← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1082

سبل السلام شرح بلوغ المرام - ت حلاق

الصنعاني

Полный текст (2 461 стр.). Показаны 1767–1806 · переход к 1772.

стр. 1767

الأُوْلَى: أنهُ دلَّ على ما دلَّتْ عليهِ الآيةُ منْ ترتيبِ خصالِ الكفَّارةِ، والترتيبُ إجماعٌ بينَ العلماءِ (١). الثانيةُ: أنَّها أُطْلِقَتِ الرقبةُ في الآيةِ وفي الحديثِ أيضًا ولم تقيَّدْ بالإيمانِ كما قُيِّدتْ بهِ في آيةِ القتلِ، فاختلفَ العلماءُ في ذلكَ، فذهبَ زيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وغيرُهما إلى عدمِ التقييدِ وأنها تجزئُ رقبةٌ ذميةٌ وقالوا: لا تَقَيُّدَ بما في آيةِ القتلِ لاختلافِ السببِ. وقدْ أشارَ الزمخشريُّ (٢) إلى عدمِ اعتبارِ القياسِ لعدمِ الاشتراكِ في العلةِ؛ فإنَّ المناسبةَ في آية القتل أنهُ لما أخرجَ رقبةً مؤمنةً منْ صفةِ الحياةِ إلى صفة الموتِ كانت كفارتُه إدخالَ رقبةٍ مؤمنةٍ في حياةِ الحريةِ وإخراجَه عنْ موتِ الرَّقِّيَّةِ؛ فإنَّ الرقَّ يقتضي سلبَ التصرفِ عن المملوكِ فأشْبَهَ الموتَ الذي يقتضي سَلْبَ التصرفِ عن الميتِ، فكانَ في إعتاقهِ إثباتُ التصرفِ فأشْبَهَ الإحياءَ الذي يقتضي إثباتَ التصرفِ للحيِّ، وذهبت الهادويةُ ومالكٌ والشافعيُّ إلى أنهُ لا يجزئُ إعتاقُ رقبةٍ كافرةٍ، [قالوا] (٣): تقيَّدُ آيةُ الظِّهارِ كما قُيّدَتْ آيةُ القتلِ وإنْ اختلَفَ السببُ، قالُوا: وقدْ أيدتْ ذلكَ السنةُ، فإنهُ لما جاءَهُ ﷺ السائلُ يستفتيهِ في عتقِ رقبةٍ كانتْ عليهِ سألَ ﷺ الجاريةَ: "أينَ اللَّهُ"؟ فقالتْ: في السماءِ، فقالَ: "منْ أَنَا"؟ فقالتْ: أنتَ رسولُ اللَّهِ، قالَ: "فأعتقْها فإنَّها مؤمنة"، أخرجَهُ البخاريُّ (٤) وغيرُه. قالُوا: فسؤالُه ﷺ لها عن الإيمانِ وعدمُ سؤالِه عنْ صفةِ الكفَّارةِ وسببها دالٌّ على اعتبارِ الإيمانِ في كلِّ رقبةٍ تُعْتَقُ عنْ سببٍ، لأنهُ قدْ تقرَّرَ أن تَرْكَ الاستفصَالِ معَ قيام الاحتمالِ ينزلُ منزلةَ العمومِ في المنالِ كما قدْ تكرَّرَ.

стр. 1768

قلتُ: الشافعيُّ قائلٌ بهذهِ القاعدةِ، فإنْ قالَ بها مَنْ مَعَهُ منَ المخالفينَ كانَ الدليلُ على التقييدِ هوَ السُّنَّةُ لا الكتابَ؛ لأنَّهم قرَّرُوا في الأصولِ أنهُ لا يحملُ المطلقُ على المقيَّدِ إلَّا معَ اتحادِ السبب. لكنَّه وقعَ في حديثِ أبي هريرةَ عندَ أبي داودَ (١) ما لفظُه فقالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، الحديثَ إلى آخرِه. قالَ عِزُّ الدينِ الذهبيُّ: وهذا حديث صحيحٌ. وحينئذٍ فلا دليلَ في الحديثِ على ما ذُكِرَ فإنهُ ﷺ لم يسألْها عن الإيمانِ إلَّا لأنَّ السائلَ قالَ عليهِ رقبةٌ مؤمنةٌ. الثالثةُ: اختلفَ العلماءُ في الرقبةِ المعِيْبَةِ بأيِّ عَيْبٍ، فقالتِ الهادوبةُ وداودُ: تجزئُ المعيبةُ لتناولِ اسمِ الرقبةِ لها، وذهبَ آخرونَ إلى عدمِ إِجْزاءِ المعيبةِ قياسًا علَى الهدايا والضحايا بجامعِ التقربِ إلى اللَّهِ. وفصَّلَ الشافعي فقالَ: إنْ كانتْ كاملةَ المنفعةِ كالأعورِ أجزأتْ وإنْ نقصتْ منافعُه لم تجزْ إذا كانَ ذلكَ ينقصُها نُقْصَانًا ظاهرًا كالأقطع والأعْمى، إذِ العتقُ تمليكُ المنفعةِ وقد نقصتْ، وللحنفيةِ تفاصيلُ في العيبِ يطولُ تعدادُها ويعزُّ قيامُ الأدلةِ عليْها (٢). الرابعةُ: أن قولَه ﷺ فصمْ شهرينِ متتابعينِ دالٌ على وجوبِ التتابعِ (٣) وعليهِ دلتِ الآيةُ، وشرطتْ أنْ تكونَ قبلَ المسِ، فلو مسَّ فيهما استأنفَ وهوَ إجماعٌ إذا وَطِئَها نهارًا متعمّدًا. [وكذلك] (٤) ليلًا عندَ الهادويةِ وأبي حنيفةَ وآخرينَ ولو ناسيًا للآيةِ. وذهبَ الشافعي وأبو يوسفَ إلى أنهُ لا يضرُّ ويجوزُ؛ لأنَّ علةَ النَّهْي إفسادُ الصومِ ولا إفسادَ بوَطْءِ الليلِ، وأُجِيْبَ بأنَّ الآيةَ عامةٌ، واختلفُوا إذا وطئَ نهارًا ناسيًا فعندَ الشافعيِّ وأبي يوسفَ لا يضرُّ لأنهُ لم يفسدِ الصومَ. وقالتِ الهادويةُ وأبو حنيفةَ: بلْ يستأنفُ كما إذا وطِئَ عامدًا لعمومِ الآيةِ، قالُوا: وليستِ العلةُ إفسادَ الصومِ بلْ دلَّ عمومُ الدليلِ للأحوالِ كلِّها على [أنه] (٥) لا تتمُّ الكفارةُ إلا بوقوعِها قبلَ المسيسِ. الخامسةُ: اختلفُوا أيضًا فيما إذا عرضَ لهُ في أثناءِ صيامِهِ عذرٌ مأيوسٌ ثمَّ

стр. 1769

زالَ هلْ يبني على صومِه أوْ يستأنفُ؟ فقالتِ الهادويةُ ومالكٌ وأحمدُ: إنهُ يبني على صومِه؛ لأنهُ فرَّقَهُ بغيرِ اختيارهِ، وقالَ أبو حنيفةَ وهوَ أحدُ قولي الشافعيِّ: بلْ يستأنفُ لاختيارهِ التفريقَ. وأُجيْبَ بأنَّ العذرَ صيَّرهُ كغيرِ المختارِ. وأما لو كانَ العذرُ مرجُوًّا فقيلَ يبني أيضًا، وقيلَ: لا يبني؛ لأنَّ رجاءَ زوالِ العذرِ صيَّرهُ كالمختارِ. وأجيبَ بأنهُ معَ العذرِ لا اختيارَ لهُ. السادسةُ: أن ترتيبَ قولِه ﷺ فصمْ على قولِ السائلِ: "ما أملكُ إلَّا رقبتي"، يقضي بما قضتْ بهِ الآيةُ منْ أنهُ لا ينتقلُ إلى الصومِ إلَّا لعدمِ وُجْدَان الرقبةِ، فإنْ وجدَ الرقبةَ إلَّا أنهُ يحتاجُها لخدمتِه للعجزِ فإنهُ لا يصحُّ منهُ الصومُ. فإن قيلَ: إنهُ قدْ صحَّ التيممُ لواجدِ الماءِ إذا كانَ يحتاجُ إليهِ فهلَّا قستمُ ما هنا عليهِ؟ قلتُ: لا يقاسُ، لأنَّ التيممَ قدْ شُرعَ معَ العذرِ فكانَ الاحتياجُ إلى الماءِ كالعذرِ. فإنْ قيلَ: فهلْ يجعلُ الشبق إلى الجماع عذرًا يكونُ لهُ معهُ العدولُ إلى الإطعامِ ويُعَدُّ صاحبُ الشبق غيرَ مستطيعٍ للصومِ؟ قلتُ: هوَ ظاهرُ حديثِ سلمةَ، وقولُه في الاعتذارِ عن التكفيرِ بالصيامِ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلَّا منَ الصيامِ وإقرارهُ ﷺ على عذرِه. وقولُه: "أطْعم"، يدلُّ على أنهُ عذرٌ يُعْدَلُ معهُ إلى الإطعامِ. السابعةُ: أن النصَّ القرآنيَّ والنبويَّ صريحٌ في إطعامِ ستينَ مِسْكِينًا كأنهُ جعلَ عنْ كلِّ يومٍ منَ الشهرينِ إطعامَ مسكينٍ، واختلفَ العلماءُ هلْ لا بدَّ منْ إطعامِ ستينَ مسكينًا أوْ يكفي إطعامُ مسكينٍ واحدٍ ستينَ يومًا؟ فذهبتِ الهادويةُ ومالكٌ وأحمدُ والشافعيُّ إلى الأولِ لظاهرِ الآيةِ، وذهبتِ الحنفيةُ وهوَ أحدُ قولَي زيدُ بنُ عليٍّ والناصرِ إلى الثاني وأنهُ يكفي إطعامُ واحدٍ ستينَ يومًا أوْ أكثرَ منْ واحدٍ بقدرِ إطعامِ ستينَ مسكينًا، قالُوا: لأنهُ في اليومِ الثاني مستحقٌّ كَقَبْلِ الدفعِ إليهِ، وأجيبَ بأنَّ ظاهرَ الآيةِ تغايرُ المساكينِ بالذاتِ، ويُرْوَى عنْ أحمدُ ثلاثةُ أقوالٍ كالقولينِ هذيْنِ، والثالثُ: إنْ وجد غيرَ المسكينِ لم يجزِ الصرفُ إليهِ وإلَّا أجْزَأَ إعادةُ الصرفِ إليهِ. الثامنةُ: اختلفَ في قدْرِ الإطعامِ لكلِّ مسكينٍ (١)، فذهبتِ الهادويةُ والحنفيةُ

стр. 1770

إلى أن الواجبَ سِتُّونَ صالحًا منْ تمرٍ أو ذُرةٍ أوْ شعيرٍ، أو نصفه منْ برٍّ، وذهبَ الشافعيُّ إلى أن الواجبَ لكلِّ مسكينٍ مدٌّ والمدُّ ربعُ الصالح. واستدلَّ بقولِه في حديثِ البابِ أطعمْ عرقًا منْ تمرٍ ستينَ مسكينًا، والعَرَقُ (١) مكتلٌ يأخذُ خمسةَ عشرَ صَاعًا أو ستةَ عشر، ولإعانته ﷺ للواطئ في رمضان بعرق خمسة عشر صاعًا منْ تمرٍ ولأنهُ أكثرُ الرواياتِ في حديثِ سلمةَ هذَا. واستدلَّ الأولونَ بأنهُ وردَ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (٢): "اذهبْ إلى صاحبِ صدقةِ بني زُريقٍ فقلْ لهُ فليدفعْها إليكَ فأطعمْ عنكَ منْها وسقًا [من تمرٍ] (٣) ستينَ مسكينًا"، قالُوا: والوِسْقُ ستونَ صاعًا. وفي رواية لأبي داود (٤) والترمذي (٥): فأطعم وساقًا منْ تمرٍ ستينَ مِسْكِينًا، وجاءَ في تفسيرِ العَرَق أنهُ ستونَ صاعًا. وفي رواية لأبي داودَ أن العرقَ مكتلٌ يسعُ ثلاثينَ صاعًا، قالَ أبو داودَ: وهذا أصحُّ الحديثيْنِ. ولما اختُلِفَ في تفسيرِ العرقِ على ثلاثةِ أقوالٍ واضطربتِ الرواياتُ فيهِ جنحَ الشافعيُّ إلى الترجيحِ بالكثرةِ وأكثرُ الرواياتِ خمسةَ عشرَ صالحًا. وقالَ الخطابيُّ في "معالمِ السنن" (٦): العرقُ السفيفةُ (٧) التي منَ الخوصِ فَيُتَّخَذُ منْها المكاتلُ، قالَ: وجاءَ تفسيرُه أنهُ ستونَ صاعًا، وفي روايةٍ لأبي داودَ (٨): يسعُ ثلاثينَ صَاعًا وفي روايةِ (٩) سلمةَ: يسعُ خمسةَ عشرَ صاعًا، فدلَ أن العَرَقَ يختلفُ في السَّعةِ والضِّيقِ، قالَ: فذهبَ الشافعي إلى روايةِ الخمسةَ عشرَ صاعًا. قلتُ: يؤيدُ قولَه أن الأصلَ براءةُ الذمةِ عن الزائدِ وهوَ وجهُ الترجيحِ. التاسعةِ: في الحديثِ دليلٌ على أن الكفارةَ لا تسقط جَمِيعُ أنواعِها بالعجزِ وفيهِ خلافٌ، فذهبَ الشافعيُّ وأحدُ الروايتينِ عنْ أحمدَ إلى عَدَمِ سقوطِها بالعجزِ

