وإذا هوَ أشدُّهم سوادًا وأقصرُهم قامةً وأقبحهُم وجْهًا" الحديثُ، فصرَّحَ الحديثُ بسببِ طلبِها الخلعَ وأبان. أول خلع في الإسلام ٣/ ١٠٠٦ - وَلأَحْمَدَ (٣) مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبي حَثْمَةَ: وَكَانَ ذلِكَ أَوّلَ خُلْعٍ في الإِسْلَامِ. [ضعيف] (ولأحمدَ منْ حديثِ سهلِ بن أبي حَثمةَ) بفتحِ الحاءِ المهملةِ فمثلثةٍ ساكنةٍ (وكانَ ذلكَ أولَ خلعٍ في الإسلامِ) أنهُ أولُ خلعٍ وقعَ في عصرِه ﷺ وقيلَ إنهُ وقعَ في الجاهليةِ وهوَ أن عامرَ بنَ الظَرِبِ، بفتحِ الظاءِ المعجمةِ وكسرِ الراءِ ثمَّ موحَّدَةٍ، زوَّجَ ابنته من ابن أخيهِ عامرِ بن الحارثِ فلما دخلتْ عليهِ نفرتْ منهُ فشكا إلى أبيْها فقالَ: لا أجمعُ عليكَ فراقَ أَهلِكَ ومالِكَ: وقدْ خلعتُها منكَ بما أعطيتَها. زعمَ بعض العلماء أن هذا كانَ أولَ خلعٍ في العربِ.

стр. 1725

[الكتاب التاسع] كتاب الطلاق هوَ لغةً: حَلُّ الوثاقِ، مشتقٌ منَ الإطلاقِ وهوَ الإرسالُ والتركُ، وفلانُ طَلْقُ اليدينِ بالخيرِ أي كثيرُ البذلِ والإرسالِ لهما بذلكَ. وفي الشرعِ: حل عقدةِ التزويجِ، قالَ إمامُ الحرمينِ: هوَ لفظٌ جاهلي وردَ الإسلامُ بتقريرِه. ١/ ١٠٠٧ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطلَاقُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ مَاجَهُ (٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٣)، وَرَجّحَ أَبُو حَاتِم إِرْسَالَهُ (٤) [ضعيف] (عن ابن عمرَ ﵄ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إن أبغضَ الحلالِ إلى اللهِ الطلاقُ. رواهُ أبو داودَ وابنُ ماجهْ وصحَّحَهُ الحاكم ورجَحَ أبو حاتمٍ إرسالَه)، وكذلك الدارقطنيُّ (٥) والبيهقي (٦) رجَّحا الإرسالَ. الحديثُ فيهِ دليل على أن في الحلالِ أشياءَ مبغوضة إلى اللَّهِ تعالى وأنَّ الطلاقَ أبغضُها، فيكون البغض مجازًا عنْ كونِه لا ثوابَ فيهِ ولا قُرْبَةَ في فعلِه. وَمثَّلَ بعضُ العلماءِ المبغوضَ منَ الحلالِ بالصلاةِ المكتوبةِ في غيرِ المسجدِ لغير عذرٍ. وفي الحديثِ دليل على أنهُ يحسنُ تجنبُ إيقاعِ الطلاقِ ما لم يجد عنهُ مندوحةً. وقدْ قسَّمَ بعضُ العلماءِ الطلاقَ إلى

стр. 1726

الأحكامِ الخمسةِ، فالحرامُ الطلاقُ البِدْعي، والمكروهُ الواقعُ لغير سببٍ معَ استقامةِ الحالِ، وهذا هوَ القِسْمُ المبغوضُ معَ حِلِّهِ. طلاق الحائض ٢/ ١٠٠٨ - وَعَنْ ابْن عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهيَ حَائِضٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتى تَطْهُرَ، ثُم تَحِيضَ، ثُم تَطْهُرَ، ثُمْ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] - وَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢): "مُرْهُ فَلْيرَاجِعْهَا، ثُمّ ليطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا". [صحيح] - وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ (٣): "وَحُسِبَتْ تَطْلِيقَةٌ". [صحيح] - وَفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم (٤) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أُرَاجِعَهَا ثُمّ أُمْسِكَهَا حَتى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمّ أُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ أُطَلِقَهَا قَبْلَ أَنْ أَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ عَصَيْتَ رَبّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ. [صحيح] - وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى (٥): قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَرَدَّهَا عَلَيّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا، وَقَالَ: "إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطلِّقْ أَوْ لِيمْسِكْ". [صحيح]

