← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1732–1771 · переход к 1737.

стр. 1732

الأولُ: أنهُ كانَ الحكمُ كذلكَ ثمَّ نُسِخَ في عصرِه ﷺ . فقدْ أخرجَ أبو داودَ (١) منْ طريقِ يزيدَ النَّحْوِيِّ عنْ عكرمةَ عن ابن عباسٍ قالَ: "كانَ الرجلُ إذا طلَّقَ امرأتَه فهوَ أحقُّ بِرَجْعَتِها وإنْ طلَّقها ثلاثًا، فَنُسِخَ ذلكَ" اهـ. إلَّا أنهُ لم يشتهرِ النسخُ فبقي الحكمُ المنسوخُ معمولًا بهِ إلى أنْ أنكرَهُ عمرُ. قلت: إنْ ثبتتْ روايةُ النسخِ فذاكَ، وإلا فإنهُ يُضَعِّفُ هذَا قولُ عمرَ إن الناسَ قدِ استعجلُوا في أمرٍ كانتْ لهمْ فيهِ أناةٌ إلخ؛ فإنهُ واضحٌ في أنهُ رَأْيٌ مَحْضٌ لا سُنَّةَ فيهِ، وما في بعضِ ألفاظِه عندَ مسلمٍ (٢) أنهُ قالَ ابنُ عباسٍ لأبي الصهباءِ: "لما تتابعَ الناسُ في الطلاقِ في عهدِ عمرَ فأجازَهُ عليهمْ". ثانيها: أن حديثَ ابن عباسٍ هذا مضطربٌ. قالَ القرطبي: في شرحِ مسلمٍ وقعَ فيهِ معَ الاختلافِ على ابن عباسٍ الاضطرابُ في لفظهِ، فظاهرُ سياقِهِ أن هذَا الحكمَ منقولٌ عنْ جميعِ أهلِ ذلكَ العصرِ والعادةُ تقتضي أنْ يظهرَ ذلكَ وينتشرَ ولا ينفردَ بهِ ابنُ عباسٍ، فهذا يقتضي التوقفَ عن العملِ بظاهرهِ إذا لم يقتضِ القطعُ ببطلانِه اهـ. قلتُ: وهذا مجردُ استبعادٍ فإنهُ كمْ منْ سُنَّةٍ وحادثةٍ انفردَ بها راوٍ ولا يضرُّ سِيَّما مثلُ ابن عباسٍ بحرِ الأمةِ. ويؤيدُ ما قالَه ابنُ عباسٍ من أنَّها كانتِ الثلاثُ واحدةَ ما يأتي منْ حديثِ أبي ركانةَ (٣) وإنْ كانَ فيهِ كلامٌ وسيأتي. الثالثُ: أن هذا الحديثَ وردَ في صورةٍ خاصةٍ هيَ قولُ المطلِّق: أنت طالق أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ، وذلكَ أنهُ كانَ في عصرِ النبوةِ وما بعدَه وكانَ حالُ الناسِ [محمولًا] (٤) على السلامةِ والصدقِ فيقبلُ قولُ منِ ادَّعَى أن اللفظَ الثاني تأكيدٌ للأولِ لا تأسيسُ طلاقِ آخرَ [و] (٥) يصدَّقُ في دعواهُ. فلمَّا رَأَى عمرُ تَغَيُّرَ أحوالِ الناسِ وغلبة الدعاوَى الباطلةِ رأى منَ المصلحةِ أن يُجْرَى المتكلِّمُ على ظاهرِ

стр. 1733

[كلامه] (١) ولا يصدَّقُ في دَعْوى ضميرِه، وهذا الجوابُ ارتضاهُ القرطبيُّ. قالَ النوويُّ (٢): هو أصحُّ الأجوبةِ. قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ تقريرٌ لكونِ نَهْي عمرَ رأيًا محضًا ومعَ ذلكَ فالناسُ مختلفونَ في كل عصرٍ فيهمُ الصادقُ والكاذبُ، وما يُعْرَفُ ما في ضميرِ الإنسانِ إلَّا منْ كلامِه فَيُقْبَلُ قولُه وإنْ كانَ مُبْطَلًا في نفسِ الأمرِ فَيُحْكَمُ بالظاهرِ واللَّهُ يتولى السرائرَ، معَ أن ظاهرَ قولِ ابن عباسٍ طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ أنهُ كانَ ذلكَ بأي عبارةٍ وقعتْ. الرابعُ: أن معنَى قولِه: كانَ الطلاقُ الثلاثِ واحدةً، أن الطلاقَ الذي كانَ يوقعُ في عهدِه ﷺ وعهدِ أبي بكرٍ إنَّما كانَ يوقعُ في الغالبِ واحدةً لا يوقعُ ثلاثًا، فمرادُه أن هذا الطلاقَ الذي يوقعون ثلاثًا كانَ يوقعُ في ذلكَ العهدِ واحدةً [ويكون] (٣) قولُه فلو أمضيناهُ عليهمْ بمعنَى لو أجْريناهُ على حكمِ ما شُرعَ منْ وقوعِ الثلاثِ. وهذَا الجوابُ يتنزلُ على قولِه: استعجلُوا في أمرٍ كان لهم فيهِ أناةٌ، تنزلًا قريبًا منْ غيرِ تكلُّفٍ، ويكونُ معناهُ الإخبارُ عن اختلافِ عاداتِ الناسِ في إيقاعِ الطلاقِ لا في وقوعِه فالحكمُ متقررٌ. وقدْ رجَّحَ هذا التأويلَ ابنُ العربيِّ ونسَبَهُ إلى أبي زرعةَ. وكذا البيهقيُّ (٤) أخرجَهُ عنهُ قال: معناهُ أن ما تطلقونَ أنتُم ثلاثًا كانُوا يطلقونَ واحدةً. قلتُ: وهذا يتمُّ إنِ اتفقَ على أنهُ لم يقعْ في عصرِ النبوةِ إرسالُ ثلاثِ تطليقاتٍ دُفْعَةً واحدةً. وحديثُ أبي ركانَةَ وغيرُه يدفعُه وينْبُو عنهُ قولُ عمرَ: فلوْ أمضيناهُ، فإنهُ ظاهرٌ في أنهُ لم يكنْ مضَى في ذلكَ العصرِ حتَّى رَأَى إمضاءَه، وهوَ دليلُ وقوعِه في عصرِ النبوةِ لكنَّه لمْ يمضِ فليسَ فيهِ أنهُ كانَ وقوعُ الثلاثِ دفعةً نادِرًا في ذلكَ العصرِ. الخامسُ: أن قولَ ابن عباسٍ كانَ طلاقُ الثلاثِ ليسَ لهُ حكمُ الرفعِ فهوَ موقوفٌ عليهِ، وهذَا الجوابُ ضعيفٌ لما تقرَّرَ في أصولِ الحديثِ وأصولِ الفقهِ أنْ "كنَّا نفعلُ"، و"كانُوا يفعلونَ" لهُ حكمُ الرفعِ.

стр. 1734

السادسُ: أنهُ أُرِيْدَ بقولِه طلاقَ الثلاثَ واحدةً هوَ لفظُ البتَة إذا قالَ: أنتِ طالقٌ البتةَ، وكما سيأتي في حديثِ ركانةَ. فكانَ إذا قالَ القائلُ ذلكَ قُبِلَ تفسيرِه بالواحدةِ وبالثلاثِ، فلما كانَ في عصرِ عمرَ لم يُقْبَلْ منهُ التفسيرُ بالواحدةِ، قيلَ وأشارَ إلى هذا البخاريُّ فإنهُ أدخلَ في هذا البابِ الآثارَ التي فيها البتةَ والأحاديثَ التي فيها التصريحُ بالثلاثِ كأنهُ يشيرُ إلى عدمِ الفرقِ بينَهما وأنَّ البتةَ إذا أُطْلِقَتْ حُمِلَتْ على الثلاثِ إلا إذا أرادَ المطلِّقُ واحدةً فيُقبلُ، فَرَوى بعضُ الرواةِ البتةَ بلفظِ الثلاثِ يريدُ أن أصلَ حديثِ ابن عباسٍ ﵁ كانَ طلاقُ البتةَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وعهدِ أبي بكرِ إلى آخرِه. قلتُ: ولا يخْفَى بُعْدُ هذا التأويلِ وتوهيمُ الراوي في التبديلِ، ويبعدُه أن الطلاقَ بلفظِ البتةَ في غايةِ الندورِ فلا يحملُ عليهِ ما وقعَ، كيفَ وقولُ عمرَ: قدِ استعجلُوا في أمرٍ كان لهم فيه أناةٌ، يدلُّ أن ذلكَ واقعٌ أيضًا في عصرِ النبوةِ، والأقربُ أن هذا رأيٌ منْ عمرَ رجح له كما مَنعَ منْ [متعة] (١) الحجِّ وغيرِها. وكلُّ [واحد] (٢) يؤخذْ منْ قولِه ويتركُ غيرُ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وكونُه خالفَ ما كانَ على عهدِه ﷺ فهوَ نظيرُ متعةِ الحجِّ بلا ريبٍ، والتكلفاتُ في الأجوبةِ ليوافقَ ما ثبتَ في عصرِ النبوةِ لا يليق، فقدْ ثبتَ عنْ عمرَ اجتهاداتٌ يعسرُ تطبيقُها على ذلكَ، نعمْ إذا أمكنَ التطبيقُ على وجْهٍ صحيحٍ فهوَ المرادُ. ٤/ ١٠١٠ - وَعَنْ مَحْمُودِ بْن لَبيدٍ ﵁ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: "أَيُلْعَبُ بكِتَاب اللَّهِ وَأَنَا بَينَ أَظْهُرِكُمْ"؟ حَتى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (٣) وَرُوَاتُهُ مُوَثقُونَ. [ضعيف] (وعنْ محمودِ بن لبيدٍ ﵁) (٤) ابن أبي رافعٍ الأنصاريِّ الأشهليِّ، ولدَ على

стр. 1735

عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وحدَّثَ عنهُ أحاديثَ، قالَ البخاري: لهُ صحبةٌ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا نعرفُ له صحبةً، وذكرَهُ مسلمٌ في التابعينَ، وكانَ منَ العلماءِ. ماتَ سنةَ ستٍ وتسعينَ. وقدْ تَرْجَمَ لهُ أحمدُ في مسندِهِ وأخرجَ لهُ أحاديثَ ليسَ فيها شيءٌ صرَّحَ فيهِ بالسماع، (قالَ: أخبرَ النبيُّ ﷺ عنْ رجلٍ طلَّقَ امرأتَه ثلاثَ تطليقاتٍ جميعًا فقامَ غضبانَ ثمَّ قالَ: أَيُلْعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بينَ أظْهُرِكُمْ؟ حتَّى قامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أقتلُه. رواهُ النسائيُّ ورواتُه مَوَثَّقُونَ). الحديثُ دليلٌ على أن جَمْعَ الثلاثِ التطليقاتِ بدعةٌ. واختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ الهادوية وأبو حنيفةَ ومالكٌ إلى أنهُ بدعةٌ. وذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ والإمامُ يحيى إلى أنهُ ليسَ ببدعةٍ ولا مكروهٍ. واستدلَّ الأولونَ بغضبِهِ ﷺ وبقولِه أَيُلْعَبُ بكتابِ اللَّهِ؟ وبما أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ (١) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ أن عمرَ كانَ إذا أُتِيَ برجل طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا أَوْجَعَ ظهرَه ضَرْبًا، وكأنهُ أخذَ عمر تحْريمَهُ منْ قولِه ﷺ : "أيلعبُ بكتابِ اللَّهِ". استدلَّ الآخرونَ بقولهِ تعالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٢)، وبقولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣) وبما يأتي في حديثِ اللِّعانِ (٤) أنهُ طلَّقها الزوجُ ثلاثًا بحضرتهِ ﷺ ولم ينكرْ عليهِ. واجِيْبَ بأنَّ الآيتينَ مُطْلَقَتَانِ، والحديثُ صريحٌ بتحريمِ الثلاثِ فَتُقَيَّدُ بهِ الآيتانِ، وبأنَّ طلاقَ الملاعنِ لزوجتهِ ليسَ طلاقًا في محلِه؛ لأنَّها بانتْ بمجردِ اللعانِ كما يأتي. واعلمْ أن حديثَ محمودٍ لمْ يكنْ فيه دليلٌ على أنهُ ﷺ أمْضَى عليهِ الثلاثَ أوْ جعلَها واحدة، وإنَّما ذكرهُ المصنفُ [إخبارًا] (٥) بأنَّها قد وقعتِ التطليقاتُ الثلاثُ في عصرِه ﷺ . ٥/ ١٠١١ - وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قَالَ: طَلَّقَ أَبو رُكَانَةَ أُمَّ رُكَانَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "رَاجعِ امْرَأَتَكَ"، فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا، قَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٦). [حسن]

стр. 1736

- وَفي لَفْظٍ لأَحْمَدَ (١): طَلَّقَ أَبُو رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلاثًا، فَحَزِنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "فَإِنها وَاحِدَةٌ" وَفي سَنَدِهِمَا ابْنُ إِسْحَاقَ، وَفيه مَقَالٌ. [حسن] - وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ (٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ: أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرَدْتُ بهَا إلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ . [ضعيف] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: طلَّقَ أبو ركانةَ) بضمّ الراءِ وبعدَ الألفِ نونٌ (أمَّ ركانةَ، فقالَ له النبيُّ ﷺ : راجعِ امرأتَكَ، فقالَ: إني طلقتُها ثلاثًا، قالَ: قدْ علمتُ راجِعْها، رواهُ أبو داودَ. وفي لفظِ أحمدَ) أي عن ابن عباسٍ: (طلَّقَ ركانة امرأتَه في مجلسٍ واحدٍ ثلاثًا فحزنَ عليها فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : [راجعها] (٣) فإنَّها واحدةٌ. وفي سندِهِما) أي حديثِ أبي داودَ وحديثِ أحمدَ (ابنُ إسحاقَ) أي محمدٌ صاحبُ السيرةِ (وفيهِ مقالٌ)، قدْ حقَّقْنَا في "ثمراتِ النظرِ في علمِ أهلِ الأثرِ" (٤) وفي "إرشادِ النقادِ إلى تيسيرِ الاجتهادِ" (٥) عدَمَ صحةِ القدحِ بما يجرحُ روايتَه (وقدْ روى