стр. 1771

لما في حديثِ أبي داودَ عن [خولة] (١) بنتِ مالكِ بن ثعلبةَ (٢) قالتْ: ظاهرَ منِّي زوجي أوسُ بنُ الصامتِ إلى أنْ قالَ لها رسولُ اللَّهِ ﷺ : "يعتقُ رقبةً"، قالتْ: لا يجدُ، قالَ: "يصومُ شهرينِ متتابعينِ"، قالتْ: إنهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ منْ صيامٍ، قالَ: "يطعمُ ستينَ مِسْكِينًا"، قالتْ: ما عِندَهُ شيءٌ يتصدقُ بهِ، قالَ: "فإني سأعينُه بعرقٍ من تمر" الحديثَ، فلوْ كانَ يسقطُ عنهُ بالعجْزِ لأبانَهُ ﷺ ولم يعنْهُ منْ عندِه. وذهبَ أحمدُ في روايةٍ وطائفةٌ إلى سقوطِها بالعجزِ كما تسقطُ الواجباتُ بالعجزِ عنْها وعنْ أبدالِها، وقيلَ إنَّها تسقطُ كفارةُ الوطْءِ في رمضانَ بالعجزِ عنْها لا غيرُها منَ الكفاراتِ، قالُوا: لأنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ المجامِعَ في نهارِ رمضانَ أنْ يأكلَ الكفارةَ هوَ وعيالُه والرجلُ لا يكونُ مصرفًا لكفارتهِ، وقالَ الأولونَ: إنما حلَّت لهُ لأنهُ إذا عجزَ وكفَّرَ عنهُ الغيرُ جازَ أنْ يصْرفَها [فيه] (٣) وهوَ مذهبُ أحمدَ في كفَّارةِ الوطْءِ في رمضانَ، ولهُ في غيرِها منَ الكفاراتِ قولانِ وهوَ نظيرُ ما قالتْه الهادويةُ منْ أنهُ يجوزُ للإمامِ إذا قبضَ الزكاةَ منْ شخصٍ أنْ يردَّها إليهِ. العاشِرةُ: قالَ الخطابي (٤): دلَّ الحديثُ عَلَى أن الظِّهارَ المقيَّدَ كالظِّهَار المطْلَقِ، وهوَ إذا ظَاهرَ منِ امرأتِه إلى مدةٍ ثمَّ أصابَها قبلَ انقضاءِ تلكَ المدةِ. واختلَفُوا فيهِ إذا برَّ ولم يَحْنَثْ فقالَ مالكٌ وابنُ أبي لَيْلَى: إذا قالَ لامرأتِه أنتِ عليَّ كظهْرِ أمي إلى الليلِ لزِمْته الكفَّارةُ وإنْ لم يقربْها، وقالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا شيءَ عليهِ إذا لم يقربْها، وجعلَ الشافعيُّ في الظِّهارِ المؤقتِ قولينِ أحدُهما أنهُ ليسَ بِظِهارِ. فائدةٌ: قدْ يُتَوَّهَمُ أن سببَ نزولِ آيةِ الظِّهارِ حديثُ سلمةَ هذا لاتفاقِ الحكميْنِ في الآيةِ والحديثِ، وليسَ كذلكَ؛ بلْ سببُ نزولها قصةُ أوسِ بن الصامتِ ذكرَهُ ابنُ كثيرٍ في "الإرشادِ" منْ حديثِ خويلةَ بنتِ ثعلبةَ قالتْ: "فيَّ

стр. 1772

واللَّهِ وفي أوسٍ أَنْزَلَ اللَّهُ سورةَ المجادلةِ، قالتْ: كنتُ عندَه وكانَ شَيْخًا كَبِيْرًا قدْ ساءَ خُلُقه وقدْ ضجر، قالتْ: فَدَخَلَ عليَّ يومًا فراجعْتُه بشيءٍ فغضبَ فقالَ: أنتِ عليَّ كظهرِ أميِّ، قالتْ: ثمَّ خرجَ فجلسَ في نادي قومِه ساعةً ثمَّ دخلَ عليَّ فإذَا هو يريدني عنْ نفسي، قالتْ: قلتُ كلَّا والذي نفسُ خويلةَ بيدِه لا تخلُصُ إليَّ وقدْ قلتَ ما قلتَ، فحكمَ اللَّهُ ورسولُه فيها" الحديثَ، رواهُ الإمامُ أحمدُ (١) وأبو داودَ (٢) وإسنادُه مشهورٌ، وأُخِذَ منهُ أنهُ إذا قصدَ بلفظِ الظهارِ الطلاقَ لم يقعِ الطلاقُ وكانَ ظِهارًا، وإلى هذَا ذهبَ أحمدُ والشافعيُّ وغيرُهما، قالَ الشافعيُّ: ولو ظاهرَ يريدُ طلاقًا كانَ ظِهَارًا، ولَوْ طلَّق يريدُ ظِهارًا كانَ طلاقًا. وقالَ أحمدُ: إذا قالَ: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي، وعَنَى بهِ الطلاقَ كانَ ظِهَارًا ولا تطلَّق، وعلَّلَه ابنُ القيمِّ (٣) بأنَّ الظّهارَ كانَ طلاقًا في الجاهليةِ فَنُسِخَ فلمْ يجزْ أنْ يُعَادَ إلى الأمرِ المنسوخِ، وأيضًا فأوسٌ إنَّما نَوَى بهِ الطلاقَ لما كانَ عليهِ فأُجْرِيَ عليهِ حكمُ الظهارِ دونَ الطلاقِ، وأيضًا فإنهُ صريحٌ في حُكْمِهِ، فلمْ يجزْ جعلُه كنايةً في الحكمِ الذي أبطلَ اللَّهُ شَرْعه، وقضاءُ اللَّهِ أحقُّ وحكم اللَّهِ أوجبُ. * * *

стр. 1773

[الباب الثاني] باب اللعان هوَ مأخوذٌ منَ اللَّعْنِ لأنهُ يقولُ الزوجُ في الخامسةِ: لعنةُ اللَّهِ عليهِ إنْ كانَ منَ الكاذبينَ. ويقالُ فيهِ: اللعانُ والالتعانُ والملاعنة. واختُلِفَ في وجوبِه على الزوجِ، فقالَ في الشفاءِ (١) للأميرِ الحسين: يجبُ إذا كانَ ثمةَ ولدٍ وعلمَ أنهُ لم يقربْها. وفي المهذِّبِ والانتصارِ أنهُ معَ غلبةِ الظنِّ بالزِّنَى منَ المرأةِ أوِ العلم يجوزُ ولا يجبُ، ومعَ عدمِ الظنِّ يحرُمُ. التفريق بين المتلاعنين إلى الأبد ١/ ١٠٣٠ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: سَألَ فُلَانٌ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذلَكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الآيَاتِ في سُورَةِ النُّورِ، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا كَذَلِكَ، قَالَتْ: لا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقَّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ

стр. 1774

شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، ثُمَّ ثنَّى بِالْمَرْأَةِ، ثُمّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). [صحيح] (عن ابن عمرَ ﵄ قالَ: سألَ فلانٌ) هوَ عويمرُ العجلاني كما في أكثرِ الرواياتِ (فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ أنْ لو وجدَ أحدُنا امرأتَه على فاحشةٍ كيفَ يصنعُ؟ إنْ تكلَّمَ تكلَّمَ بأمرٍ عظيمٍ، وإنْ سكتَ سكتَ على مِثْلِ ذلكَ) أيْ عَلَى أمرٍ عظيمٍ، (فلم يجبْهُ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ أتاهُ فقالَ: إنَّ الذي سألتُكَ عنهُ قدِ ابْتُلِيتُ بهِ)، فأنزلَ اللَّهُ الآياتِ في سورةِ النُّورِ (٢). والأكثرُ في الرواياتِ أن سببَ نزولِ الآياتِ قصةُ هلالِ بن أميةَ وزوجتِه (٣) وكانتْ متقدمة على قصةِ عويمرٍ، وإنَّما تلاها ﷺ لأنَّ حُكْمَها عامٌّ للأمةِ، (فتلاهنَّ عليه ووعظَه وذكَّرة)، عطفُ تفسيرٍ، إذ الوعظُ هوَ التذكيرُ، (وأخبرَهُ أن عذابَ الدنيا أهونُ منْ عذابِ الآخرةِ) الموعودِ بهِ في قولهِ: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤)، (قالَ: لا، والذي بعثكَ بالحقِّ ما كذبتُ عليها، ثمَّ دَعَاها فوعظَها كذلكَ، قالتْ: لا، والذي بعثكَ بالحقِّ إنهُ لكاذبٌ، فبدأَ بالرجلِ فشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللَّهِ ثمَّ ثَنَّى بالمرأةِ ثمَّ فرَّقَ بينَهما. رواهُ مسلمٌ)، في الحديثِ مسائل: الأُولى: قولُه: فلم يجبْه، وقعَ عندَ أبي داودَ (٥): فكرهَ ﷺ المسائلَ وعابَها، قالَ الخطابيُّ (٦): يريدُ المسألةَ عمَّا لا حاجة بالسائلِ إليهِ، وقالَ الشافعيُّ: كانتِ المسائلُ فيما لم ينزل فيه حكمٌ زمنَ نزولِ الوحي ممنوعةً لئلّا يَنزلَ في ذلكَ ما يوقِعُهم في مشقةٍ وعنَت كما قالَ تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ [إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ] (٧)﴾ (٨)، وفي الحديثِ الصحيحِ: "أعظمُ الناس جُرْمًا مَنْ سألَ عنْ شيءٍ لم يحرَّمْ فَحُرِّمَ منْ أجلِ مسألتهِ" (٩). وقالَ الخطابيُّ (١٠): قدْ وجدْنا المسألةَ في كتابِ اللَّهِ على وجهينِ: أحدُهما

стр. 1775

ما كانتْ على وجْهِ التبيينِ والتعليمِ فيما يلزمُ الحاجةُ إليهِ منْ أمرِ الدينِ، والآخرُ ما كانَ علَى طريقِ التعنُّتِ والتكلُّفِ، فأباحَ [الأمر] (١) الأولَ وأمرَ بهِ وأجابَ عنهُ فقالَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (٢)، وقالَ: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (٣)، وأجابَ تعالَى في الآياتِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ (٤)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ (٥) وغيرِها، وقالَ في النوع الآخَرِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (٦)، وقالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣)﴾ (٧)، فكلُّ ما كانَ منَ السؤالِ على هذا الوجْهِ فهوَ مكروه، فإذا وقعَ السكوتُ عنْ جوابِه فإنَّما هوَ زجْرٌ للسائلِ، فإذَا وقعَ الجوابُ فهوَ عقوبةٌ وتغليظٌ. يبدأ الرجل باللعان الثانية: في قولِه: فبدأَ بالرجلِ، ما يدلُّ على أنهُ يبدأُ بهِ وهوَ قياسُ الحكمِ الشرعيِّ؛ لأنهُ المدَّعي فيقدَّم وبهِ وقعتِ البداءةُ في الآيةِ، وقدْ وقعَ الإجماعُ على أن تقديْمَهُ سنةٌ. واختُلِفَ هلْ تجبُ البداءةُ بهِ أمْ لا؟ فذهبَ الجماهيرُ إلى وجوبِها لقولِه ﷺ لهلالٍ: "البيِّنةُ وإلَّا حدٌّ في ظَهْرِكَ" (٨) فكانتِ البداءةُ بهِ لدفعِ الحدِّ عن الرجلِ، فلو بدأَ بالمرأةِ كانَ دافعًا لأمرٍ لم يثبتْ، وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنها تصحُّ البداءةُ بالمرأةِ؛ لأنَّ الآيةَ لم تدلَّ علَى لزومِ البداءةِ بالرجلِ لأنَّ العطْفَ فيها بالواوِ وهيَ لا تقتضي الترتيبَ. وأُجِيْبَ عنهُ بأنَّها وإنْ لم تقتضِ الترتيبَ فإنهُ تعالَى: لا يبدأُ إلَّا بما هوَ الأحقُّ في البداءةِ والأقدمُ في العنايةِ، وبيَّنَ فعلُه ﷺ ذلكَ فهوَ مثلُ قولِه: "نبدأُ بما بدأَ اللَّهُ بهِ" (٩) في وجوبِ البداءةِ بالصَّفَا.