стр. 1727

(وعنِ ابن عمرَ ﵄ أنهُ طلَّقَ امرأتَه وهيَ حائضٌ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فسألَ عمرُ رسولَ اللهِ ﷺ عنْ ذلكَ فقالَ: مُرْهُ فليراجِعْها ثم ليمسكْها حتى تطهرَ ثم تحيضُ ثم تطهرَ ثمَ إنْ شاءَ أمسكَ بعدُ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قبلَ أنْ يمسَّ فتلكَ العدةُ التي أمرَ اللهُ أنْ تُطَلَّقَ لها النساءُ. متفقٌ عليهِ). في قوله: مُرْهُ فليراجعْها، دليل علَى أن الآمِرَ لابنِ عمرَ بالمراجعةِ النبيُّ ﷺ فإنَّ عمرَ مأمورٌ بالتبليغِ عن النبيّ ﷺ ابنهِ بأنهُ مأمورٌ بالمراجعةِ فهوَ نظيرُ قولِه تعالَى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١) فإنهُ ﷺ مأمورٌ بأنْ يأمرَنا بإقامةِ الصلاةِ فنحنُ مأمورونَ منَ اللَّهِ تعالَى، وابنُ عمرَ كذلكَ مأمورٌ منَ النبيِّ ﷺ فلا يُتَوَهَّمُ أن هذِه المسألةَ منْ بابِ مسألةِ هلِ الأمرُ بالأمرِ بالشيءِ أمرٌ بذلك الشيءِ، وإنَّما تلكَ المسألةُ مثلُ قولِه ﷺ : "مُرُوا أولادُكم بالصلاةِ لسبعٍ" (٢) الحديثَ لا مثلَ هذهِ. وإذا عرفتَ أنهُ مأمورٌ منهُ ﷺ بالمراجعةِ فهلِ الأمرُ للوجوبِ فتجبُ الرجعةُ أم لا؟ ذهبَ إلى الأولِ مالكٌ وهوَ روايةٌ عنْ أحمدَ، وصحَّحَ صاحبُ "الهدايةِ" (٣) منَ الحنفيةِ وجوبَها وهوَ قولُ داودَ، ودليلُهم الأمرُ بها، قالُوا: فإذا امتنعَ الرجلُ منْها أدَّبه الحاكمُ فإنْ أصرَّ على الامتناعِ ارتجعَ الحاكمُ عنهُ. وذهَبَ الجمهورُ إلى أنَّها مستحبةٌ فقطْ قالُوا: لأنَّ ابتداءَ النكاحِ لا يجبُ فاستدامتُه كذلكَ، فكانَ القياسُ قرينةً علَى أن الأمرَ للنُّدبِ وأُجِيْبَ بأنَّ الطلاقَ لما كانَ محرمًا في الحيضِ كانَ استدامةُ النكاحِ فيهِ واجبةً. وقولهِ: "حتَّى تطهرَ ثم تحيضَ ثُم تطهرَ" دليل على أنهُ لا يُطَلّقُ إلا في الطهرِ الثاني دونَ الأولِ. وقدْ ذهبَ إلى تحريم الطلاقِ فيهِ مالكٌ، وهو الأصحُّ عندَ الشافعيةِ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أن الانتظارَ إلى الطهرِ الثاني مندوبٌ وكذَا عنْ أحمدَ مستدلينَ بقولِه: (وفي روايةٍ لمسلمٍ) أي عن ابن عمرَ (مُرْهُ فليراجِعْهَا ثمَّ ليطلقْها طاهرًا أو حاملًا) فأُطْلِقَ الطهرَ ولأنَّ التحريمَ إنَّما كانَ لأجلِ الحيضِ فإذا زالَ زال موجبُ التحريمِ فجاز طلاقُها في هذا الطهرِ كما جازَ في الذي بعدَهُ،