стр. 1737

أبو داودَ منْ وجهٍ آخرَ أحسنَ منهُ أن ركانةَ طلَّقَ امرأتَه سهيمةَ) بالسين المهملةُ تصغيرُ سهمةٍ (البتةَ فقالَ: واللَّهِ ما أردت إلا واحدةً فردَّها إليهِ النبيُّ ﷺ ). وأخرجَه أبو يعلى (١) وصحَّحَهُ وطُرُقُهُ كلهَا منْ روايةِ محمدِ بن إسحاقَ عنْ داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباسٍ. وقد عملَ العلماءُ بمثل هذا الإسنادِ في عدةٍ منَ الأحكامِ مثلُ حديثِ أنهُ ﷺ ردَّ ابنتَه علَى أبي العاصِ بالنكاحِ الأولِ، تقدَّمَ (٢). وقدْ صحَّحَهُ أبو داودَ لأنهُ أخرجَهُ أيضًا منْ طريقٍ أُخْرَى وهيَ التي أشارَ إليها المصنفُ بقولِه أحسنُ منهُ، وهيَ أنهُ أخرجَه منْ حديثِ نافعِ بن عُجَيْرِ بن عبدِ يزيدَ بن ركانةَ أن ركانةَ، الحديثَ. وصحَّحَهُ أيضًا ابنُ حِبَّانَ (٣)، والحاكمُ (٤) وفيهِ خلافٌ بينَ العلماءِ بينَ مصحِّحٍ ومضعِّفٍ (٥). والحديثُ دليل على أن إرسالَ الثلاثِ التطليقاتِ في مجلسٍ واحدٍ يكونُ [تطليقة] (٦) واحدةً. وقدِ اختلَفَ العلماءُ في المسألةِ على أربعةِ أقوالٍ: الأولُ: إنهُ لا يقعُ بها شيءٌ [لأنهُ] (٧) طلاقُ بدعةٍ. وهذا للنافين وقوع طلاق البدعة وتقدَّم ذِكْرُهم وأدلتُهم. الثاني: إنهُ يقعُ بهِ الثلاثُ وإليهِ ذهبَ عمرُ وابنُ عباسٍ وعائشةُ وروايةٌ عنْ علي ﵁ والفقهاءُ الأربعةُ وجمهورُ السلفِ والخلفِ. واستدلُّوا بآياتِ الطلاقِ وأنَّها لم تفرِّقْ بينَ واحدةٍ ولا ثلاثٍ. وأُجيْبَ بما سلفَ أنَّها مُطْلَقاتٌ تحتملُ التقييدَ بالأحاديثِ، واستدلُّوا بما في الصحيحينِ (٨) أن عويمرًا العجلانيَّ طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا بحضرتِهِ ﷺ ولم ينكرْ عليهِ فدلَّ على إباحةِ جَمْعِ الثلاثِ وعلى وقوعِها. وأجيبَ بأنَّ هذا التقريرَ لا يدلُّ على الجوازِ ولا على وقوعِ الثلاثِ؛ لأنَّ النَّهْيَ إنَّما هوَ فيما يكونُ في طلاقٍ رافعٍ لنكاحٍ كانَ مطلوبَ الدوامِ والملاعنُ أوقعَ الطلاقَ على ظن أنهُ بقيَ له إمساكُها ولم يعلمْ أنهُ باللعانِ حصلتْ فرقةُ الأبدِ

стр. 1738

سواءٌ كانَ فراقُه بنفسِ اللعانِ، أو بتفريقِ الحاكمِ، فلا يدلُّ على المطلوبِ. واستدلُّوا بما في المتفقِ عليهِ (١) أيضًا في حديثِ فاطمةِ بنتِ قيسٍ أن زوجَها طلَّقَها ثلاثًا وأنهُ ﷺ أخْبِرَ بذلكَ قالَ: ليسَ لها نفقةٌ وعليها العدةُ. وأجيب عنه بأنهُ ليسَ في الحديثِ تصريحٌ بأَنهُ أوقعَ الثلاثَ في مجلسٍ واحدٍ فلا يدلُّ على المطلوبِ. قالُوا: عدمُ استفصالِه ﷺ هل كان في مجلسٍ أو مجالسَ دالٌ على أنهُ لا فَرْقَ في ذلكَ. ويُجَابُ عنهُ بأنهُ لم يستفصلْ لأنهُ كانَ الواقعُ في ذلكَ العصرِ غالبًا عدمَ إرسالِ الثلاثِ كما تقدَّمَ، وقولُنا غالبًا لئلَّا يقالَ قدْ أسلفْنَا أنَّها وقعتِ الثلاثُ في عصرِ النبوةِ؛ لأنَّا نقولُ نعمْ لكنْ نادرًا، ومثلُ هذا [ما استدل] (٢) بهِ منْ حديثِ عاشثةَ أن رجلًا طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا فتزوَّجتْ فطلَّقَ الآخرُ فَسُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أتحلُّ للأولِ؟ قالَ: "لا حتَّى يذوقَ عُسَيْلَتَها"، أخرجَهُ البخاريُّ (٣). والجوابُ عنهُ هوَ ما سلفَ، ولهمْ أدلةٌ منَ السنةِ فيها ضعفٌ فلا تقومُ بها حجةٌ فلا نعظِّمُ بها حجمَ الكتابِ. وكذلكَ ما استدلّوا بهِ منْ فَتَاوَى الصحابة أقوالُ أفرادٍ لا تقومُ بها حجةٌ. القولُ الثالثُ: أنَّها تقعُ بها واحدةٌ رجعيةٌ، وهوَ مرويٌّ عنْ على وابنِ عباسٍ وإليه ذهبَ الهادي والقاسمُ والصادقُ والباقرُ ونَصَرَهُ أبو العباسِ ابنُ تيميةَ وتبعَهُ ابنُ القيمِ تلميذُه على نصرِه. واستدلُّوا بما مرَّ منْ حديثي ابن عباسٍ وهما صريحانِ في المطلوبِ، وبأنَّ أدلةَ غيرِه منَ الأقوالِ غيرُ ناهضةٍ؛ أما الأولُ والثاني فَلِمَا عرفتَ ويأتي ما في غيرِهما. القولُ الرابعُ: أنهُ يفرَّقَ بينَ المدخولِ بها وغيرِها، فتقعُ الثلاثُ على المدخولِ بها و [يقع] (٤) على غيرِ المدخولِ بها واحدةٌ، وهوَ قولُ جماعةٍ منْ أصحابِ ابن عباس، وإليهِ ذهبَ إسحاقُ بنُ راهويهِ. واستدلُّوا بما وقعَ في روايةِ أبي داودَ (٥):

стр. 1739

"أما علمتَ أن الرجلَ كانَ إذا طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا قبلَ أنْ يدخلَ بها جعلُوها واحدة على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ "، الحديثَ. وبالقياسِ فإنهُ إذا قالَ أنتِ طالقٌ بانتْ منهُ بذلكَ فإذا أعادَ اللفظَ لم يصادفْ محلًا للطلاقِ فكانَ لغوًا. وأُجِيْبَ بما مرَّ منْ ثبوتِ ذلكَ في حقِّ المدخولةِ وغيرِها فمفهومُ حديثِ أبي داودَ لا يقاومُ عمومَ أحاديثِ ابن عباسٍ. واعلمْ أن ظاهرَ الأحاديثِ أنهُ لا فرقَ بين أنْ يقولَ أنتِ طالقٌ ثلاثًا أو يكررُ هذا اللفظَ ثلاثًا، وفي كتبِ الفروعِ أقوالٌ وخلافٌ في التفرقةِ بينَ هذه الألفاظِ لم يستندْ إلى دليلٍ واضحٍ. وقدْ أطالَ الباحثونَ في الفروعِ في هذهِ المسألةِ الأقوالَ، وأطبقَ أهلُ المذاهبِ الأربعةِ على وقوعِ الثلاثِ [متتابعة] (١) لإمضاءِ عمرَ لها، واشتدَّ نكيرُهم على مَنْ خالفَ ذلكَ، وصارتْ هذهِ المسألةُ عَلَمًا عندَهم للرافضةِ والمخالفينَ، وعوقبَ ابن تيمية بسببِ الفُتيا بها، وطِيفَ بتلميذِه ابن القيمِ على جملٍ بسببِ الفتْوى بعدمِ وقوعِ الثلاثِ، ولا يخْفَى أن هذهِ محضُ عصبيةِ شديدةِ في مسألةٍ فروعية قد اختلفَ فيها سلفُ الأمةِ وخلفُها فلا نكيرَ على مَنْ ذهبَ إلى أي قولٍ منَ الأقوالِ المختلفِ فيها كما هوَ معروفٌ، وهاهُنا يتميزُ المنصفُ منْ غيرِه منْ فحولِ النظارِ والأتقياءِ منَ الرجالِ (٢). الجد والهزل في النكاح والطلاق والرجعة ٦/ ١٠١٢ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "ثَلاثٌ جَدُهُنَّ جَدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطلاقُ وَالرَّجْعَةُ"، رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيُّ (٣) وَصَحّحَهُ الحاكِمُ (٤). [حسن]

стр. 1740

- وَفي رِوَايَةٍ لابْنِ عَدِيٍّ (١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ: "الطَّلاقُ وَالْعِتَاقُ وَالنِّكَاحُ". [حسن لغيره] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول اللَّهِ ﷺ : ثلاثٌ جَدّهنَّ جَدٌّ وهزلهنَّ جَدٌّ: النكاحُ والطلاقُ والرجعةُ. رواه الأربعة إلا النسائيَّ وصحَّحَهُ الحاكمُ، وفي روايةٍ) عنْ أبي هريرةَ (لابنِ عديٍّ منْ وجْهٍ آخرَ ضعيفٍ: الطلاق والعتاق والنكاحُ)، وقد بيَّنَ معناها قولهُ: ٧/ ١٠١٣ - وَللْحَارِثِ بْنِ أَبي أُسَامَةَ (٢) مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ رَفَعَهُ: "لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ في ثَلاثٍ: الطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْعِتَاقِ، فَمَنْ قَالَهُنَّ فَقَدْ وَجَبْنَ"، وَسَنَدُهُ ضَعيفٌ. [حسن لغيره] (وللحارثِ بن أبي أُسامةَ منْ حديثِ عبادةَ بن الصامتِ رفعه: لا يجوز اللعبُ في ثلاثٍ: النكاحِ والطلاقِ والعتاقِ، فمنْ قالهنَّ فقد وجَبْنَ. وسندهُ ضعيفٌ) لأنَّ فيهِ ابنَ لهيعةَ وفيهِ انقطاعٌ. أيضًا والأحاديثُ دلَّتْ على وقوعِ الطلاقِ منَ الهازلِ وأنهُ لا يحتاجُ إلى النيةِ في الصريحِ، وإليهِ ذهبَ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ، وذهبَ أحمدُ والناصرُ والصادقُ والباقرُ إلى أنهُ لا بدَّ منَ النيةِ لعمومِ حديثِ الأعمالِ بالنياتِ، وأُجِيبَ بأنهُ عامٌّ خصَّه ما ذكرَ منَ الأحاديثِ ويأتي الكلامُ في العتقِ. حكم ما تحدَّثت به النفس ٨/ ١٠١٤ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ

стр. 1741

عَنْ أُمّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: إن الله تجاوزَ عنْ أمَّتِي ما حدَّثَتْ بهِ أنفسَها ما لم تعملْ أو تَكَلَّمْ. متفقٌ عليهِ)، ورواهُ ابنُ ماجْه (٢) منْ حديثِ أبي هريرةَ بلفظِ: "عما توسوسُ بهِ صدُورُها" بدلَ: "ما حدَّثتْ بهِ أنفسَها"، وزادَ في آخرهِ: "وما استُكْرِهُوا عليهِ". قالَ المصنفُ (٣): وأظنُّ الزيادةَ هذهِ مدرجةً كأنَّها دخلتْ على هشامِ بن عمارٍ منْ حديثٍ في حديثٍ. والحديثُ دليل على أنهُ لا يقعُ الطلاقُ بحديثِ النفسِ وهوَ قولُ الجمهورِ، ورُوِيَ عن ابن سيرينَ والزهريِّ وروايةٌ عنْ مالكٍ بأنهُ إذا طلَّقَ في نفسهِ وقعَ الطلاقُ، وقوَّاهُ ابنُ العربي بأنَّ منِ اعتقدَ الكفرَ بقلبِهِ ومَنْ أصرَّ على المعصيةِ أثِمَ، وكذلكَ مَنْ قذفَ مسلِمًا بقلبه وكلُّ ذلكَ منْ أعمالِ القلبِ دونَ اللسانِ. ويجابُ عنهُ بأنَّ الحديثَ المذكورَ أَخبرَ عن اللَّهِ تعالَى بأنَّهُ لا يؤاخذُ الأمةَ بحديثِ نفسها، وأنهُ تعالَى قالَ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤) وحديثُ النفسِ يخرجُ عن الوسعِ، نعمْ الاسترسالُ معَ النفسِ في باطلِ أحادِيثها يُصيِّرُ العبدَ عازمًا على الفعلِ فَيُخَافُ منهُ الوقوعُ فيما يحرُمُ فهوَ الذي ينبغي أنْ يُسَارعُ بقطعهِ إذا خطرَ، وأما احتجاجُ ابنُ العربيِّ بالكفرِ والرياءِ فلا يخْفَى أنَّهما منْ أعمالِ القلبِ فَهُما مخصوصانِ منَ الحديثِ على أن الاعتقادَ وقَصْدَ الرياءِ قدْ خَرَجَا عنْ حديثِ النفسِ، وأما المصرُّ على المعصيةِ فالإثمُ على عملِ المعصيةِ المتقدِّمِ على الإصرارِ فإنهُ دالٌّ على أنهُ لم يتبْ عنها. واستُدِلَّ بهِ على أن مَنْ كَتَبَ الطلاقَ طلقتِ امرأتهُ؛ لأنهُ عزمَ بقلبِه وعملَ بكتابِه وهوَ قولُ الجماهير، وشرطَ مالكٌ فيهِ الإشهادَ على ذلكَ وسيأتي: أعمال الخاطئ والناسي والمكره ٩/ ١٠١٥ - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 1742