стр. 1776

الثالثةُ: قولُه: ثمَّ فرَّقَ بينَهما، دالٌّ على أن الفرقة بينَهما لا تقعُ إلا بتفريقِ الحاكمِ لا بنفسِ اللعانِ. وإلى هذا ذهبَ كثيرٌ مستدلينَ بهذَا اللفظِ في الحديثِ، وأنهُ ثبتَ في الصحيحِ بأنَّ الرجلَ طلَّقَها ثلاثًا بعدَ تمامِ اللعانِ، وأقرَّهُ النبيُّ ﷺ على ذلكَ، ولوْ كانتِ الفرقةُ بنفسِ اللعانِ لَبَيَّنَ ﷺ أن طلاقَه في غيرِ محلِّهِ. وقالَ الجمهورُ: بلِ الفرقةُ تقعُ بنفسِ اللعانِ وإنَّما اختلَفُوا هلْ تحصلُ الفرقةُ بتمامِ لعانهِ وإنْ لم تلتعنْ هيَ؟ فقالَ الشافعيُّ: تحصلُ بهِ، وقالَ أحمدُ: لا تحصلُ إلَّا بتمامِ لعانِهما وهوَ المشهورُ عندَ المالكيةِ وبهِ قالتِ الظاهريةُ. واستدلُّوا بما في صحيح مسلمٍ (١) منْ قولِهِ ﷺ : "ذلكمُ التفريقُ بينَ كلِّ متلاعنينِ". قالَ ابنُ العربيِّ: أخبرَ ﷺ بقولِه ذلكمْ عنْ قولِه: "لا سبيلَ لكَ عليها"، قالَ: كذَا حكمُ كلِّ متلاعنينِ فإنْ كانَ الفراقُ لا يكونُ إلا بمحكمٍ فقدْ نفذَ الحكمُ فيهِ منَ الحاكمِ الأعظمِ ﷺ بقولِه ذلكمُ التفريقُ بينَ كلِّ متلاعنينِ، قالُوا: وقولُه: فرّقَ بينهما معناه إظهار ذلك وبيان حكم الشرع فيه لا أنه أنشأ الفرقة بينهما، قالوا: وأما طلاقُه إيَّاها فلمْ يكنْ عنْ أمرِه ﷺ وبأنهُ لم يزدِ التحريمُ الواقعُ باللعانِ إلا تأكيدًا فلا يحتاجُ إلى إنكارِه، وبأنهُ لو كانَ لا فرقةَ إلَّا بالطلاقِ لجازَ لهُ الزواجُ بها بعدَ أنْ تنكحَ زوجًا غيرَهُ. وقدْ أخرجَ أبو داودَ (٢) عن ابن عباسٍ ﵁ الحديثَ وفيهِ: وقضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا بيتَ لها عليهِ ولا قوتَ منْ أجلِ أنَّهما يتفرقانِ منْ غيرِ طلاقٍ ولا متوفَّى عنْها. وأخرجَ أبو داودَ (٣) منْ حديثِ سهلِ بن سعدٍ في حديثِ المتلاعنيْنِ قالَ: مضتِ السُّنةُ بعدُ في المتلاعنينِ أنْ يفرَّقَ بينَهما ثمَّ لا يجتمعانِ أبدًا. وأخرجَهُ البيهقيُّ (٤) بلفظِ: فرَّقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بينَهما وقالَ: "لا يجتمعانِ أبدًا"، وعنْ عليٍّ (٥) وابنِ مسعودٍ (٦) قالا: مضتِ السُّنةُ

стр. 1777

بينَ المتلاعنينِ أنْ لا يجتمعَا أبدًا"، وعنْ عمرَ (١) يُفَرَّقُ بينَهما ولا يجتمعانِ أبدًا. هل فرقة اللعان فسخ أم طلاق بائن الرابعةُ: اختلفَ العلماءُ في فرقةِ اللعانِ هلْ هيَ فسخٌ أو طلاقٌ بائنٌ؟ فذهبتِ الهادويةُ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم إلى أنَّها فسخٌ مستدلينَ بأنَّها توجبُ تحريمًا مؤبَّدًا فكانتْ فَسْخًا كفرقةِ الرضاعِ إذْ لا يجتمعانِ أبدًا، ولأنَّ اللعانَ ليسَ صريحًا في الطلاقِ ولا كنايةَ فيهِ. وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّها طلاقٌ بائنٌ مستدلًا بأنَّها لا تكونُ إلَّا منْ زوجةٍ فهيَ منْ أحكامِ النكاحِ المختصةِ فهيَ طلاقٌ إذْ هوَ منْ أحكامِ النكاحِ المختصةِ، بخلاف الفسخِ فإنهُ قدْ يكونُ منْ أحكامِ غيرِ النكاحِ كالفسخِ بالعيبِ. وأُجِيْبَ بأنهُ لا يلزمُ منِ اختصاصِه بالنكاحِ أنْ يكونَ طلاقًا كما أنهُ لا يلزمُ فيهِ نفقةٌ ولا غيرُها. الخامسة: وهي فرع للرابعة. اختلفوا لو أكذب نفسه بعد اللعان هل تحل له الزوجة؟ فقالَ أبو حنيفةَ: تحلُّ لهُ لزوالِ المانعِ المحرِّم وهوَ قولُ سعيدِ بن المسيِّبِ فإنهُ قالَ: فإنْ أكذبَ نفسَه فإنهُ خاطبٌ منَ الخطَّابِ. وقالَ ابنُ جبيرٍ: تُرَدُّ إليهِ ما دامتْ في العدةِ، وقالَ الشافعي وأحمدُ: لا تحلُّ لهُ أبدًا لقولِه ﷺ لا سبيلَ لكَ عليها. قلت: قدْ يجابُ عنهُ بأنهُ ﷺ قالَه لِمنِ التعنَ ولم يكذِّبْ نفسَه. السادسةُ: في حديثِ لعانِ هلالِ بن أميةِ أنهُ قذفَ امرأتَهُ عندَ النبيِّ ﷺ بشريكِ بن سحماءَ، الحديثُ عندَ أبي داودَ (٢) وغيرِهِ. قالَ الخطابيُّ (٣): فيهِ منَ الفقهِ أن الزوجَ إذا قذفَ امرأتَه برجلٍ بعينِه ثمَّ تلاعَنَا فإنَّ اللعانَ يسقطُ عنهُ الحدَّ فيصيرُ في التقديرِ ذِكْرُه المقذوفَ بهِ تبعًا ولا يعتبرُ حكْمهُ، وذلكَ أنهُ ﷺ قال لهلالِ بن أميةَ: البينةُ أو حدٌّ في ظَهْرِكَ، فلمَّا تلاعَنَا لم يتعرضْ لهلالٍ بالحدِّ. ولا يُرْوَى في شيءٍ منَ الأخبارِ أن شريك بنَ سحماءَ عفا عنهُ فعلِم أن الحدَّ الذي

стр. 1778

كانَ يلزمُه بالقذفِ سقطَ عنهُ باللعانِ وذلكَ لأنهُ مضْطَّرٌ إلى ذِكْرِ مَنْ يقذفُها بهِ لإزالةِ الضررِ عنْ نفسهِ، فلم يحملْ نفسَه على القصدِ لهُ بالقذفِ وإدخالِ الضررِ عليهِ. قلتُ: ولا يخْفَى أنهُ لا ضرورةَ في تعيينِ مَنْ قَذَفَها بهِ، وقالَ الشافعيُّ: إنَّما يسقطُ عنهُ الحدُّ إذا ذكرَ الرجلَ وسمَّاهُ في اللعانِ، فإنْ لمْ يفعلْ ذلكَ حُدَّ لهُ. وقالَ أبو حنيفةَ: الحدُّ لازم لهُ وللرجلِ مطالبتُه بهِ، وقالَ مالكٌ: يُحَدُّ للرجلِ ويُلاعَنْ للزوجةِ، انتَهى. قلتُ: ولا دليلَ في حديثِ هلالٍ علَى سقوطِ الحدِّ بالقذْفِ؛ لأنهُ حقٌّ للمقذوفِ ولم يردْ أنهُ [طالبه] (١) بهِ حتَّى يقولَ لهُ ﷺ قدْ سَقَطَ باللعانِ أو بحده للقاذف، فيتبينُ الحكمُ، والأصلُ ثبوتُ الحدِّ على القاذفِ، واللعانُ إنَّما شُرعَ لدفعِ الحدِّ عن الزوجِ والزوجةِ. ٢/ ١٠٣١ - وَعَنْهُ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: "حِسَابُكُما عَلَى اللهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيهَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالي. فَقَالَ: "إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا". مُتَّفَق عَلَيْهِ (٢). [صحيح] (وعنِ ابن عمرَ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ للمتلاعنَيْنِ: حسابُكما على اللَّهِ) بَيَّنَه بقولِه: (أحدُكما كاذبٌ) فإذَا كانَ أحدُهما كاذبًا فاللَّهُ هوَ المتوفي لجزائِهِ (لا سبيلَ لكَ عليْها) هوَ إبانةٌ للفُرقَةِ بينَهما كما سلفَ (قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، مالي)، يريدُ بهِ الصَّدَاقَ الذي سلَّمه إليها، (قالَ: إنْ كنتَ صدقْتَ عليها فهوَ بما استحللتَ من فَرْجِهَا، وإن كنتَ كاذبًا عليها فذلكَ أبعدُ لك منْها. متفقٌ عليهِ). الحديثُ أفادَ ما سلفَ منَ الفراقِ بينَهما وأنَّ أحدَهما كاذب في نفسِ الأمرِ، وحسابُه على اللهِ، وأنهُ لا يرجعَ بشيءٍ

стр. 1779

مما سلَّمَهُ منَ الصَّدَاقِ، لأنهُ إنْ كانَ صادقًا في القذْفِ فقدِ استحقَّتِ المالَ بما استحل منْها وإن كانَ كاذبًا فقدِ استحقَّتْهُ أيضًا بذلكَ ورجوعُه إليهِ أبعدُ لأنهُ هَضَمَهَا بالكذبِ عليها فكيفَ يرتجعُ ما أعطاهَا. صحة اللعان للحامل ٣/ ١٠٣٢ - وَعَنْ أَنسٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أُبْصُرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطًا فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أكحَلَ جَعْدًا، فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْ أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أُبصرُوها فإنْ جاءتْ بهِ أبيضَ سَبِطًا) بفتحِ السينِ المهملةِ ووكسرِ الباءِ الموحدةِ بعدَها طاءٌ مهملةٌ، وهوَ الكاملُ الخلْقِ منَ الرجالِ (فهوَ لزوجِها، وإن جاءتْ بهِ أكحلَ) بفتحِ الهمزةِ وسكونِ الكافِ، هوَ الذي مَنَابِتُ أجفانِه سودٌ كأنَّ فيها كُحْلًا وهيَ خِلْقةٌ (جَعْدًا) بفتحِ الجيمِ وسكونِ العينِ المهملةِ فدالٍ مهملةٍ، وهوَ منَ الرجالِ القصيرُ (فهوَ للذي رَمَاها بهِ. متفقٌ عليه) ولَهُمَا (٢) في أُخْرَى فجاءتْ بهِ على النعتِ المكروهِ. وفي الأحاديثِ ثبت لهُ عدةُ صفاتٍ، وفي روايةٍ لهما (٣) وللنسائيِّ (٤) أنهُ قالَ ﷺ : بعدَ سردِ صفاتِ ما في بطْنِها: اللهمَّ بَيِّنْ، فوضعتْ شبيهًا بالذي ذكرَ زوجُها أنهُ وجدَه عندَها. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ يصحُّ اللعانُ للمرأةِ الحاملِ ولا يؤخَّرُ إلى أنْ تَضَعَ وإليهِ ذهبَ الجمهورُ لهذا الحديثِ، وقالتِ: الهادويةُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، ويُرْوَى عنْ أبي حنيفةَ، وأحمدَ: أنهُ لا لِعَانَ لنفيِ الحملِ لجوازِ أنْ يكونَ ريحًا فلا يكونُ لِلِّعانِ حينئذٍ معنىً. قلتُ: وهذا رأيٌ في مقابلةِ النصِّ، وكأنهم يريدونَ أنهُ لا لعانَ بمجردِ ظنِّ الحملِ منَ الأجنبيِّ لا لِوُجْدَانِهِ مَعَها الذي هوَ صورةُ النصِّ. وفي الحديثِ دليلٌ على أنهُ ينتفي الولدُ باللعانِ وإنْ لم يذكرِ النفيَ في