стр. 1728

وكما يجوزُ في الطهرِ الذي لمْ يتقدم طلاقٌ في حيضته ولا يَخْفَى قربُ ما قَالُوه. وفي قولِه: "قبلَ أنْ يمسَّ" دليلٌ علَى أنهُ إذا طلَّقَ في الطهرِ بعدَ المسِّ فإنهُ طلاقٌ بِدْعِي محرَّمٌ وبهِ صرَّحَ الجمهورُ، وقالَ بعضُ المالكيةِ: إنهُ يُجْبَرُ على الرجعةِ فيهِ كما إذا طلقَ وهي حائضٌ. وفي قولِه: "ثم تطهرَ"، وقولِه: "طاهرًا" خلافٌ للفقهاءِ هلِ المرادُ بهِ انقطاعُ الدمِ أوْ لا بدَّ منَ الغُسْلِ؟ فعنْ أحمدَ روايتانِ الراجحُ أنهُ لا بدَّ منِ اعتبارِ الغُسلِ لما مرَّ في روايةِ النسائيِّ (١): "فإذا اغتسلتْ منْ حيضتِها الأخْرى فلا يمسَّها حتى يُطَلِقَها وإنْ شَاءَ أنْ يمسكَها أمسكَها"، وهوَ مفسِّرٌ لقولِه: طاهرًا، وقولِه: ثمَّ تطهرُ. وقولِه: "فتلك العدةُ التي أمرَ اللَّهُ أنْ تطلَّقَ لها النساءُ" أي أَذِنَ في قولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢). وفي روايةِ مسلمٍ (٣) قالَ ابنُ عمرَ: وقرأَ النبيُّ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الآيةَ. وفي الحديثِ دليل على أن الأقراءَ الأطهارَ للأمْرِ بطلاقِها في الطهرِ، وقولِه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢) أي وقتَ ابتداءِ عدتهنَّ، وفي قولِه: أو حاملًا، دليل على أن طلاقَ الحاملِ سنيٌّ وإليهِ ذهبَ الجمهورُ. وإذا عرفتَ أن الطلاقَ البدعيَّ منهيٌّ عنهُ محرَّمٌ فقدِ اختُلِفَ فيهِ هلْ يقعُ ويُعْتَدُّ بهِ أمْ لا يقعُ؟ فقالَ الجمهورُ: يقعُ، مستدلينَ بقولِه في هذَا الحديثِ: (وفي أُخْرى) أي في روايةٍ أُخْرى (للبخاريِّ: وحُسِبَتْ تطليقةٌ) وهوَ بضمِّ الحاء المهملةِ مبني للمجهولِ منَ الحسابِ، والمرادُ جَعْلُها واحدةً منَ الثلاثِ التطليقاتِ التي [ملكها] (٤) الزوجُ ولكنَّهُ لم يصرحْ بالفاعلِ هنا؟ فإنْ كانَ الفاعلُ ابنَ عمرَ فلا حجةَ فيهِ وإنْ كانَ النبيُّ ﷺ فهوَ الحجةُ إلَّا أنهُ قدْ صرَّحَ بالفاعلِ في غيرِ هذهِ الروايةِ كما في مسندِ ابن وهبٍ بلفظِ وزادَ ابنُ أبي ذئبٍ في الحديثِ: "عن النبيِّ ﷺ وهي واحدةٌ"، وأخرجَهُ الدارقطني (٥) منْ حديثِ ابن أبي ذئبٍ وابنِ إسحاقَ جميعًا عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ : "قالَ هيَ واحدةٌ". وقدْ وردَ

стр. 1729

أن الحاسبَ لها هوَ النبيُّ ﷺ منْ طُرُقٍ يقوِّي بعضُها بعضًا، (وفي روايةٍ لمسلمٍ: قالَ ابنُ عمرَ) أي لمَّا سألَه سائلٌ (أمَّا أنتَ طلَّقْتَها واحدةً أوِ اثنتينِ فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمرني أنْ أراجِعَها ثم أمسكَها حتَّى تحيضَ حيضةً أخرى [أي الحديث] (١)، وأما أنتَ طلقتَها تلاثًا فقدْ عصيتَ رَبَّكَ فيما أمركَ بهِ منْ طلاقِ امرأتِك) دال على تحريمِ الطلاقِ في الحيضِ، وقدْ يدلُ قولُه: "أمرني أن أراجِعَها" على وقوعِ الطلاقِ إذِ الرجعةُ فرعُ الوقوع وفيهِ بحثٌ. وخالفَه فيهِ طاوسُ والخوارجُ والروافضُ وحكاهُ في "البحر" (٢) عن الباقرِ [والصادقِ] (٣) والناصرِ قالُوا: لا يقعُ شيءٌ، ونصرَ هذا القولَ ابنُ حزمٍ (٤) ورجَّحَهُ ابنُ تيميةَ (٥) وابنُ القيمِ (٦) واستدلُّوا بقولِه: (وفي روايةٍ أُخْرى) أَي لمسلمٍ عن ابن عمرَ (قالَ عبدُ اللَّهِ بن عمرَ: فردَّها عليَّ ولم يَرَهَا شيئًا وقالَ: إذا طَهُرَتْ فليطلقْ أو ليمسكْ)، ومثلُه في روايةِ أبي داودَ: فردَّها عليَّ ولمْ يَرَها شيئًا وإسنادُه على شرطِ الصحيحِ. إلَّا أنهُ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ في قولِه: "ولم يرَها شيئًا" منكرٌ لم يقلْه غيرُ أبي الزبيرِ وليسَ بحجةٍ فيما خالَفه فيهِ مِثلُه فكيفَ [من] (٧) هوَ أثبتُ منهُ؟ ولو صحَّ لكانَ معناهَا واللَّهُ أعلمُ: ولمْ يَرَها شيئًا مستقيمًا لكونِها لم تقعْ على السنةِ. وقالَ الخطابي (٨): قالَ أهلُ الحديثِ لم يروِ أبو الزبيرِ حديثًا أنكرَ منْ هذا ويحتملُ أن معناها لم يرَها شيئًا تحرمُ [معها] (٩) المراجعةُ، أو لم يَرَها شيئًا جائزًا في السنةِ ماضيًا في الاختيارِ وإنْ كانَ لازمًا لهُ. ونقلَ البيهقي في "المعرفة" (١٠) عن الشافعيِّ أنهُ ذكرَ روايةَ أبي الزبيرِ فقالَ نافعٌ: أثْبَتُ منْ أبي الزبيرِ والأثبتُ منَ الحديثيْنِ أَوْلَى أَنْ يؤخذَ بهِ إذا تَخَالَفَا. وقدْ وافقَ نافعًا غيرُه منْ أهلِ التثبتِ.