"إِنَّ الله تَعَالَى وَضَعَ عَنْ أُمتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (١) وَالْحَاكِمُ (٢)، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يَثْبُتُ (٣). [صحيح] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ: إنَّ الله وضعَ عنْ أمتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكْرِهُوا عليهِ. رواهُ ابنُ ماجهْ والحاكمُ وقالَ أبو حاتم: [لم] (٤) يثبتُ)، وقالَ النوويُّ في الروضةِ في تعليقِ الطلاقِ إنهُ حديثٌ حسنٌ. وكذَا قالَ في [آخر] (٥) الأربعينَ (٦) لهُ اهـ. وللحديثِ أسانيدُ. وقالَ ابنُ أبي حاتمِ (٧): إنهُ سألَ أباهُ عنْ أسانيدِه فقالَ هذه أحاديثُ منكرةٌ كلُّها موضوعةٌ. وقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدُ في "العلل" (٨): سألتُ أبي عنهُ فأنكرهُ جِدًا، وقالَ: ليس يُرْوَى هذا إلا عن الحسنِ عن النبى ﷺ . ونقلَ الخلالُ عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: مَنْ زعمَ أن الخطأ والنسيانَ مرفوعٌ فقدْ خالفَ كتابَ اللَّهِ وسنةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؛ فإنَّ اللَّهَ أوجبَ في قتلِ النفس الخطأ الكفارة. والحديثُ دليلٌ على أن الأحكام الأخرويةَ منَ العقابِ معفوةٌ عن الأمةِ المحمديةِ إذا صدرتْ عنْ

стр. 1743

خطأٍ أوْ نسيانٍ أو إكراهٍ. فأما ابتناءُ الأحكامِ والآثارِ الشرعية عنها ففي ذلكَ خلافٌ بينَ العلماءِ فاختلفُوا في طلاقِ الناسي؛ فعنِ الحسنِ أنهُ كانَ يراهُ كالعَمْدِ إلا إذا اشترطَ (١)، أخرجَه ابنُ أبي شيبةَ (٢) عنهُ وعنْ عطاءٍ و [هو قولُ] (٣) الجمهورِ أنهُ لا يكونُ طلاقًا للحديثِ، وكذا ذهبَ الجماهيرُ أنهُ لا يقعُ [طلاقُ] (٤) الخاطئِ؛ وعنِ الحنفيةِ يقعُ، واختُلِفَ في طلاقِ المكْرَهِ فعندَ الجماهيرِ لا يقعُ. ويروى عن النخعيِّ وقالت الحنفيةُ إنهُ يقعُ. واستدل الجمهورُ بقولِه تعالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٥). وقالَ عطاءٌ الشركُ أعظمُ منَ الطلاقِ. وقرَّرَ الشافعيٌّ الاستدلالَ بأنَّ الله تعالَى لما وضعَ الكفرَ عمنْ تلفظَ بهِ حالَ الإكراهِ وأسقطَ عنهُ أحكامَ الكفرِ كذلكَ سقطَ عن المكْرَهِ ما دونَ الكفرِ؛ لأنَّ الأعظمَ إذا سقطَ سقطَ ما هوَ دونَه بطريقِ الأُولى. تحريم الحلال والقول بأنه لغو ١٠/ ١٠١٦ - وَعَن ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ: إِذَا حَرّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بشَيءٍ. وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٦). [صحيح] - وَلمُسْلِمٍ (٧) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إِذَا حَرّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. [صحيح] (عن ابن عباسٍ ﵄ قالَ: إذا حرَّمَ امرأتَهُ ليسَ بشيءٍ وقالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٨) رواهُ البخاريُّ. ولمسلمٍ عن ابن عباسِ: إذا حرَّمَ الرجلُ عليهِ امرأتَه فهوَ يمينٌ يكفّرُها) الحديثُ موقوفٌ، وفيهِ دليلٌ علَى أن تحريمَ الزوجةِ لا يكونُ طلاقًا وإنْ كانَ يلزمُ فيهِ كفارةُ يمينٍ، كما دلتْ لهُ روايةُ مسلمٍ، فمرادُه ليسَ بشيءٍ ليسَ بطلاقٍ لا أنهُ لا حكمَ لهُ أصلًا، وقدْ أخرجَ البخاريُّ عنهُ هذا الحديثَ

стр. 1744

بلفظِ: "إذا حرَّمَ الرجلُ امرأتَه فإنَّما هيَ يمينٌ يكفِّرها"، فدل على أنهُ المرادُ بقولِه ليسَ بشيءٍ أنهُ ليسَ بطلاقٍ، ويحتملُ أنهُ أرادَ لا يلزمُ فيهِ شيءٌ، وتكونُ روايةُ أنهُ يمين رواية أخْرى فيكونُ لهُ قولانِ في المسألةِ. والمسألةُ اختلفَ فيها السلفُ منَ الصحابةِ والتابعينَ والخلفُ منَ الأئمةِ المجتهدينَ حتَّى بلغتِ الأقوالُ إلى ثلاثةَ عشرَ قولًا أصولًا وتفرَّعتْ إلى عشرينَ مذْهبًا (١). الأولُ: أنهُ لغوٌ لا حكمَ لهُ في شيءٍ منَ الأشياءِ وهوَ قولُ جماعةٍ منَ السلفِ، وهو قولُ الظاهرية والحجةُ على ذلكَ أن التحريمَ والتحليلَ إلى اللهِ تعالَى كما قالَ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٢)، وقدْ قالَ اللَّهُ تعالَى لنبيهِ ﷺ : ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٣)، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (٤)، قالُوا: ولأنهُ لا فرقَ بينَ تحليلِ الحرامِ وتحريمِ الحلالِ، فكما كانَ الأولُ باطلًا فليكنِ الثاني باطلًا. ثمَّ قولُه: "هيَ حرامٌ" إنْ أرادَ [به] (٥) الإنشاءَ فإنشاءُ التحريمِ ليسَ إليهِ، وإنْ أرادَ بهِ الإخبارَ فهوَ كذبٌ، قالُوا: ونظرُنَا إلى ما سِوَى هذا القولِ - يعني منَ الأقوالِ التي في المسألةِ - فوجدْناها أقوالًا مضطربةً لا برهانَ عليها منَ اللهِ فيتعينُ القولُ بهذَا. وهذَا القولُ يدلُّ عليهِ حديثُ ابن عباسٍ (٦) وتلاوتُه لقولِه تعالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٧) فإنهُ دالُّ على أنهُ لا يحرَّمُ بالتحريمِ ما حرَّمهُ على نفسِه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالَى أنكرَ على رسولِه تحريمَ ما أحلَّ اللَّهُ لهُ وظاهرُه أنَّها لا تلزمُ الكفارةُ، وأما قولهُ تعالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (٨) فإنَّها كفارةُ حَلِفِهِ ﷺ كما أخرجَهُ الطبريُّ (٩) بسندٍ صحيح عنْ زيدِ بن أسلمَ التابعيِّ المشهورِ قالَ: أصابَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أمَّ إبراهيمَ ولدِه في بيتِ بعضِ نسائِه فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ في بيتِي وعلى فراشي فجعلَها عليهِ حرامًا، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ كيفَ تحرِّمُ

стр. 1745

الحلالَ فحلفَ باللهِ لا يصيبُها فنزلتْ، هذا أحدُ القوليْنِ فيما حرَّمه ﷺ وسيأتي القولُ الآخرُ في [تحقيق] (١) إيلائِه ﷺ . والحديثُ وإنْ كانَ مرسلًا فقدْ أخرجَ النسائيُّ (٢) بسندٍ صحيحٍ عنْ أنسٍ ﷺ أن النبيَّ ﷺ كانتْ لهُ أمةٌ يطؤُها فلمْ تزلْ بهِ حفصةُ وعائشةُ حتَّى حرَّمَها فأنزلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ (٣)، وهذَا أصحُّ سببِ النزولِ، والمرسلُ عنْ زيدٍ قدْ شهدَ لهُ هذا فالكفارةُ لليمينِ لا لمجردِ التحريمِ. وقدْ فَهِمَ هذا زيدُ بنُ أسلمَ فقالَ بعدَ روايتِه القصةَ: "يقولُ الرجلُ لامرأتِه أنتِ عليَّ حرامٌ لغوٌ وإنَّما يلزمُه كفارةُ يمينٍ إنْ حلفَ"، وحينئذٍ فالأسوةُ برسولِ اللَّهِ ﷺ إلغاءُ التحريم والتكفيرُ إنْ حلفَ، وهذا القولُ أقربُ الأقوالِ المذكورةِ وأرجحُها عندي فلم أَسردْ منْها شيئًا سواه. ١١/ ١٠١٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ: "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأهْلِكِ"، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٤). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ أن ابنةَ الجونِ لما أُدْخِلَتْ على رسولِ الله ﷺ ودنا منْها قالتْ: أعوذ باللهِ منكَ، قالَ: لقدْ عذتِ بعظيمٍ الحقي بأهلكِ. رواهُ البخاريُّ)، اختُلِفَ في اسمِ ابنةِ الجونِ المذكورةِ اختلافًا كثيرًا، ونفعُ تعيينِها قليلٌ فلا نشتغلُ بنقلهِ. أخرج ابنُ سعدٍ (٥) منْ طريقِ عبدِ الواحدِ بن أبي عونٍ قالَ: قدمَ النعمانُ بنُ أبي الجونِ الكنديِّ على رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولُ اللهِ أزوِّجُكَ أجملَ أيِّمٍ في العربِ كانتْ تحتَ ابن عمٍّ لها فَتُوُفِّيَ وقدْ رغبت فيكَ، قالَ: "نعمْ"، قالَ: فابعثْ مَنْ يحملُها إليكَ فبعثَ معهُ أبا أسيدٍ الساعديِّ، قالَ أبو أسيدٍ: فأقمتُ ثلاثةَ أيامٍ، ثمَّ تحملتْ بها معي في محفةٍ فأقبلتُ بها حتَّى قدمتُ المدينة فأنزلْتُها في بني

стр. 1746

ساعدةَ ووجهتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهوَ في بني عمروِ بن عوفٍ فأخبرتُه الحديثَ. قالَ ابنُ أبي عونٍ: وكانَ ذلكَ في ربيعٍ الأولِ سنةَ سبعٍ، ثمَّ أخرجَ ذلكَ منْ طريقيْنِ (١). وفي تمامِ القصةِ قيلَ لها: استعيذي منهُ فإنهُ أحْظَى لكِ عندَه وخدعتْ، لما رُئِيَ منْ جمالِها، وذُكِرَ لرسُولِ اللهِ ﷺ مَنْ حملَها على ما قالتْ فقال: إنهنَّ صواحبُ يوسفَ وكيدُّهنَّ. والحديثُ دليلٌ على أن قولَ الرجلِ لامرأتهِ الحقي بأهلكِ طلاقٌ؛ لأنهُ لم يرد أنهُ زادَ غيرَ ذلكَ فيكونُ كنايةَ طلاقٍ إذا أُريدَ بهِ الطلاقُ كانَ طلاقًا. قالَ البيهقيُّ (٢): زادَ ابنُ أبي ذئبِ عن الزهريِّ: الحقي بأهلكِ جعلَها تطليقةً، ويدلُّ على أنهُ كنايةُ طلاقٍ أنهُ قدْ جاءَ في قصةِ كعبِ بن مالكٍ (٣): أنهُ لما قيلَ لهُ اعتزلِ امرأتَكَ قالَ: الحقي بأهلكِ فكوني عندَهم فكوني عندهم (٤) ولم يُردِ الطلاقَ فلمْ تُطَلَّقْ وإلى هذا ذهبَ الفقهاءُ الأربعةُ وغيرُهم. وقالتِ الظاهريةُ: لا يقعُ الطلاقُ بالحقي بأهلكِ، قالُوا: والنبيُّ ﷺ لم يكنْ قدْ عقدَ بابنةِ الجونِ، وإنَّما أرسلَ إليها لِيَخْطِبَها إذِ الرواياتُ قدِ اختلفتْ في قِصَّتِها، ويدلُّ على أنهُ لم يكنْ عقدَ بها ما في صحيحِ البخاريِّ (٥) أنهُ ﷺ قالَ: هبي لي نفسَك، قالتْ: وهلْ تهبُ الملكةُ نفسَها للسُّوقةِ، فأهوى ليضعَ يدَه عليها لتسكنَ فقالتْ: أعوذُ باللَّهِ منكَ، قالُوا: فطلبُ الهبةِ دالٌ على أنهُ لم يكنْ عقدَ بها ويبعدُ ما قالُوه قولُه: ليضعَ يدَه، وروايةُ: فلمَّا دخلَ عليها، فإن ذلكَ إنَّما يكونُ معَ الزوجةِ. وأما قولُه: "هبي لي نفسَكِ" فإنهُ [قالهُ تطييبًا] (٦) لخاطرِها واستمالةً لقلبِها، ويؤيدُه ما سلفَ منْ روايةٍ أنَّها رغبت فيكَ. وقدْ رُوِيَ اتفاقُه معَ أبيها على مقدارِ صَدَاقِها، وهذهِ وإنْ لم تكنْ صرائحَ في العقدِ بها إلَّا أنهُ أقربُ الاحتماليْنِ. لا طلاق إلا بعد النكاح ١٢/ ١٠١٨ - وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا طَلاقَ إِلَّا