стр. 1780

اليمينِ، وإلى هذا ذهبَ أهلُ الظاهرِ، وعندَ بعضِ المالكيةِ وبعضِ أصحاب أحمدَ أنهُ يصح اللعانُ على الحمْلِ بشرطِ ذِكْرِ الزوجِ لنفي الولدِ دونَ المرأةِ [وبهِ] (١) يصحُّ نفيُ الولدِ وهوَ حملٌ ويُؤَخِّرُ اللعانُ إلى ما بعدَ الوضْعِ ولا دليلِ عليْهِما، بلِ الحقُّ قولُ الظاهريةِ فإنهُ لم يقعْ في اللعانِ عندَه ﷺ نفيُ الولدِ ولمْ نرَهُ في حديثِ هلالٍ ولا عويمرٍ، ولم يكنِ اللعانُ إلَّا منْهما في عصْرِه ﷺ ، وأما لعانُ الحاملِ فقدْ ثَبَتَ في هذهِ الأحاديثِ. وقدْ أخرجَ مالكٌ (٢) عنْ نافعٍ عن ابن عمرَ أن النبيَّ ﷺ لَاعَنَ بينَ رجلٍ وامرأتِه وانتفَى منْ ولدهِ فَفُرِّقَ بينَهما وأُلحِقَ الولدُ بالمرأةِ. وفي حديثِ سهلٍ وكانتْ حاملًا فأنكرَ حَمْلَها وذكرَ أنهُ انتفَى منْ ولدِهِ ولكنَّه لا يدلُّ على اشتراطِ نفي الولدِ؛ لأنهُ فَعَلَهُ الرجلُ منْ تِلقاءِ نفسِه، وقالَ أبو حنيفةَ: لا يصحُّ نفيُ الحمْلِ واللعانُ عليهِ فإنْ لاعنَها حاملًا ثمَّ أتتْ بالولدِ لزمَهُ ولمْ يُمَكَّنْ منْ نَفْيهِ أصلًا لأنَّ اللعانَ لا يكونُ إلَّا بينَ الزوجيْنِ، وهذهِ قدْ بانتْ بلعانِهِمَا في حالِ حَمْلِها. ويجابُ بأنَّ هذَا رأيٌ في مقابلةِ النصِّ الثابتِ في حديثِ البابِ وفي حديثِ ابن عمرَ هذَا، وإنْ كانَ البخاريُّ قدْ بَيَّنَ أن قولَه فيهِ: وكانتْ حاملًا، منْ كلام الزُّهْريِّ لكنَّ حديثَ الباب صحيحٌ صريحٌ. وفي الحديثِ دليلٌ على العملِ بالقيافةِ (٣) وكانَ مقتضَاها إلحاقَ الولدِ بالزوجِ إنْ جاءتْ بهِ على صفتِه لأنهُ للفراشِ لكنَّه ﷺ بَيَّنَ المانعَ عن الحكمِ بالقيافةِ نَفْيًا وإثباتًا بقولِه: لولا الأَيْمانُ لكانَ لي ولها شأنٌ. يشرع للحاكم المبالغة في المنع من الحلف ٤/ ١٠٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَضعَ يَدَهُ عِنْد الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ، وَقَالَ: "إِنَّهَا مُوْجِبَةٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) والنَّسَائِيُّ (٥)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [صحيح]

стр. 1781

(وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمرَ رجلًا أنْ يضَعَ يدَهُ عندَ الخامسةِ علي فيهِ وقالَ: إنَّها موجبةٌ. رواة أبو داودَ والنسائيُّ ورجالُه ثِقاتٌ)، فيهِ دلالةٌ على أنهُ يُشْرَعُ منَ الحاكمِ المبالغةُ في مَنْعِ الْحَلِف خشيةَ أنْ يكونَ كاذِبًا فإنهُ ﷺ مَنع بالقولِ بالتذكيرِ والوعْظِ كما سلفَ، ثمَّ مَنَعَ هُنا بالفعلِ ولم يُرْوَ أنهُ أمر بوضْعِ يدِ أحدٍ على فمِ المرأةِ وإنْ أوهَمَهُ كلامُ الرافعيِّ، وقولُه: "إنَّها الموجبَةُ" أيْ للفرقةِ ولعذَابِ الكاذب، وفيهِ دليلٌ على أن اللعنةَ الخامسةَ واجبةٌ. وأمَّا كيفيةُ التحْليفِ فأخرجَ الحاكمُ (١) والبيهقيُّ (٢) منْ حديثِ ابن عباسٍ في تحليفِ هلالِ بن أميةَ أنهُ قالَ لهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "احلفْ باللَّهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ إني [صادق] (٣) "، يقولُ ذلكَ أربعَ مراتٍ، الحديثُ بطولِهِ قالَ الحاكمُ: صحيح عَلَى شَرْطِ البخاريِّ. ٥/ ١٠٣٤ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ في قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ: فَلَمّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا قَالَ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا. فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأَمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤) [صحيح] (وعنْ سهلِ بن سعدٍ ﵁ في قصةِ المتلاعِنَيْنِ قالَ) أيُّ الرجلِ (لما فَرَغَا منْ تلاعنَهما: كذبْت عليها يا رسولَ اللَّهِ إن أمسكتُها فطلَّقَها ثلاثًا قبلَ أنْ يأمرَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ . متفقٌ عليهِ) تقدَّمَ الكلامُ على تحقيقِ المقامِ. ٦/ ١٠٣٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، قالَ: "غَرِّبْهَا"، قال: أَخَافُ أنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي. قَالَ: "فَاسْتَمْتِعْ بِهَا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٥) وَالْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. [إسناده صحيح]

стр. 1782

وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِي (١) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِ قَالَ: "طَلِّقْهَا" قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا، قَالَ: "فَأَمْسِكْهَا".] إسناده صحيح]. (وعنِ ابن عباسٍ ﵄ أن رجلًا جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ فقالَ: إنَّ امرأتي لا تردُّ يدَ لامسٍ، قالَ: غرِّبْها) بالغينِ المعجمةِ والراءِ وباءٍ موحدةٍ، قالَ في "النهايةِ" (٢): أي أبعدْها يريدُ الطلاقَ (قال: [أخشى] (٣) أنْ تتبعَها نفسي، قال: استمتعْ بها. رواهُ أبو داودَ ورجالُه ثِقاتٌ) وأطلقَ النوويُّ عليهِ الصحةَ لكنَّهُ نقلَ ابنُ الجوزي (٤) عنْ أحمدَ أنهُ قالَ: لا يثبتُ عن النبيِّ ﷺ في هذا الباب شيءٌ وليسَ لهُ أصلٌ، فتمسكَ بهذَا ابنُ الجوزيِّ وعدَّهُ في الموضوعاتِ معَ أَنهُ أوردَه بإسنادٍ صحيحٍ (وأخرجَهُ النسائيُّ منْ وجْهٍ آخرَ عن ابن عباسٍ بلفظِ قال: طلِّقْهَا، قالَ: لا أصبرُ عنْها قالَ: فأمسكْها). معنى قوله لا ترد يد لامس اختلفَ العلماءُ في تفسير قولِه: لا تَرُدُّ يَد لامس على قوليْنِ: الأولُ: أن معناهُ الفجورُ وأنَّها لا تمنعُ مَنْ يريدُ منْها الفاحشةَ، وهذَا قولُ أبي عُبَيْدٍ والخلالِ والنسائيِّ وابنِ الأعرابيِّ والخطابيِّ (٥). واستدل بهِ الرافعيُّ على

стр. 1783

أنهُ لا يجبُ تطليقُ منْ فسقتْ بالزِّنَى إذا كانَ الرجلُ لا يقدرُ على مفارقتِها. والثاني: أنَّها تبذِّرُ بمالِ زَوْجِها ولا تمنعُ أحدًا طلبَ منْها شيئًا، وهذا قولُ أحمدَ والأصمعيِّ ونقلَه عنْ علماءِ الإسلامِ، وأنكرَ ابنُ الجوزي على مَنْ ذهبَ إلى الأولِ. قالَ في "النهاية": وهوَ أشبهُ بالحديثِ لأنَّ المعَنَى الأولَ يشكلُ على ظاهرِ قولهِ تعالَى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وإنْ كانَ في معنَى الآيةِ وجوهٌ كثيرةٌ. قلتُ: الوجْهُ الأوَّلُ في غايةٍ منَ البعدِ بلْ لا يصحُّ للآيةِ؛ ولأنهُ ﷺ لا يأمرُ الرجلَ أنْ يكونَ ديوثًا فحمْلُه على هذَا لا يصحُّ، والثاني بعيدٌ لأنَّ التبذيرَ إنْ كانَ بمالِها فَمَنْعُها ممكنٌ وإنْ كانَ منْ مالِ الزوجِ فكذلكَ، ولا يوجبُ أمرهُ بطلاقِها، على أنهُ لم يتعارفْ في اللغةِ أنْ يُقَالَ فلانٌ لا يردُّ يدَ لامسٍ كناية عن الجودِ فالأقربُ المرادُ أنَّها سهلةُ الأخلاقِ ليسَ فيها نفورٌ وحشمةٌ عن الأجانب لا أنَّها تأتي الفاحشةَ، وكثيرٌ منَ النساءِ والرجالِ بهذهِ المثابةِ معَ البعدِ [عن] (٢) الفاحشةِ كما قال أبو الطيب: بيضاء يطمع فيما تحت حلتها … وعز ذلك مطلوب إذا طلب ولو أرادَ بهِ أنَّها لا تمنعُ نفسَها عن الوقاعِ منَ الأجانبِ لكانَ قاذفًا لها. التحذير من نفي الولد بعد إثباته ٧/ ١٠٣٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيسَ مِنْهُمْ فَلَيسَتْ مِنَ الله في شَئٍ، وَلَمْ يُدْخِلْهَا اللهُ جَنتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ - وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيهِ - احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤوسِ الأَوّلِينَ وَالآخِرِينَ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤) وَابْنُ مَاجَهْ (٥)، وَصَحّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (٦). [ضعيف]

стр. 1784

(وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ حينَ نزلتْ آيةُ المتلاعنيْنِ: أيُّما امرأةٍ أَدْخَلَتْ على قومٍ مَنْ ليسَ منْهم فليستْ منَ اللَّهِ في شيء ولنْ يدخلَها الله جنَّتهُ، وأيُّما رجلٍ جحدَ ولدَه وهوَ ينظرُ إليهِ) أي يعلمُ أنهُ ولدُه (احتجبَ اللهُ عنهُ وفضحَهُ على رؤوسِ الأولينَ والآخرينَ. أخرجَهُ النسائيُّ وأبو داودَ وابنُ ماجهْ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ)، وقدْ تفرَّدَ بهِ عبدُ اللَّهِ بنُ يونسَ (١) عنْ سعيدٍ المقبريِّ عنْ أبي هريرةَ، ولا يُعْرَفُ عبدُ اللَّهِ إلَّا بهذَا الحديثِ ففي تصحيحِه نظرٌ، وصحَّحَهُ أيضًا الدارقطنيُّ معَ اعترافِه بتفردِ عبدِ اللَّهِ (٢). وفي البابِ عن ابن عمرَ عندَ البزَّارِ (٣) وفيهِ إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزيِّ (٤) ضعيفٌ. وأخرجَ أحمدُ (٥) منْ طريقِ مجاهدٍ عن ابن عمرَ نحوَه، أخرجَهُ عبدُ اللَّهِ بنُ

стр. 1785

أحمدَ في زوائدِ المسندِ عنْ وكيعٍ وقالَ: تفرَّدَ بهِ وكيعٌ، ومعنَى الحديثِ واضحٌ. لا يحل نفي الولد بعد إثباته ٨/ ١٠٣٧ - وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: مَنْ أَقَرَّ بوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقيُّ (١)، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ. [حسن موقوف] (وعنْ عمرَ ﵁ قالَ: مَنْ أقرَّ بولدِهِ طَرفَةَ عينٍ فليسَ لهُ أنْ ينفيَهُ، أخرجَهُ البيهقيُّ وهوَ حسنٌ موقوفٌ). فيهِ دليلٌ على أنهُ لا يصحُّ النفيُ للولدِ بعدَ الإقرارِ بهِ وهوَ مجمَعٌ عليهِ. واختُلِفَ فيما إذا سكتَ بعدَ العلم بهِ ولم ينفِه، [قال] (٢) المؤيَّدُ: إنهُ يلزمُه وإنْ لم يعلمْ أن لهُ النفيَ؛ لأنَّ ذلكَ حقٌّ يبطلُ بالسكوتِ وذلكَ كالشفيعِ إذا أبطلَ شُفْعَتَهُ قبلَ عِلْمِهِ باستحقاقِها، وذهبَ أبو طالبٍ إلى أن لهُ النفيَ متَى علمَ إذْ لا يثبتُ التخييرُ منْ دونِ علمٍ؛ فإنْ سكتَ عندَ العلمِ لزمَ ولم [يمكَّنْ] (٣) منَ النفي بعدَ ذلكَ ولا يعتبرُ عندَه فورٌ ولا تراخٍ بلِ السكوتُ كالإقرارِ. وقال الإمامُ يَحْيَى والشافعي: بلْ يكونُ نَفْيُهُ على الفورِ. قالَ: وحدُّ الفورِ ما لم يُعدْ تراخيًا عُرْفًا كما لو اشتغلَ بإسراجِ دابَّتِهِ أوْ لَبِسَ ثيابَه أو نحوَ ذلكَ لم يُعَدَّ تراخيًا. ولهمْ في المسألةِ تقاديرُ ليسَ عليها دليلٌ إلَّا الرأيُ وفروعٌ على غيرِ أصلٍ أصيلٍ. ٩/ ١٠٣٨ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، قَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبلٍ؟ "، قَال: نَعَمْ، قَال: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ "، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "، قَال: نَعَمْ، قَالَ: "فأَنَّى ذلِكَ؟ "، قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: "فَلَعَلَّ ابْنَكَ هذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح]