стр. 1730

قالوا: وحملَ قولَه ولم يَرَهَا شيئًا على أنهُ لم يعدْها شيئًا صوابًا غيرَ خطأ بلْ يؤمرُ صاحبُه ألا يقيمَ عليهِ لأنهُ أمرهُ بالمراجعةِ، ولوْ كانَ طلَّقَهَا طَاهِرًا لم يؤمرْ بذلكَ فهوَ كما يُقَالُ للرجلِ إذا أخطأ في فعلِهِ أو أخطأَ في جوابه إنهُ لم يصنعْ شيئًا أي لم يصنعْ شيئًا صوابًا. وقدْ أطالَ ابنُ القيمِ في "الهدي" (١) الكلامَ على نصْرةِ عدمِ الوقوعِ لكنْ بعدَ ثبوتِ أنهُ ﷺ حَسَبَهَا تطليقة تطيحُ كلُّ عبارةٍ ويضيعُ كلُّ صنيعٍ. وقدْ كنَّا نفتي بعدمِ الوقوعِ وكتبْنا فيهِ رسالةً وتوقَّفْنَا مدةً ثمَّ رأينا وقوعَه. تنبيهٌ: ثمَّ إنهُ قَوِيَ عندي ما كنتُ أفتي بهِ أولًا منْ عدمِ الوقوعِ لأدلةٍ قويةٍ سُقْتُها في رسالةٍ سمَّيْنَاها الدليلَ الشرعيَّ في عدمِ وقعِ الطلاقِ البِدْعيِّ. ومنَ الأدلةِ أنهُ منسوبٌ، ومسمَّى النسبة إلى البدعةِ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، والضلالةُ لا تدخلُ في نفوذِ حكمٍ شرعيٍّ ولا يقعُ بها بلْ هيَ باطلةٌ؛ ولأنَّ الرواةَ لحديثِ ابن عمرَ اتفقُوا على أن المسندَ المرفوعَ في هذا الحديثِ غيرُ مذكورٍ فيهِ أن النبيَّ ﷺ حسبَ تلكَ التطليقةَ على ابن عمرَ ولا قالَ لهُ قدْ وقعتْ، ولا رواهُ ابنُ عمرَ مرفوعًا. بلْ في صحيحِ مسلمٍ (٢) ما دلَّ على أن وقوعَها إنَّما هوَ رأيٌ لابنِ عمرَ وأنهُ سُئِلَ عنْ ذلكَ فقالَ: "وما لي لا أعتدُّ بها وإنْ كنتُ قدْ عجزتُ واستحمقتُ"، وهذا يدلُّ علَى أنهُ لا يعلمُ في ذلكَ نصًا نبويًا لأنهُ لو كانَ عندَه لم يتركْ روايتَه ويتعلقْ بهذِه العلةِ العليلةِ فإنَّ العجزَ والحَمَقَ لا مدخلَ لهما في صحةِ الطلاقِ، ولوْ كانَ عندَه نصٌّ نبويٌّ لقالَ وما لي لا أعتدُّ بها وقدْ أمرني رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أعتدَّ بها. وقدْ صرَّحَ الإمامُ الكبيرُ محمدُ بنُ إبراهيمَ الوزيرِ بأنهُ قدِ اتفقَ الرواة على عدمِ رفْعِ الوقوعِ في الروايةِ إليهِ ﷺ ، وقد ساقَ السيدُ محمدُ ﵀ سِتَّ عشْرةَ حُجَّةً على عَدَمِ وقوعِ الطلاقِ البِدْعِيِّ ولخَّصْنَاها في رِسَالَتِنَا المذكورةِ، وبعدَ هذا تعرفُ رجوعَنا عما هُنا فلْيُلْحقْ هذا في نُسَخِ سبلِ السلامِ. وأمَّا الاستدلالُ على الوقوعِ بقولِه: فلْيراجِعْها، ولا رجعةَ إلَّا بعدَ طلاقٍ، فهوَ غيرُ ناهضٍ لأنَّ الرجعةَ المقيدةَ بِبُعْدِ الطلاقِ عُرْفٌ شرعيٌّ متأخرٌ إذْ هيَ لغةٌ أعمُّ منْ ذلكَ. ودلَّ الحديثُ على تحريمِ الطلاقِ في الحيضِ وبأنَّ الرجعةَ يستقلُّ بها الزوجُ منْ دونِ رضا المرأةِ والوليِّ لأنهُ جُعِلَ ذلكَ إليهِ، ولقولِه تعالَى:

стр. 1731

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١) وبأنَّ الحاملَ لا تحيضُ لقولِهِ: طاهرًا أو حاملًا، فدلَّ على أنَّها لا تحيضُ لإطلاقِ الطلاقِ فيهِ. وأُجِيْبَ بأنَّ حيضَ الحاملِ لما لمْ يكن لهُ أثرٌ في تطويلِ العِدَّةِ لم يعتبرْ لأنَّ عَدَّتَها بوضعِ الحملِ وأنَّ الأقراءَ في العدةِ هي الأطهارُ. قالَ الغزاليُّ: ويُسْتَثْنَى منْ تحريمِ طلاقِ الحائضِ طلاقُ المخالعةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يستفصلْ حالَ امرأةِ ثابتٍ هلْ هيَ طاهرةٌ أو حائضٌ معَ أَمْرِهِ له بالطلاقِ، والشافعي يذهبُ إلى أن تركَ الاستفصالِ في مقامِ الاحتمالِ يُنْزَلُ منزلةِ العمومِ في المقالِ. طلاق الثلاث بلفظ واحد ٣/ ١٠٠٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَهِ عُمَرَ طَلَاقَ الثَّلَاثِ وَاحِدَة، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا في أَمْرٍ كَانَتْ لَهُم فيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ؟ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: كانَ الطلاق علي عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ وسنتينِ منْ خلافةِ عمرَ طلاقَ الثلاثِ واحدةً، فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ: إنَّ الناسَ قد اسْتعجَلوا في أمرٍ [كان] (٣) لهم فيهِ أناةٌ) بفتحِ الهمزةِ أي مهلةٌ (فلوْ أمضيناهُ عليهمْ، فأمضاهُ عليهمْ. رواهُ مسلمٌ). الحديثُ ثابتٌ منْ طُرُقٍ عن ابن عباسٍ ﵁، وقدِ استشكلَ أنهُ كيفَ يصحُّ منْ عمرَ مخالفةَ ما كانَ في عصرِهِ ﷺ ثمَّ في عصرِ أبي بكرٍ ثمَّ في أولِ أيامِه؟ وظاهِرُ كلامِ ابن عباس أنهُ كانَ الإجماعُ على ذلكَ، وأُجِيْبَ عنهُ بستةِ أجوبةٍ:

стр. 1732

الأولُ: أنهُ كانَ الحكمُ كذلكَ ثمَّ نُسِخَ في عصرِه ﷺ . فقدْ أخرجَ أبو داودَ (١) منْ طريقِ يزيدَ النَّحْوِيِّ عنْ عكرمةَ عن ابن عباسٍ قالَ: "كانَ الرجلُ إذا طلَّقَ امرأتَه فهوَ أحقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طلَّقها ثلاثًا، فَنُسِخَ ذلكَ" اهـ. إلَّا أنهُ لم يشتهرِ النسخُ فبقي الحكمُ المنسوخُ معمولًا بهِ إلى أنْ أنكرَهُ عمرُ. قلت: إنْ ثبتتْ روايةُ النسخِ فذاكَ، وإلا فإنهُ يُضَعِّفُ هذَا قولُ عمرَ إن الناسَ قدِ استعجلُوا في أمرٍ كانتْ لهمْ فيهِ أناةٌ إلخ؛ فإنهُ واضحٌ في أنهُ رَأْيٌ مَحْضٌ لا سُنَّةَ فيهِ، وما في بعضِ ألفاظِه عندَ مسلمٍ (٢) أنهُ قالَ ابنُ عباسٍ لأبي الصهباءِ: "لما تتابعَ الناسُ في الطلاقِ في عهدِ عمرَ فأجازَهُ عليهمْ". ثانيها: أن حديثَ ابن عباسٍ هذا مضطربٌ. قالَ القرطبي: في شرحِ مسلمٍ وقعَ فيهِ معَ الاختلافِ على ابن عباسٍ الاضطرابُ في لفظهِ، فظاهرُ سياقِهِ أن هذَا الحكمَ منقولٌ عنْ جميعِ أهلِ ذلكَ العصرِ والعادةُ تقتضي أنْ يظهرَ ذلكَ وينتشرَ ولا ينفردَ بهِ ابنُ عباسٍ، فهذا يقتضي التوقفَ عن العملِ بظاهرهِ إذا لم يقتضِ القطعُ ببطلانِه اهـ. قلتُ: وهذا مجردُ استبعادٍ فإنهُ كمْ منْ سُنَّةٍ وحادثةٍ انفردَ بها راوٍ ولا يضرُّ سِيَّما مثلُ ابن عباسٍ بحرِ الأمةِ. ويؤيدُ ما قالَه ابنُ عباسٍ من أنَّها كانتِ الثلاثُ واحدةَ ما يأتي منْ حديثِ أبي ركانةَ (٣) وإنْ كانَ فيهِ كلامٌ وسيأتي. الثالثُ: أن هذا الحديثَ وردَ في صورةٍ خاصةٍ هيَ قولُ المطلِّق: أنت طالق أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، وذلكَ أنهُ كانَ في عصرِ النبوةِ وما بعدَه وكانَ حالُ الناسِ [محمولًا] (٤) على السلامةِ والصدقِ فيقبلُ قولُ منِ ادَّعَى أن اللفظَ الثاني تأكيدٌ للأولِ لا تأسيسُ طلاقِ آخرَ [و] (٥) يصدَّقُ في دعواهُ. فلمَّا رَأَى عمرُ تَغَيُّرَ أحوالِ الناسِ وغلبة الدعاوَى الباطلةِ رأى منَ المصلحةِ أن يُجْرَى المتكلِّمُ على ظاهرِ