стр. 1747

بَعْدَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْك"، رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى (١) وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٢)، وَهُوَ مَعْلُولٌ. [حسن لغيره] (وعنْ جابرٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا طلاقَ إلَّا بعدَ نكاحٍ ولا عتقَ إلا بعدَ مِلْكٍ. رواهُ أبو يعلى وصحَّحَهُ الحاكمُ) وقال: أنا متعجبٌ منَ الشيخينِ كيفَ أهملاهُ، لقد صحَّ على شرطِهِمَا منْ حديثِ ابن عمرَ وعائشةَ وعبدِ اللهِ بن عباسٍ ومعاذِ بن جبلٍ وجابرٍ، انتَهى. (وهوَ معلولٌ) بما قالَه الدارقطنيُّ (٣) الصحيحُ مرسلٌ ليسَ فيهِ جابرٌ. قالَ يحيى بنُ معينٍ: لا يصحُّ عن النبيِّ ﷺ : لا طلاقَ قبلَ نكاح، وقالَ ابنُ عبدِ البرِ: رُوِيَ منْ وجوهٍ إلَّا أنَّها عند أهلِ العلمِ بالحديثِ معلولةٌ، انتهَى. ولكنَّهُ يشهدُ لهُ: ١٣/ ١٠١٩ - وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ (٤) عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مِثْلَهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، لكِنَّهُ مَعْلُولٌ أَيْضًا. [صحيح]

стр. 1748

ترجمة المسور بن مخرمة (وأخرجَ ابن ماجة عَنْ المِسْورِ) (١) بكسرِ الميمِ وسكونِ السينِ المهملةِ وفتحِ الواوِ [فراءٍ] (٢) (ابن مَخْرَمةَ) بفتحِ الميمِ فخاء معجمةٍ ساكنةِ (مثلَه وإسنادُه حسنٌ لكنَّهُ معلولٌ أيضًا) لأنهُ اختُلِفَ فيهِ على الزهريِّ. قالَ علي بنُ الحسينِ بن واقدٍ عنْ هشامٍ عنْ سعيدِ عن الزهريِّ عنْ عروةَ عن المسورِ، وقالَ حمادُ بنُ خالدٍ: عنْ هشامٍ عنْ سعيدِ عن الزهريِّ عنْ عروةَ عنْ عائشةَ وعنْ أبي بكرِ وعنْ أبي هريرةَ وأبي موسَى الأشعريِّ وأبي سعيدٍ الخدريِّ وعمرانَ بن حُصَيْنٍ وغيرِهم ذكرَها البيهقي في الخلافياتِ. وقالَ البيهقيُّ: أصح حديثِ فيهِ حديثُ عمرِو بن شعيب عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ. قالَ الترمذيُّ (٣): هوَ أحسنُ شيء رُوِيَ في هذا البابِ ولفظُهَ عندَ أصحابِ السننِ (٤): "ليسَ علَى رجلٍ طلاقٌ فيما لا يملكُ"، الحديثَ. قالَ البيهقيُّ قالَ البخاريُّ أصحُّ شيءٍ فيهِ وأشهرُه حديثُ عمرِو بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ ويأتي (٥). وحديثُ الزهريِّ عنْ عائشةَ (٦) وعنْ عليٍّ (٧) مدارُه علَى جويبرٍ عن الضحاكِ عن النزالِ بن سبرةَ عنْ عليٍّ ﵁ وجويبرٌ متروكٌ. ثمَّ قالَ البيهقي: ورواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ حسنٍ. والحديثُ دليلٌ على أنهُ لا يقعُ الطلاقُ على المرأةِ الأجنبيةِ، فإنْ كانَ تنجيزًا فإجماعٌ وإنْ كانَ تعليقًا بالنكاحِ كأنْ يقولَ إنْ نكحتُ فلانةَ فهيَ طالقٌ ففيهِ ثلاثةُ أقوالٍ: الأولُ: أنهُ لا يقعُ مطلقًا وهوَ قولُ الهادويةِ والشافعيةِ وأحمدَ وداودَ وآخرينَ.

стр. 1749

ورواهُ البخاريُّ عن اثنينِ وعشرينَ صحابيًا. ودليلُ هذا القولِ حديثُ البابِ وإنْ كانَ فيهِ مقالٌ منْ قِبَلِ الإسنادِ فهوَ متأيدٌ بكثرةِ الطُّرقِ، وما أحسنَ ما قالَ ابنُ عباسٍ قالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ (١)، ولم يقلْ إذا طلقتموهن ثمَّ نكحتموهنَّ، وبأنهُ إذا قالَ المطلِّقُ: إنْ تزوجتُ فلانةَ فهي طالقٌ مطلِّقٌ لأجنبيةٍ فإنَّها حينَ أنشأَ الطلاقَ أجنبيةٌ والمتجددُ هوَ نكاحُها، فهوَ كما لو قالَ لأجنبيةٍ: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ فدخلتْ وهيَ زوجتُه لم تطلَّقْ إجماعًا. وذهبَ أبو حنيفةَ وهوَ أحدُ قَوْلي المؤيَّدِ باللهِ إلى أنهُ يصحُّ التعليقُ مطلقًا، وذهبَ مالكٌ وآخرونَ إلى التفصيلِ، فقالُوا: إنْ خصَّ بأنْ يقولَ: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها منْ بني فلانٍ أوْ منْ بلدِ كذا فهيَ طالقٌ أوَ قالَ في وقتِ كَذَا وقعَ الطلاقُ، وإنْ عمَّ فقال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فهيَ طالقٌ لم يقعْ شيءٌ، وقالَ في "نهاية المجتهد" (٢): سببُ الخلافِ هلْ منْ شرطِ وقوعِ الطلاقِ وجودُ الملكِ متقدِّمًا على الطلاقِ بالزمانِ أوْ ليسَ منْ شَرْطِهِ؟ فَمَنْ قالَ هوَ منْ شرطِهِ قالَ لا يتعلَّقُ الطلاقُ بالأجنبيةِ ومَنْ قالَ: ليسَ منْ شَرْطِهِ إلا وجودُ الملكِ فقطْ قالَ: يقعُ (٣). قلتُ: دَعْوى الشرطيةِ تحتاجُ إلى دليل ومَنْ لم يدعْها فالأصلُ معَه ثمَّ قالَ: وأما الفرقُ بينَ التخصيصِ والتعميمِ فاستحسانٌ مبنيٌّ على المصلحةِ، وذلكَ أنه إذا وقعَ فيه التعميمُ فلو قلْنا بوقوعِه امتنعَ منهُ التزويجُ فلمْ يجدْ سبيلًا إلى النكاحِ الحلالِ فكانَ منْ بابِ النذرِ بالمعصيةِ، وأما إذا خصَّصَ فلا يمتنعُ منهُ ذلكَ اهـ. قلتُ: سبقَ الجوابُ عنْ هذا بعدم الدليلِ على الشرطيةِ، هذَا والخلافُ في العتقِ مثلُ الخلافِ في الطلاقِ فيصحُّ عندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه. وعندَ أحمدَ في أصحِّ قوليْهِ وعليهِ أصحابُه ومنْهمُ ابنُ القيمِ فإنهُ فرَّقَ بينَ الطلاقِ والعتاقِ فأبطلَه في الأولِ وقالَ بهِ في الثاني مستدلًا على الثاني بأنَّ العتقَ لهُ قوةٌ وسرايةٌ؛ فإنهُ يسري إلى ملكِ الغيرِ؛ ولأنهُ يصحُّ أنْ يجعلَ الملكَ سببًا للعتقِ كما لو اشترَى عبدًا ليعتقَه عنْ كفارةٍ أو نذرٍ أو اشتراهُ بشرطِ العتقِ؛ ولأنَّ العتقَ منْ باب القربِ والطاعاتِ وهوَ يصحُّ النذرُ بها وإنْ لم يكنْ المنذور بهِ مملوكًا، كقولَكَ: لئنْ

стр. 1750

آتاني اللَّهُ منْ فَضْلِهِ لأَصَّدقنُّ بكذَا وكذَا، ذكرهُ في "الهدي النبوي" (١). قلتُ: ولا يخْفَى ما فيهِ، فإنَّ السرايةَ إلى ملكِ الغيرِ تفرَّعتْ منْ إعتاقِهِ لما يملكُه منَ الشقصِ فحكمُ الشارعِ بالسرايةِ لعدمِ تبعُّضِ العتقِ. وأما قولُه: ولأنهُ يصحُّ أنْ يجعلَ الملكَ سببًا للعتقِ كما لوِ اشتَرى عبدًا ليعتقَهُ فيجابُ عنهُ بأنهُ لا يعتقُ هذا الذي اشتراهُ إلَّا بإعتاقهِ كما قالَ ليعتقَه وهذا عتقٌ لما يملكُهُ. وأما قولُه: إنهُ يصحُّ النذرُ، ومثلُه بقولِه لئنْ آتاني اللهُ منْ فَضْلِهِ، فهذِه فيها خلافٌ، ودليلٌ المخالفِ أنهُ قدْ قالَ ﷺ : لا نَذْرَ فيما لا يملكُ ابن آدمَ، كما يفيدُه قولُه: ١٤/ ١٠٢٠ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا نَذْرَ لابْنِ آدَمَ فِيما لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فيما لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٢)، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ (٣). وَنُقِلَ عَنِ البُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ مَا وَرَدَ فيهِ (٤). [صحيح] (وعنْ عمروِ بن شعيبٍ عنْ أبيهِ عنْ جدِّه قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : لا نَذْرَ لابنِ آدمَ فيما لا يملكُ، ولا عتقَ لهُ فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ لهُ فيما لا يملكُ. أخرجَه أبو داودَ والترمذيُّ وصحَّحَه ونُقِلَ عن البخاريِّ أنهُ أصحُّ ما وردَ فيهِ) تقدَّمَ الكلامُ في ذلكَ مُسْتَوْفَى. ١٥/ ١٠٢١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ:

стр. 1751

"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتى يَكْبُرَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ (٢)، وَصَحّحَهُ الْحَاكِمُ (٣)، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). [صحيح] (وعنْ عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: رُفِعَ القلمُ) أي ليسَ يجري أصالةً، لا أنهُ رُفِعَ بعدَ وَضْعٍ، والمرادُ برفع [القلم] (٥) عدمُ المؤاخذةِ لا قلمُ الثوابِ، فلا ينافيْهِ صحةُ إسلامِ الصبيِّ المميِّز كما ثبتَ في غلامِ اليهوديِّ الذي كانَ يخدمُ النبيَّ ﷺ فعرضَ عليهِ النبيُّ ﷺ الإسلامَ فأسْلَمَ، فقالَ: "الحمدُ للهِ الذي أنقذَهُ منَ النارِ" (٦)، وكذلكَ ثبتَ أن امرأةً رَفَعَتْ إليهِ ﷺ صبيًا فقالتْ: أَلِهذَا حجٌّ؟ فقالَ: "نعمْ ولكِ أجرٌ" (٧)، ونحوُ هذا كثيرٌ في الأحاديثِ، (عنْ ثلاثةٍ: عن النائمِ حتى يستيقظ، وعنِ الصغيرِ حتَّى يكبرَ، وعنِ المجنونِ حتَّى يعقلَ أو يفيقَ. رواهُ أحمدُ والأربعةُ إلَّا الترمذيَّ، وصحَّحَهُ الحاكمُ، وأخرجَهُ ابنُ حِبَّانَ). الحديثُ فيهِ كلامٌ كثيرٌ [لأهلِ] (٨) الحديثِ وفيهِ دليل على أن الثلاثةَ لا يتعلَّقُ بهمْ تكليفٌ، وهوَ في النائمِ المستغرقِ إجماعٌ، والصغيرِ الذي لا تمييزَ لهُ.