стр. 1786

وَفي روَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (١): وَهُوَ يُعَرِّضُ بأَنْ يَنْفِيَهُ، وَقَالَ في آخِرِه: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ في الانْتِفَاءِ مِنْهُ. [صحيح] (وعنْ أبي هريرةَ ﵁ أن رجلًا)، قالَ عبدُ الغني (٢): إنَّ اسمَهُ ضمضمُ بنُ قتادةَ، (قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ امرأتي ولدتْ غلامًا أسودَ، قالَ: هلْ لكَ منْ إبلٍ، قالَ: نعمْ، قالَ: فما ألوانُها؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ: هلْ فيها منْ أَوْرَقَ) بالراءِ والقافِ بزنةِ أحمرَ، وهوَ الذي في لونِه سوادُ ليسَ بحالكٍ، (قالَ: نعمْ، قالَ: فأنَّى ذلكَ؟ قالَ: لعلَّه نَزَعَة) بالنونِ فزاي وعينٍ مُهْمَلَةٍ، أي جَذَبَهُ إليهِ (عِرْقٌ، قالَ: فلعلَّ ابنَكَ هذا نَزَعَهُ عرقٌ. متفقٌ عليهِ. وفي روايةٍ لمسلمٍ) أي عنْ أبي هريرةَ (وهوَ) أي الرجلُ (يعَرِّضُ بأنْ يَنْفِيَهُ، وقالَ في آخرهِ: ولمْ يرخِّصْ لهُ في الانتفاءِ منهُ). قالَ الخطابيُّ (٣): هذا القولُ منَ الرجلِ تعريضٌ بالريبةِ، كأنهُ يريدُ نفيَ الولدِ، فحكَمَ النبيُّ ﷺ بأنَّ الولدَ للفراشِ ولم يجعلْ خلافَ الشَّبَهِ واللونِ دلالةً يجبُ الحكمُ بها، وضربَ لهُ المثلَ بما يوجدُ منِ اختلافِ الألوانِ في الإبلِ ولقاحِها واحدٌ. وفي هذا إثباتُ القياسِ وبيانُ أن المتشابهينِ حُكْمُهما منْ حيثُ الشبهِ واحدٌ، ثمَّ قالَ: وفيهِ دليلٌ على أن الحدَّ لا يجبُ في المكاني (٤) وإنَّما يجبُ بالقذف الصريحِ. وقالَ المهلَّبُ: التعريضُ إذا كانَ على جهةِ السؤالِ لا حدَّ فيهِ، وإنَّما يجبُ الحدُّ في التعريضِ إذا كانَ على المواجهةِ والمشاتمةِ. وقالَ ابنُ المنيِّرِ: يُفَرَّقُ بينَ الزوجِ والأجنبيِّ في التعريضِ بأنَّ الأجنبيَّ يقصدُ الأذيةَ المحضةَ، والزوجُ قد يُعْذَرُ بالنسبةِ إلى صيانةِ النسبِ.

стр. 1787

وقالَ القرطبيُّ: لا خلافَ أنهُ لا يجوزُ نفيُ الولدِ باختلافِ الألوانِ المتقاربةِ كالسمرةِ والأُدمَةِ ولا في البياضِ والسوادِ إذا كانَ قدْ أقرَّ بالوطْءِ ولم تمضِ مدةُ الاستبراءِ. قالَ في الشرحِ: كأنهُ أرادَ في مذهبِه، وإلَّا فالخلافُ ثابتٌ عندَ الشافعيةِ بتفصيلٍ، وهوَ إنْ لم تنضمَّ إليهِ قرينةُ زِنَى لم يجزِ النفيُ، وإنِ اتَّهَمَهَا فأتت بولدٍ على لونِ الرجلِ الذي اتَّهَمَهَا بهِ جازَ النفيُ على الصحيحِ، وعندَ الحنابلةِ يجوزُ النفيُ معَ القرينةِ مطْلقًا، والخلافُ إنَّما هوَ عندَ عدمِها، والحديثُ يحتملُه لأنهُ لم يذكرْ أن معَهُ قرينةَ الزِّنَى وإنَّما هوَ مجردُ مخالفةِ اللونِ. * * *

стр. 1788

[الباب الثالث] باب العِدَّةِ والإحدادِ والاستبراءِ، وغيرِ ذلك [العِدَّة] بكسرِ العينِ المهملةِ اسمٌ لمدةٍ تتربَّصُ بها المرأةُ عن التزويجِ بعدَ وفاةِ زَوْجِها أوْ فراقِهِ لها إما بالولادةِ أوْ الأقراءِ أوْ الأشهرِ، "والإحدادَ" بالحاءِ المهملةِ بعدَها دالانِ مهملتانِ بينَهما ألفٌ، وهوَ لغةً: المنعُ، وشرعًا: تركُ الطِّيْبِ والزينةِ للمعتدَّةِ عنْ وفاةٍ. عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي بالوضع ١/ ١٠٣٩ - عَن الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ أَنَّ سُبَيْعَة الأَسْلَمِيّة ﵂ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتْ النَّبيَّ ﷺ فَاستَأذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). وَأَصْلُهُ في الصَّحِيحَيْن (٢). [صحيح] وَفي لَفْظٍ (٣): أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. [صحيح] وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (٤)، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَا أَرَى بَأسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهيَ في دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ. [صحيح] (عن المسورِ) بكسرِ الميمِ وسكونِ السينِ المهملةِ فواوٍ مفتوحةٍ فراءٍ (بن

стр. 1789

مخرمةَ) بفتحِ الميمِ وسكونِ الخاءِ المعجمةِ وفتحِ الراءِ تقدمتْ ترجمتُه (أن سُبيْعَةَ) (١) بضمِّ السينِ المهملةِ فباءٍ موحدةٍ فمثناةٍ تحتيةٍ تصغيرُ سَبُع وتاءِ التأنيثِ (الأسلميةَ نُفِسَتْ) بضمِّ النونِ وكسرِ الفاءِ (بعدَ وفاةِ زَوْجِها) هوَ سعيدُ بنُ خولةَ تُوفيَ بمكةَ بعدَ حجَّةِ الوداعِ (بليالٍ) وقعَ في تقديرِها خلافٌ كثير لا حاجةَ إلى ذِكْرِه ويأتي بعضُه قَرِيْبًا، (فجاءتِ النبيَّ ﷺ فاستأذنتْه أنْ تنكحَ فأذنَ لها فنكحتْ. رواهُ البخاريُّ وأصلْه في الصحيحينِ. وفي لفظٍ) (للبخاريِّ) (أنَّها وَضَعَتْ بعدَ وفاةِ زَوْجِها بأربعينَ ليلةً. وفي لفظٍ لمسلمٍ) أي عن المسورِ (قالَ الزهريُّ: ولا أَرَى بأسًا أنْ تَزَوَّجَ وهي في دِمها) أي دمِ نفاسها (غيرَ أنهُ لا يقربُها زوجُها حتَّى تطهرَ). الحديثُ دليلٌ على أن الحاملَ المتوفَّى عنْها زوجُها تنقضي عِدَّتُها بوضعِ الحملِ وإنْ لم يمضِ عليها أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ ويجوزُ بعدَه أنْ تنكحَ. وفي المسألةِ خلافٌ، فهذَا الذي أفادَهُ الحديثُ قول جماهيرِ العلماءِ منَ الصحابةِ وغيرِهم لهذا الحديثِ ولعمومِ قولِه تعالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢)، والآيةُ وإنْ كانَ ما قبلَها في المطلقاتِ لكنَّ ذلكَ لا يخصُّ عمومَهَا، وأيَّدَ بقاءَ عمومِها على أصْلِهِ ما أخرجَه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ في روايةِ المسندِ (٣)، والضياءُ في المختارةِ، وابنُ مَرْدَويهَ عنْ أبيِّ بن كعب قالَ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٤) هي المطلقةُ ثلاثًا أمِ المتوفَّى عنْها؟ قالَ: "هيَ المطلَّقةُ ثلاثًا والمتوفَّى عنْها"، وأخرجَهُ ابنُ جريرٍ (٥) وابنُ أبي

стр. 1790

حاتمٍ وابنُ مردويهَ (١) والدارقطني (٢) عنْ أبي منْ وجْهٍ آخرَ قالَ: لما نزلتْ هذهِ الآيةُ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ هذهِ الآيةُ مشتركةٌ أمْ مبهمَةٌ؟ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أيةُ آيةٍ؟ "، قلتُ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) المطلقةُ والمتوفَّى عنْها زوجُها؟ قالَ: "نعمْ". وثبتَ عن ابن مسعودٍ ﵁ عِدَّةُ رواياتٍ دالةٍ على قولهِ بهذَا (٤). وأخرجَ عنهُ ابنُ مردويهَ (٥) قالَ: "نسختْ سورةُ النساءِ القصْرى كلَّ عِدَّةٍ ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٣) أَجَلُ كلِّ حاملٍ مطلقةٍ أو متوفَّى عنْها زوجُها أنْ تَضَعَ حملَها. وأخرجَ ابنُ مردويهَ (٦) عنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ قالَ: نزلتْ

стр. 1791

سورةُ النساءِ القُصرى بعدَ التي في البقرةِ بسبعِ سنينَ. وأخرجَ الشيخانِ وأبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجهْ وابنُ جريرٍ وابنُ المنذرِ وابنُ مروديهَ (١) عنْ أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ قالَ: كنتُ أنا وابنُ عباسٍ وأبو هريرةَ ﵃ فجاءَ رجلٌ فقالَ: أفتني في امرأةٍ ولدتْ بعدَ وفاةِ زوْجِها بأربعينَ ليلةً أحَلَّتْ؟ قالَ ابنُ عباسٍ: تعتدُّ آخرَ الأجلينِ، قلتُ أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) قالَ ابنُ عباسٍ ذلكَ في الطلاقِ. قالَ أبو سلمةَ: أرأيتَ لوْ أن امرأةً جرتْ حملها سنةً فما عِدَّتُها؟ قالَ ابنُ عباسٍ: آخرُ الأجليْنِ، قالَ أبو هريرةَ: أنا معَ ابن أخي يعني أبا سلمةَ، فأرسلَ ابنُ عباسٍ غلامَهُ كُرَيْبًا إلى أمِّ سلمةَ يسألُها أَمَضَتْ في ذلكَ سنةٌ؟ فقالتْ: "قُتِلَ زوج سبيعةَ الأسلميةَ وهيَ حُبْلَى فوضعتْ بعدَ موتِه بأربعينَ ليلةً فَخُطِبَتْ فأنكحَها رسولُ اللَّهِ ﷺ ". وأخرجَهُ عبدُ بنُ حُمَيْدٍ (٣) منْ حديثِ أبي سلمةَ وفيهِ: أنَّهم أرسلُوا إلى عائشةَ فسألوها فقالتْ: ولدتْ سبيعةُ مثلَ ما مضَى إلَّا أنَّها قالتْ: بعدَ وفاةِ زَوْجِها بليالٍ. وفي البابِ عِدَّةُ رواياتٍ عن السلفِ دالَّةٍ على أن الآيةَ باقيةٌ على عمومِها في جميعِ العُددِ وأنَّ عمومَ آيةِ البقرةِ منسوخٌ بهذِه الآيةِ الكريمةِ (٤)، ومعَ تأخُّر نُزُولهَا كما صرَّحتْ بهِ الرواياتُ فينبغي أنْ يكونَ التخصيصُ أوِ النسخُ متَّفَقًا عليهِ. وذهبتِ الهادويةُ وغيرُهم (٥) ويُرْوَى عنْ عليٍّ ﵇ أنَّها تعتدُّ بآخرِ الأجليْنِ: إما وضعُ الحملِ إنْ تأخَّرَ عن الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ، أو بالمدةِ المذكورةِ إنْ تأخرتْ عنْ وضعِ الحملِ مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ

стр. 1792

بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (١) قالُوا: فالآيةُ الكريمةُ فيها عمومٌ وخصوصٌ منْ وجْهٍ. وقولُه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (٢) كذلكَ فجَمَعَ بينَ الدليلينِ بالعملِ بهمَا والخروجِ منَ العهدةِ بيقينٍ، بخلافٍ ما إذا عملَ بأحدِهما، وأجيبَ عنهُ بأنَّ حديثَ سبيعةَ نصٌّ في الحكمِ مبيِّنٌ بأنَّ آيةَ النساءِ القُصْرى شاملةٌ للمتوفَّى عنْها وأيدَ حديثُها ما سمعتَه منَ الأحاديثِ والآثارِ. وأما الروايةُ عنْ عليٍّ ﵁ فقالَ الشعبيُّ: ما أصدِّقُ أن عليَّ بنَ أبي طالب كانَ يقولُ عدةُ المتوفَّى عنْها زوجُها آخرُ الأجلينِ. هذا وكلامُ الزهريِّ صريحٌ أَنهُ يعقدُ [عليها] (٣) وإن كانتْ لم تطهرْ منْ دمِ نفاسِها وإنْ حَرُمَ وطؤُها لأجلِ علةٍ أخْرى هيَ بقاءُ الدمِ. وقالَ النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (٤): "قالَ العلماءُ منْ أصحابنَا وغيرِهم سواءٌ كانَ الحملُ ولدًا أو أكثرَ، كاملَ الخِلْقةِ أو ناقصَها أو علقةً أَو مضغةً، فإنَّها تنقضي العدةُ بوضْعِهِ إذا كانَ فيهِ صورةُ خِلْقةِ آدميٍّ سواءٌ كانتْ صورةً خفيةً تختصُّ النساءِ بمعرفتها أو صورةً جليةً يعرفُها كلُّ أحدٍ". وتوقَّفَ ابنُ دقيقِ العيدِ ﵀ فيهِ منْ أجلِ أن الغالبَ في إطلاقِ وضعِ الحمْلِ هوَ الحملُ التامُّ المتخلقُ، وأما خروجُ المضغةِ والعلقةِ فهوَ نادرٌ والحملُ على الغالبِ أقْوَى. قالَ المصنفُ (٥): "ولهذَا نُقِلَ عن الشافعيِّ قولٌ بأنَّ العدةَ لا تنقضي بوضعِ قطعةِ لحمٍ ليسَ فيها صورةٌ بَيِّنةٌ ولا خفيةٌ". وظاهرُ الحديثِ والآيةِ الإطلاقُ فيما يتحققُ كونه حَمْلًا، وأما ما لا يتحققُ كونُه حملًا فلا لجوازِ أنهُ قطعةُ لحمِ والعِدَّةُ لازمةً بيقينٍ فلا تنقضي بمشكوكٍ فيهِ. ٢/ ١٠٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُمِرَتْ بَريرَةُ أَن تَعْتَدَّ بثَلَاثِ حِيَض. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٦) وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لكِنَّهُ مَعلُولٌ. [صحيح]