стр. 1733

[كلامه] (١) ولا يصدَّقُ في دَعْوى ضميرِه، وهذا الجوابُ ارتضاهُ القرطبيُّ. قالَ النوويُّ (٢): هو أصحُّ الأجوبةِ. قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ تقريرٌ لكونِ نَهْي عمرَ رأيًا محضًا ومعَ ذلكَ فالناسُ مختلفونَ في كل عصرٍ فيهمُ الصادقُ والكاذبُ، وما يُعْرَفُ ما في ضميرِ الإنسانِ إلَّا منْ كلامِه فَيُقْبَلُ قولُه وإنْ كانَ مُبْطَلًا في نفسِ الأمرِ فَيُحْكَمُ بالظاهرِ واللَّهُ يتولى السرائرَ، معَ أن ظاهرَ قولِ ابن عباسٍ طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ أنهُ كانَ ذلكَ بأي عبارةٍ وقعتْ. الرابعُ: أن معنَى قولِه: كانَ الطلاقُ الثلاثِ واحدةً، أن الطلاقَ الذي كانَ يوقعُ في عهدِه ﷺ وعهدِ أبي بكرٍ إنَّما كانَ يوقعُ في الغالبِ واحدةً لا يوقعُ ثلاثًا، فمرادُه أن هذا الطلاقَ الذي يوقعون ثلاثًا كانَ يوقعُ في ذلكَ العهدِ واحدةً [ويكون] (٣) قولُه فلو أمضيناهُ عليهمْ بمعنَى لو أجْريناهُ على حكمِ ما شُرعَ منْ وقوعِ الثلاثِ. وهذَا الجوابُ يتنزلُ على قولِه: استعجلُوا في أمرٍ كان لهم فيهِ أناةٌ، تنزلًا قريبًا منْ غيرِ تكلُّفٍ، ويكونُ معناهُ الإخبارُ عن اختلافِ عاداتِ الناسِ في إيقاعِ الطلاقِ لا في وقوعِه فالحكمُ متقررٌ. وقدْ رجَّحَ هذا التأويلَ ابنُ العربيِّ ونسَبَهُ إلى أبي زرعةَ. وكذا البيهقيُّ (٤) أخرجَهُ عنهُ قال: معناهُ أن ما تطلقونَ أنتُم ثلاثًا كانُوا يطلقونَ واحدةً. قلتُ: وهذا يتمُّ إنِ اتفقَ على أنهُ لم يقعْ في عصرِ النبوةِ إرسالُ ثلاثِ تطليقاتٍ دُفْعَةً واحدةً. وحديثُ أبي ركانَةَ وغيرُه يدفعُه وينْبُو عنهُ قولُ عمرَ: فلوْ أمضيناهُ، فإنهُ ظاهرٌ في أنهُ لم يكنْ مضَى في ذلكَ العصرِ حتَّى رَأَى إمضاءَه، وهوَ دليلُ وقوعِه في عصرِ النبوةِ لكنَّه لمْ يمضِ فليسَ فيهِ أنهُ كانَ وقوعُ الثلاثِ دفعةً نادِرًا في ذلكَ العصرِ. الخامسُ: أن قولَ ابن عباسٍ كانَ طلاقُ الثلاثِ ليسَ لهُ حكمُ الرفعِ فهوَ موقوفٌ عليهِ، وهذَا الجوابُ ضعيفٌ لما تقرَّرَ في أصولِ الحديثِ وأصولِ الفقهِ أنْ "كنَّا نفعلُ"، و"كانُوا يفعلونَ" لهُ حكمُ الرفعِ.

стр. 1734

السادسُ: أنهُ أُرِيْدَ بقولِه طلاقَ الثلاثَ واحدةً هوَ لفظُ البتَة إذا قالَ: أنتِ طالقٌ البتةَ، وكما سيأتي في حديثِ ركانةَ. فكانَ إذا قالَ القائلُ ذلكَ قُبِلَ تفسيرِه بالواحدةِ وبالثلاثِ، فلما كانَ في عصرِ عمرَ لم يُقْبَلْ منهُ التفسيرُ بالواحدةِ، قيلَ وأشارَ إلى هذا البخاريُّ فإنهُ أدخلَ في هذا البابِ الآثارَ التي فيها البتةَ والأحاديثَ التي فيها التصريحُ بالثلاثِ كأنهُ يشيرُ إلى عدمِ الفرقِ بينَهما وأنَّ البتةَ إذا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ على الثلاثِ إلا إذا أرادَ المطلِّقُ واحدةً فيُقبلُ، فَرَوى بعضُ الرواةِ البتةَ بلفظِ الثلاثِ يريدُ أن أصلَ حديثِ ابن عباسٍ ﵁ كانَ طلاقُ البتةَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وعهدِ أبي بكرِ إلى آخرِه. قلتُ: ولا يخْفَى بُعْدُ هذا التأويلِ وتوهيمُ الراوي في التبديلِ، ويبعدُه أن الطلاقَ بلفظِ البتةَ في غايةِ الندورِ فلا يحملُ عليهِ ما وقعَ، كيفَ وقولُ عمرَ: قدِ استعجلُوا في أمرٍ كان لهم فيه أناةٌ، يدلُّ أن ذلكَ واقعٌ أيضًا في عصرِ النبوةِ، والأقربُ أن هذا رأيٌ منْ عمرَ رجح له كما مَنعَ منْ [متعة] (١) الحجِّ وغيرِها. وكلُّ [واحد] (٢) يؤخذْ منْ قولِه ويتركُ غيرُ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وكونُه خالفَ ما كانَ على عهدِه ﷺ فهوَ نظيرُ متعةِ الحجِّ بلا ريبٍ، والتكلفاتُ في الأجوبةِ ليوافقَ ما ثبتَ في عصرِ النبوةِ لا يليق، فقدْ ثبتَ عنْ عمرَ اجتهاداتٌ يعسرُ تطبيقُها على ذلكَ، نعمْ إذا أمكنَ التطبيقُ على وجْهٍ صحيحٍ فهوَ المرادُ. ٤/ ١٠١٠ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْن لَبيدٍ ﵁ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: "أَيُلْعَبُ بكِتَاب اللَّهِ وَأَنَا بَينَ أَظْهُرِكُمْ"؟ حَتى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٣) وَرُوَاتُهُ مُوَثقُونَ. [ضعيف] (وعنْ محمودِ بن لبيدٍ ﵁) (٤) ابن أبي رافعٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ، ولدَ على