стр. 1752

وفيهِ خلافٌ إذا عقلَ وميَّزَ، والحديثُ جعلَ غايةَ رفعِ القلمِ عنهُ إلى أنْ يكبرَ، فقيلَ إلى أنْ يطيقَ الصيامَ ويحصي الصلاةَ وهذَا لأحمدَ، وقيلَ: إذا بلغَ اثنتي عشْرةَ سنةً، وقيلَ: إذا ناهزَ الاحتلامَ، وقيلَ: إذا بلغَ. والبلوغُ يكون بالاحتلامِ في حقِّ الذَّكَرِ معَ إنزالِ المنيِّ إجماعًا، وفي حقِّ الأنثَى عندَ الهادويةِ وبلوغُ خمسَ عشْرَةَ سنة، وإنباتُ الشعرِ الأسودِ المتجعدِ في العانةِ بعدَ تسعِ سنينَ عندَ الهادويةِ وكذلكَ الإمناءُ في حالِ اليقظةِ إذا كانَ لشهوةٍ وفي الكلِّ خلافٌ معروفٌ. وأما المجنونُ فالمرادُ بهِ زائلُ العقلِ فيدخلُ فيهِ السكرانُ والطفلُ كما يدخلُ المجنونُ وقدِ اختُلِفَ في طلاقِ السكرانِ على قوليْنِ: الأولُ: أنهُ لا يقعُ وإليهِ ذهبَ عثمانُ وزيدٌ وجابرٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وجماعةٌ منَ السلفِ وهوَ مذهبُ أحمدَ وأهلُ الظاهرِ لهذا الحديثِ ولقولِه تعالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١)، فجعلَ قولَ السكرانِ غيرَ مُعْتَبَرَ؛ لأنهُ لا يعلمُ ما يقولُ وبأنهُ غيرُ مكلَّفٍ لانعقادِ الإجماعِ، على أن منْ شرطِ التكليفِ العقلُ ومَنْ لا يعقلُ ما يقولُ فليسَ بمكلَّفٍ، أوْ بأنهُ كانَ يلزمُ أنْ يقعَ طلاقُه إذا كانَ مُكْرَهًا علَى شُرْبِها أوْ غيرَ عالِمٍ بأنَّها خمرٌ ولا يقولُه المخالفُ. والثاني: وقوعُ طلاقِ السكرانِ، ويُرْوَى عنْ عليٍّ وابنِ عباسٍ وجماعةٍ منَ الصحابةِ وعنِ الهادي وأبي حنيفةَ والشافعيِّ ومالكٍ واحتجَّ لهمْ بقولِه تعالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) فإنهُ نَهْيٌ لهمْ عنْ قُربَانِها حالَ السُّكْرِ والنَّهْيُ يقتضي أنَّهمْ مكلَّفونَ حالَ سُكْرِهِمْ، والمكلَّف تصح منهُ الإنشاءاتُ وبأنَّ إيقاعَ الطلاقِ عقوبةٌ لهُ وبأنَّ ترتيبَ الطلاقِ على التطليقِ منْ بابِ رَبْطِ الأحكامِ بأسبابِها فلا يؤثرُ فيه السكرُ وبأنَّ الصحابةِ أقاموهُ مقامَ الصاحي في كلامهِ فإنَّهم قالُوا: إذا شربَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، فإذا هَذَى افْتَرى، وحدُّ المفتري ثمانونَ. وبأنهُ أخرجَ سعيدُ بنُ منصورٍ (٣) عنهُ ﷺ : "لا قيلولةَ في الطلاقِ"، وأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ

стр. 1753

خطابٌ لهمْ حالَ صَحْوِهِم ونهيٌ لهم قبلَ سُكْرِهمْ أن يقربُوا الصلاةَ حالةَ أنَّهم لا يعلمونَ ما يقولونَ، فهي دليلٌ لنَا كما سلفَ، وبأنَّ جَعْلَ الطلاقِ عقوبةً يحتاجُ إلى دليلِ على المعاقبةِ للسكرانِ بفراقِ أهلهِ؛ فإنَّ الله لم يجعلْ عقوبتَه إلَّا الحدَّ، وبأنَّ ترتيبَ الطلاقِ على التطليقِ محلَّ النزاعِ. وقدْ قالَ أحمدُ والبتيُّ: إنهُ لا يلزمُه عَقدٌ ولا بَيْعٌ ولا غيرُه، على أنهُ يلزمُهم القولُ بترتيبِ الطلاقِ على التطليقِ صحَّةُ طلاقِ المجنونِ والنائمِ والسكرانِ غيرِ العاصي بِسُكْره والصبيِّ، وبأَنَّ ما نُقِلَ عن الصحابةِ أنَّهم قالُوا: إذا شربَ إلى آخرِه فقالَ ابنُ حزمٍ (١): إنهُ خبرٌ مكذوبٌ باطلٌ متناقضٌ، فإنَّ فيهِ إيجابَ الحدِّ على مَنْ هَذَى والهاذي لا حدَّ عليهِ، وبأنَّ حديثَ: "لا قيلولةَ في طلاقٍ"، خبرٌ غيرُ صحيحٍ، وإنْ صحَّ فالمرادُ طلاقُ المكلَّفِ العاقلِ دونَ مَنْ لا يعقلُ، ولهمْ أدلةٌ غيرُ هذهِ لا تنهضُ على المدَّعي. * * *

стр. 1754

[الكتاب العاشر] كتاب الرجعَة الإشهاد على الرجعة والطلاق ١/ ١٠٢٢ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرّجُلِ يُطَلِّقُ ثُمَّ يُرَاجِعُ وَلَا يُشْهِدُ؟ فَقَالَ: أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) هَكَذَا مَوْقُوفًا، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ (٢). [صحيح] - وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (٣) بِلَفْظِ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ سُئِلَ عَمنْ رَاجَعَ امْرَأَتَهُ، وَلَمْ يُشْهِدْ، فَقَالَ: راجع في غَيْرِ سُنّةٍ؟ فَلْيُشْهِدِ الآنَ. وَزَادَ الطَّبَرَانيُّ في رِوَايَةٍ: وَيَسْتَغْفِرِ الله. [بسند منقطع] (عنْ عمرانَ بن حصينٍ ﵁ أنهُ سُئِلَ عن الرجلِ يطلِّق امرأته ثمَّ يراجعُ ولا يشهدُ فقالَ: أشهدْ على طلاقِها وعلى رجْعَتِها. رواهُ أبو داودَ هكذا موقوفًا وسندُه صحيحٌ. وأخرجَه البيهقيُّ بلفظِ: أن عمرانَ بنَ حصينٍ سُئِلَ عمَّنْ راجع امرأتَه ولم يُشهدْ، فقالَ: راجع في غير سنَّةٍ، فيشهدُ الآنَ، وزادَ الطبرانيُّ في روايةٍ: ويستغفر اللَّهِ). دلَّ الحديثُ على شرعيةِ الرجعةِ والأصلُ فيْها قولُه تعالَى:

стр. 1755

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (١) الآيةَ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على أن الزوج يملكُ رجعةَ زوجتهِ في الطلاقِ الرجعيِّ ما دامتْ في العدَّةِ منْ غيرِ اعتبارِ رِضَاها ورِضَا وليِّها إذا كانَ الطلاقُ بعدَ المسيسِ وكانَ الحكمُ بصحةِ المرجعةِ مُجْمَعًا عليهِ لا إذَا كانَ مختلفًا فيهِ. والحديثُ دلَّ على ما دلَّتْ عليهِ آيةُ سورةِ الطلاقِ وهيَ قولُه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) بعدَ ذكرهِ الطلاقَ. وظاهرُ الأمرِ وجوبُ الإشهادِ وبهِ قالَ الشافعيُّ في القديمِ وكأنهُ استقرَّ مذهبُه على عدمِ وجوبِه فإنهُ قالَ المرزعيُّ في "تيسير البيانِ": وقدِ اتفقَ الناسُ على أن الطلاقَ منْ غيرِ إشهادٍ جائزٌ، وأما الرجعةُ فيحتملُ أنَّها تكونُ في معنَى الطلاقِ لأنَّها قرينتُه فلا يجبُ فيها الإشهادُ؛ لأنَّها حقٌّ للزوجِ ولا يجبُ عليهِ الإشهادُ على قَبْضِهِ ويحتملُ أنْ يجبَ الإشهادُ وهوَ ظاهرُ الخطابِ، انتَهى. والحديثُ يُحْتَمَلُ أنهُ قالَه عمرانُ اجتهادًا إذْ للاجتهادِ فيهِ مَسْرَحٌ إلَّا أن قولَه: أرجع في غيرِ سنةٍ، قدْ يقالُ إنَّ السنةَ إذا أُطْلِقتْ في لسانِ الصحابيِّ يرادُ بها سنهُ النبيِّ ﷺ فيكونُ مرفُوعًا، إلَّا أنهُ لا يدلُّ على الإيجابِ لتردُّدِ كونِه منْ سنتهِ ﷺ بينَ بين الإيجابِ والندبِ. والإشهادُ على المرجعةِ ظاهرٌ إذا كانت بالقول الصريح واتفقوا على الرجعة بالقولِ، واختلفُوا إذا كانتِ الرجعةُ بالفعلِ، فقالَ الشافعيُّ والإمامُ يَحْيَى: إنَّ الفعلَ محرَّمٌ فلا تحلُّ بهِ ولأنهُ تعالَى ذكر الإشهاد ولا إشهاد إلا على القول وأجيب بأنه لا إثم عليه لأنه تعالى قالَ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٣) وهيَ زوجةٌ والإشهادُ غيرُ واجب كما سلفَ. وقالَ الجمهورُ: يصحُّ بالفعلِ. واختلفُوا هلْ منْ شرطِ الفعلِ النيةُ فقالَ مالكٌ: لا يصحُّ بالفعلِ إلا معَ النيةِ كأنهُ يقولُ لِعمومِ الأعمالِ بالنياتِ، وقالَ الجمهورُ: تصح لأنَّها زوجةٌ شَرْعًا داخلةٌ تحتَ قولِه تعالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ (٤)، ولا يشترطُ النيةُ في لمسِ الزوجةِ وتقبيلِها وغيرِهما إجماعًا. واختُلِفَ هلْ يجبُ عليهِ إعلامُها بأنهُ قدْ راجَعَها لِئلَّا تزوَّج غيرَه؟ فذهبَ الجمهورُ منَ العلماءِ أنهُ لا يجبُ عليهِ، وقيل يجبُ. وتفرَّعَ منَ الخلافِ لو تزوجتْ قبلَ عِلْمِها بأنهُ راجَعَها، فقالَ الأولونَ: النكاحُ باطلٌ وهيَ لزوجِها الذي

стр. 1756

ارتجعَها. واستدلُّوا بإجماعِ العلماءِ على أن المرجعةَ صحيحةٌ وإنْ لمْ تعلمْ بِها المرأةُ وبأنَّهم أجمعُوا أن الزوجَ الأولَ أحقُّ بِها قبلَ أنْ تزَوَّجَ، وعنْ مالكٍ أنَّها للثاني دخلَ بها أوْ لم يدخلْ. واستدلَّ بما رواهُ ابنُ وهب عنْ يونسَ عن ابن شهابٍ عن ابن المسيِّبِ أنهُ قالَ: "مضتِ السُّنةُ في الذي يطلقُ امرأتَه ثمَّ يراجِعُها ثم يكتُمُها رجْعَتَهَا فتحلُّ فتنكحُ زوجًا غيرَه أنهُ ليسَ لهُ منْ أمرِها شيءٌ ولكنَّها لِمنْ تزَوَّجَها" (١)، إلَّا أنهُ قيلَ: إنهُ لم يَرْوَ هذَا إلَّا عن ابن شهابٍ فقطْ وهوَ الزهريُّ فيكونُ منْ قولِه وليسَ بحجةٍ. ويشهدُ لكلامِ الجمهورِ حديثُ الترمذيِّ (٢) عنْ سمرةَ بن جندب أنهُ ﷺ قالَ: "أيُّما امرأةٍ تزوَّجها اثنانِ فهيَ للأولِ مِنْهما"، فإنهُ صادقٌ على هذهِ الصورةِ. واعلمْ أنهُ قالَ تعالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٣) أي أحقُّ بردِّهنَّ في العدةِ بشرطِ أنْ يريدَ الزوجُ بردِّها الإصلاحَ وهوَ حسنُ العشرةِ والقيامُ بحقوقِ الزوجيةِ؛ فإنْ أرادَ بالمرجعةِ غيرَ ذلكَ كمنْ يراجعُ زوجَتَه ليطلِّقَها كما يفعلهُ العامةُ فإنهُ يطلِّق ثمَّ ينتقلُ منْ موضِعِه فيراجعُ ثمَّ يطلِّقُ إرادة لِبَيْنُونَةِ المرأةِ فهذِه المراجعةُ لم يُرِدْ بها إصْلاحًا ولا إقامةَ حدودِ اللهِ فهيَ باطلةٌ، إذ الآيةُ ظاهرةٌ في أنهُ لا تباحُ لهُ المراجعةُ ويكونُ أحقَّ بردِّ امرأتِه إلا بشرطِ إرادةِ الإصلاح، وأيُّ إرادةِ إصلاحٍ في مراجعتِها ليطلِّقَها. ومَنْ قالَ إنَّ قولَه: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (٤) ليسَ بشرطٍ للرجعةِ فإنهُ قولٌ مخالفٌ لظاهرِ الآيةِ بلا دليلٍ. ٢/ ١٠٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ لَمّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "مُرهُ فَلْيُرَاجِعْهَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أنهُ لما طلقَّ امرأتَه قالَ النبيُّ ﷺ لعمرَ: مُرة فليراجِعْها. متفقٌ عليهِ)، تقدَّمَ الكلامُ عليهِ بما يكْفي منْ غيرِ زيادةٍ. * * *

стр. 1757

[الباب الأول] باب الإيلاء والظهار والكفارة الإيلاءُ هو لغةً: الحلفُ. وشرْعًا: الامتناعُ باليمينِ منْ وطءِ الزوجةِ. والظهارُ: بكسرِ الظاءِ مشتقٌ منَ الظَّهْرِ لقولِ القائلِ أنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ. والكفارةُ: وهي منَ التكفيرِ التغطيةُ. جواز حَلف الرجل من زوجته ١/ ١٠٢٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَائِهِ وَحَرّمَ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا، وَجَعَلَ لِلْيَمِينِ كَفَّارَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١)، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. [ضعيف] (عنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: آلَى رسول الله منْ نسائِه وحرَّم وجعلَ الحرامَ حلالًا وجعلَ لليمينِ كفارةً. رواهُ الترمذيُّ ورجالُه ثقاتٌ)، ورجَّحَ الترمذيُّ إرسالَه على وصْلِه. والحديثُ دليلٌ على جوازِ حلفِ الرجلِ منْ زوجَتِه وليسَ فيهِ تصريحٌ بالإيلاءِ المصْطَلَحِ عليهِ في عُرْفِ الشرعِ وهوَ الحلفُ منْ وطْءِ الزوجةِ. واعلمْ أنَّها اختلفتِ الرواياتُ في سببِ إيلائِه ﷺ وفي الشيءِ الذي حرَّمهُ على رواياتٍ: أحدُها: أنهُ بسبب إفشاءِ حفصةَ للحديثِ الذي أسرَّه إليها واختُلِفَ في الحديثِ الذي أسرَّهُ إليها، أخرجَهُ البخاريُّ (٢) عن ابن عباسٍ عنْ عمرَ في حديثٍ