стр. 1793

(وعنْ عائشةَ ﵂ قالتْ: أمِرَتْ) مغيَّرُ الصيغةِ والآمرُ هوَ النبي ﷺ : (بريرة أنْ تعتدَّ بثلاثِ حِيَضٍ. رواة ابن ماجهْ، وروائه ثقاتٌ لكنة معلولٌ)، وقدْ وردَ ما يؤيدُه. وهوَ دليلٌ على أن العدَّةَ تعتبرُ بالمرأةِ عندَ منْ يجعلُ عدةَ المملوكةِ دونَ عدةِ الحرةِ لا بالزوجِ على القولِ الأظهرِ منْ أن زوجَ بريرةَ كانَ عَبْدًا. هل للمطلقة ثلاثًا نفقة وسكنى على زوجها؟ ٣/ ١٠٤١ - وَعَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ عَن النَّبيِّ ﷺ (في الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا): "لَيسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) [صحيح] ترجمة الشعبي (وعنِ الشعبيِّ) (٢) هوَ أبو عمرٍو عامرُ بنُ [شراحيل] (٣) بن عبدِ اللَّهِ الشعبيُّ الهمذانيُّ الكوفيُّ تابعي جليلُ القدْرِ، قالَ ابنُ عيينةَ: كانَ ابنُ عباسٍ في زمانهِ والشعبي في زمانِهِ. مرَّ ابنُ عمرَ بالشعبيّ وهوَ يحدِّثُ بالمغازي فقالَ: شهدتُ القومَ وهوَ أعلمُ بها مِنِّي. وقالَ الزهريُّ: العلماءُ أربعةٌ: ابنُ المسيِّبِ بالمدينةِ، والشعبيُّ بالكوفةِ، والحسنُ [البصْرَيُّ] (٤) بالبصْرَة، ومكحولٌ بالشامِ. وُلدَ الشعبيُّ في خلافةِ عمرَ كما في "الكاشفِ" (٥) للذهبيّ، وقيلَ: لِسِتِّ [سنين] (٦) خلتْ منْ خلافةِ عثمانَ. وماتَ سنةَ أربع ومائةٍ ولهُ اثنتانِ وستونَ سنةً، (عنْ فاطمةَ بنتِ قيسٍ عن النبيِّ ﷺ في المطلقةِ ثلاثًا ليسَ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ. رواة مسلمٌ). الحديثُ دليلٌ على أن المطلقةَ ثلاثًا ليسَ لها نفقةٌ ولا سُكْنَى وفي المسألةِ خلافٌ.

стр. 1794

ذهبَ إلى ما أفادَه الحديثُ ابنُ عباسٍ والحسنُ وعطاءٌ والشعبيُّ وأحمدُ في إحْدَى الرواياتِ والقاسمُ والإماميةُ وإسحاقُ وأصحابُه وداودُ وكافةُ أهلِ الحديثِ مستدلينَ بهذا الحديثِ، وذهبَ عمرُ بنُ الخطاب وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والحنفيةُ والثوريُّ وغيرُهم إلى أنَّها تجبُ لها النفقةُ والسُّكْنَى مستدلينَ على الأولِ بقولِه تعالَى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) وهذَا في الحاملِ، وبالإجماعِ (٢) في الرجعيةِ على أنَّها تجبُ لها النفقةُ. وعلى الثاني بقولِه تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٣) وذهبَ الهادي وآخرونَ إلى وجوبِ النفقةِ دونَ السكْنَى (٤) مستدلينَ بقولِه تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ (٥) ولأنَّها حُبِستْ بسببهِ كالرجعيةِ ولا يجبُ لها السُّكْنَى لأنَّ قولَه: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ (٣) يدلُّ على أن ذلكَ حيثُ يكونُ الزوجُ وهوَ يقتضي الاختلاطَ ولا يكونُ ذلكَ إلا في حق الرجعيةِ. قالُوا وحديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ (٦) قدْ طعِنْ فيهِ بمطاعنَ يضعفُ معَها الاحتجاجُ بهِ وحاصلُها أربعةُ مطاعنَ: الأولُ: كونُ الراوي امرأةً ولم تقترنْ بشاهديْنِ عَدْلَيْنِ يتابعانِها على حدِيثِها. الثاني: أن الروايةَ تخالفُ ظاهر القرآنِ. الثالثُ: أن خروجَها منَ المنْزِلِ لم يكنْ لأَجْلِ أنهُ لا حقَّ لها في السكْنَى بلْ لإيذائِها أهلَ زوجها بلسانِها. الرابعُ: معارضةُ روايتها بروايةِ عمرَ. وأُجِيْبَ بأنْ كونَ الراوي امرأةً غيرُ قادحٍ، فكمْ منْ سُنَنٍ ثبتتْ عن النساءِ يعلمُ ذلكَ مَنْ عرفَ السِّيَرَ وأسانيدَ الصحابةِ. وأما قولُ عمرَ (٧): "لا نتركُ كتابَ ربّنا وسنةَ نبيِّنا لقولِ امرأةٍ لا ندري أحفظتْ أمْ نسيتْ"، فهذَا تردُّدٌ منهُ في حِفْظِها

стр. 1795

وإلَّا فإنهُ قدْ قيلَ عنْ عائشةَ وحفصةَ عِدَّةُ أخبارٍ وتردُّدُه في حِفْظِها عذرٌ لهُ في عدمِ العملِ بالحديثِ ولا يكونُ شكُّهُ حجةً على غيرِه. وأما قولِه: إنهُ مخالفٌ للقرآنِ وهوَ قولُه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (١) فإنَّ الجمْعَ ممكنٌ بحملِ الحديثِ على التخصيصِ لبعضِ أفرادِ العامِّ، وأما روايةُ عمرَ فأرادُوا بها قولَه: وسنةَ نبيِّنا، وقدْ عُرِفَ منْ علومِ الحديثِ أنَّ قولَ الصحابيِّ منَ السُّنَةِ كذَا يكونُ مرفُوعًا. فالجوابُ أنهُ أنكرَ أحمدُ بنُ حنبلٍ هذه الزيادةَ منْ قولِ عمرَ وجعلَ يُقْسِمُ ويقولُ: وأينَ في كتابِ اللَّهِ إيجابُ النفقةِ والسُّكْنَى للمطلقةِ ثلاثًا، وقالَ: هذَا لا يصح عنْ عمرَ قالَ ذلكَ الدارقطني. وأما حديثُ عمر (١) سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: لَهَا السُّكْنَى والنفقةُ، فإنهُ منْ روايةِ إبراهيمَ النخعيِّ عنْ عمرَ، وإبراهيمُ لم يسمعْه منْ عمرَ فإنهُ لم يولدْ إلا بعدَ موتِ عمرَ بسنينَ. وأما القولُ بأنَّ خروجَ فاطمةَ منْ بيتِ زَوْجها كان لإيذائِها لأهلِ بيتِه بلسانِها فكلامٌ أجنبي عما يفيدهُ الحديثُ الذي روتْ، ولوْ كانتْ تستحق السُّكْنَى لما أسقطَه ﷺ لبذاءةِ لسانِها ولوعظها وكفَّها عنْ إذايةِ أهلِ زَوْجِها. ولا يخْفَى ضعفُ هذهِ المطاعنِ في ردِّ الحديثِ، فالحق ما أفادَه الحديثُ وقدْ أطالَ ابنُ القيِّمِ ﵀ ذلكَ في "الهدي النبويِّ" (٢) ناصرًا للعملِ بحديثِ فاطمةَ. لا تحد امرأة فوق ثلاث إلا على زوج ٤/ ١٠٤٢ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيّةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَس ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣)، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِم، وَلأَبِي دَاوُدَ (٤) وَالنَّسَائِي (٥) مِنَ الزِّيَادَةِ: "وَلَا تَخْتَضِبْ"، وَللنَّسَائيِّ (٦): "وَلَا تَمْتَشِطْ". [صحيح]

стр. 1796

ترجمة أم عطية (وعنْ أمِّ عطيةَ ﵂) (١) اسمُها نُسَيبةُ بضمِّ النونِ وفتحِ [السين] (٢) المهملةِ، صحابيةٌ لها أحاديثُ في كتبِ الحديثِ (أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لا تُحِدُّ) بضمِّ حرفِ المضارعَةِ وكسرِ الحاءِ المهملةِ ويجوزُ ضمُّ الدالِ على أن لا نافيةٌ، وجزْمُها على أنَّها نَهيٌ (امرأةٌ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلَّا علَى زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا ولا تلبسُ ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوبَ عَصْبٍ) بفتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الصادِ المهملةِ فباءٍ موحدةٍ، في "النهايةِ" (٣) أنَّها بَرُودٌ يمنيةٌ يُعْصَبُ غزلُها أي يُجْمَعُ ويُشَدُّ ثمَّ يُصْبَغُ ويُنْشَرُ فيبقَى موشَّى لبقاءِ ما عصبَ منهُ أبيضَ لم ياخذْه الصبغُ (ولا تكتحلُ ولا تمسَّ طيبًا إلا إذا طَهُرَتْ نُبْذَةَ) بضمِّ النونِ وسكونِ الباءِ الموحدةِ فذالٍ معجمةٍ أي قطعةٍ (منْ قُسْطٍ) بضمِّ القافِ وسكونِ السينِ المهملةِ، في "النهايةِ" (٤): ضَرْبٌ منَ الطِّيبِ وقيلَ العودُ (أو أظفارٍ) يأتي تفسيرُه (متفقٌ عليهِ وهذا لفظُ مسلمٍ، ولأبي داودَ والنسائيِّ منَ الزيادةِ: ولا تختضبْ، وللنسائيِّ: ولا تمتشطْ) الحديثُ فيهِ مسائلُ: الأُولَى: تحريمُ إحدادِ المرأةِ فوقَ ثلاثةِ أيامٍ على أيّ ميِّتٍ منْ أبٍ أو غيرِه وجوازُه ثلاثًا عليهِ. وعلى الزوجِ فقطْ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، إلَّا أنهُ أخرجَ أبو داودَ في "المراسيل" (٥) منْ حديثٍ عمرِو بن شعيب عنْ أبيهِ عنْ جدِّهِ: "أن النبيَّ ﷺ رخَّصَ للمرأةِ أنْ تحدَّ على أبيْها سبعةَ أيامٍ وعلى مَنْ سواهُ ثلاثةَ أيامٍ"، فلوْ صحَّ كانَ مخصَّصًا للأبِ منْ عمومِ النَّهْي في حديثٍ أمِّ عطيةَ، إلَّا أنهُ مرسلٌ لا يقْوى على التخصيصِ. إحداد الصغيرة كالكبيرة الثانية: في قوله امرأةٌ إخراجٌ للصغيرةِ بمفهومهِ، فَلَا يجبُ عليها الإحدادُ

стр. 1797

على الزوجِ فلا تُنْهَى عن الإحدادِ على غيرِه أكثرَ منْ ثلاثةٍ، وإليهِ ذهبتِ الحنفيةُ والهادي وذهبَ الجمهورُ إلى أنَّها داخلةٌ في العمومِ وأنَّ ذِكْرَ المرأةِ خرجَ مَخْرَجَ الغالبِ والتكليفِ على وليِّها في مَنْعِهَا منَ الطِّيبِ وغيرِه؛ ولأنَّ العِدَّةَ واجبةٌ علَى الصغيرةِ كالكبيرةِ ولا تحلُّ خِطْبَتُهَا. لا إحداد في الطلاق الثالثة: في قولِه: على ميِّتٍ، دليلٌ على أنهُ لا إحدادَ على المطلَّقةِ، فإنْ كانَ رجْعيًا فإجماعٌ، وإنْ كانَ بائِنًا فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ لا إحدادَ عليْها وهوَ قولُ الهادي والشافعيِّ ومالكٍ وروايةٌ عنْ أحمدَ لظاهرِ قولِه على ميِّتٍ وإنْ كانَ مفهومًا فإنهُ يؤيدُه أن الإحدادَ شُرعَ لِقَطْعِ ما يدعُو إلى الجماعِ وكانَ هذَا في حقِّ [المتوفَّى عنْها] (١) لِتَعَذُّرِ رجوعِها إلى الزوجِ، وأما المطلقةُ بائنًا فانهُ يصحُّ أنْ تعودَ معَ زوجِها بعقدٍ إذا لم تكنْ مثلثةً، وذهبَ آخرونَ منهم علي وزيدُ بنُ عليٍّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى وجوب الإحدادِ على المطلَّقةِ بائنًا قياسًا على المتوفَّى عنْها لأنَّهما اشتركَتَا في العِدَّةِ وَاختلفَتَا في سَبَبِها، ولأنَّ العدةَ تحرِّمُ النكاحَ فحرِّمتْ دواعيْه والقولُ الأولُ أَظْهَرُ دليلًا. الرابعةُ: أنهُ لا دلالة في الحديث على وجوبِ الإحدادِ وإنَّما دلَّ على حِلِّهِ علَى الزوجِ الميِّتِ، وذهبَ إلى وجوبِه أكثرُ العلماءِ لِمَا أخْرَجَهُ أبو داودَ (٢) منْ حديثٍ أمِّ سلمةَ [أنَّها] (٣) قالَتْ: دخلَ علَي رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ تُوُفِّيَ أبُو سَلمةَ وقدْ جعلْتُ عليَّ صَبْرًا الحديثُ سيأتي (٤) وَرَوَاهُ النسائيُّ (٥). قالَ ابنُ كثيرٍ: وفي سندِه غرابةٌ قالَ: ولكنْ رَوَاهُ الشافعيُّ (٦) عنْ مالكٍ أنهُ بلغَهُ عنْ أمِّ سلمةَ فذكرهُ، وهوَ مما يتقوَّى بهِ الحديثُ ويدلُّ علَى أن لهُ أصْلًا. ولما أخرجَهُ عنْها أيضًا أحمدُ (٧)