стр. 1735

عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وحدَّثَ عنهُ أحاديثَ، قالَ البخاري: لهُ صحبةٌ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا نعرفُ له صحبةً، وذكرَهُ مسلمٌ في التابعينَ، وكانَ منَ العلماءِ. ماتَ سنةَ ستٍ وتسعينَ. وقدْ تَرْجَمَ لهُ أحمدُ في مسندِهِ وأخرجَ لهُ أحاديثَ ليسَ فيها شيءٌ صرَّحَ فيهِ بالسماع، (قالَ: أخبرَ النبيُّ ﷺ عنْ رجلٍ طلَّقَ امرأتَه ثلاثَ تطليقاتٍ جميعًا فقامَ غضبانَ ثمَّ قالَ: أَيُلْعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بينَ أظْهُرِكُمْ؟ حتَّى قامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أقتلُه. رواهُ النسائيُّ ورواتُه مَوَثَّقُونَ). الحديثُ دليلٌ على أن جَمْعَ الثلاثِ التطليقاتِ بدعةٌ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ الهادوية وأبو حنيفةَ ومالكٌ إلى أنهُ بدعةٌ. وذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ والإمامُ يحيى إلى أنهُ ليسَ ببدعةٍ ولا مكروهٍ. واستدلَّ الأولونَ بغضبِهِ ﷺ وبقولِه أَيُلْعَبُ بكتابِ اللَّهِ؟ وبما أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ (١) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ أن عمرَ كانَ إذا أُتِيَ برجل طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا أَوْجَعَ ظهرَه ضَرْبًا، وكأنهُ أخذَ عمر تحْريمَهُ منْ قولِه ﷺ : "أيلعبُ بكتابِ اللَّهِ". استدلَّ الآخرونَ بقولهِ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، وبقولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) وبما يأتي في حديثِ اللِّعانِ (٤) أنهُ طلَّقها الزوجُ ثلاثًا بحضرتهِ ﷺ ولم ينكرْ عليهِ. واجِيْبَ بأنَّ الآيتينَ مُطْلَقَتَانِ، والحديثُ صريحٌ بتحريمِ الثلاثِ فَتُقَيَّدُ بهِ الآيتانِ، وبأنَّ طلاقَ الملاعنِ لزوجتهِ ليسَ طلاقًا في محلِه؛ لأنَّها بانتْ بمجردِ اللعانِ كما يأتي. واعلمْ أن حديثَ محمودٍ لمْ يكنْ فيه دليلٌ على أنهُ ﷺ أمْضَى عليهِ الثلاثَ أوْ جعلَها واحدة، وإنَّما ذكرهُ المصنفُ [إخبارًا] (٥) بأنَّها قد وقعتِ التطليقاتُ الثلاثُ في عصرِه ﷺ . ٥/ ١٠١١ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: طَلَّقَ أَبو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَاجعِ امْرَأَتَكَ"، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦). [حسن]

стр. 1736

- وَفي لَفْظٍ لأَحْمَدَ (١): طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنها وَاحِدَةٌ" وَفي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفيه مَقَالٌ. [حسن] - وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ (٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ . [ضعيف] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: طلَّقَ أبو ركانةَ) بضمّ الراءِ وبعدَ الألفِ نونٌ (أمَّ ركانةَ، فقالَ له النبيُّ ﷺ : راجعِ امرأتَكَ، فقالَ: إني طلقتُها ثلاثًا، قالَ: قدْ علمتُ راجِعْها، رواهُ أبو داودَ. وفي لفظِ أحمدَ) أي عن ابن عباسٍ: (طلَّقَ ركانة امرأتَه في مجلسٍ واحدٍ ثلاثًا فحزنَ عليها فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : [راجعها] (٣) فإنَّها واحدةٌ. وفي سندِهِما) أي حديثِ أبي داودَ وحديثِ أحمدَ (ابنُ إسحاقَ) أي محمدٌ صاحبُ السيرةِ (وفيهِ مقالٌ)، قدْ حقَّقْنَا في "ثمراتِ النظرِ في علمِ أهلِ الأثرِ" (٤) وفي "إرشادِ النقادِ إلى تيسيرِ الاجتهادِ" (٥) عدَمَ صحةِ القدحِ بما يجرحُ روايتَه (وقدْ روى
следующие страницы →