стр. 1758

طويلٍ، وأجملَ في روايةِ البخاريِّ هذهِ، وفسَّره في روايةٍ أخرجَها الشيخانِ (١) بأنهُ تحريمُه لماريةَ وأنهُ أسرَّه إلى حفصةَ فأخبرتْ بهِ عائشةَ، أو تحريمُه للعسلِ (٢)، وقيلَ: بلْ أسرَّ إلى حفصةَ أن أباها يلي أمرَ الأمةِ بعدَ أبي بكرٍ (١)، وقالَ: لا تخبري عائشةَ بتحريمي ماريةَ. وثانيها: أن "السببَ في إيلائِه أنه فرَّقَ هديةً جاءتْ لهُ بينَ نسائِه، فلمْ ترضَ زينبُ بنتُ جحشٍ بنصيبها فزادَها مرةً أُخْرَى فلم ترضَ، فقالتْ عائشةُ: لقدْ أقمتَ وجْهَكَ تردُّ عليكَ الهديةَ، فقالَ: لأنتُن أهونُ على اللَّهِ منْ أنْ [يغمَّنِي] (٣)، لا أدخلُ عليكنَّ شَهْرًا"، أخرجَه ابنُ سعدٍ (٤) عنْ عمرةَ عنْ عائشةَ، ومنْ طريقِ الزهري عنْ [عمرةَ] (٥) عنْ عائشةَ نحوُه وقالَ: ذبحَ ذبحًا. ثالثُها: أنهُ بسببِ طلبهنَّ النفقةَ، أخرجَه مسلمٌ (٦) منْ حديثِ جابرٍ. فهذهِ أسبابٌ ثلاثةٌ. أما [إفشاء] (٧) بعضِ نسائِه السرًّ وهيَ حفصةُ، والسرُّ أحدُ ثلاثةٍ: إما تحريمُه ماريةَ أو العسلَ، أو وجد أنه مع مارية، أو بتحريج صدْرِه منْ قِبَلِ ما فرَّق بينَهنَّ منَ الهديةِ، أو تضييقِهنَّ في طلبِ النفقةِ. قالَ المصنفُ ﵀: [الأليَق] (٨) بمكارمِ أخلَاقِه ﷺ وسعةِ صدرِه وكثرةِ صفحِه أن يكونَ مجموعُ هذهِ الأشياءَ سببًا لاعتزالهنَّ، فقولها: "وحرَّم"، أي حرَّمَ ماريَّةَ أو العسلَ، وليسَ فيهِ دليلٌ على أن التحريمَ للجماعِ حتَّى يكونَ منْ بابِ الإيلاءِ الشرعيِّ، فلا وجْهَ لجزمِ ابن بطالٍ وغيرِه أنهُ ﷺ امتنعَ منْ جماعِ نسائِه

стр. 1759

ذلكَ الشهرَ إنْ أخذَه منْ هذا الحديثِ ولا مستندَ له غيرُه؛ فإنهُ قالَ المصنفُ: لم أقفْ على نَقْلٍ صريحٍ في ذلكَ فإنهُ لا يلزمُ منْ عدمِ دخولِه عليهنَّ أنْ لا تدخلَ إحداهنَّ عليهِ في المكانِ الذي اعتزلَ فيهِ إلَّا إنْ كانَ المكانُ المذكورُ منَ المسجدِ فيتمُّ استلزامُ عدمِ الدخولِ عليهنَّ معَ استمرارِ الإقامةِ في المسجدِ العزمَ على تركِ الوطءِ لامتناعِ الوطءِ في المسجدِ. أحكام الإيلاء ٢/ ١٠٢٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَقَفَ الْمُولِي حَتى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتى يُطلِّقَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄: إذا مضتْ أربعة أشهرٍ وقفَ المُولي حتى يطلِّقَ، ولا يقعُ عليهِ الطلاقُ حتى يطلِّقَ. أخرجَهُ البخاريُّ). الحديثُ كالتفسيرِ لقولِه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٢)، وقدِ اختلفَ العلماءُ في مسائلَ منَ الإيلاءِ. الأُولى: في اليمينِ، فإنَّهم اختلَفُوا فيها فقالَ الجمهورُ: ينعقدُ الإيلاءُ بكلِّ يمينٍ على الامتناعِ منَ الوطْءِ سواءٌ حلفَ باللَّهِ أو بغيرِه، وقالتِ الهادويةُ: إنهُ لا ينعقدُ إلَّا بالحلفِ باللهِ، قالُوا: لأنهُ لا يكونُ يمينًا إلا ما كانَ باللَّهِ تعالَى فلا تشملُ الآيةُ ما كانَ بغيرِه. قلتُ: وهوَ الحقُّ كما يأتي. الثانيةُ: في الأمرِ الذي تعلَّقَ بهِ الإيلاءُ وهوَ تركُ الجماعِ صريحًا أو كنايةً أو تركُ الكلامِ عندَ البعضِ، والجمهورُ على أنهُ لا بدَّ فيهِ منَ التصريحِ بالامتناعِ منَ الوطْءِ لا مجرَّدَ الامتناعِ عن الزوجةِ. ولا كلامَ أن الأصلَ في الإيلاءِ قولُه تعالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٣) الآيةَ، فإنَّها نزلتْ لإبطالِ ما كانَ عليهِ الجاهليةُ منْ إطالةِ مدةِ الإيلاءِ فإنهُ كانَ الرجلُ يولي منِ امرأتِه سنةً وسنتينِ فأبطلَ اللَّهُ تعالَى ذلكَ وأنظرَ المولي أربعةَ أشهرٍ فإما أنْ يفيءَ أو يطلِّقَ.

стр. 1760

الثالثةُ: اختلفُوا في مدةِ الإيلاءِ فعندَ الجمهورِ والحنفيةِ لا بدَّ أنْ يكونَ أكثرَ منْ أربعةِ أشهرٍ، وقالَ الحسنُ وآخرونَ: ينعقدُ بقليلٍ الزمانِ وكثيرِه لقوله تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (١)، وَرُدَّ بأنهُ لا دليلَ في الآيةِ إذْ قدْ قدَّرَ اللهُ المدةَ فيها بقولِه تعالَى: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (١)، فالأربعةُ قدْ جعلَها اللهُ مدةَ الإمهالِ فهي كأجلِ الدَّيْنِ لأنهُ تعالَى قالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ (١) بفاءِ التعقيبِ وهوَ بعدَ الأربعةِ، فلوْ كانتِ المدةُ أربعةً أوْ أقل لكانتْ قدِ انقضتْ فلا يطالبُ بعدَها، والتعقيبُ للمدَّةِ لا للإيلاءِ لبُعْدِهِ. والرابعةُ: أنَّ مُضِيَّ المدةِ لا يكونُ طلاقًا عندَ الجمهورِ. وقالَ أبو حنيفة: بلْ إذا مضتِ الأربعةُ الأشهرِ طُلِّقتِ المرأةُ. قالُوا: والدليلُ على أنهُ لا يكونُ بمضيِّها طلاقًا أنهُ تعالى خيَّرَ في الآيةِ بينَ الفيئةِ والعزْمِ على الطلاق فيكونانِ في وقتٍ واحدٍ وهوَ بعدَ مُضِيِّ الأربعةِ، فلوْ كانَ الطلاقُ يقعُ [بعد مضي] (٢) الأربعةِ والفيئةِ بعدَها لم يكنْ [مخيرًا] (٣) لأنَّ حقَّ المخيَّر أنْ يقَعَ أحدُهما في الوقتِ الذي يصحُّ فيهِ الآخرُ كالكفارةِ؛ ولأنهُ تعالَى أضافَ عَزْمَ الطلاقِ إلى الرجلِ وليسَ مضيُّ المدةِ منْ فعلِ الرجلِ، ولحديثِ ابن عمرَ هذا الذي نحنُ في سياقِه وإنْ كانَ موقوفًا فهوَ مقوٍّ للأدلةِ. الخامسةُ: الفيئةُ هيَ الرجوعُ. ثمَّ اختلفُوا بماذا تكونُ، فقيلَ تكونُ بالوطْءِ على القادرِ، والمعذورِ يَبِيْنُ عذْرُهُ بقولهِ لوْ قدرتُ لَفِئْتُ؛ لأنهُ الذي يقدرُ عليهِ لقولهِ تعالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤)، وقيلَ: بقولِه رجعتُ عنْ يميني وهذا للهادويةِ؛ كأنَّهم يقولونَ: المرادُ رجوعُه عنْ يمينِه لا إيقاعَ ما حلفَ عليهِ، وقيلَ: يكون في حقِّ المعذورِ بالنيةِ؛ لأنَّها توبةٌ يكفي فيها العزمُ ورُدَّ بأنَّها توبةٌ عنْ حقِّ مخلوقٍ فلا بدَّ منْ إفهامِهِ الرجوعَ عن الأمرِ الذي عزمَ عليهِ. السادسةُ: اختلفُوا هل تجبُ الكفارةُ على مَنْ فاءَ. فقالَ الجمهورُ: تجبُ لأنَّها يمينٌ قدْ حنثَ فيها فتجبُ الكفارةُ، ولحديثِ: "مَنْ حلفَ على يمينٍ فرأَى

стр. 1761

غيرَها خيرًا منْها فليكفرْ عنْ يمينِه وليأتِ الذي هوَ خيرٌ" (١)، وقيلَ لا تجبُ لقولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وأُجِيْبَ بأنَّ الغفرانَ يختصُّ بالذنبِ لا بالكفارةِ ويدلُّ للمسألةِ الخامسةِ قولُه: حكم المولي بعد مضي مدة الإيلاء ٣/ ١٠٢٦ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رسُولِ اللهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَقِفُونَ الْمُولِي. رَوَاهُ الشَّافِعيُّ (٣). [صحيح] ترجمة سليمان بن يسار (وعنْ سليمانَ بن يسارٍ) (٤) بفتحِ المثناةِ فسينٍ مهملةٍ مخففةٍ بعدَ الألفِ راءٌ، هوَ أبو أيوبَ سليمانُ بنُ يسارٍ مولى ميمونةَ زوجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وهوَ أخو عطاءَ بن يسارٍ كانَ سليمانُ منْ فقهاءِ المدينةِ وكبارِ التابعينَ ثقةً فاضلًا ورعًا حجةً، هوَ أحدُ الفقهاءِ السبعةِ، رَوَى عن ابن عباسٍ وأبي هريرةَ وأمِّ سلمةَ. ماتَ سنةَ سبعٍ ومائةٍ، وهوَ ابنُ ثلاثٍ وسبعينَ سنة (قالَ: أدركتُ بضعةَ عشرَ رجلًا منْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ كلّهم يقفونَ المولِي. رواهُ الشافعيُّ) وفي "الإرشاد" لابنِ كثيرٍ أنهُ قالَ الشافعيُّ بعدَ روايةِ الحديثِ: وأقلُّ ذلكَ ثلاثةَ عشرَ اهـ. يريدُ أقلُّ ما يطلقُ عليهِ لفظُ بضعةَ عشرَ. وقولُه: "يقفونَ" بمعنَى يقفونَه أربعةَ أشهرٍ كما أخرجَه إسماعيلُ - هوَ ابنُ أبي إدريسَ - عنْ سليمانَ أيضًا، أنهُ قالَ: أدركْنا الناسَ يقفون الإيلاءَ إذا مضتِ الأربعةُ، فإطلاقُ روايةِ الكتابِ محمولةٌ على

стр. 1762

هذهِ الروايةِ المقيَّدةِ. وقدْ أخرجَ الدارقطنيُّ (١) منْ حديث سهيلِ بن أبي صالحٍ عنْ أبيهِ أنهُ قالَ: سألتُ أثنى عَشَرَ رجلًا منَ الصحابةِ عن الرجلِ يولى فقالُوا: ليسَ عليهِ شيءٌ حتَّى تمضيَ أربعةُ أشهرٍ فيوقفُ؛ فإنْ فاءَ وإلَّا طلَّقَ. وأخرجَ إسماعيلُ المذكورُ منْ حديثِ ابنُ عمرَ أنهُ قالَ: "إذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ يوقفُ حتَّى يطلِّقَ ولا يقعُ عليها الطلاقُ حتى يطلِّقَ". وأخرجَ الإسماعيليُّ أثرَ ابن عمرَ بلفظِ أنهُ كانَ يقولُ: "أيما رجلٍ آلَى منِ امرأتِه فإذا مضتْ أربعةُ أشهرٍ لِوقفُ حتَّى يطلِّقَ أو يفيءَ، ولا يقعُ عليها طلاقٌ إذا مضتْ حتَّى يوقفَ"، وفي البابِ آثارٌ كثيرةٌ عن السلفِ (٢) كلُّها قاضيةٌ بأنهُ لا بدَّ بعدَ مضيِّ الأربعةِ الأشهرِ منْ إيقافِ المولي، ومعنَى إيقافِه هوَ أنْ يطالبَ إما بالفيءِ أو بالطلاقِ، ولا يقعُ الطلاقُ بمجردِ مُضِيِّ المدةِ، وإلى هذَا ذهبَ الجماهيرُ وعليهِ دلَّ ظاهرُ الآيةِ إذْ قولُه تعالَى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ (٣) يدلُّ قولُه: "سميعٌ" على أن الطلاقَ يقعُ بقولٍ يتعلَّقُ بهِ السمعُ ولو كانَ يقعُ بمضيِّ المدة [كما قاله ابن المسيب والأوزاعي وربيعة ومكحول والزهرى والكوفيون إنه يقع الطلاق بنفس مضي المدة فقيل طلقة رجعية، وقيل بائنة ولا عدة عليها] (٤) لكَفَى قولُه: "عليمٌ" لما عرفَ منْ بلاغةِ القرآنِ وأنَّ فواصلَ الآياتِ تشيرُ إلى ما دلتْ عليهِ الجملةُ السابقةُ، فإذا وقعَ الطلاقُ فإنهُ يكونُ رجْعيًّا عندَ الجمهورِ وهوَ الظاهرُ ولغيرِهم تفاصيلُ لا يقومُ عليها دليل. أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر ٤/ ١٠٢٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ إِيْلَاءُ الْجَاهِلِيّةِ السَّنَةَ وَالسّنَتَيْنِ. فَوَقَّتَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ بِإِيْلَاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (٥). [إسناده صحيح]