стр. 1798

وأبو داودَ (١) والنسائي (٢) أنَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: "المتوفَّى عنْها زوجُها لا تلبسُ المعصفَرَ منَ الثياب ولا الممشقةَ ولا الحليَّ ولا تختضبُ ولا تكتحلُ"، قالَ الحافظُ ابنُ كثيرٍ: إسنادُه جَيِّدٌ. لكنْ رواهُ البيهقيُّ (٣) موقوفًا عليها. وذهبَ الحسنُ والشعبيُّ أنَّ المطلقةَ ثلاثًا والمتوفَّى عنْها زوجُها يكتحلان ويمتشطان ويتطيبانِ ويتنقلانِ ويصنعانِ ما شاءتا، واستدلَّا بما أخرجَهُ أحمدُ (٤) وصحَّحَهُ ابنُ حبَّانَ (٥) منْ حديثٍ أسماءَ بنتِ عُمَيسٍ قالتْ: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ اليومَ الثالثَ منْ قَتْلِ جعفَرَ بن أبي طالبٍ فقالَ: لا تحدِّي بعدَ يومِكِ هذا. هذا لفظُ أحمدَ ولهُ ألفاظٌ كلُّهَا دالةٌ على أمْرِه ﷺ لها بعدمِ الإحدادِ بعدَ ثلاثٍ، وهذا ناسخٌ لأحاديثِ أمِّ سلمةَ في الإحدادِ لأنهُ بعدَها [قالت] (٦) أمُّ سلمةَ أُمِرْتُ بالإحدادِ، بعدَ موتِ زَوْجِها، وموتُهُ متقدِّمٌ على قَتْلِ جعفرَ، وقدْ أجابَ الجمهورُ عنْ حديثٍ أسماءَ بأجوبةٍ سبعةٍ كلُّها تكلُّفٌ لا حاجةَ إلى سَرْدِها. المسألة الخامسةُ: في قولِه: أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا، قيلَ الحكمةُ في التقديرِ بهذهِ المدةِ أن الولدَ [يتكامل خلقه] (٧) وينفخُ فيهِ الروحُ بعدَ مضيٍّ مائةٍ وعشرينِ يومًا وهي زيادةٌ على أربعةِ أشهرٍ بنقصانِ الأهلةِ فَجَبْرُ الكسرِ إلى العقدِ على طريقِ الاحتياطِ، وذِكْرُ العشرِ مؤنَّثًا باعتبارِ الليالي والمرادُ مع أيامِها عندَ الجمهورِ، فلا تحلُّ حتى تدخلَ الليلةُ الحاديةُ عشَرَ.

стр. 1799

المسألة السادسةُ: في قولِه: ثَوْبًا مصبُوغًا، دليلٌ على النَّهْي عنْ كلِّ مصبوغٍ بأيِّ لونٍ إلَّا ما استَثْنَاهُ في الحديثِ. وقالَ ابنُ عبدِ البرّ: أجمعَ الَعلماءُ على أنهُ لا يجوزُ للحادَّةِ لبسُ المعصفرةِ ولا المصبغة إلا ما صُبغَ بسوادٍ، فَرَخَّصَ فيهِ مالكٌ والشافعيُّ لكونِه لا يُتَّخَذُ للزينةِ بلْ هوَ من لباسِ الحزْنِ. واختُلِفَ في الحريرِ فذهبتِ الشافعيةُ في الأصحّ إلى المنعِ لها مُطْلَقًا مصْبوغًا أو غيرَ مصبوغٍ، قالُوا: لأنهُ أُبِيحَ للنساءِ للتزيُّنِ بهِ والحادَّةُ ممنوعَةٌ منَ التزيُّنِ. وقالَ ابنُ حزمٍ (١): إنَّها تجتنبُ الثيابَ المصبوغةَ فقطْ ويحلُّ لها أنْ تلبسَ ما شاءتْ منْ حريرٍ أبيضَ أوْ أصفرَ منْ لونِهِ الذي لم يُصْبَغْ ويباحُ لها أنْ تَلْبَسَ المنسوجَ بالذهبِ والحليِّ كلِّهِ منَ الذهب والفضةِ والجوهرِ والياقوتِ وهذا جمودٌ منهُ على لفظِ النصّ الواردِ في حديثٍ أَمّ عطيةَ. وأما حديثُ أمّ سلمةَ الذي فيهِ النَّهْيُ عنْ لُبْسِها الثيابَ المعصفرةَ ولا الممشقةَ ولا الْحُلِيَّ فقالَ: إنهُ لم يصحَّ لأنهُ منْ روايةٍ إبراهيمَ بنَ طهمانَ ورُدَّ عليه بأنهُ منَ الحفَّاظِ الأثْبَاتِ الثقاتِ وقدْ صحَّحَ حديثَهُ جماعةٌ منَ الأئمةِ كابْنِ المباركِ وأحمدَ وأبي حاتمٍ. وابنُ حَزْمٍ أدارَ التحريمَ على ما ثبتَ بالنصِّ عندَه وغيرُه منَ الأئمةِ أدارَهُ على التعليلِ [المناسبِ، أعني الزينة مطلقًا] (٢)، فبقيَ كلامُهم أن ثوبَ العصْبِ إذا كانَ فيه زينةٌ مُنِعَتْ منهُ ويخصِّصُونَ الحديثَ بالمعنى المناسبِ للمنْعِ وتقدَّم تفسيرُ ثوبِ العصْبِ عن "النهاية" وللعلماءِ في تفسيرِه أقوالٌ أُخَرُ. المسألة السابعة: قولِه: ولا تكتحلْ دليلٌ على منْعِها منَ الاكتحالِ وهوَ قولُ الجمهورِ، وقالَ ابنُ حزمٍ (٣): "ولا تكتحلْ ولو ذهبتْ عينَاها لا ليلًا ولا نَهارًا"، ودليلُه حديثُ البابِ وحديثُ أمِّ سلمةَ المتَّفَقِ عليهِ (٤) أن امرأة توفِّيَ عنْها زوجُها فخافُوا على عَيْنِها فَأتَوا النبيَّ ﷺ فاستأذنُوهُ في الكُحْلِ فَمَا أذنَ فيهِ بلْ قالَ: لا، مرتينِ أوْ ثلاثًا، وذهبَ الجمهورُ مالكٌ وأحمدُ وأبو حنيفةَ وأصحابُه إلى أنهُ يجوزُ الاكتحالُ بالإثْمِدِ للتداوي مستدلِّينَ بحديثِ أمّ سلمةَ الذي أخرجَهُ أبو داودَ (٥) أنَّها

стр. 1800

قالتْ في كُحْلِ الجلاءِ لما سألتْها امرأةٌ أنَّ زوْجَها تُوُفِّيَ وكانتْ تشتكي عينَها فأرسلتْ إلى أمِّ سلمةَ فسألتْها عنْ كُحْلِ الجلاءِ فقالتْ أم سلمةَ: لا يُكْتَحَلُ منهُ إلا مِنْ أمرٍ لا بدَّ منهُ يشتدُّ عليكِ فتكتحلينَ بالليلِ وتمسحينَهُ بالنَّهارِ. ثمَّ قالتْ أمُّ سلمةَ: دخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ أبو سَلمةَ وذكرتْ حديثَ الصَّبْرِ، قالَ ابنُ عبدِ البرّ: وهذا عندي وإنْ وإنَّ مخالِفًا لحديثِها الآخرَ الناهي عن الكحلِ معَ الخوفِ على العينِ إلا أنهُ يمكنُ الجَمْعُ بأنهُ ﷺ عرفَ منَ الحالةِ التي نَهَاهَا أن حَاجَتَها إلى الكحلِ خفيفةٌ غيرُ ضروريةٍ والإباحةُ في الليلِ لدفعِ الضررِ بذلكَ. قلتُ: ولا يخْفَى أن فَتْوَى أمِّ سلمةَ قياسٌ مِنْها للكحلِ على الصبرِ، والقياسُ معَ النصِّ الثابتِ والنَّهْيِ المتكررِ لا يُعْمَلُ بهِ عندَ مَنْ قالَ بوجوبِ الإحدادِ. ٥/ ١٠٤٣ - وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَعَلْتُ عَلَى عَيْني صَبِرًا، بَعْدَ أنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّهُ يُشِبُّ الْوَجْهَ، فَلا تَجْعَلِيهِ إلَّا باللَّيْلِ وَانْزَعِيهِ بالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإنَّهُ خِضَابٌ"، قُلْتُ: بِأَيِّ شيْءٍ أمْتَشِطُ؟ قَالَ: "بِالسِّدْرِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢)، وَإسْنَادُهُ حَسَنٌ. [ضعيف] (وعنْ أمِّ سلمةَ قالتْ: جعلْتُ عَلَى عَيْني صَبرًا بعدَ أنْ تُوُفِّيَ أبو سلمةَ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : إنهُ يُشِبُّ (٣) الوجْهَ) بضم حرفِ المضَارَعَةِ (فلا تَجْعَلِيهِ إلَّا بالليلِ وانزعِيهِ بالنهارِ ولا تمتشطي بالطِّيبِ ولا بالحناءِ فإنه خضابٌ، قلتُ: بأيِّ شيء أمتشطُ قالَ: بالسِّدْرِ. رواة أبو داودَ والنسائيُّ وإسنادُه حسنٌ). فيهِ دليل على تحريمِ الطّيبِ وهوَ عامٌّ لكلّ طِيبٍ. وقدْ وردَ في لفظِ: لا تمسَّ طِيْبًا. ولكنُه قدِ استَثْنَى فيما سلفَ حالَ طُهْرِها منْ حَيْضِها وأذِنَ لها في القُسطِ والأظفارِ. قالَ البخاريُّ: القسطُ والكستُ مثلُ الكافورِ والقافورِ يجوزُ في كلٍّ منْهما القاف والكافُ. قالَ النوويُّ (٤): القُسطُ والأظفارُ نَوْعَانِ معروفانِ منَ البُخُورِ.

стр. 1801

النهي عن الكحل للمعتدَّة ٦/ ١٠٤٤ - وَعَنْهَا ﵂ أن امْرَأَة قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: "لَا"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] (وعنْها) أي أمِّ سلمةَ (أن امرأةً قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ إن ابْنَتِي ماتَ عَنْها زوجُها وقدِ اشتكتْ عينُها أفَتَكْحُلُها) [بضمِّ الحاءِ] (٢) (قالَ: لا. متفقٌ عليهِ) تقدَّمَ الكلامُ في الكُحْلِ وظاهرُ الحديثِ أنَّها [لا تكتحل] (٣) للتداوي فمنْ قالَ: إنهُ تمنعُ الحادَّةُ منَ الكحلِ بالإثْمدِ لأنهُ الذي [يحصل] (٤) بهِ الزينةُ، فأما الكحلُ التُوتْيَا والغندروتُ ونحوُهما فلا بأسَ بِهِ؛ لأنهُ لا زينةَ فيهِ بلْ يصحُّ العينَ، يردُّ عليهِ لفظُ الحديثِ، فإنَّها سألتْ عن كحلٍ تُدَاوَى بهِ العينِ لا عنْ كُحْلٍ الإثْمدِ بخصُوصِهِ إلَّا أنْ يُدَّعَى أن الكحلَ إذا أُطْلِقَ لا يتبادرُ إلا إليهِ. تخرج المعتدة لحاجة ٧/ ١٠٤٥ - وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا. فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أنْ تَخْرُجَ، فَأَتَت النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "بَلَى، جُذِّي نَخْلَكِ، فإنَّكَ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] (وعنْ جابرٍ قالَ: طلِّقَتْ خالتي فأرادتْ أنْ تَجدَّ) بالجيمِ والذالِ المعجمةِ هوَ القَطْعُ المستأصِلُ كما في "القاموس" (٦)، وفي "النهاية" (٧): بالدالِ المهملةِ صِرَامُ النخلِ وهوَ قطعُ ثمرِهَا (فزجرَهَا رجلٌ أنْ تخرجَ فأتتِ النبيَّ ﷺ فقالَ: بلْ جذِّي نَخْلَكِ فإنَّكِ عَسَى أنْ تَصَّدَّقي أو تفعلِي مَعْرُوفًا. رواة مسلمٌ) في باب جوازِ خروجِ المعتدَّةِ البائنِ كما بَوَّبَ لهُ النوويُّ (٨). وأخرجهُ أبو داودَ (٩) والنسائيُّ (١٠) بزيادةِ طُلِّقَتْ خالتي ثلاثًا.

стр. 1802

والحديثُ دليلٌ عَلَى جَوازِ خروجِ المعتدَّةِ منْ طلاقٍ بائنٍ من مَنْزِلِها في النهارِ للحاجةِ إلى ذلكَ ولا يجوزُ لغيرِ حاجةٍ. وقدْ ذهبَ إلى ذلكَ طائفةٌ منَ العلماءِ وقالُوا: يجوزُ الخروجُ للحاجةِ والعذْرِ ليلًا ونَهَارًا كالخوفِ وخَشْيَةِ انهدامِ المنزلِ، ويجوزُ إخراجُها إذا تأذَّتْ بالجيرانِ أو تأذَّوا بِها أذَىً شديدًا، لقولِه تعالَى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١)، وفسَّرَ الفاحشةَ بالبذاءةِ على الأحماءِ [ونحوهم] (٢). وذهبتْ طائفةٌ منْهم إلى جوازِ خُروبِها نَهَارًا مطلقًا دونَ الليلِ للحديثِ المذكورِ وقياسًا عَلَى عِدَّةِ الوفاةِ، ولا يخْفَى أن الحديثَ المذكورَ عُلِّلَ فيهِ جوازُ الخروجِ برجاءِ أنْ تَصدَّقَ أوْ تفعلَ معروفًا وهذا عذرٌ في الخروجِ، وأما لغيرِ عُذْرٍ فلا يدل عليهِ، إلَّا أنْ يُقَالَ إنَّما هذا رجاءُ فعلِ ذلكَ، وقدْ يُرْجَى في كل خُروجٍ في الغالبِ. وفيهِ دليلٌ على استحبابِ الصَّدَقَةِ منَ التمرِ عندَ جِدَادِهِ واسْتِحْبَابِ التعرِيضِ لِصَاحِبِهِ بِفِعْلِ الخيرِ والتذْكيرِ بالمعْرُوفِ والبِرِّ. المعتدَّة تمكث في بيت زوجها حتى تنقضي عدَّتها ٨/ ١٠٤٦ - وَعَنْ فُرَيْعَةَ بنْتِ مَالِكٍ أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ الَلَّهِ ﷺ أنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فإنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ مَسْكَنًا لي يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَلَمَّا كُنْتُ في الحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: "امْكُثي في بَيتِكِ حَتى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ"، قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أشْهُر وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ عُثْمَانُ. أَخْرَجَهُ أحْمَدُ (٣) وَالأرْبَعَةَ (٤)، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالذُّهَلِي وَابْنُ حِبَّانَ (٥) وَالْحَاكِمُ (٦) وَغَيْرُهُمْ (٧). [صحيح]

стр. 1803

ترجمة فُرَيْعَةَ (وعنْ فُرَيْعَةَ) (١) بضمِّ الفاءِ وفتحِ الراءِ وسكونِ المثناةِ التحتيةِ وعينٍ مهملةٍ أختِ أبي سعيدٍ الخدريِّ، شهدتْ بيعةَ الرِّضْوانِ ولها روايةٌ، (بنتِ مالكٍ أن زوْجَها خرجَ في طلبِ أَعْبُدٍ لهُ فقتلُوه قالتْ: فسألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ أن ارجعَ إلى أهلي فإنَّ زوجي لم يتركْ لي مَسْكَنًا يملكُه ولا نفقةً فقالَ: "نعمْ"، فلمَّا كنتُ في الحجرةِ ناداني فقالَ: امكُثِي في بيتِكِ حتَّى يبلغَ الكتابُ أجله، قالتْ: فاعتددت فيهِ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، قالتْ: فَقَضَى بِهِ عثمان بعدَ ذلكَ. أخرجَهُ أحمدُ والأربعةُ وصحَّحَة الترمذيُّ والذهليُّ) بضمِّ الذال [المعجمةِ] (٢) (وابن حبانَ والحاكمُ وغيرُهم) أخرجُوهُ كلُّهم منْ حديثٍ سعدِ بن إسحاقَ بنَ كعبٍ عنْ عمَّتِه زينبَ بنتِ كعبِ بن عُجْرَةَ عن [فريعة هذه المذكورة في هذا الحديث] (٣). قالَ ابنُ عبدِ البرِ (٤): هذا حديثٌ معروفٌ مشهورٌ عِنْدَ علماءِ الحجازِ والعراقِ، وأعلَّهُ عبدُ الحقِّ تِبْعًا لابنِ حزمٍ بجهالةِ حالِ زينبَ وبأنَّ سعدَ بنَ إسحاقَ غيرُ مشهورِ العدالةِ، وتُعُقِّبَ بأنَّ زينبَ هذهِ منَ التابعياتِ وهيَ امرأةُ أبي سعيدٍ، رَوَى عنْها سعدُ بنُ إسحاقَ وذكرَها ابنُ حبانَ في الثقاتِ (٥)، وقدْ رَوَى عنْها سليمانُ بنُ محمدِ بن كعبِ بن عجرةَ فهيَ امرأةٌ تابعيةٌ تحتَ صحابيٍّ، ثم رَوَى عنْها الثقاتُ ولم يطعنْ فيها بحرفٍ (٦)، وسعدُ بنُ إسحاقَ وثقهُ ابنُ معينٍ والنسائيُّ والدارقطنيُّ (٧)، وَرَوى عنهُ حمادُ بنُ زيدٍ وسفيانُ الثوريُّ وابنُ جريجٍ ومالكٌ وغيرُهم. والحديثُ دليل على أنَّ المتوفى عنْها زوجُها تعتدُّ في بيتِها الذي نوَتْ فيهِ العدةَ ولا تخرجُ منهُ إلى غيرِهِ، وإلى هذَا ذهبَ جماعةٌ منَ السلفِ

стр. 1804

والخلفِ، وفي ذلكَ عدَّةُ رواياتٍ وآثارٌ عن الصحابةِ ومَنْ بعدَهمْ (١). وقالَ بهذَا أحمدُ والشافعي وأبو حنيفةَ وأصحابُهم، وقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: وبهِ يقولُ جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ بالحجاز والشامِ ومصرَ والعراقِ وقضَى بهِ عمرُ بمحضَرٍ منَ المهاجرينَ والأنصارِ. والدليلُ حديثُ [فريعة] (٢) ولم يَطْعنْ فيهِ أحدٌ ولا في رُواتِهِ إلا ما عرفتَ وقدْ دُفعَ. ويجبُ لها السُّكْنَى في مالِ زَوْجِهَا لقولِه تعالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (٣)، والآيةُ وإنْ كانَ قدْ نُسِخَ [منها] (٤) استمرارُ النفقةِ والكسوةِ حولًا فالسُّكْنَى باقٍ حُكْمُهَا مدةَ العِدَّةِ، وقدْ قرَّرَ الشافعيُّ الاستدلالَ بالآيةِ بما فيهِ تطويلٌ. وذهب طائفةٌ منَ السلفِ والخلَفِ إلى أنهُ لا سُكْنَى للمتوفَّى عنْها. رَوَى عبدُ الرزاقِ (٥) عنْ عُرْوَةَ عنْ عائشَةَ أنَّها كانتْ تفتي المتوفَّى عنْها بالخروجِ في عِدَّتِها. وأخرجَ أيضًا (٦) عن ابن عباسٍ أنهُ قالَ: إنَّما قالَ اللَّهُ تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ ولمْ يقلْ تعتدُّ في بَيْتِهَا فتعتدُّ حيثُ شاءتْ. ومثلُه أخرجَهُ (٧) عنْ

стр. 1805

جابرٍ بن عبدِ اللَّهِ، ومثلُه عنْ جماعةٍ منَ الصحابةِ وإليهِ ذهبَ الهادي فقالَ: لا تجبُ لها السُّكْنَى لا تبيتُ إلَّا في مَنْزِلِهَا. ودليلُهم ما ذكرَهُ ابنُ عباسٍ منْ أنهُ تعالَى ذَكَرَ مُدَّةَ العدةِ ولم يذكرِ السُّكْنَى. والجوابُ أنهُ ثَبَتَ بالسُّنَّةِ وهوَ حديثُ [فريعة] (١) وبالكتابِ أيضًا كما تقدَّمَ، إلَّا أن [فريعة] (٢) صرَّحتْ فيهِ أن البيتَ ليسَ لِزَوْجِها، فيُوخَذُ منهُ أنَّهَا لا تخرجُ منَ البيتِ الذي ماتَ فيهِ وهي فيهِ، سواءٌ كانَ لهُ [أم] (٣) لا. وقدْ أطالَ في "الهدي النبويِّ" (٤) الكلامَ على ما يتفرَّعُ من إثباتِ السُّكْنَى، وهلْ تجبُ على الوَرَثَةِ منْ رأسِ الترِكَةِ أوْ لا؟ وهلْ تَخْرُجُ منْ منزِلها للضرورةِ [أم لا] (٥)؟ وذَكَرَ خِلَافًا كثيرًا بينَ العلماءِ في ذلكَ ليسَ للتطويلِ بنقلهِ كثيرُ فائدةٍ، إذْ ليسَ عَلَى شيءٍ منْ تلكَ الفروعِ دليلٌ ناهضٌ. ٩/ ١٠٤٧ - وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). [صحيح] (وعنْ فاطمةَ بنْتِ قيسٍ قالتْ: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجي طَلَّقَنِي ثلاثًا وأخافُ أنْ يُقْتَحَمَ) [بغير] (٧) الصيغةِ (عليَّ) أي يُهْجَمُ عليَّ أحدٌ بغيرِ شعورٍ (فَأَمَرَهَا فتحوَّلتْ. رواهُ مسلمٌ). تقدَّم الكلامُ على حديثٍ فاطمةَ وحكمِ ما أفادَه ولا وجْهَ لإعادةِ المصنفِ لهُ. عدَّة أم الولد إذا توفي عنها سيدها ١٠/ ١٠٤٨ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٨) وَأَبُو دَاوُدَ (٩) وَابْنُ مَاجَهْ (١٠)،

стр. 1806

وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١)، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بالانْقِطَاعِ (٢). [حسن] (وعنْ عمرِو بن العاصِ قالَ: لا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّة نبينا، عِدَّة أمِّ الولدِ إذا تُوُفِّيَ عنْها سيِّدُها أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ. رواة أحمدُ وأبو داودَ وابن ماجهْ وصحَّحَة الحاكمُ وأعلَّهُ الدارقطنيُّ بالانقطاعِ)، وذلكَ لأنهُ منْ روايه قُبَيْصَه بن ذُؤيبٍ عنْ عمرِو بن العاصِ ولم يَسْمعْ منهُ، قالَه الدارقطنيُّ. وقالَ ابنُ المنذرِ: ضَعَّفَهُ أحمدُ وأبو عبيدٍ. وقالَ محمدُ بنُ موسى: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عنهُ فقالَ: لا يصحُّ. وقالَ الميمونيُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّهِ يتعجب منْ حديثٍ عمرِو بن العاصِ هذَا ثمَّ قالَ: أيُّ سُنَّةٍ للنبيِّ ﷺ في هذا وقالَ: أربعةَ أشهرٍ وعشرًا إنَّما هيَ عِدَّةُ الحرَّةِ عن النِّكاحِ وإنَّما هذهِ أمَة خرجتْ عن الرِقِّ إلى الحريَّةِ. وقالَ المنذري (٣) في إسنادِ حديثٍ عمرٍو: مطرُ بنُ طَهْمَانَ أبو رَجَاءٍ الورَّاقُ وقدْ ضعَّفهُ غيرُ واحدٍ، ولَهُ عِلَّةٌ ثالثةٌ هيَ الاضطرابُ، لأنهُ رُوِيَ على ثلاثةِ وُجُوهٍ. قالَ أحمدُ (٤): حديثٌ مُنْكَرٌ. وقَدْ رَوَى خُلاسُ عنْ عليٍّ مثلَ روايةٍ قبيصةَ عنْ عمرٍو لكنَّ خُلاسَ بنَ عمرٍو قدْ تُكُلِّمَ في حديثِه كانَ ابنُ معينٍ لا يَعْبَأُ بحديثِه. وقال أحمدُ في روايتِه عنْ عليٍّ: يُقَالُ إنَّها كتابٌ. وقالَ البيهقيُّ (٥) روايةُ خُلاسٍ عنْ عليٍّ ضعيفةٌ عندَ أهلِ العلمِ والمسألةُ فيها خلافٌ ذهبَ إلى ما أفادَهُ حديثُ عمرٍو الأوزاعيِّ، والناصرُ، والظاهريةُ، وآخرونَ وذهبَ مالكٌ والشافعيِّ وأحمدُ وجماعةٌ (٦) إلى أن عِدَّتَها
следующие страницы →