стр. 1763

(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ قالَ: كانَ إيلاءُ الجاهليةِ السنةَ والسنتينِ فوقَّتَ اللَّهُ أربعةَ أشهر، فإنْ كانَ أقلَّ منْ أربعةِ أشهرٍ فليسَ بإيلاءٍ. أخرجَه البيهقيُّ). وأخرجَهُ الطبرانيُّ (١) أيضًا عنهُ وقالَ الشافعيُّ: كانتِ العربُ في الجاهليةِ تحلفُ بثلاثةِ أشياءٍ، وفي لفظ: "كانوا يطلِّقونَ الطلاقَ والظِّهارَ والإيلاء فنقلَ تعالَى الإيلاء والظهارَ عما كانَ عليهِ الجاهليةُ منْ إيقاعِ الفرقةِ على الزوجةِ إلى ما استقرَّ عليهِ حكمُهُما في الشرعِ وبقيَ حكمُ الطلاقِ على ما كانَ عليهِ". والحديثُ دليلٌ على أن أقلَّ ما ينعقدُ بهِ الإيلاءُ أربعةُ أشهرٍ. أحكام الظهار ٥/ ١٠٢٨ - وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهَا، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي وَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ أُكَفِّرَ، قَالَ: "فَلا تَقْرَبْهَا حَتى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ". رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ (٢)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَجّحَ النَّسَائِيُّ إِرْسَالَهُ. وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وزَادَ فيهِ: "كَفرْ وَلَا تَعُدْ". [حسن] (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رجلًا ظاهرَ منِ امرأتهِ ثمَّ وقعَ عليها فأَتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: إنِّي وقعت عليها قبلَ أنْ أكفِّرَ قالَ: فلا تقربْها حتَّى تفعلَ ما أَمَرَكَ الله. رواهُ الأربعة وصحَّحَه الترمذيُّ ورجَّحَ النسائيُّ إرسالَه، ورواهُ البزَّارُ منْ وجْهٍ آخرَ عن ابن عباسٍ وزادَ فيهِ: كفِّرْ ولا تعدْ) هذَا منْ بابِ الظهارِ والحديثُ لا يضرُّ إرسالُه كما كرَّرْناهُ منْ أن إتيانَه منْ طريقٍ مرسلَةٍ وطريقٍ موصولةٍ لا يكونُ علةً بلْ يزيدُه قوةً، والظهارُ مشتقٌّ منِ الظَّهْرِ؛ لأنهُ قولُ الرجلِ لامرأتِه أنتِ عليَّ كظهْرِ أمِّي فأُخِذَ اسمُه منْ لفظِه وكَنَّوْا بالظَّهْرِ عما يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ وأضافُوه إلى الأمِّ لأنَّها أمُّ المحرماتِ. وقدْ أجمعَ العلماءُ على تحريمِ الظِّهارِ وإثمِ فاعلِه كما قالَ تعالَى:

стр. 1764

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (١). وأما حكمهُ بعدَ إيقاعِه فيأتي. وقدِ اتفقَ العلماءُ علَى أنهُ يقعُ بتشبيهِ الزوجةِ بظهرِ الأمِّ، ثمَّ اختلفُوا فيهِ في مسائلَ: الأُولَى: إذا شبَّهَهَا بعضوٍ منْها غيرِهِ، فذهبَ الأكثرُ إلى أنهُ يكونُ ظِهارًا أيضًا، وقيلَ يكونُ ظِهارًا إذا شبَّهَهَا بعضوٍ يحرمُ النظرُ إليهِ. وقد عرفتَ أن النصَّ لم يردْ إلَّا في الظَّهْرِ. الثانيةُ: أنَّهم اختلفُوا أيضًا فيما إذا شبَّهَهَا بغيرِ الأمِّ منَ المحارمٍ، فقالتِ الهادويةُ (٢): لا يكونُ ظِهارًا؛ لأنَّ النصَّ وردَ في الأمِّ. وذهبَ آخرون (٣) منهمْ مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ إلى أنهُ يكونُ ظهارًا ولو شبَّهَها بمحرَّم منَ الرضاعِ. ودليلُهم القياسُ، فإنَّ العلةَ التحريمُ المؤبَّدُ [الثابت] (٤)، وهوَ ثابتٌ في المحارمِ كثبوتِهِ في الأمِّ. وقالَ مالكٌ وأحمدُ: إنهُ ينعقدُ وإنْ لم يكنِ المشبَّهُ بهِ مؤبَّدَ التحريم كالأجنبيةِ، بلْ قالَ أحمدُ: حتَّى منْ البهيمةِ ولا يخْفَى أن النصَّ لم يردْ إلَّا في الأمِّ وما ذُكِرَ منْ إلحاقِ غيرِها فبالقياسِ وملاحظةِ المعنَى ولا ينتهضُ دليلًا على الحكْمِ. الثالثةُ: أنَّهم اختلفُوا أيضًا هلْ ينعقدُ الظِّهارُ منَ الكافرِ؟ فقيلَ: نعمْ لعمومِ الخطابِ في الآيةِ، وقيلَ: لا ينعقدُ منهُ لأنَّ منْ لوازمِهِ الكفارةُ وهيَ لا تصحُّ منَ الكافرِ، ومَنْ قالَ: ينعقدُ منهُ قالَ: يكفِّرُ بالعتْقِ أو الإطعامِ لا بالصوم لتعذُّرِهِ في حقِّهِ، وأُجِيْبَ بأنَّ العتقَ والإطعامَ إذا فُعِلا لأجلِ الكفارةِ كانا قربةً، ولا قربةَ لكافرٍ. الرابعةُ: أنَّهم اختلفُوا أيضًا في الظهارِ منَ الأمَةِ المملوكةِ، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ والشافعيةُ إلى أنهُ لا يصحُّ الظِّهارُ منْها؛ لأنَّ قَولَه تعالَى منْ نسائِهم لا يتناولُ المملوكةَ في عُرْفِ اللغةِ للاتفاقِ في الإيلاءِ على أنَّها غيرُ داخلةٍ في عمومِ النساءِ وقياسًا على الطلاقِ. وذهبَ مالكٌ وغيرُه إلى أنهُ يصحُّ منَ الأمَةِ لعمومِ لفظِ النساءِ إلَّا أنهُ اختلفَ القائلونَ بصحتِه منْها في الكفارةِ، فقيلَ: لا تجبُ إلَّا نصفُ الكفارةِ فكأنَّهُ قاسَ ذلكَ على الطلاقِ عندَه.

стр. 1765

الخامسةُ: الحديثُ دليلٌ على أنهُ يحرمُ وطءُ الزوجةِ التي ظاهرَ منْها قبلَ التكفيرِ، وهوَ مجمَعٌ عليهِ لقولهِ تعالَى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فلو وطئَ لم يسقطِ التكفيرُ ولا يتضاعفُ لقولِه ﷺ : "حتَّى تفعلَ ما أمرَكَ اللَّهُ"، قالَ الصلْتُ بنُ دينارِ: سألتُ عشرةً (١) منَ الفقهاءِ عن المظَاهِرِ يجامعُ قبلَ التكفيرِ فقالُوا: "كفارةٌ واحدةٌ" وهو قولُ الفقهاءِ الأربعةِ (٢). وعنِ ابن عمرَ أن عليهِ كفارتينِ إحداهُما للظهارَ الذي اقترنَ بهِ العودُ والثانيةُ للوطْءِ المحرَّمِ كالوطءِ في رمضانَ نَهَارًا، ولا يخْفَى ضعفُه. وعن الزهريِّ وابنِ جبيرٍ أنَّها تسقطُ الكفارةُ لأنهُ فاتَ وقتُها [لأنهُ] قبلَ المسيسِ وقدْ فاتَ، وأُجِيْبَ: بأنَّ فواتَ وقتِ الأداءِ لا يسقطُ الثابتَ في الذمةِ كالصلاةِ وغيرِها منَ العباداتِ. واختُلِفَ في تحريمِ المقدماتِ، فقيلَ: حُكْمُها حكمُ المسيسِ في التحريمِ لأنَّهُ شبَّهَهَا بمنْ يحرُمُ عليه في حقِّها الوطءُ ومقدماتُه وهذا قولُ الأكثرِ، وعنِ الأقلِّ لا تَحرُمُ المقدماتُ لأنَّ المسيسَ هوَ الوطءُ وحدَه فلا يشملُ المقدماتِ إلا مجازًا ولا يصحُّ أنْ يُرَادَا لأنهُ جَمْعٌ بينَ الحقيقةِ والمجازِ، وعنِ الأوزاعيِّ يحلُّ لهُ الاستمتاعُ بما فوقَ الإزارِ. ترتيب خصال الكفارة في الظهار ٦/ ١٠٢٩ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ ﵁ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَخِفْتُ أَنْ أُصِيبَ امْرَأَتِي، فَظَاهَرْتُ مِنْهَا فَانْكَشَفَ لي شَيْءٌ مِنْهَا لَيْلَةً فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَقَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "حَرِّرْ رَقَبَةً"، فَقُلْتُ: مَا أَمْلِكُ إِلَّا رَقَبَتِي، قَالَ: "فَصُمْ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ"، قُلْتُ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟ قالَ: "أَطْعِمْ فَرَقًا منْ تَمْرٍ ستِّينَ مِسْكِينًا". أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٣) والأَرْبَعَةَ إِلَّا النَّسَائِي (٤)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ الْجَارُودِ (٥). [صحيح غيره]

стр. 1766

ترجمة سلمة بن صخر (وعنْ سلمةَ بن صخرٍ) (١) هوَ البياضيُّ، بفتحِ الموحَّدةِ وتخفيفِ المثناةِ التحتيةِ وضادٍ معجمةٍ، أنصاريٌّ خزرجيٌّ كانَ أحدَ البكائينَ. رَوَى عنهُ سليمانُ بنُ يسارٍ وابنُ المسيِّبِ. قالَ البخاريُّ: لا يصحُّ حديثهُ يعني هذا الذي في الظِّهارِ. (قالَ: دخلَ رمضانُ فخِفْتُ أنْ أصيبَ امرأتي) وفي الإرشادِ [قال إني] (٢) كنتُ [رجلًا] (٣) أصيبُ منَ النساءِ ما لا يصيبُ غيري (فظاهرتُ منْها فانكشفَ لي شيءٌ منْها ليلةً فوقعتُ عليها، فقالَ لي رسولُ اللَّهِ ﷺ : حرِّرْ رقبةً، فقلتُ: ما أملكُ إلَّا رقبتي، قالَ: فصمْ شهرينِ متتابعينِ، قلتُ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلَّا منَ الصيامِ؟ قالَ: أطعمْ فَرَقًا منْ تمرٍ ستينَ مسكينًا. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ إلا النسائيَّ وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وابنُ الجارودِ)، وقدْ أعلَّه عبدُ الحقِّ بالانقطاعِ بينَ سليمانَ بنَ يسارِ وسلمةَ؛ لأنَّ سليمانَ لم يدركْ سلمةَ. حَكَى ذلكَ الترمذيُّ (٤) عن البخاريِّ وفي الحديثِ مسائلُ:

стр. 1767

الأُوْلَى: أنهُ دلَّ على ما دلَّتْ عليهِ الآيةُ منْ ترتيبِ خصالِ الكفَّارةِ، والترتيبُ إجماعٌ بينَ العلماءِ (١). الثانيةُ: أنَّها أُطْلِقَتِ الرقبةُ في الآيةِ وفي الحديثِ أيضًا ولم تقيَّدْ بالإيمانِ كما قُيِّدتْ بهِ في آيةِ القتلِ، فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما إلى عدمِ التقييدِ وأنها تجزئُ رقبةٌ ذميةٌ وقالوا: لا تَقَيُّدَ بما في آيةِ القتلِ لاختلافِ السببِ. وقدْ أشارَ الزمخشريُّ (٢) إلى عدمِ اعتبارِ القياسِ لعدمِ الاشتراكِ في العلةِ؛ فإنَّ المناسبةَ في آية القتل أنهُ لما أخرجَ رقبةً مؤمنةً منْ صفةِ الحياةِ إلى صفة الموتِ كانت كفارتُه إدخالَ رقبةٍ مؤمنةٍ في حياةِ الحريةِ وإخراجَه عنْ موتِ الرَّقِّيَّةِ؛ فإنَّ الرقَّ يقتضي سلبَ التصرفِ عن المملوكِ فأشْبَهَ الموتَ الذي يقتضي سَلْبَ التصرفِ عن الميتِ، فكانَ في إعتاقهِ إثباتُ التصرفِ فأشْبَهَ الإحياءَ الذي يقتضي إثباتَ التصرفِ للحيِّ، وذهبت الهادويةُ ومالكٌ والشافعيُّ إلى أنهُ لا يجزئُ إعتاقُ رقبةٍ كافرةٍ، [قالوا] (٣): تقيَّدُ آيةُ الظِّهارِ كما قُيّدَتْ آيةُ القتلِ وإنْ اختلَفَ السببُ، قالُوا: وقدْ أيدتْ ذلكَ السنةُ، فإنهُ لما جاءَهُ ﷺ السائلُ يستفتيهِ في عتقِ رقبةٍ كانتْ عليهِ سألَ ﷺ الجاريةَ: "أينَ اللَّهُ"؟ فقالتْ: في السماءِ، فقالَ: "منْ أَنَا"؟ فقالتْ: أنتَ رسولُ اللَّهِ، قالَ: "فأعتقْها فإنَّها مؤمنة"، أخرجَهُ البخاريُّ (٤) وغيرُه. قالُوا: فسؤالُه ﷺ لها عن الإيمانِ وعدمُ سؤالِه عنْ صفةِ الكفَّارةِ وسببها دالٌّ على اعتبارِ الإيمانِ في كلِّ رقبةٍ تُعْتَقُ عنْ سببٍ، لأنهُ قدْ تقرَّرَ أن تَرْكَ الاستفصَالِ معَ قيام الاحتمالِ ينزلُ منزلةَ العمومِ في المنالِ كما قدْ تكرَّرَ.

стр. 1768

قلتُ: الشافعيُّ قائلٌ بهذهِ القاعدةِ، فإنْ قالَ بها مَنْ مَعَهُ منَ المخالفينَ كانَ الدليلُ على التقييدِ هوَ السُّنَّةُ لا الكتابَ؛ لأنَّهم قرَّرُوا في الأصولِ أنهُ لا يحملُ المطلقُ على المقيَّدِ إلَّا معَ اتحادِ السبب. لكنَّه وقعَ في حديثِ أبي هريرةَ عندَ أبي داودَ (١) ما لفظُه فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، الحديثَ إلى آخرِه. قالَ عِزُّ الدينِ الذهبيُّ: وهذا حديث صحيحٌ. وحينئذٍ فلا دليلَ في الحديثِ على ما ذُكِرَ فإنهُ ﷺ لم يسألْها عن الإيمانِ إلَّا لأنَّ السائلَ قالَ عليهِ رقبةٌ مؤمنةٌ. الثالثةُ: اختلفَ العلماءُ في الرقبةِ المعِيْبَةِ بأيِّ عَيْبٍ، فقالتِ الهادوبةُ وداودُ: تجزئُ المعيبةُ لتناولِ اسمِ الرقبةِ لها، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ إِجْزاءِ المعيبةِ قياسًا علَى الهدايا والضحايا بجامعِ التقربِ إلى اللَّهِ. وفصَّلَ الشافعي فقالَ: إنْ كانتْ كاملةَ المنفعةِ كالأعورِ أجزأتْ وإنْ نقصتْ منافعُه لم تجزْ إذا كانَ ذلكَ ينقصُها نُقْصَانًا ظاهرًا كالأقطع والأعْمى، إذِ العتقُ تمليكُ المنفعةِ وقد نقصتْ، وللحنفيةِ تفاصيلُ في العيبِ يطولُ تعدادُها ويعزُّ قيامُ الأدلةِ عليْها (٢). الرابعةُ: أن قولَه ﷺ فصمْ شهرينِ متتابعينِ دالٌ على وجوبِ التتابعِ (٣) وعليهِ دلتِ الآيةُ، وشرطتْ أنْ تكونَ قبلَ المسِ، فلو مسَّ فيهما استأنفَ وهوَ إجماعٌ إذا وَطِئَها نهارًا متعمّدًا. [وكذلك] (٤) ليلًا عندَ الهادويةِ وأبي حنيفةَ وآخرينَ ولو ناسيًا للآيةِ. وذهبَ الشافعي وأبو يوسفَ إلى أنهُ لا يضرُّ ويجوزُ؛ لأنَّ علةَ النَّهْي إفسادُ الصومِ ولا إفسادَ بوَطْءِ الليلِ، وأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ عامةٌ، واختلفُوا إذا وطئَ نهارًا ناسيًا فعندَ الشافعيِّ وأبي يوسفَ لا يضرُّ لأنهُ لم يفسدِ الصومَ. وقالتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ: بلْ يستأنفُ كما إذا وطِئَ عامدًا لعمومِ الآيةِ، قالُوا: وليستِ العلةُ إفسادَ الصومِ بلْ دلَّ عمومُ الدليلِ للأحوالِ كلِّها على [أنه] (٥) لا تتمُّ الكفارةُ إلا بوقوعِها قبلَ المسيسِ. الخامسةُ: اختلفُوا أيضًا فيما إذا عرضَ لهُ في أثناءِ صيامِهِ عذرٌ مأيوسٌ ثمَّ

стр. 1769

زالَ هلْ يبني على صومِه أوْ يستأنفُ؟ فقالتِ الهادويةُ ومالكٌ وأحمدُ: إنهُ يبني على صومِه؛ لأنهُ فرَّقَهُ بغيرِ اختيارهِ، وقالَ أبو حنيفةَ وهوَ أحدُ قولي الشافعيِّ: بلْ يستأنفُ لاختيارهِ التفريقَ. وأُجيْبَ بأنَّ العذرَ صيَّرهُ كغيرِ المختارِ. وأما لو كانَ العذرُ مرجُوًّا فقيلَ يبني أيضًا، وقيلَ: لا يبني؛ لأنَّ رجاءَ زوالِ العذرِ صيَّرهُ كالمختارِ. وأجيبَ بأنهُ معَ العذرِ لا اختيارَ لهُ. السادسةُ: أن ترتيبَ قولِه ﷺ فصمْ على قولِ السائلِ: "ما أملكُ إلَّا رقبتي"، يقضي بما قضتْ بهِ الآيةُ منْ أنهُ لا ينتقلُ إلى الصومِ إلَّا لعدمِ وُجْدَان الرقبةِ، فإنْ وجدَ الرقبةَ إلَّا أنهُ يحتاجُها لخدمتِه للعجزِ فإنهُ لا يصحُّ منهُ الصومُ. فإن قيلَ: إنهُ قدْ صحَّ التيممُ لواجدِ الماءِ إذا كانَ يحتاجُ إليهِ فهلَّا قستمُ ما هنا عليهِ؟ قلتُ: لا يقاسُ، لأنَّ التيممَ قدْ شُرعَ معَ العذرِ فكانَ الاحتياجُ إلى الماءِ كالعذرِ. فإنْ قيلَ: فهلْ يجعلُ الشبق إلى الجماع عذرًا يكونُ لهُ معهُ العدولُ إلى الإطعامِ ويُعَدُّ صاحبُ الشبق غيرَ مستطيعٍ للصومِ؟ قلتُ: هوَ ظاهرُ حديثِ سلمةَ، وقولُه في الاعتذارِ عن التكفيرِ بالصيامِ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلَّا منَ الصيامِ وإقرارهُ ﷺ على عذرِه. وقولُه: "أطْعم"، يدلُّ على أنهُ عذرٌ يُعْدَلُ معهُ إلى الإطعامِ. السابعةُ: أن النصَّ القرآنيَّ والنبويَّ صريحٌ في إطعامِ ستينَ مِسْكِينًا كأنهُ جعلَ عنْ كلِّ يومٍ منَ الشهرينِ إطعامَ مسكينٍ، واختلفَ العلماءُ هلْ لا بدَّ منْ إطعامِ ستينَ مسكينًا أوْ يكفي إطعامُ مسكينٍ واحدٍ ستينَ يومًا؟ فذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ وأحمدُ والشافعيُّ إلى الأولِ لظاهرِ الآيةِ، وذهبتِ الحنفيةُ وهوَ أحدُ قولَي زيدُ بنُ عليٍّ والناصرِ إلى الثاني وأنهُ يكفي إطعامُ واحدٍ ستينَ يومًا أوْ أكثرَ منْ واحدٍ بقدرِ إطعامِ ستينَ مسكينًا، قالُوا: لأنهُ في اليومِ الثاني مستحقٌّ كَقَبْلِ الدفعِ إليهِ، وأجيبَ بأنَّ ظاهرَ الآيةِ تغايرُ المساكينِ بالذاتِ، ويُرْوَى عنْ أحمدُ ثلاثةُ أقوالٍ كالقولينِ هذيْنِ، والثالثُ: إنْ وجد غيرَ المسكينِ لم يجزِ الصرفُ إليهِ وإلَّا أجْزَأَ إعادةُ الصرفِ إليهِ. الثامنةُ: اختلفَ في قدْرِ الإطعامِ لكلِّ مسكينٍ (١)، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ

стр. 1770

إلى أن الواجبَ سِتُّونَ صالحًا منْ تمرٍ أو ذُرةٍ أوْ شعيرٍ، أو نصفه منْ برٍّ، وذهبَ الشافعيُّ إلى أن الواجبَ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ والمدُّ ربعُ الصالح. واستدلَّ بقولِه في حديثِ البابِ أطعمْ عرقًا منْ تمرٍ ستينَ مسكينًا، والعَرَقُ (١) مكتلٌ يأخذُ خمسةَ عشرَ صَاعًا أو ستةَ عشر، ولإعانته ﷺ للواطئ في رمضان بعرق خمسة عشر صاعًا منْ تمرٍ ولأنهُ أكثرُ الرواياتِ في حديثِ سلمةَ هذَا. واستدلَّ الأولونَ بأنهُ وردَ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (٢): "اذهبْ إلى صاحبِ صدقةِ بني زُريقٍ فقلْ لهُ فليدفعْها إليكَ فأطعمْ عنكَ منْها وسقًا [من تمرٍ] (٣) ستينَ مسكينًا"، قالُوا: والوِسْقُ ستونَ صاعًا. وفي رواية لأبي داود (٤) والترمذي (٥): فأطعم وساقًا منْ تمرٍ ستينَ مِسْكِينًا، وجاءَ في تفسيرِ العَرَق أنهُ ستونَ صاعًا. وفي رواية لأبي داودَ أن العرقَ مكتلٌ يسعُ ثلاثينَ صاعًا، قالَ أبو داودَ: وهذا أصحُّ الحديثيْنِ. ولما اختُلِفَ في تفسيرِ العرقِ على ثلاثةِ أقوالٍ واضطربتِ الرواياتُ فيهِ جنحَ الشافعيُّ إلى الترجيحِ بالكثرةِ وأكثرُ الرواياتِ خمسةَ عشرَ صالحًا. وقالَ الخطابيُّ في "معالمِ السنن" (٦): العرقُ السفيفةُ (٧) التي منَ الخوصِ فَيُتَّخَذُ منْها المكاتلُ، قالَ: وجاءَ تفسيرُه أنهُ ستونَ صاعًا، وفي روايةٍ لأبي داودَ (٨): يسعُ ثلاثينَ صَاعًا وفي روايةِ (٩) سلمةَ: يسعُ خمسةَ عشرَ صاعًا، فدلَ أن العَرَقَ يختلفُ في السَّعةِ والضِّيقِ، قالَ: فذهبَ الشافعي إلى روايةِ الخمسةَ عشرَ صاعًا. قلتُ: يؤيدُ قولَه أن الأصلَ براءةُ الذمةِ عن الزائدِ وهوَ وجهُ الترجيحِ. التاسعةِ: في الحديثِ دليلٌ على أن الكفارةَ لا تسقط جَمِيعُ أنواعِها بالعجزِ وفيهِ خلافٌ، فذهبَ الشافعيُّ وأحدُ الروايتينِ عنْ أحمدَ إلى عَدَمِ سقوطِها بالعجزِ

стр. 1771

لما في حديثِ أبي داودَ عن [خولة] (١) بنتِ مالكِ بن ثعلبةَ (٢) قالتْ: ظاهرَ منِّي زوجي أوسُ بنُ الصامتِ إلى أنْ قالَ لها رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يعتقُ رقبةً"، قالتْ: لا يجدُ، قالَ: "يصومُ شهرينِ متتابعينِ"، قالتْ: إنهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ منْ صيامٍ، قالَ: "يطعمُ ستينَ مِسْكِينًا"، قالتْ: ما عِندَهُ شيءٌ يتصدقُ بهِ، قالَ: "فإني سأعينُه بعرقٍ من تمر" الحديثَ، فلوْ كانَ يسقطُ عنهُ بالعجْزِ لأبانَهُ ﷺ ولم يعنْهُ منْ عندِه. وذهبَ أحمدُ في روايةٍ وطائفةٌ إلى سقوطِها بالعجزِ كما تسقطُ الواجباتُ بالعجزِ عنْها وعنْ أبدالِها، وقيلَ إنَّها تسقطُ كفارةُ الوطْءِ في رمضانَ بالعجزِ عنْها لا غيرُها منَ الكفاراتِ، قالُوا: لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ المجامِعَ في نهارِ رمضانَ أنْ يأكلَ الكفارةَ هوَ وعيالُه والرجلُ لا يكونُ مصرفًا لكفارتهِ، وقالَ الأولونَ: إنما حلَّت لهُ لأنهُ إذا عجزَ وكفَّرَ عنهُ الغيرُ جازَ أنْ يصْرفَها [فيه] (٣) وهوَ مذهبُ أحمدَ في كفَّارةِ الوطْءِ في رمضانَ، ولهُ في غيرِها منَ الكفاراتِ قولانِ وهوَ نظيرُ ما قالتْه الهادويةُ منْ أنهُ يجوزُ للإمامِ إذا قبضَ الزكاةَ منْ شخصٍ أنْ يردَّها إليهِ. العاشِرةُ: قالَ الخطابي (٤): دلَّ الحديثُ عَلَى أن الظِّهارَ المقيَّدَ كالظِّهَار المطْلَقِ، وهوَ إذا ظَاهرَ منِ امرأتِه إلى مدةٍ ثمَّ أصابَها قبلَ انقضاءِ تلكَ المدةِ. واختلَفُوا فيهِ إذا برَّ ولم يَحْنَثْ فقالَ مالكٌ وابنُ أبي لَيْلَى: إذا قالَ لامرأتِه أنتِ عليَّ كظهْرِ أمي إلى الليلِ لزِمْته الكفَّارةُ وإنْ لم يقربْها، وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا شيءَ عليهِ إذا لم يقربْها، وجعلَ الشافعيُّ في الظِّهارِ المؤقتِ قولينِ أحدُهما أنهُ ليسَ بِظِهارِ. فائدةٌ: قدْ يُتَوَّهَمُ أن سببَ نزولِ آيةِ الظِّهارِ حديثُ سلمةَ هذا لاتفاقِ الحكميْنِ في الآيةِ والحديثِ، وليسَ كذلكَ؛ بلْ سببُ نزولها قصةُ أوسِ بن الصامتِ ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ" منْ حديثِ خويلةَ بنتِ ثعلبةَ قالتْ: "فيَّ
следующие страницы →